← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقد رجح الأئمة المتقدمون رواية الإرسال على الوصل. فقد قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث. فقال: قد روى داود بن عبد الرحمن العطار عن معمر هذا وقال: عن ابن عباس. وقال الناس: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً"١. فظاهر كلام البخاري أن هناك جمعاً من الرواة كلهم يروون هذا الحديث عن معمر مرسلاً. وقال أبو حاتم أيضاً: "الصحيح عن عكرمة أن النبي ﷺ مرسل"٢. ورجح إرساله أيضاً ابن خزيمة٣، والبيهقي٤. فعلى هذا فإن الراجح في هذا الحديث أنه مرسل. والله أعلم. ١٧٥ - (٥) عن جابر بن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند٥، ومن طريقه الخطيب البغدادي٦، بإسناده عن أبي عمر المقري، عن سماك بن حرب به. وأبو عمر المقري قال فيه الهيثمي: "إن كان هو الدوري فقد وثق والحديث صحيح. وإن كان غيره فلم أعرفه"٧.

стр. 527

والصحيح أن أبا عمر المقري هو حفص بن سليمان صاحب عاصم. وقد ذكر الخطيب هذا الحديث في ترجمته وبيّن أنه هو أبو عمر المقري. وحفص بن سليمان هو ابن المغيرة أبو عمر الأسدي البزار. قال فيه أحمد، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه١. ولذا قال ابن حجر فيه: متروك الحديث مع إمامته في القراءة٢. فعلى هذا لا يعتبر بهذه الطريق لضعف حفص بن سليمان ضعفاً شديداً. والله أعلم. وقد جاء الحديث من طريق أخرى أضعف منها، وذلك فيما رواه الطبراني في الكبير٣، وابن عدي٤، بإسنادهما عن إبراهيم بن راشد الأدمي ثنا داود بن مهران ثنا محمد بن الفضل بن عطية عن سماكٍ به. وهذا الإسناد فيه محمد بن الفضل بن عطية، قال فيه أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب، وقال ابن معين: ضعيف. وقال مرّة: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال مرّةً: كان كذاباً لم يكن ثقة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث تُرك حديثه. وقال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي مرّةً: كذاب٥.

стр. 528

قال ابن حجر: كذبوه١. وفي الإسناد أيضاً إبراهيم بن راشد الأدمي. قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الخطيب، واتهمه ابن عدي٢. فعلى هذا فإن هذه الطرق لا يقوي بعضها بعضاً. فمما سبق يتبين أن هذا الحديث عن جابر بن سمرة ضعيف جداً، فلا يعتبر به. والله أعلم.

стр. 529

دلالة الأحاديث السابقة: أحاديث هذا الفصل تدل على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وبه قال أبو حنيفة١. إلا أنه قد سبق أن هذه الأحاديث في جميعها مقال. إلا أن الراجح أنها بمجموعها تصلح للاحتجاج، وقد عارضها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ "أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" ٢، وقلاص جمع قلوص، وهي الناقة الشابة٣.

стр. 530

فهذا الحديث يدل على إباحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وإلى هذا ذهب الشافعي١ وأحمد في الصحيح من مذهبه٢. وقد حكى البخاري هذا المذهب عن ابن عمر، ورافع بن خديج، وابن المسيب، وابن سيرين٣، ورواه مالك٤ عن علي ﵁. ولهذا القول أدلة أخرى غير هذا الحديث، إلا أن هذا الحديث هو أقواها. وأما دعوى النسخ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄-٥، فلا دليل عليها. والله أعلم. وذهب مالك إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بشرط ألا يتحدا في الجنس والمنفعة، فيجوز أن يبتاع البعير بالبعير نسيئة، أما إذا اختلفا في الجنس فيجوز مطلقًا، ويجوز أيضًا إذا اختلفا في المنفعة بيعهما مطلقًا، كما لو باع بعيرًا نجيبًا ببعيرين ليسا كذلك نسيئة، وهذا عند المالكية في الحيوان وغيره، فإنه لا يجوز السلم عندهم في شيئين من جنس واحد إلا متماثلين في العدد والصفة إلا أن تختلف المنفعة، وعندهم أن الشيء في مثله قرض٦.

