← Книги сунны

Книги сунны · id 727

المهروانيات

المهرواني

Полный текст (937 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال في: (ثبَت مسموعاته) ما نصّه: "سمعت على الشّيخ أبي الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل الخفّاف (١) بقراءة: الفقيه عزّ الدّين أبي الفتح محمَّد بن الحافظ أبي محمَّد عبد الغنيّ بن عبد الواحد (٢) ، وأخواه: عبد الله (٣) ، وعبد الرّحمن (٤) ، ومحمد بن أختي (٥) في يوم الأحد التّاسع من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة: الجزء الثّاني من: الفوائد العوالي الصّحاح المخرّجة على كتابي البخاريّ ومسلم، تخريج: أبي الفضل بن خيرون للشّيخ أبي القاسم يوسف بْنُ محمَّد بْنِ أَحْمَدَ بْنِ محمَّد المهروانيّ من أصوله، وسماعاته، رواية الشّيخ المذكور (٦) عن أبي منصور عبد الرّحمن بن محمَّد بن عبد الواحد القزّاز عنه (٧) . أوّله: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله: "إنّ الله قال: مَن عَادى لِي وَلياً فقَد آذَنَني بِالحَرْب … " الحديث. وآخره: شربنا بريق من هواها مكرر … وليس يعاف الريق من كان صاريا

стр. 72

الجزء للعزّ (١) " (٢) اهـ. ويظهر ممّا سبق: ١- أنّ من المُحتمل أنّ الكتاب يقع في عِدّة أجزاء كبيرة نوعاًما (٣) ؛ إذ تتابع على قراءة الثّاني منه أربعة من القرّاء. ٢- وأنّ أحاديثه من العوالي الصّحاح، المخرّجة على الصّحيحين، ولكن لا يُدرى هل تكلّم ابن خيرون على هذه الأحاديث أم لا؟ ٣- وأنّ كلّ جزء خُتم بالأشعار، أو الآثار. ٤- ويظهر أيضاً: احتمال وجود أكثر من حديث من انتقاء ابن خيرون فيما انتقاه الخطيب. وأنّ الحديث قد يُخرّج على الشّيخ أكثر من مرّة … فالحديث الأوّل من الجزء الثّاني في انتقاء ابن خيرون هو الحديث الخامس نفسه من الجزء الثّاني في انتقاء الخطيب البغداديّ (٤) .

стр. 73

المَبْحَثُ الحادِي عَشَر وفاته توفّي المهروانيّ يوم الأربعاء، رابع عشر ذي الحجّة، سنة: ثمان وستّين وأربعمائة، ببغداد. ودفن على باب رباط الزّوزنيّ (١) . وكان له يوم مات: ثمان وثمانون سنة. فرحمه الله رحمة واسعة، وتجاوز عنه، وجعل ما خلّفه لنا بعد وفاته في ميزان حسناته يوم يلقاه، إنّه وليّ ذلك، والقادر عليه.

стр. 74

الفصل الثاني ترجمة: أبي بكر الخطيب البغدادي

стр. 75

تمهيد الخطيب البغداديّ يرحمه الله من أَشْهر الأعلام المسلمين، طارت شهرته في عصره، وبعد عصره، وكتب الله له، ولكتبه الشّهرة، والصّيت الذّائع في أصقاع المعمورة، مع حُسْن القبول في أوساط أهل العلم والمشتغلين به … ومن هنا رصّع المصنّفون في التّأريخ، والسّير، والأنساب، وطبقات المحدّثين، والفقهاء، والنّحاة، ومعاجم الأدباء، والفهارس، والأعلام مصنّفاتهم بتراجم له، تختلف في طولها وقصرها، تعرّضوا فيها للتّعريف بأحواله وأخباره، وحَلّه وترحاله، وعرض أهمّ أعماله، وآثاره … حتّى إنّ عددًا من أهل العلم أفرد المصنّفات، أو البحوث في جوانب معيّنة من جوانب شخصيّته، وتناولوها بالبحث والتّحليل. وكانت شخصيّته العلميّة، ومؤلّفاته محلّ بحث، ونقاش، ودراسة من قِبَل أهل العلم الذين عاشوا في قرنه، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا … وللجامعات الإسلاميّة، والعربيّة دور جيّد في إبراز مكانته، والتّشجيع على تحقيق كتبه ومُخَرّجاته، ودراستها، والإفادة منها، ومن ثمّ طبعها، ونشرها، وكذا إفراد المصنّفات المستقلّة في دراسة حياته في مختلف جوانبها، أو دراسة موارده الّتي استقى منها في إعداد بعض تآليفه وتصانيفه يرحمه الله. وقد رأيت أن أجمع ما وقفت عليه من مصادر، ومراجع ترجمته في الكتب السّالفة الذّكر، وأسماء المصنّفات، أو البحوث المؤلّفة عن حياته عموما أو أيّ جانب من جوانبها - خصوصا - تحت هذا التّمهيد، مرتّبا لها على نسق حروف المعجم، خاتما بذكر من ترجم له في عدد من الرّسائل الجامعيّة الّتي تناولت دراسة جوانب معيّنة في بعض تصانيفه،

стр. 76

أو الّتي حُقّق فيها شيء من كتبه يرحمه الله. ثمّ أعقبت ذلك باستخلاص ترجمة موجزة له من عدد من هذه المصادر، والمراجع وبالله التّوفيق … ١- أطراف بغداد تأريخ الاستيطان في سهول ديولي لروبرت ماك آدمز، ترجمة: صالح العليّ، وآخرين (١) . ٢- الأعلام للزّركليّ (٢) . ٣- إعلام أهل الحاضر برجال من الماضي الغابر لأبي تراب الظّاهريّ (٣) . ٤- الإعلام بوفيّات الأعلام للذّهبيّ (٤) . ٥- الأنساب للسّمعانيّ (٥) . ٦- إيضاح المكنون لإسماعيل باشا (٦) . ٧- البداية والنّهاية لابن كثير (٧) . ٨- بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنّحاه للسّيوطيّ (٨) . ٩- التّاج المكلّل لصدّيق حسن خان (٩) . ١٠- تأريخ الإسلام للذّهبيّ (١٠) .

стр. 77

١١- تأريخ الخلفاء للسّيوطيّ (١) . ١٢- تأريخ الخميس للدّيار بكري (٢) . ١٣- تأنيب الخطيب للكوثريّ (٣) . ١٤- تبيين كذب المفتري لابن عساكر (٤) . ١٥- تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة للطّحّان (٥) . ١٦- تتمّة المختصر لابن الورديّ (٦) . ١٧- تذكرة الحفّاظ للذّهبيّ (٧) . ١٨- التعلّم عند الخطيب البغداديّ لحسن إبراهيم عبد العال (٨) . ١٩- التّقييد لابن نقطة (٩) . ٢٠- التّنكيل للمعلّميّ (١٠) . ٢١- الحافظ الخطيب البغداديّ وأثره في علوم الحديث لمحمود الطّحّان (١١) . ٢٢- خطيب بغداد ومحدّثها لمعالي عبد الحميد حموده (١٢) .

