الشاه الحامل، والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته وكذا القول في حمل الشاة ولبنها"١.
٣- ذكر ابن تيمية أن بعض الفقهاء استدلوا بفعل عمر ﵁ وهو ضرب الخراج على أرض السواد٢ وغيرها حيث أقر الأرض التي فيها النخل والعنب في أيدي أهل الأرض وجعل على كل جريب٣ من جُرب الأرض السواد والبيضاء٤ خراجا مقدرا٥ استدلوا به على أن مالا يتم الجائز إلا به فهو جائز.
стр. 562
ووجه استدلالهم به أن هذه المخارجة من عمر ﵁ تجري مجرى المؤاجرة وقد أجمع العلماء على عدم جواز إجارة الشجر١، وإنما جازت هنا تبعا لإجارة الأرض البيضاء؛ لأنها جائرة ولا تتأتى إجارتها إذا كان فيها شجر إلا بإجارة الشجر، وفي هذا المعنى أيضا تجويز المزارعة٢ عند بعض الفقهاء تبعا للمساقاة٣، وإن كانت لا تجوز عندهم ابتداء٤.
стр. 563
العمل بالقاعدة:
تقدم أن عددا من فقهاء المذاهب الأربعة قد نصوا على هذه القاعدة، أو ذكروا من القواعد ما يدل على معناها.
كما تقدم نقل الاتفاق على جواز بيع الحمل تبعا لأمه وعدم جواز بيعه مستقلا، ونقل النووي الإجماع على جواز بيع الجُبَّة المحشوة وإن لم يُر حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز١.
وهذا كله دليل على أن هذه القاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة.
من فروع القاعدة:
١- يجوز بيع الحمل تبعا لأمه ولا يجوز بيعه منفردا٢.
стр. 564
٢- إذا أبق العبد المغصوب ضمنه الغاصب ومَلَكَه عند بعض الفقهاء، ولو اشتراه لم يجز وكذا كل مغصوب تعذَّر ردّه١.
وجه التيسير:
تتضمن هذه القاعدة التيسير من جهة أن الشرع يتسامح في ما كان تابعا لغيره بحيث يصح وإن لم تتحقق فيه كل الشروط المطلوبة أصلا، ويكتفي بتحققها في متبوعه فيجوز تبعا وضمنا مالا يجوز قصدا مراعاة لحاجات الناس، ولفظ "يغتفر" في القاعدة مشعر بهذا المعنى. والله أعلم.
стр. 565
القاعدة الخمسون: يغتفر في الابتداء مالا يغتفر في الدوام١.
أورد كثير من الفقهاء هذه القاعدة بعد إيرادهم لعكسها وهي قاعدة ((يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء)) إما على سبيل الإتباع لها، وإما على سبيل ذكر المستثنيات منها٢. وابتدأ الزركشي بذكر قاعدة ((يغتفر في الابتداء)) وأعقبها بالأخرى٣.
معاني المفردات:
يغتفر: تقدم بيان معناها٤.
стр. 566
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن الشرع قد يتسامح في ابتداء الأمور أكثر مما يتسامح في دوامها فيجيز بعض الأمور إذا فعلت ابتداء. لكنه لا يجيز الاستمرار عليها لو طرأت أثناء الفعل، أو يجيزها ابتداء لغرض معين ولا يجيز الاستمرار عليها.
مثال الأول ما ذكره ابن نجيم ﵀ أنه يصح تقليد الفاسق القضاء ابتداء أما لو كان عدلا ابتداء ثم فسق فإنه ينعزل عند بعض العلماء بذلك.
ومثال الثاني شراء المسلم أحد أبويه مثلا فإنه يصح ابتداء ليتسنى له عتقهما، لكن لا يصح دوامه والاستمرار عليه.
الأدلة:
يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بحديث: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" ١، وحديث: "لا يجزئ ولد والدا إلا أن يجده مملوكا
стр. 567
فيشتريه فيعتقه"١.
