وجه التيسير:
التيسير في هذه القاعدة واضح حيث إنها تعني أن للإنسان أن ينتفع بكل ما سُخّر له في هذه الدنيا ما لم يدل دليل على تحريمه. وفي هذا إشارة إلى أن ما أباح الله تعالى للإنسان الانتفاع به سواء عن طريق الخطاب بالتخيير، أو البراءة الأصلية أكثر مما حظره عليه، ولله الحمد والفضل.
стр. 142
القاعدة التاسعة: الأصل في العادات العفو
أورد هذه القاعدة ابن تيمية١، وأشار إليها الشاطبي بقوله: "الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني وعدم التزام النص، ومن ههنا أقرت الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالديّة٢ والقسامة٣ ... الخ كلامه"٤،
стр. 143
ونص عليها ابن سعدي في رسالته في ((القواعد الفقهية)) ١.
وقريب من معناها ما ذكره ابن تيمية - أيضا - وغيره من أن الأصل في العقود والشروط - وهي من الأفعال العادية٢ - الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا، وذكر قولا آخر بأن الأصل فيها الحظر٣.
واهذه القاعدة علاقة قويّة بالقاعدة السابقة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) بحيث يمكن اعتبار هذه القاعدة - أعني قاعدة ((الأصل في العادات العفو)) ، وما بمعناها مندرجة تحت قاعدة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) .
يؤيد هذا أن من المؤلفين من بنى حكم بعض أنواع العقود المستحدثة والمعاملات الجديدة على قاعدة ((الأصل في الأشياء الإباحة)) ٤.
стр. 144
فهذه القاعدة ((الأصل في العادات العفو)) مفروضة في الأفعال أكثر من كونها مفروضة في الأعيان١
معاني المفردات:
الأصل: تقدم بيان معناه٢.
العادات لغة: جمع عادة، من العوْد والمعاودة، وهي بمعنى: الرجوع، وتثنية الشيء وتكراره.
جاء في معجم مقاييس اللغة: العين والواو والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تثنية في الأمر، وذلك هو العَوْد٣.
وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين هي: الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية٤، وعرّفت بغير ذلك٥ والمراد بها - هنا فيما يظهر - ما
стр. 145
يقابل العبادة من أفعال الناس وهو في معنى ما تقدم؛ لأنها تتكرر.
العَفْوُ لغة: الصفح وترك العقوبة، وله معان أخرى متضمنة هذا المعنى١.
وفي الاصطلاح: يطلق بمعنى المباح. ويطلق بمعنى نفي الحرج وعدم العقوبة؛ إذ يرى بعض العلماء أن الإباحة هي ما ورد من الشارع خطاب بالتخيير فيها بين الفعل والترك. والعفو، أو نفي الحرج هو ما سكت عنه الشرع٢.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن تصرفات الناس في شئون حياتهم، ومعاملاتهم فيما بينهم وما قد يكون فيها من شروط كلها مباحة، أي لا عقاب في فعلها ولا تركها إلا ما ورد الدليل الشرعي بتحريمه وذلك بناء على بقائها على الأصل.
على أن لفظ "العفو" في القاعدة مقصود؛ لأن من العلماء من يرى أن الإباحة حكم شرعي لا يكون إلا بخطاب من الشارع
стр. 146
بالتخيير بين الفعل والترك، وهذه لم يرد فيها هذا النوع من الخطاب١.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المراد من هذه القاعدة وكيفية العمل بها بقوله: " ... فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط - جملة - وصحتها أصلان: الأدلة الشرعية العامة والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرّم، فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع، أو المسألة هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا أما إذا كان المدرك٢ الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون، وعُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه
стр. 147
لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك١.
الأدلة:
استدل ابن تيمية على هذه القاعدة بعدد من الأدلة: منها ما هو دال على أن الأصل في العادات - بعمومها عقودا كانت أو غيرها - العفو، ومنها ما هو دال على أن الأصل في العقود والشروط - بخصوصها - العفو أيضا، فمن النوع الأول:
١) قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً ... ﴾ ٢ فلو قيل بتحريم شيء من تصرفات الناس، ومعاملاتهم دون دليل شرعي على التحريم لدخول القائل في عموم هذه الآية.
٢) أن الله تعالى ذمّ المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرّموا ما لم يحرمه في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلاّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ
стр. 148
حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
٣) ما رواه الإمام مسلم أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم يومي هذه كل ما نحلْتُه عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم٢ عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم ... " ٣الحديث.