стр. 531

فخلاصة مذهب مالك أنه لا يجتمع التفاضل والنَّسَاء في الجنس الواحد، والجنس عنده ما اتفقت منافعه وأشبه بعضه بعضًا١، وهذا القول رجح شيخ الإسلام ابن تيمية٢، وابن القيم٣. وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة. وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ يحمل على اختلاف المنافع والأغراض؛ فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضًا هو من إبل الصدقة قد يكون من بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها٤. وهذا أولى ما يحمل عليه الحديث، وهو أولى من حمله على حاجة الجهاد٥؛ لأن هذا وإن صلح جوابًا عن هذا الدليل فالأدلة الأخرى لا يتم فيها هذا الجواب. وأما بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً، يدًا بيد فلم يرو فيه نهي، وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين" ٦.

стр. 532

الفصل الخامس: ما ورد في النهي عن بيع اللحم بالحيوان ١٧٦ - (١) عن سمرة بن جندب ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم". رواه الحاكم١ وهذا لفظه، والبيهقي٢، كلاهما من طريق إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن قتادة عن الحسن عنه به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري عن سمرة بن جندب عدّه موصولاً، ومن لم يثبته فهو مرسل جيِّد. وقد سبق الكلام في سماع الحسن من سمرة٣ ﵁، وأن الراجح فيه ثبوت سماعه منه في الجملة، ولكن يشترط تصريحه بالسماع منه؛ لأن الحسن مدلِّس. وهو في هذا الحديث لم يصرِّح بالسماع، فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وقد تقدم في الفصل السابق أن قتادة يروي هذا الحديث عن الحسن، عن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". وقد روى هذا الحديث عن قتادة جماعة؛ منهم شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، فهل الحديثان محفوظان عن قتادة؟ الله أعلم.

стр. 533

١٧٧ - (٢) عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزوراً قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء كل جزءٍ منها بعناقٍ، فأردت أن أبتاع منها جزءاً، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ "نهى أن يُباع حيٌّ بميِّتٍ" قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأُخبرت عنه خيراً". رواه الشافعي١ - ومن طريقه البيهقي٢ - بإسناده عن مسلم بن خالد الزِّنجي عن ابن جريج به. ومسلم بن خالد الزِّنحي تقدم الكلام فيه وأنه صدوق كثير الأوهام٣. وابن جريج إمام مشهور إلا أنه يدلِّس٤، ولم يصرِّح بالسماع في هذا الحديث. وفيه أيضاً راو مبهم، وهو الذي حدث القاسم بن أبي بزة، وهو ليس بصحابي؛ لأن القاسم لم يلق أحداً من الصحابة٥. ولذا ذكره الحافظ ابن حجر في الطبقة الخامسة٦. فهو على ذلك مرسل أيضاً. فعلى هذا فإن الحديث ضعيف لضعف مسلم الزِّنجي، وتدليس ابن جريج، والإبهام في أحد رواته، والإرسال. والله أعلم.

стр. 534

١٧٨ - (٣) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الحيوان باللحم". رواه مالك١، وعبد الرزاق٢، وأبو داود في المراسيل٣، والدارقطني٤، والحاكم٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن سعيد بن المسيب به مرسلاً. ولفظ أبي داود: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحي بالميت". ورواه مسدد٧ بإسناده عن يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم به مرسلاً، ولفظه "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان". والمحفوظ في متنه عن مالك ما تقدم، وأما لفظ مسدد فخطأ. قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجهٍ ثابت من الوجوه عن النبي ﷺ ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله٨. ثم ذكر ابن عبد البر بإسناده عن يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان ". "قال ابن عبد البر: وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك ولا أصل له من حديثه".

стр. 535

والحديث الذي ذكره ابن عبد البر عن سهل بن سعد ﵁ أخرجه أيضاً الدارقطني١، وأبو نعيم في الحلية٢. قال الدارقطني: "تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلاً". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث مالك عن الزهري عن سهل، تفرد به يزيد بن عمرو عن يزيد". وقال البيهقي في رواية يزيد بن مروان: "غلط فيه"٣. ويزيد بن مروان قال فيه ابن معين: كذاب. قال الدارمي: قد أدركته وهو ضعيف قريب مما قال يحيى. وقال الدارقطني: ضعيف جداً. وقال ابن عدي: ليس بذاك المعروف٤. فعلى هذا فإن رواية يزيد بن مروان منكرة. والمحفوظ عن سعيد بن المسيب الإرسال. والله أعلم. ١٧٩ - (٤) عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان". رواه البزار٥ بإسناده عن ثابت بن زهير عن نافعٍ عنه به. وقال: "لا نعلم رواه عن نافع إلا ثابت وهو بصري".