стр. 78

٢٣- الخطيب البغداديّ بين المحدثين والفقهاء لمحمود الطّحّان (١) . ٢٤- الخطيب البغداديّ: سيرته الذّاتيّة، بيئته الحضاريّة لأكرم ضياء العمريّ (٢) . ٢٥- الخطيب البغدادي في طرابلس والشأم لعمر تدمري (٣) . ٢٦- الخطيب البغداديّ: مؤرّخ بغداد، وعالمها لمحمود الشّرقاويّ (٤) . ٢٧- الخطيب البغداديّ: مؤرّخ بغداد، ومحدّثها ليوسف العُشّ (٥) . ٢٨- الخطيب البغداديّ وتأريخه لعبّاس الغزّاويّ (٦) . ٢٩- الخلاصة للطّيبيّ (٧) . ٣٠- درء اللّوم والضّيم في صوم يوم الغيم لابن الجوزيّ (٨) . ٣١- دول الإسلام للذّهبيّ (٩) . ٣٢- ذيل تأريخ دمشق لابن القلانسيّ (١٠) . ٣٣- ذيل تأريخ بغداد لإبراهيم السّامرّائيّ (١١) .

стр. 79

٣٤- ذيل ذيل تأريخ مولد العلماء لهبة الله بن الأكفانيّ (١) . ٣٥- الذّيل على طبقات الشّافعية لابن الصلاح، لشرف الدّين النّوويّ (٢) . ٣٦- الرّد على أبي بكر الخطيب لأبي المظفّر الحنفيّ (٣) . ٣٧- الرّسالة المستطرفة (٤) . ٣٨- روضات الجنّات للخوانساريّ (٥) . ٣٩- السّير للذّهبيّ (٦) . ٤٠- الشّذرات لابن العماد (٧) . ٤١- طبقات الحفّاظ للسّيوطيّ (٨) . ٤٢- طبقات الشّافعيّة للإسنويّ (٩) . ٤٣- طبقات الشّافعيّة للسّبكيّ (١٠) . ٤٤- طبقات الشّافعيّة لابن قاضي شُهبة (١١) . ٤٥- طبقات الشّافعيّة لابن هداية الله (١٢) . ٤٦- طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (١٣) .

стр. 80

٤٧- العبر للذّهبيّ (١) . ٤٨- الفهرس للإشبيليّ (٢) . ٤٩- فهرس الفهارس للكتّانيّ (٣) . ٥٠- الكامل في التّأريخ لابن الأثير (٤) . ٥١- كشف الظّنون لحاجّي خليفة (٥) . ٥٢- اللّباب لابن الأثير (٦) .٥٣- مختصر تأريخ دمشق لابن منظور (٧) . ٥٤- المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبيّ (٨) . ٥٥- مرآة الجنان لأبي محمَّد المكّيّ (٩) . ٥٦- مسألة الإحتجاج بالشّافعيّ لخليل إبراهيم ملاّ خاطر (١٠) . ٥٧- المستفاد لابن الدّمياطي (١١) . ٥٨- المشتبه للذّهبيّ (١٢) . ٥٩- مع الخطيب البغداديّ في رحلته إلى بلاد الشّأم لعمر عبد السّلام تدمريّ (١٣) .

стр. 81

٦٠- معجم الأدباء لياقوت الحمويّ (١) . ٦١- معجم المؤلّفين لعمر رضا كحّالة (٢) . ٦٢- المعين في طبقات المحدّثين للذّهبيّ (٣) . ٦٣- مفتاح السّعادة لطاش كبري زادة (٤) . ٦٤- المقتنى في سرد الكنى للذّهبيّ (٥) . ٦٥- من أعلام التّأريخ (٦) . ٦٦- من رواة تأريخ الخطيب البغداديّ لمحمد الشّاذليّ النّيفر (٧) . ٦٧- المناهج الأخلاقيّة لدى السّابقين من علماء المسلمين لأبي زيد العجميّ (٨) . ٦٨- المنتخب من السّياق لتأريخ نيسابور للصّريفينيّ (٩) . ٦٩- المنتظم لابن الجوزيّ (١٠) . ٧٠-Muslim Educatioan لمنير أحمد (١١) . ٧١- النّجوم الزّاهرة لابن تغري بردي (١٢) .

стр. 82

٧٢- هديّة العارفين لإسماعيل باشا (١) . ٧٣- الوافي بالوفيّات للصّفديّ (٢) . ٧٤- وفيّات الأعيان لابن خلّكان (٣) . ٧٥- الوفيّات لابن مُنْقِذ (٤) . كمَا أنّ له تراجم جيّدة في عدّد من الرّسائل العلميّة الجامعيّة، وغيرها الّتي تناولت دراسة جوانب معيّنة من بعض تصانيفه، أو الّتي حُقّق فيها شيء من كتبه-يرحمه الله-وهي: ٧٦- الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة، تحقيق: محمَّد بن عبد الله الفهيد (رسالة ماجستير بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلاميّة بالريّاض) . ٧٧- تخريج الأحاديث والآثار الواردة من أوّل تأريخ بغداد إلى نهاية ترجمة: محمَّد بن مصعب أبي جعفر الدّعّاء لعليّ بن عبد الله الجمعة (رسالة دكتوراة بجامعة الإمام أيضا) . ٧٨- التّطفيل، تحقيق الدّكتور: عبد الله عبد الرّحيم عسيلان أُستاذ مشارك في كليّة اللّغة العربيّة في جامعة الإمام. ٧٩- تلخيص المتشابه في الرّسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التّصحيف والوهم، تحقيق: فضل الرّحمن عبد العليم الأفغانيّ (رسالة دكتوراة بجامعة أمّ القرى بمكّة المكرّمة) . ٨٠- الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السامع، تحقيق الدكتور: محمّد عجّاج الخطيب.

