← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

"الشرح يحضب" الذي كان هو الملك يومئذٍ آلهته؛ لأنها نصرته على القادمين المغيرين، وأنقذت شعبه منهم١. ويعارض "جامه" Jamme رأي من يقول: إن المراد من النص: CIH ٤٢٩ حملة "أوليوس غالوس"، ويرى أن المراد من "نمران" هو "نمران أوكان" "نمرن أوكن" الذي ورد اسمه في النصوص ٢JAMME ٦٨٤ JAMME ٥٩٤ JAMME٧٥٨ JAMME ٧٣٩ JAMME ٧١١. وقد ورد اسم "نمران أوكان" مع اسم أخيه "جحضم أحصن"، وهما ابنا "سعدم" "سعد" في النص Jamme ٥٩٤، كما ورد في هذا النص اسما الملكين: "الشرح يحضب" و"يأزل بين", أما النصوص الأخرى، فلم يذكر فيها اسم "يأزل بين". وقد استنتج "جامه" من ذلك أن صاحب النص: Jamme ٥٩٤ كان قد دونه في أيام حكم الملكين. أما النصوص الأربعة الأخرى، قد دونت بعد ذلك، دونت في أيام انتقال الحكم إلى "الشرح يحضب"، أي إلى أيام انفراد هذا الملك بالحكم وحده بعد الحادث المجهول الذي لا نعرف من أمره اليوم شيئًا والذي أدى إلى إغفال اسم "يأزل بين" في النصوص. ويظهر من النصين: Jamme ٧٣٩ و Jamme ٧٥٨ أنه كان تحت إمرة الأخوين "نمران أوكان" و"جحضم أحصن" قائدان كبيران بدرجة "مقتوى". ومعنى هذا أن هذين الأخوين كانا من أصحاب القوة والسلطان في هذا العهد، ولا يستبعد أن يكونا قد ألفا جيشا خاصا بهما، يحاربان به. ويرى "جامه" أن الشعور بالعظمة قد ركب رأس "نمران أوكان"، حتى دفعه إلى الثورة على سيده "الشرح يحضب" على النحو المذكور في النص:٣ CIH ٤٢٩. وقد ذكر اسم "يأزل بين" بعد اسم شقيقه "الشرح يحضب" في الكتابة٤ CIH ٩٥٤, وقد نعتا فيها بـ"ملكي سبأ وذي ريدان", وقد ورد اسم "المقه بعل مسكت وبث وبران". وهي من بقايا نص سقطت أسطره الأولى,

стр. 1192

وذكرت فيه أسماء عدد من الرجال من "بني جدن"١. وذكر اسمهما على الترتيب نفسه في النص CIH ٣٩٨، وهو نص سقطت منه كلمات، ولا سيما في الأسطر الأولى منه٢, فسبب سقوطها عدم فهمنا المراد فهمًا صحيحًا. وقد دعيا في النص بـ"ملكي سبأ وذي ريدان". غير أننا نلاحظ أيضا أنه ذكر في السطر الثامن منه اسم "شعرم أوتر"، ونعته بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، مع أن "شعرم أوتر" "شعر أوتر" كان خصمًا للملكين "الشرح يحضب" و"يأزل بين"، فلِمَ ذكر معهما في النص؟ وعلى أي محمل نحمل هذا القول؟ ويلاحظ أن كلمة "مراهم" "مرأهم" أي "سيدهم" "سيده" ذكرت مباشرة قبل اسم "شعر أوتر"، كما ذكرت كلمة "مرايهمي" أي "سيديه" أو "سيديهم" قبل جملة "الشرح يحضب وأخيهو يازل بين" أي: "الشرح يحضب وأخيه يأزل بين". فنرى من هذا النص أن صاحبه نعت الثلاثة: "شعر أوتر" و"الشرح يحضب" وأخاه "يأزل بين" ملوكًا على "سبأ وذي ريدان", فهل يدل هذا على أن هؤلاء الثلاثة حكموا حكمًا مشتركًا وفي وقت واحد, وقد كان "شعر أوتر" يحكم في مكان بينما كان "الشرح" وأخوه "يأزل" يحكمان في مكان آخر؟ وأن صاحب النص أو أصحابه كانوا يملكون أرضين في جزأي المملكة؛ لذلك اضطر أو اضطروا إلى ذكر الملوك الثلاثة في النص؟ هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها بالاستناد إلى هذه الكتابة التي لم تتعرض لعلاقات "شعر" مع "الشرح" وأخيه، ولا يمكننا استخراج أي جواب منها مقنع في هذا الوقت. ويرى "هومل" أن السبب الذي من أجله ذكر اسم "شعر أوتر" في هذا النص هو لأجل أن ينتقم الإله "المقه" الذي دعا في هذا النص منه، ولكي ينزل رحمته ونعمته على "الشرح" وعلى شقيقه يأزل, اللذين استطاعا في النهاية أن ينتصرا على خصمهما "شعر أوتر"، وأن "شعر أوتر"

стр. 1193

هذا هو الذي قصده أحد النصوص، حيث أشير إلى الإنسان الذي ثار على سيده١. وقد وردت في هذا النص جملة "أرضن خولن"، أي "أرض خولان"، و"محرم بعل أوعلن" "محرم بعل أوعلان"، و"شعب صروح"، أي قبيلة صرواح. ونشر في مجلة Le Museon نص آخر, ذكر فيه اسم "الشرح يحضب" وقد وردت قبل اسم "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان ابن"، وقبلها ثلاثة أحرف هي: "ح م د" "حمد"، وهي بقايا كلمة. ويظهر أن أصحاب النص قد تيمنوا بذكر اسم أحد أبناء "الشرح يحضب" ممن كانوا ملوكًا على سبأ وذي ريدان, غير أن هذا الاسم طمست معالمه بفعل العوامل الطبيعية وتقادم العهد، فلم يبقَ منه أثر. وذكرت بعد "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان"٢. وقد لفتت بعض الكتابات -قَدَّرَ بعض الباحثين عددها بأحد عشر نصًّا، أو أكثر من ذلك بقليل- أنظار العلماء إليها؛ لأنها لم تذكر اسم "يأزل بين" خلافًا للكتابات الأخرى التي يربو عددها على هذا العدد، والتي تذكر اسم الشقيقين معًا. فاستنتج من إغفال تلك النصوص لاسم "يأزل" أن حدثًا وقع له أخذه إلى العالم الثاني، وذلك في حياة أخيه "الشرح يحضب"، فصار الحكم إلى "الشرح يحضب" وحده، وبقي على ذلك إلى أن بدا له ما حمله على إشراك ابنه معه في الحكم، فصار اسم ابنه يرد بعد اسمه في الكتابات٣. ويواجه هذا الاستنتاج مشكلة ليس من السهل حلها, مشكلة عثور الباحثين على كتابات ورد فيها اسم "يأزل بين" مدونًا فيها بعد اسم أحد أبناء "الشرح يحضب". ومعنى هذا أن "يأزل بين" لم يكن قد مات في أيام "الشرح"، بل بقي حيًّا وشهد نفسه وفاة شقيقه ثم عاش فعاصر حكم أحد أبناء شقيقه. فلا يمكن الأخذ إذن برأي من يقول: إنه كان قد أدركه أجله في حياة أخيه، اللهم

