Полный текст (511 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى غُفْرَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "ارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ" قَالُوا: وَأَيْنَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَجَالِسُ الذِّكْرِ" ١.
وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "عَائِدُ الْمَرِيضِ، عَلَى مَخَارِفِ الْجَنَّةِ" ٢ وَالْمَخَارِفُ: الطُّرُقُ، وَأَحَدُهَا: مَخْرَفَةٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ مَخْرَفَةِ النَّعَمِ" أَيْ طَرِيقِهَا.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ مَجَالِسُ الذِّكْرِ، تُؤَدِّي إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَهِيَ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ٣: "الْجَنَّةُ تَحْتَ الْبَارِقَةِ" -يَعْنِي السُّيُوفَ، وَ "الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" ٤.
يُرِيدُ أَنَّ الْجِهَادَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَهُ.
وَقَدْ يَذْهَبُ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ، حِذَاءَ رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مِنْبَرَهُ حِذَاءَ تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ،
فَجَعَلَهُمَا مِنَ الْجنَّة، إِذْ كَانَا فِي الْأَرْضِ، حِذَاءَ ذَيْنِكَ فِي السَّمَاءِ.
وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ -عِنْدِي- وَالله أعلم.
стр. 177
قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ
١٩- الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" ١ وَرُوِّيتُمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى الْأَنْصَارِ، يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: "لَوْ كَانَ سَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا، مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ".
وَسَالِمٌ لَيْسَ مَوْلًى لِأَبِي حُذَيْفَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهِيَ أَعْتَقَتْهُ وَرَبَّتْهُ٢ وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِحِلْفٍ.
فَجَعَلْتُمُ الْإِمَامَةَ٣، تَصْلُحُ لِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، وَلَوْ كَانَ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ، لَأَمْكَنَ أَنْ تَحْتَجُّوا بِأَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ.
قَالُوا: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ تَنَاقُضٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ٤ تَنَاقُضًا، لَوْ قَالَ عُمَرُ: "لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ عَلَيْكُمْ، أَوْ فِي تَأْمِيرِهِ".
فَأَمَّا قَوْلُهُ: "مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِيهِ" فَقَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.
стр. 178
وَكَيْفَ يُظَنُّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ يَقِفُ فِي خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَالَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، فَلَا يَخْتَارُ مِنْهُمْ، وَيَجْعَلُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَلَا يَتَخَالَجُهُ الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ سَالِمًا عَلَيْهِمْ ﵁؟
هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَضَعْفٌ فِي الرَّأْيِ.
وَلَكِنَّ عُمَرَ لَمَّا جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ، ارْتَادَ لِلصَّلَاةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا أَنْ يَخْتَارُوا الْإِمَامَ مِنْهُمْ وَأَجَّلَهُمْ فِي الِاخْتِيَارِ ثَلَاثًا، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ١ ابْنَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ سَالِمًا فَقَالَ: لَوْ كَانَ حَيًّا، مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ.
وَذَكَرَ الْجَارُودَ الْعَبْدِيَّ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ أُعَيْمِشُ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ حَيًّا، لَقَدَّمْتُهُ".
وَقَوْلُهُ: "لَقَدَّمْتُهُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي سَالِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، مِنْ تَقْدِيمِهِ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ.
ثُمَّ أَجْمَعَ عَلَى صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ فَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ، إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ الْقَوْمُ، على اخْتِيَار رجل مِنْهُم٢.
стр. 179
قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ
٢٠- الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَلَا تُصَلُّوا لِطُلُوعِهَا"١.
قَالُوا: فَجَعَلْتُمْ لِلشَّيْطَانِ قُرُونًا تَبْلُغُ السَّمَاءَ، وَجَعَلْتُمُ الشَّمْسَ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْأَرْضِ مَرَّاتٍ، تَجْرِي بَيْنَ قَرْنَيْهِ.
وَأَنْتُمْ -مَعَ هَذَا- تَزْعُمُونَ أَنَّ: "الشَّيْطَان يجْرِي من بن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" ٢ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، أَلْطَفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَجَعَلْتُمْ عِلَّةَ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، طُلُوعَهَا مِنْ بَيْنِ قَرْنَيْهِ.
وَمَا عَلَى الْمُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا جَرَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ؟
وَمَا فِي هَذَا، مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ إِنْكَارَهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِخَلْقِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ، وَبِأَن الله تَعَالَى جعل فِي
стр. 180
تركيبها أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَتَتَمَثَّلَ مَرَّةً فِي صُورَةِ شَيْخٍ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ شَابٍّ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ نَارٍ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ كَلْبٍ، وَمَرَّةً فِي مِثَالِ جَانٍّ، وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ وَمَرَّةً تَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ، وَمَرَّةً تَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ.
فَهَؤُلَاءِ مُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ، وَبِمَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقْعُدُونَ مِنَ السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، وَأَنَّهُمْ يُرْمَون بِالنُّجُومِ.
وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ١ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ لَنَا.
فَكَيْفَ يَأْمُرُنَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَوْلَا أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْقُلُوبِ، بِالسُّلْطَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَيُوَسْوِسُ بِذَلِكَ وَيُزَيِّنُ وَيُمَنِّي، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ؟
وَكَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ رُئِيَ مَرَّةً، فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ ضُفْدَعٍ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ جَانٍّ.
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْجِنَّ رِجَالًا، كَمَا سَمَّانَا رِجَالًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٢.
وَقَالَ فِي الْحُورِ الْعِينِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ٣.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ تَطْمِثُ كَمَا يَطْمِثُ الْإِنْس. والطمث: الْوَطْء بالتدمية٤.
стр. 181
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ لَمْ نُرِد فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَنْ نَرُدّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَلَا الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ غَرَضُنَا الرَّدَّ عَلَى مَنِ ادَّعَى عَلَى الْحَدِيثِ التَّنَاقُضَ وَالِاخْتِلَافَ، وَاسْتِحَالَةَ الْمَعْنَى مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ رَآهُ لَا يَقُومُ فِي وَهْمِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَنَحْنُ نُرِيهِ الْمَعْنَى، حَتَّى يَتَصَوَّرَ فِي وَهْمِهِ لَهُ -بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى- وَيُحْسِنَ عِنْدَهُ، وَلَا يَمْتَنِعَ عَلَى نَظَرِهِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ عَبَدَةُ الشَّمْسِ، يَسْجُدُونَ فِيهِ لِلشَّمْسِ.
وَقَدْ دَرَجَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، عَلَى عِبَادَةِ الشَّمْسِ وَالسُّجُودِ لَهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ، مَا قَصَّ اللَّهُ ﵎ عَلَيْنَا فِي نَبَأِ مَلِكَةِ سَبَأٍ: أَنَّ الْهُدْهُدَ قَالَ لِسُلَيْمَان ﵇: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١.
وَكَانَ فِي الْعَرَبِ، قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، وَيُعَظِّمُونَهَا، وَيُسَمُّونَهَا، الْإِلَاهَةَ، قَالَ الْأَعْشَى:
فَلَمْ أَذْكُرِ الرُّهْبَ حَتَّى انفتَلْتُ ... قُبَيْلَ الْإِلَاهَةِ مِنْهَا قَرِيبَا
يَعْنِي الشَّمْسَ.
وَكَانَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ يَقْرَأُ: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾ ٢ يُرِيدُ: وَيَذَرُكَ، وَالشَّمْسَ الَّتِي تَعْبُدُ.
فَكَرِهَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْجُدُ فِيهِ عَبدة الشَّمْس للشمس.
стр. 182
وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ حِينَئِذٍ -أَوْ أَنَّ إِبْلِيسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ- فِي جِهَةِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهُ بِسُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ، ويؤمُّونه.
وَلَمْ يُرِدْ ﵇ بِالْقَرْنِ: مَا تَصَوَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، مِنْ قُرُونِ الْبَقَرِ، وَقُرُونِ الشَّاءِ.
