← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النبي ﷺ بالتوسعة عليهم - مع أن أصحاب الأضاحي يلحقهم بذلك بعض الضرر - من أجل مراعاة المصلحة العامة، ولما اتسع الأمر بزوال حاجة الوافدين أو بذهابهم رجع الأمر إلى أصله من جواز الإدّخار، والأكل، والتصدق١. ٣) ويضاف إلى هذين الدليلين المعبّرين عن القاعدة بشقّيها ما يدل على قاعدة: ((المشقة تجلب التيسير)) أو على الشق الأول من هذه القاعدة وهو نوعان: أ) ما يدل على يسر الشرع في كل تشريعاته كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢. ب) وما يدل على رفع الحرج بسبب المشقة الطارئة ومنه ما رواه عمران بن حصين٣ ﵁ قال: "كانت بي

стр. 107

بواسير١، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"٢. وسيأتي - إن شاء الله - ذكرُ مزيد من هذه الأدلة عند عرض قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ٣. العمل بالقاعدة: تقدم أن هذه القاعدة - في شقها الأول - بمعنى قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) وهي محل اتفاق بين العلماء٤، ولا يقدح في هذا عدم نصّ بعض الفقهاء عليها؛ إذ هي بمعنى القاعدة المذكورة وقد نص أكثرهم عليها، كما أن جميع رخص الشرع المبثوثة في كتب الفقه، وتعليق تلك الأحكام الطارئة على الأعذار - بحيث

стр. 108

إذا زال سبب الرخصة رجع الحكم إلى أصله - دليلٌ على عمل الفقهاء بهذه القاعدة بشقيها، والله أعلم. من فروع القاعدة: ١- الذباب يقع على الغائط ثم على الثوب، ونحو ذلك مما يشق التحرز عنه من النجاسات١. ٢- إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلا من غير محارمها٢. ٣- جواز دفع السارق والباغي ما أمكن ولو بالقتل٣.

стр. 109

وجه التيسير: التيسير في جزء هذه القاعدة الأولى، ظاهر من حيث مراعاة أحوال المكلفين، فإذا شقّ عليهم الأمر، أو تعذر نقلهم الشارع إلى الترخص أو العفو. وأما جزؤها الثاني فإن التيسير فيه، هو ما في جميع أحكام الشرع من عموم اليسر وعدم الحرج.

стр. 110

القاعدة السابعة: "الإسلام يجب ما قبله " أورد الزركشي القاعدة بهذات اللفظ، ثم أوضحها بتقييدها بأن ذلك في حقوق الله تعالى١، كما أوردها مقيدة بهذا القيد السيوطي بعنوان "ضابط"٢ وابن نجيم بعنوان "تنبيه"٣.وذكرها القرافي عند بيانه، الفرق بين ما يلزم الكافر إذا أسلم وما لا يلزمه٤. وعلل بها ابن قدامة لإسقاط حقوق الله تعالى عن المرتد، كسقوطها عن المشرك٥، وأشار إليها عدد من الأصوليين في مسألة، مخاطبة الكفار بفروع الشريعة٦ كما عرض

стр. 111

لها العز بن عبد السلام عند عرضه أمثلة قصد منها الشارع الترغيب في الإسلام مع اشتمالها على بعض المفاسد، لكنها دون مصلحة دخوله في الإسلام١. وأصل هذه القاعدة لفظ نبوي كما سيأتي إن شاء الله. معاني المفردات: الإسلام لغة: الاستسلام، وهو مصدر أسْلَم، ويأتي لمعان أخرى٢. وفي الشرع: هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له٣، أو هو الاستسلام لله بالقلب مع الأعمال الظاهرة٤. يجبّ: يقطع، والجبُّ هو القطع٥. المعنى الإجمالي: تبين هذه القاعدة، حكم أفعال الكافر التي مضت منه حال كفره إذا دخل في الإسلام وكانت تلك الأفعال متعلقة بحقوق الله تعالى من فعل لما نهى الله عنه، وترك لما أوجب الله. حيث تدل على أنه

