← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وفي الاصطلاح: هو من أُلْزِم بمقتضى خطاب الشرع. فقد عرف الأصوليون التكليف بأنه إلزام مقتضى خطاب الشرع١. المعنى الإجمالي: المراد بهذه القاعدة أنه يمكن أن يقوم في بعض الصور من لم يؤمر بفعل ما بالأداء عمن أمر به ووجب عليه وأمر به ومُخرجا له عن عهدة التكليف. فيكون المراد بغير المكلف هنا من لم يجب عليه ذلك العمل المعين لامن سقط عنه التكليف أصلا لصغر أو جنون أو نحوهما. وأكثر ما يكون ذلك في الحقوق المالية التي لا تفتقر إلى نية٢، وأجازه الجمهور في الحج من العبادات٣. وتعم هذه القاعدة الأحياء والأموات؛ لأن الميت قد يتعلق بذمته حال حياته واجب، ثم يموت قبل أدائه فيؤديه عنه ورثته

стр. 527

أو غيرهم تبرعا. ولا شك أنه إذا جاز ذلك تبرعا جاز من باب أولى إذا وصى المكلف به، أو وكل غيره١. أما مسألة العمل للميت ووصول الثواب إليه فمسألة أخرى لها حكمها المستقل؛ لأن المراد بها العمل عنه على سبيل إهداء الثواب لا على سبيل إبراء الذمة٢. الأدلة: يدل لهذه القاعدة ما يلي: أولا: حديث عبد الله بن عباس ﵁ قال: "جاءت امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع"٣ قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير"٤.

стр. 528

ثانيا: الحديث الآخر الذي رواه ابن عباس ﵁ وفيه: " ... أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء" ١. فقياسه ﷺ حكم قضاء الحج عن الميت على قضاء الدين عنه دليل على صحة قضاء الدين عنه وإجزاء ذلك. قال الشوكاني: "وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه"٢. ثالثا: حديث عائشة ﵁ وفيه: " ... قالت: فدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه"٣، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله:

стр. 529

"باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن". قال الحافظ ابن حجر: "وأما قوله: "نت غير أمرهن" فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام"١. وقال: "واستدل به على أن الإنسان قد يلحقه من عمل غيره ما عمله عنه بغير أمره ولا علمه، وتُعُقِّب باحتمال الاستئذان"٢. رابعا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل٣ وخالد بن الوليد٤، والعباس عم رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم

стр. 530

تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلها معها"، ثم قال: "يا عمر: أما شعرت أن عمّ الرجل صنو أبيه"١. وقد تأول بعض العلماء قوله ﷺ : "فهي عليّ ومثلها" بأنه ﷺ تسلف منه زكاة عامين، أو غيره من الأوجه إحسانا للظن بالصحابة الكرام واستبعادا لأن يمنع العباس أو غيره من الصحابة رضوان الله عليهم الزكاة الواجبة٢. إلا أنه يمكن أن يؤخذ منه بوجه من الوجوه صحة أداء الزكاة عن الغير إذا لم يكن من وجبت عليه جاحدا لوجوبها.

стр. 531

قال النووي: "وقال الذين لا يجيزون تعجيل الزكاة: معناه أنا أؤديها عنه"١. وقال ابن حجر: "ودلت رواية مسلم على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله "فهي عليّ"٢. خامسا: استدل المقري على صحة الأداء عن الغير بحديث: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" ٣.

