ففي مسألة خبر المرأة عن انقضاء عدتها نجد أن فقهاء المذاهب الأربعة يقررون اعتبار قولها؛ لأنها مؤتمنة عليه، وإن كان بعضهم قد اشترط كونها مرضِيَّة، وبعضهم لم يصرح بهذا الشرط١، وكذلك ما كان نحوها من المسائل.
قال الشيرازي الشافعي: "وإن تزوجت المطلقة ثلاثا بزوج، وادعت أنه أصابها، وأنكر الزوج قولها لم يقبل قولها على الزوج الثاني في الإصابة، ويقبل قولها في الإباحة للزوج الأول؛ لأنها تدعي على الزوج الثاني حقا وهو استقرار المهر، ولا تدعي على الأول شيئا، وإنما تخبره عن أمر هي فيه مؤتمنة فقُبِل"٢.
من فروع القاعدة:
١- الأخذ بخبر المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها في مدة يمكن انقضاء العدة فيها، أو أنها حين طُلقت كانت حائضا ونحوه على تفصيل في ذلك٣.
стр. 352
٢- إذا أخبر شخص عن نفسه بأنه فقير أخذ بقوله١.
٣- إخبار المؤتمن عن ضياع وديعته، أو تلفها إذا لم يكن بسبب يمكن إقامة البينة عليه٢.
وجه التيسير:
يتضح التيسير في هذه القاعدة من حيث أنه قد يشق على الإنسان أن يُثبتَ بالبينة بعض الأمور الخاصة التي ربما لا يطلع عليها إلا فاعلها أو من تعلقت به، فاكتفى الشارع في ذلك بخبر صاحب الشأن تيسيرا عليه من جهة، وتيسيرا على الحاكم من جهة أخرى إذ لا يكلف بأن يطالبه بالشهود فلا يحتاج إلى التحري في عدالتهم، ولا يكلَّف بالبحث في مطابقة الخبر للواقع.
قال القرطبي ﵀: "قال سليمان بن يسار٣: " ...
стр. 353
.ولن نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ولكن وُكِل ذلك إليهن؛ إذ كن مؤتمنات"١.
وقال ابن عبد السلام - بعد ذكر أمثلة على القاعدة -: فإنا نقبل ذلك كله ونجري عليه أحكامه؛ لأنه لو لم نقبله لتعطلت مصالح هذا الباب، لتعذر إقامة الحجة عليها٢.
стр. 354
القاعدة الثامنة والعشرون: ما لا يمكن التحرز منه يكون عفوا .
هذه القاعدة أوردها الحصيري تعليلا١، وورد معناها ضمنا عند عدد من الفقهاء كالسبكي٢، والسيوطي٣، وابن تيمية٤، والمقري٥، وغيرهم.
ويمكن إدراج هذه القاعدة تحت عدد من القواعد كقاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ٦، وقاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) ٧، وقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) ٨، فقد
стр. 355
عدّ الفقهاء العسر وعموم البلوى من أسباب التخفيف، ومثلوا له بالصلاة مع النجاسة المعفو عنها١.
معاني المفردات:
التحرز: التوقي يقال: احترزت من كذا، وتحرزت منه توقيته، والحرز الموضع الحصين٢.
العفو: تقدم بيان معناه.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن الشرع يتسامح في القدر الذي يشق على المكلفين اجتنابه، ويعسر عليهم دفعه مما يكون الأصل فيه منع التلبس به.
ومنع التلبس بالشيء يأتي بمعنى تحريمه - من حيث هو - كتحريم الزنا وشرب الخمر، ويأتي بمعنى اشتراط عدمه أو زواله لصحة عبادة معينة أو تصرف شرعي معين مثل اشتراط زوال النجاسة لصحة الصلاة ونحوها من العبادات، وكما تنطبق هذه
стр. 356
القاعدة على العبادات تنطبق على المعاملات١.
