← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مقتضاه: مقتضى اللفظ هو ما يدل عليه. جاء في المصباح المنير: اقتضيت منه حقي: أخذتُ، واقتضى الأمر الوجوب أي دلّ عليه. وأصله من القضاء وهو الحكم١، وهو عند الأصوليين ما تتوقف استقامة الكلام، أو صحته العقلية أو الشرعية على تقديره٢. المعنى الإجمالي: معنى القاعدة أن من تكلم بلفظ وهو لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ به، ولا تترتب آثار ذلك اللفظ عليه، سواء كان هذا اللفظ دالا على عقد – من نكاح أو غيره – أم كان دالا على طلاق، أم كان دالا على غير ذلك؛ لأنه لم يقصد المعنى؛ إذ قَصْد معنى اللفظ متوقف على معرفته، ومالم يعلم معناه لم يصح قصده٣. وإذا كان العلماء قد جعلوا علة هذه القاعدة أن المتكلم لم يقصد المعنى فإن لفظ القاعدة يكون أشمل لو قيل: ((من لم يقصد معنى اللفظ لم يؤاخذ بمقتضاه)) ؛ ليشمل حكم القاعدة المكرَهَ فإنه غير

стр. 422

مؤاخذ بمقتضى ما يتلفظ به – وإن علم معناه -؛ لأنه لم يقصد، فعدم قصد معنى اللفظ يكون بسبب عدم العلم بالمعنى، أو بسبب الإكراه على اللفظ١. لكن الذي يبدو أن اختيار عبارة " ... لا يعرف معناه" مراد بها إخراج الهازل؛ لأنه يعلم معنى ما يتلفظ به فهو مؤاخذ بما يتلفظ به ولو ادعى أنه لم يقصد معناه٢. ولم ينص الشيخ عز الدين على دخول المكرَه تحت حكم هذه القاعدة إلا أن تعليله بعدم القصد إلى المعنى٣ دال على شمول حكم القاعدة له فالمكره – وإن كان يعلم معنى ما يتلفظ به – فإن إكراهه على التلفظ بما لا يريد دليل ظاهر على عدم قصده معنى ذلك اللفظ، فيكون قصده إنما هو دفع الأذى عن نفسه فلا يترتب على اللفظ حكمه.

стр. 423

الأدلة: بنى العلماء هذه القاعدة على أن المتلفظ هنا لم يلتزم مقتضى اللفظ، ولم يقصده؛ لذا فإنه يصح الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي: ١- عموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... "، فالقول هو عمل اللسان١. ٢- حديث: " ... لَلَّه أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح"٢. ووجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذ بما قال وإن كان كفرا؛ لأنه لم يقصده. ٣- "قصة قضاء عمر بن الخطاب ﵁ في المرأة التي قالت لزوجها: سمّني، فسماها الظبية. قالت: ما قلت

стр. 424

شيئا. قال: فهات ما أسمّيك به. قالت: سمّني خليَّة. طالق. فقال لها: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها"١. العمل بالقاعدة: يقرّ جمهور الفقهاء هذه القاعدة ويعملون بموجبها. قال ابن القيم ﵀ في معرض كلامه عن اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ -: "فلا بد من إرادتين إرادة التكلم باللفظ اختيارا، وإرادة موجبه ومقتضاه ... إلى أن قال: وهو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام"٢، ويدل على إعمال الفقهاء لهذه القاعدة أن جمهورهم على أن من تلفظ بالطلاق وهو لا يعرف معناه، أنه لا يقع طلاقه، وقال الحنفية: تطلق زوجته ديانة لا قضاء٣.

стр. 425

من فروع القاعدة: ١- ما لو تلفظ بالطلاق وهو لا يعرف معناه فإن عدم علمه بالمعنى له تأثير، في عدم المؤاخذة. فمن الفقهاء من يرى أن هذا الطلاق لا يترتب عليه أثر أصلا، ومنهم من يقول: تطلق في القضاء لأنه يُبنى على الظاهر، ولا تطلق ديانة. ٢- ما لو تلفظ بكلمة: "بعت"، ونحوها ولم يكن يعرف معناها فإنه لا ينعقد١. ٣- ما لو نطق الإنسان بكلمة الكفر وهو لا يعرف معناها لم يعد مرتدا٢.