وَإِنَّمَا الْقرن -هَهُنَا- حَرْفُ الرَّأْسِ، وَلِلرَّأْسِ قَرْنَانِ: أَيْ حَرْفَانِ وَجَانِبَانِ.
وَلَا أَرَى الْقَرْنَ الَّذِي يَطْلُعُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، سُمِّيَ قَرْنًا إِلَّا بِاسْمِ مَوْضِعِهِ، كَمَا تُسَمِّي الْعَرَبُ الشَّيْءَ، بِاسْمِ مَا كَانَ لَهُ مَوْضِعًا أَوْ سَبَبًا.
فَيَقُولُونَ: "رَفَعَ عَقِيرَتَهُ" يُرِيدُونَ: صَوْتَهُ، لِأَنَّ رَجُلًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَرَفَعَهَا، وَاسْتَغَاثَ مِنْ أَجْلِهَا، فَقِيلَ لِمَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ: "رَفَعَ عَقِيرَتَهُ".
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَشْرِقِ: "من هَهُنَا، يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ". لَا يُرِيدُ بِهِ، مَا يَسْبِقُ إِلَى وَهْمِ السَّامِعِ مِنْ قُرُونِ الْبَقَرِ، وَإِنَّمَا يُرِيد "من هَهُنَا يَطْلُعُ رَأْسُ الشَّيْطَانِ".
وَكَانَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَقُولُ؛ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ: إِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاسْمُهُ "الْإِسْكَنْدَرُوسُ" وَأَنَّهُ كَانَ حَلَمَ حُلْمًا، رَأَى فِيهِ أَنَّهُ دَنَا مِنَ الشَّمْسِ، حَتَّى أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا فِي شَرْقِهَا وَغَرْبِهَا.
فَقَصَّ رُؤْيَاهُ على قومه، فَسَموهُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَأَرَادَ بِأَخْذِهِ بِقَرْنَيْهَا، أَنَّهُ أَخَذَ بِجَانِبَيْهَا.
وَالْقُرُونُ أَيْضًا، خُصَلُ الشَّعْرِ، كُلُّ خُصْلَةٍ قَرْنٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلرُّومِ: "ذَاتُ الْقُرُونِ". يُرَادُ: أَنَّهُمْ يُطَوِّلُونَ الشُّعُورَ.
فَأَرَادَ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَنَا أَنَّ الشَّيْطَانَ، فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ سُجُودِ عَبَدَتِهَا لَهَا، مَائِلٌ مَعَ الشَّمْسِ؛ فَالشَّمْسُ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُصَلِّيَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي يَكْفُرُ فِيهِ هَؤُلَاءِ، وَيُصَلُّونَ لِلشَّمْسِ وَلِلشَّيْطَانِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَذَا أَمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنَّا، لَا نَعْلَمُ مِنْهُ، إِلَّا مَا عَلِمْنَا.
стр. 183
وَالَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ، شَيْءٌ يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ، وَيُبَاعِدُهُ عَنِ الشَّنَاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمْ يَأْتِ أَهْلُ التَّكْذِيبِ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ، إِلَّا لِرَدِّهِمُ الْغَائِبَ عَنْهُمْ، إِلَى الْحَاضِرِ عِنْدَهُمْ، وَحَمْلِهِمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِنَ الْحَيَوَانِ وَالْمَوَاتِ، وَاسْتِعْمَالِهِمْ حُكْمَ ذَوِي الْجُثَثِ١ فِي الرُّوحَانِيِّينَ.
فَإِذَا سَمِعُوا بِمَلَائِكَةٍ عَلَى كَوَاهِلِهَا الْعَرْشُ، وَأَقْدَامُهَا فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، اسْتَوْحَشُوا مِنْ ذَلِكَ، لِمُخَالَفَتِهِ مَا شَاهَدُوا -وَقَالُوا: كَيْفَ تَخْرِقُ جُثَثُ هَؤُلَاءِ السَّمَاوَاتِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالْأَرْضِينَ وَمَا فَوْقَهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَى لِذَلِكَ أَثَرًا؟
وَكَيْفَ يَكُونُ خَلْقٌ لَهُ هَذِهِ الْعَظَمَةُ؟ وَكَيْفَ تكون أرواحًا وَلها كواهل وأقدام٢.
وَإِذَا سَمِعُوا بِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇، مَرَّةً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ شَابٍّ، وَمَرَّةً سَدَّ بِجَنَاحَيْهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
قَالُوا: كَيْفَ يَتَحَوَّلُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مَرَّةً فِي غَايَةِ الصِّغَرِ؟ وَمَرَّةً فِي غَايَةِ الْكِبَرِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزَادَ فِي جِسْمِهِ وَلَا جُثَّتِهِ وَأَعْرَاضِهِ؟ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَايِنُونَ إِلَّا مَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَإِذَا سَمِعُوا بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَصِلُ إِلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، حَتَّى يُوَسْوِسَ لَهُ وَيَخْنِسَ. قَالُوا: مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ؟ وَهَلْ يَجْتَمِعُ رُوحَانِ فِي جِسْمٍ؟ وَكَيْفَ يَجْرِي مَجْرَى الدَّمِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَلَوِ اعْتَبَرُوا مَا غَابَ عَنْهُمْ، بِمَا رَأَوْهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، لَعَلِمُوا أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يُفَجِّرَ مِيَاهَ الْأَرْضِ كلهَا إِلَى الْبَحْر،
стр. 184
مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا، فَهِيَ تُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ.
وَلَوْ جُعِلَ لِنَهْرٍ مِنْهَا مِثْلِ "دِجْلَةَ" أَوِ "الْفُرَاتِ" أَوِ "النِّيلِ" سَبِيلٌ إِلَى مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى وَالْعِمَارَاتِ وَالْخَرَابِ شَهْرًا، لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْءٌ إِلَّا هَلَكَ، هُوَ الَّذِي قَدَرَ عَلَى مَا أَنْكَرُوا، وَأَنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُحَرِّكَ هَذِهِ الْأَرْضَ، عَلَى عِظَمِهَا وَكَثَافَتِهَا، وَبِحَارِهَا، وَأَطْوَادِهَا، وَأَنْهَارِهَا حَتَّى تَتَصَدَّعَ الْجِبَالُ، وَحَتَّى تَغِيضَ الْمِيَاهُ، وَحَتَّى يَنْتَقِلَ جَبَلٌ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ -هُوَ الَّذِي لَطَفَ لِمَا قَدَّرَ.
وَأَنَّ الَّذِي وَسَّعَ إِنْسَانَ الْعَيْنِ، مَعَ صِغَرِهِ وَضَعْفِهِ، لِإِدْرَاكِ نِصْفِ الْفَلَكِ عَلَى عِظَمِهِ، حَتَّى رَأَى النَّجْمَ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَرَقِيبَهُ مِنَ الْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَحَتَّى خَرَقَ مِنَ الْجَوِّ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؛ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مَلَكًا، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
فَهَلْ مَا أَنْكَرَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَا عَرَفَ؟ وَهَلْ مَا رَأَى إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَرَهُ؟ فَتَعَالَى اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
стр. 185
قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ
٢١- الْفِطْرَةُ وَالشَّقَاءُ وَالسَّعَادَةُ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ، يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ" ١.
ثُمَّ رُوِّيتُمُ "الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بطن أمه" ٢.
"وَأَن النُّطْفَةَ إِذَا انْعَقَدَتْ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا يَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" ٣.
وَأَنه مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ آدَمَ، فَقَبَضَ قَبْضَةً، فَقَالَ: "إِلَى الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِي" وَقَبَضَ أُخْرَى فَقَالَ: "إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي" ٤.