وقد يكون ذلك من أجل يُسر ذلك القدر وقلّته وعموم البلوى به كالعفو عن قليل النجاسة، وقد يكون لأمر آخر ككون الشيء خارجا عن طاقة المكلف ولو كان كثيرا كجواز صلاة المستحاضة مع خروج الدم منها وإن كان كثيرا.
هذا ما تقتضيه هذه القاعدة بمنطوقها؛ لأن ما يجب الاحتراز عنه أصلا هو المحرم. لكن قد يدخل في معناها ترك القدر الذي لا يتمكن المكلف من فعله مما هو واجب أصلا.
ولعل مما يصح التمثيل به لهذا هو سقوط وجوب استحضار النية في كل جزء من أجزاء العمل المفتقر إلى النية؛ - لعسر ذلك على المكلفين وخروجه عن طاقتهم -، والاكتفاء في ذلك باستحضارها أول العمل مع أن الأصل لزوم وجودها في جميع أجزائه٢؛ فإن للعفو مدخلا في ترك الواجب، كما أن له مدخلا في فعل الممنوع حيث قال ﷺ : " ... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٣.
стр. 357
الأدلة:
أولا: الأدلة الدالة على أن ما لا يمكن التحرز عنه معفو عنه وهي تدل على القاعدة مباشرة ومنها:
الأحاديث الواردة في حكم المستحاضة وأنها تتوضأ لكل صلاة، وتصلي وإن استمر معها الدم كحديث عائشة ﵂ قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش١ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا إنما ذلك عِرْق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي" قال الراوي: قال أبي٢: "ثم نوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"٣.
стр. 358
ثانيا: يستدل لهذه القاعدة بما دل على إباحة بعض الأشياء ابتداء، بسبب عموم البلوى بها من حيث إثبات مراعاة الشرع لما تعم به البلوى والتخفيف فيه. من ذلك:
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١ الآية.
قال ابن العربي: "طوافون عليكم، أي مترددون عليكم في الخدمة وما لا غنى بكم عنه منهم، فسقط الحرج عن ذلك وزال المانع كما قال ﷺ في الهرة - حين أصغى لها الإناء -: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات"٢.
وحديث الرسول ﷺ حيث قال: "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٣.
стр. 359
فقد حكم ﷺ بعدم نجاستها وعلل ذلك بكونها من الطوافين عليهم والطوافات أي بكثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها بحيث يصعب صون الأواني عنها١، ويتقوى الاستدلال بهذا الحديث على القاعدة باعتبار رأي بعض الفقهاء حيث يرى البعض أن الأصل في الهرة النجاسة فيدخل في الأدلة الدالة على القاعدة مباشرة٢.
ثالثا: وهناك من الأدلة ما يدل لهذه القاعدة من وجه وذلك مثل حديث المرأة التي سألت أم سلمة٣ ﵂ فقالت: "إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في القذر فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يطهره ما بعده" ٤، وما في معناه من الأحاديث،
стр. 360
فهذا الحديث، وما في معناه يدل على أن الثوب، وما في حكمه إذا لامس نجاسة من الطريق فإنه يطهر بمروره على ما بعد موضع النجاسة من الأرض، أو بفركه بالتراب، وهذا الظاهر معناه أن تلك النجاسة لم يُعفَ عنها وإنما خُفف في طريقة التطهير منها، إلا أن بعض العلماء قد وجه بعض هذه الأحاديث بما يقتضي دلالتها على القاعدة، فقد قال صاحب عون المعبود: "وأما طين الشارع يطهره ما بعده ففيه نوع من التوسع في الكلام؛ لأن المقام يقتضي أن يقال: هو معفو عنه أو لا بأس به، لكن عدل منه بإسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهرا للنجاسة فعلم أنه نعفو عنه"١.
وتجدر الإشارة إلى أن جمهور العلماء على أن هذا في النجاسة اليابسة. أما ما يمكن أن يعلق بالثوب فإنه لا يطهره إلا الغسل٢.