стр. 532

ومما يدل على صحة هذه القاعدة في حق الميت ما يلي: ١- الحديث المتقدم في الحج عن الميت١. ٢- حديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" ٢. ٣- ما روي: "أن النبي ﷺ أُتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: "هل عليه من دين؟ " قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: "هل عليه من دين؟ " قالوا: نعم، قال: "فصلوا على صاحبكم". قال أبو قتادة٣: عليَّ دينه يا رسول

стр. 533

الله فصلى عليه"١. العمل بالقاعدة: قسم القرافي الأفعال المأمور بها إلى ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناس على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور وذلك كدفع المغصوب للمغصوب منه وإن لم يشعر الغاصب فإن ذلك يسد المسد ويزيل التكليف، ودفع النفقات للزوجات والأقارب والدواب فإن دفعها غير من وجب عليه لمن وجبت له أجزأت وإن لم يشعر المأمور بها من زوج أو قريب، وكذلك دفع اللقطة لمستحقها وإن لم يشعر ملتقطها وهذا النحو. وقسم اتفق الناس على عدم إجزاء فعل غير المأمور به وهو الإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله ، ونَقَل حكاية الإجماع على ذلك في الصلاة أيضا، ثم نقل فيه خلافا عن بعض الشافعية. وقسم مختلف فيه هل يجزئ فعل غير المأمور عن المأمور ويسد المسد أم لا؟ وذكر من ذلك الزكاة، والحج عن الغير والصوم

стр. 534

عن الميت وعتق الإنسان عن غيره١. وقد أورد الفقهاء ما يدل على صحة التبرع بالأداء ممن لم يجب ذلك الحق عليه عمن وجب الحق عليه وخاصة في الحقوق المالية، وما يدل على براءة الذمة من الحق المالي بوصوله إلى صاحبه بأي طريق، قال المرغيناني: "ومن ضمن عن آخر خراجه ونوائبه وقسمته فهو جائز"٢ وجاء في حاشية رد المحتار: "أن الردّ - أي رد المغصوب- يشمل الرد حكما، فلو وضَع الغاصبُ المغصوب بين يدي ماله برئ"٣. قال الخرشي: "وصح -أي الضمان- من أهل التبرع"٤، وقال: ":إن من غصب طعام فقدمه لربه ضيافة فأكله فإن الغاصب يبرأ من ذلك وسواء علم مالكه أنه له أم لا"٥ فدل على أن الغاصب يبرأ إذا وصل المغصوب إلى مالكه من أي طريق. وقال الشيرازي من الشافعية: "إذا قضى الضامن الدين عن

стр. 535

المدين وقد كان ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه لم يرجع، لأنه تبرع بالقضاء"١. وقال ابن قدامة: "فأما إن قضى الدين متبرعا به غير ناو للرجوع به فلا يرجع بشيء؛ لأنه تطوع بذلك فأشبه الصدقة"٢، وبين أن مذهب الجمهور اشتراط النية لأداء الزكاة، ثم بين الفرق بينها وبين قضاء الدين بأن قضاء الدين ليس بعبادة٣. وقال ابن تيمية: "وتبرأ ذمة كل غاصب يوصل المال إلى مستحقه ولو كان بغير فعل الغاصب"٤. مما تقدم من النقول يظهر أن جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة على أنه يسقط الدين بأداء المتبرع وإن لم يعلم المدين، وكذلك ما في حكم الدين من رد المغصوب واللقطة، ونحوهما. وهذه النقول وإن كان بعضها منصبا على مسألة رجوع المتبرع على المدين ونحوه يفهم منها صحة الأداء عن الغير من حيث الجملة.

стр. 536

وإنما اختلفوا في تطبيقها على الزكاة ونحوها للاختلاف في اشتراط النية أو عدمه، والله أعلم. من فروع القاعدة: ١- رد المغصوب فإنه يحصل عند الأكثرين بوصوله إلى المغصوب منه بأي طريق كما تقدم. وأكثر الفقهاء لا يصرحون بحكم رد المغصوب من قبل شخص آخر غير الغاصب إلا أن ذلك يدخل في عموم صورة المسألة١. ٢- وكذا الضمان وردّ الدين وما في معناها٢. وجه التيسير: يتضح التيسير في هذه القاعدة إذا علمنا أنها استثناه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاّ مَا سَعَى﴾ ٣، وأن الأصل في العبادة أن لا تتحمل٤.

