هذه الأعمال لا تتم إلا بإذن الله وإرادته (١)، لأن كل شيء خاضع له وحده (٢).
وعندما نرى مجتمعا منقسما منذ القدم تأكله الأحقاد والحروب الداخلية، يصبح بين يوم وليلة مجموعة من الإخوة المتحابين في الله .. هذا التحول المفاجيء في نفوس الناس لا يرجع بطبيعة الحال إلى عمل بشري، بل ولا يمكن أن يتحقق لو اجتمعت من أجله قوى الأرض جميعا .. إن من يملك القلوب وحده هو الذي يستطيع أن يجعلها هكذا (٣). وعندما ينتصر الإيمان في النهاية على الكفر والإشراك، وعندما ينتصر الضعيف المستكين على القوي المتجبر لا يتم هذا بإشارة من الرسول ﷺ ولا بشجاعة المؤمنين الذين تفانوا في حرب أعدائهم، إذ أن الله وحده هو الذي قتلهم (٤).
ومن أول القرآن لآخره نجد نفس التفسير للمعجزات التي تمت على أيدي الرسل والأنبياء ومنهم محمد ﷺ . فسواء أكانت المعجزة تلاوة قصة عن أحد العصور القديمة (٥)، أو كانت تنبؤا بحادث مستقبل (٦)، أو كانت كشف سر في قضية، وإيجاد نص للحكم العادل للنطق به (٧). فلا فضل في كل ذلك لفرط ذكاء الرسول ﷺ ، ولا لسعة معارفه الإنسانية، وإنما الفضل أولا وأخيرا لتدخل كريم ورحيم من جانب الله تعالى، الذي هو المصدر الحقيقي لكل خلق ولكل علم ولكل خير.
стр. 72
الجزء الثاني من نظرية القرآن الدينية:
فبفكرة كمال الله المطلق وصفاته المطلقة، أسس القرآن الشطر الأول من النظرية الدينية العامة: وهي أنه لا شيء في الوجود يستحق العبادة والخضوع سوى الله الواحد القهار، وبنفس الفكرة يؤسس القرآن أيضا الشطر الثاني من هذه النظرية:
وهي الإيمان بالحياة الأخروية. فكما أن الله هو الأول فهو أيضا الآخر (١) إذ إليه مآلنا (٢) لنقدم له أعمالنا ونتلقى منه الجزاء الذي نستحق (٣).
خلود الروح:
وهنا يجب التمييز بين نقطتين: الأولى خلود الروح، والثانية بعث الجسد.
ولا نعتقد أن الدعوة الإسلامية قابلت معارضة تذكر بشأن النقطة الأولى:
فالقرآن الذي يسجل بكل أمانة تفاصيل المعارضة التي أبداها خصوم المسلمين في كل موضوع، لم يذكر شيئا بشأن هذه النقطة بالذات. وهناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض وجود فكرة مبهمة - وإن كانت خيالية - عند العرب الوثنيين عن حياة الروح بعد الموت. فالشعر الجاهلي يوضح لنا في الواقع أن تعطشهم إلى الأخذ بالثأر جعلهم يؤمنون بكائن خرافي يسمونه «الهامة» وهي ظل للروح، وكانت الهامة تحوم ليلا فوق جسد القتيل وهي تقول «اسقوني». فإذا اقتص من القاتل، امتنعت عن الظهور وعن ترديد مطلبها. ولقد نفت السنة هذا المعتقد الجاهلي «لا هامة» وحكمت ببطلانه
بعث الأجساد:
وأما النقطة الثانية - وهي الخاصة ببعث الجسد - فقد ركز عليها المشركون معارضتهم وسخريتهم. فهذه العقول المرتابة والمرتبطة بتجاربها اليومية، لم تستطع بسهولة أن تؤمن بأن الجسم الذي تحلل تماما في التراب يمكن أن يستعيد هيئته
стр. 73
الأولى ويحيا من جديد ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٩٨] إن من يدعي ذلك إما أنه «مَجْنون» أو ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (١) ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وعلى هذه المعارضة البسيطة، يقدم القرآن حجته الفاصلة، التي يستقيها من كتاب الطبيعة المفتوح، فيبرز أمام الأنظار آلاف المشاهد التي تظهر منها بوضوح قدرة الله الخارقة. إذ أنشأ الله الإنسان من الأرض، ثم يعيده إليها، ومنها يبعثه مرة أخرى (٢)، فلتتدارس العقول هذه الأطوار التي يمر بها الإنسان في دورة الحياة (٣)
منذ أن كان علقة، إلى أن أصبح خلقا جديدا في أكمل صورة عند ميلاده (٤)
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم - ١٩] هل يصعب على الذي بدأ الخلق أول مرة أن يعيده مرة أخرى (٥). ويوجه القرآن أنظارنا بصفة خاصة إلى الأحداث الموسمية.
ألا نرى الأرض وهي جافة وجرداء تتحول إلى أرض خصبة؟ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٦) [الحج: ٥] ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠].
стр. 74
وسيقول المترددون: إذا سلمنا بحياة نباتية جديدة، كيف تعود الحياة الإنسانية بعد انقطاع الحواس وانفصال الشعور عن الجسد؟ إن على من يفكر على هذا النحو أن يعود بنظره إلى التجربة التي تتكرر كل يوم وهي توالي النوم بعد اليقظة لكي يرى نوعا من حدوث الحياة بعد الموت (١).
فليس إذن من المستحيل، بل هو من الأرجح، أن تكون لنا حياة أخرى، ولكن على أي أساس نقرر هذا التأكيد؟ إن القرآن يؤسس هذه العقيدة ليس فقط على قرار رباني ألزم الله تعالى به نفسه (٢)، وإنما على أحد مستلزمات العدل الإلهي والحكمة السامية ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩] ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] وإلا لكانت حياة الإنسان بلا غاية ولا جدوى (٣).
ماذا تضمنه أصالة التعاليم القرآنية ؟:
وهكذا نرى أن القطبين اللذين تأسست عليهما الديانة الموحدة التي يدعو القرآن إليها، يقومان إما على حقائق سبق الاعتراف بها، أو تنبني على مبادئ واضحة. إن أي برهان نظري لا يتطلب أكثر من هذه القوة في التدليل والإقناع.