وقد ذهب البعض إلى أن المراد هو أن مرور الثوب أو القدمين
стр. 361
على الأرض الطاهرة بعد الأرض القذرة يخفي عين النجاسة، فلا يعلم المكلف بوجودها فلا يلزمه غسلها، ولو ظهرت لتعيّن غسلها١.
رابعا: ويدل على هذه القاعدة الأدلة العامة في رفع الحرج كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٢ ونحوها.
عمل الفقهاء بالقاعدة:
لقد صرح عدد من فقهاء المذاهب الأربعة بهذه القاعدة، وهذا يدل على أنها محل اتفاق بينهم - من حيث الجملة - إلا أنه لابد من ملاحظة أن ما لا يمكن التحرز منه أمر نسبي يختلف الفقهاء فيه بين متوسع ومتشدد٣، ولعل من أظهر ما يبرز فيه تطبيق هذه القاعدة هو باب النجاسات.
وهذه بعض النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة في هذا الباب.
قال المرغيناني الحنفي: " ... وقدر الدرهم، وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول والخمر وخرء الدجاجة وبول الحمار، جازت
стр. 362
الصلاة معه ... إلى أن قال: لنا أن القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفوا"١.
وذكر الخرشي من المالكية أشياء كثيرة مما يعفى عنه من النجاسات ثم علل ذلك العفو بمشقة الاحتراز عنها٢.
وقال الشيرازي من الشافعية: " ... وأما الدماء فينظر فيها فإن كان دم القمل والبراغيث وما أشبهها فإنه يعفى عن قليله؛ لأنه يشق الاحتراز منه"٣.
وقال ابن قدامة الحنبلي: "أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم، والقيح، وذكر على ذلك أدلة، وعلل بمشقة الاحتراز منه٤.
وفروع هذه القاعدة هي فروع قاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) .
وجه التيسير:
وجه التيسير ظاهر في هذه القاعدة فقد عفى الشارع عن
стр. 363
بعض الأمور التي يكون الأصل فيها المنع؛ من أجل مشقة الاحتراز عنها، سواء ذلك في جانب المنهيات، أو في جانب المأمورات كما تقدم؛ وذلك مراعاة لأحوال المكلفين؛ ولئلا يقع تكليفهم بما يشق عليهم.
стр. 364
القاعدة التاسعة والعشرون ما وسعه الشرع فضيقه المكلف على نفسه هل يتضيق ؟.
ذكر هذه القاعدة١ الزركشي بصيغة الاستفهام، وقال في موضع آخر: "التزام إبطال الرخص ممنوع على الأصح"٢.
وأشار ابن رجب إلى معناها في قاعدة ((إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد ... )) ، حيث نقل عن الإمام أحمد رواية في الجنب إذا اغتسل ينوي الجنابة وحدها أنه يرتفع حدثه الأصغر تبعا٣، وأشار إليها السبكي٤.
стр. 365
معاني المفردات:
الشرع في اللغة: نهج الطريق الواضح. يقال: شرعت له طريقا، وأصل مادته (ش، ر، ع) تدل على شيء يُفتح في امتداد يكون فيه١.
وفي الاصطلاح: ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام٢، والمراد - هنا - شريعة محمد ﷺ . وفي نسبة التوسعة إلى الشرع تجوز، والمعنى ما وسعه الشارع أو المشرع وهو الله تعالى.
المعنى الإجمالي:
المقصود من هذه القاعدة بيان حكم ما يُلزم المكلَّف به نفسه من تضييق فيما وسعه الشرع، وقد أورد بعض العلماء هذه القاعدة بصيغة الاستفهام للدلالة على عدم الجزم بالحكم فيها لاختلاف الحكم باختلاف الصور، وتشمل هذه القاعدة صورا منها: أن يقيد المكلف نفسه في أداء العبادة المشروعة بهيئة معينة أو نحوها وذلك بالنذر أو ما يجري مجراه بحيث يكون ذلك القيد من غير جنس
стр. 366
القُرب الشرعية كأن ينذر الحج ماشيا١، أو الصلاة في الشمس أو نحو ذلك.