стр. 537

قال ابن العربي: "حديث الخثعمية أصل متفق عليه خارج عن القاعدة المعهودة في الشريعة أي أنه ليس للإنسان إلا ماسعى؛ رفقا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولد"١. فإن الإنسان قد يعرض له ما يجعل القيام بالأمر الشرعي شاقا عليه مشقة لا تسقط التكليف عنه أو يكون فيه من الصفات مالا يقدر على التخلص منه إلا بمشقة كالشح بالمال فيسر الله تعالى عليه بأن جعل الأداء عنه ممكنا من غيره في بعض الأحوال وجعل ذلك مجزئا عنه ومبرئا لذمته، والله أعلم.

стр. 538

القاعدة السابعة والأربعون: يجوز تصرف الآحاد في الأموال العامة عند تعذر قيام الأئمة بذلك ذكر هذه القاعدة العز بن عبد السلام تحت عنوان "فصل في تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة"١. وأشار إلى معنى القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية٢، وكذلك فعل الجرهزي الشافعي٣. وهي داخلة في عموم قاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) ، أو قاعدة ((تدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما)) . وهي متعلقة بقاعدة مشهورة هي قولهم: ((تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة)) ٤.

стр. 539

معاني المفردات: الآحاد: جمع أحد وهو بمعنى الواحد١، والمراد أفراد الأمة. المعنى الإجمالي: الأصل في الأموال العامة أن يكون التصرف فيها لإمام المسلمين ولا يجوز لأحد من المسلمين التصرف فيها إلا بإذن الإمام٢.

стр. 540

قال الشيخ ابن عبد السلام: "لا يتصرف في أموال المصالح العامة إلا الأئمة ونوابهم"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كان بيت المال مستقيما أمره بحيث لا يوضع ماله إلا في حقه ولا يمنع منه مستحقه فمن صرف بعض أعيانه أو منافعه في جهة من الجهات التي هي مصارف بيت المال بغير إذن الإمام فقد تعدى بذلك إذ أمر ولايته للإمام٢. هذا هو الأصل مادام الإمام قائما فيه بمصلحة المسلمين ولذا قالوا: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" فإذا تعذر أن يتصرف فيه الإمام على الوجه الصحيح إما لجور فيه، أو لعدم كفاءة أو نحوهما فإنه في هذه الحالة يجوز لمن تحصَّل في يده شيء من مال المصالح العامة وأمكنه أن يصرفه على وفق ما يقيم المصلحة العامة جاز له ذلك بشروط. أحدهما: أن يؤمن حدوث فتنة سدا لذريعة الاختلاف والشقاق٣.

стр. 541

الثاني: ألا يكون متهما في ذلك التصرف كما لو أخذ المال لنفسه متأولا١، وربما كان في تقرير الفقهاء أن هذه القاعدة تنطبق فيما إذا تحصل في يد الكفؤ غير الإمام شيء من الأموال العامة تنبيه إلى تقييد ذلك الحكم بعدم الاستيلاء على الأموال العامة بالقوة؛ ولذا فإن العلماء كثيرا ما يمثلون لهذه القاعدة بما يكون في أيدي الناس من زكاة أموالهم أو مال من لا وارث له ونحوه٢. الأدلة: استدل ابن عبد السلام لهذه القاعدة بعدد من الأدلة بعضها يدا عليها بعمومه من حيث عدم اختصاصها بالأموال وهي: ١- قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٣ وهذا بر وتقوى. ٢- قول النبي ﷺ : " ... والله في عون العبد ماكان العبد

стр. 542

في عون أخيه"١. ٣- قوله ﷺ : "كل معروف صدقة"٢. وبعضها يدل عليها بخصوص كونه متعلقا بالأموال وهي: ٤- أم رسول الله ﷺ أجز لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف٣ مع كون المصلحة خاصة؛ فلأن يجوز ذلك في المصالح العامة أولى. ٥- أن الشارع قد جوز لمن جُحِد حقه أن يأخذ من مال جاحده إذا ظفر به إن كان من جنس ما جُحد٤.