قَالُوا: وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ، فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْقَدَرِ، وَأَهْلُ الْإِثْبَاتِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا تَنَاقُضٌ، وَلَا اخْتِلَافٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 186
وَلَو عرفت الْمُعْتَزلَة معنى ذَلِك، مَا فَارَقَتِ الْمُثْبِتَةَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ الِاخْتِلَافُ إِلَّا لِهَذَا الْحَدِيثِ.
والفطرة -هَهُنَا- الِابْتِدَاءُ وَالْإِنْشَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١ أَي مبتدئهما.
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٢ يُرِيدُ جِبِلَّتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" أَخَذَ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٣.
فَلَسْتُ وَاجِدًا أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ لَهُ صَانِعًا وَمُدَبِّرًا، وَإِنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، أَوْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ، لِيُقَرِّبَهُ مِنْهُ عِنْدَ نَفْسِهِ، أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا تَعَالَى عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٤.
فَكُلُّ مَوْلُودٍ فِي الْعَالَمِ عَلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْإِقْرَارِ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ، وَجَرَتْ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ ﵎: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعًا حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ، ثُمَّ يُهَوِّدُ الْيَهُودُ أَبْنَاءَهُمْ، وَيُمَجِّسُ الْمَجُوسَ أَبْنَاءَهُمْ" ٥ أَيْ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ.
стр. 187
وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ، أَوْ عَلَيْهِ ثَوَابٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الطِّفْلَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، مَا كَانَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِدِينِهِمَا، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ.
ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ كَنَفِهِمَا إِلَى مَالِكٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدِينِ مَالِكِهِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ؟! وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ علمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ.
وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ أَهْلِ الْقَدَرِ وَأَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ أَنَّ الْفِطْرَةَ -عِنْدَ أَهْلِ الْقَدَرِ- الْإِسْلَامُ، فَتَنَاقَضَ عِنْدَهُمُ الْحَدِيثَانِ.
وَالْفِطْرَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ فُطِرُوا.
فَاتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا، وَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوضِع.
стр. 188
قَالُوا: حَدِيثٌ يُفْسِدُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ
٢٢- غَسْلُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النّوم:
الوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" ١.
قَالُوا: وَهَذَا حَدِيثٌ جَائِزٌ، لَوْلَا قَوْلُهُ: "فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ".
وَمَا مَنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ دَرَى أَنَّ يَدَهُ بَاتَتْ حَيْثُ بَاتَ بَدَنُهُ، وَحَيْثُ بَاتَتْ رِجْلُهُ وَأُذُنُهُ وَأَنْفُهُ، وَسَائِرُ أَعْضَائِهِ، وَأَشَدُّ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ مَسَّ بِهَا فَرْجَهُ فِي نَوْمِهِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَسَّ فَرْجَهُ فِي يَقَظَتِهِ، لَمَا نَقَضَ ذَلِكَ طَهَارَتَهُ.
فَكَيْفَ بِأَنْ يَمَسَّهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؟ وَاللَّهُ لَا يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ.
فَإِنَّ النَّائِمَ قَدْ يَهْجُرُ٢ فِي نَوْمِهِ، فَيُطَلِّقُ، وَيَكْفُرُ، وَيَفْتَرِي، وَيَحْتَلِمُ عَلَى امْرَأَةِ جَارِهِ، وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ فِي نَوْمِهِ زَانٍ ثُمَّ لَا يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُؤَاخَذًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِن هَذَا النظار، عَلِمَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْهُ أَشْيَاءُ.
أَمَا عَلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ، قَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَن الْوضُوء يجب على
стр. 189
من مَسَّ الْفَرْجَ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ: "مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" ١.
وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَنَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ غَسْلُ الْيَد، لِأَن الْفروج مخارج الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَاتِ.
وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا، مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِنَّمَا هُوَ غَسْلُ الْيَدِ مِنَ الزَّهَمِ٢ وَالْأَطْبِخَةِ وَالشِّوَاءِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَأَتَيْنَا بِالدَّلَائِلِ عَلَيْهِ.
فَإِذَا كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ هُوَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، تَبَيَّنَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الْمُسْتَيْقِظَ مِنْ مَنَامِهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الْإِنَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ.
يَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي مَنَامِهِ مَسَّ بِهَا فَرْجَهُ، أَوْ دُبُرَهُ، وَلَيْسَ يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَ يَدَهُ قَاطِرُ بَوْلٍ، أَوْ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ، إِنْ كَانَ جَامَعَ قَبْلَ الْمَنَامِ.
فَإِذَا أَدْخَلَهَا فِي الْإِنَاءِ -قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا- أَنْجَسَ الْمَاءَ٣ وَأَفْسَدَهُ.
وَخُصَّ النَّائِمُ بِهَذَا، لِأَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَقَعُ يَدُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَعَلَى دُبُرِهِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
فَأَمَّا الْيَقْظَانُ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمَسَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَأَصَابَ يَدَهُ مِنْهُ أَذًى، عَلِمَ بِهِ، وَلَمْ يذهب عَلَيْهِ غسلهَا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ، أَو يَأْكُل أَو يُصَافح.
стр. 190
قَالُوا: حَدِيثٌ يُفْسِدُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ
٢٣- الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل:
الوا: رُوِّيتُمْ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ"١.
وَنَهْيُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ لَا يُنْكَرُ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي التَّعَبُّدِ، فَلَمَّا وَصَلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، عِلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الْإِبِلِ، كَمَا أَنَّ الْبَقَرَ خُلِقَتْ مِنَ الْبَقَرِ، وَالْخَيْلَ مِنَ الْخَيْلِ وَالْأُسْدَ مِنَ الْأُسْدِ، وَالذُّبَابَ مِنَ الذُّبَابِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَغَيْرَ النَّبِيِّ، يَعْلَمُ أَنَّ الْبَعِيرَ تَلِدُهُ النَّاقَةُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٌ تَلِدُ جَمَلًا، وَلَا أَنَّ نَاقَةً تَلِدُ شَيْطَانًا.
وَإِنَّمَا أَعْلَمَنَا أَنَّهَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ خُلِقَتْ مِنْ جِنْسٍ، خُلِقَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِين.
стр. 191
وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعَنَانِ الشَّيَاطِينِ" يُرِيدُ: مِنْ جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا، كَمَا يُقَالُ: بَلَغَ فَلَانٌ أَعَنَانَ السَّمَاءِ، أَيْ نَوَاحِيَهَا وَجَوَانِبَهَا.
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ نَسْلِهَا، لَقَالَ: فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ نَسْلِهَا، أَوْ بطونها أَو أصلابها، وَأما يُشْبِهُ هَذَا.
وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تَنْسُبُ جِنْسًا مِنَ الْإِبِلِ إِلَى الْحُوشِ، فَتَقُولُ: نَاقَةٌ حُوشِيَّةٌ، وَإِبِلٌ حُوشِيَّةٌ، وَهِيَ أَنْفَرُ الْإِبِلِ وَأَصْعَبُهَا.
وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لِلْجِنِّ نَعَمًا، بِبِلَادِ الْحُوشِ١ وَأَنَّهَا ضَرَبَتْ فِي نَعَمِ النَّاسِ، فَنَتَجَتْ هَذِهِ الْحُوشِيَّةَ، قَالَ رُؤْبَةُ:
جَرَتْ رَحَانَا٢ مِنْ بِلَادِ الْحُوشِ
وَقَدْ يَجُوزُ -عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ- أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ، مِنْ نِتَاجِ نَعَمِ الْجِنِّ، لَا مِنَ الْجِنِّ أَنْفُسِهَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: "مِنْ أَعْنَانِ الشَّيَاطِينِ". أَيْ: مِنْ نَوَاحِيهَا.
وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَ الْجِنَّ أَنْفُسَهَا وَالشَّيَاطِينَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ إِلَّا بِمَا رَأَتْهُ عَيْنُهُ، وَأَدْرَكَتْهُ حَوَاسُّهُ، وَهُوَ مَنْ عَقْد قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ، يُقَالُ لَهُمُ: الدَّهْرِيَّةُ، وَلَيْسَ من عقد الْمُسلمين.