стр. 426

وجه التيسير: وجه التيسير أن الشارع لم يؤاخذ المكلف باللفظ الذي يتكلم به دون معرفة معناه، ولم يرتب على ذلك اللفظ آثاره؛ لأنه لم يتحقق فيه القصد إلى معنى ذلك القول، والله أعلم.

стр. 427

القاعدة الخامسة والثلاثون من تصرف مستندًا إلى سبب، ثم تبين أنه غيره وهو موجود فتصرفه صحيح . ((صياغة)) ذكر هذه القاعدة ابن رجب١، وذكر السبكي نحوها٢، وقد أورد السبكي - أيضا - فصلا فيمن أخطأ الطريق، وأصاب المطروق. لكنه أوضحه بما يدل على أن المراد به غير المراد بالقاعدة التي ذكرها ابن رجب فقال: "وبعبارة أخرى فيمن هجم فتبين أنه فعل الصواب هل يكون خطؤه في الطريق حيث هجم موجبا لغير حكم المطروق؟ "٣، أما القاعدة التي ذكرها ابن رجب فسيأتي بيان معناها قريبا - إن شاء الله -، وقد أورد المقري قاعدة بلفظ: ((مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل)) ، وهي بلفظها تتضمن - فيما أرى - إشارة إلى هذه القاعدة، وإن كانت الأمثلة التي أوردها تدل على أن مراده بها مختلف عن مراد ابن رجب بهذه القاعدة، حيث مثل لها بالمتيمم يجد الماء أثناء الصلاة، وقال: إنه

стр. 428

لا يقطعها؛ تقديما للمقاصد على الوسائل١. معاني المفردات: السبب: تقدم بيان معناه في اللغة والاصطلاح. والمراد به في القاعدة ما يستند إليه المكلف في تصرفه وإن لم ينطبق عليه التعريف الاصطلاحي للسبب٢. المعنى الإجمالي: يريد ابن رجب بيان حكم من تصرف تصرفا، وكان معتمدا في ذلك التصرف إلى سبب، ثم ظهر له خطؤه في ذلك السبب. بمعنى عدم وجود ذلك السبب حقيقة، مع وجود سبب صحيح لم يطلع عليه، ولم يعتمد عليه، وهذا يشمل حالتين: الأولى: أن يكون السبب الذي اعتمد صحيحا. لكنه لم يثبت له، أي لم يوجد حقيقة كمن استدل على القبلة بنجم يظنه الجدي، ثم تبين له أنه نجم آخر مشابه له، فإن السبب الذي اعتمده وهو دلالة نجم الجدي لم يثبت له حقيقة وإن كان في أصله

стр. 429

سببا أو دليلا صحيحا١. الثانية: أن يكون السبب الذي اعتمده غير صحيح، مثل أن يتصرف في سلعة بناء على شرائه إياها، ثم يتبين أن الشراء فاسد وتكون هذه السلعة قد انتقلت إلى ملكه بسبب آخر كالإرث مثلا. ففي الحالتين يكون الفعل قد وقع موافقا للصواب؛ لوجود سببه الصحيح وإن لم يبن المكلف تصرفه عليه. بل بناه على غيره.

стр. 430

وتخالف هذه القاعدة قاعدة ((لا عبرة بالظن البين خطؤه)) ففيها يكون المكلف قد اعتمد سببا خاطئا، ولم يوجد سبب آخر يقتضي صحة ذلك التصرف. دليل القاعدة: لم يذكر ابن رجب ﵀ دليلا على صحة هذه القاعدة. إلا أنه علل ذلك بكون التصرف وقع مستندا إلى سبب مسوغ في الباطن والظاهر١، كما أنه بيّن أن الحكم بصحة هذا التصرف أولى من الحكم بصحة نصَرُّف من تصرَّف ولم يكن له مستند في الظاهر، فوافق وجود سبب صحيح، وقد حكم بعض الفقهاء بصحة ذلك التصرف٢. العمل بالقاعدة: نص ابن رجب على أن المذهب (أي مذهب الحنابلة) في هذه الصورة الصحة بلا ريب٣، وتدل فروع الفقه الشافعي على