стр. 536

وثابت بن زهير قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث لا يشتغل به. وذكره ابن المديني في المتروكين من أصحاب نافع. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: منكر الحديث١. فعلى هذا فإن هذا الإسناد لا يعتبر به لشدة ضعف ثابت بن زهير. والله أعلم.

стр. 537

دلالة الأحاديث السابقة: أحاديث هذا الفصل تدل على النهي عن بيع اللحم بالحيوان مطلقاً سواءً أكان من جنسٍ واحد أم لا. وبهذا قال مالك١، والشافعي٢، وأحمد٣. والشافعي من أكثر القائلين بالنهي؛ سواء أكان اللحم والحيوان من جنس واحد أم لا٤، ويروى عن أبي بكر الصديق ﵁ القول بالنهي عن بيع اللحم بالحيوان، ولا يصح٥. وقال أبو حنيفة: بيع اللحم بالحيوان جائز بكل حال٦. ووافقه محمد بن الحسن إذا كان اللحم أكثر من الحيوان٧. وإنما أجاز أبو حنيفة بيع اللحم بالحيوان بناءً على قوله في علة الربا أنها الكيل أو الوزن، والحيوان ليس بمكيل ولا موزون٨. وقد تقدم أن الأحاديث الواردة في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وإن كان في أسانيدها ضعف، إلا أنها تصلح بمجموعها للاحتجاج، ما عدا الحديث الأخير فهو ضعيف جدًا.

стр. 538

وقد علل الإمام مالك وغيره النهي عن بيع اللحم بالحيوان بالغرر والقمار؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر١. وقد تقدم أن الإمام مال يرى أن ذلك من المزابنة٢. وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية٣ وابن القيم٤ إلى أن المراد بالنهي الوارد عن بيع اللحم بالحيوان هو ما إذا كان الحيوان مقصودًا للحم؛ كشاة يقصد لحمها، فتباع بلحم، فيكون قد باع لحمًا بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون، فيدخله ربا الفضل.

стр. 539

الفصل السادس: ما ورد في النهي عن بيع العينة ١٨٠ - (١) عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". جاء هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ من طرقٍ: الطريق الأولى: نافع عنه به: رواه أبو داود١ باللفظ المذكور، والدولابي٢، وابن عدي٣ - ومن طريقه البيهقي٤ - وأبو نعيم الأصبهاني٥، كلهم من طرقٍ عن حيوة بن شريح عن إسحاق أبي عبد الرحمن، أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعاً حدثه به. وحيوة بن شريح هو التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت٦.

стр. 540

وأما إسحاق أبو عبد الرحمن، فهو إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الأنصاري. قال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور ولا يشتغل به. وقال ابن عدي: مجهول. وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وقال أبو أحمد الحاكم: مجهول١. ولذا قال ابن حجر: "فيه ضعف"٢. وعطاء الخراساني، هو عطاء بن أبي مسلم. قال فيه ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به٣. ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: ما أعرف لمالكٍ رجلاً يروي عنه يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني. - قال الترمذي -: قلت: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة. قال الترمذي: وعطاء الخراساني رجل ثقة روى عنه مثل مالك ومعمر ولم نسمع أن أحداً من المتقدمين تكلم فيه بشيء". ووثق عطاء الخراساني أيضاً الأوزاعي، وأحمد، ويعقوب بن شيبة، والطبراني. وأما الحكاية عن سعيد بن المسيب أنه كذبه فلا تثبت٤.

стр. 541

قال الذهبي: "صدوق مشهور"١. وهذا أولى من قول ابن حجر: "صدوق يهم كثيراً"٢. فالراجح - والله أعلم - أنه لا ينزل عن رتبة الصدوق. وقد رجّح ابن رجب أن يكون ثقة٣. والله أعلم. فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لحال إسحاق بن أسيد الأنصاري، إلا أنها تصلح للاعتبار. وقد توبع إسحاق بن أسيد متابعة قاصرة، وذلك فيما رواه العسكري في تصحيفات المحدثين٤ بإسناده عن فضالة بن حصين٥ عن أيوب عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً ولفظه "لقد أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة ... " الحديث. - ولم يسق تمام متنه -. إلا أن هذه المتابعة لا تصلح للاعتبار، وذلك أن فضالة بن حصين وهو الضبي قال فيه البخاري وأبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن محمد بن عمرو ما لا يتابع عليه، وعن غيره ما ليس من حديثهم. وقال أبو نعيم: روى المناكير، لا شيء. وقد ذكر له الحافظ ابن حجر حديثاً اتهم بوضعه٦. فعلى هذا فإن هذه المتابعة ضعيفة جداً. والله أعلم.

