القاعدة الحادية والثلاثون: المتولد من مأذون فيه لا أثر له .
أورد هذه القاعدةالزركشي١، والسيوطي٢، وابن سعدي٣، وذكر أبو زيد الدبوسي٤: أن الأصل عند أبي يوسف٥، ومحمد٦ أن ((ما حصل مفعولا بإذن الشرع كأنه حصل بإذن من
стр. 387
له الولاية من بني آدم، وعند أبي حنيفة يكون ذلك بشرط السلامة)) ١، ونحوها قول السبكي: ((إن المأذون في فعله من قِبَل الله - فيما تمحض حقا لله - كالمأذون في فعله من قبل العبد - فيما هو من حقوق العباد -)) ٢، وأورد بعض العلماء قواعد أخرى قريبة المعنى من هذه القاعدة منها:
١- قاعدة: ((الجواز الشرعي ينافي الضمان)) ٣.
٢- وقاعدة: ((كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه)) ٤.
٣- وقاعدة: ((الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه)) ٥.
стр. 388
وقد أشار القرافي إلى هذا المعنى في موضعين١.
معاني المفردات:
المتولد: ما حصل عنه غيره يقال: تولد الشيء عن الشيء حصل عنه٢.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن الفعل الذي أذن فيه الشارع - وهو ما ليس بمحرم - إذا نشأ عنه أمر آخر لم يأذن الشارع فيه - بمعنى أنه لا يجوز الإقدام عليه ابتداء - فإن الآثار التي تترتب على هذا الأمر - فيما لو فُعل ابتداء - تسقط في هذه الحال؛ لكون هذا الأمر ناشئا عما أذن فيه، ويشمل ذلك الأثر المترتب المتعلق بحق الله تعالى فيسقط الإثم، وما قد يترتب من جزاء٣، ومثاله أن يتطيب من يريد الإحرام - قبل إحرامه -، ثم يسري الطيب إلى جزء آخر من جسمه بعد الإحرام فإنه لا إثم عليه ولا فدية٤، كما يشمل الأثرَ المترتب في حق العباد حيث يسقط الضمان.
стр. 389
ومثاله أن يقتص إنسان من آخر في طَرَف، فيسري ذلك إلى النفس، أو ما دونها، فإنه لا قصاص عليه ولا دية - عند الأكثرين - بشرط أن يكون قد اقتص على الوجه الشرعي١.
فقد قيد العلماء هذه القاعدة وما في معناها من القواعد بقيدين:
أولهما: أن لا يكون ذلك الفعل المأذون فيه مشروطا بسلامة العاقبة، فإن كان مقيدا بذلك ترتب عليه أثره مثل ضرب المعلم للصبي ونحوه٢.
والثاني: ألا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه٣.
стр. 390
وأضاف بعضهم قيد عدم التفريط١.
والذي يظهر لي أن كلمة المأذون فيه، أو الجواز الشرعي تتضمنه وإن لم ينص عليه؛ لأن الإذن، أو الجواز مقيد - شرعا - بعدم التفريط.
وبالمقارنة بين قاعدة ((المتولد من مأذون فيه لا أثر له)) ، وبين القاعدة الأخرى التي دلت على كون الحكم مفوضا في حكم الضمان نجد أن صيغة ((المتولد من مأذون فيه ... )) أشمل، وأدق. فهي أشمل من حيث كونها دالة على سقوط الأثر المترتب، سواء كان ضمانا أو غيره فإن الضمان يراد به - غالبا - ما يتعلق بحقوق العباد، وإن كان يصح إطلاق الضمان على ما يتعلق بحقوق الله تبارك وتعالى٢.
وهي أدق - عبارة - حيث أن عبارة "المتولد من مأذون فيه" تُشعر بأن هذا المتولد أو الحادث غير مأذون فيه أصلا، ولا يظهر هذا المعنى في قولهم: "الجواز الشرعي ... "بل إما أن يكون المراد بالمتصف بالجواز شرعا هو الفعل الأصلي المأذون فيه ابتداء،
стр. 391
وحينئذ لا كلام في عدم ترتب أثره عليه، وإما أن يكون المراد به ما ينشأ عن الفعل الأصلي، وحينئذ يكون التعبير عن ذلك بأنه جائز شرعا محل نظر؛ لأنه لا يجوز شرعا الإقدام عليه ابتداء، وإنما يسقط أثره إذا وقع مرتبا على ما أذن فيه، والله أعلم.
