٣) وكتاب (المشقة تجلب التيسير دراسة نظرية وتطبيقية) للدكتور صالح بن سليمان اليوسف١. وهو في أصله رسالة ماجستير، وسأعرض أولا مجمل مباحث كتابي: رفع الحرج للدكتور/ صالح بن حميد، وللدكنور يعقوب الباحسين مبينا أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، ثم أحاول أن أخلص من خلال ذلك إلى بيان الفرق بين مضمونهما ومضمون هذا الكتاب، ثم
стр. 37
أورد مجمل موضوعات كتاب: المشقة تجلب التيسير، وأقارن بين مضمونه ومضمون هذا الكتاب.
أولا: كتاب رفع الحرج للدكتور ابن حميد، والدكتور الباحسين: لقد اختلفت طريقة الباحثين في عرض مادة كتابيهما، واختلفت وجهة نظريهما في إدراج بعض المباحث والفروع تحت أبوابها.
لذا فإنني سأعرض مجمل مباحثهما بصرف النظر عن اندراجها تحت أي باب من أبواب الكتاب.
يشترك الكتابان:
١) في بحث معنى الحرج ورفعه في الشريعة، والتوسع في ذلك١.
٢) كما يشتركان في عرض الأدلة الدالة على رفع الحرج نصوصا كانت أو إجماعا، أو معقولا٢.
٣) وفي بحث علاقة قاعدة ومبدأ رفع الحرج مع الأدلة وتعارضهما٣.
стр. 38
٤) وفي مناقشة العلاقة بين رفع الحرج ومبدأ الاحتياط١.
٥) وفي بيان مدى العلاقة بين الأجر والمشقة٢.
٦) وفي بيان أسباب التخفيف وعوارض الأهلية٣.
وانفرد الدكتور ابن حميد بإفراد باب في مظاهر التيسير في الأحكام بيّن فيه أوجها من التيسير في العبادات، والمعاملات، والعقوبات، وضمّنه ذكر أقسام الرخصة وأنواع التخفيف، وذكر ضمن هذا الباب قاعدتين فقهيتين هما: ((الأصل في المنافع الإباحة)) ، و ((الأصل في المضار التحريم)) ٤.
وانفرد الدكتور الباحسين بذكر باب في الأدلة، والقواعد الأصولية المنبنية على رفع الحرج فعدّ في ذلك المصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف والعادة، وجعل فيه فصلا للترجيح برفع الحرج٥.
стр. 39
كما انفرد بذكر باب في القواعد الفقهية المنبنية على رفع الحرج ذكر فيه خمسا من القواعد المشهورة هي:
١) ((الأصل في المنافع الإباحة)) .
٢) ((الأصل في المضار التحريم)) .
٣) ((المشقة تجلب التيسير)) .
٤) ((الضرورات تبيح المحضورات)) .
٥) ((الإسلام يجب ما قبله)) .
وأضاف إلى ذلك ثلاث مباحث أحدها في الرخصة، والثاني في التوبة، والثالث في الكفارات١.
وغني عن القول - بعد هذا - أن ما اشترك فيه الكتابان عنوانا قد يختلفان فيه في بعض المضمون، وما انفرد به كلّ منهما عنوانا قد يتضمن نقاط اشتراك.
ومما تقدم يمكن القول: إن الكتابين بحثا في موضوع رفع الحرج من الوجهة الأصولية، أو على سبيل الإجمال ولم يكن من مقصودهما
стр. 40
حصر القواعد الفقهية المتعلقة بهذا الموضوع والكلام عليها تفصيلا.
وبهذا يتبين الفرق بين موضوع ذينك الكتابين، وموضوع هذا الكتاب؛ لأن المقصود هنا بحث التيسير أو رفع الحرج بالكلام على كل قاعدة أفادت هذا المعنى تفصيلا.
ثانيا: كتاب المشقة تجلب التيسير:
وهذا الكتاب عنوانه ظاهر في أن موضوعه هو هذه القاعدة الكبرى حيث فصّل المؤلف القول في هذه القاعدة من خلال بابي الكتاب فبحث معنى القاعدة١، وأدلتها٢، وأقسام المشقة٣، وأسباب التخفيف٤، وتقسيماته٥، وأنواعه٦، ثم عرض لبعض أحكام المشقة من حيث قصد المكلف لها والأجر عليها٧، ثم أفرد فصلا لذكر القواعد الدالة على التيسير فذكر
стр. 41
من ذلك ((إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق)) ، و ((الضرورات تبيح المحضورات)) ، و ((الضرورة تقدر بقدرها)) ، و ((الحاجة تنزل منزلة الضرورة)) ، كما ذكر القاعدتين الدالتين على التخفيف من حيث الأصل قاعدة ((الأصل في المنافع الإباحة)) ، وقاعدة ((الأصل في المضار التحريم)) ، وبيّن أثر هذه القواعد في الفروع١.
ومن خلال هذا العرض لمحتوى الكتاب (المشقة تجلب التيسير) يتبيّن الفرق بين مضمونه ومضمون هذا الكتاب.
يضاف إلى هذا، أن هذه الكتب الثلاثة ركزت على التيسير بمعنى رفع المشقة وهذا إنما يكون - في الغالب - فيما هو مطلوب للشرع جزما، ثم يرد التخفيف فيه للعذر الطارئ، وأما التيسير المراد هنا فهو أعم من هذا المعنى، فإن التمكين من زيادة الأجر وتحصيل الثواب ونحو ذلك، والله أعلم.
стр. 42
القسم الأول: القواعد
القاعدة الأولى: الاجتهاد لاينقض بالاجتهاد
...
القاعدة الأولى: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد
يورد العلماء هذه القاعدة بهذا اللفظ، أو نحوه ضمن القواعد الفقهية، وضمن القواعد الأصولية، فهي إذن قاعدة فقهية أصولية١.
فممن عدها في القواعد الفقهية من الحنفية الكرخي٢، والحصيري٣،
стр. 43
وابن النجيم١، وغيرهم٢.
ومن المالكية الونشريسي٣، ولفظه: ((الظن هل يُنْقَض بالظن
стр. 44
أو لا)) ١ والتواتي٢، وأشار إليها القرافي٣.
стр. 45
ومن الشافعية العلائي١، والزركشي٢، والسيوطي٣.
стр. 46
أما الحنابلة فلم أقف على من يذكرها منهم ضمن القواعد الفقهية لإلا أن فقهاءهم عللوا بها في بعض المواطن من كتب الفروع١ وأوردها الأوصليون منهم٢ كما ذكرها عدد من الأصوليين من غيرهم٣.
معاني المفردات:
الاجتهاد لغة: افتعال من الجَهد، أو الجُهد وهو الطاقة والجَهد: المشقة، والجُهد: بلوغ الغاية وهو - أي الاجتهاد - في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أمر من الأمور٤.
وفي الاصطلاح: له عدة تعريفات منها: أنه استفراغ الفقيه وسعه لدرك حكم شرعي٥.
стр. 47
يُنْقَض: النقض ضد الإبرام١ والمراد - هنا - إبطال الحكم الثابت بالاجتهاد الأول ويشمل ذلك ما كان من باب بذل الوسع في استنباط أحكام المسائل التي لم يرد فيها نص، وما كان من باب تحقيق المناط كالتحري في القبلة الذي يراد به العلم بالموضوع على ماهو عليه، وما كان من باب حكم القاضي المبني على البيّنات٢.
المعنى الإجمالي:
يريد الفقهاء بهذه القاعدة أن من غلب على ظنه - بالاجتهاد - حكم فعمل به أو أفتى به، ثم اجتهد ثانية - لوقوع ما يستدعي الاجتهاد الثاني -، أو اجتهد غيره فأدى الاجتهاد الثاني إلى خلاف ما أدى إليه الاجتهاد الأول فإن ما ثبت بالاجتهاد الأول لا ينتقض بسبب الاجتهاد الثاني، ولا يلزم من عمل بموجب الاجتهاد الأول أن يعيد - إذا كان مما تتصور فيه الإعادة -، ويتأكد هذا المعنى فيما
стр. 48
إذا حكم بمقتضى الاجتهاد الأول حاكم. لكن لو كان الاجتهاد الثاني في واقعة ثانية مثل الأولى واختلف الاجتهاد فإنه يلزمه في الواقعة الثانية ما أدّاه إليه اجتهاده الثاني ولا يستمر على حكم الاجتهاد الأول ولا يعدّ هذا نقضا للاجتهاد الأول١.
الأدلة:
يستدل العلماء على صحة هذه القاعدة بعدة أدلة من أهمها:
стр. 49
لأب والأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا"١.
وكان هذا بمرأى ومسمع من الصحابة ﵃ فلم ينكروا عليه.
٢) ما رواه عامر بن ربيعة٢ ﵁ قال: "كنا مع
стр. 50
رسول الله ﷺ في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة، فصلينا وأعْلَمْنا١ فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا لغير القبلة فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٢"٣
ووجه الاستدلال منه أنه لم ينقض اجتهادهم الأول ولم يأمرهم بالإعادة مع تيقنهم الخطأ فيما سبق من اجتهاد، فعدم النقض بالاجتهاد المؤدي إلى الظن أولى٤.
٣) أن كلا الأمرين - في القاعدة - اجتهاد فليس أحدهما بأولى من الآخر فلا يَنْقضُ المتأخرُ منهما المتقدم.
٤) أن نقض الاجتهاد بمثله يؤدي إلى التسلسل واضطراب الأحكام.
٥) أن الله تعلى جعل للمجتهد أن ينشئ الحكم في مواضع
стр. 51
الاجتهاد بحسب ما يقتضيه الدليل عنده فإذا أدّاه اجتهاده إلى حكم كان هو الواجب عليه، وعمله به عملٌ بما وجب عليه فلا يصح نقضه١.
العمل بالقاعدة:
هذه القاعدة مفروضة في حالتين:
الأولى: أن يتعلق بالاجتهاد حكم حاكم.
الثانية: أن لا يتعلق به حكم حاكم كمالو اجتهد المكلف لنفسه، أو كان الاجتهاد مما لا يتصور فيه ذلك كالتحري في القبلة ونحوه.
فأما الحالة الأولى: فقد نقل عدد من علماء الأصول، وغيرهم الاتفاق عل عدم نقض الاجتهاد فيها باجتهاد آخر سواء كان المجتهد هو الحاكم أم غيره.٢.
стр. 52
ولم يرتض بعضهم هذا النقل. بل نسبوا القول بعدم نقض الاجتهاد الذي تعلق به حكم الحاكم إلى الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة، وأشاروا إلى وجود من يخالف في ذلك١.
وأكثر ما نُقل هذا عن بعض المالكية٢. لذا فقد ساق الونشريسي وغيره القاعدة بصيغة الاستفهام للدلالة على الخلاف فيها٣، وصرح التواتي بأن للمالكية فيها قولين٤.
أما الحالة الثانية: فإن الأكثرين على عدم نقض الاجتهاد فيها بالاجتهاد كذلك٥.
стр. 53
وقال بعض الحنفية، والحنابلة: يُنْقض على تفصيل في ذلك١.
وكذلك قال ينقضه من يقول بالنقض مع حكم الحاكم من باب أولى٢.
من أمثلة هذا النوع مسألة التحري في القبلة٣.
ولا يخلو الأمر من مزيد تفصيل حيث فرّق بعضهم بين ما يترتب على تغير الاجتهاد ديانةً٤، وما يترتب عليه قضاء٥، وليس من
стр. 54
غرضنا بحث تفصيل ذلك١.
ومما تقدم من تفصيل يتبين أن هذه القاعدة معمول بها - من حيث الجملة - في المذاهب الأربعة وعند أكثر الفقهاء وقد نص الفقهاء على بعض الصور التي خرجت عن هذه القاعدة وهي في غالبها غير داخلة أصلا لكون الناقض للاجتهاد نصا أو إجماعا٢.
من فروع القاعدة:
يتفرع من هذه القاعدة مسائل منها:
١- مالو كان عنده إناءان بهما ماء أحدهما نجس فاجتهد فظن طهارة أحدهما فاستعمله، ثم تجدد اجتهاده لصلاة أخرى فتغير
стр. 55
ظنه، فإنه لا ينتقض اجتهاده الأول باجتهاده الثاني١.
٢- ومنها مالو اجتهد في تحري القبلة فصلى، ثم اجتهد للصلاة التالية وتغير اجتهاده فإنه يصلي التالية على حسب اجتهاده الثاني ولا إعادة عليه لما مضى٢.
٣- ومنها مالو اجتهد الحاكم أو القاضي في حادثة فحكم فيها، ثم حدث مثلها فأعاد الاجتهاد وتغير اجتهاده فإنه يعمل في الحادثة الثانية باجتهاده الثاني ولا ينقض حكمه الأول.٣.
стр. 56
وجه التيسير:
أشار العلماء عند تعليلهم لصحة هذه القاعدة إلى ما فيها من تيسير فهي تحسم باب الخلاف وتسد ذريعة الاختلاف بعد استقراء الحكم الاجتهادي وذلك أن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام، واستمرار النزاعات بين الناس، ولا يخفى ما في هذا من حرج. هذا فيما إذا تعلق بالاجتهاد حكم الحاكم، وأما إذا لم يكن كذلك فإن التيسير فيه من حيث أن المكلف لا تلزمه إعادة ما أداه بالاجتهاد الأول؛ لأنه هو الواجب عليه وقد أدّاه فأجزاه١.
стр. 57
القاعدة الثانية: اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان
أورد هذه القاعدة الخادمي١، كما أورد صيغة أخرى قريبة المعنى منها وهي قوله: "تبدّل سبب الملك القائم قائم مقام تبدّل الذات"٢.
وبهذا اللفظ وردت في مجلة الأحكام العدلية٣.
وقد أورد المقري٤ قاعدة لفظها: "إذا اختلف حكم الشيء بالنظر إلى أصله وحاله، فقد اختلف المالكية بماذا يعتبر منهما"٥.
стр. 58
وهي بمعنى القاعدتين المذكورتين وأورد ابن رجب قاعدة تتعلق بالأعيان بالنسبة إلى تبدل الأملاك، وبيّن أن هذا على نوعين:
أحدهما: ما يتعلق الحكم فيه بملك واحد فإذا زال ذلك الملك سقط الحكم ولو رجع الملك مرة أخرى.
والثاني: ما يتعلق الحكم فيه بنفس العين من حيث هي تعلقا لازما لا يختص تعلقه بملك دون ملك، وذكر للنوعين صورا١. ولم أقف على هذه القاعدة في غير ما تقدم من كتب القواعد، لكن كتب الفقه لم تخل من ذكرها على سبيل التعليل كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
معاني المفردات:
الأسباب: جمع سبب وهو في اللغة: ما يتوصل به لغيره٢.
وفي اصطلاح أهل الشرع: ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته، وعُرّف بغير ذلك٣.
الأعيان: جمع عَيْنٍ والعين لفظ مشترك بين عدة معان، والمراد هنا
стр. 59
الشيء نفسه وذاته١.
المعنى الإجمالي:
إذا تغير السبب المقتضي لحكم ما في ذات معيّنة كان ذلك بمثابة اختلاف العين ووجود عين أخرى أو شيء آخر قد يختلف حكمه عن حكمه المبني على السبب الأول وإن كانت الذات المعينه لم تتغير حقيقة كما لو اختلف سبب الملك فإنه يجعل المملوك بالسبب الأول كعين أخرى لها حكمها الخاص٢.
وقد وردن الصيغة الأولى للقاعدة بصورة التعميم في اختلاف كل سبب وجاءت الثانية بالنص على تغيّر سبب الملك.
ولعل السبب في هذا أن الصيغة الثانية روعي فيها أصل هذه القاعدة والحديث الدال عليها وهو في تغيّر سبب الملك كما سيأتي نصه قريبا، والصيغة الأولى روعي فيها كون ما ورد في الحديث اختلاف سبب وإن كان واردا في سبب خاص.
الأدلة:
١) ذكر العلماء أن أصل هذه القاعدة هو ما روي "أنه ﷺ أتي
стр. 60
بلحم تُصُدّق به على بريرة١ فقال: "هو عليها صدقة وهو لنا هدية"٢ فقد بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب إذا تحولت الصدقة٣.
وقال الحافظ ابن حجر٤ - في شرح هذا الحديث - "بل أخبرهم ﷺ أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصّدق عليه فيها"٥.
стр. 61
٢) ومن الأدلة أيضا ما روي أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني تصدقت ‘لى أمي بجارية وإنها ماتت فقال ﷺ : "وجب أجرك وردّها عليك الميراث" ١ ... الحديث.
فقد أجاز رسول الله ﷺ لهذه المرأة أن تأخذ ما تصدقت به مع أن الرجوع في الصدقة منهي عنه، وذلك عن طريق الإرث٢.
٣) ومنها - أيضا - حديث: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لجار اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتُصُدّق على المسكين فأهداها المسكين للغني"٣.
ووجه الدلالة من هذا الحديث كوجه الدلالة من الحديثين السابقين فالأصل أن الصدقة لا تحل لغني واستثنى رسول الله ﷺ بعض
стр. 62
الصور من ذلك ومنها: أن يكون سبب أخذه لها طريقا آخر غير الصدقة كشرائها أو إهداء المتصدق عليه منها فتكون بذلك قد خرجت عن كونها صدقة١.
ومع هذا فإنه لابد من عرض بعض الأدلة التي يدل ظاهرها على عكس ما تقتضيه هذه القاعدة والأدلة الدالة عليها، ومن ذلك: ما رواه عبد الله بن عمر٢ ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع فأراد أن يشتريه، ثم أتى النبي ﷺ فاستأمره، فقال: "لا تعد في صدقتك ... " ٣الحديث.
وفي لفظ آخر فقال: "لا تشتر ولا تعد في صدقتك وإن
стр. 63
أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه"١.
وقد جمع بعض العلماء بين مقتضى هذه الأحاديث بأوجه:
منها: أن المنع من تملكها حينما يكون هناك شبهة في الرجوع في الصدقة، وذلك يتحقق في صدقة التطوع ولا يتحقق في الفرض ولا يتحقق - كذلك - في الرجوع بطريقة الميراث.
ومنها: أن المنع من شراء الصدقة لكونه ذريعة لإخراج القيمة في الزكاة. ولا يوجد هذا المحذور في الإرث،
ومنها: أن النهي إنما هو للتنزيه٢.
العمل بالقاعدة:
نصت كتب الحنفية على ذكر هذه القاعدة، ودلت فروعهم وتعليلاتهم الفقهية على اعتبارها.
جاء في تحفة الفقهاء: ومن الأسباب المانعة للرجوع في الهبة٣ خروج الموهوب عن ملك الموهوب له بأن باع أو وهب؛ لأن اختلاف
стр. 64
الملكين كاختلاف العينين١.
وأجاز المالكية أن تعود الصدقة إلى من تصدق بها ببيع أو هبة أو صدقة وكرهوه، وأجازوا من غير كراهة رجوعها بالميراث وكذلك رجوع الهبة مطلقا بأي سبب٢.
وأجاز الشافعية شراء الزكاة ممن صارت إليه مع الكراهة٣، ومنع الحنابلة مخْرِجَ الزكاة من شرائها ممن صارت إليه وبينوا شبهة ذلك، وأجازوا رجوعها بالميراث٤.