стр. 542

الطريق الثانية: عطاء بن أبي رباح عنه به: رواه أحمد١، وأبو أمية الطرسوسي٢، وأبو يعلى٣، والطبراني في الكبير٤، والبيهقي في شعب الإيمان٥، وأبو نعيم الأصبهاني٦. كلهم من هذا الطريق. ولفظ أحمد: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم". ومعنى قوله "إذا ضن الناس" أي: بخل٧. قال ابن القطان عن هذا الإسناد: حديث صحيح رجاله ثقات٨. وقال ابن حجر: رجاله ثقات٩. وقال في موضع آخر: "عندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان١٠ معلول، لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً؛ لأن الأعمش مدلِّس ولم يذكر سماعه من عطاء.

стр. 543

وعطاء يحتمل أن يكون هو الخراساني فيكون فيه تدليس تسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر فرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور"١. يعني أنه عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر - وقد سبق ذكره في الطريق السابقة -. ولكن الجواب عما ذكره الحافظ ابن حجر أن في رواية أحمد والطبراني التصريح بأن عطاء هو ابن أبي رباح. وأما تدليس الأعمش فقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية من مراتب المدلِّسين٢ الذين يحتمل تدليسهم. ولم يُذكر عن الأعمش تدليس التسوية. والله أعلم. فمما سبق يتبين أن هذه الطريق صحيحة، كما قال ابن القطان وابن حجر في أحد قوليه. والله أعلم. وقد روى ابن عدي٣ بإسناده عن بشير بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵁ هذا الحديث بنحو حديث ابن عمر ﵄، وبشير بن زياد قال فيه ابن عدي: "في حديثه بعض النكرة"، وذكر هذا الحديث عنه. وموضع النكارة منه أن الحديث إنما هو عن ابن عمر ﵄ وقد جعله من حديث جابر ولم يتابع على ذلك. فرجع الحديث إلى ابن عمر ﵄. وأما رواية بشير بن زياد فلا تصح. والله أعلم.

стр. 544

الطريق الثالثة: عن شهر بن حوشب عنه به: رواه أحمد١، والخطيب البغدادي٢. كلاهما من طريق أبي جناب٣ يحيى بن أبي حية عن شهرٍ به. وقد تقدم الكلام في أبي جناب٤ وأنه ضعيف مدلِّس. ولم يصرح بالسماع في هذا الحديث. وقد تقدم الكلام في شهر بن حوشب٥، وأنه صدوق. فمما تقدم يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لحال أبي جناب الكلبي، ولكنها مع ذلك صالحة للاعتبار. فالحديث عن ابن عمر ﵄ يترجح أنه حديث صحيح. والله أعلم.

стр. 545

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع العينة. والعينة أن يبيع رجل من رجلٍ سلعةً بثمنٍ معلومٍ إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. وسميت العينة بذلك لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل مقصده من دفع قليلٍ ليأخذ عنه كثيراً، أو لحصول العين وهو النقد لبائعها١، أو لأنه يعود إلى البائع عين ماله٢. وبهذا القول - وهو النهي عن بيع العينة - قال أبو حنيفة٣، ومالك٤، وأحمد٥. وأما الشافعي فقال: من باع سلعةً من السلع إلى أجلٍ من الآجال وقبضها المشتري فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراها بأقل من الثمن أو أكثر، ودين أو نقد؛ لأنها بيعة غير البيعة الأولى٦. إلا أنه تقدم أنه قد صحّ النهي عن بيع العينة، وإضافةً إلى ذلك فالعينة ذريعة إلى الربا٧، وقرض دراهم بأكثر منها٨، لأن غرض المتبايعين بالعينة

стр. 546

ومقصودهما الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزءٍ من أجزائه لم يبالوا جعلها مورداً للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها١. لذا جاء عن ابن عباس ﵄ قوله: "اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة ". وروي عن ابن عباس وأنس ﵄ أنهما سُئلا عن بيع العينة فقالا: "إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله"٢. وأما ما ذكره الشافعي من كون البيعة الثانية غير البيعة الأولى، فهذا في الظاهر، وإلا فهي في الحقيقة - كما تقدم - أنها بيعة واحدة، وإنما يجعلها المتعاقدان في عقدين من باب الاحتيال على المحرم، والاحتيال على المحرم لا يحله٣.

