في المعضوب يقيم من يحجّ عنه، ثم يبرأ بعد أن يُحجّ عنه: يجزئه هذا الحج ولا يلزمه أن يحج بنفسه١، وقالوا في المريض الذي لا يرجى برؤه إذا أطعم مكان الصيام، ثم برئ وقدر على الصيام لا يلزمه أن يصوم قضاء، وذكر ابن قدامة احتمالا آخر بلزوم الصيام٢.
وذهبوا إلى من صلى يوم الجمعة ظهرا ممن لا تجب عليهم الجمعة، ثم أصبح ممن تجب عليهم قبل أن يصلي الإمام، فإن صلاته تجزئه ولا تلزمه الجمعة٣، وكذلك الحال في مذهب الشافعية فإنهم يرون أن صلاة الظهر تجزئه في الصورة المذكورة على الرأي المشهور عندهم٤.
ونقل الشيرازي في مسألة الحج عن المعضوب طريقين أحدهما
стр. 457
أن فيها قولين، والثاني أنه تلزمه الإعادة١.
وذكروا في مسألة إجزاء الإطعام عن الصيام في حق من برئ وجهين٢.
أما الحنفية، والمالكية ففروعهم تدل على أنهم أقل أخذا بهذه القاعدة فالحنفية يرون أنه يلزم من أقام من يحجّ عنه لمرضه، ثم برئ بعد أن حُجّ عنه أن يحج بنفسه ولا يجزئه حج الوكيل عنه٣، وكذلك من أطعم، ثم قدر على الصيام يلزمه القضاء عندهم٤. أما من صلى يوم الجمعة ظهرا لعذر، ثم زال عذره فإن صلاته تجزئه ولا تلزمه الجمعة ولا يكره له ذلك. بل إنها تجزئ عندهم
стр. 458
عمّن تجب عليه الجمعة أصلا فصلاها ظهرا مع كونه قد ارتكب إثما بترك الجمعة١، وذهب المالكية إلى أن من صلى يوم الجمعة ظهرا لعذر، ثم وال عذره قبل أن يصلي الإمام فإن الجمعة تلزمه٢.
وبالنسبة إلى فدية من لم يُطِق الصوم فإنها عندهم غير واجبة٣ فلا يتوجّه فيها الخلاف، والحج عندهم لا يقبل النيابة أصلا ولا يجزئ الإنسان حجّ غيره عنه٤.
أما المسألة التي ورد النص به وهي مسألة المتيمم الذي يجد الماء في الوقت بعد أن يصلي فإن غالب الفقهاء من المذاهب الأربعة يرون أنه لا إعادة عليه٥.
وقد تقدم إيراد بعض فروع القاعدة وآراء الفقهاء فيها.
стр. 459
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة عند من يقول بها هو عدم إلزام المكلف بإعادة العبادة إذا كان قد فعلها على الوجه المطلوب منه حال عذره وإن زال هذا العذر؛ تيسيرا عليه؛ ولكونه قد أدى ما وجب عليه في تلك الحال.
стр. 460
القاعدة التاسعة والثلاثون: من عليه فرض موسع الوقت يجوز له التنفل -قبل أدائه- من جنسه . ((صياغة)) .
أورد الزركشي، وابن رجب هذه القاعدة بصيغة الاستفهام، ثم فصّلا في الجواب فقسما ما يكون فرضا إلى قسمين هم: العبادات المحضة، والتصرفات.
فأما العبادات المحضة فإن كان وقتها موسعا جاز التنفل من جنسها قبل أدائها، وقال ابن رجب: "وقبل قضائها على الأصح" وأما التصرفات المالية كالهبة والصدقة ونحوهما فقد قال الزركشي: "إن فعلها من عليه دَين أو من تلزمه نفقته مما لا يفضل عن حاجته حَرُمَ على الأصح"
وقال ابن رجب: "إن كان قد حجر عليه لم يصح تصرفه وإلا جاز"١، وأشار إلى معنى هذه القاعدة العز بن عبد السلام٢
стр. 461
معاني المفردات:
الفرض لغة: الخزّ في الشيء، وله إطلاقات أخرى١.
