القاعدة الحادية عشر: الأمور بمقاصدها
...
القاعدة الحادية عشرة: الأمور بمقاصدها١.
هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى التي عليها مدار الفقه، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب القواعد الفقهية، أو من كتب الفقه من نص عليها، أو إشارة إلى معناها كما أنها قد وردت في بعض كتب الأصول٢.
وألف في موضوعها - وهو النية - كتب مستقلة٣.
стр. 177
ويندرج تحت هذه القاعدة عدد من القواعد والضوابط الأخرى التي تقيدها أو توضح معناها منها:
قاعدة ((لا ثواب إلاّ بنية)) ، وقاعدة ((ما تميّز بنفسه لا يحتاج إلى نية)) ، وقاعدة ((الصريح لا يحتاج إلا نية)) وغيرها١.
معاني المفردات:
الأمور: جمع أمر، وقد تقدم بيان معناه، وهو هنا بمعنى: الشيء، والشأن٢.
بمقاصدها: المقاصد جمع مقْصَد، أو مقصِد وهو: مصدر ميمي للفعل قَصَد، والقصد يطلق في اللغة بمعنى الأمّ وإتيان الشيء، ويطلق بمعنى: التوسط بين الإفراط والتفريط، وبمعنى: استقامة الطريق، ومعان أخرى٣ والمراد - هنا - المعنى الأول. فالقصد هنا
стр. 178
بمعنى النية فكأن الناوي يؤّم بقلبه الشيء ويتوجه إليه للإتيان به.
ويحسن هنا بيان معنى النيّة؛ لأنها مدار هذه القاعدة.
فالنية لغة: مصدر نوى، وهي بمعنى: العزم، والقصد، وهي أيضا الوجه الذي ينويه المسافر١. وعرّفها بعض الفقهاء اصطلاحا بما لا يعدو المعنى اللغوي فمن ذلك قولهم: هي: القصد إلى الشيء والعزيمة على فعله، وهذا التعريف للنية ونحوه إنما هو باعتبار العرف العام.
أما في اصطلاح الشرع فقد عُرفت بأنها: الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى، وامتثالا لحكمه٢.
المعنى الإجمالي:
المقصود بهذه القاعدة بيان أن الأعمال من قول وفعل تنبني - من حيث آثارها المترتبة عليها - على المقصود من ذلك العمل،
стр. 179
ونيّة العامل.
فالعبادات - من حيث الجملة - لا تصح ولا تجزئ إلا مقترنة بالنية، ولا ثواب عليها إلا على أساس النية.
والعمل المباح قد يثاب عليه الإنسان إذا ما أحسن نيته فيه، وقد يعاقب إذا أساء نيته، واللفظ لا يدل على معناه إلا إذا اقترن بنية ذلك المعنى ... وهكذا، ويستثنى من ذلك ما كان صريحا١.
الأدلة:
١) الأصل في هذه القاعدة هو حديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... " ٢ الحديث.
والحديث - بعمومه - دال على جانب التكليف والتيسير في القاعدة.
стр. 180
قال ابن دقيق العيد١: "إن قول النبي ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، يقتضي أن من نوى شيئا يحصل له - يعني إذا عمله بشرائطه - أو حال دون عمله ما يعذر شرعا بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له"٢.
٢) ومما يدل على جانبها التيسيري ما رواه جبر٣ ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة فقال: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم
стр. 181
المرض" ١.
وفي رواية أخرى: " ... إلا شرِكوكم في الأجر" ٢.
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: "وفي الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته ... "الخ كلامه٣.
٣) حديث: "من مات ولم يغزُ ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من النفاق"٤.
ووجه الدلالة منه: أنه لا يتوجه إلى من نوى فعل عبادة فمات
стр. 182
قبل فعلها من الذم ما يتوجه إلى من مات ولم ينوها١.
٤) حديث: "ما من امرئ تكون له صلاة بليْل يغبله عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة" ٢.
ودلالة الحديث على أن أجره إنما هو على النية ظاهرة، إذ لم يقيّد ذلك بقضائه٣.
٥) ومما يدل على أن العمل المباح يحصل به ثواب إذا أحسنت فيه النية ما رواه أبو ذر٤ ﵁ أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : "يا رسول الله ذهب أهل
стр. 183
الدثور١ بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون. إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بُضْعِ٢ أحدكم صدقة" قالوا: "يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ " قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له الأجر"٣.
قال النووي ﵀: "وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات"٤.
стр. 184
والأحاديث الدالة على أهمية النيّة في العمل، وقيامها - عند العذر - مقام العمل كثيرة وما تقدم فيه كفاية إن شاء الله.
العمل بالقاعدة:
لا خلاف بين العلماء في اعتبار هذه القاعدة والعمل بها - من حيث الجملة - إذ إنها أصل من أصول الشرع، وقائمة على أدلة صحيحة ثابتة، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على مشروعية النيّة في مواضع كثيرة١.
ولا يقدح في هذا الاتفاق كون العلماء قد اختلفوا في كون النية ركنا في العبادة، أو شرطا لها، ولا كونهم قد استثنوا بعض المواضع التي لا تحتاج إلى نية.
فقد استثنى العلماء من حكم هذه القاعدة:
١) العبادات التي تتميز بنفسها عن العادات؛ وذلك لأن من
стр. 185
الأغراض المقصودة بالنية تمييز العبادة عن العادة١، فما لم يكن فيه حاجة إلى التمييز بينهما فإنه لا يحتاج إلى نية التقرب إلى الله بل يكفي مجرد القصد إلى الفعل ليخرج الذاهل، ومثلوا لذلك بالعبادات القلبية المتعلقة بالله تعالى كالخوف من الله تعالى، ورجائه، ومحبته ونحو ذلك.
٢) النية: فإنها عبادة لكنها لا تحتاج إلى نية وإلا تسلسل الأمر.
٣) أداء الديون وردّ المغصوب، ونحوها من الحقوق المالية لتحقق المراد دون نية، وإن كانت النية الحسنة تزيد على الأداء بتحصيل الثواب.
٤) العادات كالأكل والشرب ونحوها فإنها في الأصل مشمولة
стр. 186
بعموم كلمة الأمور ويقال فيها ما قيل في أداء الديون١.
أما التروك: فقد اختلف العلماء في اشتراط النية لصحتها فذهب طائفة من العلماء إلى اشتراطها وذهب آخرون إلى عدم اشتراطها، وبنوا ذلك على كون الترك يعتبر فعلا أو لا يعتبر.
وجمع بعض العلماء بين القولين بجمع حسن؛ حيث قال: "إنه من حيث الخروج عن عهدة النهي فإنه لا تشترط النية بل يخرج المكلف عن عهدته ولو كان ذاهلا عنه، ولكنها تحتاج إلى نية التقرب إلى الله تعالى باعتبار حصول الثواب فإنه لا ثواب إلا بنيّة"٢. إلا أنه يمكن القول: إنه قد يكفي في ذلك النية العامة بمعنى أنه لا يشترط أن يستحضر المكلف في ذهنخ كل نهي وينوي بتركه التقرب إلى الله تعالى ليحصل له الثواب. بل يكفيه في ذلك نيّة عامة بأن ينوي تجنب كل منهي عنه تقربا إلى الله تعالى وإن لم يستحضر في ذهنه أفراد المنهيات، والله أعلم.
стр. 187
من فروع القاعدة:
يتفرع على هذه القاعدة مسائل كثيرة جدا١ فمن فروعها:
١- اشتراط التعيين فيما يلتبس كالصلوات المفروضة٢.
٢- ومنها اللقطة إن التقطها الملتقط بنية التملك دون تعريف كان ضامنا، فرّط أو لم يفرّط، وإن التقطها بنية تعريفها لم يضمن إلا أن يفرط فيها أو يجد صاحبها بعد تمام تعريفها إن كان قد انتفع بها٣.
٣- ومنها القتل فإن قَصَد الفاعل القتل كان عمدا ووجب فيه القصاص إذا لم يعف الولي، وإن لم يقصد القتل لم يكن
стр. 188
عمدا، ولم يجب فيه القصاص١.
وجه التيسير:
هذه القاعدة - كما قدمت - لها وجه تيسير ووجه تكليف فأما وجه التيسير فهو أنه قد يحصل للمكلف ثواب العمل وإن لم يعمله إذا نواه وعزم عليه ثم عرض له ما يمنعه منه، وأن الإنسان يؤجر على الفعل المباح الذي يفعله الناس بداعي الطبع وذلك إذا أحسن نيته فيه، كما للنية أثرا في إسقاط الإثم عمن لم يعمل الواجب وذلك إذا كان وقته موسعا وأخّره عازما على فعله٢.
стр. 189
القاعدة الثانية عشر: انقلاب الأعيان هل له تأثير في الأحكام أم لا ؟
...
القاعدة الثانية عشرة: انقلاب الأعيان هل له تأثير في الأحكام أم لا؟.
ذكر هذه القاعدة الونشريسي بهذا اللفظ١، كما أوردها المقري بصيغة أخرى حيث قال: "إذا اختلف حكم الشيء بالنظر إلى إلى أصله وحاله فقد اختلف المالكية بماذا يعتبر منهما)) ٢، وقال في موضع آخر: "استحالة الفاسد إلى فساد لا تنقل حكمه، وإلى صلاح تنقل بخلافٍ يقوى ويضعف بحسب كثرة الاستحالة وقلتها، وبُعد الحال عن الأصل وقربه"٣.
كما أشار إلى معناها ابن سعدي عندما فرّق بين بعض الأعيان التي يتغير حكمها من النجاسة إلى الطهارة بتغيرها وتحولها، وبين بعض آخر لا يتغير حكمه بتغيره٤.
стр. 190
وقد تقدمت قاعدة قريبة المعنى من هذه، وهي قاعدة ((اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان)) ١، كما تضمنت الأمثلة التي مثل بها ابن رجب للقاعدة المتعلقة بالأعيان بالنسبة إلى تبدل الأملاك بعض صور هذه القاعدة٢.
والفرق بينهما - فيما يظهر لي - أن قاعدة ((اختلاف الأسباب ... )) مفروضة فيما اختلفت فيه الأسباب التي يبنى عليها الحكم مع بقاء العين على حالها، وأما هذه القاعدة فهي مفروضة فيما تحولت فيه العين إلى شيء آخر.
معاني المفردات:
انقلاب: مصدر الفعل انقلب، والانقلاب هو التحول، يقال: قَلَبه يَقْلُبه حوّله عن وجهه٣.
الأعيان: جمع عين، وقد تقدم بيان معناها٤.
الأحكام لغة: جمع حكم، والحكم هو القضاء، وأصله في اللغة
стр. 191
بمعنى المنع١.
وفي اصطلاح الأصوليين عُرّف بأنه: خطاب الله التعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، وعرّفه بعضهم بأنه: خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية.
وعُرّف بغير ذلك٢.
وهو في عرف الفقهاء: مدلول خطاب الشرع٣.
стр. 192
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أنه إذا تغير الشيء بعينه وتحوّل من حالة وصورة لها حكمها إلى حالة وصورة أخرى لها حكم آخر مغاير، فهل يتغيّر حكم هذا الشيء تبعا لتغير صورته، وبعبارة أخرى هل يكون حكم هذا الشيء باعتبار أصله، أو باعتبار حاله.
ومثال ذلك تحوّل النجاسات التي تأكلها الدابة الجلاّلة١ إلى لحم ولبن، وظاهر عموم هذه القاعدة أنها تشمل هذه الحالة وتشمل عكسها، وهي تحوّل الطاهر إلى نجس، أو الصالح إلى فاسد. ولكن يبدو من أمثلة القاعدة أنهم يفرضونها فيما يتحوّل حكمه من الحرمة إلى الحل، دون عكس ذلك٢ وينبغي أن يلاحظ أن كلمة انقلاب فيها دلالة على أن ذلك يكون فيما يقع بطبيعة تلك العين لا بفعل فاعل.
стр. 193
الأدلة:
يستدل لهذه القاعدة - على اعتبار القول بتغير الحكم تبعا لتغير الشيء واستحالته - بأمرين:
أحدهما: الإجماع على حكم بعض صور القاعدة، فقد نقل عدد من العلماء الإجماع على أن الخمر إذا انقلبت خلا بنفسها دون فعل من الإنسان فإنها تطهر١.
والثاني: القياس؛ إذ القياس يقتضي أنه إذا زال الموجب للنجاسة - مثلا - زالت النجاسة، وإذا زال الموجب للتحريم زال التحريم وهكذا.
قال ابن رشد٢ ﵀: " ... أما الجلالة - وهي التي
стр. 194
تأكل النجاسة - فاختلفوا في حكمها، وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر.
أما الأثر فما روي: "أنه ﷺ نهى عن لحوم الجلالة وألبانها"١.
وأما القياس المعارض لهذا فهو أن ما يَرِدُ جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وسائر أجزائه، فإذا قلنا: أن لحم الحيوان حلال٢ وجب أن يكون لما ينقلب من ذلك حكم ما ينقلب إليه وهو اللحم ... "الخ كلامه٣.
стр. 195
ومما يدل على معارضة هذا القياس - أيضا - حديث أنس١ ﵁: "أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال: "لا"" ٢.
وحديث أبي طلحة٣ ﵁: "أنه سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال: "أهرقها"، قال: "أفلا أجعلها خلا؟ " قال: "لا" "٤.
стр. 196
العمل بالقاعدة:
لقد صاغ علماء المالكية بصيغة الاستفهام١ دليلا على الاختلاف - عندهم - فيها.
وبالنظر إلى كتب الفروع نجد أن المالكية والحنفية هم الأكثر قولا بكون الأعيان إذا انقلبت وتحولت كان لذلك تأثيرا في تغيّر حكمها. يدل على هذا تعليلهم - في مواضع متعددة - الحكم بطهارة ما كان أصله نجسا بكونه استحال إلى صلاح وطهارة٢. وإن كان هذا لا يعني اطّراد القاعدة في كل فرع.
وأما الشافعية، والحنابلة فقد ودر في كتبهم ما يدل على عدم أخذهم بهذه القاعدة، فقد قال الشيرازي٣ من الشافعية: "ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلاّ شيئين أحدهما: جلد
стр. 197
الميتة إذا دبغ ... ، والثاني: الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك"١.
وقال ابن قدامة: "ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر"٢.
وأما ما ورد الدليل بحكمه وهو الخمر الذي يستحيل بنفسه إلى خل٣ فقد أجمعوا على طهارته كما تقدم، وما ورد الدليل فيه بعكس ذلك - وهو لحوم الجلالة - فإن الجمهور علىة كراهته، ونقل عن بعضهم تحريمه، وأجازه المالكية، ونقل ابن جزي عنهم فيه خلافا"٤.
стр. 198
من فروع القاعدة:
١- إذا استحالت الخمر خلا بنفسها تغير حكمها من النجاسة إلى الطهارة١.
٢- ومنها لحم الجلاّلة فإنه يحرم أكله، أو يكره، فإذا حبست مدة زالت الحرمة أو الكراهية؛ لأن ما أكلته قد استحال لحما ولبنا٢.
٣- الزروع المسقاة بنجاسة أو سمدت بها فعلى الأخذ بهذه القاعدة لا تحرم، وقال بعض الفقهاء: إنها تحرم٣.
وجه التيسير:
يتضح التيسير على القول بأن ما يحرم الانتفاع به إذا
стр. 199
استحال إلى عين أخرى يحل الانتفاع بها تغير حكم تلك العين إلى إباحة الانتفاع بها؛ وذلك لأن فيه مراعاة لمصلحة الناس من حيث إنه يمكنهم الانتفاع بتلك الأعيان.
أما على القول بأن هذه الاستحالة لا تغير حكم العين فإن الحكم في تلك العين يكون باقيا على أصله.
стр. 200
القاعدة الثالثة عشر: تعلق الحكم بالمحسوس على ظاهر الحس لا على باطن الحقيقة
...
القاعدة الثالثة عشرة: تعلق الحكم بالمحسوس على ظاهر الحس لا على باطن الحقيقة.
ذكر هذه القاعدة المقري من المالكية١ وألمح إليها ابن تيمية وإن لم يذكرها بصيغة القاعدة٢.
معاني المفردات:
المحسوس: اسم مفعول من حسّ، والحس هو: الشعور، والإحساس هو: العلم بالحواس - أي بواسطتها - وهي السمع، والبصر، والشمّ، والذوق، واللمس٣.
الظاهر: اسم فاعل من ظَهَرَ، يقال: ظهر الشيء ظُهوراً تبيّن، والظاهر: خلاف الباطن٤.
стр. 201
الباطن: اسم فاعل من بَطَنَ أي خفي، والباطن: داخل كل شيء١.
الحقيقة: فعلية من الحق، والحق خلاف الباطل، ويقال: حَقَقْتُ الأمر، وأحْقَقْته إذا تحققته، وصرت منه على يقين، وتطلق الحقيقة ويراد بها خلاف المجاز، ويراد بها: ما يحق على الرجل أن يحميه٢.
المعنى الإجمالي:
المراد بهذه القاعدة أن الشارع إذا علق حكما من الأحكام على أمر من الأمور المحسوسة لزوما أو انتفاء فإن المطلوب من المكلفين إنما هو مراعاة ذلك الأمر على حسب ظاهره - أو ما يظهر من دلالته - وليسوا مطالبين بمعرفة تحقق ذلك المحسوس عن طريق البحث في بواطن الأمور؛ إذ ليس من شأن الشرع أن يبني الأحكام على العلل الخفية، وقد مثّل المقري لذلك بتعليق الحكم بدخول الشهر وخروجه على رؤية الهلال، وتعليق الصوم والإفطار بطلوع الفجر، وغروب الشمس.
وتحسن الإشارة هنا إلى أن قول المقري: "تعلق الحكم بالمحسوس
стр. 202
على ظاهر الحس" لا يعني - فيما أرى - أن الشارع قد يعلق الحكم على أمر غير محسوس وإنما مراده أن الشارع لا يعلق الأحكام إلاّ على أشياء محسوسة؛ لأن هذا هو الذي يناسب تعليله بقوله: "لأنا أمّة أميّة". والله أعلم.
الأدلة:
تؤخذ هذه القاعدة من عدد من الآيات زالأحاديث دلت على تعليق الحكم الشرعي بأمور محسوسة للناس. من ذلك:
١) قول الله تعالى: ﴿ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل ... ﴾ ١.
فقد علق الله تعالى الإمساك على تبيّن طلوع الفجر بالبصر، وعلّق الإفطار على دخول الليل بغروب الشمس.
٢) حديث: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا،
стр. 203
وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"١ وهو في معنى الآية.
٣) حديث: "إنا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرّة ثلاثين" ٢.وهذا الحديث هو الذي أشار إليه المقري في تعليل هذه القاعدة حيث قال: "لأنّا أمّة أميّة"٣.
٤) حديث: "صموا لرؤيته وأفطروا الرؤية ... " ٤.
стр. 204
وهذان الحديثان في موضوع واحد، وهو الحكم بدخول شهر رمضان وخروجه.
قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث "إنّا أمّة أميّة": " ... والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون منه إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا ... " الخ كلامه١.
٥) أحاديث مواقيت الصلاة وهي كثير منها: حديث سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة فقال: "وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى
стр. 205
نصف الليل"١.
العمل بالقاعدة:
بالنظر في المسائل الفقهية نجد أن المذاهب الأربعة تعتمد هذه القاعدة تعمل بموجبها فقد اتفق الفقهاء على أن الشارع بنى الحكم بدخول شهر رمضان وخروجه - ومن ثم وجوب الصيام ووجوب الفطر - على رؤية الهلال أو إتمام عدة الشهر٢، وعلى أن الشارع قد حدد بداية اليوم الذي يصام بطلوع الفجر، ونهايته بغروب الشمس٣ وعلى أن مواقيت الصلاة تعرف بأمور محسوسة للجميع كالزوال، والغروب، وطلوع الفجر، ومقدار الظل ونحو ذلك من
стр. 206
الأمور المحسوسة١، وأن المطلوب في ذلك كله إنما هو معرفة ذلك بالأمور الظاهرة المحسوسة لا بالأمور الباطنة الخفية.
وما ذكر من فروع فقهية على هذه القاعدة يغني عن إعادتها.
وجه التيسير:
تتضمن هذه القاعدة التيسر على المكلفين من حيث إن العبادات ومواقتها وما إلى ذلك مما يحتاج إلى معرفته المكلفون قد علقت على أمور محسوسة لا تَكَلُّفَ في تعلمها ولا عناء في معرفتها؛ ليتمكن كل مسلم من إدراكها، سواء كان متعلما أو جاهلا، ولم يكلف الناس بأن يعرفوا هذه الأمور بالطرق الخفية التي لا يحسنها إلا الأقلون، وهذا فيه من التيسير على الناس ما لا يخفى، إضافة إلى أن إسناد الأحكام الشرعية إلى الأمور المحسوسة التي يشترك في إدراكها الجميع يقلل من حدوث الخطأ والاختلاف بين المسلمين٢، والله أعلم.