стр. 431

تصحيحهم لهذه القاعدة. قال النووي من الشافعية: "لو باع مال أبيه على ظن أنه حيّ وهو فضولي، فبان ميتا حينئذ، وأنه ملك العاقد، فقولان أظهرهما أن البيع صحيح؛ لصدوره عن مالك"١. ولم أقف على صورة القاعدة عند الحنفية، والمالكية. لكن قولهم في مسائل أخرى يدل على تصحيحهم لهذه القاعدة. فقد قال ابن عابدين من الحنفية: "لو كان بحضرة الإنسان من يسأله - أي عن القبلة - فتحرى ولم يسأله فإن أصاب القبلة جزء؛ لحصول المقصود"٢. وقال الخرشي من المالكية: "من باع ملك غيره بغير إذنه فإن المبيع موقوف على إجازة المالك فإن أجازه جاز"٣؛ وذلك أن هاتين الصورتين لم يعتمد التكلف فيهما على مستند يراه صحيحا فإذا قيل بصحتهما فالقول بالصحة في صورة القاعدة - التي يكون المكلف فيها قد اعتمد سببا يراه صحيحا - أولى، والله

стр. 432

أعلم. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن رجب نفسه حيث قال: "فإن قلنا في القاعدة الأولى - وهي قوله ((من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه فتبين أنه كان يملكه)) - بالصحة، فهنا أولى، وإن قلنا ثمَّ بالبطلان فيحتمل هنا الصحة؛ لأنه استند إلى سبب مسوغ وكان في نفس الأمر له مسوغ غيره، فاستند التصرف إلى مسوغ في الباطن والظاهر بخلاف القسم الذي قبله"١. من فروع القاعدة:٢ ١- ما إذا أصاب القبلة ولم يعتمد على سبب صحيح٣. ٢- من تصرف في شيء اشتراه، ثم ظهر أن البيع فاسد. لكن ذلك الشيء انتقل إلى ملكه بسبب آخر كالإرث، صح تصرفه٤.

стр. 433

٣- بيع الفضولي فإذا أجازه المالك صح، وإلا فلا١. وجه التيسير: تعتبر هذه القاعدة من قواعد التيسير حيث يتقرر من خلالها صحة تصرف المكلف إذا وافق ذلك التصرف مستندا صحيحا، وعدم النظر إلى كونه قد اعتمد في ذلك الفعل على سبب تبين له خطؤه فيه. فيصح ذلك العمل ويكون مجزيا - إن كان عبادة - وتترتب آثاره عليه إن كان معاملة.

стр. 434

القاعدة السادسة والثلاثون: من تعلق به الامتناع من فعل متلبس به، فبادر إلى الإقلاع عنه لم يكن ذلك فعلا للممنوع منه في بعض الصور ((صياغة)) . ذكر هذه القاعدة ابن رجب بصيغة الاستفهام-، ثم قسم الأفعال التي يتعلق فيها الامتناع بالمكلف إلى أربعة أنواع: النوع الأول: أن لا يتعلق به حكم الامتناع بالكلية إلا وهو متلبس به. النوع الثاني: أن يمنعه الشارع من الفعل في وقت معين ويعلم بالمنع، ولكن لا يشعر بوقت المنع حتى يتلبس به. النوع الثالث: أن يعلم قبل الشروع في الفعل أنه إذا شرع فيه ترتب عليه تحريمه وهو متلبس به. النوع الرابع: أن يتعمد الشروع في فعل محرم عالما بتحريمه، ثم يريد تركه والخروج منه١. ولم أجد هذه القاعدة مذكورة عند غير ابن رجب. إلا أن

стр. 435

مسائلها قد تتخرج على قواعد أخرى١. وقد بحث الأصوليون بعض صور هذه القاعدة٢. معاني المفردات: متلبّس: أي مخالط، يقال: تلبس بالأمر وبالثوب اختلط٣. بادر: سارع يقال: بَدَرْتُ إلى الشيء ابدُرُ بُدُوْرًا أسرعت إليه، وتبادر القوم تسارعوا٤. الإقلاع: الكف٥. المعنى الإجمالي: صورة هذه القاعدة أن المكلف قد يلزمه - شرعا - الامتناع من أمر معيّن والكفّ عنه٦، والحال أنه متلبس به بحيث يكون

стр. 436

تصرفه أو تحركه للإقلاع عن ذلك الأمر واقعا في غير المستَحق له - زمانا أو مكانا - أي يكون طريقه إلى الترك بمثابة الجزء من الفعل المنهي عنه. والمراد بيان الحكم المتعلق بالمكلف في مثل هذه الحال، هل يعتبر - في تركه - مرتكبا لما نهي عنه ويكون مؤاخذا به، أو يعتبر تاركا لما أمر بتركه غير مؤاخذ بذلك؟ والجواب الذي قرره ابن رجب - من خلال هذه القاعدة - أن لتلك الحالة عدة صور منها ما لا يعتبر المكلف فيها مرتكبا للمنهي عنه، ومنها ما هو محل خلاف. الأدلة: تقدم أن ابن رجب بين أن صور هذه القاعدة منها ما هو محل خلاف في المذهب. ولذا فإنه لابد من ذكر مستند من يرى أن المكلف في هذه الصور - أو بعضها - غير مرتكب للمنهي عنه من حيث الجملة أيضا. فأما من يرى أنه غير مرتكب للمنهي عنه فيمكن الاستدلال

стр. 437

له بالآتي: ١- ما جاء في الحديث: "أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة، وهو مصفّر لحيته ورأسه، وعليه جبّة فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وأنا كما ترى فقال: "انزع عنك الجبّة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجّك فاصنعه في عمرتك"١. قال الحافظ ابن حجر: "واستُدل به على أن من أصحابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا، ثم علم فبادر إلى إزالته، فلا كفارة عليه، وعلى أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقُّه"٢. ٢- إن اعتبار الإقلاع عن الذنب في هذه الحال معصية يؤدي إلى المكلف التكليف بالمحال؛ لأنه يتوجه إلى المكلف أمر ونهي متعلقان بفعل واحد في وقت واحد٣.

стр. 438

٣- عموم قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١. ٤- أن ذلك معتبر بالنية، فإن المكلف إذا فعل ذلك بقصد الإقلاع عن الذنب ولرفع أكثر المعصيتين -وهي الاستمرار- بأقلهما وهي ترك المتضمن لفعل شيء من المنهي عنه، لم يكن حاله كحال من يفعل ذلك بقصد البقاء على ما نهي عنه٢. وأما القول بأنه يعتبر فاعلا لما نهي عنه في بعض الصور فهو مبني على تحقق ذلك منه فعلا وقطع النظر عن قصده في ذلك. العمل بالقاعدة: إن بيان آراء الفقهاء في هذه القاعدة يحتاج إلى تفصيل يناسب ما ذكره ابن رجب من تفصيل فيما تشمله هذه القاعدة. فقد ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى أن من أحرم وعليه قميص أو نحوه فبادر إلى نزعه، أو أصابه طيب فبادر إلى إزالته، أنه لا فدية عليه٣.

стр. 439

كما ذهب الجمهور إلى أن من حلف أن لا يسكن دارا وهو ساكنها، أو أن لا يلبس ثوبا وهو لابسه، أو نحو ذلك، فإنه يلزمه الخروج من الدار، ونزع الثوب ولا يحنث إذا لم يتراخ في ذلك١. وهاتان المسألتان تمثلان النوع الأول مما ذكره ابن رجب وهو من لا يتعلق به حكم الامتناع بالكلية إلاّ وهو متلبس به. وأما النوع الثاني وهو ما إذا مُنع المكلف من الفعل في وقت معين، وعلم بالمنع، لكنه لم يشعر بوقت المنع حتى تلبس به فمن مسائله من جامع في ليل رمضان فأدركه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، وقد ذهب الحنفية إلى أن ذلك لا يُفسد الصوم٢، وقال الخرشي من المالكية: "إنه لا شيء عليه على المشهور"٣، ونقل ابن جزي خلافا في وجوب القضاء، وقال: "إن سببه أن النزع هل يعد جماعا أم لا؟ "٤ وإلى صحة صومه ذهب الشافعية