وقد ذكر ابن رجب قواعد أخرى تندرج تحت هذه القاعدة منها:
قوله: "من أتلف شيئا لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه"١، وقوله: "من أتلف نفسا أو أفسد عبادة لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان"٢، ويمكن اعتبارهما بمثابة القيدين لقاعدة ((الجواز الشرعي ينافي الضمان)) ٣.
وكما هو ظاهر فإن كل واحدة من القاعدتين تضم شقين:
стр. 392
الأول منهما يطابق القاعدة المذكورة، والثاني منهما يقيدها فبالنسبة للقاعدة الأولى منهما نرى أن قول ابن رجب: ((من أتلف شيئا لدفع أذاه له لم يضمنه)) مطابق للقاعدة من حيث عدم ترتب الضمان على ما يجوز فعله شرعا؛ لأنه - أي الصائل، وما في حكمه - قد اضطّر المكلّف إلى ذلك الإتلاف فلذلك لم يضمنه، وأما قوله: "وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه"، فهو استثناء من القاعدة وقَيْد لها وذلك؛ لأن المكلف - هنا - قد دفع به عن نفسه مضرة من غير جهة المتلف فَضَمِنَه١.
وبالنسبة للقاعدة الثانية فإن قوله: "من أتلف نفسا، أو
стр. 393
أفسد عبادة لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه"، مطابق للقاعدة من حيث عدم ترتيب الضمان على ما جاز فعله شرعا؛ لأن الاضطرار يبيح له ذلك، وأما قوله: "وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان"، فهو استثناء من القاعدة؛ لأن المتلف في هذه الحالة ليس مضطرا بنفسه١، ويمكنه أن يدفع تلك المفسدة من جهة غيره والضمان إنما يسقط عن المضطر نفسه (على ما تقدم
стр. 394
بيانه في القاعدة الأخرى السابقة) .
الأدلة:
يدل لهذه القاعدة:
١- ما روى عمران بن حصين ﵁ أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيتاه، فاخنصموا إلى النبي ﷺ فقال: "يعضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل. لا دية له" ١.
ووجه الاستدلال منه أن الرجل الذي نزع يده قد فعل شيئا مأذونا فيه، فترتب على ذلك الفعل ضرر أهدره الشارع.
قال الحافظ ابن حجر: "وفيه دفع الصائل، وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه، أو على بعض أعضائه ففعل ذلك به، كان هدرا"٢.
٢- الإجماع على أنه من شهر على آخر سلاحا؛ ليقتله؛ فدفع عن نفسه؛ فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه٣.
стр. 395
٣- كما يمكن الاستدلال على القاعدة بالأثر المروي عن عمر وعلي ﵄ أنهما قلا في الذي يموت في القصاص: "لا دية له"١.
٤- أن المكلف قد أقدم على ما هو مباح له مأذون له فيه، فلا يضمن ما ترتب عليه، ولا تلحقه تبعته٢.
العمل بالقاعدة:
تقدم أنه قد ذكر هذه القاعدة بلفظها أو بمعناها عدد من فقهاء المذاهب الأربعة٣، ويمكن التعرف على مدى عمل الفقهاء بهذه القاعدة من خلال النظر في حكم بعض المسائل الجزئية، فقد نقل النووي عن كثير من الفقهاء، أو الأكثرين منهم أنه لا ضمان على المجني عليه في مثل قصة حديث عمران بن حصين المتقدم٤،
стр. 396
ونسبه ابن حجر إلى الجمهور١، وروي عن الإمام أحمد أن عليه الضمان، وعلل بعضهم ذلك بأن الحديث لم يبلغه٢، وصرح ابن جزي من المالكية، والشيرازي من الشافعية، وابن قدامة من الحنايلة بأنه لا ضمان على من اقتص في الطرف فسرى ذلك إلى نفس المقتص منه فمات٣، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، أما الإمام أبو حنيفة فقد نُقل عنه القول بأن عليه الدية ويسقط القصاص للشبهة، وعلل ذلك بأنه قتل بغير حق، وبأن المجني عليه غير ملزم بالقصاص. بل هو مندوب إلى العفو، أما الإمام، أو من يأمره الإمام فإنه لا يضمن؛ لأنه مكلف بالفعل، ومعنى هذا أنه يقصر حكم هذه القاعدة على ما إذا كان المأذون فيه واجبا. أما المباح فيتقيد بوصف السلامة٤.
