فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ١.
قال ابن حجر: "وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع"٢.
ثالثا: ما ورد من الأدلة في بناء الأحكام على العادة والعرف ولم يصرح فيه بهذين اللفظين، ومنها:
١) قوله تعلى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ٣.
قال ابن تيمية: الراجح في هذا أن يرجع فيه إلى العرف بعد أن نقل الخلاف في كون ذلك مقدرا بالشرع أو العرف٤.
٢) قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ
стр. 282
صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ ١.
ذلك أن الله تعالى أوجب الاستئذان في هذه الأوقات التي اعتاد الناس فيه وضع ثيابهم٢.
٣) حديث حمنة بنت جحش٣ ﵂ التي كانت تستحاض، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتها، وصيامها، والحديث طويل وفيه قوله ﷺ : " ... وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ... "٤.
والحديث واضح الدلالة على اعتبار العادة فيما لا تحديد فيه
стр. 283
فقد أحالها رسول الله ﷺ في تحديد ذلك على عادة النساء١.
٤) حديث: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" ٢.
قال العلائي: "وجه الدلالة منه أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزع، فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة كانوا أهل متاجر فاعتبرت عادتهم في الوزن، وذلك فيما يتقدر شرعا ... " الخ كلامه٣.
стр. 284
عمل الفقهاء بالقاعدة:
هذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى المتفق عليها، وقد عدّ جملة من فقهاء المذاهب الأربعة من أصول أئمتهم اعتبار العرف والعادة في بناء الأحكام وتحديد ما لم يرد تحديده في الشرع١.
من فروع القاعدة:
المسائل المفرعة على هذه القاعدة كثيرة جدا منها:
١- تحديد أقل سن تحيض فيه المرأة بناءً على عادة النساء٢.
٢- وكذا معرفة الحيض من الاستحاضة بعادة المرأة إن كانت معتادة٣.
стр. 285
٣- تحديد ما يُعد حرزا للمال المسروق١.
وجه التيسير:
تعتبر هذه القاعدة من قواعد التيسير في الشريعة، حيث راعى الشارع أحوال الناس، فأسند تحديد بعض الأمور التي لم يرد بتحديدها نص شرعي، ولم تقتض اللغة تحديدها بحد معلوم إلى أعرافهم التي عهدوها، وإلى العادة الغالبة عند كل فئة، وشمل ذلك تقدير بعض الأمور المتعلقة بالعبادات مما يكون للعرف والعادة فيه مدخلا، وكذلك ما يقع بين الناس من معاملات، وفي هذا توسعة عظيمة؛ لأن هذه الأعراف والعادات قد استقرت في أذهلن الناس، وأصبحت معلومة للغالب منهم، فإقرارهم عليها واعتبارها في إثبات الأحكام يدفع عنهم مشقة التحديد بغير ما يألفونه ويعلمونه٢؛ ولذا فقد كان مما قرره العلماء أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان وذلك بسبب تبد الأعراف والأحوال٣.
стр. 286
القاعدة الحادية والعشرون: العبادات الواردة على وجوه متعددة يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه من غير كراهية .
...
القاعدة الحادية والعشرون: العبادات الواردة على وجوه متعددة يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه من غير كراهة.
ذكر هذه القاعة ابن رجب، ونص على أنها قاعدة في مذهب الإمام أحمد١ وذكرها كذلك ابن تيمية عند حديثه عن الأذان حيث قال: " ... وهذا أصل مستمر له - أي للإمام أحمد - في جميع صفات العبادات: أقوالها وأفعالها يستحسن كل ما ثبت عن النبي ﷺ من غير كراهة لشيء منه مع علمه بذلك، واختياره للبعض أو تسويته بين الجميع"٢.
وأشار إليها فقهاء المذاهب الأخرى٣.
معاني المفردات:
العبادات: جمع عبادة، والعبادة لغة: الطاعة، وهي من التعبيد، وهو التذليل. وأصل العبودية الخضوع والذل٤.
