كالحاصل، وذلك مثل الفقير القادر على الكسب بالنسبة إلى نفقة نفسه، فإنه يجب عليه، تحصيل تلك النفقة، ولا يلزم قريبه أن ينفق عليه في هذه الحال، وأما ما يجب عليه فإن القدرة على تحصيله لا تجعله كالحاصل، مثل المفلس، فإنه لا يجب عليه الاكتساب لوفاء دينه١.
الأدلة:
تقدم أن هذه القاعدة ذات شقين، والمراد هنا - أولا - الاستدلال للشق الثاني منها؛ لأنه هو الذي يتضمن التيسير بحسب المنهج الموضوع لهذا الكتاب. فمما يدل على ذلك:
١) قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ... ﴾ ٢.
٢) حديث أبي سعيد الخدري٣ ﵁ قال: "أصيب
стр. 212
رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثُر دَيْنُه فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلاّ ذلك"١.
فقد أورد الإمام القرطبي هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة المتقدمة، ثم قال: "وهذا نص فلم يأمر رسول الله ﷺ بحبس الرجل ولا بملازمته ولا كلفه أن يكتسب"٢.
٣) حديث الأعرابي الذي جامع امرأته في شهر رمضان حيث قال له ﷺ : "أتجد ما تحرر رقبة؟ " قال: "لا"، قال: "فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: "لا"، قال: "أفتجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ "، قال: "لا"، قال - أي الراوي - فأتي النبي ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر - وهو الزبيل -٣ قال: "أطعم هذا
стр. 213
عنك"، قال: "على أحجوج منّا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منّأ. قال: "فأطعمه أهلك" ١.
ووجه الدلالة منه: أن رسول الله ﷺ لم يأمره بالاكتساب ليحصّل ثمن الرقبة، أو ما يطعم به ستين مسكينا.
وأما الشق الأول وهو أن تفويت الحاصل ممنوع فيصح أن يستدل عليه - تتميما للفائدة - بحديث: " ... لا يجمع بين متفرق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة"٢.
ففي هذا الحديث نهي عن أن يجمع الرجل ماله إلى مال غيره لتخف عنهم الزكاة، وفي هذا نوع من تفويت الحاصل بتفويت الملك الخاص، وقد نُهي عنه لما فيه من الفرار من الزكاة، وكذلك فيه النهي عن
стр. 214
أن يفرق ما اجتمع لتخفف عن الشريكين الزكاة، وفيه تفويت ما حصل من الشركة لتخفيف الزكاة.
ومثال الصورة الأولى أن يكون ثلاثة نفر عند كل واحد منهم أربعون شاة تجب فيها الزكاة شاة واحدة على كل واحد منهم فيجمعونها ليكون الواجب عليهم جميعا شاة واحدة.
ومثال الصورة الثانية أن يكون للخليطين مائتا شاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياة فيفرقونها ليكون الواجب على كل منهما شاة واحدة١.
العمل بالقاعدة:
يدل كلام الفقهاء على أن هذه القاعدة معمول بها عند الجميع - من حيث الجملة - وإن تفاوتوا في مدى تطبيقها.
من ذلك قول ابن عابدين٢ من الحنفية: "لو وهب الأب لابنه مالاً
стр. 215
يحج به لم يجب قبوله؛ لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها"١، وما جاء في حاشية رد المحتار: "لو أبرأ مديونه الموسر تلزمه الزكاة؛ لأته استهلاك"٢ وهذا فيه دلالة على العمل بشقي القاعدة بمنطوقه ومفهومه وقول الخرشي - شرحا لما في المختصر -: "ولو تكلفه أي المعسر جاز" - يعني أن المظاهر المعسر إذا تكلف العتق واشترى رقبة فإنه يجزئه"٣، ثم قال: "ومعنى جاز مضى؛ لأته قد يكون حراما كما إذا كان لا يقدر على وفاء الدين أو لا يعلم أربابه بالعجز عنه وقد يكون مكروها كما إذا كان بسؤال؛ لأن السؤال مكروه ... "٤.
وصرحوا أنه لا يُلْزَم المفلس بالتكسب لغرمائه ليوفي ما عليه من الدين، ولا يجوز له التفريط في ماله٥.
على أنهم قالوا بلزوم بيع بعض ما يملكه المكلف ليتمكن به من
стр. 216
الحج١.
ويمكن أن يوجه هذا بأن ذلك مال متحصل عنده ولم يُلْزَم بتحصيله.