فقد دل الحديث على أن ما لم يرد نص شرعي بتحريمه فهو حلال، وأن تحريم ما لم ينصّ على تحريمه إنما يأتي من قبل طاعة الشياطين. ومن النوع الثاني الدال على الإباحة في العقود والشروط.
стр. 149
٤) قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... ﴾ ١ الآية.
٥) حديث: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها ... وذكر منها وإذا وعد خلف" ٢.
وقد بين ابن تيمية وجه استدلاله بهذين الدليلين ونحوهما يقوله: "وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به عُلم أن الأصل صحة العقود والشروط؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده، ومقفصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة٣.
٦) حديث: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرّم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرّم حلالا، أو
стр. 150
أحل حراما"١.
٧) أن من تتبع سنة النبي ﷺ ، وما ورد عن أصحابه عليهم رضوان الله علم أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين، ومعنى هذا أن العقود تصح بكل ما دل عليها وبكل صورة لم يرد الدليل بتحريمها.
٨) واستدل من المعقول على أن الأصل صحة العقود بأن الأصل فيها رضى المتعاقدين وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ ... إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ... ﴾ ٢.
إلى غير ذلك من الأدلة٣.
стр. 151
ثم إنه قد تقدم أن هناك من يرى أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلا ما دل الدليل على إباحته، وسأنقل - هنا - بعض أدلتهم مجملة، وهي في واقعها أدلة لمن يرى أن الأصل في العادات الحظر؛ لأن العقود والشروط من جملة العادات.
١) فمن أشهر ما استدلوا به على هذا حديث عائشة ﵂ في قصة اعتاق بريرة ﵂ وفيه قوله ﷺ : " ... ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وشرط الله أحق وأوثق "١.
قال ابن تيمية: "وحجتهم فيه من وجهين:
أحدهما: حكم رسول الله ﷺ على ما لم يكن في كتاب الله من الشروط بالبطلان.
الثاني: قياس جميع الشروط التي تنافي موجب العقود على اشتراط الولاء.
стр. 152
٢) ومما استدلوا به أيضا عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١ ونحوها من الآيات، حيث يرون أن العقود والشروط التي لم تُشْرَع تعدٍّ لحدود الله وزيادة في الدين٢.
العمل بالقاعدة:
تقدم أن العادات تشمل العقود وما قد يتعلق بها من شروط وتشمل العادات التي ليست بعقود ولا شروط٣.
فأما ما ليس بعقد ولا شرط فقد صرح الشاطبي بأن مذهب الإمام مالك: أن الأصل فيها العفو، وأنه يلتفت فيها إلى المعاني لا إلى النصوص، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مذهب الحنابلة كما تقدم النقل عن ابن تيمية وعن الشاطبي في هذا٤.
أما الحنفية والشافعية فإن الذي لي أن الحكم عندهم فيها
стр. 153
مأخوذ من الحكم في القاعدة المتقدمة ((الأصل في الأشياء الإباحة أم الحظر)) ١؛ لأن الكثير من الفقهاء لم يفرد العادات أو العقود بقاعدة تدل على الأصل فيها، بل اكتفى ببيان الأصل في الأشياء عموما.
وأما ما كان منها من قبيل العقود والشروط فقد ذكر العلماء فيها من حيث الجملة مذهبين:
أحدهما: القول بأن الأصل فيها التحريم والبطلان، ما لم يدل دليل على صحة العقد أو الشرط.
وهذا القول قول الظاهرية فهم الذين طردوا هذا الحكم في كل عقد وشرط.
والثاني: أن الأصل فيها الإباحة والصحة ما لم يدل دليل على بطلان العقد أو الشرط٢ وقد جعل بعض العلماء في مقابل أهل الظاهر - القائلين بالمنع - جمهور الفقهاء، أي أنهم يقولون بأن
стр. 154
الأصل فيها الجواز١.