стр. 440

أيضا١، أما الحنابلة، فقد نقل ابن قدامة عن بعض فقهاء المذهب أن عليه الكفارة، وعن بعضهم أنه لا قضاء عليه ولا كفارة٢. ومن مسائل النوع الثالث وهو ما إذا علم المكلف قبل الشروع في فعل أنه إذا شرع فيه ترتب عليه تحريمه وهو متلبس به أن يقول الرجل لزوجته: إن وطأتك فأنت طالق ثلاثا، فهل يعتبر نزعه بعد وقوع الطلاق فعلا للمنهي عنه (أي استمتاعا بأجنبية؟) . قال المرغيناني من الحنفية: "ولو قال لإمرأته: إذا جامعتك فأنت طالق ثلاثا، فجامعها، فلما التقى الختانان طلقت ثلاثا وإن لبث ساعة لم يجب عليه المهر، وإن أخرجه ثم أدخله وجب عليه المهر"٣، ويرى المالكية أن النزع حرام، والمخلص منه أن ينوي ببقية وطئه الرجعة إذا كان الطلاق رجعيا. فإن كان ثلاثا ونحوها فقال بعضهم يُعَجَّل عليه الحنث، وقال بعضهم تضرب له مدة الإيلاء٤.

стр. 441

وقال النووي: "الصحيح أنه لا يمنع من الوطء بل يقال له: عليك النزع. بمجرد تغيب الحشفة"١، ونقل ابن قدامة عن الحنابلة روايتين: إحداهما: لا يجوز له الوطء ويؤمر بالطلاق. والثانية: تجوز له الفيأة٢ والوطء؛ لأن النزع تركُ للوطء وترك الوطء ليس وطئا٣. والنوع الرابع: أن يتعمد الإنسان الشروع في فعل محرم عالما بتحريمه، ثم يريد تركه والخروج منه وقد مثل له ابن رجب بمن توسط أرضا مغصوبة ثم تاب وندم وأخذ في الخروج منها. وهذه

стр. 442

المسألة قد بحثها علماء الأصول، ونقل ابن برهان١ الاتفاق على أنه إذا تاب صحت توبته، ووجب عليه أن يبتدر إلى الخروج مسرعا من أقرب الطرق فإذا فعل ذلك فلا إثم عليه٢، وصرح بهذا الحكم الإمام الشافعي٣، ولم أتمكن من الوقوف على هذا الفرع الفقهي من كتب الفروع. وقد تقدم ذكر عدد من الفروع الفقهية المخرجة على هذه القاعدة. وجه التيسير: يظهر التيسير في هذه القاعدة إذا ما قيل: إن من يبادر إلى ترك المنهي عنه لا يكون فاعلا له وذلك من وجهين: الأول: عدم حصول التكليف بالمحال. الثاني: تسهيل ترك الذنب والإقلاع عنه؛ حثا للمكلف على الامتناع من المعصية، والله أعلم.

стр. 443

القاعدة السابعة والثلاثون: من صحت منه مباشرة الشيئ صح توكيله فيه غيره، وتوكّله فيه عن غيره، ومن لا فلا . ... القاعدة السابعة والثلاثون: من صحت منه مباشرة الشيء صح توكيله فيه غيرَه، وتوكُّلُه فيه عن غيره، ومن لا فلا. ذكر هذه القاعدة - بهذه الصيغة - السيوطي١، وأوردها عدد من الفقهاء - في كتب القواعد بصيغة متعددة لا تعدو هذا المعنى٢، كما أن كتب الفروع توردها في باب الوكالة٣. معاني المفردات: صحّت: الصحة لغة ضد السَّقَم٤. وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين: عبارة عن كون الفعل مُسْقِطا للقضاء في العبادات، أو سببا لترتب الثمرة المطلوبة عليه

стр. 444

في المعاملات. وهي عند المتكلمين بمعنى موافقة أمر الشارع وجَبَ القضاء أو لم يجب١. المباشرة لغة: مفاعلة من (بشر) ، والبشرة ظاهر جلد الإنسان ومنه مباشرة الأمور أن تليها بنفسك٢. التوكيل لغة: مصدر وكّل ومادته في اللغة تدل على اعتماد غيرك في أمرِك٣. وفي الاصطلاح: عرَّف الفقهاء الوكالة -وهي بمعنى التوكيل- بعدة تعريفات منها: أنها استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة٤. المعنى الإجمالي: معنى هذه القاعدة أن كل من توافرت فيه شروط الأهلية لمباشرة تصرف ما فإنه يصح له أن يقيم مقامه من يباشر ذلك

