← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أجناسهم وبلدانهم وغير ذلك، وفي عدم اعتبار ما تعارفوا عليه حرج شديد، ثم إنها قد تدخل في باب الضرورات كما في الإشارة من الأخرس١.

стр. 317

القاعدة الرابعة والعشرون: لا يجوز التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمَّن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد إلا إذا أمكن تدارك هذا الضرر . ((صياغة)) . أورد ابن رجب هذه القاعدة بنحو هذا اللفظ١، وأشار إليها الزركشي - ضمنا - عند بيانه تقسيم العقود إلى لازمة، وجائزة٢. وبمكن اعتبارها مندرجة في قاعدة ((الضرر يزال)) ، وما في معناها. معاني المفردات: يجوز لغة: يسوغ، وأصله من الجَوز وهو وسط الشيء، وجُزْتُ الطريق سَلكْتُه٣. والجواز في الشرع يأتي بمعنى الإباحة، ويأتي بمهنى ما لا يمتنع

стр. 318

شرعا. مباحا كان أو واجبا، أو مندوبا، أو مكروها١. التفاسخ: تفاعل من الفسخ وهو لغة النقض٢. وفي اصطلاح الفقهاء عرفه بعضهم بأنه رفع العقد بإرادة من له حق الرفع وإزالة جميع آثاره. وعرفه آخرون بأنه انقلاب كل واحد من العوضين إلى دافعه، وقيل: هو حلُّ ارتباط العقد٣. العقود: جمع عقد وهو لغة من عَقَدَ الحبل إذا شدّه، وهو نقيض الحَلّ٤ واصطلاحا: عرف بأنه ربط أجزاء التصرف شرعا بالإيجاب والقبول، وقيل: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله٥. الجائزة: المراد بالعقد الجائز ما كان للعاقد فسخه بكل حال،

стр. 319

ويطلق عليه غير اللازم١، واللازم عكسه٢. المعنى الإجمالي: يقرر العلماء أن الأصل في العقود اللزوم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٣؛ ولأن العقود إنما شرعت لتحصيل المقصود من المعقود به، أو المعقود عليه ورفع الحاجات وهذا يناسبه اللزوم٤. إلا أنه لما كان أصل مشروعية العقود من أجل تحقيق مصلحة المكلفين وكانت المصلحة في بعض العقود تتحقق بجعلها لازمة، وفي بعضها تتحقق بجعلها جائزة كانت في الشرع كذلك٥. والقاعدة المذكورة هنا قي تقييد لجواز فسخ

стр. 320

العقود الجائزة بألا يتضمن الفسخ إضرارا بأحد المتعاقدين، أو بمن له تعلق بالعقد. بحيث إذا وجد الضرر لم يصح الفسخ، ويستثنى من ذلك ما لو أمكن تدارك الضرر بضمان أو نحوه فإنه يجوز الفسخ حينئذ مع حصول الضرر. الأدلة: تقدم أن هذه القاعدة هي في معنى قاعدة ((الضرر يزال)) ، أو ((لا ضرر ولا ضرار)) فالأدلة عليها إذن هي الأدلة على تلك القاعدة. وهي عموم النصوص المتضمنة للنهي عن الإضرار والمضارة، والنصوص المتضمنة للأمر بالإحسان١. العمل بالقاعدة: دلت نصوص الفقهاء علة اتفاقهم على أن من العقود ما هو لازم، ومنها ما هو جائز٢ وأما عدم جواز فسخ العقد الجائز إذا تضمن

стр. 321

ضررا فقد ورد من أقوال الفقهاء ما يدل عليه، إضافة إلى الاتفاق على منع الإضرار بالغير جملة. قال المرغيناني١ الحنفي: "وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة؛ لأن الوكالة حقه فله أن يُبطله إلا إذا تعلق به حق الغير ... ، والوكالة عقد لازم"٢. وقال الخرشي من المالكية: " ... الجدار المشترك إذا طلب أحد الشريكين قسمته بالقرعة وأبى الآخر من ذلك فإن من طلب القسمة يجاب إلى طلبه إذا كان يمكن قسمه بلا إضرار"٣. وجاء في كتاب المجموع في الفقه الشافعي: "أن في عزل الوكيل قبل علمه عند الشافعي قولان أحدهما: أنه ينعزل، والآخر: أنه لا ينعزل؛ لأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر؛ لأنه