فإن هذين الحديثين يدلان على صحة شراء الإنسان ذا رحمه المحرَّم وامتلاكه ابتداء ولا يصح دوام استمرار ملكه له وإنما جاز ذلك ابتداء لما فيه من مصلحة تحريره من العبودية كما يبدو للناظر في المسائل التي مثل بها الفقهاء لهذه القاعدة حيث يجعلون علة ذلك مراعاة المصلحة بما ر يتنافى مع النصوص في كل حكم بحسبه، ففي المثالين اللذين ذكرهما ابن نجيم ﵀ وهما: أن الفاسق يصح توليته القضاء ابتداء وينعزل لو فسق في أثناء توليه القضاء، وأنه يصح الإذن للعبد الآبق ابتداء ولو أبق بعد الإذن له بطل ذلك الإذن، يتبين أنهم قالوا فيهما: يغتفر في الابتداء مالا يغتفر في الدوام؛ لأن حالة النائب أو المأذون معلومة ابتداء فإذا ولاه القضاء وهو فاسق صح ذلك عند القائلين به لأنه ولاه مع علمه بفسقه، أما إذا ولاه وهو عدل فكأنه شَرَط ضمنا في توليته القضاء أن يكون عادلا فإذا تغير حاله بما يقتضي تغيير الحكم
стр. 568
وزواله لم يبق ذلك الحكم، وكذلك الإذن للعبد١.
العمل بالقاعدة:
نصت كتب الحنفية، والشافعية على وجود صور يغتفر فيها في الابتداء مالا يغتفر في الدوام كما تقدم.
وأما المالكية فقد أورد الونشريسي منهم قاعدة ((الدوام على الشيء كابتدائه أم لا؟)) ، وقوله ((أم لا)) يشمل هذه القاعدة وعكسها، لكن أكثر أمثلته تدل على أنه يريد بها أنه قد يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء٢.
وأما الحنابلة فلم أقف على من يشير إلى هذه القاعدة منهم، بل قد ورد ما يدل على أن الابتداء كالدوام كما في تعليل ابن قدامة عدم صحة شراء الكافر مسلما بأنه يُمنع استدامةُ ملكه عليه فَمُنع لبتداؤه كالنكاح٣.
стр. 569
وإن كان هذا لا يمنع من أن يكون لهم من المسائل ما يغتفر فيه في ابتدائه مالا يغتفر في دوامه كمسألة ملك ذي الرحم وعتقه التي ورد النص بها فقد اتفق الفقهاء على أن ذا الرحم يعتق على مالكه، فذهب الجمهور إلى أنه يعتق بمجرد ملكه، وذهب البعض إلى أنه لا يعتق إلا أن يُنشئ مالكه عتقا١.
وقد فرع الفقهاء على هذه القاعدة عددا من المسائل يرجع غالبها إلى قاعدة أخرى تقدمت وهي: ((من تعلق به الامتناع من فعل متلبس به فبادر إلى الإقلاع لم يكن ذلك فعلا للممنوع ... )) ٢.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة يتضح إذا علمنا أن الأصل أن
стр. 570
يكون حكم الشيء في ابتدائه ودوامه واحدا فاستثنى الشارع من ذلك ما تكون مصلحة المكلفين فيه مقتضية لجعل حكم الابتداء متسامحا فيه بما لا يجوز دوامه والاستمرار عليه١، والله أعلم.
стр. 571
القاعدة الحادية والخمسون: يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء.
نص على هذه القاعدة الزركشي١، وذكرها السيوطي على أنها أحد شقي قاعدة ((المانع الطارئ هل هو كالمقارن؟)) ٢، وذكرها الونشريسي بصيغة الاستفهام٣.
وذكرها العلائي لدى بيانه أقسام المانع حيث ذكر من أقسامه ما يُمنع في حالة الابتداء ولا يُمنع في حالة الدوام٤، ووردت في المجلة بصيغة ((يغتفر في البقاء مالا يغتفر في الابتداء)) ٥.