وحكى ابن قدامة٥ عن ابن عبد البر٦ قوله: "كل العلماء
стр. 65
يقولون: إذا رجعت عليه بالميراث طابت"١.
فالذي يظهر أن هذه القاعدة معتبرة - من حيث الجملة - في المذاهب الأربعة، واستثني منها بعض الصور لعللٍ وأسباب خاصة.
من فروع القاعدة:
١- ما تقدم ذكره من حكم رجوع الهبة إلى واهبها بالميراث ونحوه، وكذا حكم رجوع الصدقة إلى المتصدق بالشراء أو الميراث٢.
٢- إذا خرج الموهوب عن ملك الموهوب له ببيع، أو هبة لم يجز للواهب الأول الرجوع فيها لأنها - بانتقالها إلى ملك المشتري
стр. 66
أو الموهوب له الثاني - صارت بمثابة عين أخرى كما تقدم١.
وجه التيسير:
يظهر التيسير في هذه القاعدة من جهة أن ما يمتنع على المكلف من جهة يجوز له من جهة أخرى. فالنبي ﷺ لا تحل له الصدقة، لكن جاز له الأكل مما أصله صدقة بطريق الإهداء إليه ﷺ . والإنسان الذي يُخْرجُ ماله من ملكه ببيع أو هبة أو صدقة وتتعلق به نفسه أو يحتاج إليه في وقت آخر يمكنه الحصول عليه بطريق الشراء، أو أن يوهب له، أو نحو ذلك، وفي هذا من التيسير ما لا يخفى على متأمل, وللقاعدة تطبيقات أخرى في غير هذا المعنى٢.
стр. 67
القاعدة الثالثة إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالباً .
وردت هذه القاعدة بعدة صيغ من أشملها هذه الصيغة المذكورة، وهي لفظ السيوطي١، وابن النجيم٢، وذكرها السبكي بنحو هذا اللفظ٣.
وخصها ابن رجب٤ بالعبادات، فقال: "إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما واكتفى فيهما بفعل واحد"٥.
стр. 68
وبهذا المعنى ذكرها ابن سَعْدي١ أيضا.
وقد أشار إليها الزركشي تحت عنوان: التداخل يدخل في ضروب٢.
وأشار إليها القرافي لدى تفريقه بين تداخل الأسباب وتساقطها٣.
ووردت عند غير ما تقدم ذكرهم بصيغ أخرى مقاربة٤.
معاني المفردات:
أمران: الأمر في اللغة: مصدر أمر يأمر، وهو هنا بمعنى الشأن أو الشيء، ويأتي لعدة معان منها، أنه ضد النهي٥.
стр. 69
جنس: الجنس في اللغة: الضَّرب من الشيء وهو أعم من النوع١.
وفي الاصطلاح: عرّف بأنه كلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ماهو٢.
المعنى الإجمالي:
يقصد بهذه القاعدة، أنه إذا تعلق بذمة المكلف واجبان أو أكثر، أو لزمه حدّان أو أكثر، أو اجتمع في وقت واحد واجب ومندوب أو أكثر أو نحو ذلك٣، وكانت هذه الواجبات، أو الحدود ونحنها من جنس واحد، ومقصودها والمراد منها واحدًا فإن أحدهما يدخل في الآخر غالبا، فإن كانت رُتَبُها مختلفة دخل الأدنى منها في الأعلى وأغنى فعله عن فعل الأدنى، وإن كانت متساوية أغنى فعل أحدها عن غيره.
فمثال اجتماع الواجبين، أن يجب على المرأة غسل الجنابة وغسل الحيض، أو أن يجب على المكلف الغسل والوضوء، ومثال اجتماع الحدين، أن يتكرر الزنا، أو القذف أو نحوهما من المكلف
стр. 70
قبل إيقاع الحد عليه.
ومثال اجتماع الواجب مع المندوب، أن يدخل الإنسان المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يدخل في الصلاة وتغنيه عن تحية المسجد١.