ومنها أن يُلزم المكلَّفُ نفسه بشيء ليس من جنس القُرب أصلا كالوقوف في الشمس، أو المشي إلى بلد غير ما تشد الرحال إليه، إلى غير ذلك من الصور، ولا تشمل إلزام المكلف نفسه رقُربة شرعية غير واجبة كما في النذر، لأن النذر مشروع اتفاقا وإن كان حكمه - عند الجمهور - الكراهة على التفصيل عند بعضهم٢.
ويلاحظ أن الكلام إنما هو في الالتزام لا في العمل والأداء فإنه - على القول بعدم تضييق ما وسعه الشرع فضيقه المكلف على نفسه - لا يمتنع أن يؤدي المكلف العبادة - التي يجوز فعلها على وجهين - على الوجه الشاق منهما كأن يُتم الصلاة في السفر، وأما الالتزام فهو أن ينشئ ما يمنعه من أداء العبادة على وجهها الآخر الأخف.
стр. 367
الأدلة:
تقدم أن من ذكر هذه القاعدة ذكرها بصيغة الاستفهام؛ وذلك للإشارة إلى الاختلاف في حكم بعض صورها.
ومما يدل على تضيُّق ما وسَّعه الشرع فضيقه المكلف على نفسه ما يلي:
١- حديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" ١.
وهذا الحديث وإن كان ليس فيه دلالة صريحة على عدم تضيق ما وسعه الشرع فضيقه المكلف على نفسه، إلا أنه يتضمن معنى النهي عن ترك إتيان الرخص، فقد شبه الله تعالى محبته لإتيان الرخصة بكراهته لإتيان معاصيه وفي هذا دليل على أن في ترك الرخص ترك طاعة كترك الطاعة الحاصل بفعل المعصية٢.
٢- حديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادي بين ابنيه فقال: "ما بال هذا"؟ قالوا: نذر أن يمشي،
стр. 368
قال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني"، وأمره أن يركب"١.
٣- وفي معناه حديث ابن عباس ﵄ قال: "بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل٢ نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مُره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه" ٣.
قال الإمام مالك: "ولم أسمع أن رسول الله أمره بكفارة، وقد أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية"٤.
стр. 369
وقال ابن حجر: "فأمره بفعل الطاعة وأسقط عنه المباح"١.
٤- وفي معنى الحديثين السابقين حديث عقبة بن عامر٢ ﵁ أنه قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﷺ فاستفتيته، فقال ﷺ : لتمش ولتركب"٣.
٥- حديث أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل
стр. 370
أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، ولأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث وما في معناها على عدم لزوم ما يضيقه المكلف على نفسه ظاهر. إلا أن هناك من الأحاديث ما يدل على لزوم ما يُلزمه المكلفُ به نفسه مما لا يلزمه أصلا، ومن ذلك حديث: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال: "أوفي بنذرك" الخ الحديث٢.
وقد تأوله بعض العلماء على أنه يشبه - من بعض الوجوه -
стр. 371
أن يكون قربة كما قال الخطابي: "إنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القُرب ... "١.
آراء الفقهاء في العمل بهذه القاعدة:
يمكن الاستدلال على مدى إعمال فقهاء المذاهب الأربعة للقاعدة والعمل بموجبها، أو عدمه من خلال النظر في أقوالهم في فرعين مُثِّل بهما لهذه القاعدة.
الفرع الأول: ما لو نوى المتوضئ بوضوئه رفع حدث واحد من أحداث متعددة كانت عليه. فقد جاء في الشرح الصغير٢ - من كتب المالكية -: أنه لا تجزئ نية الوضوء مع إخراج حدث ناقض، ويوضح هذا ما في الشرح الكبير أنه لو قال: نويت الوضوء من البول لا من الغائط مثلا فلا يصح وضوءه للتناقض، أما إذا نوى به صلاة الظهر لا العصر، أو الصلاة لا مس المصحف أو
стр. 372
بالعكس فإنه يصح له أن يستبيح بوضوئه ما نواه، وما لم ينوه١.