стр. 112

يسقط عن الكافر إثم ما ارتكب من معاص، ولا يترتب عليها آثارها من حدّ أو نحوه، ولا يطالب بقضاء ما ترك. ويستوي في هذا القول، من قال بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومن قال بعدم تكليفهم بها١؛ لأن مراد من قال بتكليفهم بفروع الشريعة أنه لو مات كافرا فإنه يعذب على كفره وعلى معاصيه. لا أن العبادات تصحّ منه لو فعلها حال كُفره. فيكون معنى القاعدة بهذا الاعتبار، أنه إذا أسلم سقط عنه إثم كفره، وإثم معاصيه، ولم يلزمه قضاء ما ترك من الأوامر بعد تحقق شرط صحتها منه وهو الإسلام. ومراد من يقول بعدم مخاطبة الكافر بفروع الشريعة، أنه إنما يعذب لو مات كافرا على كفره دون ما عصى الله به. إلا أن العذاب على الكافر هو أشد العذاب، فيكون معنى القاعدة - على اعتبار - أنه إذا أسلم سقط عنه إثم الكفر، ولم يلزمه قضاء ما ترك وإن كان قد أصبح محلا للتكليف٢، وقد قيّد هذا الحكم بكونه فيما

стр. 113

يتعلق بحقوق الله تعالى١، ثم أطلق البعض الحكم فيما يتعلق بحقوق الناس، بأنها لا تسقط٢. والصحيح، أن من حقوق الآدميين ما يسقط بالدخول في الإسلام. وقد أوضح القرافي ﵀ الضابط في ذلك فقال: "إن ما أقدم عليه الشخص من حقوق الآدميين حال كفره وهو غير راضٍ بدفعه لمستحقه٣، كالقتل والغصب، ونحوهما، فإنه يسقط بالإسلام؛ لأن هذه الأمور إنما أقدم عليها معتمدا على أنه لا يوفيها

стр. 114

أهلها فأُسقِطَت عنه؛ لأن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام، فقدمت مصلحة دخوله في الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق من باب تقديم أعلى المصلحتين وأما ما رضي به حال كفره كالبيع ونحوه من المعاملات، فإنه يلزمه؛ إذ ليس في الإلزام بهذا ما ينفر عن الإسلام. كما قُيد الكافر بكونه حربيا١ ليخْرُجَ الذمي٢ والمستأمن٣، فإن

стр. 115

الإسلام يُسقط.نهما حقوق الله تعالى، ولا يسقط-عنهما شيئا من حقوق الآدميين لكونهم التزموا أحكام المسلمين قبل أن يُسْلموا١. الأدلة: لقد تواترت الأدلة على أن من تاب من الشرك ومن المعاصي تاب الله عليه. ١) وأول ما يدل على عدم مؤاخذة الكافر بعد إسلامه هو النص النبوي في هذا الباب وهو قوله ﷺ لعمرو بن العاص٢: " ... أما عَلمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ... " الحديث ٣.

стр. 116

وفي لفظ آخر: "الإسلام يجبّ ما كان قبله"١ ٢) قول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ... ﴾ ٢. قال الإمام القرطب٣ي: " ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يريد عن الكفر"٤. ٣) قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥.

стр. 117

٤) قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ١. فقد جاء في سبب نزول هذه الآيات: "أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة٢ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ... ﴾ ، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ... ﴾ ٣"، وروي غير ذلك في سبب نزولها وهو بمعناه٤.

стр. 118

٥) حديث ثوبان١ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢ فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت النبي ﷺ ثم، قال: "ألا من أشرك ثلاث مرات"٣. وفي الباب أحاديث أخرى٤.

