ومما يدل على الستر فيما يوجب الحدّ خاصة حديث: أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات فأمر برجمه وقال لهزّال١: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك" ٢.
رابعا: مشروعية اللعان بين الزوجين لتخليص من يرمي زوجته بالزنا من حدّ القذف فقد شق على بعض الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣ فاشتكوا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤. إلى قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ
стр. 632
غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.
قال الإمام ابن كثير: "هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها"٢
خامسا: حديث: "لا قطع في ثَمَرٍ ولا كثر٣"٤، وما في معناه من الأحاديث الكثيرة التي تقييد القطع في السرقة بما
стр. 633
يضمن انتفاء شبهة الحاجة ونحوها١.
العمل بالضابط:
اتفق العلماء على درء الحدود بالشبهات من حيث الجملة كما تقدم بيانه، وقد نقل الإجماع عليه ابن المنذر٢، وابن قدامة٣، وغيرهما.
من فروع هذا الضابط:
١- سقوط حد الزنا عمّن وَطَئَ في نكاح مختلف فيه٤.
٢- سقوط حد القذف عن القاذف إذا كان قذفه تعريضا لا تصريحا عند جمهور العلماء، وذهب المالكية إلى أنه يُحدّ، وهو رواية عن الإمام أحمد٥.
стр. 634
٣- سقوط حد السرقة عمّن سرق طعاما عام مجاعة إذا لم يجد ما يأكله١.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذا الضابط واضح في حق من وقعت منه المعصية وهو دفع العقوبة المؤلمة، أو المزهقة للنفس عنه، وعدم افتضاحه بين الناس، وتيسير سبيل التوبة والرجوع إلى الله تعالى٢.
стр. 635
الضابط الثاني: الشبهة تسقط الكفارة .
ذكر السيوطي هذا الضابط بقوله: "تنبيه: الشبهة لا تسقط التعزير وتسقط الكفارة"١، وأورده الزركشي في صورة استفهام حيث قال: "هل تسقط الكفارة بالشبهة؟ "٢.
وأشار ابن نجيم إلى حكم الكفارات مع الشبهة بقوله: "والكفارات تثبت معها -يعني مع الشبهة- أيضا إلا كفارة الفطر في رمضان فإنها تسقط؛ ولذا لا تجب مع النسيان والخطأ، وبإفساد صوم مختلف في صحته"٣.
معاني المفردات:
الشبهة: تقدم بيان معناها٤.
الكفارة لغة: صيغة مبالغة من الكَفْر وهو التغطية والستر. كأنها -لكونها سببا في مغفرة الذنب- تغطيه وتستره٥.
стр. 636
وفي الاصطلاح تعرّف: بأنها تصرّف أوجبه الشرع لمحو ذنب معين كالإعتاق والصيام والإطعام١.
المعنى الإجمالي:
رتّب الله تعالى على الوقوع في بعض المخالفات٢ أنواعا من التصرفات أو من العبادات يؤديها المخالف ليمحو بها ذنبه، ومع أن مشروعية هذه الكفارات هو من باب التيسير لتمكين الله عباده مما يمحون به ذنوبهم. إلا أنها لما كانت تتضمن معنى العقوبة أسقطها الله تعالى عمّن وقع في المحذور الذي تلزم له الكفارة أصلا إذا اقترن بحال فعله للمحذور شبهة تؤثر في ثبوت وقوع المخالفة منه، أو في قصده إليها أو نحو ذلك.
الأدلة:
لا أعلم نصا يمكن الاعتماد عليه في سقوط الكفارات بالشبهة
стр. 637
إلا أنه يمكن اعتبار قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ١ دليلا لهذا الضابط.
ذلك أن الآية الكريمة دلّت على سقوط كفارة اليمين عمّن تلفظ به لغوا. وقد جاء في تفسير اللغو عدة معان.
منها: أن المراد باللغو ما يتلفظ به الإنسان من قوله: لا والله، بلى والله مما لا يراد معناه.