стр. 1194

إلا إذا قلنا: إن "يأزل بين" المذكور بعد "نشأكرب يهأمن يهرجب"، وهو ابن "الشرح يحضب"، لم يكن "يأزل بين" شقيق "الشرح يحضب"، بل شخصًا آخر، كأن يكون ابنًا لـ"وتر يهأمن" شقيق "نشأكرب"، أو ابنًا لـ"نشأكرب نفسه"؛ وعندئذ يكون في إمكاننا الادعاء بوفاة "يأزل" شقيق "الشرح" في حياة أخيه. وهناك احتمال آخر قد يكون مقبولًا للعقل أكثر من الاحتمال الأول، هو احتمال بقاء "يأزل" حيًّا وإدراكه أيام حكم أولاد شقيقه. وعندئذ يمكن تفسير اختفاء اسمه في الكتابات في الأيام المتأخرة من حكم "الشرح" بوقوع خصومة بين الأخوين اشتدت حتى أدت إلى وقوع قطيعة بينهما وإلى حذف اسم "يأزل"، وهو أصغر سنًّا من أخيه من الكتابات, أي إلى خلعه وتجريده من اللقب الرسمي وهو لقب الحكم. وقد بقي مخاصمًا لشقيقه حتى أدركت شقيقه منيته، ثم مخاصمًا لابن أخيه "وتر يهأمن" إلى ولاية شقيقه "نشأكرب يهأمن يهرحب" الحكم. فلما ولي "نشأكرب" عرش "سبأ وذي ريدان"، أشرك عمه معه في الحكم؛ ولهذا أدرج اسمه من جديد في الكتابات، أدرج بعد اسم "نشأكرب" الملك الفعلي وارث العرش. أما كيف أشرك "يأزل" مع ابن أخيه في الحكم، وكيف عاد مرة ثانية إلى الحياة الرسمية العامة؟ فليس في استطاعتنا الجواب عن ذلك جوابًا أكيدًا. ولا يستبعد احتمال قيام أناس بالتوسط بين العم وبين ابن أخيه لإصلاح ذات بَيْنِهما، وقد يكون "نشأكرب" هو الذي صالح عمه وأرضاه؛ لدافع شخصي, أو لمصلحة رآها، أو لاضطراره إلى ترضيته؛ لضعف مكانته أو شخصيته، فأراد الاستعانة به لتقوية مركزه. على كلٍّ, فإذا كان "يأزل بين" هذا، هو "يأزل بين" شقيق "الشرح" فيجب أن يكون قد تقدم في السن حين عاد إلى الحكم. ولدينا نص من نصوص الـ"وتف" أمر به "الشرح" ولم يذكر اسم أخيه فيه، وقد وجه به إلى قبيلة "يرسم" في شهر "ذو نسور الأول" وفي السنة السادسة من سني "معد يكرب بن تبع كرب" "معد كرب بن تبع كرب" من آل "حزفرم" "حزفر"، وقد ذكرت فيه أسماء عدد من سادات هذه القبيلة. وفي النص حديث عن أحوال المزارعين والفلاحين والآبقين

стр. 1195

الذين يهربون من المزرعة إلى مزارع أخرى، ولا سيما من الأرض التي يشمل أحكامها هذا النص, وهي: وادي "يفعن" "يفعان"، وأرض "يبلح"، وهي من "رأس مقـ.... ن" إلى "غضران"١. ويتبين من هذا النص أن الفلاحين، وأكثرهم من المسخرين، كانوا يفرون من مزارعهم؛ للتخلص من عملهم المرهق الشاق فيها، ولعدم تمكنهم من كسب قوتهم، فصدر هذا الأمر في معالجة هذه المشكلة. وهي مشكلة أدت إلى تلف المزارع، وإعراض الناس عن الزراعة بسبب إكراه الفلاحين على العمل فيها سخرة، ولقسوة أصحاب الأرض وموظفي الحكومة عليهم. وقد عثر في أرض "شبام سخيم" على كتابة، ذكر فيها "الشرح يحضب" وابنه، وأقيال "سمعي" وهم من سخيم، وذكر بيت "ريمان", و"ريمان" هم من القبائل التي ذكرت في عدد من الكتابات٢. وقد جاء اسم "الشرح يحضب" وحده في النصوص: "أحمد فخري: ٩٤، و٩٥، و١٢٣"، وهي من نصوص هذا العهد: عهد انفراد "الشرح" بالحكم، متلقبا بـ"ملك سبأ وذي ريدان"٣. ويعود النص Jamme ٥٧١ إلى هذا العهد كذلك، وهو نص يتوسل فيه صاحبه إلى إلهه بأن يمن عليه بالسعادة والعافية، وبأن يبارك في ثماره "أثمرن" وفي حاصل حصاده "أفقلم"، وبأن يبعد عنه كل شر، ويرد عنه كيد الكائدين، وحسد الشانئين٤. وأما النص: Jamme ٥٦٧، فقد كتب في هذا العهد أيضا, دونه رجل اسمه "أبامر أصدق" "أبأمر أصدق" "أب أمر أصدق"، وهو من بني "صريهو معد كرب" "صريهو معد يكرب"، وولداه "برلم" "برل"،

стр. 1196

و"كربعثت" "كرب عثت"، وذلك عند تقديمهم ثلاثة تماثيل من ذهب١ إلى الإله "المقه ثهوان"؛ وذلك لمناسبة نوم "برلم" الذي أصابه وألم به، في شهر "عثتر" من سنة "سمهكرب بن أبكرب" "سمهوكرب بن أبكرب" من بني "حذمت" "حذمة"، ولمناسبة الحكم الذي رآه في منامه وتحقق فيما بعد، ولمناسبة شفائه من مرضه, ولكي يديم نعمه عليهم جميعًا، ويعطيهم ذرية طيبة صحيحة، وثمارًا كثيرة وحصادًا جيدًا وغلة وافرة، ويمن على سيدهم "الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان، بن فرعم ينهب ملك سبأ"٢. وإلى هذا العهد أيضا يعود النص: Jamme ٥٧٢. وقد دونه ضابطان كبيران "مقتوى" من ضباط "الشرح يحضب؛ ملك سبأ وذي ريدان"، لمناسبة تقديمها تمثالًا من رصاص أو نحاس "صرفن" "صراف"، يزن ثلاثمائة "رضف"، تعبيرًا عن حمدهما وشكرهما له؛ لأنه مَنَّ على سيدهما "الشرح يحضب" بالشفاء والصحة، ونجاه من عاقبة مرضه "بن مرض مرض بهجرن مرب"، بمدينة "مأرب", ولكي ينعم عليه ويزيل عنه كل بأس "باستم" وكل أرق "مقيظم" أصابه، ولكي ينعم عليهما ويسعدهما ويبعد عنهما حسد الحاسدين وأذى الأعداء٣. ويتبين من هذا النص أن مرضًا نزل بالملك "الشرح يحضب" وهو بمأرب, وقد أصيب بأرق "مقيظم" وقلق، ولم يذكر النص سبب المرض، ولكن يظهر أنه كان قد أصيب بإعياء وتعب بدني ونفسي، حتى استولى عليه الأرق والاضطراب؛ ولهذا توسل هذان الضابطان إلى الإله "المقه" بأن يُشفي سيدهما مما أَلَمَّ به. وتعد الكتابات: Jamme ٥٦٨ و Jamme ٥٦٩ و Jamme ٥٧٠، من نصوص هذا العهد. وصاحب النص الأول رجل اسمه "سعد شمس أسرع" وهو من "جرت" "جرة"، وكان من أقيال عشيرة "ذمري". وقد

стр. 1197

قدم هو وابنه "مرثدم يهحمد" مرثد يهحمد، إلى الإله المقه تمثالًا؛ ليمن على سيدهما الملك، وليحفظه من كل سوء، ولكي يبارك فيهما ويزيد نعمه عليهما وعلى أهلهما من "جرت" وعلى قبيلتهما قبيلة "سمهرن" سمهران١. وقد قدم أصحاب النص: Jamme ٥٦٩، وهم من عشيرة "مربان" "مربأن" تمثالًا مؤنثًا "صلمتن" -ويظهر أنه يقصد تمثالًا لامرأة- وذلك ليحظوا برضا ملكهم "الشرح يحضب"٢. وأما النص: Jamme ٥٧٠ فقد دونه رجل، سقط اسمه الأول من النص، وبقي نعته فقط، وهو "ركبن"، أي "ركبان"، وقد قال عن نفسه: "عبد ملكن"، أي: عبد الملك، يقصد خادم الملك؛ ذلك لأنه تمهل في عمله، فلم يجمع غلة اليوم الثامن من المزرعة، فكَفَّر عن تمهله هذا وتجاهله أمر الإله "المقه" الذي كان عليه أن يقوم بخدمته وبأن يحضر موضع أداء الشعائر له، وذلك بتقديمه ذلك التمثال وبأن يقوم بجني غلة المزرعة على نحو ما يرام٣. ويلاحظ أنه استعمل جملة: "ولشرح يدهو ولسنهو"٤، أي: "وليشرح يده ولسانه"، ويقصد بها التوسل إلى الإله "المقه" بأن يبسط يد الملك ولسانه، أي: يبارك في يده ولسانه، كما نقول: يشرح الله قلبه، فهي من التعابير المستعملة عند العرب الجنوبيين في ذلك العهد. ولم يذكر اسم "يأزل بين" في النصين: REP. EPIG. ٣٩٩٠، و REP. EPIG. ٤١٥٠. وصاحب النص الأول هو "يجعر بن سخيم" وكان قيلًا "أقول" على عشيرة "سمعي" المؤلفة لثلث "ذي حجرم". وقد قدم إلى الإله "تألب ربام" "بعل كبدم" خمسة تماثيل؛ لينعم ويبارك على سيده "الشرح يحضب"، ملك سبأ وذي ريدان، وعلى ابنه "وترم" "وتر", وليبارك فيه وفي بيته "بيتو" "ريمان"٥.