стр. 543

٦- أنه لو مُنع ذلك لفاتت مصالح صرف تلك الأموال إلى مستحقيها ولأثم أئمة الجور بذلك١. العمل بالقاعدة: اشتملت كتب الفروع في المذاهب الأربعة على نصوص تدل على العمل بهذه القاعدة بقيودها المتقدم ذكرها، وكثيرا ما يتعرض الفقهاء لهذا المعنى في باب الزكاة، لأنها من أغلب ما يتحصل في أيدي الناس من الأموال العامة وقد ذهب أكثرهم إلى جواز أن يلي المسلم إخراجها بنفسه وخاصة إذا لم يكن من يتولاها من قبل السلطان عدلا يضعها في موضعها، وإن كان الأصل فيها من حيث الجملة أنها أموال عامة يتولى أمرها السلطان٢. فقد قال الحنفية: إن للمسلم أن يلي تفرقة زكاته بنفسه٣. بل نقل السرخسي عن بعض أئمتهم بأنه أفتى بلزوم إعادة تأدية الزكاة إذا أديت إلى من لا يضعها موضعها٤، وإلى ذلك ذهب

стр. 544

المالكية أيضا فيما إذا جار الإمام في صرف الزكاة أو أخذها، أما إذا كان عدلا، أو كان جائرا في غير هذين الأمرين فإنه يلزم دفعها إليه في الأموال الظاهرة والباطنة١، وأجاز الشافعية الأمرين أي دفعها إلى السلطان وإخراجها من قبل صاحب المال في الأموال الباطنة، واختلفوا في الأفضل على ثلاثة أوجه. ثالثها أن تدفع إلى السلطان إن كان عدلا، ويلي تفرقتها بنفسه إن كان الإمام جائرا، ويجوز عندهم الأمران كذلك في الأموال الظاهرة في المذهب الجديد٢. أما الحنابلة فالأفضل عندهم أن يلي المزكي تفرقتها بنفسه على كل حال، ومن باب أولى إذا لم يكن السلطان ممن يضعها موضعها مع جواز دفعها إلى السلطان٣، بل قد ذهب بعض العلماء إلى تحريم دفعها للسلطان الجائر٤.

стр. 545

من فروع القاعدة: ١- من أظهر فروع هذه القاعدة الزكاة وقد تقدم القول فيها١. ٢- مل من لا وارث له فإنه لبيت المال، فإن لم يستقم بيت المال جاز لمن هو في يده من آحاد الناس التصرف فيه بالمصالح العامة٢. ٣- ويقرب من ذلك اللقطة فإن منها ما لا يجوز لآحاد الناس التقاطه كالإبل. فإن حِفْظها من حق الإمام. لكن إذا تعذر حفظها من قبل الإمام لأي سبب فقد أجاز بعض الفقهاء لآحاد الناس التقاطها إذا ظن تلفها لو تركها٣.

стр. 546

وجه التيسير: وجه التيسير في هذه القاعدة أن الشارع قد أعطى لعامة الناس الحق في التصرف في الأموال العامة التي يكون التصرف فيها في الأصل من حق الإمام١ إذا لم يقم الإمام بالتصرف فيها على الوجه الصحيح؛ وذلك من أجل القيام بمصالح عموم الناس ودفع الضر عنهم وقُيّد ذلك بالقيود التي سبقت الإشارة إليها موازنة بين المصالح والمفاسد.

стр. 547

القاعدة الثامنة والأربعون: يعمل بالقرعة عند تساوي الحقوق . ((صياغة)) ١. أشار إلى معنى هذه القاعدة عدد من الفقهاء، وإن كان كثير منهم لم يسقها مساق القاعدة، ومن هؤلاء العز بن عبد السلام٢، والقرافي٣، والزركشي٤، وابن رجب٥، وابن نجيم٦، وساقها ابن سعدي مساق القاعدة وصاغها بقوله: "تستعمل القرعة عند التزاحم ولا مميز لأحدهما، أو إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناه"٧.