من فروع القاعدة:
١- ماسبق ذكره من أن من اقتص من آخر في طرف، فسرى
стр. 397
ذلك إلى نفس المقتصِّ منه، فمات، فلا ضمان عليه عند الجمهور.
٢- مالو تطيب الإنسان قبل الإحرام، فسرى الطيب إلى موضع آخر بعد الإحرام١.
٣- مالو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه، وهو صائم دون مبالغة فإنه لا يفطر عند الشافعية والحنابلة وهو مقتضى القاعدة وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يفطر٢.
وجه التيسير:
أن الشارع أسقط عن المكلف ضمان ما تلف بسبب فعل ما أُذن له فيه مع أن الأصل ضمان المتلفات، وأسقط عنه إثم وجزاء ما حصل منه مرتبا على فعل ما أذن له فيه مع أنه لو فعله ابتداء لترتب عليه أثره من ضمان ونحوه؛ وذلك تيسيرا من الله تعالى على عباده؛ إذ لو كلفهم بتبعة هذه الأمور لوقع الناس في حرج من فعل ما أباحه الشارع خشية عاقبته٣، والله أعلم.
стр. 398
القاعدة الثانية والثلاثون: المشقة تجلب التيسير .
هذه القاعدة من القواعد الكبرى التي عليها مدار الفقه.
قال السيوطي وابن نجيم: "قال العلماء: تنخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته١، وقد ذكرتها أكثر كتب القواعد بهذا اللفظ، أو بما يؤدي معناه٢، وقال السبكي: "إن الخطابي عزا هذه العبارة إلى الإمام الشافعي عند كلامه على الذباب يقع في الماء"٣.
стр. 399
وقد أُلف فيها كتب مستقلة١.
ويندرج تحت هذه القاعدة الكيرى عدد من القواعد منها ما هو بمعناها – أو مقارب لها – كقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) ، وقاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) ، ومنها ما هو مقيد لها كقاعدة ((الضرورة تقدر بقدرها)) ، وقاعدة ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) ، ونحوهما٢. وذكر الندوي أنها قاعدة فقهية أصولية٣.
معاني المفردات:
تجلب: الجلب لغة: هو سَوْقُ الشيء من موضعه٤.
стр. 400
والمراد أن حصول المشقة سبب للتيسير.
المعنى الإجمالي:
لقد شرع الله سبحانه لعباده الشرائع وتعبدهم بأوامر نواه. وهذه الأوامر والنواهي تكليفات لا تخلو عن مشقة؛ إذ النفوس مجبولة على حب الانعتاق من كل قيد ولذا قال الرسول ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" ١؛ وذلك أنه ليس في الدنيا مصلحة محضة، وليس ذلك في التكاليف فحسب. بل حتى في الأمور الطبيعية الجبلية التي يفعلها الإنسان بطبيعته ويُقدم عليها برغبة دون أمر أو نهي٢.
وهذه التكاليف – وإن كانت لا تخلو من هذا القدر المحتمل من المشقة – فهي مبنية أصلا على التيسير ومراعاة حال المكلفين من الضعف وهي لصالحهم عاجلا وآجلا، وهذا التيسير يشترك فيه جميع المكلفين، ومع ذلك فإذا لحق بعض المكلفين أو غلب على ظنه
стр. 401
أن يلحقه بسبب فعل شيء من هذه التكاليف حرج زائد عن المحتمل والمقدور عليه – عادة – فإن الشرع المطهر يراعي خصوصية تلك الحالة، ويخفف عن المكلف بما يناسب حاله من إسقاط، أو تقليل، أو تخفيف، أو غيرها من أنواع التيسير١. كما في التيسير على المريض والمسافر ونحوهما. وهذا من كمال هذا الشرع ليناسب كل حال٢.