стр. 119

العمل بالقاعدة: أجمع العلماء على العمل بهذه القاعدة في حقوق الله تعالى - من حيث الجملة - وقد تقدم بيان ورودها عند فقهاء المذاهب الأربعة، ونقل الإجماع عليها عدد من أهل العلم. قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... إِلاّ مَنْ تَابَ ... ﴾ ١: "لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني"٢. وقال أبو الخطاب٣: "أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يلزمه أن يفعل العبادات حال كفره ولايجب عليه القضاء إذا أسلم"٤. وقال الخطابي٥ في شرحه لحديث: "من أحسن في الإسلام لم

стр. 120

يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر"١. قال: "ظاهره خلاف ما أجمعت عليه الأمة من أن الإسلام يجب ما قبله، ثم ذكر اجوبة عن هذا"٢، وقال النووي في شرحه للحديث نفسه: "المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعا وأن يكون مسلما حقيقيا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح "الإسلام يهدم ما قبله"٣

стр. 121

وبإجماع المسلمين١. من فروع القاعدة: ١- إذا أسلم شخص في شهر رمضان فإنه يصوم ما يستقبل منه ولا قضاء عليه فيما مضى ويُمسك بقية يومه الذي أسلم فيه٢. ٢- إقرار الكفار على أنكحتهم التي عقدوها حال الكفر إذا كانت المرأة ممن يجوز نكاحها ابتداء ولا ينظر إلى صفة عقدهم وكيفيته٣. ٣- لو زنا الكافر ثم أسلم لم يُحدّ٤.

стр. 122

وجه التيسير: يظهر التيسير في هذه القاعدة من جهتين: الأولى: عدم تكليف من أسلم بقضاء ما فرّط فيه من حقوق الله تعالى وهي كثيرة متراكمة، وإسقاط الإثم والمؤاخذة عنه فيما كان من حقوق الله تعالى، وفيما كان من حقوق الناس على الوجه الذي تقدم إيضاحه. الثانية: تسهيل الوصول إلى طريق الحق وترغيب الناس فيه. يدل على ذلك ما تقدم من أن بعض الكفار أراد أن يسلم لكنه خشي أن لا يغفر له فرُغِّب في الخير لمصلحته والله غني عن العالمين. ويتجلى هذا في قوله ﷺ وهو الرؤوف بمن أرسل إليهم - في شأن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ... ﴾ ١، "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية"٢. ومع هذا فإن الله تعالى قد كفل للآدميين حقوقهم التي التزم بها الكافر حال كفره إذ أنها مبنية على المشاحة فلم يسقطها عنه.

стр. 123

القاعدة الثامنة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم وردت هذه القاعدة بهذه الصيغة عند السيوطي١، وكذلك عند ابن خطيب الدهشة٢، وأوردها ابن تيمية في سياق إثباته لكون الأصل في الأفعال العادية عدم التحريم٣، وأوردها الزركشي، وابن نجيم بصيغة الاستفهام، وجعلها الزركشي مترددة بين الإباحة، والتحريم، والوقف٤ ولم يشر

стр. 124

ابن نجيم إلى الوقف١ وقال بعضهم بالتفصيل، وقال البعض إنها على الحظر٢ كما بحثها الأصوليون في مبحث

стр. 125

الاستصحاب١، وفي مبحث التحسين والتقبيح العقليين٢. فهي على هذا قاعدة فقهية أصولية. معاني المفردات: الأصل: في الغة أسفل الشيء وأساسه، وهو ما يبتنى عليه غيره٣.

стр. 126

وفي الاصطلاح: يطلق على عدة معان، والمراد هنا القاعدة المستمرة المنطبقة على جزئياتها أو الحالة القديمة١. الإباحة في اللغة: مصدر أباح من البوح وهو الإظهار والإعلان، يقال: باح بسرّه أي أظهره، ويأتي بمعنى الإذن، فيقال: أبحتك الشيء أي أحللته لك٢. وفي الاصطلاح: هي الإذن في الفعل والترك من غير تخصيص أحدهما بمدح أو ذم. وهذا مأخوذ من تعريف الأصوليين للمباح حيث دأب أكثرهم على تعريفه، وقد عرّفوه بأنه ما أذن في فعله وتركه من حيث هو ترك له من غير تخصيص أحدهما باقتضاء مدح أو ذم، وعرّف بغير ذلك٣. الدليل في اللغة: فعيل بمعنى فاعل وهو: يطلق بمعنى الأمارة، وبمعنى المرشد٤، وقال الأصوليون إذا أطلق بمعنى المرشد فيصح أن يراد به الناصب للدليل وهو الله تعالى، والذاكر للدليل، وما فيه

