← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الظن في اللغة: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم١. وهو في اصطلاح الفقهاء: بمعنى قريب من المعنى اللغوي فهو عندهم مطلق التردد بين أمرين أو أكثر سواء كان على التساوي أم ترجح أحدهما على الآخر على ما نقله النووي وغيره٢، وقال بعضهم: إن هذا ليس بمطلق فمن الفقهاء من فرق بين المستوي الطرفين ونا ترجح أحد طرفيه٣. وعُرّف بأنه الاعتقاد الراجح مع احتمال التقيض٤. وأما عند الأصوليين فإنهم يفرقون بين ما استوى طرفاه، وبين ما ترجح أحدهما على الآخر فيسمون المستوي الطرفين شكا، ويسمون الطرف الراجح مما ترجح أحد طرفيه ظنا٥. وأما غالب الظن فهو مرتبة من الظن يترجح فيها أحد الجانبين رجحانا مطلقا يُطَّرَح معه الجانب الآخر٦.

стр. 597

اليقين لغة: هو العلم الذي لا شك معه١. وفي اصطلاح المنطقيين: يعرف بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت وجودا أو عدما٢. وفي اصطلاح الفقهاء: كالمعنى اللغوي٣. المعنى الإجمالي: يتضح معنى القاعدة إذا علمنا أن الأصل فيما تبنى عليه الأحكام هو العلم اليقين بحيث لا يوجد المسبب حقيقة إلا عند وجود سببه حقيقة فإذا أمكن الوصول إلى اليقين لم يجز العدول عنه ولكن إذا تعذر ذلك أو تعسر وهذا هو الغالب فإن غالب الظن يجعل يمثابة اليقين فتبنى عليه الأحكام، وهذا ما أشار إليه المقري في صياغته المتقدمة٤. الأدلة: ١- من أصرح ما يدل على هذه القاعدة حديث أم سلمة زوج

стр. 598

النبي ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها"١. ووجه الاستدلال منه أن الرسول ﷺ صرح بأنه يبني حكمه القضائي على ظاهر ما يقوم من حجة وإن كانت قد تكون مخالفة لواقع الأمر٢. ومما يشير إلى أن المطلوب أصلا هو اليقين قوله ﷺ في الحديث: "إنما أنا بشر"؛ لأنه قد علل حكمه بالظاهر وإن لم يطابق واقع الأمر بكونه بشرا أي لا يعلم الغيب فدل على أنه لم يمنعه من العمل باليقين الذي هو الأصل هنا إلا عدم قدرته على ذلك لصفته البشرية ﷺ .

стр. 599

وكذلك قوله: "فإنما أقضي له بقطعة من النار ". وهذا معناه أن المطلوب أصلا هو موافقة الباطن. لكن لما تعذر ذلك أقيم الظن الغالب مقامه، والله أعلم١. ٢- حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"٢. قال ابن حجر ﵀: "وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر"٣. ٣- قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤ الآية.

стр. 600

قال ابن العربي: "قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من الأحكام"١. وكل مادل على وجب العمل بالشهادة فهو دليل لهذه القاعدة٢. العمل بالقاعدة: لا خلاف بين العلماء في العمل بهذه القاعدة فقد اتفق المسلمون على وجوب العمل بمقتضى الشهادة ونَقَل الإجماع على ذلك ابن قدامة٣، وكل ما كان من قبيل الحكم بمقتضى شهادة الشهود فهو من باب العمل بالظن لتعذر اليقين والشهادة من أوسع أبواب تطبيق هذه القاعدة، ويدخل تطبيقها في مواضع عديدة كالعمل بغلبة الظن في عدد ركعات الصلاة، أو أشراط الطواف أو نحوهما مما لا ينحصر.