وفي الاصطلاح: مرادف للواجب عند الجمهور، وقد عُرِّف الواجب في الاصطلاح بعدة تعريفات منها: أنه ما يستحق تاركه العقاب على تركه، وفرّق الحنفية بينهما فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظني، ورويت التفرقة بينهما عن الإمام أحمد أيضا٢.
موسع الوقت: الموسع لغة: مشتق من السعة والتوسع. وهو ضد الضيق٣.
وفي الاصطلاح الواجب الموسع هو: ما قُرّر له من الوقت أكثر من وقت فعله٤.
التنفل: فعل النفل. والنفل لغة: مطلق الزيادة، ويطلق بمعنى عطيّة التطوع من حيث لا تجب، ومنه نافلة الصلاة٥.
стр. 462
وفي اصطلاح الفقهاء: اسم لما شُرع زيادة على الفرائض والواجبات١.
الأداء: في اللغة الإيصال والقضاء٢.
وفي الاصطلاح: هو إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعا مالم تسبق بأداء مختل، وزاد بعضهم قيودا أخرى٣.
المعنى الإجمالي:
تعني هذه القاعدة أنه يجوز لمن وجبت عليه عبادة سواء كانت تكليفا أصليا أم نذرا أن يتطوع بالنفل من جنس تلك العبادة قبل أدائها إن كان وقتها موسعا. كالتنفل بالصلاة في أول وقت الفريضة قبل أدائها، ويجوز -على رأي- التنفل من جنس العبادة قبل قضائها إذا كان قد خرج وقت الأداء كأن يتطوع من عليه شيء من قضاء رمضان قبل قضائه.
وتقييد جواز ذلك التطوع بكونه من جنس الفرض من باب بيان المقصود من القاعدة؛ لأن ذلك هو الذي قد يكون محل نظر
стр. 463
وليس المراد منه عدم جواز التطوع من غير جنس العبادة الواجبة قبل أدائها.
فإنه إذا جاز التطوع من جنس تلك العبادة قبل أدائها مع عدم إمكان الجمع بين الفعلين في وقت واحد فإنه يجوز فيما كان من غير جنس تلك العبادة من باب أولى؛ إذ لا يمتنع الجمع بينهما -غالبا- ولذا فإن ابن عبد السلام قد مثل للقاعدة بأمثلة من النوعين١. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الجواز لا ينافي أن يكون الأولى أداء الفرض إبراء للذمة كما ذكره العلماء في بعض الصور.
الأدلة:
١- ما ورد من الأحاديث التي تندب إلى فعل نوافل الصلاة القبلية من فعله وقوله ﷺ من الرواتب وغيرها بعد دخول وقت بعض الصلوات مع وجوبها على المسلم وتعلقها بذمته بمجرد دخول وقتها وجوبا موسعا.
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات ركعتين قبل الظهر، وركعتين
стр. 464
بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح وكانت ساعة لا يُدْخل على النبي ﷺ فيها"١.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة٢.
٢- يمكن الاستدلال بما ورد من الأحاديث التي فيها الحث على صيام بعض الأيام تطوعا. ومن ذلك.
حديث: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" ٣.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: "أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنّ حتى أموت صوم ثلاث أيام من كل شهر، وصلاة
стр. 465
الضحى ونوم على وتر" ١. والأحاديث في هذا كثير أيضا٢.
ووجه الاستدلال منها على هذه القاعدة أنها جاءت مطلقة -في ظاهرها- عن التقييد بكون المتطوع بصيامها ليس في ذمته صوم واجب من قضاء رمضان، أو نذر، أو نحوهما. إلا أنه يَرِد على هذا الدليل أنه قد ورد ما يقيّدها بهذا في حديث أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يُتقبل منه، ومَنْ صام تطوعا وعليه مِن رمضان شيء لم يقضه قلإنه لا يتقبل منه حتى يصومه"٣.
العمل بالقاعدة:
لقد اتفقت مذاهب الفقهاء على مشروعية التنفل بالصلاة قبل الفريضة٤ بعد دخول وقتها لورود النص بذلك.