وإذا كانت الفكرة الدينية قد بقيت في جوهرها كما كانت دائما، فلا شك أنها حققت تقدما حقيقيا من حيث الشكل الذي قدمها به القرآن - ليس فقط لأنه ساق البراهين والأدلة القادرة على إقناع أصعب العقليات، وعلى تحريك أقسى القلوب، وليس فقط لأنه قدم نظراته الواسعة والثاقبة عن الكون السماوي والأرضي واستخلص مواعظ ودروسا من كل مظهر من مظاهر الخلق الداخلية والظاهرية -
стр. 75
وإنما بدت مادة الدين ذاتها المتعلقة بإختصاصات الله ومآل الروح.
وكأنها قد اكتسبت من القرآن نموا لم نعهده في أي مجال آخر.
ونضيف أن معنى الألوهية الذي يتجلى في القرآن. يمتاز بصفاء ونقاء وقدسية خاصة، يبعد به كل البعد عن أي تجسيم فظ يسقط فيه خيال الإنسانية عادة، كما يمتاز بقوة جارفة وأخاذة تصرف المستمع للقرآن عن مشاغله المادية الكثيرة وتحلق به دفعه واحدة إلى عالم الروح السامي (١).
***
стр. 76
الفصل الثاني الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
стр. 77
الفصل الثاني الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
الدين عقيدة وتشريع اعتقاد وطاعة:
ولكن النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدها. فبجانب حاجة الإنسان إلى المعرفة والاعتقاد، يحتاج في إلحاح إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته، سواء في تصرفاته مع نفسه أو في علاقاته مع غيره أو مع خالقه. ولقد قدم القرآن إلى هذه الحاجة النظام الوافي، بأوسع وأدق طريقة ممكنه. وخط في كل فرع من فروع النشاط الإنساني خطا واضحا، يسلكه الإنسان في أمان واطمئنان.
فلا يكفي ليكون الإنسان مؤمنا حقيقيا أن يؤمن إيمانا عميقا بالحقائق المنزلة، وإنما يجب أيضا أن يكرس حياته وأمواله في خدمة هذه العقيدة (١). فعليه الاضطلاع بواجبه كمؤمن وأيضا كمواطن. أي عبادة الله وفعل الخير (٢) فالدين عقيدة وقانون، أي اعتقاد وطاعة (٣) وتعريف القرآن للبر بمعناه الحقيقي هو الإيمان بالحقائق السامية، والتحلي بالفضائل الخلقية سواء في السلوك الشخصي أو في المعاملة مع الغير (٤).
стр. 78
مقام العنصر العملي في القرآن وفي العقيدة:
وبلغت أهمية الجانب العملي في القرآن، أنه يتكرر ذكره كثيرا بصراحة، وكشرط لا غنى عنه للفلاح والسعادة الخالدة في الآخرة. وعندما لا ينص القرآن على ذلك في عبارته في موضع ما، فإن كلمه «مؤمن» تتضمنه وتلمح إليه بما يتفق مع مفهوم الإيمان حسب التعريف السابق. أليس في هذا الإصرار المزدوج نوع من التدرج السلمي بين هذين العنصرين؟ فمن المتفق عليه أن الإيمان شرط لازم للنجاة يوم القيامة. فهل الأمر كذلك في شأن تنفيذ الشريعة؟ وإلى أي مدى؟ هل الخطيئة الكبرى التي لا تتبعها توبة لا تغفر بعد الموت؟ أو بمعنى آخر هل يترتب عليها هلاك لا رجوع فيه؟ (كما يقول غالبية المعتزلة) أو تستوجب عقوبة محدودة بزمن؟ (كما يرى بعض المعتزلة) أو على عكس ذلك إن إيمان المذنب يصحح الموقف تلقائيا برحمة من الله؟ (طبقا لرأي صفوة المرجئة) (١)، أو أن لله الحق في العفو عن بعض الذنوب لبعض المؤمنين بشروط معينة، من غير أن تحدد ما هي الذنوب وما هي صفات المؤمنين؟ (حسب رأي الأشعريين).
إن هذه المناقشات العقيدية المتعلقة بالجوانب الثانوية والسلبية للمشكلة (أي بدرجة العقوبة الإلهية ومدتها وثبوتها عن الذنوب المختلفة) لا تضع خارج نطاق البحث موضوع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية فحسب، بل إنها لا تتعرض
стр. 79
كذلك، وبصفة خاصة، للقيمة الموضوعية للعمل الأخلاقي فبالتقدم نحو الفضيلة نترقى في سلم الاستحقاق (١).
ولا نعتزم هنا (٢) سرد القواعد التي تكون في مجموعها الحكمة العملية القرآنية لأن هذا يعد خروجا عن المجال المحدد لهذا الكتاب. بل سنكتفي بتوضيح بعض الجوانب التي أثرت بها الدعوة على الناس بفضل مادتها ومحتواها النفيس وبفضل أسلوبها في عرض الحقائق.
نبدأ بالمنهج:
لقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية. إذ مهما بلغت درجة الانحراف والفساد اللذين قد نسقط فيهما - وفيما عدا حالات استثنائية خاصة بضلال الضمير - فإننا نعترف ونحب ونقدر الفضيلة في ذاتها وفي غيرنا حتى إن أعوزتنا الشجاعة للارتفاع إلى مستواها. ولا شك في أن مشهد أي سلوك هابط يثير نفورنا، حتى ولو راودنا الإغراء لاقتراف نفس العمل الذي نلوم عليه غيرنا، إننا نكره في أنفسنا عيوبنا الذاتية، وإذا كنا لا نبذل من الجهد المتواصل ما يكفل تصحيحها فإننا نتلمس لأنفسنا المعاذير لتبرئة أنفسنا منها. فمن هو الرجل الذي يقبل أن يوصم بالكذب أو النفاق أو الخيانة أو الغش أو السكر أو بأي رذيلة أخرى؟
اعتماد القرآن على غريزة الإنسان في معرفة العدل والظلم والخير والشر:
فعلى هذا الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر، يستند القرآن في أغلب الأحيان ليؤسس نظامه الخلقي. ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية. وها هي بعض العبارات التي يستخدمها القرآن ليلخص بها رسالته
стр. 80
الأخلاقية ويبلورها. فالرسول ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ (بمعناها الحقيقي والمجازي) (١) ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (وهو ما ننساه كثيرا عندما ننفق من مال الله علي الغرباء بغرض التفاخر والتباهي). ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٢) ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (٣) ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٤) وبدلا من سرد الآيات الكثيرة، يكفي أن نذكر أن استناد القرآن على الضمير الأخلاقي - في عمومه - في التمييز بين الخير والشر، قد ذكر في أكثر من خمسة وأربعين موضعا (٥) منه.