стр. 548

معاني المفردات: القرعة لغة: هي السهم والنصيب، وأصل القرع ضرب شيء على شيء يقال: قَرَعَ الباب، أي دقه بالعصا إذا ضرب بها، والاقتراع: الاختيار، وقُرعه كل شيء: خياره١. وعُرفت في اصطلاح الفقهاء بأنها استهام يتعين به نصيب الإنسان٢. المعنى الإجمالي: إذا احتاج المكلف إلى تعيين مبهم من جملة أفراده ولم يوجد دليل التعيين، أو تساوى المستحقون لشيء واحد ولم يمكن اشتراكهم فيه ولا مرجح لأحد المستحقين على غيره فاحتاج الإنسان إلى تخصيص أحدهم بالحق فقد جعل الشارع لذلك طريقا يمكن المكلف من تعيينه، ويصيب بواسطته الحق وهو القرعة. قال ابن القيم ﵀ تعلى: "ومن طرق الأحكام الحكم بالقرعة، ثم قال: ومن الأسرار فيها أن الفقهاء اعتبروها بمثابة التفويض إلى الله؛ ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى

стр. 549

تعيينه١. ولما كان العمل بالقرعة لا يصح إجراؤه على العموم في كل أمر فقد ضبط الفقهاء ما تجري فيه القرعة ومالا تجري فيه ببعض الضوابط. فقال ابن رجب: "تستعمل القرعة في تمييز المستحق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق، وتستعمل أيضا في تمييز المستحق المعين في نفس الأمر عند اشتباهه والعجز عن الاطلاع عليه، وتستعمل في الحقوق الاختصاص والولايات ونحوه"٢. وجعل القرافي الضابط لما يصح الحكم فيه بالقرعة توافر شرطين: أحدهما: التساوي. والثاني: أن يكون قابلا للرضى بالنقل. فما فُقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة٣.

стр. 550

وضبط ابن القيم ما تجري فيه القرعة بقوله: "إن الموضع الذي تلحق فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيا لها ومالا تلحق فيه لا فائدة فيها"١. الأدلة: ورد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية نصوص دلت على صحة العمل بالقرعة عند الحاجة إليها. فمن القرآن: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٢. قال القرطبي: "استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة وهي في أصل شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة"٣. ٢- قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ٤. قال ابن العربي عند بيانه أحكام هذه الآية: "نصٌ على

стр. 551

القرعة وكانت في شريعة من قبلنا جائزة في كل شيء على العموم على ما يقتضيه موارد أخبارها في الإسرائيليات وجاءت القرعة في شرعنا على الخصوص"١. وقال الإمام الشافعي: "فأصل القرعة في كتاب الله في قصة المقترعين على مريم والمقارعين يونس ﵇"٢. ومن السنة: ١- ما جاء في الصحيحين: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ... " الحديث٣. ٢- ما جاء في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء

стр. 552

والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ... " الحديث١. ٣- حديث عمران بن حصين: "أن رجلا اعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة، وقال له قولا شديدا"٢. العمل بالقاعدة: ذهب جمهور المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى الأخذ بالقرعة واعتبارها طريقا للإثبات عند التساوي وعدم إمكان التعيين أو الترجيح٣. وعملوا بها في عدة مواضع منها:

стр. 553

الإقراع بين الزوجات في السفر١، والإقراع في القسمة٢، والإقراع بين العبيد المعتقين إذا لم يصح عتقهم جميعا٣. أما الحنفية فقد ذهبوا إلى أن الحكم بالقرعة منسوخ٤ فلا يصح العمل بها في إثبات الحق لكنهم استحبوها تطييبا للنفوس. كما قال الكاساني٥ معللا عدم وجوب القرعة بين الزوجات في السفر: "لأن بالقرعة لا يعرف أن لها حقا في حالة السفر أولا فإنها -أي بالقرعة- لا تصلح لإظهار الحق أبدا لاختلاف عملها في نفسها فإنها لا تخرج على وجه واحد، بل مرة هكذا، ومرة هكذا، والمختلف فيه لا يصلح دليلا على شيء. لكن الأفضل