стр. 322

قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة، وربما باع الطعام فيأكله المشتري أو غير ذلك من إطلاق يد المشتري، ويجب ضمانه فيتضرر المشتري والوكيل. وقال ابن قدامة من الحنابلة في شأن الوكالة: "وجماته أنه عقد جائز من الطرفين، ثم بين أن هناك روايتين في عزل الوكيل دون علمه: إحداهما: أنه ينعزل، والأخرى: لا ينعزل؛ لأنه قد يتصرف بما يوجب ضررا على أحد المتعاقدين أو سواهما"١. من فروع القاعدة: ١- عزل الوكيل فإنه من قبل الموكل إلا إذا تضمن عزله ضررا٢ ٢- المزارعة فإنها عقد لازم عند بعض الفقهاء لكن إذا ألقى الزارع البذر لم يكن لصاحب البذر أن يفسخ المزارعة لما يترتب على الطرف الآخر من ضرر٣.

стр. 323

وجه التيسير: تتضمن هذه القاعدة التيسير على المكلفين من وجهين: أحدهما: مراعاة الشرع المطهّر لمصالح الناس، ووروده على وفق حاجاتهم بجعل بعض العقود لازمة إذا كانت مصلحتها تتحقق باللزوم، وبعضها جائزة إذا كانت مصلحتها تتحقق بالجواز بحيث يصح فسخ هذه العقود وذلك حسب ما يذكره الفقهاء من تفصيل في ذلك١. الثاني: تقييد جواز فسخها بعدم حصول الضرر على أحد المتعاقدين أو سواهما ممن له علاقة بالعقد.

стр. 324

القاعدة الخامسة والعشرون: ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه. ذكر هذه القاعدة العلائي١، والسبكي٢، والزركشي٣، والسيوطي٤ من الشافعية، ولم أقف على هذه القاعدة في شيء من كتب القواعد في المذاهب الثلاثة - حسب اطلاعي -. ويقرب منها قاعدة ((إذا اجتمع أمران من جنس واحد - ولم يختلف مقصودهما - دخل أحدهما في الآخر غالبا)) كما ذكرها السبكي٥، وشبهها في موضع آخر بقاعدة أخرى هي ((إذا بطل الخصوص بقي العموم)) ، أو ((لا يلزم من ارتفاع الخاص ارتفاع العام)) ٦.

стр. 325

معاني المفردات: أوجب في اللغة: بمعنى استحق١. والمراد هنا السبب الذي يترتب عليه حكمه فكأنه لما كان يلزم من حصوله - أي السبب - حصول الحكم كان مستحقا له. الأمر لغة: قد تقدم بيان معناه، والمراد بالأمرين هنا الحكمين المترتبين على سببين متداخلين. الخصوص في اللغة: تفرّدُ بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة وهو خلاف العموم٢. والمراد بالخصوص في قولهم: بخصوصه النظر إلى السبب المتضمن لسبب آخر دونه باعتبار أعلاهما وقطع النظر عما يتضمنه كالزنا بالنسبة لما يتضمنه من ملامسة ونحوها. العموم لغة: تقدم معناه، والمراد بالعموم في قولهم: بعمومه النظر إلى ذلك السبب باعتبار مجموع ما يتضمنه كالزنا إذا نُظر إليه باعتبار شموله

стр. 326

وتضمنه للملامسة ونحوها. المعنى الإجمالي: يعني العلماء بهذه القاعدة أنه إذا اجتمع سببان أحدهما داخل في الآخر؛ لكون الأعلى منهما متضمنا للأدنى لم يترتب على مجموعهما إلا ما يترتب على أعلاهما كالزنا فإنه سبب للجلد أو الرجم١، وهو - أي الزنا - متضمن للملامسة والمفاخذة الذين يقتضيان التعزير عن كثير من أهل العلم٢ فإذا حدث الزنا وهو أعظم السببين ترتب عليه حكمه، ودخل ما يترتب على السبب الأدنى وهو التعزير المترتب على الملامسة ونحوها فيما يترتب على السبب الأعلى.