لكن ذلك يحتاج إلى شيء من التفصيل فليس على إطلاقه؛ لأن المتأمل يجد بعض الاختلاف في بيات مذاهب الأئمة في هذا. فنجد ابن تيمية مثلا ينسب إلى الإمامين: أبي حنيفة، والشافعيّ أن كثيرا من أصولهما تنبني على أن الأصل في العقود والشروط المنع، ويقول عن الإمام مالك، والإمام أحمد: إن طائفة من أصولهما تنبني على ذلك أيضا. أما أكثر أصول أحمد المنصوصة عنه فإن أكثرها يجري على أن الأصل فيها الجواز، وقريب منه الإمام مالك إلا أن أحمد أكثر تصحيحا للشروط٢ ثم نجد الشيخ مصطفى الزرقاء٣ يفرق بين العقود والشروط فيرى أن
стр. 155
الأصل في العقود هو الجواز١، ثم يقول في شأن الشروط: "إن الاجتهاد الحنفي مبني على عدم مخالفة مقتضى العقد فليس للعاقدين أن يشترطا ما يخالف هذا المقتضى أو يضيفا إليه شيئا، أو يقيداه بقيد إلا إذا قام دليل شرعي يجيز التزامه ويوجب الوفاء به، ثم ذكر أن هذا مذهب المالكية والشافعية، ونقل عن الحنابلة أن الأصل في العقود والشروط الإباحة ما لم يكن في نصوص الشرع ما يمنع منها، ثم قال: ويقارنه أي الاجتهاد الحنفي نَظَرُ جمهور فقهاء المالكية، ثم الاجتهاد الشافعي، وقال: إن الاجتهاد الشافعي أكثرها تشددا وتضييقا لحرية الشروط٢، ويمكن غزو هذا الاختلاف إلى أسباب منها:
١) أن في القاعدة حكما عاما مفروضا في العقود والشروط معا. مع أن ثمة فرقا بينهما من جهة أن العقد حكم ابتدائي، والشرط لاحق للعقد مغير لمقتضى العقد المطلق٣.
стр. 156
٢) كثرة فروع ومسائل هذه القاعدة وتعدد أنواع الشروط١ بحيث لا يطرد المذهب في تلك المسائل بل تكثر الاستثناءات لعلل خاصة ويصعب مع ذلك الحكم بحكم عام من خلال هذه الفروع.
٣) أن من الحنابلة - وهو الذين اشتهر عنهم أكثر من غيرهم أن الأصل في العقود والشروط الإباحة - من يستدل لصحة العقود، أو الشروط بما يدل عليها بخصوصها فيتوهم أنه لولا هذا الدليل لم يكن هذا العقد أو الشرط جائزا، كما أنهم قد يعللون فساد بعض الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد٢ هذه الأمور هي مبنى قول القائلين بأن الأصل فيها التحريم٣.
стр. 157
٤) اختلاف فقهاء المذاهب في بغض المصطلحات المتعلقة بالمسألة١، وتلخيصها لما مضى يمكن القول: إنه بالنسبة إلى العقود فإن الجمهور - وهو من عدا الظاهرية - على أن الأصل فيها الإباحة، وأما الشروط ففيها خلاف بينهم وأكثرهم تصحيحا لها هم الحنابلة، وقريبا منهم المالكية؛ إذ إن مذهبهم أن الأصل في العقود والشروط الإباحة ما لم يرد دليل بالمنع دون تقييد٢.
стр. 158
وفي مقابلهم الحنفية ومن يرى رأيهم من الشافعية فإن الشروط الصحيحة عندهم مقيدة بأن لا تخالف مقتضى العقد مع موافقتهم للحنابلة والمالكية في أن الأصل فيها الإباحة، والله أعلم.
من فروع القاعدة:
يتفرع على هذه القاعدة سائر العقود، والشروط، والتصرفات التي لم يرد النص بحكمها، ومنها:
١- ما لو اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو ثوبا على أن يخيطه، أو نحو ذلك١.
٢- لو شرط رجل لامرأته - عند العقد - أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو نحو ذلك٢.
стр. 159
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة - عند القائلين بها - أن الله تعالى وسع على عباده فجعل ما يحتاجون إليه في معاملاتهم وشئون حياتهم معفوا عنه، والأصل فيه الجواز والصحة، إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه، وفي هذا تيسير عظيم على المسلمين بحيث تستوعب الشريعة كل معاملة وعادة١ -تجدّ، ويكون فيها مصلحة - بالإباحة، ما لم تعارض نصا أو إجماعا٢.
стр. 160
القاعدة العاشرة: الإكراه يُسْقط أثر التصرف، فعلا كان أو قولا .
ذكر هذه القاعد السبكي بهذا اللفظ في موضعين١، وذكرها الزركشي بنحوه٢، وأشار إليها السيوطي، وابن نجيم حيث ذكرا جملة من أحكام المكره ولم يصرحا بنص القاعدة٣.
وقد فصل الأصوليون في ذلك عند بيانهم أحكام المكلفين وشروط التكليف٤.