стр. 466
إلا أن هذا لا يعني العمل بهذه القاعدة على عمومها؛ لأن العبادات المفروضة على التراخي أو في وقت موسع ليست على صورة واحدة فإن التراخي في الحج ليس كالتراخي في الصلاة؛ فإن تأخير أداء الحج عن الفور يقتضي تأخيره سنة أو سنوات وهذا وقت الموت فيه وليس بنادر، وأما تأخير الصلاة عن أول وقتها لأداء النافلة فإنه وقت يسير والموت فيه نادر١.
فقد ذهب الخنفية والمالكية، والشافعية إلى جواز صوم التطوع قبل إبراء الذمة من الواجب وعلّلوا ذلك بكونه على التراخي وأنه لم يتعين زمن للواجب إلا أن المالكية والشافعية كرهوا ذلك٢.
واختلفت الرواية عن الحنابلة في صحة التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض فروي عدم صحته إلحاقا له بالحج.
وروي صحة ذلك قياسا على الصلاة؛ إذ كل منهما موسع الوقت٣ وقال الشيخ ابن سعدي تفريعا على قاعدة ((الواجب بالنذر كالواجب بالشرع)) : "ومن عليه صوم نذر لم يكن له أن
стр. 467
يتنفل بالصيام قبل أداء نذره"١، كما ذكر من الفوارق بين الفرض والمندوب أنه لا يصح صوم النفل ممن عليه صيام فرض٢.
وأما الحج فقد ذهب الحنفية إلى أن من حج بنية التطوع وعليه فرض الإسلام فإنه يقع على ما نواه٣، وإلى هذا ذهب المالكية أيضا٤.
وأما الشافعية، والحنابلة -في أشهر الروايتين- فإنه يقع عندهم عن الفرض٥. لكن ينبغي التنبيه إلى أن التطوع بالحج قبل أداء الفرض وإن أجازه بعض العلماء فقد أجازوه مع الكراهة وليس كالتنفل بالصلاة قبل أدائها لما تقدم بيانه من الفرق بينهما.
من فروع القاعدة:
١- جواز التنفل بالصلاة قبل أداء الفرض بعد دخول وقته إذا كان الوقت موسعا كما في السنن القبلية٦.
стр. 468
٢- عدم التطوع قبل قضاء ما عليه من قضاء رمضان١.
٣- من حج تطوعا وهو لم يحج الفرض٢.
وجه التيسير:
تعتبر هذه القاعدة -عند من يقول بها- من قواعد التيسير من جهة أن الشارع أجاز للمكلف أن يتنفل ببعض العبادات مع وجوب ما هو من جنسها عليه، أو أن يتبرع بشيء من المال مع انشغال ذمته بحقّ مالي آخر إذا كان ذلك موسعا مراعاة حاله من حيث طلب تكثير الثواب، وعدم تفويت بعض المواسم الفاضلة عليه، والله أعلم.
стр. 469
القاعدة الأربعون: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها وكان المقدور عليه غير مقصود في العبادة، أو كان جزءًا من العبادة. لكنه عند انفراده ليس بعبادة، لم يلزم الإتيان به .
ذكر هذه القاعدة ابن رجب ﵀ بصيغة استفهام، ثم بيّن أن ما يقدر عليه المكلف يكون على أقسام أربعة ولكل قسم حكمه:
فالقسم الأول منها: ما ليس مقصودا في العبادة بل هو وسيلة محضة إليها كتحريك اللسان في القراءة، وإمرار الموسي على الرأس في الحلق في الحج والعمرة.
والقسم الثاني: ما وجب تبعا لغيره وهو قسمان:
أحدهما: ما كان وجوبه احتياطا للعبادة ليتحقق حصولها كغسل المرفقين في الوضوء، وكإمساك جزء من الليل في الصوم.
والآخر: ما وجب تبعا لغيره على وجه التكميل واللواحق مثل رمي الجمار، والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج.
والقسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن باقيه، أو كان
стр. 470
غير مأمور به لضرر كعتق بعض الرقبة في الكفارة١.
والقسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه كالقدرة على القيام في الصلاة مع العجز عن القراءة ونحوها، وبيّن أن ما كان من القسم الأول، والثالث فلا يلزم الإتيان به.
وأن القسم الثاني محل خلاف بين فقهاء الحنابلة. وأن القسم الرابع هو الذي يجب الإتيان به٢.
