← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بعتبار حقيقة شاملة لجنسه١، والمراد به -هنا- المنفك عن القيد. الخطأ لغة: نقيض الصواب، وأصله دال على التعدي والذهاب فالخاطئ متجاوز للصواب٢. وفي الاصطلاح عُرِّف بأنه: ماليس للإنسان فيه قصد، وقيل: وقوع الشيء على خلاف ما أريد، فهو على هذا ضد العمد٣. المعنى الإجمالي: أن من فيه أهلية التكليف إذا عرض له الجهل٤ بحيث لم يعلم تحريم شيء ما ففعله، أو لم يعلم وجوب أمر ما فتركه فإن الإثم المترتب على فعل المحرم أو ترك الواجب يسقط عنه وكذلك الحال

стр. 492

بالنسبة إلى من عرض له النسيان وما في حكمه١ بمعنى أن يكون في الأصل عالما بالحكم لكنه لم يتذكره حال الحاجة إليه٢، وكذلك من فعل شيئا من ذلك دون أن يقصده. وتعبير السيوطي وغيره بقولهم: "مُسقط للإثم" أو "يرفع الإثم" يُقصد منه -فيما يظهر- الإشارة إلى أن التكليف باق في حق هؤلاء ولكن الله تعالى عذرهم تخفيفا. قال الزركشي نقلا عن الإمام الشافعي: "إن الجهل لا يمنع التكليف وإلا لكان الجهل خير من العلم وإنما خفف الله عن الجاهل بإسقاط الإثم عنه"٣. وقد صرح كثير من العلماء بأن الجهل والنسيان والخطأ لا تنافي التكليف وذلك شامل لأهلية الوجوب، وأهلية الأداء؛ لأن متعلَّق الأهلية هو الذمة والعقل والتمييز وهذه العوارض الثلاثة لا تزيل هذه المقومات وإنما تكون عذرا عند وجودها٤.

стр. 493

ويشمل سقوط الإثم عنهم ما كان متعلقا بحقوق الله تعالى، وما كان متعلقا بحقوق الآدميين، ولعل هذا هو معنى قولهم في القاعدة: "مطلقا". أما من حيث القضاء، أو الإعادة بعد زوال العارض فإن الأدلة دالة على أن الناسي يقضي ما نسيه إذا كان مما يتصور فيه القضاء كالصلاة؛ لأنه لم يؤد عليه، وهذا هو معنى تفرقة من

стр. 494

فرق بين الأوامر والنواهي في حال النسيان١، ويدل على لزوم القضاء قوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢"٣. وأما الأمر بإتمام الصوم وعدم الأمر بالقضاء في حق من أكل أو شرب وهو صائم ناسيا فقد ورد به النص٤، وهو أيضا ليس كصفة نسيان الصلاة ولذا فقد قسم بعض العلماء النسيان من حيث تأثيره في حقوق الله تعالى (في الدنيا) إلى قسمين: الأول: معفو عنه وهو ما يلازم الطاعات -غالبا- إما لوجود الطبع الداعي إليه كأكل الصائم وشربه ناسيا، وإما بالنظر إلى

стр. 495

الغالب من حال البشر كنسيان التسمية على الذبيحة لأن حالة الذابح تجعله عرضة لنسيانها غالبا. والثاني: غير معفو عنه وهو مالا يكون على هذه الصفة كما إذا وجدت الحالة الداعية إلى التذكر كأكل المصلي في صلاته ناسيا ونحوه١. ومع ذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فعليه القضاء٢. والأدلة دالة على أن الجاهل إذا علم في وقت تلك العبادة التي جهل حكمها أو صفتها فإنه يعيد لحديث المسيء في صلاته حيث قال له ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل" ٣. وأما إذا علم بعد فوات الوقت، أو كان مما لا يمكن تداركه فظاهر كثير من الأدلة يدل على أنه لا قضاء عليه. ومن تلك الأدلة حديث أبي ذر ﵁ قال: "كنت