стр. 1198

والنص: REP. EPIG. ٤١٥٠ صاحباه شقيقان، "شرح عثت أريم" وشقيقه "رثد ثون" تمثالًا إلى الإله "عثتر ذ ذنن" "عثتر ذو ذبان"، "بعل بحر حظيم" حامدين "حمدم" له وشاكرين، إذ من عليهما، وأوفى لهما ما طلبا وسألا، وكان ذلك في أيام "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان وابنه وتر"١. ويلاحظ أن النصين لم يذكرا بعد "وترم" لقبه، ولم يكتبا جملة "ملك سبأ وذي ريدان". ويظهر أنهما كُتبا في أيام انفراد "الشرح يحضب" بالحكم, وتولي ابنه "وتر" إدارة الأمور؛ لمساعدة أبيه فقط، ولم يكن قد منحه أبوه يومئذ حق التلقب بألقاب الملوك. لقد بلغنا الآن نهاية أيام حكم "الشرح يحضب", لقد رأيناه محاربًا مقاتلًا حارب الحبش، وحارب حمير، وحارب حضرموت، وحارب قبائل أخرى. لا يكاد يعود إلى إحدى عاصمتيه "مأرب" أو صنعاء، ليستقر في قصريه ومقري حكمه: قصر "سلحان" أو "غمدان" وليستريح بعض الوقت، حتى تشتعل ثورة هنا أو هناك تدفعه إلى ترك راحته والإسراع نحوها للقضاء عليها وإخمادها حتى لا يمتد لهيبها إلى مكان آخر. لقد أجهدته هذه الحروب وتلك الفتن، فأتعبت جسمه ونهكت أعصابه، حتى أُصيب مرارا بأمراض وطغى عليه الأرق، وهذا ما حمل المقربين إليه على التوسل إلى آلهتهم؛ لتمن عليه بالشفاء وبنوم هادئ مريح، ولتمنحه الراحة والاستقرار، وتبعد عنه الأتعاب وشر الأعداء الأشرار وحسد الحاسدين، دلالة على كثرتهم وتعبيرًا عن تلك الفتن المتتالية التي كانت في تلك الأيام. وقد كلفت هذه الحروب وتلك الثورات, العربية الجنوبية أثمانًا باهظة، وأنزلت بها خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وأحلت بكثير من مواضعها الدمار والخراب، ونَغَّصَتْ عيش أهلها فجعلتهم في حالة نفسية قلقة مضطربة، بدليل ما نجده من توسلات ترتفع إلى الآلهة تدعوها بأن تمن على عبيدها بنعمة الطمأنينة والهدوء والاستقرار، كما نشرت فيها الأوبئة والأمراض التي كانت تفتك بالناس بالجملة

стр. 1199

فتكًا، وأحلت الهلاك بالمزارع والحقول وبالمدن, فردمت آبار، عاشت عليها الزراعة والقرى والمدن، واقتلعت الأشجار، وأتلفت الحقول والمزارع، وأُوذيت مجاري المياه التي تسقيها، وخُربت مدن، وأُعمِل في أهلها السيف، أو سِيقوا أسرى، ووضعٌ على هذا النحو لا بد أن يخلق تعاسةً وبؤسًا، ويؤثر في الوضع العام بجملته تأثيرًا سيئًا، يصير إرثًا ينتقل إلى الطبيعة الجديدة١. وقد لاحظ "ريكمنس" J. Ryckmans أن هذا الاقتتال وهذا النظام الإقطاعي يصادف زمن حلول الخيل محل الجمل في القتال في أواسط جزيرة العرب وجنوبيِّها، كما لاحظ W. Dostal أن جيوش العربية الجنوبية استعملت سروجا جيدة لدوابها التي تحارب عليها، وأن قبائل أواسط جزيرة العرب حسنت من أنظمتها وكفاءتها في القتال؛ مما أكسبها قدرة في الغزو بسرعة والانتقال من مكان إلى مكان في مدة قصيرة، فأكسبها شأنا عسكريا وسياسيا؛ فأثر كل ذلك في السياسة العامة للجزيرة، إذ لم تبقَ القوى العسكرية محصورة في مناطق الزراعة في هضاب جنوب جزيرة العرب، وإنما انتقلت إلى بقية أنحاء جزيرة العرب؛ إلى مواضع الآبار والرياض والعيون حيث تركزت الزراعة كما حدث في يثرب وفي الطائف وفي أماكن زراعية أخرى، أو إلى مواضع تقع على طرق قوافل مثل مكة، أهلتها لأن تختص بالتجارة، وأن تنال مكانة بها٢. لقد وضع "جامه" حكم "الشرح يحضب" مع أخيه "يأزل بين"، إذ كانا يحكمان حكمًا مشتركًا في حوالي السنة الخمسين قبل الميلاد، وجعل نهاية هذا الحكم المزدوج حوالي السنة الثلاثين قبل الميلاد، حيث حكم "الشرح" حكمًا منفردًا لا يشاركه فيه أحد. وقد دام هذا العهد إلى حوالي السنة العشرين قبل الميلاد أو بعدها بقليل٣. وإذا جارينا رأي "جامه" المتقدم، ورأي الباحثين الذين ذهبوا إلى أن حكم "الشرح يحضب" كان في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، وفي

стр. 1200

الربع الأخير منه، جاز لنا القول بأن "إلساروس" Ilasaros، الذي ذكره "سترابون" على أنه ملك السبئيين في أيامه، وكانت في عهده حملة "أوليوس غالوس" هو هذا الملك "الشرح يحضب"١. ولكن جمهرة أخرى من الباحثين والمتخصصين في العربيات الجنوبية ترجع أيام "الشرح" إلى ما قبل ذلك, فقد جعل "فلبي" مثلًا حكمه فيما بين السنة "١٢٥" والسنة "١٠٥" قبل الميلاد٢. هذا، ويلاحظ أن بعض الكتابات التي أغفلت "يأزل"، ذكرت ابن "الشرح" بعد أبيه، ودعت له ولأبيه بالعافية ودوام البركة والنعمة، إلا أنها لم تنعته بنعت، مما يدل على أنه لم يكن يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان" آنذاك٣. وقد اختلف الباحثون في ضبط اسم الشخص الذي ولي الحكم بعد "الشرح يحضب"؛ فقد وضع "فلبي" اسم "يأزل بين" بعد "الشرح يحضب"، دلالة على أنه هو الذي حكم بعده، ثم وضع "نشأكرب يهأمن يهرحب" من بعده، وهو ابن "الشرح يحضب"، ومعناه أنه هو الذي حكم بعد وفاة عمه٤. إذ إن "يأزل بين" هو شقيق "الشرح يحضب" كما رأينا. ووضع "فلبي" اسم "وتر يهأمن" بعد "نشأكرب يهأمن يهرحب"، وهو كذلك أحد أبناء "الشرح يحضب". ويرى بعض الباحثين أن "وترًا" اتخذ لقب "يهأمن" بعد اعتلائه العرش، وكان قبل ذلك يعرف بـ"وتر"٥, وقد ورد اسمه في عدد من الكتابات٦. أما "ريكمنس" فقد دون اسم "يأزل بين" بعد "الشرح يحضب" وقد جعله شريكًا له في الحكم، ومعاصرًا لـ"حيو عثتر يضع"، وهو ابن "شعر أوتر" والمالك من بعده، وآخر من حكم من أسرة "علهان نهفان",

стр. 1201

"علهن نهفن". ثم جعل الحكم في "نشأكرب يهأمن" ابن "الشرح يحضب". وذكر معه اسم "وتر" غير أنه لم يذكر أنه ولي الحكم، كما أنه لم يذكر أي شيء آخر عنه, ثم ترك فراغًا، ذكر بعده اسم "ذمر على بين"١. وأما "جامه"، فقد نصب "وتر يهأمن" ملكًا من بعد "الشرح يحضب" الذي هو أبوه, وجعل حكمه ملكًا في حوالي السنة "٥" قبل الميلاد حتى السنة "١٠" بعد الميلاد٢. و"وتر يهأمن" هو "وتر" الذي تحدثت عنه، وقلت: إن اسمه قد ورد في النصين: Rep. Epig. ٣٩٩٠ و rep. Epig. ٤١٥٠ اللذين ورد اسمه فيهما غير مقرون بلقب، ولا جملة "ملك سبأ وذي ريدان". أما في النصوص الأخرى، فقد ذكر فيها لقبه وهو "يهأمن"، وذكر بعده شعار حكمه ملكًا، وهو "ملك سبأ وذي ريدان"٣. ويرى "ميتوخ" و"موردتمن" أن من المحتمل أن يكون "وتر يهأمن" المذكور في النصين: CIH ١٠ و CIH ٢٥٨, هو "وتر يهأمن" هذا الذي نبحث عنه. وقد ذكرت بعد "وتر يهأمن" في النص CIH ١٠ جملة "ملك سبأ". ويرى "ميتوخ" و"موردتمن" أيضا أن ابن "الشرح" كان يعرف بـ"وترم" "وتر" وذلك قبل اعتلائه العرش. فلما أصبح ملكًا، عرف بـ"وتر يهأمن"، أي باتخاذ لقب "يهأمن" لقبًا رسميًّا له٤. ويتحدث النص: Jamme ٦٠١ عن معارك وقعت في أرض "خولن جددن" "خولان جددان"، تولى إدارتها وقيادتها "الرم يجعر" "الريام يجعر" "الرام يجعر" "الريم يجعر"، وهو من عشيرة "سخيمم" "سخيم"، وكان قيلًا "قول" على عشيرة "سمعي"، التي تكون ثلث قبيلة "حجرم", وهو صاحب النص، والآمر بتدوينه. وقد ذكر فيه: أن سيده الملك "وترم يهأمن" "ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"