стр. 547

الباب السادس: الأحاديث الواردة في النهي عما يلحق الضرر والغبن بأحد المتبايعين أو كان النهي لأمر آخر مما هو خارج عقد البيع الفصل الأول: ما ورد في النهي عن النجش ... الفصل الأول: ما ورد في النهي عن النجش ١٨١ - (١) عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النجش". رواه مالك١، ومن طريقه البخاري٢، ومسلم٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، عن نافع عنه به. وسوف يأتي ذكر النهي عن بيع النجش من حديث ابن عمر ﵄ أيضاً في فصل: النهي عن تلقي الركبان - إن شاء الله تعالى -. ١٨٢ - (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "أقام رجلٌ سلعته فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يعطها، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ... ﴾ الآية٧. قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل رباً خائن".

стр. 548

رواه البخاري١ واللفظ له، وابن أبي شيبة٢ - مختصراً -، وابن أبي حاتم٣، والحاكم٤. كلهم من طرقٍ عن العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو إسماعيل السكسكي عنه به. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقد سبق أن البخاري قد رواه. ورواه البزار٥، ومن طريقه الطبراني في الكبير٦ من طريق إبراهيم بن يوسف الكوفي الصيرفي، حدثنا حفص بن غياث عن العوام بن حوشب به مرفوعاً، بلفظ: "الناجش آكل الربا ملعون"، وسقط من إسناد الطبراني ذكر إبراهيم الصيرفي، وهو موجود في إسناد البزار في المسند، ولم يعزُ الهيثمي هذا الحديث إلى البزار، وهو على شرطه٧. قال البزار: "هذا الحديث قد رواه غير واحدٍ عن ابن أبي أوفى موقوفاً، ولا نعلم أحداً أسنده عن حفص إلا إبراهيم بن يوسف". وإبراهيم بن يوسف الصيرفي قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات٨. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق فيه لين"٩.

стр. 549

وقد خالف إبراهيم بن يوسف غيره في هذا الحديث - كما أشار البزار -، وذلك أن المحفوظ عن العوام بن حوشب هذا الحديث موقوف. فعلى هذا فإن رواية إبراهيم بن يوسف شاذة. والله أعلم. ١٨٣ - (٣) عن عمران بن حصين ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلب والجنب، ونهى عن النجش واللمس في البيع، ونهى أن يبتاع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه". رواه إبراهيم بن طهمان في مشيخته١، ومن طريقه الطبراني في الكبير٢، من طريق مطر الورّاق عن رجاء بن حيوة عنه به. ومطر الورّاق ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد، وابن معين في عطاء خاصة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن سعد: كان فيه ضعف في الحديث. وقال البزار: ليس به بأس. وقال أبو داود: ليس هو عندي بحجة ولا يقطع به في حديثٍ إذا اختلف٣. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف"٤. وفي الإسناد علة أخرى وهي الانقطاع بين رجاء بن حيوة وعمران بن حصين ﵁، ومما يدل على ذلك أن عمران بن حصين ﵁ توفي سنة اثنتين

стр. 550

وخمسين١، بينما توفي رجاء بن حيوة سنة اثنتي عشرة ومائة٢. فبين وفاتيهما ستون سنة. وقد قال يحيى بن معين في رجاء بن حيوة: "أدرك رجاء بن حيوة معاوية"٣. والظاهر من هذه العبارة أنه قد أدرك آخر خلافة معاوية ﵁ وقد توفي معاوية ﵁ سنة ستين من الهجرة٤. ويضاف إلى هذا أن عمران ابن حصين ﵁ كان في البصرة، وكان رجاء بن حيوة في الشام. وقد حدث رجاء بن حيوة عن بعض الصحابة ولم يسمع منهم٥. فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف. وأما متن الحديث فمعروف عن عمران بن حصين ﵁ من طرقٍ وليس فيها ذكر النهي عن النجش واللمس في البيع، فإن هذا مما تفرد به مطرق الوراق عن رجاء بن حيوة. والله أعلم. ١٨٤ - (٤) عن عصمة بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حمى في الإسلام ولا مناجشة". رواه الطبراني في الكبير٦ من طريق أحمد بن رشدين المصري عن خالد بن عبد السلام الصدفي عن الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب عنه به.

стр. 551

وأحمد بن رشدين المصري شيخ الطبراني كذبه أحمد بن صالح المصري. وقال ابن عدي: كذبوه، وأُنكرت عليه أشياء١. والفضل بن المختار هو أبو سهل البصري. قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها٢. فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيفٌ جداً، وقد يكون موضوعاً. والله أعلم. ومما ورد في هذا الفصل أيضاً: (٥) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٣. (٦) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد تقدم٤. (٧) حديث أبي هريرة ﵁، وسوف يأتي٥. (٨) حديث ابن عباس ﵄، وسوف يأتي٦. (٩) حديث عبد الله بن عمر ﵄، وسوف يأتي٧.

стр. 552

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن النجش في البيع. والنجش بنون وجيم مفتوحتين، وحكي سكون الجيم١. وهو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها٢. والنجش حرام بالإجماع٣. ويقع بمواطأة البائع مع الناجش، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص ذلك بالناجش، وقد يختص بالبائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعةً بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك٤. وإنما نهي عن النجش؛ لأنّ فيه تغريراً للراغب في السلعة وتركاً لنصيحته التي هو مأمور بها٥.

стр. 553

الفصل الثاني: ما ورد في النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه وأن يستام الرجل على سوم أخيه ... الفصل الثاني: ورد في النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه وأن يستام الرجل على سوم أخيه ١٨٥ - (١) عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب". رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، وأحمد٨، والدارمي٩، كلهم من طرقٍ عن نافعٍ عنه به. إلا أن في لفظ أبي داود وأحمد: "لا يبع على بيع أخيه إلا بإذنه"، وفي لفظ للنسائي: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر".

стр. 554

ورواه أحمد من وجهٍ آخر عن حسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة ثنا عبيد الله بن أبي جعفر عن زيد بن أسلم قال: سمعت رجلاً سأل عبد الله بن عمر ﵄ عن بيع المزايدة، فقال ابن عمر ﵄: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث"١. وقد تقدم الكلام٢ في ابن لهيعة وأنه ضعيف. إلا أنه قد تابعه عمر بن مالك كما عند ابن الجارود٣، والدارقطني٤. وعمر بن مالك هذا جعله ابن حجر في مرتبة "لا بأس به"٥، وتابعهما أيضاً أسامة بن زيد الليثي كما عند الدارقطني٦، إلا أن في إسناده الواقدي وهو متروك، وقد كذبه بعضهم٧. فمما تقدم يتبين أن هذا الطريق حسن. ورواه الدارقطني من طريق كامل بن طلحة أبي يحيى عن ابن لهيعة به بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث"٨. وكامل بن طلحة قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: مقارب الحديث. ووثقه في رواية. ووثقه الدارقطني أيضاً٩.

стр. 555

وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه "لا بأس به"١. وكامل بن طلحة لم يتابع على قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المزايدة". وقد خالفه حسن بن موسى الأشيب كما سبق عند أحمد، فقد ذكر أن ابن عمر ﵄ سئل عن بيع المزايدة فقال ... " الحديث، وليس فيه أن النبي ﷺ نهى عن المزايدة. وحسن بن موسى الأشيب ثقة٢، فيقدم على كامل بن طلحة. وتكون رواية حسن بن موسى هي المحفوظة. والله أعلم. ١٨٦ - (٢) عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر". رواه مسلم٣ واللفظ له، وأحمد٤، والدارمي٥، كلهم من طرقٍ عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عنه به. وعند مسلم أن عقبة بن عامر ﵁ حدث بهذا الحديث وهو يخطب على المنبر. وعند أحمد أن ذلك كان في مصر.

стр. 556

١٨٧ - (٣) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزيد الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته". رواه أبو داود الطيالسي١ واللفظ له، ومن طريقه أحمد٢، عن عمران بن داور عن قتادة عن الحسن عنه به. ولفظ أحمد: "نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبتاع على بيعه". وعمران بن داور - بالراء المهملة في آخره - هو أبو العوام القطان البصري، قال فيه ابن معين: ليس بالقوي. وقال مرّةً: ليس بشيء. وقال البخاري: صدوق يهم. وقال أبو داود والنسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم٣. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم" ٤. وفي الإسناد عنعنة الحسن عن سمرة، وقد تقدم الكلام في سماعه منه٥. فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يرتقي بشواهده إلى الحسن. والله أعلم.

стр. 557

١٨٨ - (٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل أن تنكح المرأة بطلاق أخرى، ولا يحل لرجلٍ أن يبيع على صاحبه حتى يذره، ولا يحل لثلاثة نفرٍ يكونون بأرضٍ فلاةٍ إلا أَّمروا عليهم أحدهم، ولا يحل لثلاثة نفرٍ يكونون بأرضٍ فلاةٍ يتناجى اثنان دون صاحبهما". رواه أحمد١، والطبراني في الكبير٢، كلاهما من طريق ابن لهيعة، ثنا عبد الله ابن هبيرة عن أبي سالم الجيشاني عنه به. وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه وأنه ضعيف٣. وباقي رجال الإسناد ثقات. وأبو سالم الجيشاني هو سفيان بن هانئ، ذكره ابن حبان والعجلي في الثقات. وقد روى له مسلم. وقيل: له صحبة٤. فمما تقدم يتبين أن الشاهد من الحديث وهو بيع الرجل على بيع أخيه ضعيف بهذا الإسناد، إلا أن له شواهد صحيحة يكون بها حسناً. والله أعلم. ١٨٩ - (٥) عن سفيان بن وهب ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ ينهى عن المزايدة". رواه البزار٥ بإسناده عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن المغيرة بن زياد عنه به. قال البزار: "لا نعلم روى سفيان غير هذا".

стр. 558

وفي الإسناد ابن لهيعة وقد تقدم الكلام فيه١، وأنه ضعيف. والمغيرة بن زياد لم أعرفه، وليس هو بالموصلي. فإن الموصلي متأخر عن هذه الطبقة، وقد توفي سنة اثنتين وخمسين ومائة٢، بينما توفي سفيان بن وهب سنة اثنتين وثمانين٣، فيبعد سماعه منه، ولا سيما أن سفيان بن وهب كان في مصر والمغيرة بن زياد كان في الموصل. وكذلك فإن يزيد بن أبي حبيب قد توفي قبل الموصلي، فقد توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومائة٤ من الهجرة. فمما سبق يتبين أن الحديث ضعيف بهذا الإسناد. وأما قول البزار: "لا نعلم روى سفيان غير هذا"، فقد ذكر ابن حجر له ثلاثة أحاديث أخرى٥، وذكر ابن أبي عاصم حديثاً آخر له أيضاً٦. والله أعلم. ١٩٠ - (٦) عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا يبتاعنَّ أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه". رواه أبو يعلى٧ بإسناده عن بشر بن الحسين الأصبهاني عن الزبير بن عدي عنه به.

стр. 559

وبشر بن الحسين الأصبهاني قال فيه البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير. وقال أيضاً في حديثه عن الزبير عن أنس: هي أحاديث موضوعة، ليس للزبير عن أنس إلا أربعة أحاديث. وكذبه أبو داود. وقال الدارقطني: يروي عن الزبير بواطيل، والزبير ثقة، والنسخة موضوعة١. فمما تقدم يتبين أن الحديث بهذا الإسناد موضوع. والله أعلم. ومما ورد في هذا الفصل أيضاً: (٧) حديث عمران بن حصين ﵁، وقد تقدم٢. (٨) حديث أبي هريرة ﵁، وسوف يأتي٣. (٩) حديث عبد الله بن عمر ﵄، وسوف يأتي٤.

стр. 560

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه. وهو أن يستحسن المشتري السلعة ويهواها، ويركن إلى البائع ويميل إليه ويتذاكران الثمن، ولم يبق إلا العقد والرضي الذي يتم به البيع، فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحال، لم يجز لأحدٍ أن يعترضه فيعرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه من التبايع١. كأن يقول للمشتري: افسخ بيعك لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد٢. والنهي عن بيع الرجل على بيع أخيه مجمعٌ عليه بين العلماء٣. وقد خصّ بعض الفقهاء النهي بعد استقرار الثمن٤. وهذا لا دليل عليه، بل عموم الأحاديث الواردة في هذا الفصل تفيد النهي عنه ولو كان قبل استقرار الثمن، حتى يتركا البيع أو يأذنا له في الدخول معهما في التبايع. وفي قول النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر ﵁ "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه" إشارة إلى أن بيع الرجل على بيع أخيه مخالفٌ لمقتضى الأخوة الإيمانية؛ لأن فيه إضرارًا بأخيه المؤمن وهو سببٌ للبغضاء والعداوة بينهما. والله أعلم. ولا يدخل في النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه نصح أحد المتبايعين إن وقع له غبنٌ فاحشٌ في الثمن٥؛ لأن هذا من النصيحة، وقد قال النبي ﷺ

стр. 561

في الحديث: "الدين النصيحة". قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" ١. وأما بيع من يزيد ويسمى بيع المزايدة، ويسمى اليوم المزاد العلني، أو بيع الحراج٢، فليس داخلاً في النهي عن سوم الرجل على سوم أخيه وبيعه على بيعه. وقد استدل بعضهم على جوازه بما رواه أنس بن مالك ﵁ وذكر حديثاً طويلاً جاء فيه: أن رسول الله ﷺ باع حلساً٣ وقدحاً فيمن يزيد٤. والحديث وإن لم يثبت، إلا أن إجماع المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة٥. وقد بوّب البخاري في صحيحه باباً في بيع المزايدة٦، وذكر فيه حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه٧.