стр. 327

وقد اعتبر العلائي هذه الصورة من قبيل ما اتحد سببه وتعدد فيه المسبب١، والحقُّ أن السبب متعدد لكن لما كان أحدهما متضمنا للآخر كانا كالسبب الواحد. ولذا فقد اعتبرت هذه القاعدة في معنى قاعدة ((إذا اجتمع أمران من جنس واحد دخل أحدهما في الآخر غالبا)) . إلا أنه يمكن التفريق بين القاعدتين بأن قاعدة ((ما أوجب أعظم الأمرين ... )) مفروضة في السببين المتداخلين بحيث يتضمن أحدهما الآخر من حيث حقيقته، والقاعدة الأخرى مفروضة في السببين المتداخلين لوجودهما في وقت واحد، أو نحو ذلك. الأدلة: لم يصرح الفقهاء - فيما رأيت - بدليل هذه القاعدة كما لم يصرحوا بأدلة قاعدة ((إذا اجتمع أمران من جنس واحد ... )) . لكن من الواضح أن مبنى هذه القاعدة هو التداخل. واستقراء مواضع ذلك من الشريعة يقتضي بأنه إذا تداخل السببان بحيث صارا كالسبب الواحد فإن المسبّبان تتداخل كذلك بحيث تكون مسبّبا واحدا هو الأعظم من الأمرين. وذلك حينما تتحقق

стр. 328

المصلحة المطلوبة أو تندفع المفسدة المراد دفعها بحصول أعظم الأمرين فإن الزنا - مثلا - يتضمن ملامسة ونحوها ولم ينقل عن الرسول ﷺ أنه عاقب على ما دون الزنا عند وقوعه - أي الزنا - ولا نُقل ذلك عن الخلفاء الراشدين من بعده، وكذلك السرقة فإنها متضمنة - غالبا - لدخول دار الغير بغير إذنه والإطلاع على عورات النساء، ولم ينقل أنه قد عوقب على ذلك إذا حصلت السرقة، وقد جعل بعض الفقهاء من مسائل هذه القاعدة القول برجم المحصن دون جلده عند من يقول بذلك١. فيكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم٢ دليلا لصحة هذه القاعدة. ومرادهم أن زنا المحصن يتضمن أمرين أحدهما مطلق الزنا - وهو الموجب للجلد - والثاني كونه حاصلا من محصن - وهو الموجب

стр. 329

للرجم١ ولا يخلو التمثيل بهذا - فيما أرى - من نظر؛ لأن زنا المحصن أمر واحد وإنما التعدد باعتبار حقيقة ذلك الفعل وإضافته إلى فاعله. ومن جهة أخرى فإنه لم سلم وجود سببين في هذه الصورة فقد نص الرسول ﷺ على اعتبارهما بقوله: " ... جلد مائة والرجم" ٢ ولذا فقد بنى كثير ممن قال بعدم الجمع بين الجلد والرجم ذلك على كون فعل الرسول ﷺ مع ماعز٣ ﵁ ناسخا لهذا القول منه ﷺ . وعلل بعضهم ذلك - أعني عدم الجمع بين الرجم والجلد - بأن غير القتل يندرج في القتل٤.