стр. 445

التصرف، كما يصح أن يتوكل هو عن غيره في مباشرة ما يوكّله فيه. وظاهرُ عموم هذه القاعدة، وكلام الفقهاء عليها يدلان على أنها تشمل العبادات والمعاملات ويدل على ذلك أن بعض من أورد هذه القاعدة استثنى من عمومها بعض العبادات التي لا تصح فيها النيابة١. إلا أن القاعدة ليست على إطلاقها فهي مقيدة بكونها فيما تصح فيه النيابة. وذلك أن العلماء قسّموا الأفعال من حيث قبولها للنيابة إلى قسمين: قسم يقبل النيابة وهي الأفعال التي تتحقق مصلحتها بحصول الفعل مع قطع النظر عن فاعله كردّ الودائع، وقضاء الديون، وتفريق الزكوات، وأكثر العقود. وقسم لا يقبل النيابة وهو ما لا تتحقق مصلحته إلا بمباشرة المكلف له كالصلاة، ونحوها من العبادات غير المالية٢.

стр. 446

الأدلة: أدلة هذه القاعدة هي الأدلة التي يذكرها الفقهاء على مشروعية الوكالة وهي كثيرة من أشهرها: ١- قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ ١. قال ابن العربي ﵀: "وهذا - أي الدليل - يدل على صحة الوكالة وهو أقوى آية في الغرض٢. ٢- ما رواه عروة البارقي٣ ﵁: "أن النبي ﷺ أعطاه دينارا ليشتري له به شاتين فباع إحداهما بدينار فجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه"٤.

стр. 447

٣- الإجماع. وقد نقله عدد من العلماء. قال القرطبي ﵀: "ولا خلاف فيها في الجملة"١، وقال ابن قدامة: "أجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة"٢، ونقل ابن المنذر الإجماع على عدد من صور الوكالة٣. ٤- ومما يدل على صحة النيابة في بعض العبادات: حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنتهما قال: "جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع. فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة. فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم"٤.

стр. 448

العمل بالقاعدة: كما تقدم فقد أجمع العلماء على صحة الوكالة. وهو إجماع على صحة العمل بهذه القاعدة والخلاف إنما هو في صحة الوكالة في بعض الصور. وذكر السبكي أن الأصل عند الحنفية أن النيابة لا تدخل المأمور إلا لمقتض، وعند الشافعية تدخل المأمور إلا لمانع١. من فروع القاعدة: ١- صحة التوكيل في البيع ونحوه ممن يصح منه البيع٢. ٢- صحة التوكيل في النكاح٣. ٣- عدم صحة توكيل الصبي ومن في حكمه٤.

стр. 449

وجه التيسير: وجه التيسير في هذه القاعدة أن من الناس من لا يستطيع مزاولة جميع أموره ومصالحه بنفسه لعجز في بدنه، أو اعدم إتقانه لبعض الأمور، أو لكثرة أعماله، أو نحو ذلك، فكان من تيسير الله تعالى أن شرع لعباده ما يمكنّهم من قضاء حوائجهم دون أن يباشروها بأنفسهم. بل أجاز ذلك في بعض العبادات عند العجز عنها، وعندما تكون المصلحة المطلوبة منها متحققة بفعل الوكيل ليحصل له بذلك الثواب١.

стр. 450

القاعدة الثامنة والثلاثون: من١ فعل عبادة في وقت وجوبها يظن أنها الواجب عليه، ثم تبيّن بأخَرَةٍ أن الواجب عليه كان غيرها، فإنه يجزئه. هذه القاعدة ذكرها ابن رجب الحنبلي٢، ثم قال: "ويلتحق بها ما إذا خفى الاطلاع على خلل الشرط ثم تبيّن فإنه يغتفر في الأصح"٣. معاني المفردات: الأخَرَة: بمعنى الأخير يقال: جاء فلان بأخرة أي أخيرا٤. يجزئه: الإجزاء لغة مصدر أجزأ يجزئ وهو الكفاية يقال: جَزَاْتُ بالشيء جَزْءًا: أي اكتفيت به، وأجزأني الشيء كفاني٥. وفي الاصطلاح: عُرّف بأنه الأداء الكافي لسقوط التعبد به،