الأدلة:
يذكر كثير من الفقهاء هذه القاعدة - وغيرها - مجردة عن دليل شرعي صريح فيها. ويمكن الاستدلال لها.
أولا: بما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة٢ ﵂ وقد أحرمت قارنة-: "يَسَعُك طوافك لحجك وعمرتك"٣، وما ورد بمعناه٤، حيث أقام
стр. 71
أحد الطوافين مقام الآخر، وكذلك السعي١.
ثانيا: النظر إلى التعليل؛ فإن الناظر فيما قيّد به الفقهاء حكم هذه القاعدة يَلْمَحُ مبناها، فقد قيدوا الأفعال التي تتداخل بأن تكون من جنس واحد، وأن يكون مقصودها واحدًا. وهذا يدل على أن سبب إغناء أحد الفعلين عن الآخر هو تحقق المصلحة المرادة بفعل أحدهما، وذلك أقرب إلى مقصود الشريعة وهو التيسير. ولذا فقد علل ابن قدامة دخول طواف العمرة في طواف الحج - بالنسبة للقارن - بأنه ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد٢، وبأنهما عبادتان من جنس واحد فإذا اجتمعت دخلت الصغرى في الكبرى٣. وهذا يشعر بأن سبب التداخل هو حصول المقصود بفعل أحدهما٤، والله أعلم.
العمل بالقاعدة:
لقد ذهب عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى العمل بهذه القاعدة
стр. 72
وإن اختلفوا في تطبيقها على بعض لبفروع، فقد تقدم تصريح فقهاء المذاهب بها، ونقل ابن المنذر١ الإجماع على أنه إذا سرق السارق عدة مرات وقدم إلى الحاكم في آخر السرقات فإن قطع يده يجزئ عن ذلك كله٢.
وقد استثنى بعض الفقهاء من حكم هذه القاعدة صورا، وسبب ذلك - في الغالب - عدم انطباق شروط وقيود القاعدة على تلك الصور٣.
من فروع القاعدة:
١- إذا اجتمع حدث أصغر وجنابة كفى الغسل٤.
стр. 73
٢- إذا اجتمع موجبان للغسل فنواهما أجزأه عنهما١.
٣- لو صلى عقب الطواف فريضة أجزأت عن ركعتي الطواف على خلاف في ذلك٢.
وجه التيسير:
التيسير في هذه القاعدة ظاهر وذلك أنه يسقط عن المكلف بعض ما لزمه، ويحصل له ثواب المندوب عند تداخل الأسباب مراعاة من الشارع الحكيم لمقصود هذه التكاليف الذي يحصل بفعل أحدها، ومراعاة لمبدأ التيسير على العباد ودفع المشقة عنهم.
стр. 74
القاعدة الرابعة: إذا تزاحمت المصالح أو المفاسد روعي أعلاها بتححصيل أعلى المصالح وردء أعلى المفاسد
...
القاعدة الرابعة: إذا تزاحمت المصالح أو المفاسد روعي أعلاها بتحصيل أعلى المصالح ودرء أعلى المفاسد. ((صياغة))
هذه القاعدة مكونة من شقين - كما هو ظاهر - يتضمن كل منهما قاعدة وقد أفرد بعض العلماء كل واحد من شقي القاعدة بقاعدة مستقلة كما فعل العز بن عبد السلام١، وابن سعدي٢. واكتفى بعضهم بإيراد القاعدة في المصالح دون المفاسد كما فعل ابن تيمية٣، واكتفى بعضهم بإيرادها في جانب المفاسد دون المصالح،
стр. 75
ومن أولئك السبكي١، وابن رجب٢، والسيوطي٣، وابن نجيم٤، والونشريسي٥، وغيرهم. كل ذلك بعبارات مختلفة مع اتفاق أو تقارب في المعنى٦.
وهي عند عدد من العلماء ناشئة عن قاعدة: ((الضرر يزال)) ، أو مستثناة منها٧.
وقد رأيت أن أدمج القاعدتين في قاعدة واحدة؛ للارتباط الوثيق