стр. 192
قَالُوا: حَدِيثٌ يُفْسِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا
٢٤- قتل الْكلاب:
الوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، وَلَكِنِ اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدٍ بَهِيمٍ" ١.
وَقَالَ: "الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" ٢.
قَالُوا: فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ أَسْوَدُ، أَوْ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ، مَعَ عَفْوِهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْكِلَابِ، لِأَنَّهَا أُمَّةٌ، وَلَيْسَ فِي كَوْنِهَا أُمَّةً عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنَ الْقَتْلِ، وَلَا تُوجِبُهُ.
قَالُوا: ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ ﵇، أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ كَلْبٌ فَكَيْفَ قَتَلَهَا، وَهِيَ أُمَّةٌ، أَوَلا مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهَا؟.
قَالُوا: وَقَدْ صَارَتِ الْعِلَّةُ الَّتِي بِهَا عَفَا عَنْهَا، هِيَ الْعِلَّةَ الَّتِي قَتَلَهَا لَهَا.
قَالَ: أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ كُلَّ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ، كَالْكِلَابِ، والأسُد، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالنَّمْلِ، وَالْجَرَادِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، كَمَا أَنَّ النَّاسَ أُمَّةٌ.
وَكَذَلِكَ الْجِنُّ أُمَّةٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ
стр. 193
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ١ يُرِيد: أَنَّهَا مِثْلُنَا فِي طَلَبِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَابْتِغَاءِ الرِّزْقِ٢، وَتَوَقِّي الْمَهَالِكِ.
وَكَذَلِكَ الْجِنُّ، قَدْ خَاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا خَاطَبَنَا، إِذْ يَقُولُ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ٣.
وَلَوْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَأَفْنَى أُمَّةً، وَقَطَعَ أَثَرَهَا.
وَفِي الْكِلَابِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، فِي حِرَاسَةِ مَنَازِلِهِمْ، وَحِفْظِ نَعَمِهِمْ، وَحَرْثِهِمْ مَعَ الِارْتِفَاقِ بِصَيْدِهَا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْرَابِ وَنَازِلَةِ الْقَفْرِ، لَا غِذَاءَ لَهُمْ وَلَا مَعَاشَ إِلَّا بِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ٤ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهَا لِمَنَافِعِنَا.
وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلَيْنِ سَافَرَا، وَمَعَ أَحَدِهِمَا كَلْبٌ لَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِمَا اللُّصُوصُ، فَقَاتَلَ أَحَدُهُمَا حَتَّى غُلِبَ وَأُخِذَ فَدُفِنَ، وَتُرِكَ رَأْسُهُ بَارِزًا، وَجَاءَتِ الْغِرْبَانُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ، فَحَامَتْ حَوْلَهُ تُرِيدُ أَنْ تَنْهَشَهُ وَتَقْلَعَ عَيْنَيْهِ، وَرَأَى ذَلِكَ كَلْبٌ كَانَ مَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَنْبُشُ التُّرَابَ عَنْهُ، حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، قَدْ فَرَّ صَاحِبُهُ وَأَسْلَمَهُ٥.
قَالَ: فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
يُعَرِّدُ عَنْهُ جارُه ورفيقُه ... وَيَنْبُشُ عَنْهُ كلبُه وَهُوَ ضاربُه
وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ مِثْلُ مُحَامَاتِهِ عَلَى أَهْلِهِ، وَذَبِّهِ عَنْهُمْ مَعَ الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ، وَالطَّرْدِ وَالضَّرْب.
стр. 194
وَالْأَخْبَارُ عَنِ الْكِلَابِ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ -وَنَكْرَهُ الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهَا.
وَلَيْسَتْ تَخْلُو الْكِلَابُ مِنْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةً مِنْ أُمَمِ السِّبَاعِ، أَوْ تَكُونَ أُمَّةً مِنَ الْجِنِّ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الْكِلَابُ أُمَّةٌ مِنَ الْجِنِّ١ وَهِيَ ضَعَفَةُ الْجِنِّ، فَإِذَا غَشِيَتْكُمْ عِنْدَ طَعَامِكُمْ، فَأَلْقُوا لَهَا، فَإِنَّ لَهَا أَنْفُسًا، يَعْنِي: أَنَّ لَهَا عُيُونًا، تُصِيبُ بِهَا".
وَالنَّفْسُ: الْعَيْنُ، يُقَالُ: أَصَابَتْ فَلَانَا نَفْسٌ، أَيْ: عَيْنٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: "الْجَانُّ مَسِيخُ الْجِنِّ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ".
وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا، أَنْ تَكُونَ الْكِلَابُ كَذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ، لَا تُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَالْقِيَاسِ وَالْعُقُولِ، وَإِنَّمَا يُنتهى فِيهَا إِلَى مَا قَالَهُ الرَّسُولِ ﷺ ، أَوْ مَا قَالَهُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَشَاهَدَهُ.
فَإِنَّهُمْ لَا يَقْضُونَ عَلَى مَثَلِهِ إِلَّا بِسَمَاعٍ مِنْهُ أَوْ سَمَاعٍ مِمَّنْ سَمِعَهُ، أَوْ بِخَبَرٍ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أُمُورِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
وَلَيْسَ عَلَيْنَا وَكْفٌ٢ وَلَا نَقْصٌ، مِنْ أَنْ تَكُونَ الْكِلَابُ مِنَ السِّبَاعِ، أَوِ الْجِنِّ، أَوِ الْمَمْسُوخِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِنَ السِّبَاعِ، فَإِنَّمَا أُمِرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدِ مِنْهَا، وَقَالَ: "هُوَ شَيْطَانٌ"؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ مِنْهَا أَضَرُّهَا وَأَعْقَرُهَا، وَالْكَلْبُ إِلَيْهِ أَسْرَعُ مِنْهُ إِلَى جَمْعِهَا، وَهُوَ -مَعَ هَذَا أَقَلُّهَا نَفْعًا وَأَسْوَؤُهَا حِرَاسَةً، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الصَّيْدِ، وَأَكْثَرُهَا نُعَاسًا.
وَقَالَ: "هُوَ شَيْطَانٌ" يُرِيدُ: أَنَّهُ أَخْبَثُهَا، كَمَا يُقَالُ فَلَانٌ شَيْطَانٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا شَيْطَانٌ مَارِدٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا أَسَدٌ عَادٍ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِئْبٌ عَادٍ -يُرَادُ: أَنَّهُ شَبيه بذلك.
стр. 195
وَإِنْ كَانَتِ الْكِلَابُ مِنَ الْجِنِّ، أَوْ كَانَتْ مَمْسُوخًا مِنَ الْجِنِّ، فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْأَسْوَدَ مِنْهَا شَيْطَانُهَا، فَاقْتُلُوهُ لِضُرِّهِ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ: مَارِدُ الْجِنِّ. وَالْجِنُّ هُمُ الضَّعَفَةُ، وَالْجِنُّ١ أَضْعَفُ مِنَ الْجِنِّ.
وَأَمَّا قَتْلُهُ كِلَابَ الْمَدِينَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ نَقْضٌ لِقَوْلِهِ: "لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا"، لِأَنَّ الْمَدِينَةَ فِي وَقْتِهِ ﷺ مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَة، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " قَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇: لَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْكَ الْبَارِحَةَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَابِ بَيْتِكَ سِتْرٌ، فِيهِ تَصَاوِيرُ، وَكَانَ فِي بَيْتِكَ كَلْبٌ، فَمُرْ بِهِ، فَلْيَخْرُجْ" ٢.
وَكَانَ الْكَلْبُ جَرْوًا لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَمَا تُكْرَهُ الْكِلَابُ فِي الْبُيُوتِ، تُكْرَهُ أَيْضًا فِي الْمِصْرِ.
فَأَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِقَتْلِهَا، أَوْ بِالتَّخْفِيفِ مِنْهَا، فِيمَا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَمْسَكَ عَنْ سَائِرِهَا، مِمَّا بَعُدَ مِنْ مَهْبِطِ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْزِلِ الْوَحْيِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
النضد٣ السرير، لِأَن الثِّيَاب تنضدد فَوْقه.
стр. 196
قَالُوا: حَدِيثٌ يُفْسِدُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ
٢٥- قَتْلُ الْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ: "خَمْسٌ فَوَاسَقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحل وَالْحرم الْغُرَابُ، وَالْحِدْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ" ١.
قَالَ: فَلَوْ قَالَ: اقْتُلُوا هَذِهِ الْخَمْسَةَ وَخَمْسَةً مَعَهَا، لَجَازَ ذَلِكَ فِي التَّعَبُّدِ.
فَأَمَّا أَنْ تُقْتَلَ لِأَنَّهَا فَوَاسَقُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْفِسْقَ وَالْهُدَى، لَا يَجُوزُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَالْهَوَامُّ، وَالسِّبَاعُ، وَالطَّيْرُ، غَيْرُ الشَّيَاطِينِ، وَغَيْرُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، الَّذِينَ يَكُونُ مِنْهُمُ الْفِسْقُ وَالْهِدَايَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْمُعْتَقِدَ أَنَّ الْهَوَامَّ وَالسِّبَاعَ وَالطَّيْرَ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا عِصْيَانٌ وَلَا طَاعَةٌ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَأَنْبِيَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَكُتُبِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَنَا عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ أَنَّهُ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ٢ أَيْ بِعُذْرٍ بَيِّنٍ، وَحُجَّةٍ فِي غَيْبَتِهِ وَتَخَلُّفِهِ.
стр. 197
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَهُ إِلَّا عَلَى ذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي تُسَمَّى فُسُوقًا وَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى عَاصِيًا، جَازَ أَنْ يُسَمَّى فَاسِقًا.
ثُمَّ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْهُدْهُدِ، بَعْدَ أَنِ اعْتَذَرَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ١.
وَهَذَا لَوْ كَانَ مِنْ أَقَاوِيلِ الْحُكَمَاءِ، بَلْ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكَانَ كَلَامًا حَسَنًا، وَعِظَةً بَلِيغَةً، وَحُجَّةً بَيِّنَةً، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا مُطِيعٌ وَعَاصٍ، وَفَاسِقٌ وَمُهْتَدٍ.
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا عَنِ النَّمْلِ مَا حَكَاهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَقَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ ٢ فَجَعَلَهَا تَنْطِقُ كَمَا يَنْطِقُ النَّاسُ.
وَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ ٣ الْآيَةَ فَجَعَلَهَا تَنْطِقُ كَمَا يَنْطِقُ النَّاسُ.
وَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ٤.
وَقَالَ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ٥ أَيْ سَبِّحِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ نُوحًا ﷺ ، لَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَحَ كُوَّةَ الْفُلْكِ الَّتِي صنع.
стр. 198
ثُمَّ أَرْسَلَ الْغُرَابَ، فَخَرَجَ وَلَمْ يَرْجِعْ، حَتَّى يَبِسَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَرَجَعَتْ حِينَ أَمْسَتْ وَفِي مِنْقَارِهَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ، فَعَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ قَلَّ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ.
فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى لَهَا بِالطَّوْقِ فِي عُنُقِهَا، وَالْخِضَابِ فِي رِجْلَيْهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَرَأَتُ أَيْضًا فِي التَّوْرَاةِ: "أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، قَالَ لِآدَمَ -حِينَ خَلَقَهُ- كُلْ مَا شِئْتَ مِنْ شَجَرِ الْفِرْدَوْسِ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ شَجَرَةِ عِلْمِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَإِنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا تَمُوتُ، يُرِيدُ: "أَنَّكَ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَالِ مَنْ يَمُوتُ".
وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَعْزَمَ١ دَوَابِّ الْبَرِّ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ، إِنَّكُمَا لَا تَمُوتَانِ. إِنْ أَكَلْتُمَا مِنْهَا، وَلَكِنْ أَعْيُنُكُمَا تَنْفَتِحُ، وَتَكُونَانِ كَالْإِلَهِ، تَعْلَمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَمَرَتِهَا فَأَكَلَتْ، وَأَطْعَمَتْ بَعْلَهَا، فَانْفَتَحَتْ أَبْصَارُهُمَا، وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ.
فَوَصَلَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ، وَاصْطَنَعَاهُ إِزَارًا، ثُمَّ سَمِعَا صَوْتَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ، حِينَ تَوَرَّكَ٢ النَّهَارُ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ فَدَعَاهُمَا.
فَقَالَ آدَمُ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْفِرْدَوْسِ، وَرَأَيْتَنِي عُرْيَانًا، فَاخْتَبَأْتُ مِنْكَ.
فَقَالَ: وَمَنْ أَرَاكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ، لَقَدْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَيْتُكَ عَنْهَا.
فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ أَطْعَمَتْنِي.
وَقَالَتِ الْمَرْأَة: إِن الْحَيَّة أطغتني.
стр. 199
فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلْحَيَّةِ: مِنْ أَجْلِ فِعْلِكِ هَذَا، فَأَنْتِ مَلْعُونَةٌ، وَعَلَى بَطْنِكِ تَمْشِينَ، وَتَأْكُلِينَ التُّرَابَ، وَسَأُغْرِي بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَوَلَدِهَا، فَيَكُونُ يَطَأُ رَأْسَكِ، وَتَكُونِينَ أَنْتِ تَلْدَغِينَهُ بِعَقِبِهِ١.
وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: وَأَمَّا أَنْتِ فَأُكْثِرُ أَوْجَاعَكِ وَإِحْبَالَكِ، وَتَلِدِينَ الْأَوْلَادَ بِالْأَلَمِ، وَتُرَدِّينَ إِلَى بَعْلِكِ حَتَّى يَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْكِ.
وَقَالَ لِآدَمَ ﷺ : مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ مِنْ أَجْلِكَ وَتُنْبِتُ الْحَاجَّ٢ وَالشَّوْكَ، وَتَأْكُلُ مِنْهَا بِالشَّقَاءِ وَرَشْحِ جَبِينِكَ، حَتَّى تَعُودَ إِلَى التُّرَابِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تُرَابٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَفَمَا تَرَى أَنَّ الْحَيَّةَ أَطْغَتْ وَاخْتَدَعَتْ، فَلَعَنَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَغَيَّرَ خَلْقَهَا، وَجَعَلَ التُّرَابَ رِزْقَهَا٣.
أَفَمَا يَجُوزُ أَنَّ تُسَمَّى هَذِهِ فَاسِقَةً وَعَاصِيَةً، وَكَذَلِكَ الْغُرَابُ بِمَعْصِيَتِهِ نُوحًا ﷺ .
وَيَرَى أَهْلُ النَّظَرِ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ غُرَابَ الْبَيْنِ، لِأَنَّهُ بَانَ عَنْ نُوحٍ ﵇ فَذَهَبَ، وَلِذَلِكَ تَشَاءَمُوا بِهِ، وَزَجَرُوا فِي نَعِيقِهِ بِالْفِرَاقِ وَالِاغْتِرَابِ، وَاسْتَخْرَجُوا مِنَ اسْمِهِ الْغُرْبَةَ، وَقَالُوا: "قَذَفته نوى غربَة" و"هَذَا شَاءَ مغرب" و"هَذِه عَنْقَاءُ مُغْرِبٌ" أَيْ: جَائِيَةٌ مِنْ بُعْدٍ؛ يَعْنُونَ: الْعُقَابَ.