стр. 127

الدلالة والإرشاد (وهو الدليل عند الفقهاء) . وفرّق بعض الأصوليين بين الدليل والأمارة، بأن الأمارة ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها إلى الظن، وأما الدليل فهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم. وعرّفه كثير من الأصوليين اصطلاحا: بأنه ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري١. التحريم لغة: مصدر حرّم، والحرمة لغة ما لا يحل انتهاكه٢. وفي الاصطلاح: يمكن أن يعرّف من خلال تعريف العلماء للحرام أو المحرّم، فيقال: هو النهي عن الشيء نهيا جازما، أو يقال: هو إيراد الشارع ما يدل على ذم فاعله، أو توعُّده بالعقاب. حيث عُرّف الحرام بأنه ما نهي عنه نهيا جازما، وعُرّف بأنه ما توعد بالعقاب على فعله شرعا٣.

стр. 128

المعنى الإجمالي: تشمل هذه القاعدة بلفظها حكم الأشياء قبل الشرع، وحكمها بعده فيما لم يرد فيه دليل. والمراد بها - هنا - ما كان بعد ورود الشرع؛ لأن الغالب أن الفقهاء إنما يبحثون هذه المسألة من هذا الجانب١. أما الأصوليون فيبحثون من هذا الجانب ومن جانب ما كان قبل ورود الشرع٢ في مبحث

стр. 129

الاستصحاب١، كما بحثها بعضهم في مبحث التحسين

стр. 130

والتقبيح العقليين١ وتعني أن حكم الأعيان والأفعال المتعلقة بها التي لم يرد دليل شرعي يمنع الإقدام عليها هو الإباحة أي الجواز الانتفاع بتلك الأعيان والإقدام على الأفعال المتعلقة بها، وهذا هو ما يطلق عليه البراءة الأصلية أو استصحاب العدم الأصلي٢. الأدلة: استدل من يرى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وكذلك من يرى أن الأصل في المنافع - دون غيرها - الإباحة بعدد من الأدلة منها: ١) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ... ﴾ ٣.

стр. 131

ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى ذكر هذا في سياق الامتنان على الإنسان بما خلق له، وأبلغ درجات الإمتنان الإباحة، وأنه تعالى أضاف ما خلق إلى الناس بالام وهي تفيد الملك وأدنى درجات الملك إباحة الانتفاع بالمملوك١. ٢) قول الله : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... ﴾ ٢. ووجه الدلالة منها: الإنكار على من حرّم شيئا مما أخرج الله لعباده٣. ٣) قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... ﴾ ٤. ووجه الدلالة منها: أن المراد بالطيبات - هنا - ما يستطاب طبعا، وليس المراد بالطيبات الحلال وإلا لزم التكرار٥.

стр. 132

٤) وحديث سلمان١ ﵁ أن رسول الله صلى عليه وسلم سئل عن الجبن والسمن والفراء٢ فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عُفي عنه" ٣. قال في تحفة الأحوذي: "وفيه أن الأصل في الأشياء الإباحة"٤. ٥) وحديث: "أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم

стр. 133

فحرِّم من أجل مسألته" ١. قال ابن حجر: "وفي الحديث أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك"٢. ٦) استدل بعض من قال: إنها على الإباحة من جهة العقل، بأن خلق هذه الأعيان إما أن يكون لحكمة، أة لغير حكمة، وكونه خلقها لغير حكمة باطل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٣ فثبت أنها خلقت لحكمة ولا تخلو هذه الحكمة من أن تكون نفعا يعود إلى الخالق سبحانه أو نفعا يعود إلى الناس، والأول باطل لتنزه الله تعالى عن الانتفاع بشيء. فثبت أنها خلقت لينتفع بها من يحتاج إليها٤

стр. 134

العمل بالقاعدة (أو أقوال العلماء فيها) : لقد اختلف العلماء في صياغة هذه القاعدة - بناء على اختلاف مذاهبهم في هذه المسألة -بين جازم بأن الأصل في الأشياء الإباحة، وبين جازم بأن الأصل فيها هو الحظر، وبين مشير إلى الخلاف في الأصل فيها، هل هو الإباحة؟، أو الحظر؟، أو التوقف؟، وبين مفصّل بين المنافع والمضار١. فالقائلون بأن الأصل فيها الإباحة هم الشافعية٢، وأكثر الحنفية٣، وبعض الحنابلة، وأومأ إليه الإمام أحمد٤، وأبو الفرج من