стр. 572
وأشار إليها السبكي وقال: "إن التحقيق أن وجود الشيء في الدوام بمنزلة وجوده في الابتداء إلا ما استثني، والمستثنى لا يكون قاعدة؛ ولذا فقد اعترض على إدخال ما يقال فيه (قد) كقولهم: ((قد يغتفر في الدوام مالا يغتفر في الابتداء)) ضمن القواعد"١، وذكر في موضوع آخر أن المسائل التي يغتفر فيها في الدوام مالا يغتفر في الابتداء تدخل في فروع قاعدة ((الدفع أسهل من الرفع)) ٢، وقد ذكر هذه القاعدة الأخيرة عدد من العلماء بهذه الصيغة، أو بصيغ مقاربة٣.
المعنى الإجمالي:
معنى هذه القاعدة أن ما يمتنع على المكلف فعله إما مطلقا أو مقيدا بحال معينة يتسامح الشرع فيه في حال كونه امتدادا واستمرار لوجوده السابق على وجه صحيح٤ مالا يتسامح في
стр. 573
إيقاعه ابتداءً.
ومن ذلك ما مثل به بعض الفقهاء وهو رَجعة المُحْرِم حيث قالوا: تصح؛ لأنها دوام واستمرار على النكاح، وهذا المثال يصلح على رأي الجمهور الذين يرون عدم صحة نكاح المحرم ابتداء١ وقد يُتَصور ذلك بطريقة أخرى مثل الإحرام فإنه يمنع صحة النكاح ابتداءً. لكنه لا يؤثر على دوامه واستمراره إذا ما كان ذلك العقد واقعا في حالة الإحلال٢.
وسبب هذا التسامح من الشارع كون رفع الشيء بعد وقوعه أكثر مشقة وعسرا من دفعه ومنعه ابتداءً وقبل وقوعه.
وهذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ لأن هناك قاعدة أخرى عكسها هي القاعدة المتقدمة، لذا فقد قيد بعضهم قاعدة ((الدفع أسهل من الرفع)) بقوله: "غالبا"٣، وقد مثل السيوطي
стр. 574
والونشريسي، وغيرهما لهذه القاعدة بأمثلة تصلح أمثلة لقاعدة ((من تعلق به الامتناع من فعل وهو متلبس به فبادر إلى الإقلاع عنه لم يكن ذلك فعلا للممنوع)) ١ وهذا يدل على أن هناك تقاربا بين معنى القاعدتين، إلا أنه يمكن أن يُلتمس نوع من الفرق بينهما. ذلك أن نية المكلف وقصده في مسائل قاعدة ((يغتفر في الدوام ... )) الاستمرار على ماهو عليه، وأما في نسائل قاعدة ((من تعلق به الامتناع ... )) فنيته الإقلاع عما هو فيه لكن هذا الإقلاع لا يحصل إلا بالاستمرار على ماهو عليه قدرا ولو يسيرا من الزمن على صورة من الصور.
الأدلة:
أشار الندوي إلى أن قاعدة ((المنع أسهل من الرفع)) من القواعد التي نشأت عن تعليل الفقهاء٢ ومن ذلك تعليلهم صحة رجعة المُحرم وقد تقدم التمثيل بها لهذه القاعدة.
قال ابن قدامة: "فأما الرجعة فالمشهور إباحتها وذكر رواية أخرى، ثم قال: "ووجه الرواية الصحيحة أن الرجعية زوجه والرجعة
стр. 575
إمساك بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ ١ فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق"٢.
ويصح الاستدلال بما يقره الشرع من أنكحة الكفار بعد إسلامهم فإن الشرع يقر منها ما لم يكن سبب التحريم فيه قائما بعد الإسلام وإن لم يكن قد عقد على وجه مشروع ابتداءً٣ بحيث لو ابتدأ النكاح في الإسلام على ذلك الوجه لم يصح فجاز في الاستمرار مالم يجز ابتداؤه.
وقد تقدم أن هذه القاعدة تقارب في معناها قاعدة ((من تعلق به الامتناع من فعل ... )) وعلى هذا فإنه يصح الاستدلال لهذه القاعدة بما يستدل به لتلك من بعض الوجوه٤.
стр. 576
العمل بالقاعدة:
يظهر من إيراد الفقهاء لهذه القاعدة بصيغتها أو ما يدل على معناها، ومن اتفاقهم على إقرار أنكحة الكفار بعد إسلامهم، ونحو ذلك أن جميع المذاهب الأربعة فيها مسائل يغتفر فيها في الدوام مالا يغتفر في الابتداء، وأن القاعدة معمول بها في المذاهب من حيث الجملة والخلاف إنما يكون فيما بندرج تحت هذه القاعدة من الفروع ومالا يندرج.
من فروع القاعدة:
١- إذا وجد المتيمم الماء في أثناء الصلاة فهل يقطع صلاته أو يمضي فيها؟ قولان للعلماء١.
٢- إذا حلف لا يدخل الدار وهو فيها أو لا يركب الدابة وهو عليها٢.
٣- من تزوج أمةً لعدم طَوْلِ الحرة، ثم أيسر وحصل له الطول
стр. 577
فإن مقتضى القاعدة أن لا يفسد النكاح١.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة أن الشارع يتسامح في رفع الأمر الثابت المستمر مما هو ممنوع ابتداء؛ لكون المشقة في رفع الموجود الثابت أشد منها في دفع الأمر الذي لمّا يوجد بعد ... وإن كان هذا ليس علبى عمومه؛ إذ قد يتسامح الشرع في الابتداء أكثر من الدوام إذا كانت مصلحة المكلفين فيه أرجح (على ما تقدم إيضاحه) .
стр. 578
القاعدة الثانية والخمسون: يقدم النادر على الغالب أحياناً، وقد يلغيان معاً ((صياغة))
أورد القرافي هذه القاعدة عند بيانه الفرق بين ما يعتبر من الغالب وما يلغى منه، ثم بين أنه قد يلغى الغالب ويقدم النادر، وأن تقديمه يدخل تحته قسمان أحدهما: اعتبار النادر وإلغاء الغالب، والثاني: إاغاؤهما معا١، وذكر لكل قسم أمثلة لا يخلو بعضها من نظر٢، وهي مسألة تعارض الأصل والظاهر، أو تعارض الأصل والغالب٣ التي ذكرها عدد من الفقهاء كالنووي٤، والمقري٥، والزركشي٦، وابن رجب٧،
стр. 579
والونشريسي١، والسيوطي٢، وابن نجيم٣، وتبحث في أصول الفقه في مبحث الاستصحاب٤.
معاني المفردات:
النادر لغة: الشاذ. اسم فاعل من نَدَرَ أي سقط وشذّ٥.
المعنى الإجمالي:
يشير القرافي بهذه القاعدة إلى أن الأصل في قواعد الشرع مراعاة الغالب وإلغاء النادر٦ كما نص على ذلك كثير من الفقهاء في قاعدة ((العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له)) ، ونحوها٧.
стр. 580
فإذا كان للمسألة الواحدة وجهان للحكم أحدهما باعتبار الغالب فيها والآخر باعتبار النادر، فإن الشارع يأخذ بالغالب ويبني الحكم عليه. هذا هو الأصل، لكنه قد يلغي هذا الأصل ويقدم العمل بالنادر على العمل بالغالب إذا كان الحكم بموجب النادر أكثر تيسيرا على المكلفين أو يلغيهما معا للعلة نفسها.
وينطبق هذا المعنى على من جعل ذلك من باب تقديم الأصل على الظاهر عند تعارضهما، فإن قواعد الشرع تقتضي العمل بالظاهر وترجيحه على الأصل عند تعارضهما لكن الشارع قد يلغي العمل بالظاهر ويُعمل الأصل تيسيرا على المكلفين ويكون هذا مرجحا للأصل النادر على الظاهر الغالب١.