وذكر النووي أن للشافعية خمسة أوجه في هذه المسألة وقال: "أصحها عند جمهور الأصحاب يصح وضوؤء سواء نوى الأول - أي رفع الحدث الأول - أم لا"٢. أما الزركشي فقال: "لو وقع منه أحداث فنوى بعضها هل يرتفع الجميع أم لا؟ فيه خلاف، والأصح لا، ولو قال: أصلي صلاة واحدة كان له أن يصلي به مالم يُحدث"٣.
والفرق بين الصورتين - فيما يظهر - اشتراط النية في الصورة الأولى وعدم اشتراطها في الصورة الثانية.
وجاء في الإنصاف٤ من كتب الحنابلة: أن في المسألة وجهين:
أحدهما: يرتفع سائرها وهو المذهب ... ، والثاني: لا يرتفع إلا ما نواه.
стр. 373
أما الحنفية فالنية عندهم سنة في الوضوء١.
الفرع الثاني: النذر الذي يضيق فيه المكلف على نفسه إما بنذر مباح لا قُربة فيه لله تعالى، أو بنذر طاعة، ولكن على هيئة معينة، أو في ظرف معين يوجب مشقة ولا قربة فيه.
حيث نجد أن مذهب الحنفية أن من نذر مباحا فإنه لا يجب عليه شيء، وأن من نذر قربة لزمه الوفاء بأصل القربة التي التزمها لا بكل وصف التزمه إلا أن يكون قربة مقصودة٢، وكذلك مذهب المالكية.
قال الإمام مالك - في حديث أبي إسرائيل المتقدم -: "ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة وقد أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية"٣.
وقال الخرشي: "لا يلزم من النذر إلا ما كان مندوبا فعله أو تركه فلا يلزم في المباح كنذر عليّ أن أمشي في السوق، لا قربة فيه"٤.
стр. 374
وصرح الشيرازي من الشافعية بأن المباحات لا تلزم بالنذر١.
وقال ابن قدامة الحنبلي - في نذر المباح -: يتخير بين فعله وبين تركه ويكفر كفارة يمين٢، ونقل ابن العربي الإجماع على أن نذر المباح لا يلزم٣، فيمكن أن يستخلص من هذا أنه لا يلزم بالنذر إذا ما كان مقصودا شرعا عند الجميع، على أنه لا يخلو الأمر من خلاف في بعض الصور هل يصح أن تُقْصد شرعا أو لا، وخلاف في لزوم الكفارة أوعدمه، وأن العلماء إنما يلزمون المكلف بما يلتزم به ويضيقه على نفسه - وإن لم يكن قُربة مقصودة - لعلل وأسباب معينة، فكأن الأصل أن لا يلزمه إلا ما كان من قبيل نذر الطاعة، والله أعلم.
من فروع القاعدة:
١- أن ينذر الحج ماشيا٤.:
٢- أن ينذر التصدق بألف، وليس له إلا مائة مثلا، فإنه لا يلزمه
стр. 375
إلا ما يملك١.
٣- من كان عليه غُسلان فنوى أحدهما دون الآخر، أو اغتسل ونوى رفع الحدث الأكبر دون الأصغر فهل يرتفع حدثه الأصغر؟ ٢.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة - على القول بعدم لزوم المكلف ما يضيقه على نفسه - أن الشارع لم يلزم المكلف بما يلزم به نفسه مما ليس بقربة شرعية بل أسقطه عنه وجعل قصارى الأمر أن يلزمه - في بعض الصور - كفارة اليمين أو نحوها ولا شك أن وجوب الكفارة أهون - في كثير من الصور - من الالتزام بما يُلزم المكلفُ به نفسه. والله أعلم.
стр. 376
القاعدة الثلاثون: ما يحصل ضمنًا إذا تُعُرِّض له لا يضر .