стр. 451

وقيل: هو سقوط القضاء١. المعنى الإجمالي: لكي يتضح معنى هذه القاعدة لابد أولا من إيضاح أن بعض التكاليف الشرعية تكون مطلوبة - أصلا على وجه معين، ثم قد يكون الواجب على المكلف أداؤها على وجه آخر - أيسر منه غالبا على سبيل البدل عن الوجه الأصلي تيسيرا عليه على حسب حاله. وبالنظر في المسائل التي مثّل بها ابن رجب ﵀ يتبين أن مراده بها أنه إذا دخل وقت عبادة ما والمكلف على حال تجب عليه فيها تلك العبادة على وجه من التخفيف والبدل عن المطلوب أصلا، فأدّى ذلك الواجب على وفق ما يجب عليه بحسب حاله، ثم تغير حاله بحيث أصبح ممن تجب عليهم هذه العبادة على الوجه الأصلي، فإن فعله ذلك يكون مجزئا حتى لو لم يخرج وقت تلك العبادة. وبناء على هذا المعنى يتضح أن المكلف قد أدّى الواجب عليه بحسب حاله فيكون معنى قوله: "يظن أنها الواجب" أي

стр. 452

يغلب على ظنه أن تستمر حاله على تلك الصفة بحيث يكون ما فعله من البدل هو الواجب لو أخّره. ويوضح ذلك المثالُ، فإنه إذا أقام المعضوب من يحجّ عنه لمرض أعجزه عن الحج بنفسه ثم برئ بعد أن حجّ عنه وكيله فإن ذلك الحج - على حسب هذه القاعدة يكون مجزيا - وذلك أنه ظن استمرار عجزه عن الحج بحيث لا يجب عليه إلا الإنابة ففعل ما يلزمه فلا يضره أن يزول سبب مشروعية البدل بعد وقوعه. وعلى هذا فهي تخصيص لقاعدة ((لا عبرة بالظن البين خطؤه)) ؛ لأن المكلف قد فعل ما يجب عليه - بحسب حاله فاعتُبر الظن ولم يُلْغَ فإن لفظ "البيّن خطؤه" في القاعدة المذكورة يشمل صورتين: الأولى: هي الصورة المذكورة في هذه القاعدة١. والثانية: فعل المكلف غير ما طلب منه شرعا بناءً على ظن

стр. 453

خاطئ. الأدلة: ١- يصح الاستدلال لهذه القاعدة بما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا له ذلك فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين" ١. ووجه الاستدلال منه أنه ﷺ قال للذي لم يعد صلاته. بل اكتفى بما فعله من البدل على حسب حاله: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" مع أنه قد بنى صلاته على الظن أنه لن يجد الماء في الوقت فلم يضره تغير الحال.

стр. 454

قال السندي١: "وهذا تصويب لاجتهاده وتخظئة لاجتهاد الآخر"٢. أما قوله لمن أعاد: "لك الأجر مرتين" فقد تأوله بعضهم على أن له أجر الصلاة بالتيمم، وأجر الاجتهاد الذي أخطأ فيه، وقال بعضهم: أجر الصلاتين؛ لأن كلا منهما صحيحة، والله أعلم٣. ٢- من حيث المعقول فإن المكلف قد أدّى العبادة الواجبة عليه على الوجه المطلوب منه في تلك الحال فبرئت ذمته٤

стр. 455

٣- أنه لو لمر بفعلها مرة أخرى لكان مؤديا لعبادة واحدة مرتين على سبيل الوجوب وقد ورد النهي عن أن يصلي المرء صلاة في يوم مرتين١. أي على سبيل الوجوب٢. وهذا وإن كان نصا في الصلاة إلا أنه يمكن أن تؤيّد به هذه القاعدة٣. العمل بالقاعدة: تقدم أن ابن رجب من الحنابلة قد نص على هذه القاعدة، ولم أقف حسب بحثي على من ينص عليها غيره إلا أنه يمكن اعتبارها بمثابة ما استثني من قاعدة ((لا عبرة بالظن البيّن خطؤه)) وقد استثنى بعض العلماء منها بعض الصور. وبالنظر في بعض المسائل التي مثّل بها ابن رجب للقاعدة نجد أن الغالب على مذهب الحنابلة العمل بموجب هذه القاعدة فقد قالوا