الأدلة:
يستدل على هذه القاعدة وأمثالها باستقراء الشرع فإن المستقرئ للشرع يجد أنه يلغي الغالب ويعمل بالنادر أحيانا عندما يكون ذلك أيسر للمكلفين وأقرب إلى مصلحتهم، ومن الأدلة التي جاء فيها إلغاء الغالب:
١- قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
стр. 581
لَكُمْ﴾ ١.
قال القرافي: "إن مما قدم فيه النادر ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم. الغالب نجاسته؛ لعدم تحرزهم عن النجاسات؛ ولمباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات، والنادر طهارته، ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوّز أكله؛ توسعة على العباد"٢.
٢- وحديث أبي قتادة الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة٣ بنت زينب بنت
стр. 582
رسول الله ﷺ ولأبي العاص١ بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها"٢.
قال ابن حجر في الفتح: "واستدل به على ترجيح العمل بالأصل على الغالب كما أشار إليه الشافعي"٣
فالغالب على ثياب الصبيان النجاسة ولم يعتبر الشرع هذا الغالب بل اعتبر الأصل وهو طهارة الثياب ولإن كان في الصبيان نادرا.
стр. 583
٣- قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ ٣.
حيث أخذ العلماء من مجموع هذه الآيات أن أقل دمة الحمل ستة أشهر هي نتيجة طرح مدة عامين (وهي زمن الرضاعة) من مجموع مدة الحمل والرضاعة وهي ثلاثون شهرا٤.
فيكون الشارع قد اعتبر النادر في أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر وألغى الغالب وهو حصوله في تسعة أشهر، فإذا ولدت المرأة بعد ستة أشهر من وطء صحيح فإن الولد يُلحق بالزوج وإن كان الغالب أنه أي الولد حصل من وطء سابق على الوطء الصحيح (أي من الزنا) لكون الغالب في مدة الحمل تسعة أشهر؛ وذلك صونا للأعراض وسترا للعباد، وكذلك بالنسبة إلى أكثر مدة الحمل فلو طلّق رجل امرأته أو مات عنها، ثم جاءت بولد بعد طلاقه إياها أو موته عنها بخمس سنين، أو بأربع سنين ولم تكن قد
стр. 584
تزوجت فإنه يعتبر ولدا له يُلحق به وإن كان الغالب أنه حاصل بعد موته عن زوجته أو تطليقه إياها (أي من زنا) ، فقد ألغى الشارع هذا الغالب؛ سترا للعباد وصونا للأعراض أيضا. ودليل أكثر مدة الحمل هو الاستقراء؛ لأنه لا نص فيه فقد وجد من وُلد لأربع سنين ووجد من ولد لأكثر من ذلك.
وقد اختلف العلماء في أكثره فمنهم من قال: أربع سنين، ومنهم من قال: خمس سنين، ومنهم من قال: سنتان إلى غير ذلك١، والاستقراء يُثبت صورا أخرى يلغى فيها الغالب، وقد ذكر القرافي عددا منها كما تقدم٢.
وإما إلغاء الغالب والنادر معا فقد مثل له القرافي بشهادة ثلاثة عدول في الزنا وأكثلة أخرى نحوه وبين معنى إلغاء النادر والغالب فيه فقال: "الغالب صدقهم ولم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه، ولم يحكم بكذبهم. بل أقام عليهم الحد من حيث أنهم قذفوه لا من حيث أنهم شهود زور"٣.
стр. 585
وعلى هذا فإنه يستدل لهذا القسم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ فأما إلغاء الغالب في هذا المثال قظاهر، وأما إلغاء النادر فعو محل نظر -فيما أرى- وقد يُعارض بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
قال القرطبي: "أي في حكم الله كاذبون وقد يعجز الرجل عن إقامة بينة وهو صادق في قذفه، لكنه في حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب لا في علم الله تعالى، وهو إنما رتّب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ماهو عليه"٣.