стр. 330

العمل بالقاعدة: لم أجد هذه القاعدة منصوصا عليها إلا في كتب الشافعية - كما تقدم -، وقال العلائي - بعد أن ذكر أمثلة لما اتحد سببه وتعدد مسببه -: وقد عبر أصحابنا عن هذه المسائل كلها بقاعدة وهي: ((ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه)) ١. إلا أن كلام فقهاء المذاهب الأخرى - غير الشافعية - في بعض المسائل يدل على تقريرهم لهذه القاعدة وإن لم يصرحوا بذكرها فقد ذهبوا إلى أن من قطع عضوا من إنسان ثم سرى ذلك إلى نفسه، أو قطع شيئا من أعضائه ثم قتله فإنه لا يلزمه من الديات إلا دية النفس، وتدخل الجنايات الأخرى فيها. ولعل عدم النص على هذه القاعدة راجع إلى الاكتفاء بذكرهم قاعدة ((إذا اجتمع أمران من جنس واحد دخل أحدهما في الآخر غالبا)) ، والله أعلم. من فروع القاعدة: ١- أنه لا يجب على الزاني التعزير بالملامسة والمفاخذة ونحوها

стр. 331

لوجوب حد الزنا عليه وهذا من أوضح أمثلة القاعدة١. ٢- ومثله السارق فإنه إذا استوفى الشروط وجب عليه حد السرقة ولا يعاقب على ما تضمنته السرقة من الاعتماد على البيوت وهتك الحرمات ونحوها٢. ٣- فرّع بعض العلماء على هذه القاعدة زنا المحصن حيث يوجب الرجم ولا يوجب الجلد الذي هو أهون الأمرين٣. وجه التيسير: يظهر التيسير في هذه القاعدة من حيث أن الأصل أن يوجد عند وجود السبب مسببه وعند وجود الموجب موجبه٤. لكن لما كان مقصود الشرع هو جلب المصالح ودرء المفاسد راعى في هذه القاعدة هذا الجانب بحيث تحصل المصلحة أو تندفع المفسدة بما هو

стр. 332

أيسر على المكلفين ولم يراع الأصل. ففي جانب العقوبات مثلا تندرج عقوبة الذنب الصغير في عقوبة الذنب الكبير من جنسه ولا تتعدد مع وجود سببها؛ لأنه بإيقاع عقوبة الأكبر يكون قد حصل المقصود، والله أعلم.

стр. 333

القاعدة السادسة والعشرون: ما قبض أو عقد في حال الكفر فهو صحيح بعد الإسلام ويجب الوفاء به مالم يكن فيه شيئ محرم في الإسلام . ... القاعدة السادسة والعشرون: ما قُبِض أو عُقِد في الحال الكفر فهو صحيح بعد الإسلام ويجب الوفاء به مالم يكن فيه شيء محرم في الإسلام ((صياغة)) أورد كثير من الفقهاء هذه القاعدة بعدة صيغ. فقد أشار إليها ابن عبد السلام١، كما أوردها ابن تيمية عند كلامه عن العقود٢، وأوردها الزركشي، والشيوطي، وابن نجيم في أحكام الذميين، وما يجري على الكفار من أحكام المسلمين، وما يستثنى من ذلك٣، وأوردها المقري، وابن اللحام، والونشريسي، وغيرهم، وبنوها على مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة٤، وأوردها القرافي عند بيانه ما يُقَر من أنكحة الكفار

стр. 334

وما لا يقر منها١، وساق السبكي ضابطا بهذا المعنى فيما يتعلق بالنكاح٢. معاني المفردات: القبض لغة: الأخذ، وهو خلاف البسط. يقال: صار الشيء قبضتك أي في ملكك٣. وفي الاصطلاح: وضع اليد الممَكِّن من التصرف بالمقبوض٤. العقد: تقدم بيان معناه٥. الكُفر: - بضم الكاف - الستر والتغطية، وكذلك الكَفر - بفتح الكاف - وهما مصدر كَفَرَ، وقال بعض أهل اللغة: الكَفر - بالفتح - الستر، وبالضم ضد الإيمان، وسمي الكُفر كُفرا؛ لأنه تغطية للحق٦. وفي الاصطلاح: يطلق بمعنى الجحود، وبمعنى عدم الإيمان وهو