стр. 1202

أمره بأن يسير إلى عشائر "خولان" "خولن" ويؤدبها؛ لأنها عصت الملك، وشجعت قبائل أخرى على العصيان، فانضمت إليها. وقد استطاع هذا القائد كما يذكر في نصه أن يقهر الثائرين ويحطم مقاومتهم، ثم عاد بعد ذلك بغنائم كثيرة سرت الملك, فشكر الإله "المقه ثهوان" "بعل أوام" الذي وفقه ونصره، فقدم إليه تمثالين له؛ تعبيرًا عن شكره, وعن مننه عليه، إذ نصره في معركتين مع قبائل خولان ومن انضم إليها, اللتين قهر فيهما أولئك الثائرين, ولكي يزيد من نعمه عليه، ويبارك في ملكه وفيه وفي أهله, ويعطيه بركة في زرعه وقوة في جسمه, ويبعد عنه أذى الأعداء١. والنص: Jamme ٦٠٢ هو في معنى النص الأول وفي مضمونه، وصاحبه هو "الرم يجعر" نفسه. وأما النص: Jamme ٦٠٣، فقد أمر بتدوينه "فرعم بن مقرم" "فرع بن مقر" "الفارع بن مقر" وأولاده، وهو من عشيرة "عقبان" "عقبن"؛ وذلك لمناسبة إنشائهم "سقه"، أي: "سقاية" صهريجًا و"مزودًا" وصرحًا في "ذ عقبن" "ذي عقبان". وتيمنًا بهذه المناسبة قدموا إلى الإله المقه تمثالًا حمدًا له وشكرًا على أنعمه عليهم، وكان ذلك في أيام: "وتر يهأمن ملك سبأ وذي ريدان"٢. وشكر "وهبم أصدق" "وهب أصدق" "وهاب أصدق"، الإله "المقه" على نعمه التي أنعمها عليه. وتعبيرا عن حمده وشكره له، قدم إلى معبده "أوام" ثلاثة أصنام" تماثيل"، وذلك في أيام "وتر يهأمن، ملك سبأ وذي ريدان"، ابن "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان". وقد سجل شكره هذا في نص, وسمه الباحثون بـ Jamme ٦٠٤. ومما يلفت النظر فيه ورود جملة: "وبشمس ملكن تنف"، أي: وبشمس الملك تنف، ويقصد بها وبشمس إلهة الملك, ونعتها تنف٣. والنصوص الثلاثة الأخرى هي في أمور شخصية، لا صلة لها بالسياسة وبالحرب وببقية النواحي من الحياة العامة، كل ما فيها توسلات وتضرعات إلى الآلهة بأن تمن على أصحابها بالخيرات وبالبركات وبالسعادة وبأولاد ذكور

стр. 1203

"أولدم أذكرم"، وما شاكل ذلك١. ولذلك لا أجد فائدة في الكلام على مضمونها في هذا المكان. وقد وضع "جامه" اسم "نشأكرب يهأمن يهرحب" بعد اسم "وتر يهأمن" في الحكم. و"نشأكرب" هذا هو أحد أبناء "الشرح" أيضًا، فهو شقيق "وتر يهأمن"٢. وقد حصل الباحثون على عدد من الكتابات من أيام حكم "نشأكرب"، من جملتها الكتابة: Jamme ٦١٩، وصاحبها رجل اسمه "رب إيل أشوع" "ربئيل أشوع"، وابنه "ددال" "دودايل" "دادايل" "داديل" من عشيرة "حلحلم" "حلحل" "حلاحل", وقد كان "رب إيل أشوع" عاقب "عقبت" الملك على مدينة "نشقم" أي: "نشق". ويراد بـ"عقبت" "عاقب"، درجة نائب الملك، أو ممثله الذي يمثله ويدير مكانًا ما, وقد دون كتابته عند شفائه من مرض ألم به وهو في مدينة "نشق"، ومن اضطراب وقع له في معدته، ومن سقوط بعيره بعثرة عثرها، فسقط "رب إيل أشوع" من ظهره على ما يبدو من النص، ولكي يحظى برضا سيده "نشأكرب يهأمن يهرحب، ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان"٣. وسجل "رب إيل" وأخواه "يزد" "يزيد" و"هوف ال" "هوف إيل" "هوفئيل"، وهم من "ال ذخرم" "آل ذخر" شكرهم وحمدهم للإله "المقه ثهوان" "بعل أوام"؛ لأنه نجاهم مما ألم بهم من أمراض، وخفف عنهم كل شين نزل بهم "تشينت هشين"، ومن كل مصيبة ألمت بهم فنهكتهم، سجلوه على لوح وضعوه في معبد ذلك الإله، كما أهدوا إليه صنمًا، أي تمثالًا، تعبيرًا عن شكرهم وحمدهم له، وكان ذلك في عهد هذا الملك الذي نتحدث عنه٤. وجاء اسم "نشأكرب" في النص: REP. EPIG. ٣٥٦٣، وقد نعت فيه

стр. 1204

بـ"أيمن يهرجب" بدلًا من "يهأمن بهرحب", وفي النص: REP. EPIG. ٤١٩١ وقد سقط اسم أصحابه فيه, وكانوا أقيالًا "أقول" على قبيلة سقط اسمها فيه أيضًا، وقد عبروا عن أنفسهم بـ"أدم نشأكرب"، أي "عبيد نشأكرم"، على سبيل الأدب والتعظيم للملك. وقد ذكروا فيه أنهم أهدوا للإله "المقه بعل أوعلن"، أي: المقه رب "أوعلان"، صنمًا "صلمن" مصنوعًا من صريف "صرفن" أي: فضة أو رصاص أو نحاس، بحسب تعريب الباحثين لكلمة "صرف" "صرفان"، وصنمًا آخر من ذهب؛ لأنه من عليهم وأجاب كل ما سألوه١. وقد سجل الملك "نشأكرب يهأمن يهرحب" نصين آخرين، أحدهما النص: Jamme ٦١١، والآخر النص: Jamme ٦١١، دون في النص الأول أنه أهدى لمعبد "المقه ثهوان"، وهو معبده المسمى "أوام" "بعل أوم"، صنمين, أي: تمثالين من ذهب؛ لأنه أجاب دعواته "واستوفين كل دعت" ووفى له كل ما طلبه منه، وأعطاه "برق الخريف"، "ببرق خرف" أي: الأمطار التي تتساقط في موسم الخريف، فتُحيِي الأرض وتُغِيث الزرع، وذلك في سنة "نشأكرب من معد يكرب" من "فضحم" "فضح الثاني"، ولأنه حفظه من البرد "بردم"، وربما قصد به مرض "البرداء"، أي: "الملاريا" التي تجعل المريض وكأنه يرتجف من البرد, أو ربما قصد به نزلة أصابته, ومن "أربيم" وقد ترجمها "جامه" بـ"جراد"، ومن سحب الهوام والحشرات التي ظهرت في هذا الموسم، بمناسبة حدوث هذا البرق، "بهيت برقن", ولكي يزيد في نعمه عليه ويباركها، ويحفظه ويحفظ ملكه "ملكهمو" ويحفظ جيشه "خمسهمو" "خميسه"، ولكي يثبر "لثبر" ويحط "وضع" من شأن كل شانئ وحاسد وعدو له٢. وأما النص: Jamme ٦١١، فيذكر فيه "نشأكرب يهأمن يهرحب" أنه قدم صنمًا، "صلمن" إلى معبد الإله "المقه"، وهو معبد "أوم"