стр. 601

من فروع القاعدة: فروع القاعدة كثيرة جدا فمنها: ١- العمل بشهادة الشهود في القضاء وقد تقدم ذكره. ٢- العمل بغلبة الظن في معرفة جهة القبلة١. ٣- العمل بغلبة الظن في إزالة النجاسة غير المرئية.٢. وجه التيسير: وجه التيسير أن الله تعالى لم يكلف عباده بتحصيل اليقين الذي يكون عليهم شاقا أو متعذرا بسبب نقص علمهم وعدم إحاطتهم بالأمر على حقيقته في كثير من المواضع ليبنوا عليه الأحكام بل جعل وسيلة ذلك ما هو في قدرتهم وهو الظن الغالب؛ إذ لو كُلفوا تحصيل اليقين في مثل هذا الأمر لأدّى ذلك إلى عنتهم، وإلى ضياع كثير من الحقوق، وإلى اضطراب شؤون العباد.

стр. 602

القاعدة الخامسة والخمسون: ينزّل المجهول منزلة المعدوم وإن كان الأصل بقاؤه إذا يُئس من الوقوف عليه أو شق اعتباره . أورد هذه القاعدة ابن رجب١ بهذه الصيغة، وذكرها ابن تيمية أيضا٢، وذكرها ابن سعدي بصيغة أخص حيث قال: "إذا تعذر معرفة من له الحق جعل كالمعدوم"٣، وقد تقدمت قاعدة أعم منها وهي: ((ينزل غالب الظن منزلة اليقين)) . معاني المفردات: المجهول: اسم مفعول من جهل، وقد تقدم بيان معناه. المعدوم: اسم مفعول من عَدِم، والعدم: وهو الفَقْد٤.

стр. 603

المعنى الإجمالي: معنى هذه القاعدة أن ما يكون مترددا بين الوجود والعدم، ويجهل المكلف حاله ويعسر أو يستحيل عليه العلم به ويكون الحكم الشرعي فيه مبنيا على وجوده أو عدمه، فإنه ينزّل في حق هذا المكلف منزلة المعدوم فيُجزي الحكم الشرعي فيه كما لو كان غير موجود حقيقة وإن كان الأصل بقاؤه أو وجوده وذلك إذا غلب على ظنه بعد البحث والتحري عدم الوجود. على أنه لابد من بيان أن غلبة الظن بعدم الوجود يمكن أن تفسر بأحد معنيين: أحدهما: أن يغلب على ظنه هلاك الشيء أو زواله أي عدمه حقيقة كما إذا انتُظر المفقود المدة التي يغلب على الظن أن المفقود لا يعيش بعدها١.

стр. 604

والثاني: أن يغلب على الظن عدم إمكان العلم به -أي عدمه حكما- كما إذا غلب على الظن عدم الوارث، لأن المتحري في هذه الحال لا يغلب على ظنه عدم العاصب، لأنه لا يخلو الأمر من وجود بني عم أعلى؛ إذ ليس كلهم بنو آدم فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميت في أب من آبائه فهو عصبته ولكنه مجهول فلم يثبت له حكم١. وتشترك هذه القاعدة مع سابقتها في العمل بغلبة الظن فغالب ما يراد بالقاعدة السابقة هو غلبة الظن في جانب الوجود، وهنا غلبة الظن في جانب العدم، والله أعلم. الأدلة: يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي: ١- حديث زيد بن خالد٢ ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللُّقطة فقال: "اعرف عفاصها٣

стр. 605

ووك اءها١، ثم عرّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك به"٢ الحديث. ففي إباحة الانتفاع باللقطة لملتقطها بعد تعريفها وعدم معرفة صاحبها دليل على تنزيل عدم العلم بالشيء -بعد بذل الجهد في معرفته- منزلة المعدوم فقد نزّل اللقطة التي يُجْهَل صاحبها منزلة المال الذي لا مالك له في إباحة الانتفاع وذلك بعد أن يغلب على ظنه عدم معرفة صاحبها. ٢- ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أيّما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين، ثم

стр. 606

تعتد أربعة أشهر، ثم تحل"١. قال ابن قدامة بعد أن ساق هذا الأثر وغيره: "وهذه قضايا انتشرت في الصحابة فلم تُنْكَر فكانت إجماعا"٢. ٣- كما يصح الاستدلال لها بأدلة التيسير العامة كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٤. ونحوهما. وذلك أن من بذل وسعه في البحث والتعرف على أمر ينبني عليه حكم فلم يعلم وجوده، وغلب على ظنه عدمه أو عدم قدرته على الوصول إليه فإن هذه الأدلة تقتضي بعمومها أن يعتبره معدوما ويبني الحكم على هذا بحيث لا يلزمه الاستمرار في البحث؛