стр. 335

الأكثر. قال الراغب: والكافر على الإطلاق متعارف فيمن جحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها١. المعنى الإجمالي: إذا حصل من الكافر عقد؛ أو قبض في حال كفره ثم أسلم، فإن ذلك العقد أو القبض يقع صحيحا، ويجب الوفاء به مع أنه قد حصل بغير إذن الشرع، إلا أن بعض العلماء قد فصلوا في ذلك بعض التفصيل فقالوا: إن كان العقد الواقع في حال الكفر قد وقع على صورة صحيحة شرعا فهو صحيح بعد الإسلام مطلقا سواء حصل التقايض أو لم يحصل. أما إذا وقع على نحو محرم فإنه لا يكون صحيحا بعد الإسلام إلا إذا كان قد تم التقايض فيه قبل الإسلام فإن لم يتم التقايض فإنه يفسخ بعد الإسلام. وهذا في المعاملات المالية دون النكاح فإنه يصح وإن لم يتم القبض٢، كما قيدوا ذلك بقيد آخر وهو أن لا يكون متضمنا - بعد إسلام العاقد أو المتعاقدين - لما هو محرّم.

стр. 336

وفُسر ذلك - في النكاح - بأن يكون العقد على من يصح العقد عليها في الإسلام، أو بألا يكون السبب المحرم موجودا عند الإسلام - أي عند إسلام المتعاقدين - فإن كان السبب المحرّم قائما لم يصح العقد كأن يكون متزوجا أكثر من أربع، أو من ذوات محارمه أو نحو ذلك مما هو موجود وقائم بعد الإسلام، ومثال مالم يكن سبب التحريم فيه موجودا أن يقع عقد النكاح دون شهود، أو دون ولي١، أو نحو ذلك فإنهما إذا أسلما صح عقدهما٢. وهذا يزيل ما قد يظهر من تعارض بين قول الفقهاء يصح العقد بعد الإسلام ولو لم يكن على الصورة المشروعة وبين قولهم: بشرط أن لا يكون فيه بعد الإسلام شيء محرم، وقد جاء في كلام القرطبي ما يدل على أن هذا الحكم ينطبق - أيضا - على ما عقده

стр. 337

المسلم أو قبضه في حال إسلامه مما لم يكن محرما، ثم نزل تحريمه فإنه لا يفسخ١. الأدلة: يدل على هذه القاعدة أدلة من الكتاب ومن السنة، ويدل عليها الإجماع. ١- فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ ٢- زمن السنة ما جاء في خطبته ﷺ في حجة الوداع حيث قال ﷺ : " ... وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ... "٣. ووجه الاستدلال من الآية والحديث واحد ففي الآية أمر بترك ما بقي من الربا أي مالم يقبض، أما ما قبض فهو معفو عنه. وفي الحديث أمرهم ﷺ بوضع وترك ما بقي من الربا في الذمم

стр. 338

مما لم يقبض ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا. بل أمضاه لهم١. ٣- وقول النبي ﷺ : "كل قسم قُسِم في الجاهلية فهو على ما قُسم، وكل قَسمٍ أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام"٢. قال الخطابي: "فيه بيان أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم منهم فيها أيام الجاهلية لا يرد منها شيء في الإسلام"٣. ٤- وأن النبي ﷺ أقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية ولم يستفصل هل عقد به في عدة أو في غير عدة؟ بولي أو بغير ولي؟ بشهود أو بغير شهود؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته إلا أن يكون السبب المحرم

стр. 339

موجودا وقائما حين الإسلام على ما تقدم إيضاحه. كما أمر غيلان بن سلمة الثقفي١ ﵁ الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن٢، وكما أمر فيروز الديلمي٣ ﵁ الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى٤.