стр. 554

أن يقرع بينهن تطييبا للنفوس فيخرج بمن خرجت قرعتها تطييبا لقلوبهن ودفعا لتهمة الميل عن نفسه"١. ولا يلزمه الخروج بمن خرجت قرعتها٢. وقد مضى ذكر بعض فروع القاعدة. وجه التيسير: وجه التيسير هو أن الله تعالى جعل للمكلفين طريقا إلى تعيين أحد المتساويين مما لا سبيل لهم إلى تعيينه بواسطة البينة أو المرجح، وهو تفويض ذلك إلى قضاء الله وقدره وَجَل سبيل معرفة ذلك هو القرعة دفعا للضغائن والأحقاد التي قد تنشأ بين الناس من جراء الاختيار بين المتساويين بدون مرجح٣.

стр. 555

القاعدة التاسعة والأربعون: يُغْتَفَر ضمنا مالا يُغْتَفَر قصدًا. وردت هذه القاعدة بعدة صيغ منها الصيغة المذكورة وهي التي أوردها ابن نجيم١ وبمعناها قول الكرخي، وغيره: "الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعا وحكما وإن كان قد يبطل قصدا"٢. ومنها لفظ آخر ذكره السيوطي، وابن نجيم، وغيرهما وهو: "يغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها"٣، وعند ابن رجب "يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا"٤، وقد ذكرت بصيغ أخرى لا تخرج عن هذا المعنى٥.

стр. 556

وأوردها بعضهم في صورة ضابط متعلق ببعض أبواب الفقه، كقول الزركشي: "يغتفر في العقود الضمنية مالا يغتفر في الاستقلال"١، وقول ابن تيمية: "يجوز من الغرر اليسير ضمنا مالا يجوز من غيره"٢ وبمعناها قولهم: "مالا يتم الجائز إلا به فهو جائز"٣. وهي من القواعد المندرجة تحت القاعدة الأعم وهي: ((التابع تابع)) ٤. واعتبرها البعض بمعنى القاعدة الأخرى: ((يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء)) ٥. معاني المفردات: يغتفر: الغفر في اللغة هو التغطية٦.

стр. 557

وفي الاصطلاح: أن يستر القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته١. ضمنا: تقدم بيان معناه٢. المعنى الإجمالي: تعني هذه القاعدة أن الشرع يتسامح فيما يقع ضمن شيء آخر مباح وتبعا له مالا يتسامح فيما لو كان هو المقصود أصلا فقد يبيح ما الأصل عدم إباحته لوقوعه ضمن أمر مباح وتبعا له. وقد يتسامح في بعض الشروط فلا يشترط في التابع ما يشترط في المقصود الأصلي وإن كانت صورتهما واحدة؛ وذلك للحاجة إليه؛ ولأنه يحصل ضرورة لثبوت متبوعه أو ماهو في ضمنه فلو منع منه لأدى إلى منع أصله المباح٣. وبهذا تتضح علاقة قاعدة ((يغتفر ضمنا مالا يغتفر قصدا)) بقاعدة ((مالا يتم الجائز إلا به فهو جائز)) ٤.

стр. 558

أما علاقتها بقاعدة ((الوسائل لها حكم المقاصد)) فهي علاقة عموم وخصوص، ويمكن إيضاحها بالقول: إن ما يقع تبعا لغيره هو في حكم الوسيلة له؛ لأنه لا يتحقق المقصود إلا ويتحقق تابعه وما في ضمنه. فإذا كان المقصود الأصلي مباحا كانت وسيلته وما يحصل تبعا له مباحا كذلك١. ولا ريب أن حكم هذه القاعدة يجب أن يقيد بعدم مخالفة النص أو الإجماع. الأدلة: يدل على صحة هذه القاعدة ما يلي: ١- حديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"٢. وذلك أن معنى الحديث على رأي الجمهور أن الجنين الذي

стр. 559

في بطن الناقة أو الشاة ونحوهما إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه فإنه يكون حلالا كالمذكى١، فقد جاز في الجنين باعتباره تابعا لأمه مالا يجوز في الأصل وهو حل أكله دون تذكيته حيث اعتبر الشارع تذكية أمه تذكية له. وهذا كالنص في القاعدة.