стр. 1205

"أوام", حمدًا لذاته؛ لأنه أعطاه كل ما أراده وطلبه منه، ووفاه له، قدمه في شهر "هوبس وعثتر" من سنة "نشأكرب بن معد يكرب" من "حذمت" حذمة الثالث "ثلثن", ولكي يديم نعمه عليه، ويمنحه القوة والحول، ويبارك في ملكه "ملكهمو"، ويعز جيشه، ويقهر أعداءه١. ولدينا نص آخر من النصوص التي أمر "نشأكرب" بتدوينها، هو النص الذي وسم بـJamme ٨٧٧، يخبر فيه أنه أهدى لمعبد الإله "المقه ثهوان"، وهو معبد "بعل أوام"، صنمًا "صلمن"؛ لأنه من عليه، وأوحى إليه في قلبه بأن يقدمه إليه, ولأنه أجاب كل ما سأله وطلبه منه. وقد أهداه له في شهر "هوبس" من سنة "سمه كرب" "سمهكرب بن أبكرب" من "حذمت" حذمة الثالث "ثلثن", ولكي يديم نعمه عليه، ويبارك فيه، ويبعد عنه أذى الأشرار والأعداء، وذلك بحق "المقه ثهوان" "بعل مسكت" و"يثو برن" "يثو برءآن"٢. وورد اسم هذا الملك في نص آخر وسم بـJamme ٦٢١ وصاحبه من عشيرة "عبلم" "عبال" "عبل" "عبيل"، من بني "أأذنن" "أأذنان" "أأذن". وقد دونه تعبيرًا عن حمده لذات إلهه "المقه" الذي وفى له كل مطلب طلبه منه٣، وذلك في عهد "نشأكرب"٤، كما ورد اسمه في النص: Jamme ٦٢٢, وصاحبه "أبكرب أصحح" "أبو كرب أصحح", وولداه "يحمد يزن" "يحمد يزان" "يحمد يزأن" "يحمد يزءان"، و"أحمد يزد" "أحمد يزيد"، وهم من "آل جرت" "جرة" ومن "آل أنبر" "أنبر" "ال أنبر" وقد دونا فيه حمدهما وشكرهما للإله "المقه"، الذي أغناهم وأنعم عليهم بغنائم حرب أرضتهم، ولكي يمن عليهم بتنفيذ أي أمر يكلفهم الملك "نشأكرب" إياه، ولكي يبارك في زرعهم وفي حاصلهم الشتوي وحاصل الخريف وحاصل الصيف، ولكي يمنحهم البركة في أرضهم ويوفر لهم الماء لإسقاء زرعهم, ويبعد عنهم كل بأس "بن باستم" ويبعد الأرق عنهم،

стр. 1206

وكل مكروه وكل أذى وحسد الشانئين البعيدين والقريبين١. ويلاحظ ورود اسم "أحمد" و"يحمد" في هذا النص. ويتحدث النص Jamme ٦١٢ عن حملة قام بها "إحمد يغنم" "أحمد يغنم"، وهو ابن "نشاي" "نشأى"، وكان من كبار ضباط "مقتوى" الملك "نشأكرب"، وبأنه أهدى لمعبد "بعل أوام"، المخصص بعبادة الإله "المقه" صنمًا من ذهب؛ لأنه من عليه وأفاض عليه بنعمه، وأيده في الحملة التي قادها مع أقيال "أقولن" وجيش الملك إلى أرض حضرموت، ولأنه أعاده سالمًا بريئًا "أتو ببريتم" معافًى بعد أن قتل رجلين، ولكي يزيد في نعمه عليه وتوفيقه له، وليبعد عنه أذى الشانئين٢. والنص المذكور نص موجز، لم يذكر أسماء المواضع التي حارب فيها جيش "سبأ وذي ريدان" في حضرموت، ولا الأسباب التي أدت إلى إرساله إلى هناك. ويظهر من إيجازه هذا ومن عدم إشارته إلى عودته بغنائم وأسرى وأموال، أن الحملة المذكورة لم تكن حملة كبيرة, وإلا قادها الملك نفسه، فقد كان من عادة الملوك عندهم ترؤس الحملات الكبيرة، وإدارة الحروب بأنفسهم إذا كانت كبيرة، ولو رئاسة شكلية أو رمزية. وعدم إشارة هذا النص إلى وجود الملك مع رجال الحملة، يشير كما قلت إلى صغر حجمها، وإلى أن الغاية التي أرسلت من أجلها لم تكن ذات خطر، وقد تكون لمجرد تأديب قبائل من حضرموت تحرشت بسبأ أو عصت أمر ملك حضرموت, فأرسلها الملك "نشأكرب" لتأديب تلك القبائل الثائرة. ونقرأ في النص: Jamme ٦١٦ خبر معارك اشترك فيها أصحاب النص، وهم من بني "سخيم" سادات "بيت ريمان". وكانوا أقيالا "أقول" على عشيرة "يرسم" من عشيرة "سمعي" التي تؤلف ثلث قبيلة "هجرم" "هجر"، كما كانوا من كبار ضباط الملك "نشأكرب"، أي: من درجة "مقتوى". وقد نشبت تلك المعارك من امتناع عدد من القبائل عن دفع ما استُحِقَّ عليها من ضرائب؛ مما حمل الملك على إرسال حملة عسكرية إليها، تمكنت من

стр. 1207

تأديبها وإخضاعها، فاضطرت عشائر "خولان جددم" "خولان جدد" إلى إرسال ساداتها وأشرافها إلى مدينة صنعاء "صنعو" لمقابلة الملك وعرض طاعتهم عليه وخضوعهم له. وقد رضي الملك عنهم، وأدوا ما استحق عليهم من إتاوة، وبذلك نجحت هذه الحملة, وسر أصحاب -وهم قادتها- بهذا النصر١. وتحدث النص بعد ذلك عن عصيان قبيلة "دوات" "دوأت" وعشائرها، وهي: "أباس" "أبأس", و"أيدعن" "أيدعان"، و"حكمم" "حكم", و"حدلنت", و"غمدم" "غمد", و"كهلم" "كاهل", و"أهلني" "أهلاني"، و"جدلت" "جدلة", و"سبسم" "سبس"، و"حرمم" "حرم" "حرام", و"حجرلمد", و"أومم" "أوم", و"رضحتن" "رضحتان" من "حرت" "حرة". وقد ثارت كل هذه العشائر، وعصت الملك، وامتنعت من دفع الضرائب؛ فاضطر الملك إلى إرسال قوة عسكرية عليها، التقت بها في أسفل الأودية "بسفل اوديتن": "بارن" "بئران" "بأرن" "بأران" و"خلب" و"تدحن" "تدحان"، فانتصرت عليها، أي: على العشائر الثائرة، وأخذت منها غنائم كثيرة وأسرى٢. وعثر على كتابات أخرى، ورد فيها اسمه ثم اسم "يأزل بين" من بعده، وذلك على هذا النحو: "نشأكرب يهأمن يهرحب، ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب، وبأزل بين، ملكي سبأ وذي ريدان". وقد أوجد ورود هذا الاسم -وذلك كما ذكرت سابقًا- للباحثين الذين قالوا بوفاة "يأزل بين" في أيام حياة "الشرح" مشكلة، خلاصتها: أنه إذا كان "يأزل بين" قد توفي في أيام شقيقه، فلِمَ ذكر اسمه في هذا النص وفي نصوص أخرى مثله؟ أفلا يدل ورود اسمه في النص على أنه لم يمت في ذلك العهد ولكن بقي حيًّا، وعاد فحكم مع ابن أخيه "نشأكرب"، بعد ترضيته أو لأسباب أخرى لا نعرفها، فعاد اسمه، فظهر مرة أخرى في الكتابات؟ أما الذين أبقو "يأزل بين" حيا ولم يُميتوه، فإنهم يعتمدون على هذه

