← Каваид фикха

Каваид фикха · id 7270

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير

عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف

Полный текст (798 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

المأموم حتى فرغوا من الصلاة فصلاتهم صحيحة, وصلاة الإمام باطلة"١ وأما الإمام أبو حنيفة فقد ذهب إلى أن بينهما رابطة, وأن كل خلل حصل في صلاة الإمام يسري إلى صلاة المأموم؛ لأن فرع عليه هذا ما نقله عنه السبكي٢, وابن تيمية٣. وصرح فقهاء الحنفية بهذا فقال الإمام أبو زيد الدبوسي٤: ((الأصل عندنا أنصلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام تفسد بصلاة إمامه, وتجوز بجوازها)) وقال ابن عابدين: "فلو تبين فسادها –أي الصلاة – فسقاً من الإمام, أو نسياناً لمضي مدة المسح, أو لوجود الحدث أو غير

стр. 667

ذلك لم تصح صلاة المقتدي لعدم صحة البناء"١, وقال ابن تيمية: إن المذهب المفرق بين أن يكون المأموم معذوراً وبين أن لا يكون كذلك هو أوسط الأقوال٢, وقال السبكي: "وزعما-أي الإمامين مالك وأحمد-أن هذا توسيط بين المذهبين"٣.

стр. 668

وبالنظر في مسألة أخرى من المسائل هذا الضابط –وهي مسألة اقتداء المصلي بإمام يخالفه في الفروع١- بحيث تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاده دون اعتقاد المأموم – نجد أن ما ذكره السبكي من رأي الشافعية ليس على إطلاقه, فقد حكى النووي في ذلك أربعة أوجه, ثم قال وإن تحققنا الإتيان بجميعه, أو شككنا صح, ونسب ذلك الوجه إلى الأكثرين منهم٢. وقد ذهب الحنفية إلى عدم صحة الصلاة المأموم في هذه الحال.

стр. 669

قال ابن عابدين –بعد أن بين- فساد صلاة من صلى خلف إمام محدث, ثم علم بعد ذلك -:وكذا لو كانت صحيحة في زعم الإمام فاسد في زعم المقتدي, لبنائه على فاسد في زعمهم فلا يصح ". إلا أنه قال: "وفيه خلاف وصحح كل"١. وذهب المالكية, والحنابلة إلى صحة الصلاة خلفه.٢ من فروع هذا الضابط: ١- صلاة المفترض خلف المتنفل مؤتماً به, حيث ذهب الشافعية, والحنابلة – في إحدى الروايتين – إلى جوازه, ومنعه الحنفية والمالكية والحنابلة في الرواية الأخرى.٣ ٢- صلاة المتنفل خلف المفترض. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافاً"٤ وإن كان بعض الفقهاء لم يصرح بهذا الحكم لكنهم صرحوا بصحة إئتمام من يصلي فرضاً بمن يصلي

стр. 670

وبالنظر في مسألة أخرى من المسائل هذا الضابط –وهي مسألة اقتداء المصلي بإمام يخالفه في الفروع١- بحيث تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاده دون اعتقاد المأموم – نجد أن ما ذكره السبكي من رأي الشافعية ليس على إطلاقه, فقد حكى النووي في ذلك أربعة أوجه, ثم قال وإن تحققنا الإتيان بجميعه, أو شككنا صح, ونسب ذلك الوجه إلى الأكثرين منهم٢. وقد ذهب الحنفية إلى عدم صحة الصلاة المأموم في هذه الحال.

стр. 671

الضابط السادس لاضمان على القاضي إذا أخطأ. ذكر هذا الضابط الحصيري -من الحنفية - في عدة مواضع١, ونص في أحدها على أنه يكون في بيت المال٢,وأورده ابن رجب تعريفاً على قاعدة المباشرة والسبب٣. معاني المفردات: الضمان لغة: الكفالة يقال: ضمنت الشيء ضماناً أي كلفت به, ويأتي بمعنى الالتزام٤. وله في اصطلاح الفقهاء إطلاقان: أحدهما: أنه بمعنى الكفالة وعرف- حينئذ- بأنه: شغل ذمة أخرى بالحق, أو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق. والثاني: أعم منه وهو: رد مثل التالف إن كان مثلياً أو