أورد الزركشي هذه القاعدة بهذا اللفظ١، وعرض لها كثير من العلماء عند ذكرهم لقاعدة ((الأمور بمقاصدها)) ، وعند شرح حديث: "إنما الأعمال بالنيات ... " ٢، وأوردها القرافي في الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات، وبين قاعدة التشريك فيها٣، وأشار إليها بعضهم ضمن قاعدة ((إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد تداخلت أفعالهما، واكتُفي عنهما بفعل واحد إذا كام المقصود واحدا)) ٤.
стр. 377
معاني المفردات:
ضمنا: (الضاد، والميم، والنون) أصل يدل على جعل الشيء في الشيء يحويه، ومنه المضامين وهي ما في بطون الحوامل، وضمَّن الشيء أودعه إياه١، والمراد هنا ما يحصل بتحصيل أمر آخر؛ لكونه مشتملا عليه.
المعنى الإجمالي:
لما كانت النيات هي أساس كل عمل وعماده؛ إذ بها تتميز العبادات عن العادات، وبه - أيضا - تتميز رتب العبادات وأفرادها؛ كما أنه بها يتميز المقصود بالعمل، وبوسطتها يحصل الإخلاص الذي هو شرط لصحة العمل والثواب عليه٢، ساق
стр. 378
العلماء هذه القاعدة لبيان أنه لا يُخِلُّ بالإخلاص أن يحظر ببال المكلف - عند فعله عبادة - قصده منفعة أخرى تحصل ضمنا، كما أنه لا يخل بصحة العبادة وإجزائها أن يتعرض بنيته لعبادة أخرى تشترك معها في الصورة. فالمراد بقولهم: لا يضر أي لا يؤثر على حصول الإخلاص، ولا يؤثر في حصول الإجزاء.
فالقاعدة مفروضة في صورتين:
الأولى: أن يكون الأمر الذي نواه المكلف - مع حصوله ضمنا - أمرا عاديا غير تعبدي مثل أن ينوي بالوضوء التنظف أو التبرد مع نيته رفع الحدث.
الثانية: أن يكون الأمر الذي نواه المكلف - مع حصوله ضمنا - عبادة أخرى ويشمل ذلك نوعين:
أحدهما ما يحصل ضمنا - ولو لم ينوه - المكلف كتحية المسجد مع الفرض، فلو لم ينو إلا الفرض لم تلزمه التحية وإن كان ثوابها يتوقف على النية.
والثاني: ما لا يحصل إلا بنية كالوضوء مع الغُسل، فلو اغتسل بنية غُسل جنابة أو نحوه، ولم ينو الوضوء، لم يحصل١.
стр. 379
والذي يظهر أن المراد بالقاعدة بيان حكم المنوي الأصلي دون التعرض لحكم ما يحصل ضمنا من حيث اشتراط النية له أو عدمها؛ لقولهم: لا يضر فإن معناها أنه لا يضر المقصود الأصلي، وقد بين بعض الفقهاء أن حكم هذه القاعدة متعلق بالإجزاء. أما الثواب فهو محل خلاف وتفصيل، قال العلائي: "والإخلاص لا يكون إلا بإفراد العبادة لله وحده، فلو شاركه غرض آخر فله مأخذان:
أحدهما بالنسبة إلى الإجزاء، وذكر صورا لذلك، ثم قال: فالأصح المنصوص أنه يصح ولا يضره ذلك
وأما المأخذ الثاني فهو ترتب الثواب على العبادة.
والذيي اختاره الغزالي اعتبار الباعث على العمل فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان أجره بقدره، وإن تساويا تساقطا١.
وفصل البعض بين مخالطة الرياء ومخالطة غيره، فقالوا: إن شارك العمل الرياء من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء
стр. 380
فلا يضره - على تفصيل -، وإن خالطه نية غير الرياء نقص من أجر العبادة بقدره ولم تبطل بالكلية١
الأدلة:
١- من أظهر ما يمكن الاستدلال به لهذه القاعدة - فيما يظهر لي - هو قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ ٢.