стр. 1208

النصوص في دعواهم ببقائه على قيد الحياة، وبمشاركته ابن أخيه في الحكم، وأما غيرهم فقد تعمدوا إلى حجج وأعذار في تفسير ما ورد في النصوص، في جملتها أن ذكر اسمه لا يدل على بقائه حيًّا حتى ذلك الزمن، وأن ذكره في الكتابات معناه الإشارة إلى عم الملك، وقد كان ملكًا، وأن "نشأكرب" إنما ذكره ليبين للناس أنه سيسير على سنة أبيه وعمه في مقاومة أعدائه بتجريد الحملات عليهم ومحاربتهم، وأنه سيخالف بذلك سياسة شقيقه "وترم يهأمن" الذي سلك خطة التهدئة وحل المشكلات بطريقة المفاوضات والسلم. ودليلهم على ذلك ورود جملة نصوص من أيامه، فيها أخبار حروب وقتال، على حين لا نجد من أخبار القتال في أيام شقيقه غير خبر واحد ورد في نص واحد، هو النص: Jamme ٦٠١ الذي مر ذكره١. ولكن، هل نحن على علم يقين بأننا لن نعثر في المستقبل على نص ما من أيام "وترم يهأمن"، فيه نبأ عن حرب أو حروب؟ ثم من يدري بنا أنه كان مسالمًا؟ أفلا يجوز أن يكون قصر حكمه، هو الذي حال بينه وبين خوض المعارك؟ ثم ما الدليل على أن ذكر اسم "يأزل بين" في نصوص أيام "نشأكرب"، معناه اتباع سياسته وسياسة شقيقه في الحرب؟ وليس في النصوص أية إشارة ولا أي تلميح يدفعنا إلى التفكير في هذا التفسير أو التأويل. ومن الكتابات التي دون فيها اسم "يأزل بين" بعد اسم "نشأكرب"، الكتابة: Jamme ٦٠٨. وصاحبها هو الملك "نشأكرب يأمن يهرحب" نفسه٢. وقد دونها حمدًا للإله "المقه ثهوان" "بعل أوام" وشكرًا له على نعمه وأفضاله، وذكر أنه قدم في هذه المناسبة صنمًا أي: تمثالًا من صريف "صرفن" فضة أو رصاص أو نحاس, زنته ألف "رضى" "رضيم"؛ ليكون تعبيرا عن شكره، وتقربه إليه٣. وتعد الكتابة: REP. EPIG. ٤٢٣٣ من كتابات هذا العهد، وصاحبها رجل اسمه "يصبح" وقد سقط اسم أبيه من النص. وقد ذكر فيها أنه قدم خمسة

стр. 1209

تماثيل إلى الإله "المقه ثهوان"؛ لأنه من على عبده "يصبح" فأفاض عليه بنعمه، وأجزل له العطاء, ومنحه رضا سيده الملك، ولكي يديم نعمه هذه عليه، ويبعد عنه كل أذى وشر، بحق الإله: المقه١. وإلى هذا العهد أيضا تجب إضافة النص: Jamme ٦١١، الذي سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على الكتابات التي أمر الملك "نشأكرب" بتدوينها باسمه، إذ ذكر فيها اسم عمه "يأزل بين". لقد انتهيت الآن من كلامي على "آل فرعم ينهب"، ووجب عليَّ التحدث عن أسرة جديدة حكمت "سبأ وذا ريدان"، هي أسرة يبدأ حكمها بحكم "ذمر على بين". ولكنني أرى التحدث عن أسرتين كان لهما شأن في هذا الزمن: أسرة "وهب أوم يضف" "وهب أوم ياضف"، وأسرة "سعد شمسم أسرع" "سعد شمس أسرع". وقد ورد اسم "وهب أوم يضف" "وهب أوم ياضف" "وهب أوام يضف" في عدد من الكتابات، وذكر مع اسمه اسم شقيق له يعرف بـ"يدم يدرم", وقد عاصرا الملك "الشرح يحضب"، كما عاصرا "نشأكرب يهأمن يهرحب". وقد عرفنا من الكتابات أسماء عدد من أولاد "وهب أوم يأضف" "وهب أوم يضف" هم: "حمعثت أزأد" "حمعثت أزاد"، و"أبكرب أسعد" "أبو كرب أسعد" و"سخيمم يزان" "سخيم يزأن" و"وهب أوم يسبر" "وهب أوم يسبر"، و"نشأكرب يدرم" "نشأكرب يدرم"٢. ويظهر من النص: Jamme ٦١٦ أن "وهب أوم" وأخاه، كانا من عشيرة "سخيم"، وكانا "أبعلا" على بيت ريمان "أبعل بيتن ريمن" أي: أصحاب "بيت ريمان"، وكانوا أقيالًا على عشيرة "يرسم" من قبيلة "سمعي" التي تكون ثلث "ذي هجرم". فيظهر منه ومن النص: Jamme ٧١٨ أنهما كانا من عشيرة "سخيمم"، أي: سخيم٣.

стр. 1210

وقد كانت أسرة "وهب أوم" وأولاده، وشقيقه "يدم" تستغل أرضين حكومية تابعة للملك، أجرها لها الملك "الشرح يحضب" وفق أمر ملكي أصدره باسمه، وأعلنه، عثر عليه الباحثون، فوسموه بـREP. EPIG. ٤٦٤٦. وقد ذكر في النص اسما ولدين من أولاد "وهب أوم"، هما: "حمعثت"، و"أكرب"، كما أشير إلى عشيرة "يرسم" و"سخيم". وهو من النصوص المهمة التي تتعلق بالزراعة وباستغلال الأرضين في ذلك الزمن. وأما أسرة "سعد شمسم أسرع" "سعد شمس أسرع"، فإن أهميتها تزيد على أهمية الأسرة المتقدمة، إذ كانت لاسمها صلة بالملك "الشرح يحضب"، كما جاء في النصوص: Jamme ٦٢٦ و Jamme ٦٢٧ و Jamme ٦٢٨، Jamme ٦٢٩ و Jamme ٦٣٠. فقد نسب "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد" في النصوص المذكورة إلى "الشرح يحضب"، فذكر أنهما "ابنا" الملك، ولقبا فيها بـ"ملكي سبا وذ ايدن"، أي ملكي سبأ وذي ريدان، مما يدل على أنهما كانا ملكين١. وصاحب النص: Jamme ٦٢٦ رجل اسمه "ينعم إذرح" "ينعم أذرح"، وقد دون مع اسمه اسم ولديه: "إبكرب" "أبكرب" "أبي كرب" و"كبرم" "كبر"، وهم من "غيمان". واشترك معهم في تدوينه رجل آخر اسمه: "ناسم" "نأسم" "نأس", وكانوا أقيالًا على قبيلة "غيمان". وقد ذكروا أنهم أهدوا صنمًا إلى الإله "المقه ثهوان" "بعل أوام" كما أُوحِيَ إليهم، حمدًا له وشكرًا، إذ من عليهم، ومنحهم السعادة والعافية، وجعل "سيديهم: سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد، وهما ملكا سبأ وذي ريدان وابنا الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"٢ يرضيان عنهم، ولكي يديم الإله المقه نعمه عليهم، وذلك بحق عثتر وهوبس والمقه وذات حميم وذات بعدان

стр. 1211

وبشمس الآهة الملك الملقبة بـ"تنف" "تنوف" وبحق سيدهم "وبشمهمو" "حجرم قحمم" "حجر قحم" "حجر قحام"، بعل القلعتين "عرنهن": "تنع" و"لمس". وأما أصحاب النص: Jamme ٦٢٧، فهم: "هو فعثت يزان" "هو فعثت يزأن" و"آل كبسيم" "آل كبسي"، وهم أقيال "أقول" عشيرتي "تنعمم" "تنعم" و"تنعمت" "تنعمة". وقد ذكروا فيه أنهم أهدوا لمعبد "أوام"، وهو معبد "المقه"، صنمًا "صلما" لأنه أوحى إليهم أنه سيجيب مطالبهم، ويوفي لهم كل ما سألوه من دعوات، فينزل عليهم الغيث, ويمطرهم بوابل الخير والبركات، ويسقي جانبي وادي "يعد" "يعود" و"إتب" "أتب" وأرضًا من أرض "تنعمم" "تنعم"، ولأنه أنبأهم بأنه سيملأ "ماخذ همو"، أي سد "يفد" وأرض يفد بأمطار الربيع وبأمطار الخريف، وبماء جارٍ دائم، وبأنه سيرفع حظوتهم عند "سعد شمس أسرع وعند ابنه مرثد يهحمد ملكي سبأ وذي ريدان، ابني الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان" وبقربهم إليهما تقربًا يرضيهم، ولأنه وعدهم بأنه سيمنحهم السعادة والمال والطمأنينة، وأنه سيسر خواطرهم، ويمنحهم غلة وافرة وثمارًا غزيرة وحصادًا طيبًا, وذلك بحق الآلهة: "عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"بذات حميم" و"بذات بعدان" وبحق "شمس ملكن تنف"، أي: بحق الشمس إلهة الملك الملقبة بـ"تنف"، وبحق "المقه" "بعل شوحط"، وبحق "شمسهمو بعلت قيف رشم"، أي: "الشمس" ربة "قيف رشم" "قيف رشام"، وقد جعلوا نذرهم تقدمة للإله "عثتر شرقن" "عثتر الشارق" و"المقه بعل أوام"١. وأما النص Jamme ٦٢٨، فهو النص المتقدم نفسه، فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه. وأما النص: Jamme ٦٣٠، فإنه كالنصوص السابقة, حمد وشكر للإله "المقه ثهوان" "بعل أوام"؛ لأنه من على "لحيعثت أصححل" وهو من "يهعن" "يهعان"، بكل ما سأله وطلبه منه، وأمطره بشآبيب