стр. 672

قيمته إذ كان لا مثل له١, وهو المراد هنا. المعنى الإجمالي: هذا الضابط يقتضي أنه إذا حدث من القاضي خطأ في حكم, ونفذ ذلك الحكم, وترتب عليه إتلاف أو نحوه مما يقتضي الضمان, فإن القاضي لا يتحمل هذا الضمان في ماله وإن كان هو المباشر للحكم. وحينئذ فالضامن إما عاقلة القاضي, أو بيت مال المسلمين, أو الشهود, أو مقضي له (كل حالة بحسبها) . وقد يطلق بعض الفقهاء أن على القاضي الضمان, وهذا لا يعني-قطعاً- أن المراد أن عليه الضمان في ماله. بل قد يكون هذا هو المراد, وقد يكون المراد أن عليه الضمان وتتحمل العاقلة, أو بيت المال, أو يرجع على الشهود, أو نحو ذلك٢. وقد صرح

стр. 673

بعض الفقهاء بأن القاضي يضمن، ثم بين أنه يجب عليه في بيت المال أو على العاقلة أو غيرهما١ فيكون مرادهم بقولهم: يضمن أو يجب عليه الضمان أن المقضيَّ عليه يستحق الضمان. ولخطأ القاضي عدة صور فمنها: أن يخطئ القاضي في الاجتهاد والحكم، ومن صوره أيضا: أن يخطئ بسبب الحكم بشهادة شهود، ثم يتبين كذبهم أو فسقهم أو غيره مما يقدح في صحة شهادتهم٢. ويُعد بعض الفقهاء من صور الخطأ القاضي أن يتعمد الحكم بما لا يصح الحكم بموجبه كشهادة الفاسق ونحوه لعلمه بصدقه في تلك القضية. وهاتان الصورتان وبخاصة صورة

стр. 674

تعمد الجور إنما تعدّ من قبيل الخطأ بمعنى عدم موافقتها لمطلوب الشرع لا من باب عدم القصد. وظاهر كلام الفقهاء الاتفاق على أن الضمان في هذه الصورة يكون في مال القاضي١. والذي يظهر أن المراد بهذا الضابط هو الصور التي لا يتعمد القاضي فيها الجور، أو الحكم بما لا يصح الحكم بموجبه، ويدل على ذلك المثال الذي ذكره الحصيري لهذا الضابط٢. الأدلة: يستدل لذها الضابط بعدد من الأدلة أهمها: أولا: الأدلة الدالة على أنه لا إثم على الحاكم أو القاضي إذا حكم باجتهاده، ولو أخطأ إذا كان أهلا للحكم والاجتهاد، وبذل وسعه. ومن ذلك حديث: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٣.

стр. 675

وحديث: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألن بحجة من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قصيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"١. ففي قوله: "فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" دليل على عدم إثمه. وعدم الإثم دليل على أنه فعل ما أذن له فيه شرعا، ومن فعل ما أذن له فيه شرعا لم يضمن بنفسه وإن كان الضمان يلزم بالنظر إلى أنه حق للغير. لكنه لا يلزم في مال المباشر كما في دية قتل الخطأ، وقد ثبت بالحديث الأول أن للحاكم أجرا واحد إذا اجتهد فأخطأ. ثانيا: ما روي "أن رجلين أتيا عليّا فشهدا على رجل أنه

стр. 676

سرق فقطع يده، ثم أتياه بآخر فقالا: هذا الذي سرق وأخطأنا على الأول فلم يُجز شهادتهما على الآخر وأغرمهما دية الأول وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما"١. والدليل فيه أنه جعل الغُرم على الشاهدين، وعلّق القصاص منهما على كونهما تعمدا ذلك. ولم يلزم نفسه باعتباره قاضيا بشيء ولم يذكر له مخالف من الصحابة٢. ثالثا: الأثر المتقدم عن عمر بن الخطاب ﵁ فإنه لما أشير عليه بأن الدية أمر بها أن تقسم في عاقلته حيث قال: "عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها في قومك"٣. رابعا: أن جعل الضمان في مال القاضي يؤدي إلى نفرة الناس من القضاء، فتتعطل مصلحته؛ لأن القاضي عرضة للخطأ لكثرة ما يقضي فيه؛ ولأنه قد يستند في حكمه إلى أدلة غير

стр. 677

يحتمل ظهور خطئها، وكذلك جعله على العاقلة، وذلك على القول بأنه يكون في بيت المال١. العمل بالضابط: تقدم أن الغالب هو أن المراد بحكم هذا الضابط الصور التي لا يكون القاضي فيها متعمدا للجور، أو للحكم بما لا يصح الحكم بموجبه. وعلى هذا فقد اتفق الفقهاء على أن الضمان في هاتين الحالتين ونحوهما يكون في مال القاضي، فمنهم من صرح بذلك ومنهم من يؤخذ هذا من فحوى كلامه؛ إذا قد لا يعد بعضهم مسألة الجور من الخطأ٢. ويبقى البحث في أنه هل يجب الضمان في مال القاضي إذا أخطأ في غير هاتين الصورتين؟ فصّل الفقهاء في ذلك تفصيلا كثيرا وذكروا من المسائل مالا يضمن فيها القاضي إذا أخطأ، إلا أنهم صرحوا بأن الضمان قد يكون على القاضي في بعض الصور. وهذا كما نقدم ليس

стр. 678

بصريح في كونه في مال القاضي؛ لذا فإن منهم من أتبع ذلك ببيان معنى ضمان القاضي وهو أن يكون ذلك في بيت المال، أو على عاقلة القاضي، أو على الشهود، أو على المقضي له، وأطلق بعضهم القول بضمانه في تلك الصور وهذه بعض نصوص الفقهاء في ذلك: جاء في قرة عيون الأخيار (تكملة رد المحتار) ما ملخصه: "أن القاضي يضمن بمعنى أنه متى ظهر خطؤه فيما قضى بيقين فإنه يضمن ما قضى به ويرجع بذلك على المقضي له أو على بيت المال"١. وقال ابن جزي المالكي: "إذا حكم حاكم بشهادة شاهدين، ثم قامت بعد الحكم بينة بفسقهما لم يضمن ما أتلف بشهادتهما، ولو قامت بينة بكفرهما أو ورقهما ضمن"٢. وقال الشيرازي من الشافعية: "ومتى نُقض الحكم فإن كان المحكوم به إتلافا كالقطع والقتل ضمنه الإمام، وإن كان مالا فإن كان باقيا رده وإن كان تالفا ضمنه المحكوم له، فإن كان

стр. 679

معسرا ضمنه الحاكم، ثم يرجع به على المحكوم له إذا أيسر"١, وقال صاحب مغني المحتاج: "فإن قالوا أخطأنا فعليه نصف دية وعليهم نصف"٢. وقال ابن قدامة: "وأما إن تبين فسق المزكيين فالضمان على الحاكم لأن التفريط منه قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث فيلزمه الضمان"، وقال: "ولو جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود، ثم بان أنهما فسقة أو كفرة أو عبيد فعلى الإمام ضمان ما حصل من أثر الضرب"٣. وخلاصة ما تقدم فيما ظهر لي أن الأصل في القاضي ألا يضمن أي لا يكون الضمان في ماله إلا إذا فرط بوجه من الوجوه٤.

стр. 680

من فروع هذا الضابط: تقدم ذكر بعض فروع هذا الضابط، ومن فروعه أيضا تغريم الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد الحكم إذا تضمن الحكم إتلافا١. وجه التيسير: وجه التيسير في هذا الضابط أن الخطأ قد يقع في أحكام القاضي؛ لكثرة ما يصدر عنه من أحكام؛ ولأنه يحكم بموجب البينات والقرائن الظاهرة وقد يتبين الأمر بخلاف الظاهر. فإذا عمل القاضي بمقتضى ما يلزمه من التحري في الشهود، والاجتهاد في الحكم مع أهليته لذلك، ثم حكم فأخطأ فإن مقتضى هذا الضابط أن لا يلزمه ضمان ما تلف بسبب حكمه في ماله؛ تيسيرا وتخفيفا؛ لأنه لو ألزم بضمان ذلك لكان إجحافا في حقه ولحقه الضرر، وكذلك لو ألزم بذلك عاقلته في كل قضية٢، وربما أدى

стр. 681

ذلك إلى أن يترك الناس القضاء، وتتعطل بذلك المصالح العامة. كما تقدمت الإشارة إلى ذلك؛ ولأنه لا يتصرف في ذلك لنفسه. بل لغيره١.

стр. 682

الضابط السابع: لا يتوقف الملك في العقود القهرية الاضطرارية على دفع الثمن بل يقع العقد ويكون الثمن مضموناً في الذمة . ... الضابط السابع: لا يتوقف الملك في العقود القهرية الاضطرارية على دفع الثمن بل يقع ويكون الثمن مضموناً في الذمة. (صياغة) ذكر ابن رجب هذا الضابط بمعناه في صيغة استفهام "هل يتوقف الملك في العقود القهرية على دفع الثمن ... "١,وأشار إلى معنى هذا الضابط العز بن عبد السلام في بيان أنواع القبض٢, كما أشار إليه البعض في قاعدة ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) معاني المفردات: العقود: جمع عقد وقد تقدم بيان معناه٤.

стр. 683

القهرية: نسبة إلى القهر وهو الغلبة يقال: أخذتُ فلاناً قُهرةً أي اضطراراً١. وقد يطلق عليها (العقود الجبرية) , أو (التملك الجبري) , والمراد بها:مالا يشترط فيه رضا أحد الطرفي العقد. وقد قسمها الشيخ مصطفى الزرقاء إلى قسمين: الأول منها: العقود تقوم بإجرائها السلطة القضائية مباشرة وصراحة نيابة عمن تجب عليهم إذا امتنعوا عن إجرائها كبيع مال المدين جبراً لأجل وفاء الدين. والثاني: التملك الجبر المسمى-عرفاً-نزع الملكية الجبري وله صورتان: أ) الصورة الأولى: أن يكون حق التملك الجبري ممنوحاً لشخص معين كالشفعة. ب) والثانية: أن يكون حق التملك لأجل المصالح العامة.٢ ويذكر الفقهاء هذا المعنى عند بيان بعض العقود التي

стр. 684

لا يشرط لها الرضا كالشفعة.١ المعنى الإجمالي: لما كان العقد القهري لا يتوقف على رضا صاحب العين المعقود عليها. على خلاف الأصل في العقود, وكان من المتقرر شرعاً أن هذا لا يسقط حق مالك العين في أخذ العوض عن تلك العين, بين الفقهاء في ذا الضابط الحكم في نوع معين من العقود القهرية وهو ما يكون قائماً على الاضطرار إذا لم يكن مع المضطر ثمن ما يضطر إليه, وهو كون العقد يتم وإن لم يدفع الثمن وقت أخذه والانتفاع به بحيث يكون الثمن مضموناً في ذمته؛ وذلك لئلا تفوت منفعة مشروعية هذا العقد القهري؛ وليحصل رفع الاضطرار٢. الأدلة: يستدل لهذا الضابط بمجموع الأدلة الدالة على حرمة مال الغير إلا برضاه, ووجوب الضمان فيه عند إتلافه - ما لم يكن المتلف متسبباً في أذى متلفه - كقوله ﷺ : "إن دماءكم

стр. 685

وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... "١ , مع عموم الأدلة على أنه يجوز للمضطر -في حالة الاضطرار - مالا يجوز في غيرها كقوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾ ٢. فإذا كان الشارع قد أجاز للمضطر حفظ حياته بمال غيره عند الاضطرار, وأوجب ضمان المتلف فلا بد أن يترتب على ذلك أنه إذا لم يكن معه - في حال الاضطرار - قيمة ما يضطر إليه جاز له دفع الاضطرار به ويبقى ثمنه في ذمته. العمل بالضابط: مقتضى هذا الضابط - فيما يظهر - محل اتفاق بين الفقهاء فقد اتفقوا على أنه إذا منع صاحب الطعام أو الشراب طعامه أو شرابه عن المضطر, ولم يكن بصاحب الطعام أو الشراب - نفسه - اضطرار إليه, فإن للمضطر أن يقاتله ويأخذ منه جبراً إذا خشي الهلاك٣, ومعنى هذا أن تملكه لا يتوقف على رضا المالك, ولا

стр. 686

على دفع الثمن له ثم إن الجمهور على أن المضطر يضمن قيمة ما يأخذه اضطراراً. وهذا الفرع الفقهي هو أوضح فرع هذا الضابط. أما ما كان من العقود القهرية غير قائم على الاضطرار كالشفعة مثلاً فإن العلماء من يرى أن الشفعة لا يحق له تملك المشفوع فيه إلا بعد دفع الثمن, وقال ابن رجب: إنه الأظهر١. وجه التيسير: وجه التيسير في هذا الضابط أن الشارع سامح في مخلفة الأصل الذي هو اشتراط الرضا بين المتعاقدين, فلم يشترطه في حالة الاضطرار, ولم يشترط دفع الثمن لصحة التملك وذلك ليتحقق دفع الاضطرار عن المضطر؛ إذ قد لا يتيسر له دفع الثمن في تلك الحال, والله أعلم.

стр. 687

الضابط الثامن: لا يجب في عين واحد زكاتان إلا في مسائل . ... الضابط الثامن: لا يجب في عين واحدة زكاتان إلا في مسائل. أورد هذا الضابط السبكي١, وأورده السيوطي بصيغة ((لا تجتمع زكاتان في مال)) ٢وأطلقا عليه (قاعدة) , واستثنيا منه بعض المسائل٣.

стр. 688

وأشار إليها المقري من المالكية حيث بين وجه اجتماع زكاة الفطر مع زكاة التجارة في العبد المرصد للتجارة وهو اختلاف سببهما١ فدل على أن الأصل أن لا تجتمع زكاتان في مال واحد, وعلل به الفقهاء في مسائل الفروع٢. ويمكن إدراج هذا الضبط - المتعلق بحكم الزكاة على وجه الخصوص - تحت قاعدة عامة هي ((إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصود هما دخل أحد هما في الآخر غالباً)) ٣. معاني المفردات: عين: تقدم بيان معنى العين٤.

стр. 689

المعنى الإجمالي: يعني الفقهاء بهذا الضابط أنه إذا ملك عيناً١, وكانت تلك العين بحيث لو نظر إليها باعتبارين مختلفين لوجبت فيها زكاتان, فإنه لا يجب عليه فيها إلا زكاة واحدة كما لو ملك سائمة وأعدها للتجارة. واستثنى الفقهاء من ذلك بعض المسائل التي يكون فيها السببان الموجبان للزكاة مختلفين بحيث يكون الشيء الواحد - باعتبار اختلاف السبب الموجب للزكاة فيه - كالشيئين وقد مضى ذكر بعض مستثنيات هذه القاعدة. الأدلة: أولاً: استدل بعض الفقهاء بحديث: "لا ثنى٢ في الصدقة" ٣

стр. 690

وهو صريح في الموضوع. ثانياً: حديث: "لا ضرر ولا ضرار", وما في معناه مما يدل على النهي عن الاضطرار بالغير؛ فإن إيجاب زكاتين في مال واحد - مع ما تقرره في قواعد الشرع من أن الأصل فيما تجب فيه الزكاة من الأموال أن تجب فيه مرة واحدة عند تحقق سبب الزكاة وتحقق شروطها فيه - إحجاب بحق المالك وقد نهى النبي ﷺ عماله على الصدقات عما يضر بالمالكين فقال ﷺ لمعاذ١- في شأن أخذ الزكاة - حين بعثه إلى اليمن -: " ... فإياك وكرائم أموالهم ... "٢.

стр. 691

العمل بالضابط: تقدم - قريباً- أن السيوطي, والسبكي من الشافعية قد نصا على ذكر هذا الضابط واستثنيا منه بعض المسائل, وأن المقري كمن المالكية قد أشار إلى المعناه. وقد صرح المرغيناني وغيره من الحنفية, وابن قدامة من الحنابلة بذكر هذا الضابط تعليلاً١, فظهر من هذا أن هذا الضابط محل اتفاق من حيث الأصل. وإنما الخلاف فيما يستثنى منه فتجب فيه الزكاة من جهتين لاختلاف السببين الموجبين للزكاة. فمما استثناه الجمهور من ذلك عبيد التجارة فإن فيهم زكاة التجارة وتجب عنهم زكاة الفطر٢ وذهب الحنفية إلى أنه لا تجب عنهم زكاة الفطر٣. ولم أقف على فروع مستثناة من حكم هذا الضابط عند الحنفية٤.

стр. 692

من فروع الضابط: إذا ملك الإنسان نصاباً من السائمة وقصد به التجارة وجبت فيه زكاة واحدة بأحد الاعتبارين - على تفصيل في ذلك -, ولم تجب فيه زكاتان.١. وقد تقدم بيان خلاف الفقهاء في بعض المسائل المندرجة تحت هذا الضابط.٢. وجه التيسير: وجه التيسير في هذا الضابط هو عدم إلزام صاحب المال بما يكون ضرراً عليه, ونقصاناً لماله كما هو ظاهر.

стр. 693

الضابط التاسع: اللهو واللعب عند الشافعي على الإباحة، وعند مالك على التحريم . ... الضابط التاسع: اللهو واللعب عند الشافعية على الإباحة, وعند المالك على التحريم. ورد هذا الضابط عند ابن خطيب الدهشة١ بنحو هذه الصيغة, ونقل السبكي هذا عن بعض الفقهاء, ثم قال: "وهذه العبارة لا أعرف أحداً من الأصحاب قالها. ولكنها قضية أن أصول الأشياء على عدم التحريم"٢. المعنى الإجمالي: هذا الضابط متفرع عن قاعدة أعم وهي ((الأصل في الأشياء الإباحة)) كما هو قول السبكي. ولكنها في موضوع خاص وهو اللهو واللعب, فهي تعني أن ما لم يرد النص بتحريمه من أنواع اللعب واللهو فهو على أصله من الإباحة عند بعض الفقهاء, أو اللعب بالقمار٣ أو الاشتغال بشيء من ذلك عن العبادة الواجبة, أو نحو

стр. 694

ذلك١. الأدلة: هذا ضابط محل خلاف كما تقدم ولذا فلابد من عرض أدلة الفريقين (أي من يرى أن الأصل فيهما الإباحة ومن يرى أن الأصل فيهما التحريم) : أولاً: أدلة من يرى أن الأصل فيهما الإباحة. من أشهر ما استدل به من يرى أن الأصل في اللهو الإباحة ما يلي: ١- أن الأصل في الأشياء -كلها - الإباحة فما لم يدل دليل على تحريم من اللهو أو غيره فهو على الأصل٢.

стр. 695

٢- حديث عائشة - رصي الله عنها - قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم"١. قال النووي رحمه الله تعالى: "فيه جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد ويلتحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد وأنواع البرّ"٢. ٣- حديث عائشة ﵂ قالت: "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث٣.قالت وليست بمغنيتين, فقال أبو بكر:"

стр. 696

أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا" ١. قال النووي: ﵀: احتج المجيزون للغناء بهذا الحديث٢. وهذان الحديثان, وما في معنا هما يدلان على إباحة نوع من اللهو في حالات خاصة. وقد يرد على الاستدلال بهما على أن الأصل في ذلك الإباحة أنه قد يفهم منهما العكس, وهو أن الأصل في ذلك التحريم وإنما

стр. 697

جاز في وقت معين لعلة خاصة. ٤- أنه قد روي عن بعض السلف إباحة بعض أنواع اللهو كاللعب بالشطرنج١. ثانياً: أدلة القائلين بأن الأصل في اللهو التحريم. من أشهر ما استدل به من يروي أن الأصل في اللهو التحريم ما يلي: ١- قوله - تعالى -: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢. قال القرطبي: روي عن الإمام مالك أنه قال: "اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال",وأنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشر٣ فقال: ما يعجبني وليس من

стр. 698

شأن المؤمن يقول الله - تعالى -: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلال﴾ ١ ". وقوله- تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٢.وقد فسر جمهور السلف لهو الحديث في الآية بأنه الغناء٣ ٣- حديث: "كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رمية بقوس, وتأديبه فرسه, وملاعبته أهله فإنه من الحق"٤.

стр. 699

وهو صريح في بطلان ماعدا هذه الأنواع الثلاثة من اللهو. لكن بعض العلماء قد أجاب عنه بأن كونه من الباطل لا يعني تحريمه بل يدل على عدم فائدة١. قال الشوكاني: "وهو جواب صحيح؛ لأن ما لها فائدة فيهمن قسم المباح"٢. العمل بالضابط: نص ابن خطيب الدهشة على أن هذا هو مذهب الإمام الشافعي حيث قال: ((اللهو واللعب عند الشافعي على الإباحة إلا أن يقوم دليل على تحريمه لهو خاص أو لعب خاص)) ٣, وهو ظاهر مذهب الحنابلة كما ذكره ابن قدامة, فقد قال:" ... وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضرراً, ولا شغلاً عن فرض فالأصل إباحته"٤. أما الإمام مالك فقد نص ابن خطيب الدهشة على أن مذهبه التحريم إلا أن يقوم دليل على إباحة لعب خاص أو اهو خاص, وقد تقدم نقل بعض النصوص في ذلك عن الإمام مالك٥.