وقول النووي في المفلس: "من قواعد الباب أن المفلس لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل ولا يُمكَّن من تفويت ما هو حاصل"٢.
وقول ابن قدامة في المفلس: "ولا يجبر على قبول هدية ولا صدقة ولا قرض، ولا تجبر المرأة على التزوج ليأخذ مهرها"٣، وقال: "وإن جُني على المفاس جناية توجب المال ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء ولا يصح منه العفو"٤.
من فروع القاعدة:
١- المفلس فإنه يحجر عليه فلا يتصرف - في ماله - إلا بما لا بدّ
стр. 217
له منه لكنه لا يلزم بتحصيل ما ليس عنده من المال من أجل أداء الدين١.
٢- من أراق ما معه من ماء في الوقت سفها فلم يتوضأ، وصلى بالتيمم فإنه يأثم ٠ على قول -، ومن اجتاز بماء في الوقت فلم يتوضأ ثم صلى بالتيمم لا يأثم، وهل يعيد صلاته؟ ٢.
وجه التيسير:
وجه اعتبار هذه القاعدة من قواعد التيسير هو النظر إلى شقها الثاني وهو: أن تحصيل ما ليس بحاصل للمكلف لا يجب، وإن ترتب على ذلك عدم تحقق تكليفه بذلك الأمر، فإن الشارع لم يوجب على المكلف ذلك، ولم يؤاخذه على عدم تحصيله، ولم ينسبه إلى التفريط في تلك الحال، والله أعلم.
стр. 218
القاعدة الخامسة عشر: الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة .
...
القاعدة الخامسة عشرة الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
ذكر هذه القاعدة عدد من العلماء منهم إمام الحرمين١، والسيوطي٢، وابن نجيم٣، والزركشي٤ وقد جعلها قاعدتين إحداهما في الحاجة العامة، والأخرى في الحاجة الخاصة.
وأشار إليها عدد منهم، كابن عبد السلام٥، وابن تيمية٦، والعلائي٧.
стр. 219
وأورد الونشريسي من الأمثلة على قاعدة ((الضرورات تبيح المحضورات)) ما يصلح لإدراجه تحت هذه القاعدة١.
وقال ابن نجيم: "إنها متفرعة من قاعدة ((الضرر يزال)) ٢.
معاني المفردات:
الحاجة لغة: هي الاضطرار إلى الشيء، وتطلق على الافتقار نفسه، وعلى الشيء الذي يُفْتَقَر إليه، وقيل: هي القصور عن المبلغ المطلوب٣.
وفي الاصطلاح: يمكن تعريفها من خلال تعريف العلماء للحاجيات٤ حيث عرف الشاطبي بأنها: "المصالح المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي – في الغالب – إلى
стр. 220
الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب١.
فيقال في الحاجة: إنها حالة تطرأ على الإنسان يخاف معها فوت شيء من المصالح المفتقر إليها من حيث التوسعة، بحيث لا تندفع إلا بارتكاب محرّم، أو ما يخالف القواعد العامة للشرع٢.
الضرورة لغة: من الضرر وهو: خلاف النفع٣.
وفي الاصطلاح: يمكن تعريفها من خلال تعريف العلماء للضروريات حيث عرّف الشاطبي الضروريات بأنها: "المصالح التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد، وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة، والنعيم، والرجوع بالخسران المبين". ثم قال: "والضروريات هي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل"٤.
стр. 221
فقيل في تعريف الضرورة: إنها حالة من الحظر تطرأ على الإنسان يخاف معها فوت شيء من المصالح التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث لا تندفع هذه الضرورة إلا بارتكاب المحرّم، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته١.
عامة: اسم فاعل مؤنث من عمّ أي شمل. يقال: عمهم بالعطية أي شملهم٢.
والمراد بالحاجة العامة ما تتعلق بأغلب الناس٣.