стр. 83

٨١- السَّابق واللاَّحق، تحقيق: محمَّد بن مطر الزّهرانيّ (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة النبويّة) . ٨٢- غنية الملتمس وإيضاح الملتبس، تحقيق: عبد الرّحمن بن محمَّد الشّريف (رسالة ماجستير بجامعة الإمام أيضا) . ٨٣- الفَصْل للوصْل المدرج في النّقل، تحقيق: محمَّد بن مطر الزّهرانيّ (رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة النبويّة) (١) . ٨٤- لمتّفق والمفترق، حَقَّق النّصف الأوّل منه: محمَّد صادق آيدن (رسالة دكتوراة بجامعة الإمام أيضا) . ٨٥-موارد الخطيب البغداديّ في تأريخ بغداد لأكرم ضياء العمريّ (رسالة دكتوراة) (٢) . وهذه ترجمة موجزة له، لخّصتها من عدد من هذه المصادر، والمراجع … وبالله التّوفيق، ومنه السّداد:

стр. 84

المبحث الأوّل: اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته: هو الإمام، العلاّمة، الحافظ، النّاقد، المصنّف المجوِّد، المحدّث: أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد، المعروف بالخطيب البغداديّ (١) . المبحث الثّاني: مولده: ولد يوم الخميس لستّ بقين من جمادى الآخرة، سنة: اثنتين وتسعين وثلاثمائة (٢) ، وقيل: سنة إحدى وتسعين (٣) . وكان مولده (٤) في: غُزَية (٥) ، من أعمال الحجاز، وقيل: في هنيقيه (٦) ، من أعمال نهر الملك (٧) . المبحث الثالث: نشأته، وطلبه للعلم: نشأ الخطيب في قرية (درزيجان) (٨) ، وكان أبوه من أهل العلم الحافظين لكتاب الله تولّى الخطابة، والإمامة في قريته لمدّة عشرين سنة (٩) … ونشأ ابنه تحت رعاية الله، ثمّ رعاية والده، الّذي بثّ فيه روح العلم، وحبّب إليه القرآن، ومجالسة العلماء، ودفعه إلى هلال بن

стр. 85

عبد الله الطّيبيّ، فأدّبه، وعلّمه القرآن (١) ، وأفاد في القراءات من منصور الحبّال. وسمع الحديث أوّل ما سمعه في حَلْقَة أبي الحسن بن رزقويه، في جامع المدينة ببغداد (٢) ، وأخذ الفقه عن أحمد بن محمَّد المحامليّ، وأبي الطيّب الطّبريّ الشّافعيّين (٣) . المبحث الرّابع: رحلاته: لم يكتف الخطيب ﵀ بالأخذ من شيوخ بغداد من القرّاء، والمحدّثين، والفقهاء، والمؤرّخين وهم كثر في عصره بل أخذ يتجوّل في المدن، والقرى القريبة، والبعيدة منها؛ راغبا في المزيد من العلم، والسّماع من الشّيوخ، ماضيا على سَنَن المحدّثين من قبله. فانتقلَ إلى: الأنبار (٤) ، وبعقوبا (٥) ، وجرجرايا (٦) ، وعكبرا (٧) ، والنّهروان (٨) . وانحدر وهو في العشرين من عمره إلى الكوفة، فالبصرة، ثمّ رجع إلى بغداد مرّة أخرى، ثم رحل إلى نيسابور آخذًا عمّن قابل من أهل الرّواية

стр. 86

في الطّريق إليها، ثمّ انتقل إلى خراسان، ودخل دمشق خمس مرّات، ودخل صور (١) ، وحلب، وطرابلس (٢) ، والمصّيصة (٣) ، وتردّد على القدس أكثر من مرّة، ومكّة المكرّمة مارًّا بالمدينة النبويّة إلى أن استقرّ ببغداد في ذي الحجّة، سنة: اثنتين وستّين وثلاثمائة (٤) . المبحث الخامس: شيوخه: كان لكثرة توسّع الخطيب في الرّحلة، والرّواية أن اجتمع له عدد كبير من الشّيوخ … ومنهم: أبو الحسن البزّاز، وأبو بكر البرقانيّ، وأبو الحسين بن بشران، وأبو نعيم الأصبهانيّ، وأبو عبد الله الصّوريّ (٥) . المبحث السّادس: تلاميذه: أكرم الله ﵎ الخطيب بعلم وافر، ومصنّفات كثيرة، حدّث بها، وأملاها في أكثر من مكان، ممّا كان له الأثر في كثرة تلاميذه، والآخذين عنه … ومنهم: أحمد بن الحسن بن خيرون، وعبد العزيز الكتّانيّ، وهبة الله بن الأكفانيّ، والخطيب التّبريزيّ، وابن ماكولا (٦) . المبحث السّابع: مكانته العلميّة، وثناء العلماء عليه: الخطيب إمام، حافظ، ثقة، متقن، ذكر ذلك كُلُّ من ترجم له، وأوفاه حقّه، وعرف منزلته، وقدره …

стр. 87

قال السّمعانيّ في (الأنساب) : ".. وكان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة" (١) . وقال الذّهبيّ في (السّير) في استهلاله لترجمة الخطيب: "الإمام الأوحد، العلاّمة، المفتي، الحافظ، النّاقد، محدّث الوقت … صاحب التّصانيف، وخاتمة الحفّاظ" (٢) . وحاول بعضهم الطّعن على الخطيب برميه بالتّصحيف، والتّدليس، وتحديثه عن الضّعفاء، واحتجاجه بالموضوعات في مصنّفاته، وقد فنّد جماعة من أهل العلم (كالمعلّمي (٣) ، وأكرم العمريّ (٤)) معظم هذه الإتّهامات، وردّوها على أهلها وقائليها، فتألّق نجم الخطيب أكثر، وأُوفي حقّه، والحمدلله (٥) . المبحث الثّامن: عقيدته: الخطيب البغداديّ على مذهب السّلف، وأهل الحديث في العقيدة إن شاء الله تعالى (٦) . أمّا مذهبه من حيث الفروع: فهو شافعيّ المذهب (٧) هذا هو المشهور.

стр. 88

وذكر ابن الجوزيّ (١) ، وغيره أنّه كان في أوّل حياته حنبليا، ثمّ ترك مذهب الحنابلة إلى مذهب الشّافعيّة، وأيّد هذا الرّأي المعلّميّ ﵀ في التّنكيل، وهو الصّواب؛ خلافا لما رآه: العُشّ، وأكرم العمريّ، والطّحّان فيما كتبوه عن المترجَم (٢) . المبحث التّاسع: صفاته: كان ﵀ مهيبا، وقورًا، نبيلاً، عفيفا، فصيح القراءة، جهوريّ الصّوت، حسن الخطّ، كثير الضّبط والشّكل، منصرفا إلى العلم، والعمل، لا يحفل بالدنيا، موصوفاً بالمروءة، والكرم، والتّواضع (٣) . المبحث العاشر: مؤلّفاته: الخطيب ﵀ من الأئمّة المكثرين من التّأليف، والتّصنيف، وكثير ممّا كتَبَه متداوَل بين أهل العلم، يُقَدِّرون من خلالها الخطيب وعلمه، وجودة تأليفه، وتصنيفه … قال السّمعانيّ: "صنّف قريبا من مائة مصنّف، صارت عمدة لأصحاب الحديث" (٤) ، ويقول أبو بكر بن نقطة: "وله مصنّفات في علوم الحديث لم يُسْبق إلى مثلها، ولا شبهة عند كلّ لبيب أنّ المتأخّرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب" (٥) … وقد ألّف ﵀ قريبا من مائة مؤلّف، منها: تأريخ بغداد (٦) ، وكتاب: حديث الستّة من التّابعين وذِكر طرقه، وكتاب: الكفاية، وكتاب: الفقيه والمتفقّه، وكتاب: مناقب الإمام