الأدلة:
لما كانت هذه القاعدة تشمل التيسير الأصلي، والتيسير الطارئ – على ما تقدم بيانه – لزم أن يُستدل للنوعين، والأدلة على النوعين من الكتاب والسنة لا تكاد تنحصر كثرة، فمما يدل على أن الشرع لكه ميسر أصلا وابتداء:
١- قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣.
стр. 402
٢- قول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١.
٣- حديث: "إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدوَة٢ والروحَة٣ وشيء من الدُّلْجَة٤"٥.
٤- ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قال: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن
стр. 403
مأثما ... "١ الحديث.
وهذه الأدلة مع دلالتها على أن مبنى الشرع على التيسير ابتداء وأصلا، فهي تدل بعموم نفي الحرج والعسر فيها على التخفيف والتيسير الطارئ لعذر، أو لمشقة عارضة٢.
ومما يدل على هذا النوع – أعني التخفيف للعذر الطارئ – خاصة مع دلالته – في الجملة – على يسر الشريعة ما يلي:
١- قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ٣.
قال الإمام القرطبي: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فرُخِّص له في أن يتيمم، ثم صارت الآية عامة في
стр. 404
جميع الناس"١.
٢- ومثلها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢.
ففي هاتين الآيتين شرع الله تعالى لعباده التيمم بالتراب بدلا عن الطهارة بالماء إذا وُجدت المشقة المقتضية لذلك وهي عدم وجود الماء وعدم الوجود يراد به عدم الوجود حقيقة أي فقد الماء، وعدم الوجود حكما بمعنى عدم القدرة على استعماله٣.
٣- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ٤.
قال القرطبي: "لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة
стр. 405
من الأمن والطمأنينة، ذكر حال الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، هذا قول العلماء"١.
٤- من السنة ما رواه عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير٢ فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٣، ودلالة هذا الحديث على أن سبب التخفيف والتيسير هو المشقة الطارئة واضحة جلية فكلما زادت المشقة كان الحكم أيسر٤.
٥- ما روي عن ابن عمر ﵄: "أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن – إذا كانت ليلة ذات برد ومطر – ويقول: ألا صلوا في الرحال"٥.
стр. 406
٦- ومما يدل على نوعي التيسير من جهة العقل أن الله تعالى نص على أنه ما جعل علينا في الدين من حرج، فلو كان غير ذلك لكان متناقضا، وأن مقصود التكليف هو تبيُّنُّ المطيع من العاصي وتمييز المذعن لأمر الله تعالى بطاعته سبحانه من المستنكف عنها وليس المقصود التعجيز والإعنات١ كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٢، فإذا وجد من العبد العزم على فعل العبادة على وجهها، وكان ذلك يشق عليه المشقة المعتبرة في التخفيف، فإن التيسير حينئذ يناسب المقصود الأصلي وهو تمييز المطيع من العاصي؛ لحصول التمييز بالتعبد فلا يكلف بما يشق عليه٣ وقد قال ﷺ – وقد كان في غزاة –: "إن أقواما بالمدينة خلفنا ما
стр. 407
سلكنا شِعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر"١.
قال الحافظ ابن حجر: "العذر هو الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه"، وقال: "زفيه – أي في هذا الحديث – أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر من العمل"٢.
العمل بالقاعدة:
لقد دلت النصوص القاطعة على صحة هذه القاعدة٣، واتفق العلماء على صحتها والعمل بها٤، ويشهد لذلك أن كثيرا من كتب القواعد من المذاهب الأربعة نصت على ذكر القاعدة أو ألمحت إليها، وكذلك المسائل المتضمنة للترخيص المبثوثة في كتب الفقه،
стр. 408
وما نقل عن عدد من التابعين والأئمة من الأقوال في ذلك١.
من فروع القاعدة:
تقدم عدد من القواعد المندرجة تحتها فتكون فوع تلك القواعد فروعا لهذه القاعدة، وهكذا كل الرخص الشرعية فإنها من فروع هذه القاعدة.
وجه التيسير:
التيسير في هذه القاعدة أظهر من أن يحتاج إلى بيان٢.
стр. 409
القاعدة الثالثة والثلاثون: معظم الشيئ يقوم مقام كله
...
القاعدة الثالثة والثلاثون: معظم الشيء يقوم مقام كله.