ومع ذلك ونظرا لأن هذه الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن كثيرا ليست دائما بنفس القوة والفاعلية عند كل الناس لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، فالمؤدب المخلص الحريص على بث تعاليمه يلجأ إلى طريقة أخرى - ليست بأقل قوة - وإن كانت مستقلة كل الإستقلال عن رضاء الفرد ذاته، فبجوار الحاسة الخلقية وهب الإنسان فوقها الذكاء والعقل. فإذا غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميا. وأفضل طريقة لإيقاظ هذه الفكرة، ولجعلها تسمو بمشاعرنا، هي أن نستعين بتأييد ذوي الإختصاص لها وهم الحكماء والقديسين في كل زمان.
стр. 81
ومن أجل هذا كان ارتباط القرآن بالكتب السماوية السابقة ارتباطا جذريا وموضوعا جليلا، الغرض منه إعادة نورها ونشره على العالم بعد أن خفت على مر العصور. فالقرآن يقدم لنا الواجبات الأساسية وعلم الحقيقة على أنها دعوة السابقين وسبيلهم المستقيم. فلقد حمل جميع رسل الله ﵈ ميزان العدل والقسط (١) وأمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال وأن يعبدوا الله ويفعلوا الخير (٢). ولقد سن إبراهيم وإسحق ويعقوب ﵈ (٣) فريضة الصلاة والزكاة وكذلك إسماعيل ﵇ (٤) وموسى (٥) وعيسى ﵉ (٦)، وفرض كذلك الصوم على الأمم السابقة (٧)، والحج فرضه إبراهيم ﵇ (٨)، ولقد كان لكل أمة من الأمم السابقة مناسكها وعبادتها (٩) ولقد أدان كل من هود وصالح ﵉ النزعة المادية وحب الدنيا الزائد والعدوان والفساد (١٠) ولقد ثار لوط ضد فجور قومه (١١)، وشعيب ضد غش قومه في التجارة (١٢).
ولقد وعظ لقمان ابنه وهو يربيه، بدعوة الناس إلى الخير ونهيهم عن المنكر، وأن
стр. 82
يتحمل في سبيل هذه المهمة السامية ما يصيبه من المصاعب والآلام، كما أمره بالحلم والتواضع (١).
فليس بمحض الصدفة العارضة إذن أن محمدا ﷺ يدعو إلى ما سبق أن دعا إليه الرسل السابقون ﵈ فالقرآن يقول للمسلمين بصريح العبارة ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) ويقول للرسول ﷺ بعد أن عدد من سبقه من الرسل ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣) والواقع أننا لا نجد مبدأ أخلاقيا ينقله لنا القرآن على أنه كان ضمن تعاليم هذا الرسول ﷺ أو ذاك الحكيم من غير أن يورده القرآن في موضع آخر كواجب تلتزم به جماعة المسلمين.
هل نريد أن نرى قانون الأخلاق الذي جاء به موسى وجاء به عيسى كما ورد ذكرها بالإنجيل وبعيدا عن القرآن؟ إننا سوف نجدهما محفوظين بعناية فائقة في الآيات القرآنية ولكنهما ليسا على شكل كتلة واحدة كما وردا بالوصايا العشر أو بميقات الجبل، وإنما كآيات متفرقة في عدد من السور المكية والمدنية، وفي أغلب الأحيان على شكل آية نزلت في مناسبة معينة بذاتها.
مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في التوراة والقرآن:
وفيما عدا السبت الذي يعتبره القرآن واجبا محليا محدودا بظروف خاصة، ننقل فيما يلى تعزيز الوصايا العشر كما جاءت بالقرآن الكريم:
стр. 83
التوراة
(سفر الخروج الفصل العشرين)
لا يكن لك آلهة أخرى أمامي
لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة
لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا
أكرم أباك وأمك
لا تقتل
لا تزن
لا تسرق
لا تشهد على قريبك شهادة الزور
لا تشته بيت قريبك.
ولا شيئا مما لقريبك
القرآن الكريم
﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾
[الإسراء: ٢٣]
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾
[الحج: ٣٠]
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾
[البقرة: ٢٢٤]
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾
[المائدة: ٨٩]
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء: ٢٣]
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩)
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ... ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾
[النور: ٣٠ - ٣١].
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾
[المائدة: ٣٨]
﴿وَلا يَسْرِقْنَ .. ﴾. [الممتحنة: ١٢]
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج ٣٠)
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء ٣٢]
هذه هي أسس القانون الأخلاقي الذي سيقول عنه عيسى ﵇ «فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا، يدعى أصغر في ملكوت السماوات وأما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات».
стр. 84
ولكن محاولة قصر دعوة موسى على هذه الواجبات الأولية يعد إقلالا من شأنها، لأننا إذا واصلنا بحثنا في التوراة سنقابل في أماكن متفرقة منها (الخروج ٢٢ - ٢٣؛ اللاويون ١٩ - ٢٥؛ التثنية ٦) أحكاما أخرى تتعلق بعمل القلب وعمل الجوارح وتمهد بذلك لأحكام الإنجيل:
التوراة
لا تقبل خبرا كاذبا (خروج ١:٢٣)
لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر (خروج ٢:٢٣)
لا تحاب مع المسكين في دعواه (خروج ٣:٢٣)
ساعد غيرك
كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم (لاويين ٣٤:١٩)
القرآن
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
[الحجرات: ١٢]
﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾
[المائدة: ١٢]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ [النساء:
١٣٥]
﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾
[المائدة: ٢]
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]
стр. 85
التوراة
افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك (تثنية ١١:١٥).