стр. 89

أحمد، والمنتخب من: الزّهد والرّقائق، وكتاب: التّطفيل (١) . وله كتاب لم يذكره أحد ممّن كتب عنه - فيما أعلم - وهو: تخريجه لفوائد من حديث أبي الفرج الدّينوريّ (٢) . ووصل إلينا في هذا الكتاب بعضُ مصنّف له، كان في حكم المفقود، وهو: جزء حديث نُعيم بن همَّار الغطفانيّ رضي الله تعالى عنه … حيث أورد بعضاً منه أثناء كلامه على أحد الأحاديث (٣) ، ولم أر من نبّه عليه. المبحث الحادي عشر: وفاته: مرض الخطيب ﵀ في النّصف من رمضان، سنة: ثلاث وستّين وأربعمائة، واشتدّ به في أوّل ذي الحجّة من السّنة نفسها إلى أن توفّي في اليوم السّابع منه (٤) ، ولم يكن له عقب (٥) . فرحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح جنّاته لما قدّمه من خدمة جليلة للإسلام، والمسلمين، وما خلّفه من مصنّفات جليلة في فنون مختلفة لا سيّما فنّ الحديث، يُرجى أن تكون من عمله الّذي لا ينقطع … إنّه أكرم مسؤول.

стр. 90

الفَصْل الثَّالث دراسَة كتب الفوائد الحديثيَّة

стр. 91

المَبْحَث الأَوَّل تعريف الفوائد الحديثية أوّلاً: تعريفها في اللّغة: الفوائد في اللّغة جمع: فائدة … واجتمعت كلمة أهل اللّغة على أنّ الفائدة:"كلّ ما يعود على العبد من خير يستفيده، ويستحدثه" (كالعلم، أو المال، أو غير ذلك) ، وأنّها قد تكون بين أكثر من طرف (فائد، ومستفيد) . يقول ابن فارس في: (معجم المقاييس) (١) : "الفائدة: استحداث مال، وخير … يقال أَفدتُ غيري، وأَفَدْتُ من غيري". وقال الجوهريّ في: (الصّحاح) (٢) : "الفائدة: ما استفدت من علم، أو مال". وقال ابن منظور في: (لسان العرب) (٣) : "الفائدة: ما أفاد الله تعالى العبد من خير يستفيده، ويستحدثه، وجمعها: الفوائد"، ونقل عن ابن شميل (٤) قال: "يقال: إنّهما ليتفايدان بالمال بينهما أي: يفيد كلّ واحد منهما صاحبه. والنّاس يقولون: هما يتفاودان (٥) العلم، أي: يفيد كلّ واحد منهما الآخر" (٦) اهـ.

стр. 92

ثانيا: تعريفها في الاصطلاح: اهتمّ المحدّثون بتدوين الفوائد، وإفرادها بالتّأليف من وقت مبكّر، وتوسّعوا فيه خصوصا في القرن الرّابع، والخامس الهجريّين، وحرصوا على سماعها، وإسماعها، ولم أقف فيما اطّلعت عليه من كتبهم، ومصنّفاتهم على من تحدّث عن الغرض من جمعها، وطريقة تصنيفها، ونوع أحاديثها، وتعريفها، وما إلى ذلك، وهذا بلا شكّ ليس تقصيرًا منهم، بل نتج عن عدم حاجتهم إلى ما تقدّمت الإشارة إليه، فهي بالنظر إليهم أمور تقع تحت حسّهم، وفي دائرة معارفهم. ولكنه مع مرور الزّمن أخذ النّاس يبتعدون شيئا فشيئا عن سماع الحديث، وإسماعه، وانقطعت مجالس إملائه في أواخر القرن التّاسع تقريبا (١) وحرص من اهتمّ بالرّواية بعد ذلك على رواية الكتب المشهورة في الحديث، أو غيره من الفنون بالأجازة، لا بالقراءة أو السماع - في الغالب - وقلَّ الاهتمام بسماع المؤلّفات المسندة، ومنها: الأجزاء، والأمالي، والمجالس، والفوائد الحديثيّة، وغيرها. وبعد عودة جيّدة للاهتمام بكتب التّراث الإسلاميّ في بقاع مختلفة من العالم الإسلاميّ، ومع ما وفّرته هذه الدّولة من جامعات إسلاميّة، ومكتبات عامرة بكنوز التّراث الإسلاميّ الّذي جُلب من بقاع شتّى، وفتح مجال الدّراسات العليا أمام طلاّب العلم، وتشجيعهم، وحفزهم على التّأليف، والتّحقيق؛ نظر أهل العلم وطلاّبُه في (كتب الفوائد الحديثيّة) وحاول عدد منهم تعريفها بما يتبادر إلى ذهنه من خلال قراءته، واطّلاعه عليها، وما يلحظه على أحاديثها …

стр. 93

وأوّل تعريف وقفت عليه عند أهل العلم: تعريف الكتّانيّ (ت: ١٣٤٥هـ) في (الرّسالة المستطرفة) (١) حيث قال في تعريفه للأجزاء: "والجزء عندهم: تأليف الأحاديث المرويّة عن رجل واحد من الصّحابة، أو من بعدهم، وقد يختارون من المطالب المذكورة في صفة الجامع مطلبا جزئيا يصنّفون فيه مبسوطا، وفوائد حديثية أيضا ووحِدَانيات، وثنائيّات إلى العشاريات وأربعونيات، وثمانونيّات، والمئة، والمائتان، وما أشبه ذلك" اهـ … فجعل كتب الفوائد داخلة في الأجزاء الحديثيّة المؤلّفة في مطلب جزئيّ معيّن (٢) . وأفاد الدّكتور: عبد الموجود محمَّد عبد اللّطيف من كلام الكتّانيّ هذا، فقال معرّفا لكتب الفوائد: "هي: المصادر الّتي يختار أصحابها مطلبا من المطالب المذكورة في صفة الجامع يصنّفون فيه فوائد حديثيّة، وتوجد فيها الأحاديث بأسانيد مؤلّفيها" (٣) اهـ. وقريب منه تعريف الدّكتور: محمَّد محمود بكّار في كتابه: (علم تخريج الأحاديث) (٤) . وقال الشّيخ عبد الرّحمن المعلّميّ (ت: ١٣٨٦هـ) في تحقيقه (للفوائد المجموعة) للشّوكانيّ (٥) وقد ذكر حديثا رواه: إسماعيل بن الفضل في فوائده: "وإخراجه هذا الخبر في فوائده معناه: أنّه كان يَرى أنّه لا يوجد عند غيره، فإنّ هذا هو معنى الفوائد في اصطلاحهم" اهـ..

стр. 94

فَحَصَر التّعريف بتفرّد الشّيخ بالرّواية في نظره (١) . ونقل فضيلة الشّيخ: بكر أبو زيد في التّأصيل (٢) ، وخالد السّبيت في مقدّمة تحقيقه لفوائد يحيى بن معين (٣) تعريفه هذا تعريفا ارتضياه لكتب الفوائد. ونقله أيضا الشّيخ: عبد الله بن عتيق المُطَرِّفيّ في مقدّمة تحقيقه لفوائد الحنّائيّ، وقال (٤) : "وما قاله ﵀ لا يتَّفق وَواقع الفوائد" اهـ! وسكت. وخلص في آخر المبحث (٥) الّذي عقده لتعريف كتب الفوائد إلى أنها: (ما انتُقي من الأصول لغرض مخصوص" اهـ. وما ذكره العلاّمة المعلّميّ ﵀ ووافقه عليه الشّيخ بكر أبو زيد، وغيره له وجهه، وتؤيّده عدّة أدلّة … منها: أوّلاً: ما ذكره الخطيب في: (تأريخه) (٦) قال: "وأخبرني الحسن ابن محمّد: قال أنبأنا محمّد بن أبي بكر قال: سمعت أبا القاسم منصور ابن إسحاق الأسديّ يقول: سمعت أبا محمَّد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمَّد بْنِ إبراهيم الزّاغونيّ يقول: سمعت يوسف بن موسى المروروذيّ يقول: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل العلم! لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريّ … " وذكر أنّهم طلبوا منه أن يعقد لهم

стр. 95

مجلس إملاء، ولَمَّا جلس لهم قال: "يا أهل البصرة، أنا شابّ، وقد سألتموني أن أحدّثكم، وسأحدّثكم بأحاديث عن أهل بلدكم:- تستفيدون الكُلّ … ". قال: فتعجّب النّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: "نبأنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكيّ ببلدكم قال: حدّثني أبي عن شعبة عن منصور وغيره عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عن أنس بن مالك … " فذكر حديثا، ثمّ قال: "هذا ليس عندكم عن منصور، إنّما هو عندكم عن غير منصور". قال يوسف بن موسى: "فأملى عليهم مجلسا من هذا النّسق، يقول في كلّ حديث: روى فلان هذا الحديث عندكم كذا، فأمّا من رواية فلان يعني: الّتي يسوقها فليست عندكم" (١) . اهـ ثانياً: وقال الخطيب أيضاً (٢) : "قال [يعني: إسماعيل بن إسحاق القاضيّ] : وقلت له [أي: لعليّ بن المدينيّ] : قد كتبتُ حديث الأعمش وكنتُ عند نفسي أنّي قد بلغتُ فيها فقلتُ: ومن يفيدنا عن الأعمش؟! قال: فقال لي: من يفيدك عن الأعمش؟! قلتُ: نعم! قال: فأطرق، ثمّ ذكر ثلاثين حديثا، ليست عندي … ". ثالثاً: وَذكر عقب ما تقدّم من طريق أخرى أنّ عليّاً قال: "قدمتُ الكوفة، فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلمّا قدمتُ البصرة لقيت عبد الرّحمن، فسلّمت عليه، فقال: هاتِ يا عليّ ما عندك. فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئا.

стр. 96

قال: فغضب، فقال: هذا كلام أهل العلم! ومن يضبط العلم! ومن يحيط به؟ مثلك يتكلّم بهذا، أمعك شيء يكتب فيه؟ قلتُ: نعم. قلت: ذاكرني فلعلّه عندي. قال: اكتب لستُ أُملي عليك إلاّ ما ليس عندك. قال: فأملى عليّ ثلاثين حديثا لم أسمع منها حديثا" الخ. رابعاً: وقال أيضا (١) : "قال أبو يحيى الزّعفرانيّ: سمعت أبا حفص عمر بن مدرك القاص يقول في قصصه في دار مقاتل: حدّثنا أبو إسحاق الطّالقانيّ: حدّثنا ابن المبارك عن عمرو بن ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأسٍ كانَ مِزَاجُهَا كافُورًَا﴾ (٢) في قصّة طويلة. فكتبته، ثمّ أتيته من الغد، فدفعته إليه، فقال: من يروي هذا؟ ما أحسنه! ما طنّ على أُذني مِمّن يفيدني. فاستحييت أن أقول له: أنت حدّثتني بالأمس". خامساً: وقال الخطيب في: (اقتضاء العلم العمل) (٣) : "أخبرنا عليّ بن القاسم: ثنا عليّ بن إسحاق قال: قرئ على المفضّل ابن محمَّد بن إبراهيم: ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الفضيل يقول: "لو طلبت منّي الدّنانير كان أيسر إليّ من أن تطلب الأحاديث. فقلت له: لو حدّثتني بأحاديث فوائد ليست عندي كان أحبّ إليّ من أن تَهَبَ لي عددها دنانير … " الخبر. سادساً: وقال يوسف بن محمَّد بن مسعود مخرّج فوائد أبي

стр. 97

عبد الله الورّاق في مقدّمة فوائده (١) : ".. فإنّي وقفت على إجازة بيد شيخنا (محمَّد بن عبد العزيز الورّاق) .. فيها أسماء جماعة من المشايخ الصّلحاء قد أجازوا فيها … فأحببت أن أُخرّج عن كل شيخ منهم شيئا من مرويّاته؛ لتحصل فائدة هذه الإجازة المباركة لمن تصل إليهم … " اهـ، فجعل وصول هذه الرّوايات من طريق شيخه فائدة لمن وصلت إليه. والنّقل عن أهل العلم كثير في هذا الجانب (٢) . وواقع فوائد المهروانيّ من أقرب الأدلّة على ما نصّ عليه من تقدّم ذكرهم، فلم أقف على أنّ المخرّج الخطيب البغداديّ قد روى خارجها أيّ حديث من أحاديثها عن شيوخه أنفسهم، بل أجده يرويها عن غير شيخه الّذي انتقى الحديث عنه هنا، إلاّ حديثا واحدًا (٣) لعلّه وهم فيه، أو نسي أنّه رواه عنه والله تعالى أعلم. مع أنّي لا أقول إنّ هذا التّعريف لكتب الفوائد جامع مانع، ففيه بعض القصور ولا شك، إلاّ أنّهم وضعوا أيديهم على عين الحقيقة، وجوهرها … فكتب الفوائد كثيرة، ومتشتّتة، ومادّتها مختلفة، ومتنوّعة، وموضوعاتها متفرّقة، كذا طريقة تأليفها أو تصنيفها ليست متشابهة ومطّردة، فلا يمكن جمعها في تعريف واحد جامع مانع إلا بعد سبر أغوارها، والنّظر فيها نظرًا دقيقا متأمّلاً … فيعتذر لهم بأنّهم قصدوا تعريفها بذكر أهمّ شيء فيها، والنّصّ على