стр. 207
القاعدة الرابعة عشر: تفويت الحاصل ممنوع بخلاف تحصيل ما ليس بحاصل
...
القاعدة الرابعة عشرة تفويت الحاصل ممنوع بخلاف تحصيل ما ليس بحاصل.
أورد هذه القاعدة السيوطي١، كما أوردها الزركشي ضمنا بقوله: "القدرة على التحصيل كالقدرة على الحاصل فيما يجب له، وليس كالحاصل فيما يجب عليه"٢ وهو قيد للقاعدة وسيأتي إيضاحه قريبا إن شاء الله.
وأورد ابن رجب ما يشير إلى معنى هذه القاعدة حيث قال: "القدرة على اكتساب المال بالصناعات غنى بالنسبة إلى نفقة نفسه ومن تلزمه نفقته من زوجة وخادم"٣.
معاني المفردات:
تفويت: مصدر فّوّت يفوّت، وفاته الأمر ذهب عنه٤.
стр. 208
الحاصل: اسم فاعل من حَصَلَ، والحاصل هو: ما بقي وثبت من كل شيء١.
ممنوع: اسم مفعول من مَنَعَ يَمْنَعُ، والمنع خلاف الإعطاء٢. وهو - هنا - بمهنى المحرّم، والمحرّم في الاصطلاح عُرّف بأنه: ما يذم -شرعا - فاعله، وعرف بغير ذلك٣.
المعنى الإجمالي:
تتألف هذه القاعدة من شقين:
الأول: منهما أنه لا يجوز تفويت ما قد تحصل للمكلف مما هو سبب لواجب، أو شرط له بالاتلاف، أو غيره من وجوه التفويت؛ لأن ذلك يؤدي إلى تفويت القدرة على أداء الواجب، ومثال ذلك: من كان معه ماء فأراقه في الوقت ولم يكن على طهارة، أو كان على طهارة وقد دخل الوقت وليس معه ماء فنقص وضوءه، وهذا مقيّد بعدة قيود، منها:
стр. 209
١) أن يكون تفريته غير مشروع، ولذا فقد قيد السيوطي المثال المذكور بقوله: "سفها"١.
٢) أن يكون ذلك موصلا إلى تفويت واجب، فلو فوّته وأمكنه أداء الواجب لم يحرم ذلك إلا من باب الإسراف، إذا كان ذلك مما يتعلق به الإسراف.
والثاني منهما: أن ما لم يكن متحصلا للمكلف مما هو سبب أو شرط٢ للوجوب لا يجب على المكلف تحصيله ولو كان قادرا على ذلك فقوله: "بخلاف تحصيل ما ليس بحاصل" يقدر - بعده - "فإنه غير واجب" ويوضّح الشقّ الثاني من القاعدة: القاعدة الأصولية: ((ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)) ، وما قاله العلماء في إيضاح
стр. 210
معناها.
حيث ذهب المحققون منهم إلى أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ لأن الإنسان - في هذه الحال - لم يتعلق بذمته ذلك الواجب.
وأما ما لا يتم الواجب إلا به فإنه يجب على الإنسان تحصيله؛ لأن تكليفه بالواجب تكليف بلازمه أو مقدمته١.
وعبر بعضهم عن هذا المعنى بقوله: "إن الواجب المقيد لا يلزم تحصيل ما لا يتم إلا به، والواجب المطلق يجب تحصيل ما لا يتم إلا به، ويَعْنُون بالواجب المقيد ما يكون التكليف به مقيدا ببعض الشروط كالحج، وجوبه مشروط بالاستطاعة. فهذا هو شرط الوجوب.
وبالواجب المطلق ما يجب دون شروط زائدة على شروط التكليف، كالصلاة فإنها واجب مطلق فيجب تحصيل ما لا تتم إلا به كالطهارة وهذا هو شرط الصحة٢.