معاني المفردات:
الإكراه لغة: مصدره أكْره يُكْرِه، والكريهة: الشدة في الحرب.
стр. 161
والكُرْه: خلاف المحبة والرضا، وأكرهته على كذا: حملته عليه كُرْها١.
وفي الاصطلاح: عرّفه العلماء بعدة تعريفات: منها حمل ((الغير)) على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ويصير ((الغير)) خائفا فائت الرضا بالمباشرة٢.
التصرّف: من الصّرف وهو: الرجوع، وردُّ الشيء عن وجهه.
والصرف: التقلب والحيلة، يقال: فلان يصرف ويتصرّف ويصطرف لعياله، أي يكتسب لهم، ومنه التصرف في الأمور٣.
المعنى الإجمالي:
المراد بهذه القاعدة أن ما صدر عن الإنسان من الأقوال أو الأفعال
стр. 162
حال كونه مكرهاً - أي مدفوعاً من قبل غيره بتهديد بقتل أو نحوه - فإنه لا يترتب على تلك التصرفات أثرها الذي يترتب عليها لو صدرت منه مختاراً.
ومن ذلك سقوط الإثم عمن يُقدِم على فعل محرّم مُكرها.
هذا هو معنى القاعدة إجمالا. بيد أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، وبيان ذلك يقتضي شيئا من التفصيل؛ ذلك أن العلماء قسموا المكرَه - بسحب وسيلة الإكراه - إلى أقسام:
أوّلها: الملْجأ وهو - عند جمهور الفقهاء - من كان مسلوب الإرادة لا اختيار له، بحيث يكون أداة محضة في يد المكرِه كالسكين في اليد القاطع، كأن يوثق ويحمل إلى دار حَلَفَ أن لا يدخلها، أو يُلقى من شاهق على إنسان فيقتله الملْقَى بثقله أو نحو ذلك. وهذا النوع لا يتصور إلا في الأفعال.
أما عند الحنفية فإن الملْجأ هو من هُدّد بإتلاف نفسه، أو عضو من أعضائه بحيث يعْدِم هذا الإكراه رضا المكرَه ويفسد اختياره.
وثانيها: غير الملجأ وهو - عند الجمهور - من أكْره على فعل فإتلاف نفسه أو عضو من أعضائه، أو بالضرب الشديد أو
стр. 163
نحو ذلك.
وعند الحنفية هو من نقصت درجة إكراره عن إتلاف النفس أو العضو كمن أكره بالضرب، أو الحبس أو نحوهما.
وأضاف بعض الحنفية قسما ثالثا وهو: من أكره بما يتعلق بغيره، كحبس الأب، أو الابن أو من يجري مجراهما، وقد اعتبر الجمهور وبعض الحنفية ذلك من قبيل القسم الثاني.
ومما مضى يتبين أن الحنفية لم يعدّوا من يصبح كالأداة في يد مُكْرِهِه مُكْرَها فهو لا يدخل في تعريف الإكراه عندهم١.
стр. 164
وقد استثنى العلماء من هذه القاعدة بعض الصور كمن أكْرِه بقتله إن لم يقتل غيره فإنه لا يجوز له الإقدام على ذلك، ولا يسقط عنه الإثم؛ لأن فيه إيثارا للنفس١.
الأدلة:
يستدل لسقوط الإثم عن المكرَه - من حيث الجملة - بما يلي:
١) قول الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
قال الإمام الشافعي - بعد ذكر هذه الآية -: "وللكفر أحكام: بفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر، ويُغْنم ماله. فلما وضع الله تعالى عنه ذلك سقطت أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه"٣.
стр. 165
٢) قول الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ١.
روى القرطبي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان"٢.
٣) حديث: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"٣.
٤) قوله : ﴿ ... قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ... ﴾ ٤.
فإن الإكراه نوع من الاضطرار، كما جاء في الأثر عن عليّ رضي
стр. 166
الله عنه حيث أتى عمر ﵁ بامرأة جهدها العطش فمرّت على راعٍ فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها فقال علي ﵁: "هذه مضطرة أرى أن تخلى سبيلها، ففعل"١.
وقال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: "الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو بجوع في مخمصة"٢، وكذلك قاله الرازي٣.
٥) عموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٤ وما في معناها من الآيات٥.