العمل بالقاعدة:
لقد تقدم أن هذه القاعدة بمثابة الاستثناء من قاعدة ((العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له)) وما في معناها، ويبدو من نصوص الفقهاء الاتفاق على أن هناك مسائل راعى فيها الشارع النادر ولم يراع الغالب. وصرح القرافي بأن العمل بالغالب مطلقا خلاف
стр. 586
الإجماع١، وورد في كتب الفقه ما يدل على أنه قد يعمل بالنادر ويلغي الغالب، وقد يعبر عنه بالعمل بالنادر وقد يعبر عنه بالعمل بالأصل٢.
من فروع القاعدة:
١- ما تقدم ذكره من جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار، والأكل في آنيتهم ونحو ذلك.
٢- مثّل ابن رجب لما يعتبر فيه النادر بدعوى المرأة بعد زمن عدم إنفاق زوجها عليها فإن القول قولها مع اليمين وإن كان الغالب عكس ذلك وهو الإنفاق هذا على رأي الجمهور، وذهب المالكية إلى أن القول قول الزوج٣ وهذه الأحوال وما شابهها عمل فيها بالنادر ولكن لا من جهة كونه نادرا بل من جهة كونه على الأصل.
стр. 587
وجه التيسير:
وجه ذكر هذه القاعدة ضمن قواعد التيسير أن الشرع قد راعى مصلحة العباد وما هو أيسر عليهم، فإذا كانت مصلحتهم في مراعاة النادر فإن الشارع يراعيه ويعمل بمقتضاه مع أن القاعدة الشرعية الثابتة بالتتيع أن الحكم للغالب لا للنادر.
قال القرافي: "اعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه، وعقود المسلمين، ويُقصر في السفر ويُفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة، ويَمنع شهادة الأعداء؛ لأن الغالب منهم الحيف، وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة، وقد يلغي الشرع الغالب رحمة بالعباد"١.
стр. 588
القاعدة الثالثة والخمسون: يقوم البدل مقام المبدل منه إذا تعذر المبدل منه .
أورد هذه القاعدة بهذه الصيغة ابن سعدي١، ووردت في المجلة وصيغتها: ((إذا بطل الأصل يصار إلى البدل)) ٢. وأشار إليها ضمنا ابن القيم٣، والمقري٤، والزركشي٥، وابن رجب٦، والخادمي٧، وعلل بها الفقهاء في مواضع عديدة٨.
стр. 589
معاني المفردات:
البدل: بَدَلُ الشيء: غيره، والخَلَفُ منه، يقال: بَدَل، وبِدْل لغتان١.
والمُبدل منه هو: الأمر الأصلي الذي يقوم البدل مقامه.
تعذر: تقدم بيان معناه.
المعنى الإجمالي:
هذه القاعدة مسوقة لبيان الحكم فيما شرعه الله من التكاليف وشرع له بدلا يصار إليه عند تعذر الأصل بسبب عدمه أو لحوق المشقة به وهو أن هذا البدل يقوم مقام أصله الذي أبدل منه، وتبرأ الذمة بالإتيان بالبدل وهذا المعنى ظاهر فيما يكون سبب الانتقال فيه إلى البدل هو عدم القدرة على الإتيان بالأصل لسبب متعلق بالمكلف من عجز ونحوه، وهو التعذر حقيقة وهو أكثر ما يراد بالقاعدة. إلا أن البعض قد استدل لهذه القاعدة بما يدل على أنه قد يدخل في عمومها ما يمكن أن يطلق عليه التعذر مجازا وهو ما يكون مشروعا على سبيل التخيير أصلا، فقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
стр. 590
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١ فإن هذه الآية تدل على المعنى الأول في حق المريض، أما المسافر فهو مخير بين صيام رمضان وصيام أيام أخر، وليس مصيره إلى صيام الأيام الأخر مقيدا أو مشروطا بعدم قدرته على صيام رمضان وإن كان هذا هو الغالب فيكون معنى تعذر الأصل حينئذ عدم جواز إلزام المكلف بصيام رمضان في حالة السفر، والقاعدة يمكن إدراجها تحت قاعدة ((إذا ضاق الأمر اتسع)) أو نحوهما.