لا تضطهد الغريب وتضايقه (خروج ٢١:٢٢)
لا تسئ إلى أرملة ما ولا يتيم (خروج ٢٢:٢٢)
لا ترتكبوا جورا في القضاء (لاويين ١٥:١٩)
ابتعد عن كلام الكذب (خروج ٧:٢٣)
لا تنتقم (لاويين ١٨:١٩)
لا ترتكبوا .. لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل
(لاويين ٣٥:١٩)
لا تحقد على أبناء شعبك (لاويين ١٨:١٩)
كن قديسا طاهرا
القرآن
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٧٠]
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى﴾.
[الآية السابقة]
﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾
[النساء: ١٢٧].
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]
﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]
﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ٧ - ١٠٨]
﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾
[آل عمران: ١٣٤]
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]
﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾
[الحشر: ١٠]
﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]
стр. 86
التوراة
تحب قريبك كنفسك (لاويين ١٨:١٩)
فتحب الرب إلهك من كل قلبك (تثنية ٥:٩)
القرآن
﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في الإنجيل والقرآن:
ومهما يكن من أمر، فإننا سنقابل كلمة حق عميقة وسامية انطلقت في ميقات جبل الطور بسيناء. إنها كنز أخلاقي نفيس. وهنا أيضا سنجد أن القرآن يضطلع بواجبه الأول كاملا، ألا وهو حفظ وتبليغ مضمون الكتب السماوية السابقة (١)، إلا أنه وفاءا لطريقته الفريدة في العرض بدلا من أن يجمع نصائحه ومواعظه دفعة واحدة، يفضل أن يقدم كل درس في مناسبته. فلنتتبع إذن خطوة بخطوة الوعظ الانجيلي، ولننظر كيف أن هذه المبادئ بعينها يعززها كتاب الإسلام.
الإنجيل
طوبى للرحماء لأنهم يرحمون (متى ٧:٥)
القرآن
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٧ - ١٨]
فلنواصل بحثنا في التقريب
ولقد قال عيسى ﵇ الحق كل الحق عندما أكد أنه لم يأت ليلغي وينسخ وإنما ليتم ويكمل، وعندما قال: «قد سمعتم أنه قيل للقدماء (كذا)
وأما أنا فأقول لكم ... (كذا)، كان يقصد أنه كان يوالي من بعدهم مهمة التطهير الأخلاقي التي بدأها المرسلون من قبله والتى كانت تتيح مجالا للتقدم والترقي.
الإنجيل
ليس فحسب «لا تقتل» وإنما لا تغضب من أخيك وتقول له «رقا» أو «يا أحمق» (متى ٢١:٥ - ٢٢)
فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانك واذهب أولا اصطلح مع أخيك
(متى ٢٢:٥ - ٢٤)
القرآن
﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]
﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
[الشورى: ٣٧]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠)
﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧]
стр. 90
الإنجيل
قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه (متى ٢٧:٥ - ٢٩)
قد سمعتم ... لا تحنث وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة (متى ٣٣:٥ - ٣٤)
سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم .. (متى ٤٣:٥ - ٤٤)
أحسنوا إلى مبغضيكم (متى ٤٤:٥)
وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم (متى ٤٤:٥)
إن سلمتم على إخوانكم فقط فأي فضل تصنعون (متى ٤٧:٥)
القرآن
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ.﴾. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.﴾. [النور: ٣٠ - ٣١]
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾
[البقرة: ٢٢٤]
﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ.﴾.
﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢].
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:
١٢٨]
﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]
﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]
стр. 91
الإنجيل
أعط الذي يطلب منك، ولا تول ظهرك لمن يريد أن يقترض منك
احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس (متى ١:٦)
إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي (متى ٥:٦)
لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض (متى ١٩:٦)
بل إكنزوا لكم كنوزا في السماء (متى ٢٠:٦)
لا يقدر أحد أن يخدم سيدين (متى ٢٤:٦)
لا تهتموا لحياتكم ... انظروا إلى طيور السماء ... وأبوك السماوي يقوتها (متى ٢٥:٦ - ٢٦)
لا تدينوا ... ولماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك وأما الخشية التي في عينك فلا تفطن لها (متى ١:٧ - ٣)
القرآن
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ﴾ ﴿ .. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧)
﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [الماعون: ٧]
﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ [الماعون: ٦]
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩]
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٠]
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠]
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ [الزمر: ٢٩]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]
﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾
[الحجرات: ١١]
стр. 92
الإنجيل
لا تعط القدس للكلاب (متى ٦:٧)
إسألوا تعطوا (متى ٧:٧)
فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم (متى ١٢:٧)
أدخلوا من الباب الضيق (متى ١٣:٧)
إحترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة
(متى ١٥:٧)
القرآن
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾
[الأعلى: ٩]
﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾
[البقرة: ١٨٦]
﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠]
﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾
[البقرة ٢٦٧]
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]
﴿مِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾
[البقرة ٢٠٤ - ٢٠٦]
стр. 93
الاختلاف الظاهري بين التوراة والإنجيل بشأن الطلاق والقصاص:
لقد أغفلنا خلال العرض السابق موضوعين من العهد الجديد هما: الطلاق والقصاص، اللذان يبدوان وكأنهما يتعارضان مع شريعة موسى.
فمقابل حرية بدون قيد تبدو وكأن التوراة قد منحتها للزوج لكي يطلق زوجته عندما يرى فيها شيئا يثير «الخجل» أو عندما يشعر «بالكراهية» نحوها، يبدو الإنجيل وكأنه يعارض حل الرابطة الزوجية إلا في حالة الخيانة. ومقابل الإصرار على المطالبة بدم القاتل والرد على كل سيئة بمثلها، علّم عيسى واجب عدم مقاومة الشرير والعفو عنه.