стр. 496

أعزُب١ عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد. فقال ﷺ "أبو ذر"؟ فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله. قال: "وما أهلكك؟ " قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فأمر لي رسول الله ﷺ بماء فجاءت به جارية سوداء بعُسّ٢ يتخضخض ماهو بملآن فتسترت إلى بعير فاغتسلت ثم جئت فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك"٣. ووجه دلالته أن رسول الله ﷺ لم يأمره بقضاء ما صلاه بدون طهارة جاهلا. وقد قسّم بعض علماء الأصول الجهل من -حيث اعتباره عذرا أو عدم اعتباره- إلى أنواع ونصوا خلالها على أنه لا قضاء

стр. 497

على من جَهِلَ من المسلمين إذا كان في دار حرب ولم تبلغه التكاليف١. وأما المخطئ فإنه يجزئه ما فَعَلَه خطأً في الغالب كمن اجتهد فأخطأ في القبلة وصلى إلى غير قبلة فإن صلاته صحيحة كما ثبت ذلك في السنة٢.

стр. 498

وأما الضمان فالأكثرون على أنه يلزم الجاهل، والناسي، والمخطئ ولا يسقط عنهم بتلك الأعذار. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " ... والأظهر -والله أعلم- أن الناسي والمخطئ إنما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأن الإثم مترتب على المقاصد والنيات والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما، وأما رفع الحكم عنهما فليس مرادا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر١. وذهب البعض إلى أن الجاهل والناسي والمخطئ غير مكلفين فيسقط عنهم الإثم، والقضاء وهو ظاهر كلام ابن قدامة حيث قال -عند كلامه عن حديث "رفع عن أمتي ... " ٢-: "المراد رفع حكمه، ثم قال: وقيل: المراد رفع حكمه الذي هو المؤاخذة لا نفي الضمان ولزوم القضاء"٣.

стр. 499

قال الشيخ محمد الأمين ﵀: "اعلم أن ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسي والنائم غير مكلفين يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة والإجماع على أنها قضاء"١. الأدلة: يستدل لصحة هذه القاعدة بالآتي: أولا: عموم الأدلة الدالة على يُسر الشريعة كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، وقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٤. ثانيا: قوله تعلى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٥ الآية. وفي الحديث: " ... فأنزل الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً

стр. 500

إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال نعم ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم"١. فهذه الآية مع الحديث نص على أن الناسي، والمخطئ غير مؤاخذين والخطأ قد يطلق بمعنى الجهل٢. ثالثا: حديث: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ٣. رابعا: الأحاديث الدالة على عدم مؤاخذة الناسي خاصة كحديث: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" ٤.

стр. 501

وحديث أبي ذر المتقدم. والأحاديث الدالة على عدم مؤاخذة الجاهل خاصة كحديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فأرشده رسول الله ﷺ ، وحديث أبي بكرة١ ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصا ولا تَعَد" ٢، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا بين فيها رسول الله ﷺ الصواب لمن أخطأ دون تعنيف، أو ما يشعر بوقوعه في الإثم٣. والأحاديث الدالة على عدم إثم المخطئ خاصة. ومن ذلك حديث: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله

стр. 502

أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"١ والحديث صريح في سقوط الإثم عن المخطئ. بل في ثبوت الأجر لمن أخطأ في الاجتهاد. العمل بالقاعدة: هذه القاعدة محل اتفاق بين العلماء من حيث الجملة٢ وهي من القواعد المتقررة شرعا وقد تقدم ذكر عدد من فقهاء المذاهب لهذه القاعدة. على أن هناك بعض التفصيل فيما يعذر فيه بالجهل ومالا يعذر وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. من فروع القاعدة: فروع هذه القاعدة كثيرة جدا؛ إذ تطبق في كل ما يتصور فيه الجهل والنسيان، وقد استثنى من ذلك بعض الصور. على أم الفقهاء قليلا ما يتعرضون لمسألة الإثم أو عدمه، ومن فروعها:

стр. 503

١- من نسي صلاة حتى خرج وقتها فلا إثم عليه ويلزمه أن يصليها متى ذكرها١. ٢- من أكل أو شرب ناسيا صومه فلا إثم عليه ويتم صومه ويصح٢. ٣- من فعل شيئا من محظورات الإحرام جاهلا بتحريمها أو ناسيا فلا إثم عليه، وإن قال بعض الفقهاء: إن عليه الفدية٣ وجه التيسير: التيسير في هذه القاعدة ظاهر؛ لأن الله تعالى لم يكلف عباده مالا يطيقون فأسقط عنهم الإثم المترتب على ترك الواجب أو فعل المحرم في حال النسيان، أو الجهل، أو الخطأ؛ لأنها أمور تطرأ على المكلف فتؤثر في أهليته للتكليف بحيث لا يقدر معها على الامتثال الصحيح فَعَذَر الله تعالى عبده في حال طروء أحد هذه الأمور عليه فلله الحمد والفضل.

стр. 504

المجلد الثاني القسم الأول: القواعد . القاعدة الثالثة والأربعون: النفل أوسع من الفرض . ... القاعدة الثالثة والأربعون: النفل أوسع من الفرض. نص على ذكر هذه القاعدة السيوطي١، والزركشي ولفظها عنده ((النفل أوسع بابا من الفرض)) ٢، ولم أقف على من ذكرها غيرهما في صيغة قاعدة. لكن معناها قد ورد على سبيل التعليل عند عدد من الفقهاء٣، وذكر ابن سعدي عددا من الفروع التي اختلف فيها الفرض عن النفل بما يدل على معنى القاعدة٤. معاني المفردات: النفل: تقدم بيان معناه ٥. الفرض: تقدم معناه٦.

стр. 505

المعنى الإجمالي: المراد أن الشارع يتسامح في النوافل، والتطوع أكثر مما يتسامح في الفروض -على أن الجميع لا يخرج عن مبدأ اليسر- فيصح في النفل مالا يصح في الفرض من جنسه، لكونه النافلة أخفض درجة من الفرض، والقاعدة أن ((الفرض أفضل من النفل)) ١، لقوله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضه عليه ... " الحديث٢؛ ولأن الفرض هو الأصل. الأدلة: أولا: الأحاديث الدالة على صحة نافلة الصلاة على الراحلة في السفر وإن كان إلى غير القبلة مع عدم العذر، وعدم صحة ذلك في المكتوبة، ونمها: ١- ما رواه جابر ﵁ قال: "كان رسول الله

стр. 506

صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة١. ٢- وما رواه ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته"٢، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا٣، وقد تضمنت التفرقة بين الفرض والنفل. ثانيا: الأحاديث الدالة على جواز صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام ومنها: حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ

стр. 507

يصلي ليلا طويلا فإذا صلى قائما ركع قائما وإذا صلى قاعدا ركع قاعدا"١. قال الإمام النووي: "فيه جواز النفل قاعدا مع القدرة على القيام وهو إجماع العلماء"٢. ثالثا: الأحاديث الدالة على جواز صوم التطوع بنية من نهار وعدم جواز ذلك في الفرض -وهو قول كثير من العلماء-، وجواز إفطار الصائم تطوعا من غير عذر وعدم جواز ذلك في الفرض ومنها: ١- حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا:

стр. 508

لا. قال: "فإني إذن صائم"، ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْس١ فقال: "أرينيه فلقد أصبحت صائما" فأكل"٢. فالحديث دال على الأمرين معا٣. ٢- حديث أم هانئ٤ ﵂ "أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت فقالت: يا رسول الله أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : "الصائم المتطوع أمين نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"٥.