وقريب من هذا التقسيم ما ذكره الزركشي فقد قسّم المقدور عليه -من حيث الوجوب وعدمه- أربعة أقسام:
الأول منها: ما يجب قطعا.
والثاني: ما يجب على الأصح.
والثالث: ما لا يجب قطعا.
والرابع: ما لا يجب، والمجموع المذهب (رسالة) على الأصح.
ثم قال: والأحسن في الضبط أن يقال: إذا كان المقدور عليه ليس مقصودا من العبادة بل هو وسيلة لم يجب قطعا. وإن كان
стр. 471
مقصودا نُظر فإن كان لا بَدَلَ له وجب كستر العورة، وغسل النجاسة. وإن كان له بدل ينظر فإن كان اسم المأمور به يصدق على بعضه وجب أيضا كالماء؛ لأن القليل منه يطلق عليه اسم الماء، وإن كان لا يصدق لم يجب كبعض الرقبة١ وقد أشار كثير من العلماء إلى هذه القاعدة ضمنا عند بيان ما يستثنى من قاعدة ((الميسور لا يسقط بالمعسور)) ٢.
وبحث علماء الأصول شيئا من مباحث هذه القاعدة في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب٣
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن من العبادات ما إذا قدر المكلف على بعضها وعجز عن بعض لم يلزمه الإتيان بما قدر عليه، استثناءً من
стр. 472
الأصل الذي هو لزوم المكلف ما قدر عليه من العبادة وسقوط ما عجز عنه الذي عبّر عنه بعض العلماء بقاعدة ((الميسور لا يسقط بالمعسور)) وذلك فيما إذا كان المقدور عليه ليس بجزء من العبادة ولا مقصودا لذاته، أو كان جزءا من العبادة لكنه عند انفراده عن بقية تلك العبادة لا يكون عبادة في نفسه هذا فيما ذكره ابن رجب.
الأدلة:
لما كان الأصل أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وأن من قدر على بعض العبادة دون بعض لزمه الإتيان بما قدر عليه لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١ وقول النبي ﷺ : " ... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٢ كانت هذه القاعدة بمثابة المستثنى من الأصل.
وبناء على هذا فإن لكل نوع أو قسم عدَّهُ الفقهاء ممالا يجب الإتيان بالمقدور عليه منه وجه أو تعليل خاص به.
فقول ابن رجب: إن مات ليس مقصودا في العبادة، أو ما ليس بعبادة إذا انفرد لا يلزم الإتيان به وإن قدر عليه. يتضمن التعليل
стр. 473
لذلك بأنه إذا انتفى الأصل لم تلزم وسيلته، وإذا لم يُقدر على العبادة تامة لم يلزم الجزء الذي ليس بعبادة وهكذا.
قال النووي ﵀ في مسألة إمرار الموسى على رأس الأصلع: "يستحب للأثر١ ولا يجب؛ لأنه -أي الحلق- قُرية تتعلق بمحل فسقطت لفواته كغسل اليد إذا قطعت"٢، وكذلك قال ابن قدامة٣.
وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه لا يجب على من لم يحسن الفاتحة أن يقف ساكتا، وعلّل ذلك بأن الوقوف لم يكن لنفسه وإنما هو لقراءة القرآن فإن لم يحسن ذلك صار القيام لغير فائدة٤.
стр. 474
وهكذا نجد لكل مسألة لم يلزم الإتيان فيها بالمقدور عليه تعليل يناسبها، وتفصيلُ ذلك في كل مسألة مبسوطة في كتب الفقه.
العمل بالقاعدة:
تقدم أن ابن رجب من الحنابلة، والزركشي من الشافعي قد ذكرا هذه القاعدة وبيّنا أن من العبادات مالا يجب الإتيان فيها بالمقدور عليه -على ما تقدم من تفصيل- وعلى هذا تدل تعليلاتهم في بعض الفروع، وكذلك المالكية فقد تقدم النقل عن بعض علمائهم أنهم يرون عدم لزوم القيام لمن لا يحسن القراءة.