إلا أن لهذه القاعدة نوعا من الخصوص وهو البدل، أما في القاعدتين المذكورتين فلا يلزم وجود البدل، والله أعلم.
الأدلة:
يدل لهذه القاعدة عدد من الآيات والأحاديث التي فيها النص على أحكام شُرعت وشرع بدل عنها عند تعذره، وهي كثيرة جدا أذكر نماذج منها:
فمن القرآن الكريم:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
стр. 591
جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ١ فالتيمم بدل عن الطهارة بالماء يقوم مقامها إذا تعذر الإتيان بها.
٢- قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢ الآية، وقد تقدم بيان وجه الاستدلال منها.
ومن الأحاديث:
٣- قوله ﷺ لمن جامع امرأته في نهار رمضان: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال لا. قال: "فهل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ ". قال: لا. قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا " قال: آ ... " الحديث.
٤- قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٣
стр. 592
وكل دليل دل على رخصة شرعية إلى بدل فهو دليل لهذه القاعدة، وكل ما دل على وجوب كفارة أو نحوها على سبيل الترتيب فهو كذلك١.
العمل بالقاعدة:
لا خلاف بين العلماء في هذه القاعدة من حيث الجملة، فإنهم قد أجمعوا على مشروعية التيمم٢ وهو بدل عن الطهارة بالماء عند تعذرها، وعلى مشروعية المسح على الخفين٣ وهو بدل عن غسل الرجلين عند اختيار المكلف له، وهكذا في أمور كثيرة فدل ذلك على الاتفاق على هذه القاعدة وإن لم ينص بعضهم عليها؛
стр. 593
لظهورها، أو لاندراجها تحت قواعد أخرى، والله أعلم.
من فروع القاعدة:
يتفرع على القاعدة مسائل عديدة منها التيمم، والمسح على الخفين كما تقدم ومنها:
١- البدل عن الهدي أو الأضحية إذا تلفت١.
٢- البدل عن الوقف إذا تعطلت منافعه٢.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذه القاعدة أن الله تعالى شرع في كثير من التكاليف ما يقوم مقامها ويكون بدلا عنها عند العجز عن الامتثال أو عمد حصول المشقة مع المقدرة فتبرأ ذمة المكلف، ويحصل له ثواب الامتثال من غير مشقة أو عنت، وقد يَكِلُ الله تعالى ذلك إلى اختيار المكلف دون تقييد بعدم القدرة على الإتيان بالأصل وهنا يكون التيسير أظهر.
стр. 594
القاعدة الرابعة والخمسون: ينزَّل غالب الظن منزلة اليقين . ((صياغة)) .
يرد معنى هذه القاعدة في مواضع عديدة من كتب الفقه، وذكرها عدد من العلماء بعدة صيغ منها قول ابن فرحون المالكي١: "ينزّل منزلة التحقيق الظنُّ الغالب"٢، وقول السرخسي: "أكبر الرأي فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته بمنزلة الحقيقة"٣، وأوردها المقري بقوله: "المعتبر في الأسباب والبراءة وكل ما ترتبت عليه الأحكام العلم ولما تعذر أو تعسر في
стр. 595
أكثر ذلك أقيم الظن مقامه لقربه منه"١، وابن عبد الهادي٢ في قوله: "غالب الأحكام مبنية في أدائها ووقتها على الظن"٣، وذكرها المقري أيضا بصيغة: "الغالب مساوٍ للمحقَّق"٤، ونحوها عند الونشريسي٥، ولها تعلق بقواعد أخرى كقاعدة ((تعلق الحكم بالمحسوس على ظاهر الحس٦)) .