стр. 340

قال الشوكاني: "وفي ترك استفصاله عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنه يحكم لعقود الكفار بالصحة وإن لم نوافق الإسلام"١. ٥- الإجماع حيث نقل عدد من الفقهاء اتفاق المسلمين على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين٢. عمل الفقهاء بالقاعدة: نقل عدد من الفقهاء الإجماع على أن الكفار يقرّون على أنكحتهم التي عقدوها في حال كفرهم إذا أسلموا ما لم تتضمن محرما - بالمعنى الذي تقدم بيانه٣ -، ونص على ذلك كثير من

стр. 341

فقهاء المذاهب الأربعة١، وأشار بعضهم - ضمن ذلك - إلى أن ذلك يجري في سائر العقود٢. ولا ينافي هذا أن بعض الفقهاء قد نص على فساد أنكحتهم كما نص عليه الخرشي من المالكية حيث قال: "إنه مشهور مذهبهم؛ لأنه أراد بالفساد أن تلك الأنكحة ليست صحيحة أصلا، إلا أن أصحابها يقرون عليها إذا أسلموا"٣. كما أن القيد المتقدم - وهو أن لا يكون سبب التحريم قائما وموجودا - لا ينافي ما نقله صاحب الدر المحتار عن بعض الحنفية من كون النكاح الذي يعقد في حال الكفر على من ليست محلا للنكاح شرعا٤ ينعقد صحيحا؛ لأن مراد من قال ذلك، صحته

стр. 342

في حال كفرهما، وبطلانه بعد إسلامهما١، وذلك بناء على القول بمخاطبة الكفار بالفروع، أو عدمه. ويبدو أن من قال بفساد تلك الأنكحة بناه على القول بتكليفهم بالفروع٢، ومن قال بصحتها بناه على القول بعدم تكليفهم بالفروع. وقال ابن اللحام من الحنابلة: "إن بناء هذه القاعدة على مخاطبة الكفار بالفروع، أو عدمه غير منضبط٣، وذلك أن الجمهور القائلين بمخاطبتهم بالفروع ذهب أكثرهم إلى صحة هذه العقود مع أن المناسب للقول بمخاطبتهم فساد تلك الأنكحة، ومن قال بعدم مخاطبتهم - وهم أكثر الحنفية - قد ذهب بعضهم إلى فسادها مع أن المناسب للقول بعدم مخاطبتهم صحة تلك الأنكحة، والله أعلم.

стр. 343

من فروع القاعدة: ١- صحة أنكحة الكفار، وإقرارهم عليها إذا أسلموا على ما تقدم بيانه١. ٢- صحة عقود الكفار، وقبضهم حال كفرهم إذا أسلموا ولو كان العقد أو القبض وقت وقوعه - أي في حال كفرهم - غير صحيح في الإسلام٢. وجه التيسير: من المعلوم أن الناس في جاهليتهم كانوا يتعاقدون، ويتناكحون، وكان كثير من ذلك على غير الوجه الشرعي٣ فلو أن الإسلام ألغى كل هذه المعاملات وأمر من أسلم أن ينقض ما عقده من تلك العقود لحصل من ذلك الحرج الشديد بسبب تقادم تلك

стр. 344

العقود وكثرتها، ولكان ذلك تنفيرا من دين الله مع أن المقصود اجتلاب الناس إلى خيري الدنيا والآخرة باتباع شرع الله فكان في إقرار الشرع لهم على عقودهم - إلا ما كان سبب تحريمه قائما - تيسير عظيم١.