стр. 98

جوهرها، والعمدة في انتقائها - خصوصا أنّ المقام الّذي ورد فيه كلامهم ليس مقام تطويل وإسهاب، وإرادة للتّعريف بها تعريفا جامعا مانعا، والله تعالى أعلم. وممّن حاول إبراز تعريف لها د. عبد الغنيّ بن أحمد التّميميّ في مقدّمة تحقيقه لفوائد تمّام، حيث قال (١) هي: "عبارة عمّا يفيده الشّيخ لطلاّبه من الأصول الّتي سمعها، أو جمعها عن مشايخه، ويتمّ ذلك في مجلس واحد، أو مجالس متعدّدة " … إلاّ أنّه عاد، وقال (٢) - وقد ذكر كلاما -: "وخلاصة القول في تعريف هذا الفنّ أنّه: ما ينتقيه المحدّث من مسموعاته عن شيوخه ممّا يتضمّن فوائد متنوّعة في إسناد، أو متن". ونقل الشّيخ علي بن حسن بن عبد الحميد في مقدمّة تحقيقه لفوائد أبي الشيخ الأصبهانيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الملنجيّ عنه (٣) التّعريف الأوّل للتّميميّ، وأقرّه عليه. وقريب من التّعريف الثّاني للتّميميّ تعريف د. حلمي كامل عبد الهادي في مقدّمة تحقيقه لفوائد أبي بكر الشّافعيّ (الغيلانيّات) (٤) إلاّ أنّ الأوّل قيّد الانتقاء بانتقاء المحدّث نفسه عن شيوخه، والآخر أطلق فيدخل في تعريفه ما انتقاه المحدّث من أصوله، وما انتقي عليه. وقريب منه أيضا تعريف الشّيخ محمّد عبد الله عايض في مقدّمة تحقيقه لحديث الفاكهيّ عن ابن أبي مسرّة (٥) . وعرّفها جاسم بن سليمان الفهيد في مقدّمة ترتيبه وتخريجه لفوائد

стр. 99

تمّام (١) بأنّها: "الكتب الّتي تجمع غرائب أحاديث الشّيوخ، ومفاريد مرويّاتهم" فحصرها فيما وقع للشّيخ من الغرائب، والمفاريد، وفيه قرب من تعريف المعلّميّ ﵀. وألمح الدّكتور عمر بن عبد السّلام تدمريّ في مقدمة تحقيقه لفوائد أبي القاسم التّنوخيّ، تخريج: أبي عبد الله الصّوريّ (٢) إلى أنّ كتب الفوائد هي: الكتب الّتي لا يقتصر فيها على رواية الحديث فحسب، بل تتضمّن أيضا التّفسير، والمواعظ، ونحوهما. وكلامه هذا لا يعدّ تعريفا في الحقيقة، ولعلّه لا يقصد به التّعريف أيضا إذ لا يمكن قصره على كتب الفوائد أو العكس ويدخل فيما ألمح إليه كتب الأمالي، والمجالس، والأجزاء الحديثيّة، ونحوها ممّا جُمع في مادّته ما بين المرفوع، والموقوف في التّفسير، والأدب، والوعظ، ونحو ذلك. مع التّنبيه على أنّه ليس كل كتب الفوائد تجمع ما ذكره، بل منها ما أودع فيها الأحاديث فقط، ومنها ما جمع بين الأحاديث، والآثار؛ ومنها ما جمع بين الأحاديث، والآثار، والأشعار. وإنّه من خلال اطّلاعي على ما وقفت عليه من كتب الفوائد وسبر أغوار مناهج المحدّثين في انتقائها، وتصنيفها يتبيّن لي أنّ جميع التّعاريف السّابقة فيها قصور ظاهر لمن نظر، وفتّش، وتأمّل، ويعوزها تحرير في العبارة، حتى تصير جامعة مانعة. ولاختيار تعريف لها إمّا أن أُعرّفها بما ورد في التّعليق على كلام البخاريّ وما وافقه من النّقول، وحرّره المعلّميّ ﵀ ووافقه

стр. 100

عليه الشّيخ بكر أبو زيد، وغيره؛ باعتبار النّظر إلى أهمّ شيء فيها وإظهار حقيقتها بأعلى أنواعها، والنّصّ على جوهر الغرض من انتقائها (١) . وإمّا أن أحاول حسب - نظري، وقدرتي المتواضعة - تعريفها بتعريف جامع مانع، محرّر في العبارة، مستفيدًا ممّن سبقني، فأقول هي: "ما خُرِّج من مرويّات الشّيخ؛ لاستحداث فائدة مخصوصة". فقولي: "ما خُرِّج" يدخل فيه: الانتقاء، سواء أكان المنتقي صاحب الأحاديث، أم تلميذه، أم أحد الحفاظ في عصره، أم جامعها عنه بأسانيده إليه. والمادّة المنتقاة الّتي يرى المنتقي أنّ له أو لغيره فائدة في سندها، أو متنها من الأحاديث، والآثار، والأشعار، أو الأحاديث فقط، أو الأحاديث والآثار، أو الآثار المجرّدة عن غيرها. ويدخل فيه أيضا: ما تكلّم على أحاديثه من كتب الفوائد، أو العكس. وقولي: "من مرويّات الشّيخ" يشمل كلَّ طريقة صحيحة معتبرة احتملت بها هذه الأصول الّتي تحت تملّك المشايخ المرويّ عنهم، أوما تملّكها غيرهم وعليها سماعاتهم، أوما أجازوه لتلاميذهم. وقولي: "لاستحداث فائدة مخصوصة"، وهي: أن يرى المُخرِّج أنّ الحديث لا يوجد عند أحد أو لم يَسْبق له أن تحمّله من هذا الطّريق وهذا هو الغرض الأصل في انتقاء كتب الفوائد الحديثيّة،

стр. 101

وقد تكون فائدتها من باب (المُشتَرك) فيستفيدها المُخرِّج، والمخرَّج له أو أحدهما، أو غيرهما من أهل الحديث ورواته. ويدخل ضمن هذه الغرض ما يوجد تبعا أو سبباً له من فوائد إسنادية كأنّ يرى مخرِّجه أنّ سنده صحيح فيخرّجه (١) ، أو حسن لا سيّما إذا كان عالياً، أو غريب، أو اشتهر الحديث برواية راو في طبقة من طبقاته ثمّ يقف عليه المُخرِّج من طريق أخرى غير مشهورة، أو فيه النّصّ على تعيين مبهم، أو تقييد مهمل، أو وصل معلّق، أو تصريح مدلّس بالسّماع من شيخه، أو لطيفة، أو علوّ بأيّ نوع من أنواعه … ونحو هذا. أو فوائد مَتْنيّة كزيادة في لفظ، أو تفسير غريب، أو سبب ورود، أو فصل إدراج، أو تعيين مبهم، أو ملاحة متن … أو غير ذلك من الفوائد الإسناديّة، أو المتنيّة المتعدّدة الّتي تزخر بها كتب الفوائد الحديثيّة، يلحظها كلّ من يدرس أسانيدها، ومتونها دراسة متأنيّة، واعية.