ومنها: أن المراد به حلف الإنسان على ما يظنه صحيحا، ثم يتبين خطؤه فيه.
ومنها: أن المراد به أن يحلف وهو غضبان. إلى غير ذلك من المعاني٢. فكل هذه شُبَه رتّب الله تعالى عليها عدم المؤاخذة بالحنث في اليمين. قال الإمام الشوكاني: "وذلك -أي عدم المؤاخذة- يعمُّ الإثم، والكفارة فلا يجب أيُّهما"٣.
وإذا ثبت ذلك في نوع من الكفارات أمكن الاستدلال به على
стр. 638
إسقاط الكفارات بالشُّبَه في كل كفارة بحسبها.
كما يصح أن يستدل على ذلك بالقياس على الحدود وذلك أنها تشترك مع الحدود في تضمنها معنى العقوبة، وقد تقدم أن الحدود تسقط بالشبهات.
العمل بالضابط:
تشعر عبارات بعض الفقهاء بأن هناك من يرى سقوط الكفارة بالشبهة.
كقول ابن قدامة فيمن أكره على الحنث في يمينه، "وقال مالك، وأبو حنيفة: يحنث؛ لأن الكفارة لا تسقط بالشبهة"١، وقول ابن نجيم: "والكفارات تثبت معها -أي الشبهة- أيضا إلا كفارة الفطر في رمضان فإنها تسقط"٢.
لكن المستقرئ لبعض مواطن ذلك من كتب الفقه يجد أن مجمل أقوال الفقهاء يدل على أنهم يرون سقوط بعض الكفارات عن
стр. 639
بعض من استوجبها إذا وجد من العوارض والشُّبه ما يقتضي ذلك، وقد يصرح بعضهم بأن العلة في ذلك السقوط هي وجود الشبهة وقد لا يصرح آخرون.
والخلاف بينهم إنما هو في تحديد الشبهة المسقطة للكفارة بحسب قوة تلك الشبهة وضعفها، وفي تعيين الكفارة التي يمكن أن تسقط بالشبهة والتي لا يمكن أن تسقط؛ إما لاستبعاد طروء الشبهة عليها؛ أو لغير ذلك من الاعتبارات.
وهذه بعض أقوال الفقهاء الدالة على أنهم من حيث الجملة قد يسقطون بعض الكفارات بسبب الشبهة.
قال ابن عابدين في كفارة من أفطر في نهار رمضان١: "لو أفتاه مفت يعتمد على قوله أو سمع حديثا ولم يعلم تأويله لم يكفِّر للشبهة"٢، وقال ابن عبد البر من فقهاء المالكية: "وإن جامع ناسيا فلا كفارة عليه في المشهور"٣، وعدّ
стр. 640
الخرشي من شروط وجوب الكفارة بالفطر في نهار رمضان العمد، والاختيار، والانتهاك للحرمة، ثم قال: "فالمتأول تأويلا قريبا لا كفارة عليه"١.
وقال الإمام الشافعي: "وإن جامع ناسيا لصومه لم يكفر، وإن جامع مع الشبهة مثل أن يأكل ناسيا فيحسب أنه أفطر فيجامع على هذه الشبهة فلا كفارة عليه في مثل هذا"٢.
وقال ابن قدامة من الحنابلة: "من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا فلا كفارة عليه"، ونقل رواية أخرىي عن الإمام أحمد بالحنث. وقال: "إن فعله غير عالم بالمحلوف عليه كرجل حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه يحسبه أجنبيا أو نحو ذلك فهو كالناسي"٣.
من فروع هذا الضابط:
١- أن المولي إذا أراد الفيأة ولم يمكنه ذلك، لعذر فيه أو في المرأة فإن فيأته تكون باللسان أي بالوعد بالجماع متى قدر عليه
стр. 641
عند كثير من الفقهاء، ولا كفارة عليه في هذه الحال١.
٢- إذا قال الرجل لامرأته: "أنت عليّ حرام" وهي محرمة عليه لحيض أو نحوه أو قال: "أنت كأمي" مما يحتمل الظهار وغيره ولم يكن له قصد معين، فإنه لا يكون ظهارا فلا كفارة٢.
وجه التيسير:
صورة التيسير المترتبة على هذا الضابط ظاهرة حيث أسقط الشارع الكفارة عمّن استحقها لقيام الشبهة العارضة المانعة من لزومها للمكلف.
стр. 642
الضابط الثالث: لا تجب الإعارة إلا حيث تعينت لدفع مفسدة .
...
الضابط الثالث: لا تجب الإعادة إلا حيث تعينت لدفع مفسدة.
أورد هذا الضابط السيوطي بهذا اللفظ، تحت عنوان قاعدة١، وذكر بعده قاعدة أخرى هي قوله: "العرية لا تلزم إلا في صور"٢، وأشار إلى معناها عدد من الفقهاء بذكر بعض صورها، وأورد الزركشي قاعدة لفظها: ((الفرض لا يؤخذ عليه عِوَض)) ، وذكر من فروعها مسائل مما يجب بذله بالإعارة ونحوها٣، وأورد ابن رجب قاعدة أعم من هذا الضابط خلاصتها أنه "يجب بذل ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان -ولا ضرر في بذله- مجانا في الأظهر" ولكن يظهر من أمثلته أن البذل المقصود غي أغلب صورها هو البذل على سبيل الإعارة أو مافي معناها٤.
стр. 643
معاني المفردات:
الإعارة لغة: مصدر أعار يُعير وبمعناها العارية، وهي من التعاور وهو التداول. يقال: عار السيء إذا ذهب وجاء، وقيل: كأنها من منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عارٌ١.
وفي اصطلاح الفقهاء: هي تمليك منفعة بلا بدل٢، وقيّدها بعضهم بأن تكون مؤقتة٣.
وقيل: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال٤.
المعنى الإجمالي:
العرية في أصلها عقد جائز أي أن لمالك العين أن يعيرها وله أن يمنعها، وإذا أعارها كان له أن يستردها متى شاء ما لم يكن ذلك محددا بوقت؛ فإن كانت محددة بوقت لم يكن للمعير استرجاعها قبله.
وهذا الضابط يدل على أن الإعارة قد تجب على مالك العين
стр. 644
وذلك عندما يترتب على معناها وعدم إعارتها مفسدة١.
والظاهر من إيراد السيوطي للضابطين المتقدمين أنه يريد بالأول منهما أن الإعارة قد تجب ابتداء كوجوب إعارة الدلو لمن يريد أن يستقي أو يسقي مواشيه وهو مضطر لذلك، ويريد بالآخر أن الإعارة قد تلزم بمعنى وجوب استمرارها وعدم جواز استرجاع العين المعارة إذا كان في استرجاعها مفسدة ظاهرة، وضرر على المستعير كمن أعار غيره أرضا ليزرعها فأراد المعير أن يرجع قبل أن يحصد المستعير ما زرع، وكمن أعار غيره أرضا ليدفن فيها ميتا، ثم أراد الرجوع فيها قبل أن يبلى ذلك الميت حيث ذهب كثير من الفقهاء إلى منعه من ذلك على ما سيأتي تفصيله قريبا إن شاء الله؛ وذلك دفعا لأعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما؛ إذ في لزوم الإعارة في هذه الأحوال مضرة في حق المعير لكن الشارع لم يراعها لكون ارتكابها يدفع مفسدة أعظم.
وقد قيد بعض العلماء هذا الضابط وما في معناه بعدم تضرر
стр. 645
صاحب العين كما نص على ذلك ابن رجب١؛ ولذا فإن بعض الفقهاء قد نصوا على أن الإعارة إذا كانت مؤقتة بزمن معين أو غرض ولزم استمرارها لدفع مضرة المستعير، فإن عليه أجرة المثل فيما زاد عن المدة المؤقتة لدفع الضرر عن المعير٢.
ولا يخفى أن الضرر أمر نسبي؛ إذ لا يخلو بذل عين من الأعيان وإباحة الانتفاع بها من قدر من الضرر.
الأدلة:
يمكن الاستدلال لهذا الضابط بما يلي:
أولا: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ٣.
فقد أخذ بعض العلماء من الوعيد الوارد في هذه الآيات وجوب العاريّ عند احتياج الناس إليها٤.
стр. 646
ثانيا: بعض الأدلة التي فيها الأمر بأنواع معينة من البذل وذم منعها.
كحديث: "لا يمنع جار جارَه أن يغرز خشبه في جداره" ١.
ومن هذا القبيل الأثر المروي عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن الضحاك٢ بن خليفة ساق خليجا٣ له من العُرَيْض٤
стр. 647
فأراد أن يمر في أرض محمد بن مسلمة١ فأبى محمد. فقال له الضحاك: لمَ تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك؟ فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فإمر أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لمَ تمنع أخاكم ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولا وآخرا وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرنّ ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمرّ به، ففعل الضحاك"٢.
ثالثا: العمومات التي فيها الحث على التعاون، وإحسان الناس بعضهم إلى بعض، وبذل المعروف وهي كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٤.
стр. 648
فإن هاتين الآيتين ومافي معناهما تتضمنان بعهومهما الأمر بالإحسان إلى الناس ببذل ما تدعو حاجتهم إلى بذله١.
رابعا: عموم الأدلة الدالة على النهي عن إبقاع الضرر على الغير. كقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢؛ فإن منع ما يحتاج الناس إليه مع عدم التضرر ببذله يعدّ من قبيل الإضرار بالغير٣.
ولما كان بعض الفقهاء قد ذكر القاعدة بلفظ أعم بحيث يشمل البذل على سبيل العارية، وغيرها؛ فإنه يمكن الاستدلال بحديث: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ"٤، ومافي
стр. 649
معناه من الأحاديث.
عمل الفقهاء بهذا الضابط:
اتفق العلماء على استحباب العاريّ في حق المعير لكونها من الإحسان المأمور به ولما فيها من قضاء حوائج الناس، وعلى أنه يتأكد هذا الاستحباب في حال الحاجة والضرورة.
أما وجوبها ابتداء فإن أكثر الفقهاء لم يصرحوا به، ولعل ذلك راجع إلى أن عدم وجوبها هو الأصل، وقد صرح ابن قدامة بأن أكثر العلماء لا يرون وجوبها١ وقد تقدمت الإشارة إلى أنه قد نقل عن بعض العلماء إيجابها.
وإنما أوجب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة العارية بمعنى استمرارها إذا ما كان المستعير يتضرر من استرجاع العين المعرة، كالذي يستعير أرضا ليزرعها أو ليبني عليها بناء أو نحو ذلك، ويكون ذلك مؤجلا بأجل محدود فإنه إذا انتهى الأجل قبل الحصاد، وقبل الانتفاع المقصود لزم المعير عند الجمهور
стр. 650
أن يستمر في إعارة الأرض ولم يجز له إلزام المستعير بتخليتها، وعلى المستعير أجرة المثل عند أكثر الفقهاء. على تفصيل في ذلك سيأتي بيانه إن شاء الله.
قال الكاساني من الحنفية: "فأما إذا استعار أرضا للزراعة فزرعها ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع. بل تترك في يده إلى وقت الحصاد بأجرة المثل استحسانا"١، وذكر ابن نجيم عددا من الصور التي للمستعير فيها حق المنع من أداء ما استعاره بعد أن يطلب منه٢,
وذكر النووي في مثل هذه الصورة أنه إن كان مما يُعتاد قطعه كلّف قطعه وإلا فأرجه أصحها: أنه يلزم المعير إبقاؤه إلى أوان الحصاد، وهل له الأجرة؟ وجهان٣.
وقال ابن قدامة: "وللمعير الرجوع في العارية في أي وقت شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة ما لم يأذن في شغله بشيء يتضرر بالرجوع فيه"٤
стр. 651
وظاهر مذهب المالكية أنه لا يلزم المعير ذلك.
قال الخرشي: "من أعار شخصا أرضه ليبني فيها، أو يغرس غرسا إلى مدة معلومة ثم انتقضت مدة البناء أو الغرس المشترطة أو المعتادة، فإن المستعير حكمه حكم الغاصب فإن شاء أمره بالقلع وتسوية الأرض، أو أمره بإبقاء ما فعل ويدفع له قيمة ذلك منقوضا ... الخ كلامه١.
فظهر من هذا أن الجمهور يقولون بلزوم استمرار الإعارة في حالة كون الرجوع فيها يؤدي إلى ضرر بالمستعير، وهذا نوع من وجب الإعارة بعد اتفاقهم على استحبابها، والله أعلم.
من فروع هذا الضابط:
تقدم ذكر بعض فروع هذا الضابط ومنها أيضا:
١- من أعار غيره لوحا ليرقع به سفينة، فليس للمعير طلب العارية ما دامت في البحر لما يترتب عليه من ضرر٢
٢- ومن فروعها ما ذهب إليه بعض الفقهاء من وجوب إعارة
стр. 652
الدلو، والفأس، ونحوهما ابتداء إذا احتيج إلى بذله لدفع مفسدة، وتعيّن١.
وجه التيسير:
وجه التيسير في هذا الضابط على القول بوجوب الإعارة في بعض الصور أن الشارع قد ألزم مالك العين ببذل منفعتها لمن يحتاج إليها مراعاة لحاجة الناس وهذا ظاهر في حق المستعير؛ لأنه هو المستفيد من هذه المنفعة.
أما في حق المعير فقد يبدو الأمر على خلاف ذلك؛ لأنه يتضرر ببذل ماله لكن الشارع رجّح دفع المفسدة العظمى على دفع المفسدة الدنيا على القاعدة المشهورة في الموازنة بين المصلحتين أو المفسدتين عند تعارضهما وذلك بناء على أن ملك الإنسان للمال إنما هو من قبيل الاستخلاف فيه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ٢.
стр. 653
الضابط الرابع: لا تصح الوصية بكل المال إلا في صور .
ذكر هذا الضابط الزركشي، والسيوطي وااستثنيا منه ثلاث مسائل١.
معاني المفردات:
الوصية في اللغة: من وَصَى بمعنى اتصل، ووصّاه توصيةً عهد إليه٢ وفي اصطلاح الفقهاء: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت٣.
المعنى الإجمالي:
هذا الضابط واضح المعنى ففيه المنعُ من الوصية بكل المال وتحريمه لما فيه من الإضرار بالورثة. ولكن بالنظر إلى الدليل الذي
стр. 654
بيّن حدَّ ما تجوز به فإن الأولى أن تكون صيغة هذا الضابط (لاتصح الوصية بما زاد على الثلث إلا في صور) ؛ لأن هذا يتضمن منع الوصية بكل المال وما دونه إلى الثلث.
الأدلة:
الأصل في هذا الضابط حديث سعد بن أبي وقاص١ ﵁ وفيه: "قلت يا رسول الله ﷺ أوصي بمالي كله؟ قال: "لا". قلت: فالشطر؟ قال: "لا". قلت: الثلث؟ قال: "فالثلث والثلث كثير" الحديث٢.
وهو صيريح في النهي عن الوصية بما زاد على الثلث.
العمل بالضابط:
اتفق العلماء على أن الأصل عدم جواز الوصية بما يزيد على
стр. 655
ثلث المال١. إلا أن منهم من استثني من ذلك بعض المسائل التي لا تكون الوصية فيها بما زاد على الثلث سببا في الإضرار بالورثة كما لو أجاز الورثة الوصية بما زاد على الثلث٢، أو لم يكن له ورثة٣.
وأما المسألتان الأخريان اللتان استثناهما الزركشي، والسيوطي فإني لم أقف على تصريح في كتب الفقه بحكمهما.
стр. 656
ولكن الذي يظهر أن سبب استثناء وصية المستأمن إذا أوصى بكل ماله من حُكم هذا الضابط هو ما ورد (أن رجلا من اليهود يقال له مُخَيْرِيْق١ خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة أحد وقال حين خرج: إن أصبت فأموالي لمحمد يَضَعُها حيث أراه الله. فقال ﷺ : "مخيريق خير يهود" ٢.
وسبب استثناء من أوصى بعتق عبيده الذين لا مال له سواهم،
стр. 657
ثم ماتوا. هو حديث عمران بن حصين: "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزّأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة، وقال له قولا شديدا".
فتقييدهم للمسألة المستثناه بكون المعتقين قد ماتوا؛ لعدم إمكان تحقق القرعة، والإعتاق، والله أعلم.
وهذا الضابط أشبه ما يكون بالفرع الفقهي حيث لا يظهر له مسائل جزئية تتفرع عليه، والظاهر أن المراد من إيراد هو التنبيه على ما يُستثنى منه مسائل.
وجه التيسير:
التيسير المستفاد من هذا الضابط متحقق في جانب الورثة أكثر فقد بين النبي ﷺ سبب النهي عن الوصية بما يزيد على الثلث في حديث سعد المتقدم حيث قال: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" ومع هذا فإنه يُلمح جانب آخر من التيسير على المورث أو صاحب المال؛ لأن الإنسان
стр. 658
بغريزته يحب المال وتميل نفسه إلى الاحتفاظ به، أو بذله لمن يحبه طبعا من ولد أو قريب. لكن المؤمن يخالفه هواه ومستحبّه؛ طلبا للأجر والمثوبة كما قال سبحانه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ٢.
فإذا جعل الشارع الأجر مستحقا على ترك المال للولد والقريب وجعل ذلك قربة لله تعالى وصدقة كما جاء في آخر الحديث المتقدم: "وإنك مهما أنفقت من نفقه فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك". كان ذلك مراعاة لميل النفس البشرية وتيسيرا ظاهرا على صاحب المال، والله أعلم.
стр. 659
الضابط الخامس: لا رابطة بين الإمام والمأموم وكل منهما يصلي لنفسه .
أورد السبكي هذا الضابط وعنون له ب (مأخذ) ١، ونص على أنه من ضوابط المذهب الشافعي حيث قال: "قال علماؤنا: لا رابطة بين الإمام والمأموم وكل منهما يصلي لنفسه"، ثم بين ضابط المذاهب الأخرى في ذلك٢.
وقال الإمام الشافعي: "كما لا يجزئ عني فعلُ إمامي فكذلك لا يُفسد عليّ فعل إمامي"٣، كما أشار إلى هذا الضابط ابن تيمية مبرزا قول الفقهاء في مدى الارتباط بين صلاة الإمام وصلاة المأموم٤.
وذكره المقري في مواضع مفصلا رأي المالكية في ذلك٥.
стр. 660
وأشار إليه القرافي عند بيان الفرق بين ما يجوز فيه تقليد المجتهد لمجتهد آخر، ومالا يجوز فيه ذلك١.
المعنى الإجمالي:
لعل أوضح ما يبين معنى هذا الضابط ما أوضحه به السبكي حيث قال: " ... ولا نعني بانتفاء الرابطة انتفاء العلاقة رأساً فإن بينهما علاقة بلا شك, وإنما نعني بالرابط أن لا يلزم من فساد واحدة, أو كونها مؤداة فساد الأخرى, ولا كونها مؤداة بل قد تكون صحيحة أو مقضية"٢.
وقال في –موضع آخر-: "ولا ننكر بينه –أي المأموم- وبين الإمام علاقة لكنها لا تنتهي إلى الحد الذي قالوه"٣ أي من ذهب إلى فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام كما سيأتي تفصيله إن شاء الله –تعالى-.
الأدلة:
استدل الآخذون بهذا الضابط بحديث: "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم" ٤.
стр. 661
نقل ابن حجر عن ابن منذر قوله: "هذا الحديث يرد على من زعم إن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه", وقال: واستدل بعضهم على صحة الإئتمام بمن يخل بشيء من الصلاة ركناً أو غيره إذا أتم المأموم, وقيد ذلك بالأمور الاجتهادية. كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البسملة, ولا أنها من أركان القراءة, ولا أنها آية من الفاتحة. بل يرى أن الفاتحة تجزيء بدونها فإن صلاة المأموم تصح إذا قرأ هو البسملة؛ لأن غاية حال الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ وقد دلّ الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر في صلاة المأموم إذا أصاب١.
وقال ابن تيمية: إن هذا الحديث نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه لا على المأمومين٢.
٢- حديث: "الإمام ضامن فإذا أحسن فله ولهم, وإن أساء فعليه ولا عليهم"٣. وهو في معنى الحديث الأول, وفي معنا هما
стр. 662
أحاديث أخرى١.
٣- ما روي "أن عمر –﵁ – صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا"٢
٤- ما روي "أن عثمان بن عفان –﵁ – صلى بالناس وهو جنب, فلما أصبح نظر في ثوبه احتلاماً فقال: كبرت والله, ألا أراني أجنب ثم لا أعلم ثم أعاد ,ولم يأمر هم أن يعيدوا "٣.
٥- ما روي عن علي –﵁ – أنه قال: "إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد ولا آمرهم أن يعيدوا"٤.
стр. 663
ولما كان هذا الضابط محل خلاف بين العلماء كان من المناسب بيان ما يستدل به المخالفون, وهم الذين يرون أن صلاة المأموم تفسد بفساد صلاة إمامه.
فقد ذكر السبكي, وابن تيمية أن مما استدلوا به حديث: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ... "١.
قال صاحب النهاية في غريب الحديث٢: "أراد بالضمان –ههنا –الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم, وقيل: إن صلاة المقتدين به في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاة فهو كالمتلف لهم صحة صلاتهم".
وقال السبكي: "ولا حجة لهم فيه إذ لا يلزم من كونه ضامناً أن تفسد صلاة المأموم بفساد صلاته لاسيما وقد فسر الضامن بخلاف هذا" يعني ما تقدم من حديث: "الإمام ضامن فإذا أحسن فله ولهم وإن أساء فعليه ولا عليهم"٣.
стр. 664
وقد استدل المرغيناني١ بحديث: "من أم قوماً ثم ظهر أنه كان محدثاً أو جنباً أعاد صلاته وأعادوا"٢.
العمل بالضابط:
ذهب الجمهور من المالكية, والشافعية, والحنابلة إلى الأخذ بهذا الضابط واختلفوا في بعض التفصيل, فقد تقدم أن السبكي نص على أن مذهب الشافعية عدم الرابطة بين الإمام والمأموم وأن صلاة المأموم لا تفسد بفساد صلاة الإمام٣, ومن نصوص الشافعية ما تقدم من نقل عن الإمام الشافعي.٤
стр. 665
وقول الشيرازي:"فإن صلى من خلف المحدث غير الجمعة ولم يعلم, ثم علم فإن كان ذلك في أثناء الصلاة نوى مفارقته وأتم, وإن كان بعد الفراغ لم تلزمه الإعادة؛ لأن ليس على حدثه أمارة فعذر في صلاته خلفه ", وزاد النووي:" سواء كان الإمام عالماً بحدث نفسه أم لا؛ لأنه لا تفريط من المأموم في الحالين".١
ونقل السبكي عن الإمامين مالك, وأحمد أنهما قالا: يسري النقص إلى المأموم عند عدم العذر لا مع العذر٢, وكذالك نقله ابن تيمية, ونقل عن الإمام أحمد رواية أخرى بفساد صلاة المأموم٣.
ومن أقوال الفقهاء المالكية في هذا قول الخرشي: "لو استمر الإمام على حدثه ناسياً للحدث, ولم يعلم المأموم إلا بعد فراغه صحت صلاة القوم دونه على المشهور"٤
ومن أقوال فقهاء الحنابلة قول ابن قدامة: "إن الإمام إذا صلى بالجماعة محدثاً أو جنباً غير عالم بحدثه, فلم يعلم هو ولا
стр. 666
المأموم حتى فرغوا من الصلاة فصلاتهم صحيحة, وصلاة الإمام باطلة"١
وأما الإمام أبو حنيفة فقد ذهب إلى أن بينهما رابطة, وأن كل خلل حصل في صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم؛ لأن فرع عليه هذا ما نقله عنه السبكي٢, وابن تيمية٣.
وصرح فقهاء الحنفية بهذا فقال الإمام أبو زيد الدبوسي٤: ((الأصل عندنا أنصلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام تفسد بصلاة إمامه, وتجوز بجوازها))
وقال ابن عابدين: "فلو تبين فسادها –أي الصلاة – فسقاً من الإمام, أو نسياناً لمضي مدة المسح, أو لوجود الحدث أو غير
стр. 667
ذلك لم تصح صلاة المقتدي لعدم صحة البناء"١, وقال ابن تيمية: إن المذهب المفرق بين أن يكون المأموم معذوراً وبين أن لا يكون كذلك هو أوسط الأقوال٢, وقال السبكي: "وزعما-أي الإمامين مالك وأحمد-أن هذا توسيط بين المذهبين"٣.
стр. 668
وبالنظر في مسألة أخرى من المسائل هذا الضابط –وهي مسألة اقتداء المصلي بإمام يخالفه في الفروع١- بحيث تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاده دون اعتقاد المأموم – نجد أن ما ذكره السبكي من رأي الشافعية ليس على إطلاقه, فقد حكى النووي في ذلك أربعة أوجه, ثم قال وإن تحققنا الإتيان بجميعه, أو شككنا صح, ونسب ذلك الوجه إلى الأكثرين منهم٢.
وقد ذهب الحنفية إلى عدم صحة الصلاة المأموم في هذه الحال.
стр. 669
قال ابن عابدين –بعد أن بين- فساد صلاة من صلى خلف إمام محدث, ثم علم بعد ذلك -:وكذا لو كانت صحيحة في زعم الإمام فاسد في زعم المقتدي, لبنائه على فاسد في زعمهم فلا يصح ". إلا أنه قال: "وفيه خلاف وصحح كل"١.
وذهب المالكية, والحنابلة إلى صحة الصلاة خلفه.٢
من فروع هذا الضابط:
١- صلاة المفترض خلف المتنفل مؤتماً به, حيث ذهب الشافعية, والحنابلة – في إحدى الروايتين – إلى جوازه, ومنعه الحنفية والمالكية والحنابلة في الرواية الأخرى.٣
٢- صلاة المتنفل خلف المفترض. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافاً"٤ وإن كان بعض الفقهاء لم يصرح بهذا الحكم لكنهم صرحوا بصحة إئتمام من يصلي فرضاً بمن يصلي
стр. 670
وبالنظر في مسألة أخرى من المسائل هذا الضابط –وهي مسألة اقتداء المصلي بإمام يخالفه في الفروع١- بحيث تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاده دون اعتقاد المأموم – نجد أن ما ذكره السبكي من رأي الشافعية ليس على إطلاقه, فقد حكى النووي في ذلك أربعة أوجه, ثم قال وإن تحققنا الإتيان بجميعه, أو شككنا صح, ونسب ذلك الوجه إلى الأكثرين منهم٢.
وقد ذهب الحنفية إلى عدم صحة الصلاة المأموم في هذه الحال.