وقد فرق الزركشي في هذه القاعدة بين ما يجب للإنسان وبين ما يجب عليه، فأما ما يجب له فإن القدرة على تحصيله تجعله
стр. 211
كالحاصل، وذلك مثل الفقير القادر على الكسب بالنسبة إلى نفقة نفسه، فإنه يجب عليه، تحصيل تلك النفقة، ولا يلزم قريبه أن ينفق عليه في هذه الحال، وأما ما يجب عليه فإن القدرة على تحصيله لا تجعله كالحاصل، مثل المفلس، فإنه لا يجب عليه الاكتساب لوفاء دينه١.
الأدلة:
تقدم أن هذه القاعدة ذات شقين، والمراد هنا - أولا - الاستدلال للشق الثاني منها؛ لأنه هو الذي يتضمن التيسير بحسب المنهج الموضوع لهذا الكتاب. فمما يدل على ذلك:
١) قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ... ﴾ ٢.
٢) حديث أبي سعيد الخدري٣ ﵁ قال: "أصيب
стр. 212
رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثُر دَيْنُه فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلاّ ذلك"١.
فقد أورد الإمام القرطبي هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة المتقدمة، ثم قال: "وهذا نص فلم يأمر رسول الله ﷺ بحبس الرجل ولا بملازمته ولا كلفه أن يكتسب"٢.
٣) حديث الأعرابي الذي جامع امرأته في شهر رمضان حيث قال له ﷺ : "أتجد ما تحرر رقبة؟ " قال: "لا"، قال: "فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: "لا"، قال: "أفتجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ "، قال: "لا"، قال - أي الراوي - فأتي النبي ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر - وهو الزبيل -٣ قال: "أطعم هذا
стр. 213
عنك"، قال: "على أحجوج منّا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منّأ. قال: "فأطعمه أهلك" ١.
ووجه الدلالة منه: أن رسول الله ﷺ لم يأمره بالاكتساب ليحصّل ثمن الرقبة، أو ما يطعم به ستين مسكينا.
وأما الشق الأول وهو أن تفويت الحاصل ممنوع فيصح أن يستدل عليه - تتميما للفائدة - بحديث: " ... لا يجمع بين متفرق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة"٢.
ففي هذا الحديث نهي عن أن يجمع الرجل ماله إلى مال غيره لتخف عنهم الزكاة، وفي هذا نوع من تفويت الحاصل بتفويت الملك الخاص، وقد نُهي عنه لما فيه من الفرار من الزكاة، وكذلك فيه النهي عن
стр. 214
أن يفرق ما اجتمع لتخفف عن الشريكين الزكاة، وفيه تفويت ما حصل من الشركة لتخفيف الزكاة.
ومثال الصورة الأولى أن يكون ثلاثة نفر عند كل واحد منهم أربعون شاة تجب فيها الزكاة شاة واحدة على كل واحد منهم فيجمعونها ليكون الواجب عليهم جميعا شاة واحدة.
ومثال الصورة الثانية أن يكون للخليطين مائتا شاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياة فيفرقونها ليكون الواجب على كل منهما شاة واحدة١.
العمل بالقاعدة:
يدل كلام الفقهاء على أن هذه القاعدة معمول بها عند الجميع - من حيث الجملة - وإن تفاوتوا في مدى تطبيقها.
من ذلك قول ابن عابدين٢ من الحنفية: "لو وهب الأب لابنه مالاً
стр. 215
يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها"١، وما جاء في حاشية رد المحتار: "لو أبرأ مديونه الموسر تلزمه الزكاة؛ لأته استهلاك"٢ وهذا فيه دلالة على العمل بشقي القاعدة بمنطوقه ومفهومه وقول الخرشي - شرحا لما في المختصر -: "ولو تكلفه أي المعسر جاز" - يعني أن المظاهر المعسر إذا تكلف العتق واشترى رقبة فإنه يجزئه"٣، ثم قال: "ومعنى جاز مضى؛ لأته قد يكون حراما كما إذا كان لا يقدر على وفاء الدين أو لا يعلم أربابه بالعجز عنه وقد يكون مكروها كما إذا كان بسؤال؛ لأن السؤال مكروه ... "٤.
وصرحوا أنه لا يُلْزَم المفلس بالتكسب لغرمائه ليوفي ما عليه من الدين، ولا يجوز له التفريط في ماله٥.
على أنهم قالوا بلزوم بيع بعض ما يملكه المكلف ليتمكن به من