стр. 1212

نعمه وأفضاله، وبوابل من فضله، ورفع منزلته وأعطاه الحظوة عند "سعد شمس أسرع"، وعند ابنه "مرثد يهحمد"، ملكي سبأ وذي ريدان، ابني الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان, ولكي يديم نعمه عليه، ويتمها عليه وعلى بيته، ويعطيه ثمارًا وحصادًا جيدًا كثيرًا من كل أرضه "بن كل أرضتهمو"، ويقيه من كل الأمراض والآفات ... بحق "عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"بذات حميم" و"بذات بعدان" وبحق "شمس ملكن تنف" شمس إلهة الملك تنف١. والنص Jamme ٦٢٩ هو من أهم النصوص المذكورة؛ لورود أخبار ومعارك وحوادث تأريخية فيه لم ترد في أي نص آخر من النصوص المعروفة عن هذا العهد وعن هذه الأسرة, وصاحب النص رجل اسمه "مرثدم" وقد سقط لقبه في النص، وقد دون اسم ابنه: "ذرح إشوع" "ذرح أشوع" معه، وهما من "جرفم" "جراف" "جرف" أقيال عشيرة "يهب عيل" "يهبعيل". وقد دوناه عند تقديمهما صنمًا إلى الإله "المقه ثهوان" "بعل أوام"، حمدًا له وشكرًا؛ لأنه وفقهما وأسبغ نعمه عليهما، ولأنه وفق "ذرحن" "ذرحان" في كل المعارك والحروب التي خاضها لمساعدة سيديه "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد" "ملكي سبأ وذي ريدان"، ابني "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"٢. وقد حمد "ذرحن" "ذرحان" إلهه وشكره إذ نجاه من المعارك التي حدثت في أرض عشيرة "ردمان" "ردمن"، تلك المعارك التي هاجمها حلف تكون من "وهب إيل"، الذي هو من "معاهر" ومن "خولان" وحضرموت وقتبان وردمان ومضحيم "مضحي" ومن كل من انضم إليهم من ناس "وكل أنس"٣ ومن أعراب؛ وذلك لمغاضبة سيديهما ملكي سبأ ومعارضته٤.

стр. 1213

ويظهر أن "ذرحان" كان قد حُوصر أو وقع في مشكل في أرض ردمان، وربما في "وعلان" عاصمة "ردمان"، وبقي محاصرًا أو في وضع حرج صعب حتى جاءته قوات أنقذته مما وقع فيه، وعاد فالتحق بجيش سيديه الملكين لمحاربة ذلك الحلف١. وقد أسرع الملكان، فعبَّأا جيشهما ومن كان معهما من تبع "أدمهمي" ومحاربين "ذبن أسبعن" وأقيال، واتجها نحو "وعلان"، حيث واجها الأحلاف"؛ واجها "يدع إيل" ملك حضرموت، ومن معه من أهل حضرموت و"نبطعم" "نبط عم"، ملك قتبان، ومن كان معه من أهل قتبان، و"وهب إيل" من "معاهر" وخولان و"هصبح" و"مضحيم"، ومن كانوا معهم, وقد جرت معارك انتهت بانتصار "ملكي سبأ وذي ريدان" على رجال الحلف٢. ولم تذكر الأسطر التي دون فيها خبر هذه المعارك أسماء المواضع التي نشب فيها القتال, ولم تأت كذلك بأية تفاصيل عنها ولا عن فداحة الخسائر التي مُنيت بها قوات ذلك الحلف. ويظهر أن "ذرحان" كان قد ترأس قوة مؤلفة من مقاتلين من "فيشن" "فيشان" ومن "يهبعيل" "يهب عيل"، وأخذ يهاجم بها بعض الأعداء، إلا أنه وقع في وضع عسكري حرج، إذ حاصره أعداؤه، ولم يتمكن من النجاة بنفسه وبقواته إلا بعد إسراع الملكين أنفسهما على رأس قواتهما لفك الحصار عنه. وقد نجحا في ذلك، وسلم مع قوته من الوقوع في الأسر. ولما خلص ونجا، أخذ يهاجم فلول بعض الأعداء، فنجح في هجومه وحصل على غنائم وأموال٣, وعاد فانضم إلى جيش الملكين، وعاد الملكان إلى مدينة "مأرب" سالمين غانمين٤. ويتحدث "ذرحان" بعد ذلك عن معارك نشبت في منطقة مدينة "حلزوم" ومدينة "مشرقتن" "مشرقتان" "المشرقة". وكان "ذرحان" يحارب مع

стр. 1214

جيش الملكين في خلال هذه المعارك. وقد حاصر جيش الملكين مدينة "حلزوم" ثم افتتحها وأباحها فأخذ ما وجد فيها من أموال، ثم هاجم المواضع الأخرى على جانبي الأودية والسهول، وتركها للنهب والسلب, ودمر المعابد "الحرم" "محرمت" والهياكل "وهيكلت"، وخرب كل المساقي "مسقى" التي تروي الأرضين في هذه المناطق١, وبذلك انتهت معارك هذه المنطقة بتفوق الملكين على أعدائه. ويظهر أن الجيش لم يتمكن من افتتاح مدينة "مشرقتن" "المشرقة"، فبقيت صامدة مقاومة، حتى اضطر إلى ترك حصارها والارتحال عنها. ثم ينتقل النص إلى الحديث عن معارك أخرى أدت إلى احتلال مدينة "منوبم" "منوب"، وكل مدن "كل هجرن" ومصانع عشيرة "أوسن" أوسان، وإلى الاستيلاء على مدينة "شيعن" "شيعان"٢, ولم يذكر شيئًا مفصلًا عن هذه المعارك، ولا عن الأماكن الأخرى التي وقعت فيها، ولا عن الغنائم والأموال التي أخذها الجيش من هذه المواضع. ويرى بعض الباحثين أن مدينة "منوبم"، هي "منوب"، وهي من مدن "بني بدا"، وأن وادي "منوب" من الأودية التي تصب في وادي حضرموت في غرب "الحوطة"، التي تقع على مسافة عشرين كيلومترًا من جنوب شرق "شبام", وأما شيعان فتقع على مسافة ثمانين كيلومترًا جنوب "تمنع"٣. ثم يتحدث النص بعد ذلك عن معارك أخرى اشترك فيها "ذرحان" وقائد آخر اسمه "رب شمسم يعر" "ربشمس يعر" "رب شمس يعر"، وهو من "علفقم" "علفق" "علافق"، وكانا يحاربان في أرض قتبان، وقد وقعا على ما يظهر منه في وضع حرج، وذلك في منطقة مستوطنات حضر "أحضر" وأعراب, حتى وصلت أمداد إلى"تمنع". وتمكنا بفضل "المقه" ورحمته بهما ومساعدته لهما من الخلاص والنجاة مما وقعا فيه، ثم عادا مع الملكين، وشقوا طريقهم إلى "مأرب" وعادوا جميعًا سالمين٤.

