والزيادة التي زادها أحمد والطبراني من طريق مطرف نحوها موجود في حديث الأحنف عند مسلم كما سبق ذكر ذلك. فهذا يرجح أن ذكر مطرف في الرواية عن أبي ذر غير محفوظ، وأن المحفوظ في هذا الحديث أنه عن الأحنف عن أبي ذر رضي الله عنه١، لوجود المتابع لرواية يزيد عن الأحنف وهو خليد العصري. وهذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث لكون كل من مطرف والأحنف ثقة. والله أعلم.
٢٠٩ - (٦) عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن التجار هم الفجار". قال رجلٌ: يا نبيَّ الله، ألم يحل الله البيع؟ قال: "إنهم يقولون فيكذبون، ويحلفون ويأثمون".
مدار هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير وقد اختلف عليه.
فرواه هشام الدستوائي عنه عن أبي راشد الحُبْراني عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ به. رواه أحمد٢ والحاكم٣ كلاهما مطوّلاً.
وقد روى معاذ بن هشام الدستوائي هذا الحديث عن أبيه، وفيه تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع من أبي راشد لهذا الحديث٤. ومعاذ بن هشام قال فيه ابن معين: صدوق وليس بحجة، وقال: ليس بذاك القوي، وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق٥، وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق ربما وهم"٦.
стр. 597
وقد خالفه إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، وهو ثقة حافظ١، فرواه عن هشام الدستوائي كما عند أحمد٢، ولم يذكر تصريح يحيى بالسماع من أبي راشد. وسوف يأتي أن يحيى بن أبي كثير لم يسمع من أبي راشد، بل بينهما أكثر من واسطة.
ورواه أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن أبي راشد عنه به. رواه أحمد٣ باللفظ المذكور، والحاكم٤، إلا أنه وقع في إسناده: يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي راشد به.
وقد تابع أبان العطار بالإسناد الذي ساقه أحمد معمر فيما رواه أحمد٥ مطوّلاً، وكذلك تابعه همام بن يحيى ببعضه كما عند أحمد٦ أيضاً، وتابعهم أيضاً علي بن المبارك الهنائي كما عند الطحاوي٧ مختصراً.
فهذه الروايات تبين أن المحفوظ في هذا الإسناد هو عن يحيى بن أبي كثير عن زيد ابن سلام عن جده أبي سلام عن أبي راشد الحُبراني عن عبد الرحمن بن شبل به.
ورجال هذا الإسناد ثقات إلا أنه قد أُعلَّ بالانقطاع بين يحيى بن أبي كثير وزيد ابن سلام. وقد اختلف الأئمة في سماعه منه.
стр. 598
فأثبت سماعه منه أبو حاتم، وساق بإسناد صحيح عن يحيى بن أبي كثير أنه سمع منه. وقال أحمد: ما أشبهه.
وأما ابن معين فنفى لقاءهما. وقال معاوية بن سلام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام. وقال حسين المعلم: أخرج إلينا يحيى بن أبي كثير صحيفة لأبي سلام، فقلنا له: سمعت من أبي سلام؟ قال: لا. قلت: من رجلٍ سمعه من أبي سلام؟ قال: لا. فهذا يبين أنه لم يسمع من زيد بن سلام. وقد قال يحيى بن أبي كثير أيضاً: كل شيء عن أبي سلام فإنما هو كتاب١.
والذي يترجح لي مما سبق أن يحيى بن أبي كثير سمع من زيد بن سلام؛ لأنه أثبت ذلك لنفسه، وهو أعلم به من غيره، إلا أن روايته عن زيد لم تكن مما سمعه، وإنما هي من كتاب كما ذكر ذلك عن نفسه أيضاً، إلا أن هذا الكتاب لم يقع له من زيد بن سلام مباشرةً، وإنما من أخيه معاوية. وهذه تدعى في مصطلح الحديث وجادة، وهي من باب المنقطع، وفيها شَوْب اتصال٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث ضعيف. والله أعلم.
٢١٠ - (٧) عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمطٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبر، ورجلٌ جعل الله بضاعة لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه".
стр. 599
رواه الطبراني في الكبير١ والأوسط٢ والصغير٣، والبيهقي٤، كلاهما من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي عن حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه به.
ولفظه في الأوسط والصغير: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم ... " الحديث.
قال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن عاصمٍ إلا حفص. تفرد به سعيد بن عمرو، ولا يروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد".
ورجال الإسناد كلهم ثقات، فالحديث صحيح. والله أعلم.
وقوله: "أُشيمط": تصغير أشمط. والشَّمَط: بياض شعر الرأس يخالط سواده٥.
وقوله: "عائل": العائل هو الفقير٦.