стр. 167
العمل بالقاعدة:
اتفق العلماء على أن الإكراه أثرا في إسقاط الإثم عمن أقدم على ما لا يحل فعله، وعلى تغيير بعض الأحكام المترتبة على القول أو الفعل المكره عليهما١، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض التفصيل، حيث اختلفوا في تكليف المكره، فذهب الجمهور إلى أن الإكراه لا يُعدم أهلية التكليف لكنه يَنْقُصها ويبقى المكره مكلفا٢.
قال ابن العربي٣: "اتفق أهل السنة على جواز تكليف المُكْرَه،
стр. 168
وخالف في ذلك بعض المبتدعة"١.
وقيّده بعضهم بما إذا لم يصل الإكرته إلى حدّ الإلجاء.
قال ابن الحاجب٢: "والمختار أنه إن بلغ حدًّا ينفي الاختيار لم يجز تكليفه"٣.
стр. 169
وأطلق ابن جزي١ المالكي الحكم بعدم تكليف المكرَه وقال: "إنه الأشهر في مذهب مالك"٢، ونُسِبَ القول بعدم تكليفه إلى الحنفية. وما في كتبهم يخالفه٣. ولعل السبب في هذا الاختلاف في النقل عن الإمام أبي حنيفة وغيره، الاختلاف في المراد بالإكراه، فقد يطلق بعضهم أنه مكلف وهو يريد بالمكره مَن لم يفسد اختياره، ويطلق بعضهم أنه غير مكلف ويريد بذلك الملجأ الذي لا اختيار له.
وذهب المعتزلة إلى أن المكره غير مكلف في عين ما أكره عليه٤.
стр. 170
وإيضاحا لما قاله الجمهور من أن المكره مكلف أقول: إن مرادهم أن شروط التكليف - وهي: سلامة العقل، والبدن، والقدرة على الاختيار - موجودة فيه، ولم يرتبوا على القول بتكليفه تأثيمه بل قالوا: إنه وإن كان مكلفا فإنه لا يأثم إذا أكره على محرّم رخصة من الله تعالى١.
أما من حيث الآثار المترتبة على أقوال المكرَه وأفعاله فإن الأصل الذي يبنى عليه الحنفية ذلك يتلخص في ثلاثة أمور:
أولها: نوع الإكراه من حيث كونه مفسدا للرضا وللاختيار - وهو الإكراه بالإلجاء -، أو مفسدا للرضا دون الاختيار وهو
стр. 171
ما لا يصل إلى حد الإلجاء١.
ثانيها: نوع الفعل المكره عليه من حيث إمكان نسبته إلى مكرِه أو عدمه٢ وهذا في الأفعال دون الأقوال.
ثالثها: نوع القول المكره عليه من حيث كونُه قابلا للفسخ، ويشترط فيه الرضا، أو ليس كذلك وهذا في الأقوال دون الأفعال٣.
أما الشافعية فالأصل - عندهم - في ذلك أن الإكراه إما أن يكون بحق فتترتب لآثاره عليه، وإما ألا يكون بحق فإن كان
стр. 172
مما أباح الشارع الإقدام عليه بسبب الإكراه لم تترتب لآثاره عليه في حق الفاعل، بل في حق المكرِه إن أمكن نسبة الفعل إليه وإلا فلا.
وإن لم يبح الشارع الإقدام عليه فإن آثاره تترتب عليه كالقتل والزنا١.
ويوافق المالكية، الحنابلة والشافعية فيما ذهبوا إليه من أن الإكراه إن كان بحق ترتبت آثاره عليه، وإن لم يكن بحق لم تترتب، وفروعهم دال على هذا.
قال الخرشي المالكي٢: "وإن أكره على الطلاق فلا يلزمه شيء لا
стр. 173
في القضاء ولا في الفتوى"١، وقال: "تنبيه: الإكراه الشرعي بمنزلة الطّوع"٢.
وقال الشيخ محمد الأمين٣: " ... وأما في غير حق الغير فالظاهر أن الإكراه عذر يُسقط التكليف ... " الخ٤.
وقال ابن قدامة من الحنابلة: " ... وإن كان الإكراه بحق نحو إكراه الحاكم المولي على الطلاق بعد التربص إذا لم يفئ ... وقع الطلاق؛ لأنه قول حُمِل عليه بحق ... "الخ٥.
стр. 174
في القضاء ولا في الفتوى"١، وقال: "تنبيه: الإكراه الشرعي بمنزلة الطّوع"٢.
وقال الشيخ محمد الأمين٣: " ... وأما في غير حق الغير فالظاهر أن الإكراه عذر يُسقط التكليف ... " الخ٤.