стр. 562

فقوله: "من يشتريه مني"؟ فيه عرضٌ له للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه له١. ومما يدل على إباحة المزايدة أيضاً أنه قد تقدم في الفصل السابق النهي عن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، فلو لم يكن بيع المزايدة جائزاً أصلاً لما كان للنهي عن النجش معنى، والله أعلم. وأما قول ابن عمر ﵄ لمن سأله عن بيع المزايدة: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث". فظاهره أن ابن عمر ﵄ كان يرى أن بيع المزايدة من بيع الرجل على بيع أخيه إلا بيع الغنائم والمواريث. وقد أخذ بمذهب ابن عمر ﵄ بعض أهل العلم كما قال الترمذي٢. وممن قال به الأوزاعي وإسحاق٣ وغيرهما. وقد أجاب جمهور العلماء عن هذا القول بأنه لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد والمعنى مشترك٤. والله أعلم.

стр. 563

الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن الغش في البيع ... الفصل الثالث: ورد في النهي عن الغش في البيع ١٩١ - (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس منّي". رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢، والترمذي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥. كلهم من طرقٍ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه به. قال الترمذي: "حسنٌ صحيحٌ". وفي لفظ أبي داود: "أن رسول الله ﷺ مرَّ برجل يبيع طعاماً فسأله: كيف تبيع، فأخبره. فأوحي إليه: أدخل يدك فيه فأدخل يده فإذا هو مبلول ... " الحديث. وجاء الحديث من وجهٍ آخر، فقد رواه مسلم٦، وأحمد٧ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعاً. ولفظه: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا".

стр. 564

وقوله: "من غشَّ فليس مني"، قال الطحاوي - بعد أن ذكر جملة من الأحاديث التي فيها أن من فعل كذا فليس منا، ومنها هذا الحديث - قال: "فكانت هذه الأشياء التي نفى رسول الله ﷺ من كانت منه أو كانت فيه عنه أشياء مذمومة، فكان الله قد اختار له ﷺ الأمور المحمودة، ونفى عنه الأمور المذمومة، فكان من عمل الأمور المحمودة منه، ومن عمل الأمور المذمومة ليس منه، كما حكى الله عن نبيه إبراهيم من قوله في ذريته ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وكما قال مخبراً لعباده قصة داود ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّية﴾ ٢ في أمثالٍ لهذا موجودة في الكتاب معناه المعنى الذي ذكرنا، فدلّ أن كل عاملٍ عملاً على شريعة نبيه الذي عليه اتباعه فإنه منه، وأنّ كل عاملٍ عملاً تمنعه منه شريعة نبيه الذي عليه أتباعه ليس منه لخروجه عن ما دعاه إليه وعن ما هو عليه إلى ضدِّ ذلك"٣ انتهى. وقال الخطابي: "معناه: ليس على سيرتنا ومذهبنا. يريد أن من غشَّ أخاه وترك مناصحته، فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: (أنا منك وإليك) ، يريد

стр. 565

بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " ١ انتهى. وقال النووي: "تأويل الحديث، قيل: محمول على المستحل بغير تأويل، فيكفر ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا. وكان سفيان بن عيينة ﵀ يكره قول من يفسره بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول. يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر"٢ انتهى. وقول سفيان الذي أشار إليه النووي رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح عن يحيى بن سعيد القطان، قال: كان سفيان يكره هذا التفسير "ليس منا": ليس مثلنا٣. وقد رواه الترمذي٤ معلقاً بإسناد أبي داود، إلا أنه ذكر أن سفيان هو الثوري، وليس ابن عيينة. وقد ورد مثل هذا الإنكار عن ابن مهدي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن مهدي: "لو أنّ رجلاً عمل بكل حسنةٍ أكان يكون مثل النبي ﷺ ". وقد ذكر أحمد أن تفسير "ليس منا" بليس مثلنا أنه من كلام المرجئة، الذين يرون أن المعاصي لا تنقص من الإيمان. وليس مراد أحمد الحكم بالكفر على من غش، فإنه سئل
следующие страницы →