معاني المفردات:
ينزل: من النزول وهو الحلول، والمنزلة: المرتبة٧.
стр. 596
الظن في اللغة: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم١.
وهو في اصطلاح الفقهاء: بمعنى قريب من المعنى اللغوي فهو عندهم مطلق التردد بين أمرين أو أكثر سواء كان على التساوي أم ترجح أحدهما على الآخر على ما نقله النووي وغيره٢، وقال بعضهم: إن هذا ليس بمطلق فمن الفقهاء من فرق بين المستوي الطرفين ونا ترجح أحد طرفيه٣.
وعُرّف بأنه الاعتقاد الراجح مع احتمال التقيض٤.
وأما عند الأصوليين فإنهم يفرقون بين ما استوى طرفاه، وبين ما ترجح أحدهما على الآخر فيسمون المستوي الطرفين شكا، ويسمون الطرف الراجح مما ترجح أحد طرفيه ظنا٥.
وأما غالب الظن فهو مرتبة من الظن يترجح فيها أحد الجانبين رجحانا مطلقا يُطَّرَح معه الجانب الآخر٦.
стр. 597
اليقين لغة: هو العلم الذي لا شك معه١.
وفي اصطلاح المنطقيين: يعرف بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت وجودا أو عدما٢.
وفي اصطلاح الفقهاء: كالمعنى اللغوي٣.
المعنى الإجمالي:
يتضح معنى القاعدة إذا علمنا أن الأصل فيما تبنى عليه الأحكام هو العلم اليقين بحيث لا يوجد المسبب حقيقة إلا عند وجود سببه حقيقة فإذا أمكن الوصول إلى اليقين لم يجز العدول عنه ولكن إذا تعذر ذلك أو تعسر وهذا هو الغالب فإن غالب الظن يجعل يمثابة اليقين فتبنى عليه الأحكام، وهذا ما أشار إليه المقري في صياغته المتقدمة٤.
الأدلة:
١- من أصرح ما يدل على هذه القاعدة حديث أم سلمة زوج
стр. 598
النبي ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها"١.
ووجه الاستدلال منه أن الرسول ﷺ صرح بأنه يبني حكمه القضائي على ظاهر ما يقوم من حجة وإن كانت قد تكون مخالفة لواقع الأمر٢.
ومما يشير إلى أن المطلوب أصلا هو اليقين قوله ﷺ في الحديث: "إنما أنا بشر"؛ لأنه قد علل حكمه بالظاهر وإن لم يطابق واقع الأمر بكونه بشرا أي لا يعلم الغيب فدل على أنه لم يمنعه من العمل باليقين الذي هو الأصل هنا إلا عدم قدرته على ذلك لصفته البشرية ﷺ .
стр. 599
وكذلك قوله: "فإنما أقضي له بقطعة من النار ". وهذا معناه أن المطلوب أصلا هو موافقة الباطن. لكن لما تعذر ذلك أقيم الظن الغالب مقامه، والله أعلم١.
٢- حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"٢.
قال ابن حجر ﵀: "وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر"٣.
٣- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤ الآية.
стр. 600
قال ابن العربي: "قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من الأحكام"١.
وكل مادل على وجب العمل بالشهادة فهو دليل لهذه القاعدة٢.
العمل بالقاعدة:
لا خلاف بين العلماء في العمل بهذه القاعدة فقد اتفق المسلمون على وجوب العمل بمقتضى الشهادة ونَقَل الإجماع على ذلك ابن قدامة٣، وكل ما كان من قبيل الحكم بمقتضى شهادة الشهود فهو من باب العمل بالظن لتعذر اليقين والشهادة من أوسع أبواب تطبيق هذه القاعدة، ويدخل تطبيقها في مواضع عديدة كالعمل بغلبة الظن في عدد ركعات الصلاة، أو أشراط الطواف أو نحوهما مما لا ينحصر.