أما الحنفية فالذي وقفت عليه عندهم من فروع هذه القاعدة هو مسألة إمرار الموسى على رأس الأصلع حيث يقولون بالوجوب فيها، ويعللون ذلك بالأثر المروي عن ابن عمر، وبأنه قدر على بعض النسك وهذا هو المشهور عندهم، ونقل ابن عابدين قولا بالاستحباب١.
لكن الذي يظهر أن هناك من المسائل مالا يُختلف في عدم لزوم المقدور عليه منها كمن يستطيع أن يصوم بعض اليوم من رمضان ويعجز عن باقيه فإنه لا يلزمه الصيام وإن كان كثير من
стр. 475
الفقهاء لا ينص على هذا فذلك فيما يبدو لظهوره؛ لأن الصيام إنما يطلق شرعا على الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشروطه المعتبرة.
من فروع القاعدة:
١- من وجد من الماء ما يكفي بعض أعضاء الوضوء فهل يستعمله ويتيمم أم ينتقل إلى التيمم؟ ١.
٢- من عجز عن النطق بالتكبير أو القراءة هل يلزمه تحريك لسانه؟ ٢.
٣- من حج وهو أصلع، أو حليق الرأس فهل يشرع له أن يُمرّ الموسى على رأسه؟ ٣.
стр. 476
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة أنها تتضمن تخفيفا لبعض التكاليف، واستثناءً لبعض ما ورد الأمر العام بفعله إذا وُجد ما يقتضي ذلك مما تقدمت الإشارة إليه١.
هذا مع أن القاعدة العامة المأخوذة من الآية الكريمة والحديث النبوي المتقدم ذكرهما وهي ((الميسور لا يسقط المعسور)) لا تخلو من معنى التيسير؛ لأن من معناها أنْ يسقط عن المكلف مالا يقدر عليه٢ وإن كانت بضيغتها هذه أقرب إلى تقرير التكليف منها إلى التخفيف.
ومما يوضح تضمّنها لمعنى التيسير صياغة ابن عبد السلام لها حيث قال: "من كُلّف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه"٣، وقول القرافي أن: "المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف"٤.
стр. 477
القاعدة الحادية والأربعون من له الحق على الغير وكان سبب الحق ظاهرا فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه وإن كان السبب خفيا فليس له ذلك .
هذه القاعدة أوردها -بهذا النص- ابن سعدي من الحنابلة١، وبمعناها قول ابن رجب: "من حرم عليه الامتناع من بذل شبء سُئله فهل يسقط إذنه بالكلية أو يعتبره ويجبره الحاكم عليه"٢.
المعنى الإجمالي:
قبل بيان معنى هذه القاعدة لابد من بيان أن الأصل في أموال الناس تحريمها على الغير فلا يجوز الأخذ منها بغير حق، كما قال ﷺ : " ... إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ... " الحديث٣.
стр. 478
أما هذه القاعدة فمعناها أنه متى كان لإنسان على غيره حق مالي فامتنع من أداء ذلك الحق، أو لم يمتنع من الأداء لكن تعذر على صاحب الحق أن يستأذنه لبعد أو نحوه وكان سبب الاستحقاق ظاهرا كنفقة الزوجة مثلا فإنه يجوز لصاحب الحق إاذ قدر أن يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه بدون إذنه١.
وإنما قيد ذلك بالقيد الأول -وهو الامتناع من أداء الحق، أو تعذر استيفائه-، لأنه لو لم يمتنع من أداء ما عليه إما باستئذانه أو برفعه إلى الحاكم فإنه يمكن وصول صاحب الحق إلى حقه بالطريق المشروع أصلا وهو أولى فلا يُعدَل عنه.
وقيِّد بالثاني -وهو كون سبب الاستحقاق ظاهرا-؛ لأنه لو كان سبب الاستحقاق خفيا لا يعلمه الناس لأمكن نسبة الآخذ إلى الخيانة فيكون منع المستحق من الأخذ من باب سد الذريعة٢.
الأدلة:
مما يدل على هذه القاعدة ما يلي:
١- قول الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ
стр. 479
قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ١.
٢- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٢.