стр. 509

العمل بالقاعدة: تقدم أن بعض الفقهاء قد نص على هذه القاعدة، وأن بعضهم أشار إليها على سبيل التعليل لبعض الأحكام، ومن المسائل التي فرق فيها الفقهاء بين الفرض والنفل الصلاة على الراحلة، حيث جوَّزوا صلاة النافلة على الراحلة للمسافر دون عذر مانع من النزول ولو توجهت به راحلته إلى غير القبلة ونقل الإجماع على هذا عدد من أهل العلم١، ولم يجيزوا ذلك في الفرض إلا مع العذر، واشترط بعضهم في ذلك أن تكون الراحلة متجهة نحو القبلة٢، وكذلك مسألة الصلاة قاعدا مع القدرة على القيام فإن ذلك جائز في النفل دون الفرض٣ وقد نُقل الإجماع عليه أيضا٤ وعلى هذا

стр. 510

فالقاعدة من حيث الجملة محل اتفاق. وما تقدم من فروع القاعدة مغنٍ عن إعادتها. وجه التيسير: وجه التيسير أن الله تعالى شرع لعباده الفرائض وشرع لهم من جنسها نوافل١؛ ليزدادوا بها تقربا إليه تعالى وليُكمَل بها ماقد يقع من الخلل في الفريضة٢ وكان من لطف الله تعالى بعباده أن سامح في هذه النوافل أو بعضها نوع مسامحة فلم يوجب

стр. 511

فيها كل ما يجب في الفرض مع أن الأصل المطالبة١ وذلك من أجل أن يسهل على المكلفين طريق الازدياد في الخير فضلا من الله ونعمة. جاء في كتاب الاختيار في تعليل المختار (في الفقه الحنفي) : "ويجوز ذلك -أي صلاة النافلة قاعدا-؛ لفعله ﷺ ؛ ولأن صلاة خير موضوع فربما شق عليه القيام فجاز ذلك إحرازا للخير"٢. يضاف إلى هذا أن الفرض محدود أما النافلة فهي غير محدودة بحد في الغالب وأنها في حكم التبرع فناسب التخفيف فيها٣، والله أعلم.

стр. 512

القاعدة الرابعة والأربعون: نية الأداء تنوب عن نية القضاء، وعكسه . أورد هذه القاعدة الونشريسي بصيغة الاستفهام١، وأشار إليها عدد من الفقهاء وإن يسوقوها مساق القاعدة، ومن هؤلاء العلائي٢، والسيوطي٣، وابن نجيم٤. معاني المفردات: النية: تقدم بيان معناها٥. الأداء: تقدم بيان معناه٦. القضاء لغة: الحكم، ويطلق بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية٧.

стр. 513

وفي اصطلاح الأصوليين والفقهاء: فعل العبادة بعد وقتها المقدر لها شرعا١. المعنى الإجمالي: المراد أن العبادة ذات الوقت المعين التي يُتَصَوَّر فيها الأداء، ويتصور فيها القضاء٢ تصح إذا فعلت في وقتها المقدر لها شرعا -أي في وقت الأداء- بنية القضاء، أو فعلت بعد وقتها المقدر –أي في وقت القضاء- بنية الأداء. وقد قيد كثير من العلماء ذلك بأن لا يكون مُتعمَّدا، لأنه في حالة التعمد يكون عبثا ممنوعا٣.

стр. 514

الأدلة: لم أقف على شيء من النصوص يدل على هذه القاعدة ولكن يمكن التعرف على مبناها من خلال ما ذكره بعض الفقهاء من تعليلات لصحتها. فقد قال العلائي معللا لقول من قال بصحة تأدية العبادة بنية القضاء وعكسه إذا لم يتعمد: "فالأوقات ليست قُربة ولا صفة للقربة وإنما تذكر في النية لتمييز المرتبة"١. وجاء في منح الجليل شرح مختصر خليل٢ (في الفقه المالكي) : " ... وإذا لم ينو الأداء في التي حضر وقتها، أو لم ينو ضده –أي القضاء- في التي خرج وقتها فلا تبطل والوقت يستلزم الأداء وخروجه يستلزم القضاء". ولذا فقد بنى ابن نجيم المسامحة في نية الأداء والقضاء على أنه أتى بأصل النية لكنه أخطأ في الظن والخطأ في مثله معفو