قال ابن العربي ﵀: "أي في مواسم الحج"، ثم قال: "قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه"، وكذلك قال القرطبي٣.
стр. 381
فقد دلت الآية على جواز الاتجار مع أنه لا يحصل ضمنا، بل لا يحصل إلا بتحصيل وقصد إليه ولم يؤثر على صحة أداء العبادة، فمن باب أولى جواز قصد ما يحصل ضمنا وإن لم يُقصد، وعدم تأثيره على صحة أداء العبادة، والله أعلم.
٢- واستدل ابن رجب بأن النبي ﷺ كان يقصد - أحيانا - بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما في قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي "١، وقوله: " ... خذوا عني مناسككم"٢.
٣- واستدل القرافي لها بقول النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ٣ فقد أمر النبي ﷺ بالصوم الذي هو عبادة وجعل
стр. 382
معه غرضا آخر ولو لم يصح ذلك لما أمر به صلى الله عليه وسلم١.
وقال ابن حجر: "فإن أراد - بقصد القرافي - تشريك عبادة بعبادة فهو كذلك وليس محل النزاع، وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح فليس في الحديث ما يساعده"٢.
٤- ومما يمكن الاستدلال به على هذه القاعدة حديث: "إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه"٣.
عمل الفقهاء بالقاعدة:
نص كثير من علماء الشافعية على العمل بهذه القاعدة كما تقدم٤، وأورد ابن نجيم صوراً تطبق فيها هذه القاعدة وصوراً
стр. 383
أخرى لم يجزم فيها بحكم فقال: "ولم أر حكم ما إذا نوى الصوم والحمية ويشملها ما إذا اشرك بين عبادة وغيرها فهل تصح العبادة؟ وإذا صحت هل يثاب بقدره أو لا ثواب له أصلا؟ "
ثم قال في صورة أخرى:"لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة ارتفعت جنابته وحصل له ثواب غسل الجمعة"
وقال أيضا: " ... وأما إذا نوى نافلتين كما إذا نوى بركعتي الفجر التحية والسنة أجزأت عنهما"١.
ونقل القرافي الإجماع على صحة العبادة التي شرك معها غيرها ما مالم يكن رياء٢، وأشار إلى هذا الحكم ابن رجب٣، وابن قدامة٤، وابن سعدي٥ من الحنابلة.
من هذا يظهر أن هذه القاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة - من حيث الجملة -، وإن كان الخلاف في بعض الصور واردا.
стр. 384
من فروع القاعدة:
١- إذا نوى شخص بالوضوء رفع الحدث، والتبرّد فلا يمنع إشراك قصد التبرد من حصول رفع الحدث. هذا على القول باشتراط النية في الوضوء١.
٢- إذا قصد بالصلاة الفرض، وتحية المسجد، أو غيرها مما يصح قصده، لم يضر٢.
٣- إذا قصد بالحج العبادة، والتجارة لم يُفسد ذلك نية الحج٣.
وجه التيسير:
يتضح التيسير في هذه القاعدة من جهتين:
الأولى: أن الإخلاص أمر عسير وهو من أشق الأمور التي يعالجها المكلف؛ لكثرة ما يطرأ عليه مما يتوهم معه فقد الإخلاص
стр. 385
ولا يكاد الإنسان يملك التخلص من هذه العوارض وقد دل على ذلك كثير من أقوال السلف١.
وإذا كان الأمر كذلك فإن في تقرير هذه القاعدة ما لا يخفى من التوسعة على المكلفين؛ لأن في تقريرها إرشادا إلى عدم انتقاض الإخلاص بمثل هذه العوارض.
الثانية: إمكان تحصيل ثواب العبادتين المتداخلتين بفعل واحد وكذلك جواز انتفاع المكلف - بوجه من الوجوه -بما يقوم به من عمل مع العبادة فيما إذا تأتّى ذلك كالاتجار مع الحج ونحوه.
стр. 386
القاعدة الحادية والثلاثون: المتولد من مأذون فيه لا أثر له .