خاصة: اسم فاعل مؤنث من خصّ فلانا بالشيء أي أفرده به٤
стр. 222
والمراد بالحاجة الخاصة ما يكون تعلقها بفئة معينة، أو أهل صنعة، أو بلد، أو نحوها، وليس المراد بها ما تتعلق بشخص بعينه بحيث لا تتعداه إلى من هو في مثل حاله؛ لأن تعليق الحكم بهذا النوع من الحاجة الخاصة إنما هو من خصائص زمن التشريع فالخصوص – هنا - نسبي١.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن الحاجة العامة التي تتعلق بأغلب الناس، وكذلك التي تختص بفئة تنزل منزلة الضرورة فتعطى حكمها من حيث إباحة المحظور وإن كانت الحاجة في مرتبة دون مرتبة الضرورة وهي أقل باعثا على مخالفة قواعد الشرع العامة وعنى هذا أن الأصل أن هذا الحكم – أعني اللجوء إلى ارتكاب المحرّم أو مخالفة قواعد الشرع العامة – إنما هو من شأن الضرورات محافظة على المصالح الضرورية لكننا وجدنا من أدلة الشرع ما يدل على أن
стр. 223
الحاجة قد تعطي حكم الضرورة تيسيرا على العباد وتسهيلا لشؤون معاشهم، وقد تقدم بيان معنى كل من الضرورة والحاجة وبيان الفرق بين حقيقتيهما.
وقد فرق بعضهم بينهما من جهة أن حكم الضرورة مؤقت بزمان تلك الضرورة، وحكم الحاجة مستمر١.
ومع هذا فقد تطلق الضرورة ويراد بها الحاجة٢. على أن حكم هذه
стр. 224
القاعدة ليس على إطلاقه فقد اشترط العلماء في الحاجة المبيحة للمحظور شروطا أهمها ما يلي:
١) أن تكون الشدة الباعثة علة مخالفة الحكم الشرعي الأصلي بالغة درجة الحرج غير المعتاد.
٢) أن يكون الضابط في تقدير تلك الحاجة النظر إلى أواسط الناس ومجموعهم بالنسبة إلى الحاجة العامة، وإلى أواسط الفئة المعينة التي تتعلق بها الحاجة إذا كانت خاصة.
٣) أن تكون الحاجة متعينة بألا يوجد سبيل آخر للتوصل إلى الغرض سوى مخالفة الحكم العام.
٤) أن تقدر تلك الحاجة بقدْرها كما هو الحال بالنسبة إلى الضرورات.
٥) ألاّ يخالف الحكم المبني على الحاجة نصا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ على حكم ذلك الأمر بخصوصه، وألاّ يعارض قياسا صحيحا أقوى منه، وأن يكون مندرجا في مقاصد الشرع، وألاّ تفوت معه مصلحة أكبر١.
стр. 225
وعلى هذا فإنه يمكن القول: إن هذه القاعدة لا تحقق تحققا صحيحا إلا إذا كان الحكم القائم على الحاجة مستثنى من حكم عام أو في معنى المستثنى منه وهذا الاستثناء إما أن يكون بنص شرعي دل على أن مبنى الترخيص فيه هو الحاجة، وإما أن يكون مبنيا على اجتهاد المجتهدين أخذا من قواعد الشرع العامة، أو قياسا على ما ثبت حكمه بالنص؛ وذلك لأن تنزيل الحاجة منزلة الضرورة معناه إباحة ما ظاهره التحريم، ومن أجل هذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أن هذا إنما يكون فيما خالف القياس١.
стр. 226
الأدلة:
يستدل لهذه القاعدة بما ورد من النصوص التي تضمنت إباحة بعض الأشياء وعُلّل ذلك فيها بالحاجة، ومن ذلك:
١) حديث: "حرّم الله مكة ولم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي أُحلت لي ساعة من نهار لا يُخْتلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف، فقال العباس١ ﵁: إلا الإذخر٢ لصاغتنا وقبورنا فقال:
стр. 227
" إلا الإذخر" ١.
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "حكي عن ابن بطال٢ ان الاستثناء – هنا – للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وتعقبه ابن المنيِّر٣ بأن الذي يباح للضرورة يشترط
стр. 228
حصولها فيه فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحققت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقا بغير قيد الضرورة١.
٢) حديث: "رخص النبي ﷺ أن تباع العرايا٢ بخرصها٣ تمرا" ٤.
стр. 229
وقد جاء في بعض روايات الحديث النص على العلة حيث أخرج الإمام الشافعي أنه قيل لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إما زيد١ وإمت غيره: "ما عراياكم هذه؟ قال فلان وفلان وسمى رجالا محتاجين من الأنصار شَكَوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد في أيديهم يتبابعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخصّ لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها"٢.
وقد بين العلماء معتى العرايا بما يدل على أن سبب الترخيص فيها هو: الحاجة إليها٣.
стр. 230
٣) ما رواه الإمام البخاري عن عاصم الأحول١ قال: "رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك وكان انصدع فسلسله٢ بفضة ... " الحديث٣.
ففي الحديث جواز ذلك، وقد علله العلماء بالحاجة؛ لأنه قد ثبت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة٤.
٤) حديث أنس ﵁ قال: "رخّص رسول الله ﷺ
стр. 231
للزبير١ وعبد الرحمن٢ في لُبْس الحرير لحكّة بهما"٣.
ووجه الدلالة منه استثناء هذه الحالة من حكم لبس الحرير للرجال، وهو النحريم٤.
العمل بالقاعدة:
لقد عمل فقهاء المذاهب الأربعة بهذه القاعدة فعللوا صحة بعض العقود وغيرها بحاجة الناس إليها، وإن كان النص قد ورد
стр. 232
بحكمها أو حكم بعضها، ومن ذلك الإجارة، والجعالة١، والسَّلَم٢، وغيرها٣.
стр. 233
من فروع القاعدة:
١- جواز عقد الإجارة فإنه عقد على منافع لم توجد بعد. لكن الشارع أجازها للحاجة١.
٢- جواز تضبيب الإناء بالفضة للحاجة إليه كما هو رأي الجمهور، وذهب المالكية إلى منع استعماله٢.
٣- إباحة النظر إلى المرأة للحاجة من معاملة ونحوها٣.
وجه التيسير:
لا يخفى ما في هذه القاعدة من التيسير، فإن الله تعالى قد أقام حاجة الناس التي تبلغ درجة الضرورة، مقام الضرورة فأباح للمكلفين – بسبب الحرج – ما يحتاجون إليه على سبيل الاستثناء من قواعد الشرع العامة٤.
стр. 234
القاعدة السادسة عشر: حقوق الله مبنية على المسامحة .
...
القاعدة السادسة عشرة: حقوق الله مبنيّة على المسامحة.
ذكر هذه القاعدة – بهذه الصيغة - الزركشي١، وألمح إليها عدد من العلماء تعليلا لتقديم حقوق العباد على حقوق الله تعالى٢ كما أشار إليها بعضهم عند تفصيل القول في القاعدة ((الإسلام يجب ما قبله)) حيث قُيّدت بكون ذلك فيمت يتعلق بحقوق الله تعالى٣.
ويستفاد معناها من مجموع قاعدتي ((الضرورات تبيح المحظورات)) ، و ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) حيث يتبين أن إباحة المحظور في حال الاضطرار مطلقا إنما هو فيما يتعلق بحق
стр. 235
الله سبحانه، أما فيما يتعلق بحق الآدمي فإنه وإن أبيح في حال الضرورة إلا أنه مشروط بضمانه١.
معاني المفردات:
حقوق: جمع حق يقال: حقّ الشيءُ، أي وجب، وأحققتُ لشيءَ أوجبته، والحق: نقيض الباطل، ومادة (حق) في أصلهاتدل على إحكام الشيء وصحته٢.
المسامحة: هي المساهلة، والسماح والسماحة: الجود٣.
المعنى الإجمالي:
المراد بهذه القاعدة أن ما يلزم المكلف من حقوق الله تعالى فإن مبناها على المسامحة بحيث إذا شق على المكلف أداء ذلك الحق مشقّة معتبرة سقط عنه من الحق بقدر تلك المشقة؛ لأن الله تعالى لا يلحقه ضرر بنقصان تلك الحقوق، أو عدم أدائها.
وهذه التكاليف إنما هي لتمييز المطيع من العاصي.
ومفهوم هذه القاعدة أن حقوق العباد مبنيّة على المشاحّة والمطالبة:
стр. 236
وذلك لحاجة الناس إليها، فلا تسقط إلا بإسقاط أصحابها لها، وقد صرّح البعض بهذا المفهوم١.
والمراد بهذه القاعدة ما هو حق خالص لله تعالى، وذلك أنه قد تتداخل حقوق العباد مع حق الله تعالى في بعض المواضع٢.
الأدلة:
يستدل لهذه القاعدة بعدة أمور منها:
أولا: وقوع الرخص والتخفيفات في حقوق الله تعالى كقصر الصلاة والجمع بين الصلاتين في السفر، وكالتيمم عند عدم الماء، وكتأخير الصيام للمسافر في شهر رمضان إلى أيام أخر ... ، وغير ذلك كثير.
стр. 237
ثانيا: حديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات" ١.
وما في معناه من الأحاديث الدالة على دفع الحدود بالشبهات المحتملة٢.
стр. 238
ثالثا: ما يدل بعمومه على رفع الحرج كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١، وكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢.
رابعا: أن العلماء قد ذكروا للتوبة – فيما يتعلق بحقوق الله تعالى – ثلاثة شروط، وهي: الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العود، والندم على ما مضى.
стр. 239
وزادوا – فيما يتعلق بحقوق العباد – شرطا رابعا وهو أن يؤدي ذلك الحق إلى صاحبه، أو يتحلله منه١.
فتبيّن بذلك أن حقوقه سبحانه قد بناها على المسامحة بحيث لا يلزم للتوبة من التفريط فيها ما يلزم في حقوق العباد.
عمل الفقهاء بالقاعدة:
اتفقت آراء الفقهاء على القول بهذه القاعدة والعمل بمقتضاها من حيث الجملة. وإن كانوا قد اختلفوا في بعض الصور التي تجتمع فيها حقوق الله تعلى مع حقوق الآدميين ولم يمكن الوفاء بها جميعا، أيهما يقدم؟ ٢.
وهذه بعض نصوص الفقهاء الدالة على العمل بهذه القاعدة فيما إذا
стр. 240
اجتمع حقان: أحدهما لله تعالى والآخر للعبد وهي من أوضح صور تطبيق هذه القاعدة.
فقد جاء في قواعد المقّري١: "إن مذهب مالك تقديم حق الآدميين"، ومثّل بالحقوق المالية، وقال الخرشيّ من المالكية: " ... لكن ديون الآدميين مقدمة على هدي التمتع إذا مات المتمتع بعد أن رمى العقبة ... " الخ كلامه٢.
стр. 241
وجاء في كتاب المبسوط١ من كتب الفقه الحنفي: "إذا اجتمع القصاص في اليد اليمنى وحد السرقة فقد اجتمع في اليد حقّان: أحدهما لله تعالى، والآخر للعبد، فيقدم حق العبد لحاجنه إلى ذلك".
وجاء في بدائع الصنائع٢: "حكم الحدود إذا اجتمعت أن يقدم حق العبد في الاستفاء على حق الله ، لحاجة العبد إلى الانتفاع بحقه، وتعالى الله عن الحاجات".
وجاء في روضة الطالبين٣ في الفقه الشافعي: " ... لو قَطَعَ يسارَ إنسان وسرق قطعت يساره قصاصا، وأمهل إلى الاندمال٤، ثم تقطع يمينه عن السرقة ... ، وقدم القصاص لأن العقوبة التي هي حق آدمي آكد من التي هي حق لله تعالى؛ لأنها تسقط بما لا تسقط به عقوبة الآدمي".
وجاء في الكافي٥ من كتب الحنابلة: "وإن اجتمعت حدود لله
стр. 242
تعالى، وللآدميين ولا قتل فيها استوفت كلها، إلا أن يتفق الحقان في محل واحد كالقطع للقصاص والسرقة فإنه يقدم القصاص؛ لأنه حق آدمي ... "الخ.
من فروع القاعدة:
يتفرع على هذه القاعدة مسائل كثيرة جدا، وسائر الرخص تندرج تحت هذه القاعدة:
١- مشروعية التيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله١.
٢- ومنها سقوط الحج عن غير المستطيع٢.
٣- ومنها درء الحدود بالشبهات مثل حد الزنا٣.
وجه التيسير:
التيسير في هذه القاعدة ظاهر، وذلك أن حق الله تعالى
стр. 243
على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ وكما قال رسول الله ﷺ : " ... وحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ... " ٢. وعبادته تكون باتباع شرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه وهو حق عظيم بالنظر إلى أهميته وعاقبته، ويسير – على من يسّر الله عليه – إذا ما قورن بأن الله تعالى خالق الإنسان من العدم، ومربيه بالنعم.
ولما كان الله تعالى في غاية الغنى عن عباده، وهم في غاية الضعف والحاجة إليه بنى تلك الحقوق على ما يناسب غناه تعالى وحاجتهم إلى المسامحة والتخفيف، إذا ما وجد ما يقتضي ذلك.
стр. 244
القاعدة السابعة عشر: الحوائج الأصلية للإنسان لاتعد مالاً فاضلاً .
...
القاعدة السابعة عشرة: الحوائج الأصلية للإنسان لا تعد مالاً فاضلاً.
هذه القاعدة ذكرها الشيخ ابن سعدي١، وذكر السيوطي أحكام المسكن والخادم من حيث كونها يباعان لأداء الحقوق المالية، أو لا يباعان٢، وورد ما يدل على معناها في كتب الفقه٣.
وقد أورد بعض العلماء ضابطا أخص منها، وهو قولهم: ((الدّين مانع من وجوب الزكاة)) ، ثم قيّد ذلك بالدين المطالب به من جهة العباد٤.
معاني المفردات:
الحوائج: جمع حاجة على غير قياس٥.
стр. 245
الأصلية: نسبة إلى الأصل، وهو في اللغة: أساس الشيء١.
والمراد بها الحوائج التي لا غنى للإنسان عنها فكأنها أصل لحياته.
المال: ما ملكْتَه من كل شيء٢.
فاضلا: أي زائدا. والفضل: ضد النقص، والفضلة: البقيّة من الشيء٣.
المعنى الإجمالي:
يُقصد بهذه القاعدة تحديد ما يعتبر مالا زائد عن حاجة صاحبه؛ وذلك لأن هناك من الأحكام الشرعية ما يترتب لزومه ومشروعيته على وجود مال زائد عن حاجة الإنسان كالحج، والنفقة على الأقارب، وأداء الزكاة، ونحوها ...
وهناك من الأحكام ما ينبني على عدم وجود مال زائد عن حاجة صاحبه، كجواز الأخذ من الزكاة في بعض مصارفها ونحوه،
стр. 246
والقاعدة تقرر أن ما كان من حاجات الإنسان التي لا يُستغنى عنها عادة كالمسكن، والمركب، والخادم، وآلة الصنعة فإنه لا يعتبر مالاً زائدا، والنظر في تحديد ذلك راجع إلى قواعد الشرع وإلى العرف.
الأدلة:
يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بعدد من الأدلة منها:
١) قول الله سبحانه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... ﴾ ١ الآية.
فقد سماهم الله تعالى مساكين مع امتلاكهم السفينة، والمسكين٢ ممن تحل لهم الزكاة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
стр. 247
الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ١ فدل ذلكعلى أن ما يملكه الشخص مما يحتاج إليه لا يُعد مانعا من أخذ الزكاة٢.
٢) قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣ الآية.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: "فالمعنى: أنفقوا ما فضل
стр. 248
عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم"١
٣) حديث: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" ٢.
وترجم الإمام البخاري بقوله: باب لا صدقة إلا عن ظهر غنًى، ومن تصدق وهو محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضي من الصدقة، والعتق، والهبة، ... الخ٣.
قال ابن حجر في لإيضاح كلام الإمام البخاري: "كأنه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق ألاّ يكون محتاجا لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، ويلتحق بالتصدق سائر التبرعات"٤.
٤) حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه"٥.
ويتضح وجه الاستدلال منه إذا ما حُمل على أن السبب في عدم وجوب الزكاة فيهما كونها مما يحتاجه الإنسان للخدمة،
стр. 249
كما نقله في عون المعبود عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله١.
ونقل ابن حجر أنه لا خلاف في عدم وجوب الزكاة في العبد المتصرّف والفرس المعّ للركوب٢، ورأى بعض المؤلفين أن إضافة العبد والفرس إلى ضمير المفرد العائد إلى مالكهما تشعر بأن المراد الخيل: التي يحتاجها لركوبه، والرقيق الذي يحتاجه لخدمته٣.
أما إذا حمل الحديث على أن السبب في عدم وجوب الزكاة فيهما كونهما من هذين الجنسين اللذين لا تجب فيهما الزكاة أصلا فإن الاستدلال به يكون أقل ظهورا.
وقد جمع الإمام النووي بين المعنيين حيث قال: "هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق"٤
стр. 250
العمل بالقاعدة:
يمكن التعرف على من يقول بهذه القاعدة من الفقهاء من خلال النظر في بعض المسائل الفقهية ومعرفة آراء الفقهاء فيها.
فقد نقل القرطبي إجماع أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنه يجوز لمن يملك مسكنا وخادما ونحوهما مما يحتاج إليه أن يأخذ من الزكاة١، ونص الفقهاء على ذلك في كتب الفروع٢.
ومن جهة أخرى نصّ كثير من فقهاء الحنفية على أن الزكاة لا تجب في المال إلا إذا زاد على حاجة صاحبه الضرورية٣، وصرّح بذلك ابن سعدي من الحنابلة٤.
وأما المالكية، والشافعية فلم أقف على ما يدل على اشتراطهم هذا الشرط، إلا أنه يمكن معرفة ذلك من جهة أخرى، فقد قال القرضاوي٥: "وقد استغنى بعض العلماء عن شرط فضل المال عن