حقيقة أن العدل والمحبة هما مظهران لقانون خالد واحد:
فإذا نظرنا إلى حرفية هذه المبادئ يتبين لنا أن المسيحية تكون قد ألغت قوانين شرعت في الماضي. وإذا أمعنا النظر، سنرى أن هذا لا يعدو أن يكون وجهين أو درجتين من قانون واحد خالد، أحدهما يسمى العدل والثاني يسمى المحبة. إنهما طرفان يتحرك بينهما القانون الأخلاقي ولا يستطيع أن يخرج عن حدودهما.
فضلا عن أنه لا يستطيع عقلا أن ينحاز نحو أحدهما ويستبعد الآخر نهائيا.
فالعدل يكلف كل من يرغب في استخدام حقه أن يلتزم بحدود إنسانية لا ينبغي أن يتعداها. أما من يرغب في التنازل عن حقه بدافع من الكرم والأريحية فلا غبار عليه. فالإحسان يدعونا إلى كريم العفو من غير أن يذهب إلى حد حماية الجريمة وتحبيذ الرذيلة. فإذا أهملنا هذا العمل الكريم رغم يسره، يعتبر ذلك نوعا من فقدان الذوق الأخلاقي. ولكن إتمام هذا العمل على حساب الفضائل الأخرى التي تفوقه أهمية يعتبر عملا متناقضا. ويمكننا أن نتمسك بأحد الطرفين حسب ما تقتضيه الحالة، وذلك كما يتطلب أحيانا علاج المرض الواحد الاستعانة بطرق مختلفة. فحسب درجة خطورته وبحسب حالة المريض الصحية نلجأ إما إلى وسائل عادية ومعتدلة في درجتها أو إلى نوع من اليقظة والحذر، أو إلى أكثر الطرق حسما.
стр. 94
المستتر في كل من جزئي التوراة:
ولهذا نرى أن كلا من منهج العهد القديم ومنهج العهد الجديد، إما أنهما متكاملان أو متبادلان أو أنه لا مفر من الاعتراف بأنه لا ينبغي أن يحكم كل منهج منهما مستقلا عن الآخر إلا مجموعة محدودة من البشرية أو مرحلة معينة من التاريخ. والإنجيل - وهو يقدم لنا الوحدة التى لا تنفصم لآبائنا الأولين كمثل أعلى يبدو - أنه يقبل السلوك الواقعي القاسي من الذين لا يعرفون كيف يرتبون الأمور بطرق أخرى (١) والتوراة من جانبها - التي كثيرا ما تطالب بقانون النفس بالنفس والجرح بالجرح - تدعونا أحيانا إلى العفو عن المعتدي، وعدم الثأر من غيرنا (٢).
والقاعدة الأخلاقية الصحيحة إذن هي التي تضمنها كل من الكتابين المقدسين بحيث احتوى كل منهما على جزء منها وترك الجزء الآخر مستترا إلى حد ما.
التركيب القرآني:
ولقد تولى القرآن الكريم إعلان هذه القاعدة الكاملة واعتنى كل العناية بتوضيح عنصريها وإبراز قيمة كل عنصر في ذاته فيقول: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾
[النحل ١٢٦ - ١٢٧] هذا ما يتعلق بالقصاص والعفو. أما فيما يختص بالطلاق
стр. 95
فينبغي أن نتصفح القرآن الكريم (١) لكي تتبين لنا الحواجز التي يجب على الإنسان أن يجتازها قبل أن يفكر في فصم هذه العلاقة المقدسة وفي موضع آخر يوضح لنا القرآن المحاولات التي يجب بذلها للتوفيق بين الزوجين قبل الانفصال نهائيا (٢)
وبعد كل هذا فإن من يرجع عن قراره في الطلاق يؤدي عملا يمحو سيئاته.
ويجلب له مغفرة ربه (٣) فالطلاق في نظر الإسلام ليس عملا مباحا بغير حدود أو يؤدي بغير اكتراث؛ ولهذا يصفه الرسول ﷺ بأنه: «أبغض الحلال إلى الله» (٤).
وهكذا يوضح القرآن أعمال الرسل ويؤيد شرائعهم بالجمع والتوفيق بينها.
ونعتقد أن في هذا التوحيد لمختلف الاتجاهات وبهذا الأسلوب - الذي يقبل في إطار قانون أخلاقي واحد درجات متفاوتة من أعمال الخير - عاملا على جانب
стр. 96
كبير من الأهمية استطاعت بمقتضاه الدعوة الإسلامية أن تنتشر في قطاع شاسع من البشرية، وأن تضم في رحابه أفكارا واتجاهات وطبائع جد مختلفة، لا يجدي معها تشدد تجريدي غير متسامح ولا تساهل بغير حدود.
وبتوضيحنا لمنهج القرآن التوفيقي هذا، نكون قد أبرزنا في نفس الوقت مادته في الدعوة والتشريع، فكم هو جميل أن نرى كتابا أخلاقيا قد جمع بين دفتيه حكمة الأولين، فضلا عن أنه قدم - في وقت واحد وبهدف واحد - عديدا من الدروس المتباعدة في الزمان والمتعارضة أحيانا في منطوقها.
ولكن القرآن لا يقف عند هذا الحد.
فإذا كان هدفه الأول هو أن يحافظ على التراث الأخلاقي الذي نزلت به الكتب المقدسة السابقة ويؤيده، فإن له رسالة أخرى لا تقل عنه أهمية وقدسية، ألا وهي إتمام وإنهاء الصرح الإلهي الذي بناه الرسل والأنبياء ﵈ على مر العصور.
يقول الرسول الكريم ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) ويقول: «مثلى ومثل الأنبياء كرجل بنى بيتا» (٢) أو كما يقول القرآن ذاته إن هدفه أن يوضح للناس أقوم الطرق في السلوك والاعتقاد (٣).
ما هو الجديد والتقدمي إذن في تعاليم القرآن الأخلاقية؟ هذا هو ما سنوضحه في ملاحظات مختصرة تهم كل باحث منصف:
١ - في مجال الفضيلة الشخصية
في هذا المجال الفردي نجد على الأقل قاعدة جديدة ومبدأ جديدا في القرآن فالقاعدة الجديدة هي تحريم الخمر، والقضاء على مصادرها، بمنع تناول أي مشروب
стр. 97
مسكر (١).