стр. 135

المالكية١. ونسبه بعض المتأخرين إلى الجمهور٢. وأما القول بأن الأصل فيها الحظر، فقد نُسب إلى الإمام أبي حنيفة٣ وإلى بعض الشافعية٤، وبعض الحنابلة٥ وإلى الأبهري من المالكية٦، وبعض المعتزلة٧. ونقل بعضهم عن أكثر الفقهاء،

стр. 136

القول بالتوقف بمعنى أن الأصل في الأشياء عدم الحكم أو عدم العلم بالحكم، فليست بمباحة ولا محظورة١. وذهب الإمام الرازي٢ إلى أنه لا حكم للأشياء قبل الشرع، وأما بعده فإن الأصل في المنافع الإباحة والأصل في المضار التحريم٣، وبه قال العلائي، ونسبه إلى الشافعية وإلى جمهور أهل العلم٤. وبهذا العرض لأقوال العلماء يتبين أن هناك نوعا من الاضطراب في النقل عنهم وتقرير مذاهبهم ومردّ هذا - فيما أرى، والله أعلم - أمران: أحدهما: التداخل بين المسألتين اللتين تتطرق إليهما تلك القاعدة، وهما، كون ذلك فيما قبل ورود الشرع، أو فيما بعده. والثاني: الاختلاف في المراد بالإباحة، والتوقف، فلم تتوارد

стр. 137

الأقوال على محل واحد ويمكن أن يقال - توفيقا - بين القول بالتوقف والقول بالإباحة - إنهما يئولان إلى نتيجة واحدة؛ لأن مراد من قال بالتوقف - غالبا - هو أنه لا يحكم عليها بحظر ولا إباحة قبل ورود الدليل الشرعي بذلك، ونتيجة هذا القول أنه لا حرج في الفعل ولا في الترك وهو بمعنى الإباحة، إلا أنهم تحاشوا التعبير بالإباحة؛ لأنها حكم شرعي لابد أن يقوم على دليل، وقد أشار إلى هذا المعنى عدد من الأصوليين. قال الغزالي: " ... وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى وأخطأوا في اللفظ، فإن فعل البهيمة والصبي لا يوصف بكونه مباحا وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج"١، وهذا الجمع يتأتى فيما كان قبل الشرع وفيما كان بعده٢. ويمكن أن يقال - توفيقا بين قول من قال إن الأشياء على الإباحة،

стр. 138

وبين من فرّق بين المنافع والمضارّ -: إن من أطلق الحكم بالإباحة وعدم الحرج في الفعل أو الترك يعلل ذلك بعدم وجود الدليل المانع من الإقدام على الفعل، أو عدم العلم به، وأما من يفرق فإنه يبنى الحظر في المضارّ على ورود الدليل العام بحظرها؛ ولذا فإن القائل بالتفريق إنما يقول به بعد ورود الشرع، ويؤيد هذا أن من قال بالإباحة مطلقا يلتفت - في الاستدلال - إلى هذا المعنى١، وعلى هذا فالأكثرون على جواز الانتفاع بما لم يرد الدليل بتحريمه على ما تقدم بيانه وهو الذي يبدو راجحا بالأدلة. وأما من قال بالحظر فقد استدل بأدلة، أجمل بعضها فيما يلي: ١) قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ. ..﴾ ٢. ٢) وقول النبي ﷺ : "الحلال بين والحرام بين وبينهما

стр. 139

مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ... " ١. ووجه استدلالهم بهذين الدليلين وما في معناهما أنه لا يجوز الحكم بإباحة شيء والإقدام عليه بدون دليل شرعي. والجواب: كما أنه لا دليل على الإباحة فإنه لا دليل على التحريم فلا يجوز القول به بدون دليل أيضا. ٣) واستدلوا من جهة العقل بأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز، والقول بالإباحة تصرف في ملك الله بغير إذنه فهو باطل. وأجيب عن ذلك، بأن ذها إنما هو في حق من يلحقه بذلك التصرف في ملكه ضرر، أما م لا ضرر فيه على مالكه ولا على المنتفع فلا يقبح وهذا متأتّ في حق الناس، ففي حق الله تعالى أولى، والله أعلم٢.