وقال ابن قدامة من الحنابلة: " ... وإن كان الإكراه بحق نحو إكراه الحاكم المولي على الطلاق بعد التربص إذا لم يفئ ... وقع الطلاق؛ لأنه قول حُمِل عليه بحق ... "الخ٥.
стр. 175
٢- من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا، ولا يحكم عليه بأحكام المرتد١.
٣- عدم صحة لإقرار المكرَه٢.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة أن الله تعالى قد أسقط عن الإنسان الإثم إذا ما فعل محرما أو ترك واجبا وهو مكروه، ولم يجعل الله آثار ما يصدر عنه من فعل أو قول تترتب عليه مع أن مقومات التكليف من الفهم والقدرة على الاختيار موجودة فيه، وذلك رخصة من الله تعالى؛ لكون الإنسان - في تلك الحال - ناقص الأهلية فهو إنما يفعل دفعا عن نفسه فلم يلزمه الله تعالى بالصبر على ما هدد به من قتل أو نحوه حتى في أصل الشريعة وهو الإيمان صيانة لنفسه وحفظا لها فلله الحمد والمنّة٣.
стр. 176
القاعدة الحادية عشر: الأمور بمقاصدها
...
القاعدة الحادية عشرة: الأمور بمقاصدها١.
هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى التي عليها مدار الفقه، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب القواعد الفقهية، أو من كتب الفقه من نص عليها، أو إشارة إلى معناها كما أنها قد وردت في بعض كتب الأصول٢.
وألف في موضوعها - وهو النية - كتب مستقلة٣.
стр. 177
ويندرج تحت هذه القاعدة عدد من القواعد والضوابط الأخرى التي تقيدها أو توضح معناها منها:
قاعدة ((لا ثواب إلاّ بنية)) ، وقاعدة ((ما تميّز بنفسه لا يحتاج إلى نية)) ، وقاعدة ((الصريح لا يحتاج إلا نية)) وغيرها١.
معاني المفردات:
الأمور: جمع أمر، وقد تقدم بيان معناه، وهو هنا بمعنى: الشيء، والشأن٢.
بمقاصدها: المقاصد جمع مقْصَد، أو مقصِد وهو: مصدر ميمي للفعل قَصَد، والقصد يطلق في اللغة بمعنى الأمّ وإتيان الشيء، ويطلق بمعنى: التوسط بين الإفراط والتفريط، وبمعنى: استقامة الطريق، ومعان أخرى٣ والمراد - هنا - المعنى الأول. فالقصد هنا
стр. 178
بمعنى النية فكأن الناوي يؤّم بقلبه الشيء ويتوجه إليه للإتيان به.
ويحسن هنا بيان معنى النيّة؛ لأنها مدار هذه القاعدة.
فالنية لغة: مصدر نوى، وهي بمعنى: العزم، والقصد، وهي أيضا الوجه الذي ينويه المسافر١. وعرّفها بعض الفقهاء اصطلاحا بما لا يعدو المعنى اللغوي فمن ذلك قولهم: هي: القصد إلى الشيء والعزيمة على فعله، وهذا التعريف للنية ونحوه إنما هو باعتبار العرف العام.
أما في اصطلاح الشرع فقد عُرفت بأنها: الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى، وامتثالا لحكمه٢.
المعنى الإجمالي:
المقصود بهذه القاعدة بيان أن الأعمال من قول وفعل تنبني - من حيث آثارها المترتبة عليها - على المقصود من ذلك العمل،
стр. 179
ونيّة العامل.
فالعبادات - من حيث الجملة - لا تصح ولا تجزئ إلا مقترنة بالنية، ولا ثواب عليها إلا على أساس النية.
والعمل المباح قد يثاب عليه الإنسان إذا ما أحسن نيته فيه، وقد يعاقب إذا أساء نيته، واللفظ لا يدل على معناه إلا إذا اقترن بنية ذلك المعنى ... وهكذا، ويستثنى من ذلك ما كان صريحا١.
الأدلة:
١) الأصل في هذه القاعدة هو حديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " ٢ الحديث.
والحديث - بعمومه - دال على جانب التكليف والتيسير في القاعدة.
стр. 180
قال ابن دقيق العيد١: "إن قول النبي ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، يقتضي أن من نوى شيئا يحصل له - يعني إذا عمله بشرائطه - أو حال دون عمله ما يعذر شرعا بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له"٢.
٢) ومما يدل على جانبها التيسيري ما رواه جبر٣ ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة فقال: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم