← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والقاعدة تقرر أن ما كان من حاجات الإنسان التي لا يُستغنى عنها عادة كالمسكن، والمركب، والخادم، وآلة الصنعة فإنه لا يعتبر مالاً زائدا، والنظر في تحديد ذلك راجع إلى قواعد الشرع وإلى العرف. الأدلة: يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بعدد من الأدلة منها: ١) قول الله سبحانه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... ﴾ ١ الآية. فقد سماهم الله تعالى مساكين مع امتلاكهم السفينة، والمسكين٢ ممن تحل لهم الزكاة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا

стр. 247

الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ١ فدل ذلكعلى أن ما يملكه الشخص مما يحتاج إليه لا يُعد مانعا من أخذ الزكاة٢. ٢) قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣ الآية. قال القرطبي رحمه الله تعالى: "فالمعنى: أنفقوا ما فضل

стр. 248

عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم"١ ٣) حديث: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" ٢. وترجم الإمام البخاري بقوله: باب لا صدقة إلا عن ظهر غنًى، ومن تصدق وهو محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضي من الصدقة، والعتق، والهبة، ... الخ٣. قال ابن حجر في لإيضاح كلام الإمام البخاري: "كأنه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق ألاّ يكون محتاجا لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، ويلتحق بالتصدق سائر التبرعات"٤. ٤) حديث: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه"٥. ويتضح وجه الاستدلال منه إذا ما حُمل على أن السبب في عدم وجوب الزكاة فيهما كونها مما يحتاجه الإنسان للخدمة،

стр. 249

كما نقله في عون المعبود عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله١. ونقل ابن حجر أنه لا خلاف في عدم وجوب الزكاة في العبد المتصرّف والفرس المعّ للركوب٢، ورأى بعض المؤلفين أن إضافة العبد والفرس إلى ضمير المفرد العائد إلى مالكهما تشعر بأن المراد الخيل: التي يحتاجها لركوبه، والرقيق الذي يحتاجه لخدمته٣. أما إذا حمل الحديث على أن السبب في عدم وجوب الزكاة فيهما كونهما من هذين الجنسين اللذين لا تجب فيهما الزكاة أصلا فإن الاستدلال به يكون أقل ظهورا. وقد جمع الإمام النووي بين المعنيين حيث قال: "هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق"٤

стр. 250

العمل بالقاعدة: يمكن التعرف على من يقول بهذه القاعدة من الفقهاء من خلال النظر في بعض المسائل الفقهية ومعرفة آراء الفقهاء فيها. فقد نقل القرطبي إجماع أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنه يجوز لمن يملك مسكنا وخادما ونحوهما مما يحتاج إليه أن يأخذ من الزكاة١، ونص الفقهاء على ذلك في كتب الفروع٢. ومن جهة أخرى نصّ كثير من فقهاء الحنفية على أن الزكاة لا تجب في المال إلا إذا زاد على حاجة صاحبه الضرورية٣، وصرّح بذلك ابن سعدي من الحنابلة٤. وأما المالكية، والشافعية فلم أقف على ما يدل على اشتراطهم هذا الشرط، إلا أنه يمكن معرفة ذلك من جهة أخرى، فقد قال القرضاوي٥: "وقد استغنى بعض العلماء عن شرط فضل المال عن

стр. 251

الحاجة الأصلية للإنسان باشتراط النماء، وبين أن المراد باشتراط النماء أن يكون معدا لذلك، وإن لم ينمّه صاحبه حقيقة"١، وقد أشار بعض العلماء إلى اعتبار النماء وإن لم يصرحوا باشتراطه لعدم انضباطه٢. ثم إن في اشتراط حولان الحول٣ دليلا على أنه لا زكاة إلا فيما زاد على الحاجة٤. هذا فيما يتعلق بأخذ الزكاة، وما يتعلق بوجوبها.

стр. 252

وفيما يتعلق بوجوب الحج: ذهب الحنفية والحنابلة أنه لا يجب الحج إلا إذا فضل المال عن حاجة الإنسان، من مسكن ونحوه ... ١ وعن الشافعية روايتان: أصحهما كرأي الحنفية، والحنابلة٢. أما المالكية فقد أوجبوا على المكلف بيع المسكن ونحوه ليؤدي الحج، ووافقهم على ذلك الشافعية في الرواية الأخرى٣. فظهر من هذا أن أكثر الفقهاء يرون أن حوائج الإنسان الأصلية لا تعدّ مالا زائدا، والخلاف إنما يأتي في بعض المسائل الفقهية من حيث إنه يشترط لها وجود مال زائد على الحاجة أو لا يشترط لها ذلك، والله تعالى أعلم. من فروع القاعدة: ١- أن مِلْك الدار التي يسكنها الشخص، أو آلة الحرفة ونحوها لا يعد مالا فاضلا فلا يمنع من صرف الزكاة له٤.

стр. 253

٢- أن الحج إنما يجب بشرط الاستطاعة، وفسّرت الاستطاعة بالزاد، والراحلة، على أن يكون ذلك فاضلا عن حاجته وحاجة أهله١. ٣- إن الإنفاق على الأقارب الفقراء إنما يلزم بشرط أن يكون له مال زائد على حاجته٢. وجه التيسير: وجه التيسير أن الشارع لم يعتبر ما يحتاجه الإنسان حاجة لا غنى له عنها من مسكن ومركب ونحوهما زائدا على حاجته، ولو كان ذا قيمة، ورتّب على ذلك أن أسقط عنه من التكاليف ما يجب بوجود ما يزيد على حاجة الإنسان الضرورية، ومن ناحية أخرى لم يجعل ذلك مانعا من استحقاقه للزكاة والنفقة ونحوهما.

стр. 254

القاعدة الثامنة عشر: الضرر يزال ... القاعدة الثامنة عشرة الضرر يزال. أورد العلماء هذه القاعدة بعدة صيغ، وهذه الصيغة هي الأكثر شيوعا في كتب القواعد الفقهية١. وأوردها بعضهم بصيغة: ((لا ضرر ولا ضرار)) ٢ أخذا من اللفظ النبوي. وأوردها الزركشي بلفظ: ((الضرر لا يزال بالضرر)) ٣، وصاغها

стр. 255

الفتوحي١ بلفظ: ((يزال الضرر بلا ضرر)) ٢. وهذه الصيغة تتضمن القاعدة مقيدة بأن تكون إزالة الضرر بما لا يضر، فتكون مغنية عن ذكر قاعدة أخرى يذكرها العلماء تقييدا لقاعدة ((الضرر يزال)) ، وهي قولهم: ((الضرر لا يزال بالضرر)) ، ويمكن القول: إن اعتماد الصياغة النبوية أولى؛ لأمور منها: ١) أن ذلك يكسب القاعدة قوة؛ إذ يجعلها دليلا شرعيا صالحا لاستنباط الأحكام الشرعية منه مباشرة. ٢) أن هذا اللفظ أشمل لتضمنه النهي عن الضرر ابتداءً، وعن مقابلة الضرر بالضرر٣.

стр. 256

وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى التي عليها مدار الفقه، وقد قال العلائي: "إنه ينبني عليها كثير من أبواب الفقه بكمالها، ومسائل لا تعد كثرة١، والأقوال في أهمية هذه القاعدة وسعة تطبيقاتها كثيرة"٢. وقد ألحق العلماء بهذه القاعدة الكبرى عددا من القواعد المتعلقة بها إما تقييدا لها، أو ترتيبا عليها، أو تفريعا عنها، ومن تلك القواعد مايلي: ((الضرر لا يزال بالضرر)) ، ((الضرورات تبيح المحظورات)) ، ((الضرر يدفع قدر الإمكان)) ٣. معاني المفردات: الضرر: لغة تقدم بيان معناه. وقد فرّق كثير من العلماء بين الضرر والضِّرار، فقالوا في ذلك عدة

стр. 257

أقوال، فقيل: إن الضرر هو الاسم، والضِّرار هو الفعل فيكون معنى نفي الضرر والضرار – في الحديث، وفي القاعدة -: أن الضرر نفسه منتف في الشرع، وإلحاق الضرر – بغير حق – ممنوع. وقيل: الضرر أن يُدْخِل على غيره ضررا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل عليه ضررا بما لا منفعة له فيه، وفيل: الضرر أن يضر الإنسان من لم يضره – أي الضرر ابتداء -، والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجهٍ غير جائز – أي الضرر مقابلة -. وقال بعضهم: إنهما بمعنى واحد، فيكون الثاني مؤكدا للأول١. المعنى الإجمالي: تعني هذه القاعدة أن كل ضرر فإنه واجب الإزالة، وبالنظر إلى لفظ ((لا ضرر ولا ضرار)) فإن معناه نفي الضرر والضرار، وهو نفي لما ليس بمنتف حقيقة، فيكون المراد النهي والتحريم٢.

стр. 258

وهذا كله ينبغي أن يقيّد ببعض القيود منها: ألا يكون الضرر مما أذن فيه الشرع، وكان بوجه حق، فإن هذا النوع من الضرر لا تجب إزالته. فلا يدخل تحت القاعدة الضرر الذي يلحق الجاني بمعاقبته، ولا الضرر الذي يلحق الضامن بضمانه ما أتلف؛ لأن هذا مما ثبت بوجه حق، وأذن فيه الشارع١ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٣. قال الشيخ الزرقاء: "فالمقصود بمنع الضرار نفي فكرة الثأر المحض الذي يزيد في الضرر ولا يفيد"٤. الأدلة: استدل أكثر العلماء على صحة هذه القاعدة بحديث: "لا ضرر ولا ضرار" ٥.

стр. 259

وهذا الحديث نص في القاعدة بل هو لفظها عند بعضهم١. ٢) يستدل لها – أيضا – بالنصوص التي فيها النهي عن إيقاع الضرر بالغير نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ ٢، كقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ٣، يقول : ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ٤. ونحو قول النبي ﷺ : "من ضار أضرّ الله به، ومن شاقّ شاقّ

стр. 260

الله عليه"١. ٣) كما يدل على هذه القاعدة الأدلة التي فيها الأمر بالإحسان، والحثّ عليه كقوله عز شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣. وقول النبي ﷺ : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... "٤ الحديث.

стр. 261

عمل الفقهاء بالقاعدة: لقد اتفقت كلمة الفقهاء على الأخذ بهذه القاعدة، وعلى أنها مبدأ من مبادئ الشرع، فقد نصت أكثر كتب القواعد عليها كما تقدم بيانه. وقد علل الفقهاء المنع من بعض تصرفات الإنسان في ملكه بحصول الضرر للغير١، ويتجلى تطبيق هذه القاعدة في كل حكم كانت حكمة مشروعيته دفع الضرر٢، ولعل أكبر مجال لتطبيقها هو المعاملات، حيث يكون الأمر متعلقا بطرفين، ولذلك فقد ذكر العلماء أنه قد انبنى على هذه القاعدة أبواب: كردّ المعيب في البيوع، وإثبات الخيار عند اختلاف الصفات المشروطة، وفسخ النكاح بالعيوب المعتبرة، وغير ذلك. كما أنم لها تطبيقات في أبواب العبادات، والعقوبات ونحوها.

стр. 262

من فروع القاعدة: فروع هذه القاعدة كثيرة جدا فهي إحدى القواعد الكبرى، وتدخل في كثير من أبواب الفقه، كما تقدم ومن فروعها: ١- مشروعية خيار العيب وسائر أنواع الخيار١. ٢- مشروعية الشفعة لرفع الضرر عن الشريك٢. ٣- مشروعية القصاص، والدية، والحدود٣. وجه التيسير: يتضح جانب التيسير في هذه القاعدة عند تطبيقها فيما بين المكلف وبين ربه؛ إذ لم يوجب الله سبحانه على المكلف ما فيه عليه ضرر؛ ولذا فقد اعتبر بعض العلماء قاعدة ((الضرورات تبيح

стр. 263

المحظورات)) من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة١. كما يتبين ذلك عندما يقع الضرر من بعض المكلفين على بعض دون غرض صحيح، ففي تحريمه ومنعه تيسير عظيم ومراعاة لمصالحهم، بل إن الإضرار بالغير ممنوع حتى لو كان فيه لفاعله مصلحة إذا كانت دون ذلك الإضرار٢.

стр. 264

القاعدة التاسعة عشر: الضرورات تبيح المحظورات . ... القاعدة التاسعة عشرة: الضرورات تبيح المحظورات. هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكلية الفرعية؛ فقد أدرجها بعض العلماء تحت قاعدة ((الضرر يزال)) ١، وبعضهم تحت قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ، أو تحت قاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) ٢. وقد أوردها الإمام الشافعي بنحو هذا اللفظ٣، كما وردت في أكثر كتب القواعد بهذه الصيغة أو نحوها٤، واعتبرها البعض

стр. 265

من القواعد الأصولية أيضا١. وبمعناها قول ابن القيم، وابن سعدي: ((لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة)) ٢. معاني المفردات: الضرورات: جمع ضرورة، وقد مضى بيان معناها. تبيح: من الإباحة، وقد مضى بيان معناها أيضا. المحظورات: جمع محظور وهو اسم مفعول من حَظَ الشيء: منعه وحجره، والمحظور هو المحرّم٣. وفي الاصطلاح عُرّف بأنه: ما يذم – شرعا – فاعله، وقيل: ما يذم

стр. 266

فاعله ويمدح تاركه، وقيل: ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له١. المعنى الإجمالي: معنى هذه القاعدة أن المحرم يصبح مباحا٢ إذا عرض للمكلف ضرورة تقتضي ذلك بحيث لا تندفع تلك الضرورة إلا بارتكاب ذلك المحرّم، كما إذا اشتد الجوع بالمكلف وخشي الهلاك، فإنه يجوز له أكل الميتة ونحوها، وفي معنى هذا – أيضا – سقوط بعض الواجبات، أو تخفيفها بسب الضرورة٣، ويشير إلى هذا المعنى القاعدة التي تقدمت قريبا ((لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة)) والمراد بالإباحة – هنا – ما يقابل التحريم؛ لأن بعض العلماء أوجبوا على المضطر الأكل من الميتة، وذهب بعضهم إلى أن

стр. 267

ذلك رخصة يجوز الأخذ بها وتركها١. وهي بهذا المعنى أخص من قاعدة: ((المشقة تجلب التيسير)) ؛ لأن المشقة أعمّ من الضرورة، فليست كل مشقة راعاها الشرع تعتبر ضرورة بل منها ما هو دونها٢. وقُيّدت هذه القاعدة بقيود وقواعد أخرى منها: قاعدة ((الضرورة تقدر بقدرها)) ٣ فلا يباح للمضطر إلا بقدر ما يدفع الضرورة. ومنها أن من العلماء من قيدها بألا تنقص الضرورة عن المحظور بمعنى ألا يكون المحظور حرمة مما قد يترتب على استمرار الضرورة من مفسدة، ومثّلوا لذلك بمن اضطر إلى أكل ميتة الآدمي

стр. 268

– على القول بجوازه١ فإنه لا يجوز أن يأكل منها لو كان الميت نبيا، وإن أبيح له أكل غيره؛ لأن حرمة النبي في الشرع أعظم من نفس المضطر٢، فتكون من باب دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما٣.

стр. 269

ومما قيدت به – أيضا – قاعدة ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) فيلزم من اضطر إلى أكل مال غيره، أو نحو ذلك ضمانه١. الأدلة: أولا: يدل لهذه القاعدة ما ورد من الآيات والأحاديث دالا على أن للمضطر حكما يخالف غيره، وأنه يباح له ما لا يباح لغيره، ومن ذلك: ١) قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٢. ٢) وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. ٣) وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٤. ٤) وقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ

стр. 270

رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ٥) وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ٦) من السنة ما وراه جابر بن سمرة٣ ﵁: "أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتَها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت امرأته انحرها. فأبى فَنَفقَت٤ فقالت: اسلخها حتى نقدّد٥ شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا.

стр. 271

قال: "فكلوها". قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر. فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحيت منك"١. ثانيا: عموم الأدلة التي تدل على يسر الشريعة أصلا، وعلى التخفيف عند وجود العذر الطارئ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣، وقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٤ الآية. عمل الفقهاء بالقاعدة: هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها، فقد نص عليها الفقهاء من

стр. 272

المذاهب الأربعة في كتب القواعد، وفي كتب الفروع١، وصرّح الشيخ السعدي بالاتفاق عليها٢، كما نقل ابن المنذر، وغيره الإجماع على إباحة الميتة للضرورة٣، وهي إحدى مسائل هذه القاعدة. من فروع القاعدة: يتفرع على هذه القاعدة مسائل كثيرة منها: ١- إباحة أكل الميتة للمضطر٤. ٢- إباحة النطق بكلمة الكفر عند الاضطرار٥.

стр. 273

٣- دفع الصائل ولو أدّى إلى قتله١. وجه التيسير: التيسير في هذه القاعدة واضح حيث جعل الله تعالى ما كان محرما في أصله مباحا عند الضرورة، لا إثم في الإقدام عليه. قال ابن كثير٢ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. قال: "غفور فيما أكل من اضطرار، ورحيم إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار٤.

стр. 274

القاعدة العشرون: العادة محكّمة . هذه إحدى القواعد الخمس الكبرى وقد وردت في أغلب كتب القواعد الفقهية بهذه الصيغة، أو بما يدل على مضمونها١، كما وردت في بعض كتب أصول الفقه٢، وكتبَ في معناها، وما يتعلق بها كتب مستقلة٣.

стр. 275

ويندرج تحت هذه القاعدة الكبرى عدد من القواعد، منها ما هو بمعناها، ومنها ما هو كالقيد لها، ومن ذلك القواعد التالية: ١) ((استعمال الناس حجّة يجب العمل بها)) . ٢) ((الممتنع عادة كالممتنع حقيقة)) . ٣) ((المعروف عرفا كالمشروط شرطا)) . ٤) ((إنما تعتبر العادة إذا طردت أو غلبت)) ١. معاني المفردات: العادة: تقدم بيان معناها. محكمة: اسم مفعول من حُكِّم يُحَكَّم يقال: حُكّم فلان في كذا، إذا جُعل أمره إليه، والحُكم: القضاء، وأصل مادته تدل على المنع٢. المعنى الإجمالي: يعني الفقهاء بهذه القاعدة أنه يُرجع في تحديد المراد من بعض الألفاظ الشرعية، والألفاظ التي يتعامل بها الناس، وبناء

стр. 276

الأحكام الشرعية عليها إلى عادة الناس وما تعارفوا عليه١، وذلك إذا لم يرد الشرع بتحديده، ولم يتضمن المعنى اللغوي للفظ تحديدا وتقديرا له. قال السبكي: "وقد اشتهر عند الفقهاء أن ما ليس له ضابط في اللغة ولا في الشرع يرجع فيه إلى العرف، وعند الأصوليين أن العرف مقدم على اللغة"٢.

стр. 277

وقيدت العادة المعتبرة بألا تخالف نصا شرعيا، وبأن تطرد وتغلب، وقيد العرف بأن يكون سابقا لإنشاء التصرف، أو مقارنا له، واشترط بعضهم أن يكون العرف عاما كما اشترط فيه – فيما يجري بين الناس من المعاملات – ألا يُصرّح بخلافه١. الأدلة: لابد من الإشارة – بدءا – إلى أن الأدلة ستكون مما يتضمن اعتبار العادة، ومما يتضمن اعتبار العرف في بناء الأحكام، لما تقدم من

стр. 278

أن (كل عرف فهو عادة) ، ولذا فإن أول وأشهر ما يستدل به على هذه القاعدة ما روي عن عبد الله بن مسعود١ ﵁ أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون سيئا فهو عند الله سيء"٢ وقد اعتبره عدد من العلماء أصلا لهذه القاعدة على اعتبار رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.

стр. 279

ووجه الاستدلال به: أن الشارع قد جعل ما تعارف عليه المسلون وعدّوه من الأمور الحسنة المقبولة، فهو عند الله كذلك، أي أنه موافق لما أراده الشارع١. ثانيا: يدل على هذه القاعدة ما ورد من الآيات والأحاديث مصرحا فيها باعتبار العرف والعادة في بناء الإحكام الشرعية ومنها: ١) قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢. ٢) قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣.

стр. 280

٣) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. فقد فُسر المعروف بالمتعارف في عرف الشرع أو ما تعارف عليه الناس٢. ٤) حديث عائشة ﵂: "أن هندا٣ بنت عتبة قالت لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان٤ رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم،

стр. 281

فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ١. قال ابن حجر: "وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع"٢. ثالثا: ما ورد من الأدلة في بناء الأحكام على العادة والعرف ولم يصرح فيه بهذين اللفظين، ومنها: ١) قوله تعلى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ٣. قال ابن تيمية: الراجح في هذا أن يرجع فيه إلى العرف بعد أن نقل الخلاف في كون ذلك مقدرا بالشرع أو العرف٤. ٢) قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ

стр. 282

صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ ١. ذلك أن الله تعالى أوجب الاستئذان في هذه الأوقات التي اعتاد الناس فيه وضع ثيابهم٢. ٣) حديث حمنة بنت جحش٣ ﵂ التي كانت تستحاض، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتها، وصيامها، والحديث طويل وفيه قوله ﷺ : " ... وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ... "٤. والحديث واضح الدلالة على اعتبار العادة فيما لا تحديد فيه

стр. 283

فقد أحالها رسول الله ﷺ في تحديد ذلك على عادة النساء١. ٤) حديث: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" ٢. قال العلائي: "وجه الدلالة منه أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزع، فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة كانوا أهل متاجر فاعتبرت عادتهم في الوزن، وذلك فيما يتقدر شرعا ... " الخ كلامه٣.

стр. 284

عمل الفقهاء بالقاعدة: هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى المتفق عليها، وقد عدّ جملة من فقهاء المذاهب الأربعة من أصول أئمتهم اعتبار العرف والعادة في بناء الأحكام وتحديد ما لم يرد تحديده في الشرع١. من فروع القاعدة: المسائل المفرعة على هذه القاعدة كثيرة جدا منها: ١- تحديد أقل سن تحيض فيه المرأة بناءً على عادة النساء٢. ٢- وكذا معرفة الحيض من الاستحاضة بعادة المرأة إن كانت معتادة٣.

стр. 285

٣- تحديد ما يُعد حرزا للمال المسروق١. وجه التيسير: تعتبر هذه القاعدة من قواعد التيسير في الشريعة، حيث راعى الشارع أحوال الناس، فأسند تحديد بعض الأمور التي لم يرد بتحديدها نص شرعي، ولم تقتض اللغة تحديدها بحد معلوم إلى أعرافهم التي عهدوها، وإلى العادة الغالبة عند كل فئة، وشمل ذلك تقدير بعض الأمور المتعلقة بالعبادات مما يكون للعرف والعادة فيه مدخلا، وكذلك ما يقع بين الناس من معاملات، وفي هذا توسعة عظيمة؛ لأن هذه الأعراف والعادات قد استقرت في أذهلن الناس، وأصبحت معلومة للغالب منهم، فإقرارهم عليها واعتبارها في إثبات الأحكام يدفع عنهم مشقة التحديد بغير ما يألفونه ويعلمونه٢؛ ولذا فقد كان مما قرره العلماء أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان وذلك بسبب تبد الأعراف والأحوال٣.
следующие страницы →