стр. 456

في المعضوب يقيم من يحجّ عنه، ثم يبرأ بعد أن يُحجّ عنه: يجزئه هذا الحج ولا يلزمه أن يحج بنفسه١، وقالوا في المريض الذي لا يرجى برؤه إذا أطعم مكان الصيام، ثم برئ وقدر على الصيام لا يلزمه أن يصوم قضاء، وذكر ابن قدامة احتمالا آخر بلزوم الصيام٢. وذهبوا إلى من صلى يوم الجمعة ظهرا ممن لا تجب عليهم الجمعة، ثم أصبح ممن تجب عليهم قبل أن يصلي الإمام، فإن صلاته تجزئه ولا تلزمه الجمعة٣، وكذلك الحال في مذهب الشافعية فإنهم يرون أن صلاة الظهر تجزئه في الصورة المذكورة على الرأي المشهور عندهم٤. ونقل الشيرازي في مسألة الحج عن المعضوب طريقين أحدهما

стр. 457

أن فيها قولين، والثاني أنه تلزمه الإعادة١. وذكروا في مسألة إجزاء الإطعام عن الصيام في حق من برئ وجهين٢. أما الحنفية، والمالكية ففروعهم تدل على أنهم أقل أخذا بهذه القاعدة فالحنفية يرون أنه يلزم من أقام من يحجّ عنه لمرضه، ثم برئ بعد أن حُجّ عنه أن يحج بنفسه ولا يجزئه حج الوكيل عنه٣، وكذلك من أطعم، ثم قدر على الصيام يلزمه القضاء عندهم٤. أما من صلى يوم الجمعة ظهرا لعذر، ثم زال عذره فإن صلاته تجزئه ولا تلزمه الجمعة ولا يكره له ذلك. بل إنها تجزئ عندهم

стр. 458

عمّن تجب عليه الجمعة أصلا فصلاها ظهرا مع كونه قد ارتكب إثما بترك الجمعة١، وذهب المالكية إلى أن من صلى يوم الجمعة ظهرا لعذر، ثم وال عذره قبل أن يصلي الإمام فإن الجمعة تلزمه٢. وبالنسبة إلى فدية من لم يُطِق الصوم فإنها عندهم غير واجبة٣ فلا يتوجّه فيها الخلاف، والحج عندهم لا يقبل النيابة أصلا ولا يجزئ الإنسان حجّ غيره عنه٤. أما المسألة التي ورد النص به وهي مسألة المتيمم الذي يجد الماء في الوقت بعد أن يصلي فإن غالب الفقهاء من المذاهب الأربعة يرون أنه لا إعادة عليه٥. وقد تقدم إيراد بعض فروع القاعدة وآراء الفقهاء فيها.

стр. 459

وجه التيسير: وجه التيسير في هذه القاعدة عند من يقول بها هو عدم إلزام المكلف بإعادة العبادة إذا كان قد فعلها على الوجه المطلوب منه حال عذره وإن زال هذا العذر؛ تيسيرا عليه؛ ولكونه قد أدى ما وجب عليه في تلك الحال.

стр. 460

القاعدة التاسعة والثلاثون: من عليه فرض موسع الوقت يجوز له التنفل -قبل أدائه- من جنسه . ((صياغة)) . أورد الزركشي، وابن رجب هذه القاعدة بصيغة الاستفهام، ثم فصّلا في الجواب فقسما ما يكون فرضا إلى قسمين هم: العبادات المحضة، والتصرفات. فأما العبادات المحضة فإن كان وقتها موسعا جاز التنفل من جنسها قبل أدائها، وقال ابن رجب: "وقبل قضائها على الأصح" وأما التصرفات المالية كالهبة والصدقة ونحوهما فقد قال الزركشي: "إن فعلها من عليه دَين أو من تلزمه نفقته مما لا يفضل عن حاجته حَرُمَ على الأصح" وقال ابن رجب: "إن كان قد حجر عليه لم يصح تصرفه وإلا جاز"١، وأشار إلى معنى هذه القاعدة العز بن عبد السلام٢
следующие страницы →