стр. 345

القاعدة السابعة والعشرون ما لا يعلم إلا من جهة الإنسان فإنا نقبل قوله فيه . أورد هذه القاعدة - بهذه الصيغة - العز بن عبد السلام١، وذكرها السبكي بصيغة قريبة منها٢، وذكرها الحصيري٣، والقرافي بغير هذا اللفظ٤، كما أوردها الكرخي، وقيّد قبول قول الأمين بانضمام يمينه حيث قال: "الأصل أن القول قول الأمين مع اليمين من غير بينة"٥. وأشار إليها ابن نجيم بقوله: "كل من قُبل قوله فعليه اليمين من غير بينة"٦. المعنى الإجمالي: تعني هذه القاعدة أن ما يختص به الإنسان ولا يمكن أن يُطلع

стр. 346

عليه إلا من قبله، أو يمكن الاطلاع عليه لكن مع حرج شديد وتعسف فإنه يقبل قول الإنسان فيه في فعله، أو ما وقع له ويبنى على ذلك ما يمكن أن ينبني من أحكام ولا يحتاج إلى بينة؛ لأنه في هذه الحال يكون مؤتمنا. وقد جاءت هذه القاعدة مطلقة عن اشتراط العدالة في المخبر وهذا ما عليه أكثر العلماء١؛ وعُلل ذلك بأن الإنسان في هذه الحال ليس بشاهد ولا هو يروي دينا٢، وذهب الحنابلة إلى أنها شرط في قبول خبره٣. وقيدها بعض العلماء بانضمام اليمين إلى القول، ونسبه ابن قدامة إلى الأكثر٤، وصرح فقهاء الحنفية، والمالكية بأنه إنما يشترط إذا كذّب المخبِرُ غيره وانبنى على خبره أحكام تتعلق

стр. 347

بغيره١. كما قيد العلماء قبول قول الأمين بكونه في حدود المعقول وغير مخالف للحس والعادة. فلو ادعت امرأة مثلا انقضاء عدتها بالقروء في مدة لا يمكن أن يكون فيها ذلك لم يقبل قولها٢. الأدلة: ١- قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٣ قال الإمام القرطبي: " ... المعنى أنه لما أراد أمر العدة على الحيض والأطهار ولا اطلاع عليهما إلا من جهة النساء جُعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلنَ مؤتمنات على ذلك وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ ٤ ... "٥.

стр. 348

٢- حديث: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" ١. حيث قرر هذا الحديث مبدأ قبول قول المؤتمن فإن المسلمين يأتمنون على الأوقات التي يؤذن فيها فيبنون على أذانه فعل ما أمروا به من صلاة، وصوم، وفطر، ونحوها٢. ٣- حديث المجامع امرأته في نهار رمضان وفيه قوله ﷺ للرجل: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال: لا، فمكث النبي ﷺ . قال الراوي: "فينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر - والعَرَق المكتل - قال: "أين السائل؟ " فقال: أنا، قال: "خذ هذا فتصدق به" فقال الرجل: "على أفقر مني يا رسول الله ﷺ ؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت

стр. 349

أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك". قال ابن حجر: "وفيه قبول قول المكلف مما لا يطلع عليه إلا من قِبَله لقوله في جواب قوله: على أفقر مني: أطعمه أهلك، ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصدقه"١ ٤- ويمكن الاستدلال لهذه القاعدة - من بعض الوجوه - بحديث عقبة بن الحارث٢ قال: "تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء قال: أرْضَعْتُكما. فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إني قد أرضعتكما وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه قلت إنها كاذبة. قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما. دعها

стр. 350

عنك ... "١. فقد أجاز النبي ﷺ شهادتها وحدها مع أنها شهدت على فعل نفسها، وإن كان الأمر قد يشترك معها في العلم به غيرها٢. عمل الفقهاء بالقاعدة: نقل ابن المنذر، وابن قدامة الإجماع على اعتبار قول المؤتمن في ضياع الوديعة أو تلفها، واشترط الأكثرون يمينه٣، وفصل بعض الفقهاء فقالوا: إن ادعى التلف لسبب ظاهر لزمته البينة وإلا قبل قوله مع يمينه، وتقدم ذكر عدد من فقهاء المذاهب لهذه القاعدة تصريحا أو تضمينا٤. ويدل كلام فقهاء المذاهب الأربعة على اعتبار هذه القاعدة من حيث الجملة وإن كانوا يختلفون في بعض التفصيل.