стр. 287
وفي الاصطلاح عرّفت بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وعرفت بغير ذلك١.
كراهة: مصدر كرِهَ، وقد مضى بيان معناه اللغوي.
والمكروه في الاصطلاح عرّف بأنه: ما يمدح تاركه ولم يذمّ فاعله. وقد يطلق ويراد به المحظور، وقد يطلق ويراد به ترك الأولى٢.
المعنى الإجمالي:
المراد بهذه القاعدة أن بعض العبادات قد تروى عن النبي ﷺ على
стр. 288
وجوه وصور متعددة، فيكون ﷺ قد سنّ كلا منها فإذا ثبت نقل هذه الوجوه عن الرسول ﷺ جاز للمكلف أن يفعل تلك العبادة على أي صورة من هذه الصور، ولا يكره له شيء منها. مثال ذلك: الأذان والإقامة، فقد روي بألفاظ متعددة١، وكذلك صلاة الخوف حيث وردت السنة بثبوتها عنه ﷺ وأصحابه في مواضع متعددة على صور متعددة٢، وكذلك ألفاظ التشهد٣.
الأدلة:
١) أن كل تلك الأوجه من سنة النبي ﷺ ، وكلها قد ثبتت عنه، فبأيها عمل المسلم كان عاملا بالسنة، مقتديا النبي ﷺ ، وليس بعضها بأولى من بعض إلا لسبب معيّن. فالأخذ ببعضها
стр. 289
دون البعض مع منع أو كراهة الأخذ ببعض تحكُّم١.
٢) أنه قد نُقل الإجماع على صحة الأوجه المتعددة في بعض المسائل كما نقله النووي ﵀ في ألفاظ التشهد، حيث قال: "واتفقت العلماء على جوازها كلها واختلفوا في الأفضل"٢.
عمل الفقهاء بالقاعدة:
صرّح أصحاب الإمام أحمد بأن هذه قاعدته فيما ثبت نقله عن النبي ﷺ على وجوه متعددة كما تقدم، وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يرجِّع٣ في أذانه فقال: "إن رجّع فلا بأس، وإن لم يرجّع فلا
стр. 290
بأس"١ وكذلك في صلاة الخوف فقد نقل الشوكاني٢ عنه قوله: "ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث، أو سبعة، أيها فعل المرء جاز"٣.
والإمام أحمد قد يختار بعض هذه الوجوه لسبب ما، ولكنّه لا يكره غيره من الوجوه.
هذا فيما يتعلق بمذهب الإمام أحمد الذي اشتهرت عنه هذه القاعدة. أما بقية الأئمة فقد نقل عنهم ابن تيمية أنهم يختارون بعض ذلك
стр. 291
ويكرهون بعضه١.
وقد وجدت من كلام الإمام الشافعي ما يدل على أنه يرى جواز العمل بكل الوجوه دون كراهة، فقد قال - في شأن التشهد، وما ورد فيه من الروايات-: "ما في التشهد إلا تعظيم الله، وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعا ... ، ومثل هذا يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي ﷺ أجزأه ... ، ولكن كيف صِرْتَ٢ إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي ﷺ في التشهد دون غيره قلتُ: لما رأيته واسعا، وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره، فأخذته به غير معنّفٍ لمن أخذ بغيره مما ثبت عن رسول الله ﷺ "٣.
стр. 292
إلا أنه كره التثويب١ والصبح وقال: "لأن أبا محذورة٢ لم يَحْكِ أن رسول الله ﷺ أمره بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان٣. وقال النووي: "قال أصحابنا: يسن التثويب قولا واحدا، وإنما كره ذلك في الجديد؛ لأن أبا محذورة لم يحكه"٤.
وصرّح الحنفية بكراهة بعض الوجوه بناء على ترجيح بعض الروايات على بعض، فكرهوا الترجيع في الأذان٥، وكرهوا أن يزاد على
стр. 293
تشهد ابن مسعود١ ﵁ أو ينقصَ منه ونقل ابن عابدين ذلك عن الإمام أبي حنيفة في التشهد ثم بين - في الموضعين - أن الكراهة كراهة تنزيه٢.