стр. 607

لأن هذا ليس في قدرته، ولا تنزيله منزلة الموجود إذا كان هذا يشق عليه. بل يعمل بموجب غلبة ظنه بالعدم. العمل بالقاعدة: لم أحد تصريحا لكثير من الفقهاء بهذه القاعدة؛ لذا فإن معرفة عملهم بهذه القاعدة تقوم على النظر في المسائل التي مثل بها من أورد القاعدة، وعلى معرفة أقوالهم في تنزيل غالب الظن منزلة اليقين لتقارب معناهما. فممّا مثل به ابن رجب مسألة اللقطة، ومال من لا يُعلم له وارث. وقد ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن لملتقط اللقطة أن يتملكها وينتفع بها بعد تعريفها سنة إذا لم يعرف صاحبها١، وكذلك المالكية لكن مع الكراهة٢. أما الحنفية فالحكم عندهم أن يتصدق بها عن صاحبها إذا لم يجده بعد تعريفها٣. وعلى كلا الحالين يكون قد نُزّل المجهول منزلة المعدوم كما

стр. 608

أشار إلى ذلك ابن رجب١، وابن تيمية٢. وأما من لم يُعلم له وارث٣ فقد اتُّفق على أن ماله يرجع إلى بيت مال المسلمين٤ وإن كان الأمر لا يخلو من وجود بني عم أبعد فيكون قد نُزّل المجهول منزلة المعدوم. وقد تقدم أن جمهور الفقهاء قد أخذوا بقاعدة تنزيل غالب الظن منزلة اليقين. وعلى هذا يمكن القول: إن هذه القاعدة معمول بها في المذاهب الأربعة وإن كان الأمر لا يخلو من اختلاف في بعض تطبيقاتها كما في مسألة المفقود، فإن الجمهور على أنه إذا مضى له مدة يغلب على الظن عدم بقائه بعدها حيا تعتدّ زوجته عدة الوفاة، ثم تحل

стр. 609

للأزواج، وذهب الشافعي في مذهبه الجديد إلى أنها زوجته أبدا١. من فروع القاعدة: تقدم ذكر عدد من فروع هذه القاعدة ومن فروعها أيضا: المستحاضة فإنها تترك الصلاة والصوم المدة التي يغلب على ظنها أنها حيض ثم تعتبر هذا الحيض كالمعدوم فتصلي -على ما بيّنه الفقهاء من طريقة تطهرها- وتصوم٢. وجه التيسير: وجه التيسير في هذه القاعدة أن الشارع قد راعى حال المكلف من حيث ضعف قدرته وعلمه. فإذا كان الحكم الشرعي متوقفا على العلم بوجود شيء ما أو عدمه ولم يتمكن المكلف من العلم به والوقوف عليه، فإن جهله بوجود ذلك الشيء يجعله في حقه كالمعدوم قيبني الحكم على ذلك. فلم يكلف الله تعالى المخلوق بأكثر من طاقته ولا بما يشق

стр. 610

ويعسر عليه العلم به. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو لم يُحكم بعدم المجهول في مثل هذه الحال لأدّى ذلك إلى توقف كثير من الأحكام وتعطل كثير من المصالح. ولذلك قال في القاعدة: "أو شقَّ اعتباه" أي شقّ اعتباره موجودا بأن كان الحكم المترتب على اعتباره موجودا موجبا للعسر والمشقة"١.

стр. 611

القاعدة السادسة والخمسون: اليقين لا يزول بالشك . هذه إحدى القواعد الخمس، أو الست الكبرى التي ذكر العلماء أنها مبنى الفقه١. وعلى هذا فإنه لا يكاد يخلو كتاب من كتب قواعد الفقه، أو من كتب الفقه من ذكر لها، أو تعليل بها٢، وتعرض لها بعض الأصوليين أيضا بالذكر في باب الاستصحاب وغيره٣، وقال

стр. 612

المقري: "إنها قاعدة فقهية أصولية"١ وقد اختلفت عبارات العلماء في صياغة هذه القاعدة وإن اتحدت في المعنى. فمن العلماء من ذكرها باللفظ المتقدم٢ ومنهم من قال: "اليقين لا يزال بالشك"٣، ومنهم من قال: "اليقين لا يرفع بالشك"٤، ومنهم من قال: "ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين"٥، ومنهم من قال: "كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم"٦، ومنهم من جعل قاعدة ((الأصل بقاء ماكان على ماكان)) في معنى هذه القاعدة٧، ومنهم من اعتبر قاعدة ((الأصل بقاء ماكان على ماكان)) ، وقواعد أخرى مندرجة تحت هذه القاعدة٨.

стр. 613

وأول من نسبت إليه صياغة هذه القاعدة هو الإمام الشافعي١. ولم أقف على موضع ذكره لهذه القاعدة بلفظها إلا أنه قد جاء عنه، وعن غيره من الأئمة ما يدل على معناها. فقد قال الإمام الشافعي: "وإذا كانت الرجل مسافرا وكان معه ماء فظن أن النجاسة خالطته فتنجس ولمن يستيقن مخالطة النجاسة"٢، ونقل الزركشي، وغيره عنه قوله: "أصل ما أبني عليه الإقرار أني أعْمِل اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة"٣. وجاء في مسائل الإمام أحمد أنه سئل عن رجل يشك في وضوئه قال: "إذا توضأ فهو على وصوئه حتى يستيقن بالحدث، وإذا أحدث في وضوئه فهو محدث حتى يستيقن أنه توضأ"٤.

стр. 614

معاني المفردات: اليقين: تقدم بيان معناه. الشك لغة: بمعنى التداخل، ومنه الشك الذي هو خلاف اليقين، ويأتي بمعنى اللزوق واللصوق١. وفي الاصطلاح: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح أحدهما على الآخر عند الشاك وقيل: ماستوى طرفاه٢. المعنى الإجمالي: إذا تعارض عند المكلف جهتان في أمر ما جهة يقين وجزم بحكم, وجهة شك في حصول ما ينافيه وذلك بأن يتيقن أمرا في وقت، ثم يطرأ عليه شك في حصول ما ينافيه في وقت آخر كمن تيقن أنه توضأ، ثم شك في حدوث الناقص، أو جزم أنه صلى ركعة واحدة، ثم شك هل صلى الثانية أم لا، فإن الواجب عليه واللازم له أن يأخذ باليقين الذي استقر عنده ويدع الشك الطاريء عليه بحيث يجعله كالمعدوم. ومن هذا يظهر أن المراد باجتماع اليقين مع الشك استصحاب

стр. 615

حكم اليقين السابق إلى وقت طروء الشك فيه؛ إذ لا يتصور اجتماع اليقين مع الشك في حكم واحد في وقت واحد حقيقية ١ولا فرق بين أن يكون اليقين السابق مقتضيا ًللاباحة أم للحظر٢. الأدلة: بنى كثير من العلماء هذه القاعدة على ما رواه عبّاد بن تميم٣عن عمه٤ أنه شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال:"لا ينصرف حتى يسمع صوتا ًأو يجد

стр. 616

ريحاً"١. والحديث - وإن كان وارداً في حكم خاص- فهو بيان القاعدة عامة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وليس المراد تخصيص هذين الأمرين٢ باليقين لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى قاله الخطابي"٣. وقال النووي هذا الحديث أصل في بقاء الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك, ولايضر الشك الطارئ عليها٤. وهناك أحاديث أخرى في معناه٥.

стр. 617

٢- وفي معنى هذا الحديث بل ربما كان أصرح منه في إثبات القاعدة -قوله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين" الحديث١ ففي هذا الحديث تصريح بالعمل باليقين وإلغاء الشك. وهو محمول على ما إذا لم توجد غلبة الظن٢,وفي الموضوع نفسه أحاديث أخرى٣. ٣-عموم قوله -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ٤. ونحوها قوله-تعالى-: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ٥.

стр. 618

٤- ويدل على ذلك العقل -أيضاً-؛ لأن اليقين أقوى, وهو أمر ثابت متضمن لحكم قطعي جازم فلا يزول بالشك١. العمل بالقاعدة: تقدم أن هذه القاعدة قد نقلت عن الإمام الشافعي, وعن الإمام أحمد وأن الشيخ أبا طاهر الدباس٢, والكرخي وغيرهما ذكرها من أصول مذهب الإمام أبي حنيفة, وهي كذلك من قواعد المذهب المالكي, فقد نقل القرافي الإجماع عليها فقال: "فهذه قاعدة مجمع عليها وهي أن ((كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم, الذي جزم بعدمه)) ٣. وقد نقل الاتفاق على العمل بها -أيضاً- ابن دقيق العيد حيث قال - بعد شرحه للحديث المتقدم-: "والحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك. وكأن العلماء متفقون على هذه القاعدة

стр. 619

لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها"١. ومما اختلف في وجه تطبيق هذه القاعدة عليه من تيقن الطهارة ثم شك في حصول الحدث الناقض فإن المشهور من مذهب المالكية وجوب الطهارة٢, وهو قول الظاهرية٣ أيضاً, وذهب الجمهور إلى أنه لايلزمه الطهارة٤ وكلا الفريقين بنى على أن اليقين لايزول بالشك. فالمالكية ومن رأى رأيهم وافقوا الجمهور على القاعدة, وخالفهم في هذا الحكم الفرعي. والسبب في ذلك هو اختلاف النظر في تطبيق. فالمتيقن -عند الملكية ومن قال بقولهم هنا- هو انشغال الذمة بالصلاة, والمشكوك فيه هو سبب الإبراء وهو أداء الصلاة أداءً صحيحاً إذ الشك في طهارة -التي هي شرط صحة الصلاة- شك في صحة الصلاة نفسها٥, فلا يزول اليقين -الذي هو انشغال الذمة بالصلاة-

стр. 620

بالمشكوك فيه وهو الصلاة المشكوك في صحتها؛ بناء على الشك في الطهارة١. والمتيقن عند الجمهور هو الطهارة والمشكوك فيه انتقاضها. فلا يزول اليقين - الذي حصول الطهارة- بالمشكوك فيه وهو حصول الحدث٢. وقد أوضح هذا المعنى القرافي ﵀ ورأى أن الفريقين يخالفان القاعدة هنا من وجه٣.

стр. 621

وأما الحديث الذي هو مبنى القاعدة فإن المالكية يجعلونه خاصاً بما إذا شك في الصلاة, وذلك في إحدى الروايات عنهم١. وقد استثنى العلماء من حكم هذه القاعدة بعض الصور لمعارضة أصل آخر راجح على هذا الأصل, أو لظاهر ترجح إعماله على إعمال الأصل٢. من فروع القاعدة: فروع هذه القاعدة كثيرة جداً ومن أشهرها: ١- الشك في عدد ركعات الصلاة فإن من شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فإنه يعتبرها ثلاثاً؛ لأن اليقين هو تعلق الصلاة بالذمة, ثم تيقن أداء ثلاث ركعات فبرأت منها الذمة, وشك في

стр. 622

أداء الرابعة فبقيت في الذمة, وهكذا كل ما كان الشك في عدده أو أجزائه بني على الأقل؛ لأنه هو المتيقن حصوله١ ٢- من شك في طلوع الفجر وهو يريد الصوم فإنه يجوز له الأكل والشرب؛ لأن اليقين في حقه بقاء الليل٢ وذهب الملكية إلى عدم الجواز, وقال بعضهم: يكره٣ ٣- من شك في غروب الشمس وهو صائم فليس له أن يفطر؛ لأن اليقين في حقه بقاء النهار٤. وجه التيسير: لا يكاد يخفى على الناظر في هذه القاعدة الجليلة وتطبيقاتها ما تتضمن من التيسير, ورفع الحرج من جهة تخليص المكلف من الشك الذي قد يقع له فيورث الحيرة والتردد, وذلك ببيان الطريق

стр. 623

إلى ذلك وهو إلغاء ذلك الشك واعتبارها في حكم المعدوم والعمل بما تيقنه أولاً. ولا يعارض هذا الوجه من التيسير أنه قد يترتب عليه زيادة تكليف, كما إذا شك المصلي هل صلى ثلاثاً أو أربعاً في صلاة الرباعية؟ فإنه يجعلها ثلاثاً ويلزمه الإتيان برابعة؛ لأن مجرد دلالة المكلف على الطريق الذي يخرج بواسطته عن الشك والتردد يعدّ تيسيراً, ولو تضمن زيادة تكليف ويدرك هذا-تماماً- من كثرة شكوكه وسيطرة عليه التردد. ولعل لفظه (شكي) التي صدر بها الحديث الدال على القاعدة تشعر بهذا المعنى؛ لأن الشكوى إنما تكون عادة مما يسعر على الإنسان ويشق عليه١. ويمكن تصور التيسير فيها من وجه آخر. وذلك فيما إذا كان المتيقن -أولاً- هو وقوع المأمور به والشك في زواله حيث لا يلزم المكلف فعل ذلك المأمور به مرة أخرى كما إذا تيقن الطهارة والشك في الحدث, والله أعلم.

стр. 624

القسم الثاني: الضوابط الضابط الأول: الحدود تسقط بالشبهات . ... الضابط الأول الحدود تسقط بالشبهات. ورد ذكر هذا الضابط في عدد كبير من كتب القواعد الفقهية في المذاهب الأربعة إما بهذه الصيغة, أو بصيغة أخرى مقاربة١, وأطلق عليه كثير منهم مصطلح "قاعدة"٢, ويورده الفقهاء كثيراً في باب أو كتاب الحدود من كتاب الفروع ٣.وقد تقدمت قاعدة أعم وهي: ((حقوق الله مبنية على المسامحة)) ٤.

стр. 625

والحدود منها ما هو حق خالص لله -تعالى-, ومنها ما هو حق للآدميين, أو فيه شائبتان١. معاني المفردات: الحدود: جمع حدّ. والحد في اللغة: الحاجزان بين الشيئين, وحد الشيء: منتهاه, والحدّ: المنع٢. وفي الاصطلاح عرفه كثير من العلماء: بأنه عقوبة مقدرة وجبت حقاً لله٣ وأطلق بعضهم فقال: هو عقوبة مقدرة

стр. 626

شرعاً١ وسميت هذه بالحدود؛ لأنها تمنع المعاودة؛ أو لكونها مقدرة من الشارع٢. الشبهات: جمع شبهة. وهي في اللغة: الالتباس٣. وفي الاصطلاح: عرفت بأنها مالم يتيقن كونه حراماً أو حلالاً, وتختلف الشبهة باختلاف سببها الذي تضاف إليه٤.

стр. 627

المعنى الإجمالي: معنى هذا الضابط أن الله -تعالى - الذي شرع وقدر العقوبات جزاءً على بعض المعاصي شرع درء هذه الحدود والعقوبات, وإسقاطها بكل أمر يورث شكاً ولبساً إما في ثبوت تلك المعصية على من ادّعيت عليه, أو في علم من أقدم على ذلك الفعل بتحريمه, أو نحوها من أنواع الشبه. وذلك بأن شرع من القيود في ثبوت بعض هذه الحدود ما يجعلها قليلة الثبوت, وشرع للمسلمين الستر على من وجدوه على شيء من تلك المعاصي بعد نصحه وإرشاده, وشرع للحاكم عدم القصد ونحوه من الشبه. وذلك أن الشارع يتشرف إلى الستر على المؤمن وعدم فضحهم. فإن هذه الحدود وإن كانت لم تشرع إلا لتطبيق ولم تشرع إلا أن الشارع غلّب مصلحة حرمة المؤمن على هذه المصلحة مال م يجاهر الإنسان بمعصيته, وما لم يثبت ذلك عند

стр. 628

الحاكم١. الأدلة: الأدلة على هذا الضابط كثيرة جداً ومنها ما يلي: أولا: أشهر وأصرح الأدلة على هذا الضابط هو حديث: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم, فإن كان له مخرج فخلوا سبيله, فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"٢. ثانياً: ما يدل على التشدد في إثبات بعض الحدود سواء كان ذلك بالشهادة أم بالإقرار. خاصة فيما يكون خفياً عادة كالزنا, فإنه لا يثبت إلا بأربعة شهود عدول يصفون الزنا بما لا يوجد معه شك ولا ريب, وبما لا يكاد يطلع عليه إلا إذا جاهر العاصي بمعصيته, أو بالإقرار الصريح أربع مرات أيضاً٣.

стр. 629

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١. وقوله -تعالى-: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢. وحديث ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت". قال: لا. قال: "أفنكتها"؟ قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه"٣. وحديث جابر بن عبد الله ﵁: "أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم

стр. 630

اعترف فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع شهادات: فقال له النبي ﷺ : "أبك جنون؟ " قال: لآ قال: "أحصنت؟ " قال: نعم. قال: فأمر به النبي ﷺ فرجم في المصلى" الحديث١. فإن مجموع هذه الأدلة يدل على رغبة الشارع في دفع الحد قدر الإمكان٢ ثالثا: الأدلة التي فيها الحث على ستر العاصي بعد نصحه وإرشاده والإنكار عليه٣. فمن الأدلة العامة على هذا قوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"٤

стр. 631

ومما يدل على الستر فيما يوجب الحدّ خاصة حديث: أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات فأمر برجمه وقال لهزّال١: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك" ٢. رابعا: مشروعية اللعان بين الزوجين لتخليص من يرمي زوجته بالزنا من حدّ القذف فقد شق على بعض الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣ فاشتكوا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤. إلى قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ

стр. 632

غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١. قال الإمام ابن كثير: "هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها"٢ خامسا: حديث: "لا قطع في ثَمَرٍ ولا كثر٣"٤، وما في معناه من الأحاديث الكثيرة التي تقييد القطع في السرقة بما

стр. 633

يضمن انتفاء شبهة الحاجة ونحوها١. العمل بالضابط: اتفق العلماء على درء الحدود بالشبهات من حيث الجملة كما تقدم بيانه، وقد نقل الإجماع عليه ابن المنذر٢، وابن قدامة٣، وغيرهما. من فروع هذا الضابط: ١- سقوط حد الزنا عمّن وَطَئَ في نكاح مختلف فيه٤. ٢- سقوط حد القذف عن القاذف إذا كان قذفه تعريضا لا تصريحا عند جمهور العلماء، وذهب المالكية إلى أنه يُحدّ، وهو رواية عن الإمام أحمد٥.

стр. 634

٣- سقوط حد السرقة عمّن سرق طعاما عام مجاعة إذا لم يجد ما يأكله١. وجه التيسير: وجه التيسير في هذا الضابط واضح في حق من وقعت منه المعصية وهو دفع العقوبة المؤلمة، أو المزهقة للنفس عنه، وعدم افتضاحه بين الناس، وتيسير سبيل التوبة والرجوع إلى الله تعالى٢.

стр. 635

الضابط الثاني: الشبهة تسقط الكفارة . ذكر السيوطي هذا الضابط بقوله: "تنبيه: الشبهة لا تسقط التعزير وتسقط الكفارة"١، وأورده الزركشي في صورة استفهام حيث قال: "هل تسقط الكفارة بالشبهة؟ "٢. وأشار ابن نجيم إلى حكم الكفارات مع الشبهة بقوله: "والكفارات تثبت معها -يعني مع الشبهة- أيضا إلا كفارة الفطر في رمضان فإنها تسقط؛ ولذا لا تجب مع النسيان والخطأ، وبإفساد صوم مختلف في صحته"٣. معاني المفردات: الشبهة: تقدم بيان معناها٤. الكفارة لغة: صيغة مبالغة من الكَفْر وهو التغطية والستر. كأنها -لكونها سببا في مغفرة الذنب- تغطيه وتستره٥.
следующие страницы →