стр. 351

ففي مسألة خبر المرأة عن انقضاء عدتها نجد أن فقهاء المذاهب الأربعة يقررون اعتبار قولها؛ لأنها مؤتمنة عليه، وإن كان بعضهم قد اشترط كونها مرضِيَّة، وبعضهم لم يصرح بهذا الشرط١، وكذلك ما كان نحوها من المسائل. قال الشيرازي الشافعي: "وإن تزوجت المطلقة ثلاثا بزوج، وادعت أنه أصابها، وأنكر الزوج قولها لم يقبل قولها على الزوج الثاني في الإصابة، ويقبل قولها في الإباحة للزوج الأول؛ لأنها تدعي على الزوج الثاني حقا وهو استقرار المهر، ولا تدعي على الأول شيئا، وإنما تخبره عن أمر هي فيه مؤتمنة فقُبِل"٢. من فروع القاعدة: ١- الأخذ بخبر المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها في مدة يمكن انقضاء العدة فيها، أو أنها حين طُلقت كانت حائضا ونحوه على تفصيل في ذلك٣.

стр. 352

٢- إذا أخبر شخص عن نفسه بأنه فقير أخذ بقوله١. ٣- إخبار المؤتمن عن ضياع وديعته، أو تلفها إذا لم يكن بسبب يمكن إقامة البينة عليه٢. وجه التيسير: يتضح التيسير في هذه القاعدة من حيث أنه قد يشق على الإنسان أن يُثبتَ بالبينة بعض الأمور الخاصة التي ربما لا يطلع عليها إلا فاعلها أو من تعلقت به، فاكتفى الشارع في ذلك بخبر صاحب الشأن تيسيرا عليه من جهة، وتيسيرا على الحاكم من جهة أخرى إذ لا يكلف بأن يطالبه بالشهود فلا يحتاج إلى التحري في عدالتهم، ولا يكلَّف بالبحث في مطابقة الخبر للواقع. قال القرطبي ﵀: "قال سليمان بن يسار٣: " ...

стр. 353

.ولن نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ولكن وُكِل ذلك إليهن؛ إذ كن مؤتمنات"١. وقال ابن عبد السلام - بعد ذكر أمثلة على القاعدة -: فإنا نقبل ذلك كله ونجري عليه أحكامه؛ لأنه لو لم نقبله لتعطلت مصالح هذا الباب، لتعذر إقامة الحجة عليها٢.

стр. 354

القاعدة الثامنة والعشرون: ما لا يمكن التحرز منه يكون عفوا . هذه القاعدة أوردها الحصيري تعليلا١، وورد معناها ضمنا عند عدد من الفقهاء كالسبكي٢، والسيوطي٣، وابن تيمية٤، والمقري٥، وغيرهم. ويمكن إدراج هذه القاعدة تحت عدد من القواعد كقاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ٦، وقاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) ٧، وقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) ٨، فقد

стр. 355

عدّ الفقهاء العسر وعموم البلوى من أسباب التخفيف، ومثلوا له بالصلاة مع النجاسة المعفو عنها١. معاني المفردات: التحرز: التوقي يقال: احترزت من كذا، وتحرزت منه توقيته، والحرز الموضع الحصين٢. العفو: تقدم بيان معناه. المعنى الإجمالي: معنى هذه القاعدة أن الشرع يتسامح في القدر الذي يشق على المكلفين اجتنابه، ويعسر عليهم دفعه مما يكون الأصل فيه منع التلبس به. ومنع التلبس بالشيء يأتي بمعنى تحريمه - من حيث هو - كتحريم الزنا وشرب الخمر، ويأتي بمعنى اشتراط عدمه أو زواله لصحة عبادة معينة أو تصرف شرعي معين مثل اشتراط زوال النجاسة لصحة الصلاة ونحوها من العبادات، وكما تنطبق هذه
следующие страницы →