وأما صلاة الخوف فقد قال ابن عابدين فيها: "اعلم أنه ورد في صلاة الخوف روايات كثيرة وأصحها ست عشرة رواية واختلف العلماء في كيفيتها، وفي المستصفى أن كل ذلك جائز والكلام في الأولى٣، واختاروا أن يجعل الإمام طائفة تجاه العدو ويصلي بالأخرى ركعة فتذهب هذه الطائفة إلى مواجهة العدو فيصلي بالطائفة الأخرى الركعة الثانية ثم يسلم ثم تصلي الطائفة الأولى ركعة أخرى بغير قراءة، ثم تسلم، ثم تصلي الطائفة الثانية
стр. 294
الركعة الأخرى بقراءة ثم تسلم ورجحوا ذلك بكونه الأقرب إلى ظاهر القرآن١.
وأما الإمام مالك فإنه يرجّح - في هذه الحال - بعض الروايات على بعض ويختار منها حتى مع صحة أسانيدها فيرجح بالسند، ويرجح بموافقة عمل أهل المدينة، ويرجح بغير ذلك.
فقد اختار في الأذان والإقامة ما عليه العمل عند أهل المدينة٢،
стр. 295
واختار في التشهد تشهد عمر رضي الله عنه١، واختار في صلاة الخوف رواية القاسم بن محمد٢ عن صالح بن خوّات٣.
стр. 296
ولم أجد تصريحا بكونه يكره شيئا مما روي إلا أن الذي يظهر من كلام بعض المالكية وجوب الأخذ بما اختاره الإمام في هذه المواضع١.
من فروع القاعدة:
تقدم ذكر عدد من الفروع الفقهية المندرجة تحت هذه القاعدة وهي:
١- ألفاظ الآذان٢.
٢- ألفاظ التشهد٣.
стр. 297
٣- صور صلاة الخوف١.
وجه التيسير:
تعدّ هذه القاعدة من قواعد التيسير لما تتضمنه من التوسعة على المكلفين بجواز الأخذ بأي وجه مما ثبت عن النبي ﷺ ، ولا ريب أن التخيير أيسر وأوسع من التعيين.
قال الإمام الشافعي - في سياق كلامه عن اختلاف ألفاظ التشهد -: فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزلّ ليحلّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظ ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه"٢.
وما يقال في اختلاف اللفظ يقال في اختلاف الوجوه التي تروى بها العبادة الواحدة، والله أعلم.
стр. 298
القاعدة الثانية والعشرون: الفعل الواحد يُبْنَى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد ولا ينقطع بالتفرق اليسير .
أورد هذه القاعدة ابن رجب بهذه الصيغة١، وأشار إليها الزركشي تحت عنوان الموالاة٢.وأشار إليها العلائي بقوله: " ... وتعتبر العادة في قِصَر الزمان وطوله عند البناء على الصلاة"٣ وأوردها ابن سعدي٤.
معاني المفردات:
يُبنى: من البناء، والبَنْي وهو نقيض الهدم، والبناء ضم بعض الشيء إلى بعض٥ والمراد هنا اعتبار بعض العبادة مكمّلا للبعض الآخر كما يُكْمِلُ بعض البناء بعضا.
стр. 299
المعنى الإجمالي:
تعني هذه القاعدة أن الفعل الشرعي الواد الذي تجب فيه المورلاة يُتسامح فيه الفصل اليسير المعتاد بحيث لو فُصل بين أجزائه بوقت، أو عمل يسير - عادة - لم يعتبر ذلك قطعا للموراة بل يكون العمل في حكم المتصل فيبنى آخره على أوّله وهذا الحكم يتعلق ببعض الأعمال الشرعية في حال تعمد الفصل لحاجة وفي حال السهو من باب أولى ويتعلق ببعضها الآخر إذا حصل القطع على سبيل السهو، أو الاضطرار، وذلك فيما لا يجوز قطعه عمدا ولو بيسير كالصلاة مثلا فإنها شرعت عبادة واحدة متصلة الأجزاء ليس بين أجزائها فصل أصلا. لكن لو حصل القطع سهوا أو اضطرارا بيسير دخلت تحت عموم القاعدة١.