أورد هذه القاعدة بهذا اللفظ الزركشي١، وأورد – هو وغيره – قواعد أخرى تشترك مع هذه القاعدة في بعض معناها كقولهم: ((ما قارب الشيء أعطي حكمه، أو هل يعطى حكمه)) ، وقولهم: ((الأقل يتبع الأكثر)) ٢، وقد أشار بعض الفقهاء إلى معناها تعليلا٣، ونبّه القرافي على معناها بقوله: "إذا ذهب جل منفعة العين فعندنا يضمن الجميع"٤.
стр. 410
وساق ابن الوكيل١ فائدة نصها: "إعطاء كل عبادة حكم بعضها، في صور"، وهي في معنى هذه القاعدة المذكورة وذلك؛ لأن مراده بها ما إذا كانت العبادة بحيث يمكن أن يُفْعل بعضها على وجه فيه ثواب، وبعضها علة وجه لا ثواب فيه – من حيث الأصل – وذلك كالأضحية يأكل صاحبها بعضها، ويتصدق ببعض فهل يثاب على الكل أم على ما تصدق به؟، وقد ذكر في حكم هذه الصورة وجهين:
أحدهما أنه يحكم لكل العبادة – أي بجزئيها – بحكم بعضها الذي فيه الثواب، والآخر أن الثواب إنما هو على ذلك البعض دون غيره٢.
المعنى الإجمالي:
المراد بهذه القاعدة أن الشرع قد يجعل لأكثر الشيء حكم كله في بعض المسائل، فإذا أتى المكلف بأكثر العبادة في تلك الصور
стр. 411
كان له حكم من أداها تامة من حيث الثواب، وبراءة الذمة – في بعض الصور -، وإذا أدى أكثرها على وجه فيه زيادة فضل كان له أجر من أدّاها كلها على ذلك الوجه كمن أدرك ركعة مع الإمام تحصل له فضيلة صلاة الجماعة. وقُيّد هذا بما إذا لم يعارضه نص، فلا تتأدى الصلاة الرباعية مثلا بثلاث ركعات؛ لوجود المعارض وهو النص على كونها أربع ركعات١، ويمكن أن يقال: إن هذه القاعدة تجري في حالات منها:
١- أن يدل على إعطاء الأكثر أو البعض حكم الكل – في شيء ما – دليل خاص كما في إدراك الركعة والصلاة بإدراك الإمام قبل الرفع من الركوع حيث قال ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ٢، فقد أخذ جمهور العلماء منه أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة فلا يقضيها، ويكون قد أدرك بها فضل صلاة الجماعة٣
стр. 412
٢- أن يدل العرف الشرعي، أو العرف العام على أن المراد بالعام البعض كما في قيام رمضان ونحوه.
قال النووي: "إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح"١، وقال ابن حجر – في بيان قيام رمضان -: "والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام"٢، وقال الشوكاني: "وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل"٣. وأما تقييد حكم هذه القاعدة بكونه في أكثر الشيء أو معضمه فإنما هو – فيما يظهر لي – من باب النظر إلى الغالب وإلا فإن بعض الصور قد يقام فيها البعض مقام الكل وإن لم يكن ذلك البعض هو أكثر العمل٤، والله أعلم.
الأدلة:
أولا: النصوص الواردة في إقامة الأكثر أو البعض مقام
стр. 413
الكل في بعض الصور. كقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"١. وكقوله ﷺ : "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"٢.
قال النووي – في شأن هذين الحديثين -: "أجمع المسلمون أن هذا ليس على ظاهره وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة وتكفيه وتحصل براءته من الصلاة بهذه الركعة. بل هو متأوَّل، وفيه إضمار تقديره فقد أدرك حكم الصلاة، أو وجوبها، أو فضلها"٣، وقال ابن حجر: "فيه إضمار تقديره فقد أدرك وقت الصلاة، أو حكم الصلاة، أو نحو ذلك"٤.
стр. 414
وحديث: " ... إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام الليلة" ١ فإن هذه الأحاديث ونحوها تدل على أن من أصول الشريعة قيام بعض العبادة مقام كلها وإن لم يكن هذا مطردا في كل عمل٢.