وأما المبدأ الجديد الذي نقصده هنا فهو «النية» باعتبارها لب العمل الأخلاقي، فلكي يحمس موسى قومه كان يغريهم بآمال أرض الميعاد، وبالنصر على الأعداء، وبالبركة والرخاء في كل شؤون الحياة الدنيا. وجاء المسيح لكي يفتتح عهدا جديدا في الدعوة الدينية، فيوضح لنا الإنجيل أن النعيم والسعادة الموعودة ليست في هذه الدنيا. فآمال النفوس وطموح الأرواح عليها منذ ذلك الحين أن تنصرف عن الحياة الدنيوية وتتجه إلى السماء. وأخيرا يأتي القرآن الكريم وإذا هو بمنهجه البناء - يجمع بين هذين الوعدين ويوفق بينهما لا باعتبارهما الباعث المحرك للإنسان وإنما باعتبار أن الهدف الذي ينبغي على الإنسان الفاضل أن يقصده ليس في ملكوت السماء ولا في ملك الدنيا. إنما هو أعلى من هذا كله، إنه في الخير المطلق أي في ابتغاء وجه الله تعالى الذي يجب استحضاره في القلب عند أداء العمل الإنساني بتنفيذ أوامره (٢).
٢ - الفضيلة في العلاقات بين الأفراد
وها هو تقدم آخر يرتبط بالقاعدة الأخلاقية التي تحدد علاقاتنا بإخوتنا فبأحكام التوراة وأحكام الإنجيل، استقامت شجرة الفضيلة وبزغت فروعها وأوراقها. أما في المجال القرآني. فإن هذه الشجرة الخضراء سوف تزهر وتؤتي ثمارها، فبالإضافة إلى كنز العدل والمحبة الذي عني القرآن بحفظه، أوجد فصلا رائعا فيما يمكن تسميته
стр. 98
بالحضارة الأخلاقية. إنه تقنين حقيقي في الأدب (١) والذوق الاجتماعي (٢)
والتحشم (٣) في المظهر.
стр. 99
٣، ٤ - الفضائل الجماعية والفضائل العامة:
ونقطة بارزة في القانون الأخلاقي في الديانة الموسوية، ألا وهي هذا الحاجز العالي والقائم بين الإسرائيلي وغير الإسرائيلي. فأي خير يسديه الإسرائيلي إذا لم يكن مقتصرا على شعبه. ينبغي ألا يتعدي وطنه (ولا يشمل الغريب المقيم معه) «للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا» (تثنية ٢٠:٢٣) «الأجنبي تطالب وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه يدك منه» (تثنية ٣:١٥) «وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد» (لاويين ٣٩:٢٥) «لا تتسلط عليه بعنف .. وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم ... وأيضا من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون» (لاويين ٤٣:٢٥ - ٤٥).
أما قانون الأخلاق المسيحي فله الفضل في إسقاط هذا الحاجز الذي كان يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان «لأنه إذا أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ .... وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون؟» (متى ٤٦:٥ - ٤٧).
ولكن في مقابل ذلك لا نجد هنا هذا الالتحام الاجتماعي وهذا الشعور بالمسئولية الجماعية الذي تتضمنه النصوص العبرية مثل: «(هذه الكلمات) قصها على أولادك» (تثنية ٧:٦) «فتنزعون الشر من بينكم» (تثنية ٥:١٣) «فتحفظون جميع فرائضي جميع أحكامي وتعلّمونها لكي لا تقذفكم الأرض» (لاويين ٢٢:٢٠) والفضيلة الاجتماعية المسيحية كما تقدمها الأناجيل، تتعلق بالعلاقات بين الأفراد أكثر من دلالتها على الروح الجماعية بصفة أساسية. فقد كانت الروح الجماعية في الماضي تستهدف غرضين:
صالح الجماعة من ناحية وتمييزها عن صالح الغير من ناحية أخرى، ولكن المحبة المسيحية بامتدادها خارج الحدود الإقليمية وبرغبتها في إحتواء الإنسانية كلها، قد أحسنت صنعا بإبطال هذا الطابع العنصري، واستبداله بأخوة عالمية. ولكنها لم تركز اهتمامها بالقدر الكافي لتقوية الرابطة المقدسة للجماعة بصفة خاصة.
стр. 100
ألا يمكن - في الوقت الذي نراعي فيه عمليا وقلبيا محبة عالمية - أن تخلق في ظل هذه الأسرة العالمية الكبرى أسرة أصغر وأكثر ترابطا، وأكثر إدراكا لكيانها، وكأنها مجموعة من الخلايا تكوّن كيانا عضويا داخل ذلك الجسم الكبير؟
إن هذا الجمع الموفق بين الفضيلة العامة والفضيلة الجماعية هو الذي أبرمه القرآن الكريم؛ إذ يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم (١)، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول بيننا وبين أن نبادل إخواننا في الإنسانية المحبة والإحسان (٢)، وأن قسوة الكفار علينا لا ينبغي أن تدفعنا إلى العدوان، ولا لأن نكون غير مقسطين في معاملتهم (٣) ولقد حرم على المؤمنين أن يتعاملوا بالربا مع أي إنسان (٤)، وبين أن التقيّ العادل في محيط الجماعة الإسلامية هو كذلك خارجها (٥). وإذا كان على المسلم في بعض الظروف أن يبدى عناية خاصة في فك أسر إخوانه المسلمين (٦)، فإن عتق العبيد بوجه عام يعتبر إما إلتزاما عليه (٧)، وإما عملا يستحق التقدير (٨) ويحث عليه القرآن دائما (٩). وهكذا تتطور فكرة الفضيلة العامة التي أعلنها الإنجيل، وتتحدد أكثر فأكثر عندما تتسع لتشمل مجالات الحياة المختلفة. ولكن هل معنى ذلك أن الجماعة الإسلامية ستتراخى في
стр. 101
روابطها الداخلية لتضيع في محيط البشرية الواسع؟ على العكس إذ نجد أن مبدأين أساسيين يذكرانها بكل قوة بدورها كجماعة متميزة ومتماسكة:
الأول: يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو إنشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول رئيسها (١). ومع ذلك فقد بدا لبعض المستشرقين أن يصوروا المسلم على أنه ذو نزعة «فردية لا تقاوم»، لم يعرف معنى «رباط التضامن» في يوم من الأيام (٢). «إن الدين الإسلامي، كما يقول أحد المستشرقين، يحترم النزعة الفردية ويقدسها، ولا يعرف معنى اندماج النفوس وتلاشيها في تنظيم كبير: فليست الأعمال الجماعية مثل صلاة الجمعة، ووقفة عرفات، وصلاة الأعياد، إلا أعمالا فردية يؤديها المؤمنون في وقت واحد، ومكان واحد، دون أن تتخذ طابع الاحتفالات الموجهة أو المنظمة وفق تنسيق خاص (٣).