стр. 300
الأدلة:
١) من أظهر ما يدل على صحة هذه القاعدة ما رواه أبو هريرة١ ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي٢ - قال ابن سيرين٣: "سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا" قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبّك بين أصابعه ووضع خده على ظهر كفه اليسرى،
стр. 301
وخرجت سرعان الناس من أبواب المسجد فقالوا: قُصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين١ قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر فربما سألوه ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران نب حصين قال: ثم سلم"٢.
قال الشوكاني: "وفيه جواز البناء على الصلاة التي خرج منها المصلي قبل تمامها ناسيا"٣.
стр. 302
٢) قياس سائر الأعمال التي يجب فيها الترتيب والموالاة على الصلاة.
قال ابن تيمية: "إن عمدة القياس في مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على الصلاة فهي مع وجوب الترتيب والموالاة فيها ومع كونها عبادة واحدة متصلة الأجزاء فإنه إذا فرق بين أجزائها لعذر كما في بعض صور صلاة الخوف، وكما في تسليم النبي ﷺ من ركعتين وتنبيه الناس له، لم يعتبر ذلك تفريقا"١.
٣) أن من المتقرر شرعا عدم مراعاة الشيء التافه اليسير٢ والعفو عنه كالعفو عن قليل النجاسة٣، وعن قليل الفصل بين أشواط الطواف، وبين أشواط السعي٤.
стр. 303
ووجه الاستدلال بهذا أنه إذا لم يعتبر الفصل اليسير فصلا فإن الفعل الواحد الذي تجب فيه الموالاة إذا فصل بين أجزائه بوقت يسير يكون في حكم المتصل.
العمل بالقاعدة:
تقدمت الإشارة إلى أن الفقهاء من المذاهب الأربعة يرون صحة البناء على ما مضى في الطواف، وفي السعي ونحوها إذا فصل بين أجزائها بوقت يسير وهذا دليل على عملهم بهذه القاعدة لكنهم قد يختلفون في ذلك تشددا وتوسعا، وقد ذكر ابن تيمية أن مذهب الإمام أحمد أوسع من غيره في هذا.
من فروع القاعدة:
١- أن الفصل اليسير بين غسل أعضاء الوضوء لحاجة لا يقطع الموالاة عند من يرى وجوب الموالاة، وعند من يرى سنيتها١.
٢- الفصل اليسير في الصلاة كما لو سلم ظانا تمام صلاته، ثم بان له عدم تمامها فإنه يبني على ما تقدم منها ما لم يطل
стр. 304
الفصل١.
٣- ومنها الطواف إذا تخلله يسير لصلاة أو نحوها بنى آخره على أوله ولم يؤثر ذلك الفصل فيه٢.
وجه التيسير:
ينطوي تطبيق هذه القاعدة على الكثير من التيسير فإن المكلف قد يضطر إلى فصل بعض أجزاء العبادة التي تجب فيها الموالاة عن بعض وهذا الاضطرار قد يكون لأمر شرعي كأن تقام الصلاة أثناء طوافه، وقد يكون لأمر عادي كأن يحتاج إلى الراحة بين أشواط الطواف أو السعي، وقد يكون من باب السهو كمن ظن أنه أتمّ صلاته فسلم وفصل بين أجزاء الصلاة بكلام ونحوه من غير طول يبطل العبادة فالشارع يلغي - في هذه الحال - هذا الفصل ويعتبر العمل كالمتصل بحيث يبني بعضه على بعض ولا يلزم استئنافه. على أن مبنى القاعدة ليس الاضطرار وإنما النظر إلى قلة الفصل ويسره٣.