стр. 560

٢- ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة" ١. ووجه الدلالة منه أن بعض الفقهاء قد فسر ذلك بالنهي عن بيع ولد الناقة الذي في بطنها٢، وقد أجمعوا على عدم جواز بيع الحمل في البطن٣ مع الاتفاق على جوازم بيع الناقة الحامل، والشاه ونحوها حيث لم يدل دليل على المنع منه فهو على أصل حل البيع٤. قال النووي رحمه الله تعالى: "وقد يُحتمل بعض الغرر تبعا إذا دعت إليه الحاجة كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع

стр. 561

الشاه الحامل، والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته وكذا القول في حمل الشاة ولبنها"١. ٣- ذكر ابن تيمية أن بعض الفقهاء استدلوا بفعل عمر ﵁ وهو ضرب الخراج على أرض السواد٢ وغيرها حيث أقر الأرض التي فيها النخل والعنب في أيدي أهل الأرض وجعل على كل جريب٣ من جُرب الأرض السواد والبيضاء٤ خراجا مقدرا٥ استدلوا به على أن مالا يتم الجائز إلا به فهو جائز.

стр. 562

ووجه استدلالهم به أن هذه المخارجة من عمر ﵁ تجري مجرى المؤاجرة وقد أجمع العلماء على عدم جواز إجارة الشجر١، وإنما جازت هنا تبعا لإجارة الأرض البيضاء؛ لأنها جائرة ولا تتأتى إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر، وفي هذا المعنى أيضا تجويز المزارعة٢ عند بعض الفقهاء تبعا للمساقاة٣، وإن كانت لا تجوز عندهم ابتداء٤.

стр. 563

العمل بالقاعدة: تقدم أن عددا من فقهاء المذاهب الأربعة قد نصوا على هذه القاعدة، أو ذكروا من القواعد ما يدل على معناها. كما تقدم نقل الاتفاق على جواز بيع الحمل تبعا لأمه وعدم جواز بيعه مستقلا، ونقل النووي الإجماع على جواز بيع الجُبَّة المحشوة وإن لم يُر حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز١. وهذا كله دليل على أن هذه القاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة. من فروع القاعدة: ١- يجوز بيع الحمل تبعا لأمه ولا يجوز بيعه منفردا٢.

стр. 564

٢- إذا أبق العبد المغصوب ضمنه الغاصب ومَلَكَه عند بعض الفقهاء، ولو اشتراه لم يجز وكذا كل مغصوب تعذَّر ردّه١. وجه التيسير: تتضمن هذه القاعدة التيسير من جهة أن الشرع يتسامح في ما كان تابعا لغيره بحيث يصح وإن لم تتحقق فيه كل الشروط المطلوبة أصلا، ويكتفي بتحققها في متبوعه فيجوز تبعا وضمنا مالا يجوز قصدا مراعاة لحاجات الناس، ولفظ "يغتفر" في القاعدة مشعر بهذا المعنى. والله أعلم.

стр. 565

القاعدة الخمسون: يغتفر في الابتداء مالا يغتفر في الدوام١. أورد كثير من الفقهاء هذه القاعدة بعد إيرادهم لعكسها وهي قاعدة ((يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء)) إما على سبيل الإتباع لها، وإما على سبيل ذكر المستثنيات منها٢. وابتدأ الزركشي بذكر قاعدة ((يغتفر في الابتداء)) وأعقبها بالأخرى٣. معاني المفردات: يغتفر: تقدم بيان معناها٤.
следующие страницы →