أورد هذه القاعدةالزركشي١، والسيوطي٢، وابن سعدي٣، وذكر أبو زيد الدبوسي٤: أن الأصل عند أبي يوسف٥، ومحمد٦ أن ((ما حصل مفعولا بإذن الشرع كأنه حصل بإذن من
стр. 387
له الولاية من بني آدم، وعند أبي حنيفة يكون ذلك بشرط السلامة)) ١، ونحوها قول السبكي: ((إن المأذون في فعله من قِبَل الله - فيما تمحض حقا لله - كالمأذون في فعله من قبل العبد - فيما هو من حقوق العباد -)) ٢، وأورد بعض العلماء قواعد أخرى قريبة المعنى من هذه القاعدة منها:
١- قاعدة: ((الجواز الشرعي ينافي الضمان)) ٣.
٢- وقاعدة: ((كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه)) ٤.
٣- وقاعدة: ((الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه)) ٥.
стр. 388
وقد أشار القرافي إلى هذا المعنى في موضعين١.
معاني المفردات:
المتولد: ما حصل عنه غيره يقال: تولد الشيء عن الشيء حصل عنه٢.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن الفعل الذي أذن فيه الشارع - وهو ما ليس بمحرم - إذا نشأ عنه أمر آخر لم يأذن الشارع فيه - بمعنى أنه لا يجوز الإقدام عليه ابتداء - فإن الآثار التي تترتب على هذا الأمر - فيما لو فُعل ابتداء - تسقط في هذه الحال؛ لكون هذا الأمر ناشئا عما أذن فيه، ويشمل ذلك الأثر المترتب المتعلق بحق الله تعالى فيسقط الإثم، وما قد يترتب من جزاء٣، ومثاله أن يتطيب من يريد الإحرام - قبل إحرامه -، ثم يسري الطيب إلى جزء آخر من جسمه بعد الإحرام فإنه لا إثم عليه ولا فدية٤، كما يشمل الأثرَ المترتب في حق العباد حيث يسقط الضمان.
стр. 389
ومثاله أن يقتص إنسان من آخر في طَرَف، فيسري ذلك إلى النفس، أو ما دونها، فإنه لا قصاص عليه ولا دية - عند الأكثرين - بشرط أن يكون قد اقتص على الوجه الشرعي١.
فقد قيد العلماء هذه القاعدة وما في معناها من القواعد بقيدين:
أولهما: أن لا يكون ذلك الفعل المأذون فيه مشروطا بسلامة العاقبة، فإن كان مقيدا بذلك ترتب عليه أثره مثل ضرب المعلم للصبي ونحوه٢.
والثاني: ألا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه٣.
стр. 390
وأضاف بعضهم قيد عدم التفريط١.
والذي يظهر لي أن كلمة المأذون فيه، أو الجواز الشرعي تتضمنه وإن لم ينص عليه؛ لأن الإذن، أو الجواز مقيد - شرعا - بعدم التفريط.
وبالمقارنة بين قاعدة ((المتولد من مأذون فيه لا أثر له)) ، وبين القاعدة الأخرى التي دلت على كون الحكم مفوضا في حكم الضمان نجد أن صيغة ((المتولد من مأذون فيه ... )) أشمل، وأدق. فهي أشمل من حيث كونها دالة على سقوط الأثر المترتب، سواء كان ضمانا أو غيره فإن الضمان يراد به - غالبا - ما يتعلق بحقوق العباد، وإن كان يصح إطلاق الضمان على ما يتعلق بحقوق الله تبارك وتعالى٢.
وهي أدق - عبارة - حيث أن عبارة "المتولد من مأذون فيه" تُشعر بأن هذا المتولد أو الحادث غير مأذون فيه أصلا، ولا يظهر هذا المعنى في قولهم: "الجواز الشرعي ... "بل إما أن يكون المراد بالمتصف بالجواز شرعا هو الفعل الأصلي المأذون فيه ابتداء،