← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحد الطوافين مقام الآخر، وكذلك السعي١. ثانيا: النظر إلى التعليل؛ فإن الناظر فيما قيّد به الفقهاء حكم هذه القاعدة يَلْمَحُ مبناها، فقد قيدوا الأفعال التي تتداخل بأن تكون من جنس واحد، وأن يكون مقصودها واحدًا. وهذا يدل على أن سبب إغناء أحد الفعلين عن الآخر هو تحقق المصلحة المرادة بفعل أحدهما، وذلك أقرب إلى مقصود الشريعة وهو التيسير. ولذا فقد علل ابن قدامة دخول طواف العمرة في طواف الحج - بالنسبة للقارن - بأنه ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد٢، وبأنهما عبادتان من جنس واحد فإذا اجتمعت دخلت الصغرى في الكبرى٣. وهذا يشعر بأن سبب التداخل هو حصول المقصود بفعل أحدهما٤، والله أعلم. العمل بالقاعدة: لقد ذهب عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى العمل بهذه القاعدة

стр. 72

وإن اختلفوا في تطبيقها على بعض لبفروع، فقد تقدم تصريح فقهاء المذاهب بها، ونقل ابن المنذر١ الإجماع على أنه إذا سرق السارق عدة مرات وقدم إلى الحاكم في آخر السرقات فإن قطع يده يجزئ عن ذلك كله٢. وقد استثنى بعض الفقهاء من حكم هذه القاعدة صورا، وسبب ذلك - في الغالب - عدم انطباق شروط وقيود القاعدة على تلك الصور٣. من فروع القاعدة: ١- إذا اجتمع حدث أصغر وجنابة كفى الغسل٤.

стр. 73

٢- إذا اجتمع موجبان للغسل فنواهما أجزأه عنهما١. ٣- لو صلى عقب الطواف فريضة أجزأت عن ركعتي الطواف على خلاف في ذلك٢. وجه التيسير: التيسير في هذه القاعدة ظاهر وذلك أنه يسقط عن المكلف بعض ما لزمه، ويحصل له ثواب المندوب عند تداخل الأسباب مراعاة من الشارع الحكيم لمقصود هذه التكاليف الذي يحصل بفعل أحدها، ومراعاة لمبدأ التيسير على العباد ودفع المشقة عنهم.

стр. 74

القاعدة الرابعة: إذا تزاحمت المصالح أو المفاسد روعي أعلاها بتححصيل أعلى المصالح وردء أعلى المفاسد ... القاعدة الرابعة: إذا تزاحمت المصالح أو المفاسد روعي أعلاها بتحصيل أعلى المصالح ودرء أعلى المفاسد. ((صياغة)) هذه القاعدة مكونة من شقين - كما هو ظاهر - يتضمن كل منهما قاعدة وقد أفرد بعض العلماء كل واحد من شقي القاعدة بقاعدة مستقلة كما فعل العز بن عبد السلام١، وابن سعدي٢. واكتفى بعضهم بإيراد القاعدة في المصالح دون المفاسد كما فعل ابن تيمية٣، واكتفى بعضهم بإيرادها في جانب المفاسد دون المصالح،

стр. 75

ومن أولئك السبكي١، وابن رجب٢، والسيوطي٣، وابن نجيم٤، والونشريسي٥، وغيرهم. كل ذلك بعبارات مختلفة مع اتفاق أو تقارب في المعنى٦. وهي عند عدد من العلماء ناشئة عن قاعدة: ((الضرر يزال)) ، أو مستثناة منها٧. وقد رأيت أن أدمج القاعدتين في قاعدة واحدة؛ للارتباط الوثيق

стр. 76

بينهما، فإن في كل تحصيلٍ لمصلحة دفعًا لمفسدة، وفي كل دفعٍ لمفسدة تحصيلاً لمصلحة. ولعل تلك هي وجهة من ذكرها في المصالح دون المفاسد، أو العكس، ولقد أفرد بعض العلماء مسائل المصالح، والمفاسد بالتأليف، ومن أولئك ابن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام١، والشاطبي٢ في كتابه الموافقات٣. معاني المفردات: تزاحمت: تضايقت، مِنْ زحمه زَحْمًا وزحاَمًا ضايقها أي ضايق بعضها بعضا، والزاي، والحاء، والميم أصل يدل على انضمام في شدّه٤. المصالح لغة: جمع مصلحة مَفْعَلَةٌ من صَلَح والصلاح ضد الفساد،

стр. 77

والفساد يطلق بمعنى بطلان الشيء وبمعنى تغيّره١. ويرد بها في اصطلاح الأصوليين: المحافظة على مقصود الشارع وهو خمسة، أن يحفظ على الخلق دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. وتحصيل مقصود الشارع المتمثل في هذه الأمور الخمسة يأتي على ثلاث مراتب هي، الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات كلها ترجع إلى المحافظة على هذه المصالح٢. المفاسد: جمع مفسدة، مفْعَلة من فَسَد أي بطل واضمحلّ، والمفسدة ضد المصلحة٣. درأها: الدَّرْؤُ الدّفع، مصدر درأ يدرأ٤. المعنى الإجمالي: هذه القاعدة مبنيّة على أن مدار الشريعة على جلب المصالح ودفع

стр. 78

المفاسد، وعلى أن الأصل في كل مصلحة تحقيقها وإيجادها، وأن الأصل في كل مفسدة دفعها ومنع حصولها١. فإذا تزاحمت مصلحتان بحيث لم يمكن تحصيلهما معا نُظر في ذلك إلى أعلى المصلحتين بتحصيلها وإن ترتب عليه إهدار المصلحة الأخرى التي هي دونها. وإذا تزاحمت مفسدتان بحث لم يمكن دفعهما معا نظر في ذلك، إلى أعلى المفسدتين بدفعها وإن ترتب عليه ارتكاب المفسدة الأخرى

стр. 79

التي هي دونها١. ومعيار تفاوت المصالح تقسيم العلماء لها إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية٢، وكذلك المفاسد؛ لأنها عبارة عن فوات شيء من المصالح٣. أدلة القاعدة: ينبغي الاستدلال - أولا - لكون المصالح والمفاسد متفاوتة فمما يدل على ذلك مايل: ١) قول الله تعالى ذكره: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ... ﴾ ٤. ووجه دلالتها على المراد، هو تقسيم الذنوب إلى، كبائر وصغائر، فهي مفاسد متفاوتة٥.

стр. 80

٢) حديث: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ... " ١الحديث. قال الحافظ ابن حجر: "وفي رواية مسلم من الزيادة "أعلاها ... "٢ وفي هذا إشارة إلى أن رُتبها متفاوتة"٣. ٣) ما ورد من الأحاديث فيه بيان تفاضل الأعمال كحديث: "سئل رسول الله ﷺ ، أيُّ العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"" ٤. وقد ورد في هذا المعنى عدّة أحاديث تفاوتت فيها أجوبة النبي ﷺ

стр. 81

في ترتيب أفضلية الأعمال وذلك بحسب اختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين١. وأما الأدلة على اعتبار المصلحة الراجحة، أو المفسدة الراجحة دون عكسها فمنها: أولآ: قول الله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ... ﴾ ٢الآية. ثم قد نزل القرآن الكريم بتحريمها. وهذه الآية كالنص في القاعدة حيث ألغى الشارع المنافع التي في الخمر والميسر ولم يعتبرها، لرجحان الإثم فيهما، فكانت المصلحة في تحريمهما أولى من المصلحة في حلّهما٣.

стр. 82

ثانيا: قصة صلح الحديبية١ حيث صالح النبي ﷺ علة أن يرجع عن مكة ذلك العام، وعلى أن لا يأتيه أحد من قريش إلا رده إليهم - وإن كان مسلما -، وعلى أنّ من أتى قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردّوه عليه ... إلى آخر شروط الصلح٢. فإن في شروط هذا الصلح دليلا على احتمال أهون الضررين - وهو ما دخل على نفوس بعض الصحابة - لما في ظاهر شروط ذلك الصلح من كونها لمصلحة المشركين في مقابل دفع ضرر أكبر - وهو إيذاء المستضعفين بمكة -، وتحقيق مصلحة أكبر وهي مصلحة الدعوة وانتشار الدين، فكان كما قال الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ ٣.

стр. 83

وقد ذكر عدد من الفقهاء أن هذا الصلح يعتبر أصلا لهذه القاعدة١. ثالثا: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء ... " ٢ الحديث. قال الإمام النووي٣ - في شرح هذا الحديث -: "وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما"٤.

стр. 84

رابعا: قوله تعلى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... ﴾ ١، وقوله تعلى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢. ففي هاتين الآيتين بيان لمشروعية الجهاد لمصلحة نشر الدين مع ما فيه من مفسدة إتلاف النفس والمال، لرجحان تلك المصلحة، وبيات لمشروعية القصاص لما فيه من مصلحة حفظ الأنفس والحقوق مع ما فيه من مفسدة إتلاف النفس أو العضو؛ لرجحان تلك المصلحة. وهكذا فإن استقراء كثير من جزئيات الأحكام الشرعية يدل على هذا٣. خامسا: عموم قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... ﴾ ٤ الآية، وقوله ﷺ : " ... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"٥.

стр. 85

ووجه الاستدلال من هذين الدليلين ونحوهما أنه لا يسع المكلف الجمع بين فعلين متعارضين وإن كان في كل منهما مصلحة١. والأدلة في هذا المقام كثيرة جدا٢ العمل بالقاعدة: تُعدّ هذه القاعدة من القواعد الأساسية٣ للفقه، وهي محل اتفاق كما تقدم النقل عن عدد من فقهاء المذاهب. وقد ردّ بعض العلماء أحكام الفقه كلها إلى قاعدة جلب المصالح ودفع المفاسد٤. فإذا علمنا أنه لا مصلحة محضة، ولا مفسدة محضة فيما يقع في الحياة الدنيا - كما تقدمت الإشارة إليه - ٥ علمنا أن الجميع يأخذون بهذه القاعدة؛ لأنه إنما يطلق على عمل ما أنه مصلحة، أو

стр. 86

مفسدة باعتبار الغالب. من فروع القاعدة: ١- كراهية المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم مع استحبابهما لغير الصائم١ ٢- تجويز أخذ الأجرة على ما دعت إليه الضرورة من الطاعات كالأذان والإمامة٢. ٣- تجويز شق بطن الميتة لإخراج الوالد الذي ترجى حياته٣. وجه التيسير: تقدم أن الأصل في المنافع والمصالح أنها مطلوبة الإيجاد، ويدخل في هذا الوجوب، والندب. والأصل في المفاسد أنها مطلوبة الترك. فإذا كان الفعل الواحد متضمنا لمصلحتين متعارضتين، أو لمصلحة

стр. 87

ومفسدة فإنه مأمورا به من جهة ومنهيا عنه من جهة أخرى. وهذا غير ممكن؛ لأن الجهتين متلازمتان فراعى الشارع ما هو الأغلب والأرجح والأنفع للمكلف بمراعة الغالب منهما؛ لئلا يقع التكليف بالمحال؛ ولتحصل للمكلف المصلحة العليا؛ وتندفع عنه المفسدة العظمى كذلك.

стр. 88

القاعدة الخامسة: إذا تعذر العدالة في الولاية العامة، أو الخاصة ـ بحيث لايوجد عدل ـ ولّينا أقلهم فسوقاً ... القاعدة الخامسة إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة، أو الخاصة - بحيث لا يوجد عدل - ولّينا أقلهم فسوقا. ذكر هذه القاعدة عز الدين بن عبد السلام باللفظ المتقدم١. وأورد مضمونها ابن تيمية حيث قال: " ... وليس عليه - أي على ولي الأمر - أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ... "الخ كلامه٢. وأشار إليها ابن القيم٣ بقوله: " ... إذا لم يجد السلطان من

стр. 89

يوليه الفضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض، ويولي الأمثل فالأمثل١. وهي مندرجة تحت قواعد كلية أشمل منها كما قال ابن عبد السلام: "وهذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما، وأن مبنى هذه المسائل كلها على الضرورات ومسيس الحاجات"٢، ويمكن إدراجها تحت قاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) ٣. معاني المفردات: تعذرت: من عذر يقال: تعذّر الأمر إذا لم يستقم، ويقال: اعتَذَرتِ المياه: انقطعت، واعتذرت المنازل: درست على طريق التشبيه بالمعتذر الذي يندرس ذنبه لوضوح عذره وتأتي لمعانٍ أخرى٤. العدالة لغة: مصدر عَدَل، ويأتي مصدره على عَدْل، والعدل الحكم باستواء وهو خلاف الجور٥.

стр. 90

وهي في اصطلاح المحدثين والفقهاء: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وعرّفها بعض العلماء بنحو هذا المعنى مفصّلاً١. والعَدْلُ من اتصف بالعدالة - وهو في الأصل مصدر - يقال: رجل عَدْل وامرأة عَدْلَ، وهذكا في التثنية والجمع٢. الولاية لغة: مصدر وليَ، وقيل: المصدر بالفتح (وَلاية) ، ومعناه النُصْرة والتولي، وبالكسر: اسم للإمارة، والخُطَّة، والسلطان. وتولّى الأمر: تقلّده والولْيُ: القربُ والدنو٣. وفي الاصطلاح: سُلْطة شرعية يتمكّن بها صاحبها من إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها٤. والولاية العامة هي: الولاية على أشخاص غير معينين كالإمامة العظمى، والقضاء ونحوهما، والخاصة ما كانت على أشخاص

стр. 91

معينين كالولاية على الصدقات وولاية الأيتام ونحوهما، وفسّرت بغير ذلك١. فسوقا: الفسوق لغة: مصدر فَسَق، وهو بمعنى الخروج٢. وعُرّف في الاصطلاح: بأنه الترك لأمر الله، والعصيان، والخروج عن طريق الحق، والفجور٣. وقال الراغب٤: "إن أكثر ما يقال الفاسق، لمن التزم حكم الشرع وأقرّ به ثم أخل بجميع أحكامه، أو ببعضه، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق؛ فلأته أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة"٥.

стр. 92

المعنى الإجمالي: تقرر هذه القاعدة أن ما اشترط له العدالة من الولايات العامة كالإمامة العظمى١، والقضاء٢، أو الولايات الخاصة كولاية النكاح٣ إذا لم يتوفر من يتحقق فيه شرط العدالة فإنه يصحّ تولية الفاسق ويراعى في ذلك تولية أقل الفاسقين فسقا وذلك أنه لا بد من الولاية فيكون من باب دفع أعلى المفسدتين. الأدلة: تتضمن هذه القاعدة أن الأصل اشتراط العدالة فيمن يتقلد الولاية

стр. 93

- كما تقدم -؛ ومما يدل على هذا: ١) قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ﴾ ١ الآية. ووجه الدلالة منها: أنه لما جعل الله تعالى من شرط من يحكم في قضاء التحكيم٢ العدالة، كان اشتراط ذلك أولى فيما هو أهم وألزم من أنواع التقاضي٣. ٢) أن العدالة شرط في الشاهد فاشتراطها في القاضي أولى؛ لأنه تجتمع في القاضي ثلاث صفات فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان٤.

стр. 94

٣) أنه لو أسند الأمر إلى فاسق لحكم بالجور، وانتشر الظلم، وضاعت المصالح، وكثرت المفاسد١. وأما الأدلة على صحة تولية أقل الفسّاق عند تعذر وجود العدْل فمنها: أولا: عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... ﴾ ٢. ثانيا: عموم قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا ... ﴾ ٣. ونحوهما من الآيات الدالة على القواعد التي تندرج تحتها هذه القاعدة. ثالثا: استدل بعض العلماء بحديث: "ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شَرَق٤

стр. 95

الموتى فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة ١ ... " الحديث ٢. على صحة تولية الفاسق الولاية العامة، والخاصة دون تقييد بعدم وجود العدل٣ فعند عدم وجوده أولى. ٤) أنه يصح تولية المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في المفضول مزيّة تحقق مصلحة ظاهرة. فإذا صح ذلك مع وجود الفاضل صحّ - من باب أولى - تولية الفاسق الذي لا يوجد أفضل منه لما في ذلك من المصلحة٤ العمل بالقاعدة: لقد نص الفقهاء - عدا الحنفية - على اشتراط العدالة في الإمام - كما تقدم -- وقد تقدم تصريح ابن عبد السلام من الشافعية،

стр. 96

وابن تيمية من الحنابلة بهذه القاعدة. كما أن عددا ممن أفرد موضوع الإمامة، والولاية بالتأليف أشار ‘لى هذا المعنى؛ وبين أنه لا يُتَصَوَّر القول بغيره؛ إذ لو لم يولّ أقل الفسّاق فسقا في هذه الحال لكان المقابل له، إما التكليف بالمحال بأن يلزم المسلمون باختيار عدل مع عدم وجوده وهذا ما لم تجر قواعد الشرع به، وإما ترك الناس دون إمام وفي هذا من الشرّ والفساد ما هو أعظم من تولية الغاسق، فكان من باب دفع اِدّ المفسدتين بارتكاب أهونهما، وهو باب الضرورات كما ذكره ابن عبد السلام، وإمام الحرمين١ وهما من القواعد المتفق عليها٢، فالقول بجواز تولية أقل الفساق فسوقا عند تعذر العدل إذن هو رأي عامة الفقهاء، ولعل عدم النص عليه؛

стр. 97

لظهور الحكم فيه من جهة، ولدخوله في باب الضرورات ودفع أعلى المفسدتين بارتكاب أهونهما، والله أعلم. من فروع القاعدة: ١- ولاية القضاء، فعند من يشترط العدالة في توليته إذا لم يوجد العدل ولّي الأمثل فالأمثل١. ٢- كذلك ولاية النكاح٢. وجه التيسير: إن الناس في كل زمان محتاجون إلى من يلي أمورهم ولاية عامة، ومحتاجون إلى بعض الولايات الخاصة، وتعطجيلهم عنها يؤدي إلى فوات مصالح كثيرة، واضطراب شديد٣، ومن أجل ذلك سامح الشارع الحكيم في أن يلي الأمر من لا تتوفر في العدالة - التي هي

стр. 98

شرط أصلا في صحة الولاية - إذا عُدم العدْل حفظا لمصالح الناس، وقيّد ذلك، بأن يختار من الفُسّاق أمثلهم وأقلّهم فسقا عملا بقاعدة ((الضرورة تقدر بقدرها)) .

стр. 99

القاعدة السادسة: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق هذه القاعدة ذات شقّين: الأول منها بمعنى قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ١ أو بمعنى قاعدة ((الضرورات تبيح المحضورات)) ٢ وهو الدال على التيسير وهو من الألفاظ المنقولة عن الإمام الشافعي٣ ﵀. وقد أورده كثير من العلماء قاعدة مستقلة، ومن هؤلاء ابن عبد

стр. 100

السلام، والزركشي، والسيوطي، وابن النجيم، وغيرهم١. وعلل بها الفقهاء بعض الأحكام٢. وأما الشق الثاني، فهو مفهوم مخالفة للشق الأول صُرّح به وقد أورده بعضهم قاعدة مستقلة٣، وأوردهما معا ابن نجيم٤ وقد جمع بينهما الغزالي٥ في لفظ واحد وهو قوله: "إذا تجاوز

стр. 101

الأمر عن حدّه انعكس إلى ضده"١. وقال الجرهزي٢ الشافعي: "إن قول الغزالي هذا تقريب للقاعدة"٣. معاني المفردات: ضاق: ضد اتسع، والضيق خلاف السعة. يقال: ضاق الرجل أي بخلن وأضاق أي ذهب ماله٤. الأمر: هما بمعنى الشيء أو الشأن وقد تقدم بان معنى هذه الكلمة٥.

стр. 102

اتسع: من السعة والوسع زالَعَة الجِدَة والطاقة، وأوسع الرجل صار ذا سَعَة وغنى وهو ضد الضيق١. المعنى الإجمالي: أما الشق الأول فمعناه، أن الله تعالى لما تعبّد خلقه بالأوامر والنواهي تحقيقا لمصلحتهم العاجلة والآجلة بنى ذلك على التيسير ودفع الضيق والحرج أصلا وعلى جملة المكلفين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ﴾ ٢ ومع هذا فإنه إذا لم يتمكن المكلف إلا مع حرج ومشقة، فإن الله تعالى يعذره ويشرع له من الحكم ما يناسب حاله ويجعله في سعة وبُعْدٍ عن الحرج. وأما الشق الثاني فمعناه، أنه إذا زال هذا العذر زالت التوسعة ورجع الحكم إلى أصله التكليفي الذي لا يخرج عن التيسير. ولابد - هنا - من بيان أنه ليس كل ضيق يؤدي إلى هذه التوسعة وتغيير الحكم فكان لزاما أن يقيّد قولهم: "إذا ضاق الأمر اتسع" بأن يكون هذا الضيق أو الحرج زائدا عن المتحمل؛ لأن قدرا من

стр. 103

المشقة لابد منه في التكاليف الشرعية كما قال ﷺ : "حفَّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" ١ الأدلة: مما يستدل به على صحة هذه القاعدة بشقيها: ١) قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ٢.

стр. 104

فإن مجموع هذه الآيات يعدّ أصلا لهذه القاعدة حيث اقتضت، أن للمؤمنين إذا خافوا أن يقصروا من الصلاة ويغيّروا من كيفيتها على الوجه الذي نصت عليه الآية، أو على بعض الوجوه التي ثبتت عنه ﷺ في صلاة الخوف١. وهذا التخفيف والتوسعة إنما شرع من أجل المشقة الزائدة عن المعتاد والضيق الطارئ، فإذا زال السبب الداعي إلى ذلك وهو الخوف عادوا إلى الصلاة على هيئتها التي كلفها أصلا٢. أما عدد الركعات فإنه ينظر فيه إلى الحضر والسفر٣.

стр. 105

٢) حديث: ( ... دف١ أهل أبيات من أهل البادية حضرة٢ الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون٣ منها الودك٤، فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك"؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفّت فكلوا وادّخروا وتصدقوا"٥. ووجه الدلالة منه: أنه لما ضاق الأمر في حق الوافدين الفقراء، أمر

стр. 106

النبي ﷺ بالتوسعة عليهم - مع أن أصحاب الأضاحي يلحقهم بذلك بعض الضرر - من أجل مراعاة المصلحة العامة، ولما اتسع الأمر بزوال حاجة الوافدين أو بذهابهم رجع الأمر إلى أصله من جواز الإدّخار، والأكل، والتصدق١. ٣) ويضاف إلى هذين الدليلين المعبّرين عن القاعدة بشقّيها ما يدل على قاعدة: ((المشقة تجلب التيسير)) أو على الشق الأول من هذه القاعدة وهو نوعان: أ) ما يدل على يسر الشرع في كل تشريعاته كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢. ب) وما يدل على رفع الحرج بسبب المشقة الطارئة ومنه ما رواه عمران بن حصين٣ ﵁ قال: "كانت بي

стр. 107

بواسير١، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"٢. وسيأتي - إن شاء الله - ذكرُ مزيد من هذه الأدلة عند عرض قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ٣. العمل بالقاعدة: تقدم أن هذه القاعدة - في شقها الأول - بمعنى قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) وهي محل اتفاق بين العلماء٤، ولا يقدح في هذا عدم نصّ بعض الفقهاء عليها؛ إذ هي بمعنى القاعدة المذكورة وقد نص أكثرهم عليها، كما أن جميع رخص الشرع المبثوثة في كتب الفقه، وتعليق تلك الأحكام الطارئة على الأعذار - بحيث

стр. 108

إذا زال سبب الرخصة رجع الحكم إلى أصله - دليلٌ على عمل الفقهاء بهذه القاعدة بشقيها، والله أعلم. من فروع القاعدة: ١- الذباب يقع على الغائط ثم على الثوب، ونحو ذلك مما يشق التحرز عنه من النجاسات١. ٢- إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلا من غير محارمها٢. ٣- جواز دفع السارق والباغي ما أمكن ولو بالقتل٣.

стр. 109

وجه التيسير: التيسير في جزء هذه القاعدة الأولى، ظاهر من حيث مراعاة أحوال المكلفين، فإذا شقّ عليهم الأمر، أو تعذر نقلهم الشارع إلى الترخص أو العفو. وأما جزؤها الثاني فإن التيسير فيه، هو ما في جميع أحكام الشرع من عموم اليسر وعدم الحرج.

стр. 110

القاعدة السابعة: "الإسلام يجب ما قبله " أورد الزركشي القاعدة بهذات اللفظ، ثم أوضحها بتقييدها بأن ذلك في حقوق الله تعالى١، كما أوردها مقيدة بهذا القيد السيوطي بعنوان "ضابط"٢ وابن نجيم بعنوان "تنبيه"٣.وذكرها القرافي عند بيانه، الفرق بين ما يلزم الكافر إذا أسلم وما لا يلزمه٤. وعلل بها ابن قدامة لإسقاط حقوق الله تعالى عن المرتد، كسقوطها عن المشرك٥، وأشار إليها عدد من الأصوليين في مسألة، مخاطبة الكفار بفروع الشريعة٦ كما عرض
следующие страницы →