стр. 305
القاعدة الثالثة والعشرون: الفعل ينوب عن القول مع القرينة في صور .
ذكر هذه القاعدة الزركشي١، وذكرها ابن تيمية مبيّنا مذاهب الأئمة الأربعة في إقامة الفعل مقام القول٢، كما ذكرها القرافي في بيانه للفرق بين قاعدة البيع وقاعدة النكاح فقال: "البيع توسع العلماء فيه حتى جوّز مالك البيع بالمعاطاة٣ وهي الأفعال دون شيء من الأقوال٤، وذكرها السرخسي٥ بعدة
стр. 306
صيغ١، وأشار إلى معناها الشيخ أحمد الزرقاء٢ ونبه عليها الشاطبي بقوله: "والفتوى تحصل من المفتي جهة القول، والفعل والإقرار"٣.
كما ذكر العلماء قاعدة أخص من هذه وهي قولهم: ((الإشارة من الأخرس معتبرة)) ، أو قولهم: ((إشارة الأخرس كعبارة الناطق)) ، أو ما في معناهما٤.
стр. 307
معاني المفردات:
القرينة: فعيلة بمعنى فاعلة من القَرْن والمقارنة أي الجمع يقال: قَرَنْتُ البعيرين أقرُنُهما إذا جمعتهما في حبل واحد١.
وفي الاصطلاح عرّفت: بأنها أمر يشير إلى المطلوب٢.
المعنى الإجمالي:
الأصل في الأفعال أن لا تدل على مدلول محدد بل تكون دلالتها من قبيل المجمل الذي لا يعرف المراد منه إلا بقرينة٣.
وقد جاءت هذه القاعدة لتقرر أن الفعل يقوم مقام القول في الدلالة إذا انضم إليه من القرائن ما يجعله دالا على المراد منه، وأكثر ما يكون ذلك في المعاملات وقد يدخل في بعض العبادات٤.
стр. 308
الأدلة:
استدل ابن تيميةعلى هذه القاعدة بدليلين:
الأول: أنها هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وتعرفها القلوب، ثم ساق عددا من الآيات الدالة على مشروعية البيع والهبة ونحوها من العقود، وعلى بناء ذلك على التراضي وطيب النفس ومنها:
قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١.
وقوله سيبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٢
وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ إلى غير ذلك من الآيات، ثم ذكر
стр. 309
ثلاثة أوجه للدلالة منها على هذه القاعدة.
١- أنه اكتفى بالتراضي في البيع بقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١، وبطيب النفس في التبرع في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ٢.
فالأولى من جنس المعاوضات، والثانية من جنس التبرعات ولم يشترط لفظا معينا، ولا فعلا معينا يدل على التراضي وطيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أن يعلموا التراضي وطيب النفس بطرق متعددة من الأقوال والأفعال.
٢- أن هذه الأسماء من البيع والإجارة ونحوهما جاءت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ معلقا بها أحكام شرعية وليس لها حد يعلم باللغة ولا بالشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس.
٣- أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات وعادات وقد علمنا بالاستقراء أن الأصل في العبادات ألا يثبت الأمر بها إلا بالشرع وأما العادات فالأصل فيها عدم الحظر فلا يحظر منها
стр. 310
إلا ما حرمه الشرع وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً﴾ ١.
الثاني: أن السنة والإجماع دالان على ذلك فمن تتبع ما ورد عن النبي ﷺ من أنواع المبايعات والمؤاجرات علم أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين ولم يزل الناس يتعاقدون في كثير من الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود ومن أمثلة ذلك الوقف فقد بنى رسول الله ﷺ مسجده ولم يقل وقفت هذا المسجد وكذلك فعل الصحابة، ومن بعدهم"٢.
ومما يدل على القاعدة - أيضا -:
حديث: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك إذن له" ٣.
стр. 311
ونحوه حديث: "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" ١.