٢١١ - (٨) عن عصمة بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم غداً: شيخٌ زان، ورجل اتخذ الأيمان بضاعةً يحلف في كل حقٍّ وباطل، وفقيرٌ مختال مزهو".
стр. 600
رواه الطبراني في الكبير١ عن أحمد بن رشدين المصري عن خالد بن عبد السلام الصدفي عن الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب عنه به.
وقد تقدم الكلام في هذا الإسناد٢، وأنه ضعيف جداً، وقد يكون موضوعاً. أما متن الحديث فقد تقدم في هذا الفصل ما يغني عنه. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٣.
стр. 601
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن اليمين الكاذبة في البيع، وأنها وإن كانت في الظاهر سبباً لرواج السلعة فهي في الحقيقة تؤدي إلى نقص ومحو الكسب والربح.
وهي من كبائر الذنوب كما يدل عليه حديث أبي ذر ﵁ الأول، والله يبغض التاجر أو البائع الحلاّف كما في حديث أبي ذر ﵁ الثاني.
كما أنه يكره تنزيها الحلف في البيع وإن كان صادقاً في حلفه١، وذلك إذا كان حلفه من غير حاجة٢. والله أعلم.
стр. 602
الفصل الخامس: ما ورد في النهي عن التصرية
...
الفصل الخامس: ورد في النهي عن التصرية
٢١٢ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاع تمرٍ".
رواه البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، وأحمد٨، كلهم من طرقٍ عنه به.
وفي لفظ لهم - عدا الترمذي وابن ماجه - زيادة: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ". وفي لفظ للبخاري ومسلم وغيرهما بدل قوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" جاء: "وأن يستام الرجل على سوم أخيه".
وقد روى الترمذي هذه الجمل مفرَّقة في مواضع.
стр. 603
وعند مسلم وأبي داود والترمذي وأحمد١ من طريق محمد بن سيرين عنه به مرفوعاً: "من اشترى شاةً مصرَّاةً فهو بالخيار ثلاثة أيام".
ورواه مسلم وأحمد٢ أيضاً من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه به بنحوه بذكر ثلاثة أيام.
وقوله في الحديث: "وصاع تمرٍ" جاء في بعض الروايات: "صاع من طعامٍ لا سمراء". وقد بيّن الحافظ ابن حجر٣ أن الطعام في هذه الروايات ينبغي تفسيره بالتمر لموافقة الروايات الأخرى التي جاء فيها ذكر التمر، ولذا قال البخاري عن هذا الاختلاف: "التمر أكثر"٤، يعني أكثر الروايات عليه. والله أعلم.
٢١٣ - (٢) عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: "لا يتلقَّى جلب، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ، ومن اشترى مصرَّاة أو ناقةً - قال شعبة: إنما قال: ناقة، مرة واحدة - فهو فيها بآخر النظرين إذا هو حلب، إن ردَّها ردَّ معها صاعاً من طعامٍ" أو قال: "صاعاً من تمر".
رواه أحمد٥ واللفظ له، وابن أبي شيبة٦، والبيهقي٧. كلهم من طرقٍ عن الحكم سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه به.
стр. 604
وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر١. ولا تضرّ الجهالة بالصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
قال البيهقي في قوله: "أو صاعاً من تمرٍ": "يحتمل أن يكون شكاً من بعض الرواة، فقال: صاعاً من هذا أو من ذلك، لا أنه من وجه التخيير ليكون موافقاً للأحاديث الثابتة في هذا الباب".
وذكر الحافظ ابن حجر الاحتمالين٢ - وهما أن تكون "أو" للشك أو للتخيير - ولم يرجّح بينهما مع أن لفظ أحمد صريح في أن "أو" شك من الراوي؛ لأن عنده: أو قال: "صاعاً من تمرٍ". وهذه الصيغة صريحة في الشك. والله أعلم.
٢١٤ - (٣) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا السُّوق، ولا تحفِّلوا، ولا ينفِّق بعضكم لبعض".
رواه الترمذي٣ واللفظ له، وابن أبي شيبة٤، ومن طريقه أحمد٥، والطحاوي٦، والبيهقي٧. كلهم من طرق عن أبي الأحوص عن سماك عن عكرمة عنه به.
стр. 605
وقد تكلم في حديث سماك بن حرب عن عكرمة. وقد سئل ابن المديني عن رواية سماك عن عكرمة فقال: "مضطربة"، وقال يعقوب بن شيبة: "روايته - أي سماك - عن عكرمة خاصة مضطربة"، وقال العجلي في سماك: "جائز الحديث إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء"١.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يرتقي بشواهده التي تقدم ذكرها فيكون حسنًا. والله أعلم.
والمحفّلات: التي جمع لبنها في ضرعها.
ومعنى قوله: "ولا ينفِّق بعضكم لبعض" أي لا يقصد أن ينفِّق سلعته على جهة النجش، فإنه بزيادته فيها يرغِّب السامع، فيكون قوله سبباً لابتياعها ومنفقاً لها٢.
٢١٥ - (٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: أشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم ﷺ أنه حدثنا قال: "بيع المحفَّلات خِلابة، ولا تحل الخِلابة لمسلم".
رواه ابن ماجه٣، وابن أبي شيبة٤، والبيهقي٥، وابن عبد البر٦. كلهم من طرقٍ عن جابر الجعفي عن أبي الضحى عن مسروقٍ عنه به.
стр. 606
وجابر الجعفي أثنى عليه سفيان، وقال شعبة: صدوق في الحديث. ووثقه وكيع. وكذبه ابن معين وغيره. وقال ابن معين أيضاً: لا يكتب حديثه ولا كرامة. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أيضاً: ليس بثقةٍ ولا يكتب حديثه. واتهمه غير واحد بالقول بالرجعة وغيرها من عقائد الرافضة١. وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى إنه ضعيف رافضي٢.
إلا أن الحديث قد جاء من وجه آخر. فقد رواه الدارقطني في العلل٣ من طريق محمد بن جعفر الوركاني حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن خيثمة عنه به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المحفلات من الغنم، وقال: خلابة بين المسلمين". والخلابة: الخداع٤.
وأبو شهاب هو عبد ربه بن نافع قال فيه يحيى بن سعيد: ليس بالحافظ. ووثقه ابن معين وابن سعد وغيرهما. وقال أحمد: ما بحديثه بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي٥. ولذا جعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق يهم"٦.
وقد خالفه الثوري كما عند عبد الرزاق٧، وكذلك أبو معاوية الضرير عند ابن أبي شيبة٨، ويعلى بن عبيد عند البيهقي٩، فوقفوا الحديث على ابن مسعود ﵁.
стр. 607
وفي إسناد ابن أبي شيبة والبيهقي زيادة في الإسناد وهي ذكر الأسود بين خيثمة وعبد الله بن مسعود ﵁. وقد رواه موقوفًا عن ابن مسعود ﵁ أيضًا أبو عثمان النهدي، كما عند البخاري١.
فمما سبق يتبين أن الحديث جاء مرفوعاً وموقوفاً. والذي يترجح لي من هذا الاختلاف هو الوقف؛ لكونه رواية الأحفظ والأكثر. وممن رجح الوقف الدارقطني٢. والله أعلم.
٢١٦ - (٥) عن عمرو بن عوف المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا جَلَب ولا جَنَب ولا اعتراض، ولا يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو إذا حلبها بخير النظرين: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمرٍ".
رواه الدارقطني٣ واللفظ له، والبزار٤، وابن عدي٥، والطبراني في الكبير٦ - كلهم مختصراً - من طرقٍ عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده عمرو بن عوف المزني ﵁ به.
وكثير بن عبد الله المزني كذبه الشافعي وأبو داود. وقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء. وقال
стр. 608
أبو زرعة: واهي الحديث، ليس بالقوي. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي أيضاً: ليس بثقة١.
فمما تقدم يتبين أن كثير بن عبد الله المزني ضعيف جداً. وأما ما اختاره الحافظ ابن حجر من أنه "ضعيف، أفرط من نسبه إلى الكذب"٢، ففيه تساهل؛ لما سبق من أقوال الأئمة فيه.
وأصاب الحافظ الذهبي فجعله في مرتبة "واهٍ"٣، وفي موضع آخر: "متروك"٤.
فمما سبق يتبين أن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً. وأما النهي عن التصرية فهو ثابت عن غير واحدٍ من الصحابة كما تقدم ذكر أحاديثهم. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٦) حديث عبد الله بن عمر ﵄، وسيأتي٥.
стр. 609
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن التصرية.
والتصرية فسرها أبو عبيد وغيره بجمع اللبن وحبسه في الضرع. وفسّرها الشافعي بأنها صرُّ - أي ربط - أخلافها ولا تحلب أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها.
قال الخطابي: قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح١.
وإنما نهي عن التصرية لأنها غشٌّ وخداعٌ٢.
وقد دلت الأحاديث السابقة على أن المشتري للمصرّاة مخيّرٌ بين إمساكها وبين ردِّها وردّ صاعٍ من تمرٍ معها مكان ما حلب من اللبن أول مرّة. وإلى هذا ذهب مالك٣، والشافعي٤، وأحمد٥.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس له ردّ المصراة بالعيب، ولكنه يرجع بنقصان العيب٦.
واعترض الحنفية على ما ورد من الأحاديث في التخيير بين إمساك المصرّاة وبين ردّها ورد صاع من تمر بما يأتي:
أولاً: الطعن في صحة هذا الحديث؛ لأنه من رواية أبي هريرة ﵁ ولا يقبل من حديثه ما خالف القياس الجلي٧.
стр. 610
قال ابن حجر: وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله.
ونقل ابن حجر عن ابن السمعاني قوله: "والتعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة ﵁ بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله ﷺ له"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة ﵁ برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر٢،
стр. 611
وأخرجه الطبراني من وجهٍ آخر عنه١، وأبو يعلى من حديث أنس٢، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني٣، وأخرجه أحمد من رواية رجلٍ من الصحابة لم يسمّ٤"٥.
وكذلك فقد أفتى ابن مسعود ﵁ بمثل ما روى أبو هريرة ﵁ كما عند البخاري عنه ﵁، قال: "من اشترى شاةً محفّلة فردّها فليردّ معها صاعاً من تمر"٦.
وأما قول بعض الحنفية باحتمال أن يكون ابن مسعود ﵁ سمع الحديث من أبي هريرة ﵁ وأفتى به٧، فالجواب أن هذا الاحتمال ظن لا دليل عليه. ولو سُلِّم أنه أفتى بما سمعه من حديث أبي هريرة ﵁،
стр. 612
فإنه ﵁ وهو الذي لا يجادل أحد في فقهه - لو كان يرى فيما حدث به أبو هريرة ﵁ مخالفة للقياس واستبعاد أن يكون النبي ﷺ قاله ما قبله.
ثانياً: دعوى الاضطراب في الحديث، لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالإناء أخرى١.
والجواب: أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها، والضعيف لا يعل به الصحيح٢.
ثالثاً: قالوا إن ضمان المتلفات يتقدر بالمثل بالكتاب والسنة، وفيما لا مثل له بالقيمة، وإيجاب التمر مكان اللبن مخالف لما ثبت بالكتاب والسنة، وكذلك فإن فيه تسوية بين قليل اللبن وكثيره فيما يجب مكانه، وهذا مخالف للأصول؛ لأن الأصل أنه إذا قل المتلف قلّ الضمان، وإذا كثر المتلف كثر الضمان، وهنا الواجب صاع من التمر قلّ اللبن أو كثر٣.
والجواب عن هذا أن يقال: حديث المصرّاة أصل مستثنى من تلك القواعد، لمعنى يخصه، وبيانه أن اللبن الحادث بعد العقد ملك للمشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، وقد يتعذر الوقوف على قدره، فاقتضت حكمة الشرع أن جعل ذلك مقدراً لا يزيد ولا ينقص دفعاً للمنازعة، وإنما خص ذلك بالطعام لأنه قوت كاللبن، وجعل تمراً لأنه غالب قوتهم ولا يحتاج في تقوته إلى كلفة٤.
стр. 613
وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرضٍ للفساد، فإذا حلب صار عرضةً لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبنٍ محلوبٍ في الإناء، كان ظلماً تتنزه الشريعة عنه.
وأيضاً فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقل منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا، لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة١.
رابعاً: دعوى مخالفته لحديث "الخراج بالضمان"٢، فالجواب أن يقال:
стр. 614
إن صاع التمر ليس عوضاً عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع١.
خامساً: قالوا إن حديث المصراّة منسوخ٢. وناسخه إما حديث النهي عن بيع الدين بالدين، أو حديث "الخراج بالضمان"، وقيل غير ذلك.
والجواب: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ٣.
هذا أشهر ما اعترض به الحنفية على حديث المصرّاة، وتبيّن الجواب عنها.
وبالجملة فإن حديث المصرّاة أصلٌ بذاته لا يعارض بغيره، بل هو مشتمل على العدل مع المشتري والبائع. والله أعلم.
стр. 615
وظاهر الأحاديث السابقة أن هذا الحجم ثابت في مصراة الإبل والغنم، ويلحق بهما البقر؛ لأنها في معنى الإبل والغنم، بل البقر أولى؛ لأنها أغزر لبنًا وأكثر نفعًا١، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم٢.
ويلحق بها أيضًا كل محفلة٣؛ للجامع بينها وهو تغرير المشتري٤، وقيل: لا يلحق ببهيمة الأنعام غيرها٥ وقيل: يلحق بها جميع الحيوانات المأكولة٦.
وكذلك فإن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن المشتري له الخيار مدة ثلاثة أيام، وذهب بعض العلماء إلى أن للمشتري الرد قبل الثلاثة وبعدها؛ لأنه تدليس، فملك الرد إذا بينه كسائر التدليس٧.
قال ابن قدامة: العمل بالخبر أولى٨.
стр. 616
الفصل السادس: ما ورد في النهي عن بيع الحاضر للباد وعن تلقي الركبان
...
الفصل السادس: ورد في النهي عن بيع الحاضر للباد عن تلقي الركبان
٢١٧ - (١) عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ". قال: فقلت لابن عباس ﵄: ما قوله: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمساراً.
رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦. كلهم من طرقٍ عن معمر عن عبد الله بن طاووس عن أبيه به.
والسمسار هو الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع٧.
стр. 617
٢١٨ - (٢) عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نهينا أن يبيع حاضرٌ لبادٍ".
رواه البخاري١، ومسلم٢ واللفظ لهما، وأبو داود٣، والنسائي٤، كلهم من طرقٍ عنه به.
وعند أبي داود والنسائي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال ... " الحديث. قال ابن حجر: "عرف بهذه الرواية أن الناهي المبهم في الرواية الأولى هو النبي ﷺ ".
وزاد مسلم وأبو داود والنسائي: "وإن كان أخاه أو أباه".
وروى أبو داود بإسنادٍ حسن عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان يقال: "لا يبيع حاضرٌ لبادٍ". وهي كلمة جامعة: لا يبيع له شيئاً ولا يبتاع له شيئاً٥.
ورواه أبو عوانة، وفيه أن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك ﵁ فقلت: "لا يبيع حاضرٌ لبادٍ" أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نهينا أن نبيع لهم، أو نبتاع لهم. قال محمد: وصدق، إنها كلمة جامعة"٦.
стр. 618
٢١٩ - (٣) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ".
رواه البخاري١ واللفظ له، والنسائي٢، وأحمد٣، والطبراني في الكبير٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عنه به.
وزاد النسائي بإسنادٍ صحيح، والطبراني ذكر النهي عن النجش. وعندهما وعند أحمد زيادة ذكر النهي عن تلقي البيوع.
وزاد أحمد أيضاً بإسناد صحيح: "ولا يبع بعضٌ على بيع بعض".
وزاد الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر ﵄: "ولا تصرُّوا الإبل والغنم لبيعٍ، فمن اشترى شاةً مصرّاة فإنه بأحد النظرين، إن ردّها ردّها بصاعٍ من تمر".
وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في فصل النهي عن التصرية٦.
٢٢٠ - (٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبع حاضرٌ لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
стр. 619
رواه مسلم١ واللفظ له، وأبو داود٢، والترمذي٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، كلهم من طرقٍ عن أبي الزبير عنه به.
٢٢١ - (٥) عن سالم المكي أن أعرابياً حدَّثه أنه قدم بحلوبةٍ على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة، فنزل على طلحة بين عبيد الله ﵁ فقال له طلحة: "إن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك وشاورني حتى آمرك وأنهاك".
اختلف في هذا الحديث. فرواه أبو داود٧ باللفظ المذكور، والبزار٨، وأبو يعلى٩، والبيهقي١٠. كلهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن ابن إسحاق عن سالم المكي أن أعرابياً حدثه عن طلحة ﵁ به.
وعند البزار: "عن رجلٍ عن طلحة".
وانفرد مؤمل بن إسماعيل من بين الرواة عن حماد بن سلمة فرواه عنه عن ابن إسحاق عن سالم المكي عن أبيه عن طلحة ﵁ به كما عند البزار١١.
стр. 620
ومؤمل بن إسماعيل ضعيف كما سبق١، والمحفوظ عن حماد بن سلمة ما تقدم كما قال البزار.
وروى هذا الحديث أحمد٢ بإسناده عن إبراهيم بن سعد الزُّهري، وأبو يعلى٣، والشاشي٤ من طريق يزيد بن زريع كلاهما - إبراهيم بن سعد ويزيد بن زريع - عن محمد بن إسحاق عن سالم بن أبي أمية أبي الضر عن شيخٍ من بني تميم عن طلحة ﵁ به.
وعند أحمد تصريح ابن إسحاق بالسماع. ولفظ أحمد جاء فيه أن الشيخ من بني تميم قال: "قدمت المدينة مع أبي وأنا غلامٌ شابٌ بإبلٍ لنا نبيعها، وكان أبي صديقاً لطلحة بن عبيد الله التيمي ﵁ فنزلنا عليه، فقال له أبي: اخرج معي فبع لي إبلي هذه. قال: فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولكن سأخرج معك فأجلس وتعرض إبلك، فإذا رضيت من رجلٍ وفاءً وصدقاً ممن ساومك أمرتك ببيعه. قال: فخرجنا إلى السوق فوقفنا ظهرنا وجلس طلحة قريباً فساومنا الرجال حتى إذا أعطانا رجلٌ ما نرضى قال له أبي: أبايعه؟ قال: نعم، رضيت لكم وفاءه فبايعوه، فبايعناه ... ". وجاء في هذه القصة أن الشيخ من بني تميم وأباه التقيا بالنبي ﷺ ، فعلى هذا فهما صحابيان لا تضر الجهالة بهما.
وقد خالف حماد بن سلمة إبراهيم بن سعد ويزيد بن زريع في قوله: "سالم المكي"؛ وذلك أن إبراهيم بن سعد ويزيد روياه عن ابن إسحاق عن سالم
стр. 621
أبي النضر، وهو مدني وليس مكياً. فيكون المحفوظ في هذا الإسناد أنه عن سالم أبي النضر لأنه رواية الأكثر.
وأما الإمامان المزي وابن حجر فإنهما ترجما لسالم المكي ترجمة مستقلة١، وذكرا له هذا الحديث، وقال فيه الحافظ ابن حجر: هو الخياط أو ابن شوال، وإلا فمجهول٢.
وفي صنيعهما - أي المزي وابن حجر - نظر؛ لما سبق أن سالماً هذا هو أبو النضر كما في الروايات الأخرى. وهو ثقة ثبت٣. وأما قول حماد بن سلمة فيه "المكي"، فهو خطأ.
ويؤيد أن سالماً هذا هو أبو النضر ما ذكره الدارقطني حيث قال عن هذا الحديث: "يرويه سالم أبو النضر واختلف عنه" ٤، وقال أيضاً: "رواه عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن سالم أبي النضر عن رجلٍ من بني تميم عن أبيه عن طلحة ﵁"٥، وذكر المزي هذه الرواية أيضاً٦. وهذه متابعة لابن إسحاق في رواية إبراهيم ابن سعد ويزيد بن زريع.
وقد قال الدارقطني عن هذا الإسناد الأخير الذي فيه: "عن رجلٍ من بني تميم عن أبيه": "هو الصواب"٧، أي: بذكر "أبيه" بين الرجل من بني تميم وطلحة. وقد تقدم في لفظ أحمد ما يبين أن الرجل من بني تميم
стр. 622
كان مع أبيه حين حدثه طلحة ﵁ بهذا الحديث. وأيّاً كان فإن كليهما صحابي كما سبق، ومراسيل الصحابة حجة.
فمما سبق من هذه الطرق يتبين أن المحفوظ في هذا الإسناد هو عن سالم أبي النضر عن شيخٍ من بني تميم عن طلحة ﵁.
ويرى الدارقطني أنه: عن شيخٍ من بني تميم عن أبيه عن طلحة. وهذا الإسناد صحيح لما تقدم أن هذا الشيخ من بني تميم وأبو هـ صحابيان، فلا يضر الجهل بهما.
وقد جاء هذا الحديث عن طلحة ﵁ من وجهٍ آخر. فقد رواه ابن عدي١ بإسناده عن سليمان بن أيوب الطَّلحي حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله ﵁ به. وقد قال ابن عدي عن هذا الإسناد: "روى هذه النسخة جماعة، وعامة هذه الأحاديث أفراد".
وقول ابن عدي هذا لا يتفق مع هذا الحديث لكونه مروياً من غير هذا الإسناد كما سبق. وقد خالف يعقوب بن شيبة ابنَ عدي، فصحّح الأحاديث المروية بهذا الإسناد - أي من طريق سليمان بن أيوب - حيث قال عن هذا الإسناد: "هو سبعة عشر حديثاً رواها عن أبيه عن جده عن موسى بن طلحة عن أبيه. وهذه الأحاديث عندي صحاح، أخبرني بها أحمد بن منصور عن سليمان بن أيوب"٢.
فمما سبق يتبين أن هذا الحديث صحيح. والله أعلم
стр. 623
٢٢٢ - (٦) عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "دعوا الناس يصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه".
رواه أحمد١، والطيالسي٢، والترمذي في العلل الكبير٣، والطبراني في الكبير٤. كلهم من طرقٍ عن عطاء بن السائب به.
وزاد الطبراني في روايةٍ: "لا يبيع حاضرٌ لبادٍ".
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافاً كثيراً٥. فاختلف في حكيم هذا هل هو ابن يزيد، أم ابن أبي يزيد. وقد رجّح الطبراني أنه ابن أبي يزيد، وقال: هو الصواب٦. وقال الحافظ ابن حجر: الأكثر قالوا ابن أبي يزيد٧.
واختلف فيه اختلافاً آخر. فقال بعض الرواة عن عطاء عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه عن النبي ﷺ . وقال أبو عوانة وغيره عن عطاء عن حكيم عن أبيه عمَّن سمع النبي ﷺ قوله٨.
стр. 624
وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الاختلاف فقال: الصحيح عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه١.
وكذا رجّح ابن عبد البر ما رجحه البخاري، ووهم رواية أبي عوانة٢.
والاختلاف السابق الظاهر أنه صادرٌ من عطاء بن السائب، فإنه كان قد اختلط٣.
وحكيم بن أبي يزيد ذكره البخاري٤، وابن أبي حاتم٥ ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات٦. ولم يوثقه غيره فيبقى على جهالته.
فمما سبق يتبين أن هذا الإسناد ضعيف، إلا أنه يشهد له ما تقدم من الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الحاضر للباد فيكون حسنًا. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٧) حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدم٧.
(٨) حديث عمران بن حصين ﵁، وقد تقدم٨.
стр. 625
(٩) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم١.
(١٠) حديث رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ ﵁، وقد تقدم٢.
(١١) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٣.
(١٢) حديث عمرو بن عوف المزني ﵁، وقد تقدم٤.
стр. 626
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الحاضر للباد. وبهذا قال جمهور العلماء١.
والبادي هو من يدخل البلدة من غير أهلها سواءً أكان بدوياً أم من قريةٍ أو بلدةٍ أخرى٢.
وإنما نهي أن يبيع حاضرٌ لباد؛ لأنه إذا ترك البادي يبيع سلعته اشتراها الناس برخصٍ ويوسع عليهم السعر، فإذا تولّى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى حيث قال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ٣. وكذلك أيضاً فإن أهل البوادي إذا قدموا بسلعهم يبيعونها بسوق يومهم للمؤنة عليهم في حبسها واحتباسها عليها، ولا يعرف من قلة سلعته وحاجة الناس إليها ما يعلم الحاضر، فيصيب الناس من بيوعهم رزقاً. وإذا توكّل لهم أهل القرية المقيمون تربصوا بها، لأنه لا مؤنة عليهم في المقام بها، فلم يصب الناس ما يكون في بيع أهل البادية٤.
وقد قيّد بعض الفقهاء النهي بأن تكون سلعة البادي مما يحتاج الناس إليه٥. والأولى حمل النهي على العموم؛ لقول النبي ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، وكذلك بقية الأحاديث الواردة في النهي.
стр. 627
وكذلك قيد بعض الفقهاء النهي بأن يكون البادي جاهلاً بالسعر١. وهذا أيضاً مخالفٌ لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الحاضر للباد، وأيضاً فإن الحكمة في النهي عن بيع الحاضر للباد ليس لكون البادي جاهلاً بالسعر، وإلا لنهي عن إخبار البادي بسعر السوق لحصول المفسدة الكائنة في البيع له. وقد تقدم بيان الحكمة في النهي.
وكذلك قيّد بعض الفقهاء النهي بقيود أخرى، إلا أنه لا دليل عليها. والأولى الأخذ بعموم النهي عن بيع الحاضر للباد. والله أعلم.
ويستفاد مما تقدم أيضاً النهي عن تلقي الركبان والجَلَب. وهو أيضاً قول جمهور العلماء٢.
ونهي عن تلقي الركبان لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بأقل من قيمته، ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار إذا دخل السوق٣.
قال المازري: "فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سبب الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي أن لا يغبن البادي، ولهذا قال ﷺ : "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". فالجواب أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الواحد. فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق واشتروا رخيصاً فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشارع
стр. 628
لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصةً وهو واحد في قبالة واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص وقطع المواد عنهم وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين بل هما متفقتان في الحكمة والمصلحة. والله أعلم"١.
стр. 629
الفصل السابع: ما ورد في النهي عن بيع المضطر
...
الفصل السابع: ورد في النهي عن بيع المضطر
٢٢٣ - (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سيأتي على الناس زمان عضوض يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ١، ويبايع المضطرُّون، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك.
رواه أبو داود٢ وهذا لفظه، وأحمد٣، وابن أبي حاتم٤، والخرائطي٥ - كلاهما مختصراً -، والبيهقي٦، والبغوي٧. كلهم من طرقٍ عن هشيم عن صالح أبي عامر عن شيخٍ من بني تميم عنه به.
وزاد أحمد بعد ذكر الآية: "وينهد الأشرار ويستذل الأخيار".
وصالح أبو عامر قال فيه البيهقي: "هو صالح بن رستم الخزاز البصري".
وتعقبه ابن التركماني بقوله: "المذكور في هذا السند هو صالح بن عامر، كذا سماه أبو داود في سننه، وكذا ذكره الذهبي في الميزان، وصالح بن
стр. 630
عامر مجهول، وهو غير أبي عامر صالح بن رستم الخزاز، ذاك - أي ابن رستم - رجل معروف أخرج له مسلم ووثقه جماعة، ولينه بعضهم، والمزي في التهذيب قد فرَّق بينهما"١ انتهى.
وكلام ابن التركماني فيه نظر، وذلك لما يأتي:
١ - احتجاجه برواية أبي داود والتي جاء فيها "صالح بن عامر"، مع أن أبا داود قد أشار إلى خطأ شيخه، حيث قال عقب ذكره لصالح بن عامر: "كذا قال محمد" يعني شيخه محمد بن عيسى.
٢ – قوله "إن صالح بن عامر ذكره الذهبي في الميزان"، متعقَّب بأن الذهبي قال فيه "نكرة، بل لا وجود له"٢، ثم بيّن أن الصحيح فيه "صالح عن عامر"، وهذا الذي صححه الذهبي لعله أخذه من شيخه المزي كما سيأتي إن شاء الله ذكر قوله.
٣ – قوله "إن المزي قد فرَّق بينهما" متعقّب بأن المزي لم يثبت أن هناك راوياً اسمه صالح بن عامر، إنما ذكر أنه "صالح عن عامر"، قال المزي: "الصواب - إن شاء الله - عن صالح عن عامر، وهو صالح بن صالح بن حيّ أو صالح بن رستم أبو عامر الخزّاز، وعامر هو الشعبي. والله أعلم"٣.
وقد تعقّب الحافظ ابن حجر المزيَّ فقال: "بل الصواب: ثنا هشيم، ثنا صالح أبو عامر - وهو الخزاز -، ثنا شيخ من بني تميم. ويؤيد هذا أن
стр. 631
أحمد بن حنبل قال في مسنده: ثنا هشيم، ثنا أبو عامر، ثنا شيخ من بني تميم١. وقال سعيد بن منصور في السنن: ثنا هشيم، ثنا صالح بن رستم عن شيخ من بني تميم٢، فليس في الإسناد والحالة هذه إلا إبدال (أبو) بـ (ابن) حسب، ولا مدخل للشعبي فيه بوجهٍ من الوجوه"٣ انتهى.
وقال الحافظ أيضاً: "الصواب: هشيم عن صالح أبي عامر، وهو صالح بن رستم الخزاز" ٤.
فمما تقدم يتبين رجحان قول البيهقي أن صالح الوارد في الإسناد هو صالح بن رستم أبو عامر.
وصالح بن رستم هذا هو المزني مولاهم الخزاز البصري، وثقه الطيالسي وأبو داود والبزار. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أيضاً: لا شيء. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لا بأس به٥. وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق كثير الخطأ"٦.
وفي إسناده أيضاً رجل مبهم وهو الشيخ من بني تميم.
стр. 632
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف.
وله إسناد آخر، فقد رواه أبو بكر بن مردويه بإسناده عن يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي١ عن عبد الله بن عبيد عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليأتينَّ على الناس زمانٌ عضوض يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ، شرارٌ يبايعون كل مضطر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خيرٌ فعد به على أخيك ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه"٢.
وعبيد الله بن الوليد الوصَّافي - بفتح الواو وتشديد المهملة - قال فيه أحمد: ليس بمحكم الحديث، يكتب حديثه للمعرفة. وقال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن معين أيضاً: ليس بشيء. وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضاً: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال العقيلي: في حديثه مناكير لا يتابع على كثير من حديثه. وقال ابن عدي: ضعيف جداً، يتبيّن ضعفه على حديثه٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة "ضعيف"٤. والذي يظهر لي أنه ضعيف جداً. والله أعلم.
стр. 633
ومما يدل على ضعفه أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرَّةً كما سبق، ورواه مرَّةً عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع الغرر وعن بيع المضطر". رواه ابن عدي١.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة ضعفاً شديداً، فيبقى الحديث على ضعفه. والله أعلم.
стр. 634
دلالة الحديث السابق:
تقدم أن ما ورد في النهي عن بيع المضطر ضعيف، ولذا أجاز الظاهرية بيع المضطر١. إلا أن عامة أهل العلم كرهوا بيع المضطر إلى الطعام أو الشراب أو نحوهما بأكثر من سعر المثل٢. فإن باعه بأكثر أثم؛ فإن هذا منافٍ للمروءة ويكون صاحبها متصفاً بالجشع والأثرة واستغلال ضرورة أخيه.
وقيل في تفسير المضطر أن يكرهه ظالم على بيع ماله أو يبيع ماله لدينٍ يركبه أو مؤنة ترهقه ونحو ذلك٣.
والذي يظهر أن هذا ليس من بيع المضطر، وإنما هو من باب الإكراه، وهذا له حكم آخر. والله أعلم.
стр. 635
الفصل الثامن: ما ورد في النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع
...
الفصل الثامن: ورد في النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع
٢٢٤ - (١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرَّق بين الوالدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
رواه الترمذي١، وأحمد٢، والدارقطني٣، والحاكم٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عنه به.
وفي سياق أحمد عنه قصة فيها سبب تحديث أبي أيوب ﵁ بهذا الحديث.
قال الترمذي: "حسنٌ غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
وفيما قاله الحاكم نظر؛ لأن حيي بن عبد الله المعافري ليس من رجال مسلم. وقد قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي٦.
وجعله ابن حجر في مرتبة "صدوق يهم"٧.