فهاتان الآيتان تدلان بعمومهما على أن لصاحب الحقِّ القَّ في الاستيفاء في الحقوق المالية والبدنية. وإن كان هذا مقيدا في بعض الأحوال بحكم الحاكم كما قال ابن العربي: "أما من أباح دمك فمباح دمه لك. لكن بحكم الحاكم لا باستطالتك وأخذٍ لثأرك بيدك ولا خلاف فيه، وأما من أخذ مالك فخذ ماله إذا تمكنت منه إذا كان من جنس مالك طعاما بطعام، وذهبا بذهب، وقد أمِنتَ أن تعدَّ سارقا"٣.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ : "عموم متفق عليه إما بالمباشرة إن أمكن وإما بالحكام"٤.
стр. 480
٣- حديث عائشة ﵂ أن هندا بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ١. وهذا الحديث صريح في الموضوع.
قال الحافظ ابن حجر: " ... واستُدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه"٢. وكذلك قال النووي٣.
٤- حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "قلنا للنبي ﷺ : لإنك تبعثنا فننزل بقوم لا يُقرُونَنَ فما ترى فيه؟ فقال: "إن نزلتم بقوم فأمِر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف" ٤.
وقد استدل به بعض الأئمة على هذه القاعدة حملاً له على
стр. 481
ظاهره، وحمله بعضهم على أوجه أخرى١.
٥- يمكن الاستدلال بحديث: "من أدرك ماله بعينه عند رجل، أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره" ٢ من وجهٍ فإنه وإن لم يكن صريحا في الموضوع؛ إذا ليس فيه إباحة الأخذ من غير إذن من عليه الحق بل فيه تقديم صاحب المتاع على غيره من الغرماء إلا أنه يمكن الاستدلال به من جهة أن الرسول ﷺ أثبت لصاحب الحق سلطانا على حقه.
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "واستُدل به على أن لصاحب المتاع أن يأخذه وهو الأصح من قولي العلماء، والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم"٣.
أما الشطر الثاني من القاعدة وهو أن ما كان سبب الاستحقاق فيه خفيا فإنه لا يجوز لصاحب الحق أخذه بغير علمه. فَعلَّة المنع فيه
стр. 482
أن ذلك ذريعة إلى رميه بالخيانة وقد قال ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"١، وقد استدل بظاهر الحديث من مَنَعَ صاحبَ الحق أن يأخذ حقه إلا بعلم من عليه الحق أو رَفعِه إلى الحاكم٢.
العمل بالقاعدة:
صرح الشيخ ابن سعدي بأن العمل بهذه القاعدة هو مذهب الإمام أحمد، وأنه مذهب وسط بين قول من أجازه مطلقا وبين من منعه مطلقا٣.
والظاهر أن هذه النسبة إلى المذهب ليست على إطلاقها فقد قال ابن قدامة: "وإن لم يقدر على ذلك -أي على استيفاء حقه- لكونه جاحد لع ولا بيّنة له به، أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك، أو نحو هذا فالمشهور في المذهب أنه
стр. 483
ليس له أخذ قدر حقه" ثم نقل عن ابن عقيل١ قوله: "وقد جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها في المذهب أخذا من حديث هند حين قال لها النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ٢.
والعمل بهذه القاعدة هو مذهب الشافعية كما نص عليه النووي وغيره٣، وقال الشيرازي: " ... وإن كان مُنْكرا ولا بينة له فله أن يأخذ فإن كان من غير جنس حقه باعه بنفسه وقيل: يواطئ من يقر له بحق عند الحاكم وأنه ممتنع ليبيع الحاكم عليه والأول أصح"٤، ونقل ابن حجر عن أكثر الشافعية أنه يجوز أخذ الحق ولو أمكن تحصيله بالقاضي٥.
وعن المالكية روايتان والمشهور من مذهبهم عدم الجواز كما
стр. 484
نقله القرطبي وقال: "إن الصحيح هو عدم الجواز"١، وهو اختيار ابن العربي أيضا٢، وقد نص الخرشي على أنه لا قطع على من سرق حقه ممن هو عليه مماطل له فيه سواء كان ما سرقه من جنس حقه أم لا٣.
وأما الحنفية فالظاهر من مذهبهم جواز ذلك إذا وجد صاحب الحق مالاً من جنس حقه، وعدم الجواز إذا وجد من غير جنسه.