وسوف يلاحظ أي إنسان يحضر صلاة الجماعة للمسلمين، أن هذا القول لا أساس له من الصحة، وسوف لا يرى المؤمنين مبعثرين في غير نظام يصلى كل واحد من أجل نفسه أو يحضر كمشاهد، بينما إمامهم يؤدي وحده جوهر الفريضة الدينية. وإنما سوف يرى المؤمنين مصطفين في نظام جميل، متلاصقين كتفا إلى كتف، الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرؤوسه، في وضع واحد، واتجاه واحد، ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٥ - ٦] إنهم جميعا يطلبون النجاة والفلاح، ليس فقط لمجموعة المصلين وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» إن هذا التوافق في المظهر لا يعدو أن يكون وسيلة لتأليف
стр. 102
القلوب والجمع بينها. يقول الرسول الكريم ﷺ : «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (١) فالإسلام ليس دينا فحسب، وإنما هو أخوة في الله (٢).
والمسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فالواجبان الأساسيان اللذان يعتبرهما المسلمون واجبين توأمين، يترتب على التخلف عنهما النبذ والعقاب، هما الصلاة والزكاة. إنهما ينهضان كدليل بليغ عن روح التضامن في الإسلام.
أما المبدأ الثاني: وهو على جانب كبير من الأهمية من الناحية الأخلاقية فهو التزام جميع المسلمين بألا يتركوا المنكر يسود في مجتمعهم (٣)، وضرورة أن يتواصوا بالحق والفضيلة (٤) إنه ليس حق، ولكنه واجب كل مسلم صغيرا أو كبيرا. أن يدعوا أخاه المسلم إلى ما هو حق وعدل وأن ينهاه عن كل سوء. ويجب ألا يقل اهتمامه بسعادته الأخروية، عن اهتمامه بسعادته المادية. إن علينا جميعا أن نتعاون في نشر الفضيلة والتقوى بيننا (٥) ودليل القيمة التي يراها القرآن في وضع هذا التضامن موضع التنفيذ العملي، أن جعله المقياس الذي على أساسه سمى جماعة المسلمين الأولى بخير أمة أخرجت للناس (٦).
٥ - الفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان:
نضيف إلى كل ما تقدم فصلا آخر في الأخلاق الإسلامية جديدا كل الجدة.
стр. 103
لأن اليهودية والمسيحية في وقت تأسيسها لم تتح لهما الفرصة لإقامة علاقات مع دول معادية. فدعوة عيسى السلمية المحلية كانت تناقضها في اتجاه مضاد الحروب التي قادها موسى ضد الأمم المجاورة والتي انتهت بالقضاء عليها بسرعة. ولقد اختلف الوضع تماما بالنسبة لمحمد ﷺ خلال العشر سنوات التي كان فيها على علاقات دائمة مع أمم وديانات مختلفة، تارة مسالمة وتارة معادية.
إن هذه الظروف الخاصة التي جعلت من المرشد الروحي والأخلاقي ﷺ سياسيا وقائدا، اقتضت تشريعا أخلاقيا لظروف السلم والحرب تضمن القرآن مبادئه الأساسية. ومن هذه المباديء أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل دفع العدوان (١) ويجب أن تتوقف بمجرد انتهائه (٢). وهناك بعد ذلك المبدأ الذي يحترم المواثيق المبرمة مع العدو مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة. فالمعاهدة الموقعة بين الأطراف واجبة الاحترام حتى ولو كانت في غير صالحنا (٣). وحتى إذا بدأ العدو في نقض اتفاقه، فلا يحق لنا أن نهاجمه على غرة، بل يجب أولا إعلانه بإلغاء عهده معنا بطريقة واضحة بحيث يتيسر له العلم بقرارنا (٤) (¬،٥). وهذا بخلاف القواعد التي حددتها السنة والتي نجحت - إن لم يكن في القضاء على هذه الآفة - فعلى الأقل في التخفيف من نتائجها القاسية.
***
стр. 104
الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي
стр. 105
الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي
القرآن نموذج ممتاز في الأدب العربي:
توجد في أعماق النفس الإنسانية، كما سبق لنا القول، بصيرة داخلية تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، مهما اختلفت صورهما بشرط أن يرى الإنسان بجلاء، وبذهن صاف، ورباطة جأش. فالعقول الثاقبة، والنفوس المهيأة، لا تحتاج لأكثر من ذلك لكي تعتنق دعوة جديدة طالما رأت أنه يتوفر فيها هذا الشرط المزدوج، ألا وهو تعليم الحقيقة والدعوة إلى الفضيلة. فبدون أن يثيرها المظهر الخارجي، تنفذ بسرعة من خلال هذا الغلاف وتكتشف الجوهر وتقدر قيمته حق قدرها. وعلى هذا النحو استطاع هرقل - الامبراطور الروماني رغم جهله باللغة العربية - أن يحكم على صدق الرسالة المحمدية استنادا إلى بعض الشروط الأخلاقية التي اعتقد أنها ضرورية وكافية لكي تبرهن على ربانية هذه الرسالة (١).
ولكن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة لعامة الناس. فما يجذب اهتمامنا فيما يقدم إلينا، هو سحر شكله الخارجي أكثر من متانة محتواه وأي جديد يكتسي بمظهر حقير وغير جذاب، يجعلنا ننفر منه وننصرف عنه. لأننا نتسرع في الحكم على الأشياء بحسب مظهرها قبل أن نختبر الجوهر واللباب. فالمحسوس لدينا يسبق المعقول وعن طريقه نتوصل إلى اختبار هذا الأخير، عندما يعرض علينا. ومن هنا ندرك قيمة العون الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه الأدب إلى العلم والحكمة عندما ينتصران للحقيقة والفضيلة.
والدعوة الإسلامية تتمتع في هذه الناحية بالكمال الذي لا تشوبه شائبة
стр. 106
فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن - حامل هذه الرسالة - كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير.
إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.
بعض خصائص التركيب القرآني:
ففي العصر الذهبي للغة العربية - حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.
فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر. وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع - في تناسق حكيم - بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.
إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظما من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعا، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة (١).
أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.
وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار
стр. 107
كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبيا.
ويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى - حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحيانا - وضوح أخاذ، كأنه تحد سافر بحيث أن رجل الشارع قليل الحظ من المعرفة، يستطيع أن يقول لنفسه: لقد فهمت جيدا. ومع ذلك نجد العمق والمرونة والإيحاء والإشعاع في كل جانب مثل أوجه قطعة الماس البراقة، إلى درجة أن جميع العلوم والفنون الإسلامية تستمد على الدوام من هذا المصدر قواعدها ومبادئها. إنها حقيقة مقررة عرفها الناس جميعا، وهي أن كلا من النبيل والحقير، والسطحي والباحث الدؤوب، يلتقون على فهم القرآن. كأن كل عبارة فيه مفصلة تفصيلا بما يناسب عقلية كل منهم بحسب درجته في العلم والمعرفة.
وكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادرا ما تعرض لها الشعراء والخطباء إلا من بعيد وبصور مبهمة وموجزة، بحيث يحق لنا أن نؤكد بدون تردد أنه من الناحية اللغوية البحتة، كان ظهور القرآن خلقا للغة جديدة، ولأسلوب جديد.
أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى. ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها - بين هاتين النزعتين المتنافرتين.
وبالإضافة إلى الموسيقي الخالدة التي تعلو هذا الأسلوب المتنوع، نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي - سواء أكانت وصفا أو إستدلالا أو سن قاعدة في القانون أو في الأخلاق - تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود. وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو، في قوانا المختلفة - يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.
стр. 108
وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر (١) ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية، يدركه هو بفطنته وفطرته. فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب، ويبهر الأبصار.
السمو الفريد حتى بالنسبة لحديث الرسول ﷺ :
ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول ﷺ . واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن اطلقوا عليه «سحرا».
وحتى في عصرنا الحاضر، ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة، نجد العرب على اختلاف دياناتهم، يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول ﷺ ذاته المعروفة ببلاغتها الرفيعة. فالواقع أنه يتوفر تحت أيدينا اليوم آلاف من أحاديث الرسول ﷺ ، منها ما كان بعد تفكير عميق امتد إلى ما يقرب من الشهر مثل حديث الإفك، وأحاديث أخرى كانت على أثر وحي بالمعنى لا بالنص مثل «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (٢) فجميع عبارات الرسول ﷺ وجمله يتميز عنها النص القرآني تمييزا صارخا، وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال
стр. 109
ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن فى الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.
خطأ كثير من العلماء بشأن وحدة السور القرآنية:
وقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة. فعند ما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية - عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السورة، لم ير القرآن في جملته إلا أشتاتا من الأفكار المتنوعة، عولجت بطريقة غير منظمة، وبدون أي ربط منطقي بينها، بينما رأي البعض الآخر أن علة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة إلى تخفيف الملل الناتج من رتابة الأسلوب، والحزن المترتب على تكرار النغمة مما يتنافي مع المثالية في الأسلوب العربي. وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكل سورة - وهو ما يستحيل نقله في أية ترجمة - إلا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضم غالبية المستشرقين رأى - وهو يهدف إلى تبرئة الرسول ﷺ الذي قدم كل سورة من القرآن على شكل وحدة مستقلة - أن هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتبوها على شكل سور.
إن هذه التفسيرات لا تبدو صالحة للأخذ بها. إذ أن السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم. وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول ﷺ . إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقا وحدة السورة لا تعدو أن تكون سلسلة من الحروف والصوتيات تخفي تشتيتا وتفرقا جوهريا في المعنى، وتترك فواصل لا يقبلها المنطق في مسيرة الأفكار وتقفز قفزات مفاجئة في السورة عند الإنتقال من موضوع إلى موضوع جديد.
стр. 110
تجربة خاصة:
فعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألوانا متنوعة تتجاور أو تتنافر أحيانا، بل يجب أن نرجع قليلا إلى الوراء، ليتسع مجال الرؤية وتحيط بالكل في نظرة شاملة، تستطيع وحدها أن تلاحظ التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب. فبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية. ولقد قمنا في الماضي أثناء تدريسنا بجامعة الأزهر - بتطبيق هذه القاعدة في دراسة لاحدى السور المدنية (هي سورة البقرة) ولسورتين مكيتين (هما سورتي يونس وهود) ولم يكن اختيارنا لهذه السور عن قصد، وإنما كانت كلها مقررة في البرنامج الدراسي. فالواقع أننا وجدنا أكثر مما كنا نتطلب من بحثنا. فقد كنا نبحث عما إذا كان هناك نوعا من الترابط في الأفكار التي تتناولها السورة الواحدة، ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة. فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة، وأخيرا تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.
هذه الوحدة من العجائب نظرا للظروف التي تتم فيها وتجعلها مستحيلة بالنسبة للقوى البشرية:
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام مرتبطا بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وهذا التساؤل يضعنا أمام نقطة محيرة. فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد إكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع، إما الترتيب التاريخى للنزول، وإما الترتيب المنطقي البسيط المبني على تجانس