ثانيا: حديث: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراةَ فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا،
стр. 415
ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتابين: أيْ ربنا أُعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا. قال الله غز وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال فهو فضلي أوتيه من أشاء"١.
وحديث: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل فعملوا إلى نصف النهار. فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخرين فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت فعملوا حتى إذا كان حين العصر قالوا: لك ما عملنا، فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين" ٢، فقد أورد الإمام البخاري
стр. 416
هذين الحديثين في باب (من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب) ، ونقل ابن حجر عن بعض العلماء أن وجه إيراد البخاري لهذين الحديثين في هذه الترجمة، الدلالة على أنه قد يُستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله فهو نظير من يُعطى أحرَ الصلاة كلها ولو لم يدرك إلا ركعة – أي في وقت الصلاة١ -.
ثالثا: يضاف إلى ما سبق العرف اللغوي فكثيرا ما يطابق الكل – في اللغة – ويراد به البعض أو الأكثر٢.
العمل بالقاعدة:
هذه القاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة، فمن الفقهاء من نص على تقعيدها وقد تقدم ذكر بعض ذلك، ومنهم من علل بها في بعض المواضع من ذلم قول محمد بن الحسن للإمام أبي حنيفة: "أرأيت رجلا توضأ ومسح على خُفيه مرة واحد بإصبع أو بإصبعين؟ قال: لا يجزيه. قلت: أرأيت إن مسح بثلاثة أصابع أو أكثر من ذلك؟ قال: يجزيه. قلت: من أين اختلفنا؟ قال: إذا مسح
стр. 417
بالأكثر من أصابعه أجزأه ذلك"١، وقال ابن اللحام الحنبلي: الأكل من مال من مالُه حرام هل يجوز أم لا؟ في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: التحريم مطلقا، والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرُم الكل، والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرُم وإلا فلا؛ إقامة للأكثر مقام الكل٢ ...
من فروع القاعدة:
١- إدراك الركعة مع الإمام بإدراك الركوع معه٣.
٢- قيام جزء من الليل في شهر رمضان قائم مقام قيام الليل٤.
٣- إذا أتلف أكثر العضو، أو أذهب منفعته لزمته دية العضو كاملة إذا كان مما يوجب الدية (على تفصيل في ذلك) ٥.
стр. 418
وجه التيسير:
يظهر وجه التيسير في هذه القاعدة عند تطبيقها على العبادات حيث يعطي الله تعالى بفضله الأجر على كل العمل وإن كان المُؤدى بعضه كما تقدم في شرح القاعدة١.
стр. 419
القاعدة الرابعة والثلاثون: من أطلق لفظاً لا يعرف معناه لم يؤخذ بمقتضاه .
...
القاعدة الرابعة والثلاثون: من أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه.
ذكر هذه القاعدة بهذا النص العز بن عبد السلام١، وعدّ السيوطي من شروط النية العلم بالمنوي، ثم قال: ومن فروع هذا الشرط ما لو نطق بكلمة الطلاق بلغة لا يعرفها وقال: قصدت بها معناها بالعربية فإنه لا يقع الطلاق في الأصح، وعلل ذلك بأن "ما لا يُعْلم لا يصح قصده"٢، وأشار إلى معنى هذه القاعدة ابن رجب حيث قسم الألفاظ إلى ما يعتبر فيه اللفظ والمعنى، وما يعتبر فيه المعنى دون اللفظ، وما يعتبر فيه اللفظ عند القدرة عليه٣، وأشار بعض الفقهاء إلى هذا المعنى تعليلا٤، ومما يشير إلى معنى هذه القاعدة ما قرره بعض الفقهاء من أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ عند اختلافهما٥.
стр. 420
معاني المفردات:
أطلق: الإطلاق ضد التقييد. يقال: أطلقت الأسير أي خليته، وأطلقت الناقة من عقالها١، والمراد أنه تكلم.
لفظا: أي كلاما. يقال: لفظت بالكلام وتلفظت به أي تكلمت به٢، وهو في اصطلاح النحويين: جنس يشمل الكلام والكلمة، والكَلِم ويشمل المستعمل والمهمل٣.
стр. 421
مقتضاه: مقتضى اللفظ هو ما يدل عليه. جاء في المصباح المنير: اقتضيت منه حقي: أخذتُ، واقتضى الأمر الوجوب أي دلّ عليه. وأصله من القضاء وهو الحكم١، وهو عند الأصوليين ما تتوقف استقامة الكلام، أو صحته العقلية أو الشرعية على تقديره٢.
المعنى الإجمالي:
معنى القاعدة أن من تكلم بلفظ وهو لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ به، ولا تترتب آثار ذلك اللفظ عليه، سواء كان هذا اللفظ دالا على عقد – من نكاح أو غيره – أم كان دالا على طلاق، أم كان دالا على غير ذلك؛ لأنه لم يقصد المعنى؛ إذ قَصْد معنى اللفظ متوقف على معرفته، ومالم يعلم معناه لم يصح قصده٣. وإذا كان العلماء قد جعلوا علة هذه القاعدة أن المتكلم لم يقصد المعنى فإن لفظ القاعدة يكون أشمل لو قيل: ((من لم يقصد معنى اللفظ لم يؤاخذ بمقتضاه)) ؛ ليشمل حكم القاعدة المكرَهَ فإنه غير
стр. 422
مؤاخذ بمقتضى ما يتلفظ به – وإن علم معناه -؛ لأنه لم يقصد، فعدم قصد معنى اللفظ يكون بسبب عدم العلم بالمعنى، أو بسبب الإكراه على اللفظ١. لكن الذي يبدو أن اختيار عبارة " ... لا يعرف معناه" مراد بها إخراج الهازل؛ لأنه يعلم معنى ما يتلفظ به فهو مؤاخذ بما يتلفظ به ولو ادعى أنه لم يقصد معناه٢. ولم ينص الشيخ عز الدين على دخول المكرَه تحت حكم هذه القاعدة إلا أن تعليله بعدم القصد إلى المعنى٣ دال على شمول حكم القاعدة له فالمكره – وإن كان يعلم معنى ما يتلفظ به – فإن إكراهه على التلفظ بما لا يريد دليل ظاهر على عدم قصده معنى ذلك اللفظ، فيكون قصده إنما هو دفع الأذى عن نفسه فلا يترتب على اللفظ حكمه.
стр. 423
الأدلة:
بنى العلماء هذه القاعدة على أن المتلفظ هنا لم يلتزم مقتضى اللفظ، ولم يقصده؛ لذا فإنه يصح الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي:
١- عموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... "، فالقول هو عمل اللسان١.
٢- حديث: " ... لَلَّه أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح"٢.
ووجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذ بما قال وإن كان كفرا؛ لأنه لم يقصده.
٣- "قصة قضاء عمر بن الخطاب ﵁ في المرأة التي قالت لزوجها: سمّني، فسماها الظبية. قالت: ما قلت
стр. 424
شيئا. قال: فهات ما أسمّيك به. قالت: سمّني خليَّة. طالق. فقال لها: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها"١.
العمل بالقاعدة:
يقرّ جمهور الفقهاء هذه القاعدة ويعملون بموجبها.
قال ابن القيم ﵀ في معرض كلامه عن اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ -: "فلا بد من إرادتين إرادة التكلم باللفظ اختيارا، وإرادة موجبه ومقتضاه ... إلى أن قال: وهو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام"٢، ويدل على إعمال الفقهاء لهذه القاعدة أن جمهورهم على أن من تلفظ بالطلاق وهو لا يعرف معناه، أنه لا يقع طلاقه، وقال الحنفية: تطلق زوجته ديانة لا قضاء٣.
стр. 425
من فروع القاعدة:
١- ما لو تلفظ بالطلاق وهو لا يعرف معناه فإن عدم علمه بالمعنى له تأثير، في عدم المؤاخذة. فمن الفقهاء من يرى أن هذا الطلاق لا يترتب عليه أثر أصلا، ومنهم من يقول: تطلق في القضاء لأنه يُبنى على الظاهر، ولا تطلق ديانة.
٢- ما لو تلفظ بكلمة: "بعت"، ونحوها ولم يكن يعرف معناها فإنه لا ينعقد١.
٣- ما لو نطق الإنسان بكلمة الكفر وهو لا يعرف معناها لم يعد مرتدا٢.