جاء في بدائع الصنائع٤ ما نصه: " ... فإن كان المال في يدها وهو من جنس النفقة فلها أن تنفق على نفسها منه بغير أمر القاضي".
من فروع القاعدة:
١- أخذ الزوجة من مال زوجها للإنفاق إذا امتنع، أو تعذر استئذانه٥.
стр. 485
٢- أخذ الدائن مال مدِينِه بقدر حقه إذا امتنع المدين، ونحوه الضيف إذا امتنع من نَزَل عنده عن قِراه١.
وجه التيسير:
تتضمن هذه القاعدة التيسير من وجهين:
الأولى: تتعلق بصاحب الحق حيث سمح له الشارع بتحصيل حقه دون إذن من استُحق عليه ذلك إذا تعذر عليه أخذه بإذنه أو عن طريق الحاكم وفي هذا حفظ لحقه وتيسير عليه في طريق الوصول إليه؛ إذ قد يكون في المطالبة به عسر وخاصة إذا كان مما يتجدد كالنفقات ونحوها.
الثانية: تتعلق بمن عليه الاستحقاق وذلك أنه تبرأ ذمته مما عليه بعسر علمه أو بغير إذنه؛ إذ ربما لو علم أو استُأذِن لم يؤدِّ
стр. 486
فيبقى ذلك متعلقا بذمته فيكون من باب قوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه" ١.
فمصلحة صاحب الحق دنيوية، ومصلحة صاحب من عليه الحق أخروية، والله أعلم.
стр. 487
القاعدة الثانية والأربعون النسيان والجهل مسقطان للإثم مطلقا
ذكر هذه القاعدة السيوطي١ وأفرد الخبر فقال: "مُسْقِطٌ"، وأطلق الزركشي حكمها في حق الجاهل بالتحريم٢ وفرق في حق الناسي بين الأوامر والنواهي٣، واعتبر النسيان عذرا في المنهيات دون المأمورات، وكذلك فعل المقري٤، وأوردها ابن نجيم، وابن القيم، وابن اللحام في حق الناسي٥، وذكرها ابن سعدي في حق الناسي والمخطئ٦، وأفرد الزركشي قاعدة بمعناها في حق المخطئ
стр. 488
فقال: "الخطأ يرفع الإثم"١.
ويبحث علماء الأصول مسائل هذه القاعدة في شروط المكلف والعوارض التي تطرأ على أهليته للتكليف٢.
معاني المفردات:
النسيان لغة: خلاف الذِّكر والحفظ، وأصل المادة دال على إغفال الشيء، ويطلق على الترك كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٣.
واصطلاحا: عُرِّف بأنه الغفلة عن معلوم في غير حالة السّنة٤.
стр. 489
وذكر الأصوليون له عدة تعريفات لم يسلم أكثرها من اعتراض.
منها: أنه معنى يعتري الإنسان بدون اختياره فيوجب الغفلة عن الحفظ.
ومنها: أنه جهل الإنسان ما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة.
وقال بعضهم: هو أمر بديهي لا يحتاج إلى التعريف١.
والجهل لغة: خلاف العلم، وأصل مادة العلم دال على أثر بالشيء يتميز به عن غيره٢.
واصطلاحا قيل: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه٣، وقيل: إنه انتفاء العلم بالمقصود، وقيل: غير ذلك٤. والصحيح -فيما يظهر لي- أن تعريف الجهل يجب أن يشمل
стр. 490
الأمرين أعني عدم العلم بمعنى خلو الذهن عن حكم ما، وبمعنى اعتقاد الشيء على خلاف ماهو عليه ليشمل نوعي الجهل١.
ولذلك فقد عرفه صاحب التلويح بأنه عدم العلم عما من شأنه العلم، ثم قال: "فإن قارن اعتقاد النقيض فمركَّب -وهو المراد بالشعور بالشيء على خلاف ماهو عليه- وإلا فبسيط وهو المراد بعدم الشعور"٢.
مسقط: اسم فاعل من أسقط، والسقوط هو الوقوع٣.
الإثم في اللغة: الذَّنْب٤.
ومعناه في الاصطلاح لا يعدو هذا المعنى اللغوي فقد عرف بأنه: ما يجب التحرز منه شرعا وطبعا٥.