стр. 515

عنه١. والمقصود بأصل النية أنه قد عين في قلبه ظهر اليوم الذي يريد صلاته مثلا فلا يضر وصفه له بكونه أداء أو قضاء٢. العمل بالقاعدة: يتضح مدى إقرار الفقهاء لهذه القاعدة وعملهم بها من النظر في فرعين من فروعها: أحدهما: من صلى الفريضة بنية الأداء فبان أنه صلى بعد خروج الوقت فإنه يكون قد صلى قضاء بنية الأداء، وعكسه من صلى بنية القضاء يظن الوقت قد خرج فبان أنه في الوقت حيث يكون قد صلى أداء بنية القضاء. والثاني: الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر فصام بنية الأداء، ثم تبين أنه صام بعد انقضاء الشهر فإنه يكون قد صام قضاء بنية الأداء، وعكسه مالو صام بنية القضاء يظن الشهر قد انقضى فبان صيامه فيه فإنه يكون قد صام أداءً بنية القضاء.

стр. 516

وقد ذهب الحنفية والمالكية، والحنابلة إلى صحة صلاة المصلي في الفرع الأول في الحالين١، وهو الذي صححه النووي من أقوال أربعة نقلها عن الشافعية٢، وذهب الجميع إلى صحة الصيام في الفرع الثاني في الحالين٣. فظهر من هذا أن الغالب عمل الفقهاء بهذه القاعدة، وإن كان قد يرد عليها بعض الاستثناءات٤. وأوضح فروع القاعدة الفرعان اللذان تقدم ذكرهما قريبا وهما

стр. 517

صلاة الفريضة، وصوم رمضان. وذكر السيوطي فروعا أخر منها: نية الأداء في قضاء الحج أو العكس، وكذا صلاة الجنازة حيث ذكر أن وقتها محدود بالدفن فيتصور فيها الأداء والقضاء١. وجه التيسير: يظهر التيسير في هذه القاعدة من جهة أنه قد يشتبه على المكلف وقت أداء عبادة ما بوقت قضائها، بحيث لا يعلم في وقت فعله للعبادة هل هي أداء أو قضاء فينوي عكس ما عليه الحال فجعل الله تعالى ذلك عذرا في حقه وأباح له أن تقوم نية كل واحد منهما مقام الأخرى، وإن كان الأصل أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى.

стр. 518

القاعدة الخامسة والأربعون: الواجب في النية استصحاب حكمها لا ذِكرُها١. أورد المقري هذه القاعدة بلفظ قريب من هذا اللفظ٢، وأورد ابن عبد السلام ما يدل على معناها٣، وصرح به القرافي، والزركشي، وابن نجيم٤، ونص السبكي على أن كل نية تجب مقارنتها لأول العمل، ولم يصرح بعدم لزوم استحضارها في أثنائه٥.

стр. 519

معاني المفردات: النية: تقدم بيان معناها. استصحاب: الاستصحاب في اللغة طلب الصحبة. يقال: استصحبه إذا دعاه إلى الصحبة، والصحبة هي مقارنة الشيء ومقاربته١. وفي اصطلاح الأصوليين يعرف بأنه الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتا في الزمان الأول، ويعرف بغير هذا. المعنى الإجمالي: إذا كان العمل مما لا يصح إلا بنية كالصلاة والصوم فإنه يكفي أن يحصِّل المكلف النية عند أول جزء من أجزاء العمل أو قبله على حسب العبادة وعلى حسب اختلاف الفقهاء في تقديم النية

стр. 520

ولا يلزمه أن يستحضرها في جميع أجزاء العمل. بل يستصحب حكمها١ بحيث يكون الأصل بقاؤها فلا تزول إلا بنية الخروج من ذلك العمل ولو ذهل عن استحضارها في بعض أجزاء العبادة لم يضره ذلك، ولم يؤثر في صحة العبادة مع أن الأصل وجوب ملازمة النية لكل جزء من أجزاء العبادة لكون النية شرطا في صحة كل العبادة٢. لكن لعُسرِ ذلك لم يلزم، وقد نقل بعضهم الاتفاق على استحبابه٣. ويجدر التنبيه هنا إلى أن الفقهاء قد استثنوا من وجوب تعلق النية بأول الفعل ما يكون ذلك فيه مؤديا إلى مشقة كالصوم؛ لكون أول وقت الصوم عرضة لأن يكون المكلف فيه نائما أو غافلا فأجازوا تقدم النية على العمل واستصحابها في سائر العمل مالم

стр. 521

معها غير مستحضر لنية الصلاة١. ٢- روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة"٢. ووجه الدلالة منه كوجه الدلالة من الحديث. ٣- قياس الصلاة على الصوم فإن الصوم متفق على عدم لزوم استحضار النية له في جميع النهار؛ إذ قد ينام الإنسان وقد يغفل ولا يضره ذلك٣. ٤- كون استحضار حقيقة النية في كل أجزاء العبادة مما يشق على المكلف مشقة عظيمة بل قد يستحيل، وقد علل المقري بهذا في نصه على القاعدة٤.

стр. 522

العمل بالقاعدة: ذهب أكثر الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة إلى صحة هذه القاعدة فقد تقدم تصريح المقري بها على أنها من قواعد الفقه المالكي، وكذلك إيراد بعض علماء الشافعية لها. وقد صرحت كتب الفروع بهذا الحكم. فقد نقل ابن نجيم عن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، ونقل عن عامتهم عدم المخالفة في هذا، وردَّ ابن عابدين في حاشيته على من أوجب استحضار النية منهم١. وفي مواهب الجليل من كتب الفقه المالكي: "أن من شروط النية في الوضوء أن تكون مقارنة للمنوي؛ لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددا بين القربة وغيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها"، ثم قال: "إن النية تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية ثم إذا ذُهِلَ عنها فهي نية حكمية بمعنى أن الشرع

стр. 523

حكم باستصحابها ... "الخ١. ونص الإمام الشافعي على هذا الحكم فقال: "وإذا توضأ ينوي الطهارة ثم عزبت٢ عنه النية أجزأته نية واحدة فيستبيح بها الوضوء مالم يحدث نية أن يتبرد أو يتنظف بالماء لا يتطهر به"٣، وقال: نحوه في الصلاة٤. وجاء في المغني: "استصحاب حكم النية دون حقيقتها بمعنى أنه لا ينوي قطعها، ولو ذهل عنها أو عزبت عنه في أثناء الصلاة لم يؤثر ذلك في صحتها"٥. من فروع القاعدة: ١- نية الوضوء حيث تحصل بتحصيلها في أوله ولو ذهل عنها في أثنائه وهذا على القول بوجوبها أو سنيتها٦.

стр. 524

٢- نية الصلاة كذلك على ما تقدم١. ٣- نية الصوم فلا يشترط مقارنتها لكل أجزاء اليوم. بل يكفي إيجادها في الليل إن كان الصوم واجبا، وأجاز بعض الفقهاء الصوم الواجب بنية من النهار٢. وجه التيسير: لما كانت النية شرطا في صحة كثير من العبادات، وكان الأصل لزوم حضورها ومقارنتها لكل جزء من أجزاء العبادة، وكان في ذلك أعني استحضار النية في كل أجزاء العبادة من المشقة والحرج مالا يمكن للمكلف غالبا التحرز منه، سامح الشارع في اعتبار هذا الشرط، واكتفى بحضور النية حقيقة في أول العبادة واستصحاب حكمها في بقية العبادة بحيث لا يكون غيابها في أثناء تلك العبادة مؤثرا على صحتها رحمة من الله بعباده وتيسيراً عليهم٣.

стр. 525

القاعدة السادسة والأربعون: يجزئ فعل غير المكلف عن المكلف في صور . ((صياغة)) أورد القرافي معنى هذه القاعدة عند بيانه الفرق بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عن المكلف وبين مالا يجزئ١. وأشار إليها المقري بعد أن بين أن ((الأصل في العبادات أن لا تُتَحمل)) ٢ وألمح إليها الحصيري، وابن رجب، وابن سعدي عند بيانهم حكم من أدى عن غيره واجبا من حيث الرجوع عليه بما أداه عنه أو عدمه٣. معاني المفردات: المكلّف: اسم مفعول من كلفه أي أمره بما يشق عليه٤.

стр. 526

وفي الاصطلاح: هو من أُلْزِم بمقتضى خطاب الشرع. فقد عرف الأصوليون التكليف بأنه إلزام مقتضى خطاب الشرع١. المعنى الإجمالي: المراد بهذه القاعدة أنه يمكن أن يقوم في بعض الصور من لم يؤمر بفعل ما بالأداء عمن أمر به ووجب عليه وأمر به ومُخرجا له عن عهدة التكليف. فيكون المراد بغير المكلف هنا من لم يجب عليه ذلك العمل المعين لامن سقط عنه التكليف أصلا لصغر أو جنون أو نحوهما. وأكثر ما يكون ذلك في الحقوق المالية التي لا تفتقر إلى نية٢، وأجازه الجمهور في الحج من العبادات٣. وتعم هذه القاعدة الأحياء والأموات؛ لأن الميت قد يتعلق بذمته حال حياته واجب، ثم يموت قبل أدائه فيؤديه عنه ورثته

стр. 527

أو غيرهم تبرعا. ولا شك أنه إذا جاز ذلك تبرعا جاز من باب أولى إذا وصى المكلف به، أو وكل غيره١. أما مسألة العمل للميت ووصول الثواب إليه فمسألة أخرى لها حكمها المستقل؛ لأن المراد بها العمل عنه على سبيل إهداء الثواب لا على سبيل إبراء الذمة٢. الأدلة: يدل لهذه القاعدة ما يلي: أولا: حديث عبد الله بن عباس ﵁ قال: "جاءت امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع"٣ قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير"٤.

стр. 528

ثانيا: الحديث الآخر الذي رواه ابن عباس ﵁ وفيه: " ... أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء" ١. فقياسه ﷺ حكم قضاء الحج عن الميت على قضاء الدين عنه دليل على صحة قضاء الدين عنه وإجزاء ذلك. قال الشوكاني: "وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه"٢. ثالثا: حديث عائشة ﵁ وفيه: " ... قالت: فدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه"٣، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله:

стр. 529

"باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن". قال الحافظ ابن حجر: "وأما قوله: "نت غير أمرهن" فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام"١. وقال: "واستدل به على أن الإنسان قد يلحقه من عمل غيره ما عمله عنه بغير أمره ولا علمه، وتُعُقِّب باحتمال الاستئذان"٢. رابعا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل٣ وخالد بن الوليد٤، والعباس عم رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم

стр. 530

تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها"، ثم قال: "يا عمر: أما شعرت أن عمّ الرجل صنو أبيه"١. وقد تأول بعض العلماء قوله ﷺ : "فهي عليّ ومثلها" بأنه ﷺ تسلف منه زكاة عامين، أو غيره من الأوجه إحسانا للظن بالصحابة الكرام واستبعادا لأن يمنع العباس أو غيره من الصحابة رضوان الله عليهم الزكاة الواجبة٢. إلا أنه يمكن أن يؤخذ منه بوجه من الوجوه صحة أداء الزكاة عن الغير إذا لم يكن من وجبت عليه جاحدا لوجوبها.
следующие страницы →