وَكُلُّ هَذَا مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الْغُرَابِ، لِمُفَارَقَتِهِ نُوحًا ﷺ وَمُبَايَنَتِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا، حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان الْعَوْفِيّ،
стр. 200
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبْزَى الْمَكِّيِّ، عَنْ أُمِّهِ رَائِطَةَ بِنْتِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا فَقَالَ لِي: "مَا اسْمُكَ"؟ قُلْتُ: غُرَابٌ.
فَقَالَ: "أَنْتَ مُسْلِمٌ" كَرِهَ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ غُرَابًا، لِفِسْقِ الْغُرَابِ وَمَعْصِيَتِهِ١، فَسَمَّاهُ مُسْلِمًا، ذَهَبَ إِلَى ضِدِّ مَعْنَى الْغُرَابِ؛ لِأَنَّ الْغُرَابَ عَاصٍ وَالْمُسْلِمَ مُطِيعٌ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاسْتِسْلَامِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ.
وَكَانَ ﵇، يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَلَوْ أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْمَذْهَبَ -الَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ- فِي تَجْوِيزِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ عَلَى الْحَيَّةِ وَالْغُرَابِ وَالْفَأْرَةِ، إِلَى مَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي اللُّغَةِ، لَجَازَ لَنَا أَنَّ نُسَمِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ فَاسِقًا، لِأَنَّ الْفِسْقَ الْخُرُوجُ عَلَى النَّاسِ وَالْإِيذَاءُ عَلَيْهِمْ.
يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِهَا، وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ شَيْءٍ، فَهُوَ فَاسِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ٢ أَيْ: خَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ.
فَالْحَيَّةُ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنْ جُحْرِهَا، فَتَعْبَثُ بِطَعَامِ النَّاسِ، وَتَنْهَشُ وَتَكْرَعُ فِي شَرَابِهِمْ، وَتَمُجُّ فِيهِ رِيقَهَا.
وَالْفَأْرَةُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهَا، فَتُفْسِدُ أَطْعِمَتَهُمْ، وَتَقْرِضُ ثِيَابَهُمْ وَتُضْرِمُ بِالذُّبَالَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَلَا شَيْءَ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْهَا ضَرَرًا.
وَالْغُرَابُ، يَقَعُ عَلَى دَآءِ الْبَعِيرِ الدُّبُرِ٣ فَيَنْقُرُهُ حَتَّى يقْتله، وَلذَلِك
стр. 201
تسميه الْعَرَب: بن دَايَةَ، وَيَنْزِعُ عَنِ الْخَيْرِ، وَيَخْتَلِسُ أَطْعِمَةَ النَّاسِ.
وَالْكَلْبُ: يَعْقِرُ وَيَجْرَحُ، وَكَذَلِكَ السِّبَاعُ الْعَادِيَّةُ.
وَكُلُّ هَذِهِ، قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى فَوَاسِقَ، لِخُرُوجِهَا عَلَى النَّاسِ، وَاعْتِرَاضِهَا بِالْمَضَارِّ عَلَيْهِمْ.
فَأَيْنَ كَانُوا عَنْ هَذَا الْمَخْرَجِ، إِذْ قَبُحَ -عِنْدَهُمْ- أَنْ يَنْسُبُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ إِلَى طَاعَة أَو مَعْصِيّة؟!!
стр. 202
قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ
٢٦- رَهْنُ دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ :
قَالُوا: رُوِّيتُمْ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِأَصْوَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ"١.
فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَمَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مُوَاسٍ، وَلَا مُؤْثِرٌ، وَلَا مُقْرِضٌ.
وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّهُ الْخَيْرَ، وَفَتَحَ عَلَيْهِمُ الْبِلَادَ، وَجَبَوْا مَا بَيْنَ أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى أَقْصَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَقْصَى عُمَانَ، ثُمَّ بَيَاضِ نَجْدٍ وَالْحِجَازِ، وَهَذَا مَعَ أَمْوَالِ الصَّحَابَةِ، كَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَأَيْنَ كَانُوا؟
قَالُوا: وَهَذَا كَذِبٌ. وَقَائِلُهُ أَرَادَ مَدْحَهُ النَّبِيَّ ﷺ بِالزُّهْدِ، وَبِالْفَقْرِ، وَلَيْسَ هَكَذَا تُمْدَحُ الْأَنْبِيَاء.
وَكَيْفَ يَجُوعُ مَنْ يُجَهِّزُ الْجُيُوشَ، وَمَنْ يَسُوقُ الْمِئِينَ مِنَ الْبُدْنِ، وَلَهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِثْلُ "فَدَكٍ"٢ وَغَيْرِهَا؟!!
وَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، كُلَّ بَدَنَةٍ عَنْ سَبْعَةٍ"٣ وَاسْتَاقَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَكَانَ عُمْرَتِهِ الَّتِي صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ سِتِّينَ بَدَنَة.
стр. 203
وَكَيْفَ يَجُوعُ، مَنْ وَقَفَ سَبْعَ حَوَائِطَ مُتَجَاوِرَةٍ بِالْعَالِيَةِ١.
ثُمَّ لَا يَجِدُ -مَعَ هَذَا- مِنْ يُقْرِضُهُ أَصْوَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، حَتَّى يَرْهَنَ دِرْعَهُ؟!!
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُسْتَعْظَمُ، بَلْ مَا يُنْكَرُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَمْوَالِهِ، وَيُفَرِّقُهَا عَلَى الْمُحِقِّينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ، وَفِي النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرُدُّ سَائِلًا، وَلَا يُعْطِي إِذَا وَجَدَ إِلَّا كَثِيرًا، وَلَا يَضَعُ دِرْهَمًا فَوْقَ دِرْهَمٍ، وَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ سَاهِمَ٢ الْوَجْهِ، أَمِنْ عِلَّةٍ؟ فَقَالَ: "لَا، وَلَكِنَّهَا السَّبْعَةُ الدَّنَانِيرُ، الَّتِي أَتَيْنَا بِهَا أَمْسِ، نَسِيتُهَا فِي خصم ٣ الفراس فَبِتُّ وَلَمْ أُقَسِّمْهَا" ٤.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ فِي بُكَائِهَا عَلَيْهِ: "بِأَبِي، مَنْ لَمْ يَنَمْ عَلَى الْوَثِيرِ٥ وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ"٦.
وَلَيْسَ يَخْلُو قَوْلُهَا هَذَا، مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ، حَتَّى لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مَا يُشْبِعُهُ -وَهَذَا بَعْضُ صِفَاتِهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٧، أَوْ يَكُونُ لَا يَبْلُغُ الشِّبَعَ مِنَ الشَّعِيرِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ إِفْرَاطَ الشِّبَعِ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ ﷺ ، أَوْلَاهُمْ بِالْفَضْلِ، وأحراهم بِالسَّبقِ،
стр. 204
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: أَنَا أَبُو عَاصِمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَا الْمُحَبِّرُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُرَقَّعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ وِعَاءً مُلِئَ شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلُوا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ، وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ، وَثُلُثًا لِلرِّيحِ" ١.
وَقَدْ قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ٢: إِنَّمَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، مَثَلُ الْمَأْبُورَةِ؟
يُرِيدُ أَكَلَتْ فِي الْعَلَفِ إِبْرَةً، فَهِيَ لَا تَأْكُلُ إِذَا أَكَلَتْ فِي الْعَلَفِ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَا يَنْجَعُ فِيهَا الْعَلَفُ.
وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي الْجُوَارِشْنِ٣ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِهِ، وَأَنَا لَمْ أَشْبَعْ مُنْذُ كَذَا؟! يُرِيدُ: أَنَّهُ كَانَ يَدَعُ الطَّعَامَ، وَبِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ لِرَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْكُلُ "كُلْ". فَقَالَ: قَدْ أَكَلْتُ، فَمَا أَشْتَهِي شَيْئًا.
قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ يَأْكُلُ أَحَدٌ، حَتَّى لَا يَشْتَهِيَ شَيْئًا؟!
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، أَوْ غَيْرُهُ: "لَوَدِدْتُ أَنَّ رِزْقِي فِي حَصَاةٍ أَمُصُّهَا، وَلَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكَثْرَةِ دُخُولِي إِلَى الْخَلَاءِ".
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ أَجِدْ طَعْمَ الْعَيْشِ، حَتَّى اسْتَبْدَلْتُ الْخَمْصَ٤ بِالْكِظَّةِ٥ وَحَتَّى لَمْ أَلْبَسْ مِنْ ثِيَابِي، مَا يَسْتَخْدِمُنِي، وَحَتَّى لَمْ آكُلْ إِلَّا مَا لَا أَغْسِلُ يَدي مِنْهُ.
стр. 205
فَلَمَّا بَكَتْهُ ﷺ عَائِشَةُ ﵂، فَقَالَتْ: "بِأَبِي، مَنْ يَشْبَعُ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ". وَقَدْ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَخُبْزَ الشَّعِيرِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الشِّبَعَ مِنْهُ، إِمَّا لِلْحَالِ الْأُولَى، أَوْ لِلْحَالِ الْأُخْرَى.
فَذَكَرَتْ أَخَسَّ الطَّعَامَيْنِ، وَأَرَادَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، عَلَى خَسَاسَتِهِ فَغَيْرُهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ ﵁: "لَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ بِصِلَاءٍ وَصِنَابٍ وَكَرَاكِرَ١ وَأَسْنِمَةٍ".
وَقَالَ: لَوْ شِئْتُ لَأَمَرَتُ بِفَتِيَّةٍ٢ فَذُبِحَتْ، وَأَمَرْتُ بِدَقِيقٍ فَنُخِلَ، وَأَمَرْتُ بِزَبِيبٍ فَجُعِلَ فِي سَعْنٍ٣ حَتَّى يَصِيرَ كَدَمِ الْغَزَالِ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِقَوْمٍ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ ٤.
وَقَدْ يَأْتِي على الْبَخِيل الموسى تَارَاتٌ، لَا يَحْضُرُهُ فِيهَا مَالٌ، وَلَهُ الضَّيْعَةُ وَالْأَثَاثُ وَالدُّيُونُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقْتَرِضَ، وَإِلَى أَنْ يَرْهَنَ.
فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَبْقَى لَهُ دِرْهَمٌ، وَلَا يَفْضُلُ عَنْ مُوَاسَاتِهِ وَنَوَائِبِهِ -زَادٌ؟!!
وَكَيْفَ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَهْلُ الْيَسَارِ مِنْ صَحَابَتِهِ، بِحَاجَتِهِ إِلَى الطَّعَامِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُمْ، وَلَا يَنْشَطُ٥ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ.
وَقَدْ نَجِدُ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي أَنْفُسِنَا وَأَشْبَاهِنَا مِنَ النَّاسِ.
وَنَرَى الرَّجُلَ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّيْءِ، فَلَا يَنْشَطُ فِيهِ إِلَى وَلَده، وَلَا إِلَى
стр. 206
أَهله وَلَا إِلَى جَاره وَيَبِيعُ الْعَلَقَ١ وَيَسْتَقْرِضُ مِنَ الْغَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.
وَإِنَّمَا رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، لِأَنَّ الْيَهُودَ فِي عَصْرِهِ، كَانُوا يَبِيعُونَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَبِيعُونَهُ، لِنَهْيِهِ عَنْ الِاحْتِكَارِ.
فَمَا الَّذِي أَنْكَرُوهُ مِنْ هَذَا، حَتَّى أَظْهَرُوا التَّعَجُّبَ مِنْهُ، وَحَتَّى رَمَى بَعْضُ الْمَرَقَةِ٢ الْأَعْمَشَ بِالْكَذِبِ من أَجله؟!
стр. 207
قَالُوا: حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ الْقِيَاسُ
٢٧- الِاجْتِهَادُ فِي الْقَضَاءِ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ، وَأَنَّ عَمْرًا قَالَ لَهُ: أَقْضِي -يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَأَنْتَ حَاضِرٌ؟!
فَقَالَ لَهُ: "اقْضِ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ" ١.
قَالُوا: وَهَذَا الْحُكْمُ، لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ ﵎.
وَذَلِكَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الَّذِي يُوَافِقُ الصَّوَابَ مِنْ عَمْرٍو، هُوَ الِاجْتِهَادُ الَّذِي يُوَافِقُ الْخَطَأَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصِيبَ، إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَلَيْسَ يَنَالُهُ فِي مُوَافَقَةِ الصَّوَابِ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْقَصْدِ، وَالْعِنَايَةِ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ، إِلَّا مَا يَنَالُهُ مِثْلُهُ، فِي مُوَافَقَتِهِ الْخَطَأَ.
فَبِأَيِّ مَعْنًى يُعْطَى فِي أَحَدِ الِاجْتِهَادَيْنِ حَسَنَةً، وَفِي الْآخَرِ عَشْرًا؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الِاجْتِهَادَ مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّوَابِ، لَيْسَ كَالِاجْتِهَادِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْخَطَأِ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى مَا أُسِّسَ؛ كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس،
стр. 208
والمسلمون سَوَاءً، وَأَهْلُ الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ سَوَاءٌ إِذا اجتهدوا، وآراءهم وأنفسهم، فأدتهم عُقُولُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ مُخَالِفِيهِمْ عَلَى الْخَطَأِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَلَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّ مِنْ وَرَاء اجْتِهَاد كل امرء تَوْفِيقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي هَذَا كَلَامٌ يَطُولُ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا، وَجَّهَ رَسُولَيْنِ فِي بِغَاءِ١ ضَالَّةٍ لَهُ، وَأَمْرَهُمَا بِالِاجْتِهَادِ وَالْجِدِّ فِي طَلَبِهَا، وَوَعَدَهُمُ الثَّوَاب، إِن وجداها، فَمضى أَحدهَا خَمْسِينَ فَرْسَخًا فِي طَلَبِهَا، وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَأَسْهَرَ لَيْلَهُ، وَرَجَعَ خَائِبًا. وَمَضَى الْآخَرُ فَرْسَخًا وَادِعًا٢ وَرَجَعَ واجدًا، لم يَكُنْ٣ أَحَقَّهُمَا بِأَجْزَلِ الْعَطِيَّةِ وَأَعْلَى الْحِبَاءِ الْوَاجِدُ. وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ قَدِ احْتَمَلَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا احْتَمَلَهُ الْآخَرُ.
فَكَيْفَ بِهِمَا إِذَا اسْتَوَيَا؟!
وَقَدْ يَسْتَوِي النَّاسُ فِي الْأَعْمَالِ، وَيُفَضِّلُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ فَإِنَّهُ لَا دَيْنَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَلَا حَقَّ لَهُ قِبَلَهُ٤.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ: أَنَّ الْمَسِيحَ، ﵇، قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: "مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ، مَثَلُ رَجُلٍ، خَرَجَ غَلَسًا٥ يَسْتَأْجِرُ عُمَّالًا لِكَرْمِهِ، فَشَرَطَ لِكُلِّ عَامِلٍ دِينَارًا فِي الْيَوْمِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ، فَرَأَى قَوْمًا بَطَّالِينَ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى الْكَرْمِ، فَإِنِّي سَوْفَ أُعْطِيكُمُ الَّذِي يَنْبَغِي لَكُمْ، فَانْطَلَقُوا.
ثُمَّ خَرَجَ فِي سِتِّ سَاعَاتٍ، وَفِي تِسْعِ سَاعَاتٍ، وَفِي إِحْدَى عَشَرَ سَاعَةٍ، فَفعل مثل ذَلِك.