مطلقا: تقدم بيان معنى المطلق لغة٦.
وفي اصطلاح الأصوليين هو: اللفظ المتناول واحدا غير معين
стр. 491
بعتبار حقيقة شاملة لجنسه١، والمراد به -هنا- المنفك عن القيد.
الخطأ لغة: نقيض الصواب، وأصله دال على التعدي والذهاب فالخاطئ متجاوز للصواب٢.
وفي الاصطلاح عُرِّف بأنه: ماليس للإنسان فيه قصد، وقيل: وقوع الشيء على خلاف ما أريد، فهو على هذا ضد العمد٣.
المعنى الإجمالي:
أن من فيه أهلية التكليف إذا عرض له الجهل٤ بحيث لم يعلم تحريم شيء ما ففعله، أو لم يعلم وجوب أمر ما فتركه فإن الإثم المترتب على فعل المحرم أو ترك الواجب يسقط عنه وكذلك الحال
стр. 492
بالنسبة إلى من عرض له النسيان وما في حكمه١ بمعنى أن يكون في الأصل عالما بالحكم لكنه لم يتذكره حال الحاجة إليه٢، وكذلك من فعل شيئا من ذلك دون أن يقصده.
وتعبير السيوطي وغيره بقولهم: "مُسقط للإثم" أو "يرفع الإثم" يُقصد منه -فيما يظهر- الإشارة إلى أن التكليف باق في حق هؤلاء ولكن الله تعالى عذرهم تخفيفا.
قال الزركشي نقلا عن الإمام الشافعي: "إن الجهل لا يمنع التكليف وإلا لكان الجهل خير من العلم وإنما خفف الله عن الجاهل بإسقاط الإثم عنه"٣.
وقد صرح كثير من العلماء بأن الجهل والنسيان والخطأ لا تنافي التكليف وذلك شامل لأهلية الوجوب، وأهلية الأداء؛ لأن متعلَّق الأهلية هو الذمة والعقل والتمييز وهذه العوارض الثلاثة لا تزيل هذه المقومات وإنما تكون عذرا عند وجودها٤.
стр. 493
ويشمل سقوط الإثم عنهم ما كان متعلقا بحقوق الله تعالى، وما كان متعلقا بحقوق الآدميين، ولعل هذا هو معنى قولهم في القاعدة: "مطلقا".
أما من حيث القضاء، أو الإعادة بعد زوال العارض فإن الأدلة دالة على أن الناسي يقضي ما نسيه إذا كان مما يتصور فيه القضاء كالصلاة؛ لأنه لم يؤد عليه، وهذا هو معنى تفرقة من
стр. 494
فرق بين الأوامر والنواهي في حال النسيان١، ويدل على لزوم القضاء قوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢"٣. وأما الأمر بإتمام الصوم وعدم الأمر بالقضاء في حق من أكل أو شرب وهو صائم ناسيا فقد ورد به النص٤، وهو أيضا ليس كصفة نسيان الصلاة ولذا فقد قسم بعض العلماء النسيان من حيث تأثيره في حقوق الله تعالى (في الدنيا) إلى قسمين:
الأول: معفو عنه وهو ما يلازم الطاعات -غالبا- إما لوجود الطبع الداعي إليه كأكل الصائم وشربه ناسيا، وإما بالنظر إلى
стр. 495
الغالب من حال البشر كنسيان التسمية على الذبيحة لأن حالة الذابح تجعله عرضة لنسيانها غالبا.
والثاني: غير معفو عنه وهو مالا يكون على هذه الصفة كما إذا وجدت الحالة الداعية إلى التذكر كأكل المصلي في صلاته ناسيا ونحوه١.
ومع ذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فعليه القضاء٢.
والأدلة دالة على أن الجاهل إذا علم في وقت تلك العبادة التي جهل حكمها أو صفتها فإنه يعيد لحديث المسيء في صلاته حيث قال له ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل" ٣.
وأما إذا علم بعد فوات الوقت، أو كان مما لا يمكن تداركه فظاهر كثير من الأدلة يدل على أنه لا قضاء عليه.
ومن تلك الأدلة حديث أبي ذر ﵁ قال: "كنت