стр. 102

المبْحَث الثّاني نبذة عن نشأة، وتطوّر تأليف الفوائد الحديثيّة، وتصنيفها هيّأ الله لحفظ سُنّة نَبِيِّهِ ﷺ رجالاً أفذاذًا، لدينه أمنةً وحرّاسا، طلبوها في الآفاق، وكتبوها، وحرّروا ألفاظها وضبطوها، وبذلوا في ذلك كلّ غال ونفيس، يأخذ المتأخّر منهم عن المتقدم أدبه، وسمته، وعلمه، وحرصه على حديث رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .. وإذا رأى الواحد منهم أنّه قد أكثر من الرواية عن شيوخه وحصّل ما عندهم، أو أنّه لا يحتاج أن يروي عن شيخ منهم كلّ ما عنده؛ لتحمّله له عن أقران شيخه أو نحو ذلك، أو لرواية شيخه عن ضعفاء ومجاهيل أو لمراسيل ومقاطيع، أو تعسّر عليه سماع كلّ ما عند شيخه لأمر ما، احتاج إلى الانتقاء على شيخه، ورواية ما حصّله ذلك الشّيخ عمّن أخذ منهم من القدماء والعلماء الغرباء ممّا يَرَى أنّ فيه فائدة له؛ فظهرت كتب الفوائد الحديثيّة المنتقاة على الشّيوخ. والتأليف فيها نشأ في وقت مبكّر في أوساط المحدّثين … فهذا اللّيث بن سعد الفهميّ (ت: ١٧٥هـ) (١) يُخَرِّج كتابا في الفوائد أودعه خمسة أحاديث، وأثرًا واحدًا في آخره، وكلّها من طريق شيخه خالد بن

стр. 103

يزيد الجمحيّ، المصريّ. وهذا الكتاب الوحيد الّذي وقفت على أنّه أُلّف في الفوائد إلى نهاية القرن الثّاني الهجريّ، وفي حدّ علمي أنّ هذا الكتاب أوّل كتاب ألّف في الفوائد مما وقفت عليه منها والله تعالى أعلم. ثمّ جاء القرن الثّالث الهجريّ، فألّف في الفوائد: داود بن عمرو الضّبّيّ (ت: ٢٢٨هـ) (١) ، ويحيى بن معين (ت: ٢٣٣هـ) (٢) ، وهنّاد بن السّريّ الصّغير (ت: ٢٤٣هـ) (٣) ، وهشام بن عمّار (ت: ٢٤٥هـ) (٤) ، وغيرهم. ونشط التأليف نسبيّا في النّصف الثّاني من هذا القرن، فألّف في الفوائد جماعة: كالبخاريّ (ت: ٢٥٦هـ) (٥) ، وسمّويه (ت: ٢٦٧هـ) (٦) ، وحنبل بن إسحاق (ت: ٢٧٣هـ) (٧) ،وأبو زرعة الدّمشقيّ (ت: ٢٨١هـ) (٨) ، وابن أبي الدّنيا (ت: ٢٨٣هـ) (٩) وجماعة آخرين.

стр. 104

وبدأ في هذه الفترة ظهور الاعتناء بشكل أكثر، وأبرز بكتب الفوائد حيث نجد أنّ جماعة ممّن الّف رتّبوا كتبهم على الشّيوخ إلاّ أنّهم لم يراعوا في ترتيبها تسلسل حروف المعجم، ومنهم: أبو شعيب الحرّانيّ (ت: ٢٩٥هـ) (١) ، وابن علّويه القطّان (ت: ٢٩٨هـ) (٢) في فوائدهما. وبلغ عدد كتب الفوائد المؤلّفة في هذه الفترة - ممّا علمتُ -: واحداً وأربعين كتابا، وقفت على عشرة منها، ثمثّل ما مقداره: ٥.٥٢ % من مجموع ما وقفت عليه من كتب الفوائد (٣) . ثمّ جاء القرن الرّابع، وازدهرت فيه العلوم الإسلاميّة عموما، وعلم الحديث خصوصا، فكثر فيه التّأليف، والتّصنيف لاسيّما أنّ الأحاديث النّبويّة قد دُوّنت في أمّهات كتبها من الصّحاح، والسّنن، والمسانيد، وغيرها فاتّجه بعض أهل العلم وطلاّبه بجانب روايتهم لكتب الحديث إلى الانتخاب على الشّيوخ، والانتقاء من مرويّاتهم، وممّا وقع لهم روايته من الكتب سواء أكان ذلك بالقراءة، أم السّماع، أم الأجازة … وممّن الّف في الفوائد خلال هذا القرن: أبو بكر البرديجيّ (ت: ٣٠١هـ) (٤) ، وأبو بكر بن خزيمة (ت:٣١١هـ) (٥) ، وأبو العبّاس السّرّاج (ت:

стр. 105

٣١٣هـ) (١) ، وابن مروان (ت: ٣١٩هـ) (٢) ، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧هـ) (٣) ، وقاسم بن أصبغ (ت: ٣٤٠هـ) (٤) ، وأبو بكر القطيعيّ (ت: ٣٦٨) (٥) ، وأبو الشّيخ الأصبهانيّ (ت: ٣٦٩هـ) (٦) ، وابن منده (ت: ٣٩٥هـ) (٧) ، وجماعة غيرهم. وظهر خلال هذه الفترة اهتمام آخر بكتب الفوائد يتمثّل في تخريج أحاديثها، والكلام عليها كما في فوائد سليمان بن أحمد الطّبرانيّ (ت: ٣٦٠هـ) (٨) ، والدّارقطنيّ (ت:٣٦٥هـ) (٩) ، والمؤمّل بن أحمد (ت: ٣٩٣هـ) (١٠) ، وغيرهم. وفي ترتيبها على الأطراف ثمّ على الشّيوخ كما في: فوائد أبي بكر المطرّز (ت: ٣٠٥هـ) (١١) . وفي إخراج حديث عن كلّ شيخ في أوّلها، ثمّ الانتقاء عن بعضهم كما في: فوائد أبي عليّ الصّفّار (ت: ٣٤١هـ) (١٢) ، وعثمان بن أحمد

стр. 106

السّمّاك (ت: ٣٤٤هـ) من رواية: أبي الحسن الحماميّ عنه (١) . وفي عدم ترتيبها على أساس معيّن في أوّلها، ثمّ ترتيبها على الأطراف كما في: فوائد أبي الشّيخ (ت: ٣٦٩هـ) من رواية: أبي طاهر الكاتب عنه (٢) . مع بقاء الاعتناء بالتّرتيب على الشّيوخ على ما هو عليه في القرن الثّالث، وسار على ذلك جماعة منهم: الطّبرانيّ، وأبو عمرو السّمرقنديّ (ت: ٣٤٥هـ) (٣) ، وأبو أحمد الحاكم (ت: ٣٧٨هـ) (٤) ، وغيرهم. مع ظهور الاعتناء بترتيب أسماء الشّيوخ على تسلسل حروف المعجم، ويظهر هذا جليا عند أحمد بن نصر (ت: ٣٢٣هـ) في فوائده (٥) . ومعظم كتب الفوائد ألّفت في هذا القرن … فألف فيه - فيما علمتُ -: اثنان وستون ومائة كتاب، وقفت على سبعة وسبعين كتاباً منها، تمثّل عند النّظر إلى مجموع ما وقفت عليه من كتب الفوائد ما نسبته: ٤٢.٥٤%. ثمّ جاء القرنان الخامس، والسادس، واستمرّ الوضع فيهما على ما كان عليه في الّذي قبلهما، وحضّ أهل العلم طلاّبهم على العمل بطريقة الانتقاء، والتّخريج على الشّيوخ؛ لتحصل لهم الفائدة المرجوّة …

стр. 107

فهذا الخطيب البغداديّ في: (الجامع) (١) ينقل عن بعض مشايخه قال: "من أراد الفائدة فليكسر قلم النّسخ، وليأخذ قلم التّخريج" … وممّن ألّف في الفوائد خلال هذين القرنين: أبو يعلى القزوينيّ (ت: ٤٠١هـ) (٢) ، وأبو عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥هـ) (٣) ، وابن رزقويه (ت: ٤١٢هـ) (٤) ، وابن شاذان (ت: ٤٢٥هـ) (٥) ، وأبو يعلى الخليليّ (ت: ٤٤٦هـ) (٦) ، والحبّال (ت: ٤٨٢هـ) (٧) ، وابن القيسرانيّ (ت: ٥٠٧هـ) (٨) ، وخميس الحوزيّ (ت: ٥١٠هـ) (٩) ، وابن العربيّ (ت: ٥٤٣هـ) (١٠) ، وابن الجوزيّ (ت: ٥٩٧هـ) (١١) ، في آخرين. وكثر اعتناؤهم بتخريج أحاديثها، وترتيب أسماء الشّيوخ فيها على حروف المعجم كما في: فوائد أبي القاسم الحرفيّ (ت: ٤٢٣هـ) (١٢) ،

стр. 108

وأبي البركات الأنماطيّ (ت: ٥٣٨هـ) (١) ، وابن الباغبان (ت: ٥٥٩هـ) (٢) ، وشُهدة بنت أحمد (ت: ٥٧٤هـ) (٣) ، وغيرهم. وسار عدد منهم على ما سار عليه بعض أهل القرن الرّابع من تخريج أحاديث كتبهم، دون مراعاة لترتيبها على الشّيوخ كما يظهر عند جماعة منهم: ابن الحماميّ (ت: ٤٣٧هـ) (٤) ، وأبي القاسم الحنائيّ (ت: ٤٥٩هـ) (٥) ، وجعفر بن أحمد السرّاج (ت: ٥٠٠هـ) (٦) ، وابن المؤيّد بالله (ت: ٥٠٨هـ) (٧) ، وغيرهم في فوائدهم. وفي المقابل نجد منهم من رتّب كتابه على أسماء شيوخه: كالعيسويّ (ت: ٤١٥هـ) (٨) ، وأبي القاسم الحرفيّ (ت: ٤٢٣هـ) من رواية: القاسم بن الفضل عنه (٩) ،وأبي بكر الشّاشيّ (ت:٥٠٧هـ) وترتيب الشّيوخ عنده على تسلسل الحروف (١٠) والسّلفيّ (ت: ٥٧٦هـ) (١١)

стр. 109

في فوائدهم، في جماعة آخرين. وهذا كلًّه دالّ على اعتنائهم بتصنيفها، وترتيبها، وممّا يبرزه بشكل أوضح: أنّ نسبة ما خُرِّج منها، أو رتّب على الشّيوخ يمثّل ما نسبته: ٥٤.٥٤ % من مجموع ما وقفت عليه منها خلال هذين القرنين. هذا، وبلغ مجموع ما ألّف في الفوائد خلال هذه الفترة فيما علمتُ-: أربعة كتب ومئتي كتاب، كان نصيب القرن الخامس منها: أربعة وثلاثين ومائة كتاب. ثمّ جاءت القرون: السّابع، والثّامن، والتّاسع فقلّ تأليف الفوائد فيها عن القرون الّتي تقدّمتها … ومع ذلك فإنّه اُعتني بتخريجها وترتيبها أكثر ممّا كان عليه ذلك في القرون السّالفة، وظهر خلالها التّرتيب على الأطراف من جديد بعد أن وجد في القرن الرّابع الهجريّ (١) كما في: فوائد أبي اليُمن الكنديّ (ت: ٦١٣هـ) (٢) . هذا، وبلغ عدد ما خُرِّج من كتب الفوائد أو رُتّب خلال هذه الفترة: أربعة عشر كتابا من سبعة عشر هي مجموع ما وقفت على مخطوطاتها وهذا يمثّل ما نسبته: ٨٢.٣٥% وهي نسبة عالية.

стр. 110

وممّن ألّف في هذه الفترة: عفيفة الفارفانيّة (ت: ٦٠٦هـ) (١) ، والعثمانيّ (ت: ٦١٨هـ) (٢) ، وابن المقيّر (ت: ٦٤٣هـ) (٣) ، وأبو حامد الصابونيّ (ت: ٦٨٠هـ) (٤) ، وأبو الحسن الوانيّ (ت: ٧٢٧هـ) (٥) ، والذّهبيّ (ت: ٧٤٨هـ) (٦) ، والعلائيّ (ت: ٧٦١هـ) (٧) ، وأمّ المساكين بنت اليافعيّ (ت: ٨٤٦هـ) (٨) وهي آخر من ألّف في الفوائد الحديثيّة ممّا وقفت عليه. هذا، وبلغ مجموع ما أُلِّف في الفوائد خلال هذه الفترة - فيما علمت -: أربعة وثلاثين كتابا، كان نصيب القرن السّابع منها: أربعة وعشرين، والقرن التّاسع: كتابا واحدًا فقط. ولعلّ قلّة تأليف الفوائد خلال هذه القرون عائد إلى كثرة التّأليف في الحديث، وانتشار المصنّفات فيه، وقلّة احتياج طلاّب العلم إلى الرّحلة، والانتقاء على الشّيوخ، وضعف الاهتمام بالرّواية بالسند، وانصباب الجهود على الاعتناء بكتب المتقدّمين، سماعا، وإجازة، وخدمة سواء أفي المتون أم الأسانيد؛ ليسهل الانتفاع بها، أو جمع ما جاء من الأحاديث فيها في موضوع واحد، وإيداعها مصنّفا مستقلاًّ، ونحو ذلك - والله تعالى أعلم -.
следующие страницы →