وبمعناهما أثر ابن مسعود ﵁: "إذا دعيت فقد أذن لك"٢.
فهذه الأدلة تدل على أن ما دل على الإذن فهو بمثابة الإذن باللفظ، وأنه يمكن الاستدلال على المراد بالقرائن٣.
العمل بالقاعدة:
بين شيخ الإسلام ابن تيمية موقف أئمة المذاهب الأربعة من هذه القاعدة حيث قال: "إن الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغ والعبارات وهذا ظاهر قول الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، ثم إنهم قد يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في الأخرس، ويقيمون الكناية مقام العبارة عند الحاجة، وقد
стр. 312
يستثنون مواضع دلّت النصوص على جوازها إذا مسّت الحاجة إليها. لكن الأصل عندهم اللفظ.
الثاني: أنها تصح بالأفعال في بيع المحقرات، والوقف ونحوهما مما يكثر عقده بالأفعال وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة، وهو قول في مذهب أحمد، ووجه في مذهب الشافعي.
الثالث: أن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل وبكل ما عده الناس بيعا أو إجارة ويختلف ذلك باختلاف اصطلاح الناس وهذا هو الغالب على أصول مالك، وظاهر مذهب أحمد"١.
وقد تقدم أن بعض الفقهاء من المذاهب الأربعة قد ذكروا هذه القاعدة فظهر من هذا أن الأئمة الأربعة يقيمون الفعل مقام القول أحيانا لكن بعضهم يتوسع في ذلك، وبعضهم يحدده بما تقتضيه الضرورة أو الحاجة٢، وأن الشافعية هم أقل الفقهاء أخذا بهذه القاعدة.
стр. 313
جاء في التنبيه١ للشيرازي الشافعي: "ولا ينعقد البيع إلا بإيجاب وقبول وهو أن يقول: بعتك أو ملكتك وما أشبهه، ويقول المشتري: قبلت أو ابتعت أو ما أشبهه"، وصرح في المهذب٢ بعدم صحة بيع المعاطاة، وقال: ولا يصح الوقف إلا بالقول، فإن بنى مسجدا وصلى فيه أو أذن للناس بالصلاة فيه لم يصر وقفا ... "٣.
وأجاز بعض متأخريهم بيع المعاطاة٤، وصححوا اعتبار الفعل مكان القول في بعض الصور لعلل خاصة كبناء المسجد في أرض موات فإنه يعتبر بذلك وقفا من غير لفظ٥.
أما الحنفية، والمالكية، والحنابلة فإن الغالب على مذاهبهم إجراء الفعل مجرى القول إذا وجد من القرائن ما يدل على المراد منه مع أنهم قد يختلفون في حكم بعض الصور.
стр. 314
جاء في كتب الهداية١ في فقه الحنفية: " ... والمعنى هو المعتبر في هذه العقود، ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس، والخسيس، وهو الصحيح لتحقق المراضاة"، واعتبروا الصلاة في المسجد تسليما له وإذنا للمسلمين بالصلاة فيه٢.
وقال ابن جزي - من المالكية -: "أركان البيع خمسة وعدّ منها اللفظ وما في معناه من قول أو فعل يقتضي الإيجاب والقبول"٣.
وقال في أركان الوقف: " ... أما الصيغة فهي لفظ الحبس والوقف، والصدقة وكل ما يقتضي ذلك من قول أو فعل"٤.
وذكر ابن قدامة أن البيع على ضربين أحدهما الإيجاب والقبول، والثاني المعاطاة، وذكر أن الإمام أحمد نص عليه٥.
وقال في الوقف: "وظاهر مذهب أحمد أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه، وبيّن أن ما لم تجر العادة بوقفه من غير لفظ
стр. 315
فلا بد في وقفه من اللفظ"١.
من فروع القاعدة:
١- مشروعية بيع المعاطاة عند من يجيزه٢.
٢- تسليم الوقف ولزومه فإنه يحصل بالفعل الدال عليه ولو لم يقترن به قول٣.