стр. 140

من فروع القاعدة: فروع القاعدة كثيرة جدا ومنها على سبيل الإجمال: ١- الحيوان المشكل أمره الذي لم ينص على تحريمه ولا حلّه، ولم يدخل في عموم الخبائث فإنه مباح عند جمهور أهل العلم١. ٢- سائر الأطعمة والنباتات التي لم يرد النص بحكمها فإنها على الإباحة٢. ٣- جواز استعمال الآلات والصناعان الحادثة٣.

стр. 141

وجه التيسير: التيسير في هذه القاعدة واضح حيث إنها تعني أن للإنسان أن ينتفع بكل ما سُخّر له في هذه الدنيا ما لم يدل دليل على تحريمه. وفي هذا إشارة إلى أن ما أباح الله تعالى للإنسان الانتفاع به سواء عن طريق الخطاب بالتخيير، أو البراءة الأصلية أكثر مما حظره عليه، ولله الحمد والفضل.

стр. 142

القاعدة التاسعة: الأصل في العادات العفو أورد هذه القاعدة ابن تيمية١، وأشار إليها الشاطبي بقوله: "الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني وعدم التزام النص، ومن ههنا أقرت الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالديّة٢ والقسامة٣ ... الخ كلامه"٤،

стр. 143

ونص عليها ابن سعدي في رسالته في ((القواعد الفقهية)) ١. وقريب من معناها ما ذكره ابن تيمية - أيضا - وغيره من أن الأصل في العقود والشروط - وهي من الأفعال العادية٢ - الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا، وذكر قولا آخر بأن الأصل فيها الحظر٣. واهذه القاعدة علاقة قويّة بالقاعدة السابقة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) بحيث يمكن اعتبار هذه القاعدة - أعني قاعدة ((الأصل في العادات العفو)) ، وما بمعناها مندرجة تحت قاعدة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) . يؤيد هذا أن من المؤلفين من بنى حكم بعض أنواع العقود المستحدثة والمعاملات الجديدة على قاعدة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) ٤.

стр. 144

فهذه القاعدة ((الأصل في العادات العفو)) مفروضة في الأفعال أكثر من كونها مفروضة في الأعيان١ معاني المفردات: الأصل: تقدم بيان معناه٢. العادات لغة: جمع عادة، من العوْد والمعاودة، وهي بمعنى: الرجوع، وتثنية الشيء وتكراره. جاء في معجم مقاييس اللغة: العين والواو والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تثنية في الأمر، وذلك هو العَوْد٣. وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين هي: الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية٤، وعرّفت بغير ذلك٥ والمراد بها - هنا فيما يظهر - ما

стр. 145

يقابل العبادة من أفعال الناس وهو في معنى ما تقدم؛ لأنها تتكرر. العَفْوُ لغة: الصفح وترك العقوبة، وله معان أخرى متضمنة هذا المعنى١. وفي الاصطلاح: يطلق بمعنى المباح. ويطلق بمعنى نفي الحرج وعدم العقوبة؛ إذ يرى بعض العلماء أن الإباحة هي ما ورد من الشارع خطاب بالتخيير فيها بين الفعل والترك. والعفو، أو نفي الحرج هو ما سكت عنه الشرع٢. المعنى الإجمالي: معنى هذه القاعدة أن تصرفات الناس في شئون حياتهم، ومعاملاتهم فيما بينهم وما قد يكون فيها من شروط كلها مباحة، أي لا عقاب في فعلها ولا تركها إلا ما ورد الدليل الشرعي بتحريمه وذلك بناء على بقائها على الأصل. على أن لفظ "العفو" في القاعدة مقصود؛ لأن من العلماء من يرى أن الإباحة حكم شرعي لا يكون إلا بخطاب من الشارع
следующие страницы →