стр. 700

والذي يصح به بعض فقهاء الحنفية هو كراهة كل لهو إلا ما ورد الدليل بإباحته ١, ويبدو أن مرادهم بالكراهة التحريم؛ لأن منهم من نص على ذلك. قال الكاساني - في كون لعب الشطرنج مما يسقط العدالة -:" وكذلك من لعب بالشطرنج ويعتاده فلا عدالة له وإن أباحه بعض الناس لتشحيذ الخاطر وتعلم أمر الحرب؛ لأنه حرام عندنا لكونه لعباً",ثم استدل بالحديث السابق٢,ومن المعلوم أن ما يطبق عليه هذا الضابط ما لم يرد الدليل بتحريمه أو يرد بإباحته, وإن كان قد يختلف فيما ورد الدليل بالنهي عنه من حيث حمله على التحريم أو على الكراهة, ومن حيث دخول بعض أنواع اللهو فيما نهي عنه أو عدم دخولها. ومع هذا فإن من يرى عدم التحريم يرى كراهته إلا ما ورد الدليل بإباحته كالرخصة في ضرب الدف النكاح, ونحوه من مواطن الفرح على وجه مخصوص. قال الإمام الشافعي: "يكره وجه الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من اللاهي, ولا نحب اللعب بالشطرنج, وهو أحف من النرد, ويكره كل ما يلعب به الناس؛ لأن اللعب ليس من

стр. 701

صفة أهل الدين والمروءة"١. وقال الشوكاني - بعد عرضه أقوال العلماء في الغناء - "ولا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه والمؤمنون وقّافون عند الشبهات"٢. من فروع الضابط: تقدم أن هذا الضابط محل خلاف بين الفقهاء ومن فروعه: ١- حكم اللعب بالشطرنج إذا خلا من القمار٣. ٢- حكم الغناء إذا خلا عما يجعله محرماً٤. وجه التيسير: وجه التيسير في هذا الضابط - على القول بأن الأصل في

стр. 702

اللهو الإباحة - أن من طبيعة النفس البشر الميل إلى الملذات من لهوٍ وغيره, فإذا كان الأصل في كل لهو ولعب الإباحة ما لم يدل على تحريمه دليل فإن في ذلك مراعاة من الشارع لحظ المكلف وطبيعته البشرية, فهو تيسير من جهة إعطاء النفس ما تطلبه وعدم حجبها عنه, والله أعلم.

стр. 703

الضابط العاشرة: ليس للنجاسة في الباطن حكم النجاسة . ... الضابط العاشر: ليس للنجاسة في الباطن حكم النجاسة. "صياغة" ذكر هذا الضابط الزركشي ولفظه: "النجاسة مادامت في الباطن لا يحكم لها بحكم النجاسة في إبطال الصلاة"١, ونقل الشعراني٢ عن ابن سريج٣قوله: "الشريعة تقتضي أن ليس في باطن الإنسان نجاسة"٤, وأشار إليها القرافي ببيان الفرق بين

стр. 704

ما يكون من النجاسات في باطن الحيوان وما يرد على باطن الحيوانات١. المعنى الإجمالي: المراد أن كل ما بباطن الإنسان أو غيره من الحيوانات الطاهرة من فضلة, أو دم, أو نحو هما مما هو نجس إذا خرج من الجسد, لا يحكم عليها بحكم النجاسات مادامت في الباطن, فلا تبطل الصلاة بوجودها سواء كانت في جسم المصلي نفسه, أم حمل معه آدمياً أو حيوان اً طاهراً, ولا يتنجس ما لاقته٢. وقيد ذلك كثير من العلماء بأن تكون في موضعها الأصلي, فلو حمل المصلي معه قارورة محكمة, أو نحوها بها نجاسة كان حاملا للنجاسة, ولم تصح صلاته٣. الأدلة: ١- استدل العلماء على هذا الضابط بما رواه البخاري ومسلم: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد الشمس فإذا سجد

стр. 705

وضعها وإذا قام حملها"١. قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفو عنه"٢, وكذلك قال النووي, علل العفو عن النجاسة بكونه في معدته٣,وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه جعل طاهراً لمشقة الاحتراز وليس من النجاسات العفو عنها٤. ٢- ويمكن الاستدلال على صحة هذه القاعدة بقوله- تعالى-: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ٥فقد استدل بها بعض العلماء على طهارة المني - على تسليم أنه يجري في مجرى البول- حيث قالوا أن المماسة في باطن غير موجبة للتنجيس, ولو كانت موجبة للنتجيس لنجس اللبن٦.
следующие страницы →