٣_ ومن فروعها أن إشارة الأخرس تقوم مقام النطق٤.
وجه التيسير:
من المعلوم أنه كلما تعددت الطرق الموصلة إلى مقصودٍ ما كان ذلك أيسر مما إذا تعين لذلك طريق واحد، وفي العمل بهذه القاعدة مراعاة لأحوال الناس وأعرافهم واصطلاحاتهم التي تختلف باختلاف
стр. 316
أجناسهم وبلدانهم وغير ذلك، وفي عدم اعتبار ما تعارفوا عليه حرج شديد، ثم إنها قد تدخل في باب الضرورات كما في الإشارة من الأخرس١.
стр. 317
القاعدة الرابعة والعشرون: لا يجوز التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمَّن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد إلا إذا أمكن تدارك هذا الضرر . ((صياغة)) .
أورد ابن رجب هذه القاعدة بنحو هذا اللفظ١، وأشار إليها الزركشي - ضمنا - عند بيانه تقسيم العقود إلى لازمة، وجائزة٢. وبمكن اعتبارها مندرجة في قاعدة ((الضرر يزال)) ، وما في معناها.
معاني المفردات:
يجوز لغة: يسوغ، وأصله من الجَوز وهو وسط الشيء، وجُزْتُ الطريق سَلكْتُه٣.
والجواز في الشرع يأتي بمعنى الإباحة، ويأتي بمهنى ما لا يمتنع
стр. 318
شرعا. مباحا كان أو واجبا، أو مندوبا، أو مكروها١.
التفاسخ: تفاعل من الفسخ وهو لغة النقض٢.
وفي اصطلاح الفقهاء عرفه بعضهم بأنه رفع العقد بإرادة من له حق الرفع وإزالة جميع آثاره.
وعرفه آخرون بأنه انقلاب كل واحد من العوضين إلى دافعه، وقيل: هو حلُّ ارتباط العقد٣.
العقود: جمع عقد وهو لغة من عَقَدَ الحبل إذا شدّه، وهو نقيض الحَلّ٤
واصطلاحا: عرف بأنه ربط أجزاء التصرف شرعا بالإيجاب والقبول، وقيل: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله٥.
الجائزة: المراد بالعقد الجائز ما كان للعاقد فسخه بكل حال،
стр. 319
ويطلق عليه غير اللازم١، واللازم عكسه٢.
المعنى الإجمالي:
يقرر العلماء أن الأصل في العقود اللزوم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٣؛ ولأن العقود إنما شرعت لتحصيل المقصود من المعقود به، أو المعقود عليه ورفع الحاجات وهذا يناسبه اللزوم٤. إلا أنه لما كان أصل مشروعية العقود من أجل تحقيق مصلحة المكلفين وكانت المصلحة في بعض العقود تتحقق بجعلها لازمة، وفي بعضها تتحقق بجعلها جائزة كانت في الشرع كذلك٥. والقاعدة المذكورة هنا قي تقييد لجواز فسخ
стр. 320
العقود الجائزة بألا يتضمن الفسخ إضرارا بأحد المتعاقدين، أو بمن له تعلق بالعقد. بحيث إذا وجد الضرر لم يصح الفسخ، ويستثنى من ذلك ما لو أمكن تدارك الضرر بضمان أو نحوه فإنه يجوز الفسخ حينئذ مع حصول الضرر.
الأدلة:
تقدم أن هذه القاعدة هي في معنى قاعدة ((الضرر يزال)) ، أو ((لا ضرر ولا ضرار)) فالأدلة عليها إذن هي الأدلة على تلك القاعدة.
وهي عموم النصوص المتضمنة للنهي عن الإضرار والمضارة، والنصوص المتضمنة للأمر بالإحسان١.
العمل بالقاعدة:
دلت نصوص الفقهاء علة اتفاقهم على أن من العقود ما هو لازم، ومنها ما هو جائز٢ وأما عدم جواز فسخ العقد الجائز إذا تضمن