стр. 209
فَلَمَّا أَمْسَى، قَالَ لِأَمِينِهِ: "أَعْطِ الْعُمَّالَ أُجُورَهُمْ، ثُمَّ ابْدَأْ بِآخِرِهِمْ، حَتَّى تَبْلُغَ أَوَّلَهُمْ. فَأَعْطَاهُمْ فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ".
فَلَمَّا أَخَذُوا حُقُوقَهُمْ، سَخِطُوا عَلَى رَبِّ الْكَرْمِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا عَمِلَ هَؤُلَاءِ سَاعَةً وَاحِدَةً، فَجَعَلْتَهُمْ أُسْوَتَنَا١ فِي الْأُجْرَةِ.
فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَظْلِمْكُمْ، أَعْطَيْتُكُمُ الشَّرْطَ، وَجُدْتُ٢ لِهَؤُلَاءِ، وَالْمَالُ مَالِي، أَصْنَعُ بِهِ مَا أَشَاءُ.
كَذَلِكَ يَكُونُ الْأَوَّلُونَ الْآخِرِينَ، والاخرون الْأَوَّلين.
стр. 210
قَالُوا: حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ
٢٨- النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا" ١.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ "نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ" ٢.
فَصَارَتِ النِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ دُونَ الْعَمَلِ، وَصَارَتْ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي خَيْرًا مِنَ الْعَمَلِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا تَنَاقُضٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْهَامُّ بِالْحَسَنَةِ إِذَا لَمْ يَعْمَلْهَا خِلَافُ الْعَامِلِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْهَامَّ لَمْ يَعْمَلْ، وَالْعَامِلَ لَمْ يَعْمَلْ حَتَّى هَمَّ ثُمَّ عَمِلَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ" فَإِنَّ الله تَعَالَى تخلد الْمُؤْمِنَ فِي الْجَنَّةِ بِنِيَّتِهِ لَا بِعَمَلِهِ.
وَلَوْ جُوزِيَ بِعَمَلِهِ، لَمْ يَسْتَوْجِبِ التَّخْلِيدَ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي سِنِين مَعْدُودَة.
стр. 211
وَالْجَزَاءُ عَلَيْهَا يَقَعُ بِمِثْلِهَا وَبِأَضْعَافِهَا.
وَإِنَّمَا يُخَلِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا، أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى أَبَدًا لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ١ دُونَ نِيَّتِهِ جَزَاهُ عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ نِيَّتُهُ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيا أَن يُقيم على كفره، لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا، فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ نِيَّتِهِ، جَزَاهُ عَلَيْهَا.
стр. 212
قَالُوا: حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ الْكِتَابُ وَالنَّظَرُ
٢٩- سَمَاعُ الْمَوْتَى:
قَالُوا: رُوِّيتُمْ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ١ بَدْرٍ، فَقَالَ: "يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَقَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا"٢ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ
فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ" وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ؛ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣وَيَقُولُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٤.
ثُمَّ رُوِّيتُمْ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ -يَوْمَ الْأَحْزَابِ-: "اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْفَانِيَةِ ".
وَأَن بن عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَنِ الْأَرْوَاحِ: أَيْنَ تَكُونُ إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَادَ؟ وَأَيْنَ تَذْهَبُ الْأَجْسَادُ إِذَا بَلِيَتْ؟
فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ السِّرَاجُ إِذَا طُفِئَ، وَأَيْنَ يَذْهَبُ الْبَصَرُ إِذَا عَمِيَ، وَأَيْنَ يَذْهَبُ لَحْمُ الصَّحِيحِ إِذَا مَرِضَ؟
قَالَ: لَا أَيْنَ، قَالَ: فَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ، إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَادَ.
وَهَذَا لَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ" وَمَا تروونه٥ فِي عَذَاب الْقَبْر.
стр. 213
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْمَعْقُولِ، وَصَحَّ فِي النَّظَرِ، وَبِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الْأَجْسَادُ قَدْ بَلِيَتْ، وَالْعِظَامُ قَدْ رَمَّتْ١، جَازَ أَيْضًا فِي الْمَعْقُولِ، وَصَحَّ فِي النَّظَرِ، وَبِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ، أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ فِي الْبَرْزَخِ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢.
فَهُمْ يُعْرَضُونَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ عَلَى النَّارِ، غُدُوًّا وَعَشِيًّا، قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
وَهَذَا شَيْءٌ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ شُهَدَاءَ بَدْرٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أُخْرِجُوا عِنْدَ حَفْرِ الْقَنَاةِ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ: لَا نُنْكِرُ٤ بَعْدَ هَذَا شَيْئًا.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي حَفَرَهَا -قَالَ سَفِينٌ: تُسَمَّى عَيْنُ أَبِي زِيَادٍ بِالْمَدِينَةِ- نَادَوْا بِالْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ، فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ.
قَالَ جَابِرٌ: فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، وَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ رِجْلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَمًا.
فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَا يُنْكِرُ بَعْدَهَا مُنْكِرٌ أَبَدًا.
وَرَأَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أَبَاهَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ٥ حَوِّلِينِي مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، فقد أضرّ بِي الندى.
стр. 214
فَأَخْرَجَتْهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوِهَا، فَحَوَّلَتْهُ مِنْ ذَلِكَ النَّزِّ١ وَهُوَ طَرِيٌّ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَدُفِنَ بِالْهَجَرِيِّينَ٢ بِالْبَصْرَةِ.
وَتَوَلَّى إِخْرَاجَهُ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَامَةَ التَّيْمِيُّ.
وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مَشْهُورَةٌ، كَأَنَّهَا عِيَانٌ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءُ، أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونُوا فَرِحِينَ وَمُسْتَبْشِرِينَ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْدَاؤُهُمُ الَّذِينَ حَارَبُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، أَحْيَاءً فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ؟
وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَ؟ وَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ؟
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ٣ "إِنَّهُ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ" ٤ وَتَسْمِيَتُهُ لَهُ ذَا الْجَنَاحَيْنِ، وَكَثْرَةُ الْأَخْبَارِ عَنْهُ فِي مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَفِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِي دُعَائِهِ: "أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" ٥.
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ صِحَاحٌ، لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهَا التَّوَاطُؤُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِثْلُهَا، لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ دِينِنَا، وَلَا شَيْءَ أَصَحُّ مِنْ أَخْبَارِ نَبِيِّنَا ﷺ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي
стр. 215
الْقُبُورِ﴾ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بالموتى هَهُنَا الْجُهَّالَ، وَهُمْ أَيْضًا أَهْلُ الْقُبُورِ.
يُرِيدُ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِفْهَامِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَاهِلًا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى إِسْمَاعِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصَمَّ عَنِ الْهُدَى.
وَفِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَاتِ، دَلِيلٌ عَلَى مَا نَقُولُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٢ يُرِيدُ بِالْأَعْمَى: الْكَافِرَ، وَبِالْبَصِيرِ: الْمُؤْمِنَ.
﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّور﴾ ٣ يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ: الْكُفْرَ، وَبِالنُّورِ: الْإِيمَانَ.
﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُور﴾ ٤ يَعْنِي بِالظِّلِّ: الْجَنَّةَ، وَبِالْحَرُورِ: النَّارَ.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ ٤ يَعْنِي بِالْأَحْيَاءِ: الْعُقَلَاءَ، وَبِالْأَمْوَاتِ: الْجُهَلَاءَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٥ يَعْنِي: أَنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْجُهَلَاءَ، الَّذِينَ كَأَنَّهُمْ مَوْتَى فِي الْقُبُورِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَوْتَى، الَّذِينَ ضَرَبَهُمْ مَثَلًا للجهلاء شَهدا بَدْرٍ٦، فَيُحْتَجَّ بِهِمْ عَلَيْنَا أُولَئِكَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالْأَرْوَاحِ الْفَانِيَةِ" فَإِنَّهُ قَالَه
следующие страницы →