стр. 1215

ويظهر أن "مرثدم" "مرثد" أبا "ذرحان أشوع" كان في مدينة "صنعاء" "صنعو" وذلك بأمر من الملك للقيام بأعمال نِيطت به، كما ناط الملكان بخمسة أقيال آخرين القيام بأعمال خاصة بمدينة "رحبتن" "الرحبة" في خلال الحملتين١, وتقع مدينة "رحبتن" "الرحبة" "الرحابة" "رحبتان" على مسافة عشرين كيلومترًا شمال شرقي مدينة صنعاء٢. ويظن أن الملك "نبطعم" "نبط عم" ملك قتبان المذكور في هذا النص، هو الملك "نبطعم يهنعم بن شهر هلال"، الذي حكم فيما بين السنة "٢٠" والسنة "٣٠" بعد الميلاد على رأي "جامه". وقد حكم أبوه "شهر هلال يهقبض" فيما بين السنة "١٠" والسنة "٢٠" بعد الميلاد، على رأيه أيضًا. و"نبطعم يهنعم" هو أبو الملك "مرثدم" ملك قتبان الذي حكم فيما بين السنة "٣٠" والسنة "٤٥" بعد الميلاد٣. و"تمنع" المذكورة في هذا النص، هي "تمنع" عاصمة قتبان. ولورود اسمها في هذا النص أهمية كبيرة؛ لأنه يدل على أنها كانت موجودة في هذا الزمن، وأنها بقيت إلى ما بعد الميلاد, أي: إلى القرن الأول منه، إذا ذهبنا مذهب "جامه" في التقدير المذكور٤. هذا، ونحن لا نعلم في الزمن الحاضر عن الملكين المذكورين شيئًا يذكر, وقد وضع "جامه" حكم "سعد شمسم" وابنه "مرثدم يهحمد" فيما بين السنة "٢٠" والسنة "٣٠" بعد الميلاد, أي: إنه جعل حكمهما بعد حكم الملك "نشأكرب يهأمن يهرحب" ابن "الشرح يحضب" الذي انتهى حكمه في حوالي السنة "٢٠" بعد الميلاد على رأيه٥. أما "فون وزمن"، فوضع زمان حكم "سعد شمس أسرع" في حوالي السنة "١١٠" بعد الميلاد, ووضع زمان حكم "مرثد يهحمد" في حوالي السنة "١٣٠" بعد الميلاد. وذكر أن "الشرح يحضب"، هو "الشرح يحضب"

стр. 1216

الأول الذي جعل ابتداء زمان حكمه سنة "٨٠" للميلاد, وهو من "مرثد" من "بكيل"، والذي كان يحكم "شبام أقين" "شبام أقيان". وقد أشار إلى وجود ملك آخر اسمه "الشرح يحضب" ميزه عن الأول بإعطائه لقب "الثاني", وقد جعل زمان حكمه سنة "٢٠٠" أو "٢٠٦" للميلاد١. وقد يذهب الظن إلى أن الملكين المذكورين هما في الواقع "سعد شمسم أسرع" وابنه "مرثدم يهحمد", اللذان كانا من "جرت" جرة، وكانا قيلين على قبيلة "ذمرى"، كما نُصَّ على ذلك في الكتابات Jamme ٥٦٨ و Jamme ٦٠٦ و Jamme ٦٠٧ و Jamme ٧٥٣. وكانا في خدمة "الشرح يحضب" وفي خدمة ابنه "وترم"؛ لأن اسمي الملكين واسمي القيلين أسماء واحدة، ولأن زمانهما وزمان الملكين زمان واحد، إلا أن هذا الظن يصطدم بكون القيلين من "جرت" "آل جرة"، وبكون الملكين من نسل "الشرح يحضب"، كما يفهم ذلك من كلمة "بني"، أي: ابني بالتثنية الواردة بعد اسمها ولقبهما وقبل اسم "الشرح"، ولم يكن الملك من أسرة "جرت" "جرة"٢. وجملة "سعد شمسم أسرع وبنهو مرثدم يهحمد ملكي سبأ وذ ريدن بني الشرح يحضب ملك سبأ وذ ريدن", ومعناها: "سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا سبأ وذي ريدان، ابنا الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان"، الواردة في النص٣ Jamme ٦٢٩، جملة مثيرة في الواقع تثير التساؤل عن المراد من لفظة "بني" المذكورة فيها، فلو فسرناها بمعنى "ابني" أي: ولدي "الشرح" اصطدمنا بحقيقة أن "مرثدم يهحمد"، لم يكن ابنًا للملك "الشرح" وإنما كان حفيدًا له، والحفيد غير الابن في اللغة وفي التعبير؛ ولذلك صار هذا التفسير غير منسجم مع واقع الحال. أما لو فرضنا أن البنوة المقصودة، هي بنوة تبنٍّ، أي: إن "سعد شمس أسرع" لم يكن ابنًا من صلب "الشرح يحضب"، بل كان ابنًا بالتبني جُوبهنا بمعضلة أخرى، هي أن "سعد شمس أسرع" لم يكن في عمر يُتَبَنَّى فيه في العادة، ثم إن ابنه نفسه كان قيلًا أي: في عمر لا بد أن يكون قد جاوز

стр. 1217

فيه سن المراهقة، وهو أولى على كل حال من والده بالتبني بالنسبة إلى سنه, ولو كان التبني له، لما جاز لأبيه أن يسمي نفسه ابنًا للملك بالمعنى المفهوم من التبني. لذا فنحن أمام معضلة لا يمكن حلها في الزمن الحاضر، ولا يمكن حلها إلا بعثور المنقبين على كتابات جديدة تتعلق بهذه الأسرة، وبشخصية "الشرح يحضب" نفسه، فلعل "الشرح" رجل آخر، حكم في غير هذا الزمن. ويفهم من النص: Glaser ١٢٢٨ أن "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد", وقد لقبا أنفسهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان", كانا حليفي الملك "ذمر على يهبر"، وقد حاربا معه الملك "وهب ال يحز" "وهب إيل يحز"، الذي كان مسيطرًا على نجاد قبيلة "سمعي"١. وقد انتصر "ذمر على يهبر" وحليفاه فيها، غير أن هذا النص لم يكن حاسمًا على ما يظهر. أسرة فرعم ينهب: ١- فرعم ينهب. ٢- الشرح يحضب بن فرعم ينهب. ٣- يازل بين بن فرعم ينهب، أي: شقيق الشرح يحضب. ٤- نشأكرب يأمن يهرحب، "نشأكرب يهأمن يهرحب", وهو ابن الشرح يحضب. ٥- وترم يهأمن "وتر يهأمن", وهو ابن الشرح يحضب, ومنهم من يقدم "وتر يهأمن" على أخيه "نشأكرب يهرحب".

стр. 1218

الفصل الثامن والعشرون: سبأ وذو ريدان مدخل ... الفصل الثامن والعشرون: سبأ وذو ريدان أضفت في الفصل السابق اسمي الملكين "سعد شمس أسرع" و"مرثد يهحمد" إلى آخر أسماء الملوك الذين حكموا بعد "الشرح يحضب"؛ وذلك حكاية على لسان "جامه" وبحسب ترتيبه لأولئك الملوك، ولِمَا تراءى له من دراسته لطبيعة الأحجار المكتوبة التي عثر عليها، ومن دراسته أساليب وأشكال الحروف وطرق نقشها على تلك الأحجار. أما غيره من الباحثين القدامى في العربيات الجنوبية فلم يذكروهما؛ لأنهم لم يكونوا قد وقفوا على الكتابات التي أوردت اسميهما، لأنهم لم يكونوا قد عرفوها إذ ذاك، إذ هي من الكتابات التي اكتشفت من عهد غير بعيد. وقد اختلف الباحثون في تأريخ حكومة سبأ, في تثبيت اسم الملك الذي حكم بعد آخر ابن من أبناء الملك "الشرح يحضب"، وتباينت آراؤهم في ذلك. وترك "ريكمنس" فراغًا بعد اسم "نشأكرب يهأمن يهرحب" و"وتر", دلالة على أنه يرى وجود فجوة في الحكم لا يدري من حكم فيها، وضع بعدها اسم "ذمر على بين". وقد جعله من المعاصرين للملك "العز" ملك حضرموت١. أما "جامه"، فقد وضع كما قلت اسمي الملكين "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، بعد اسم الملك "نشأكرب يهأمن يهرحب"، ثم دوَّن اسم

стр. 1219

"ذمر على بين" بعد اسم "مرثد يهحمد"، دلالة على أنه هو الذي كان قد حكم بعده. وقد جعل ابتداء حكمه في حوالي السنة الثلاثين بعد الميلاد، وانتهاء حكمه في حوالي السنة الخامسة والأربعين للميلاد١. وأما "فلبي"، فقد وضع اسم "وتر يهأمن" بعد اسم "نشأكرب يهأمن يهرحب"، ثم وضع اسم "ياسر يهصدق" من بعده. وقال باحتمال كون "ياسر" ابنًا من أبناء "وتر"، ثم دون اسم "ذمر على يهبر" من بعد "ياسر" وهو ابن "ياسر", ثم دون اسم "ثارن يعب يهنعم" من بعده, ثم وضع اسم "ذمر على يهبر" بعد "ثارن" وعبر عنه بالثاني؛ ليميزه بذلك عن "ذمر على" المتقدم، ثم جعل اسم "ذمر على بين" من بعده٢، وهو الملك الذي أتحدث عنه الآن، والذي جعله "ريكمنس" و"جامه" على رأس أسرة جديدة حكمت بعد زوال حكم أبناء "الشرح يحضب" على نحو ما ذكرت. وسأسير في هذا الفصل في ترتيب حكام "سبأ وذي ريدان"، وفقًا للقائمة التي وضعها ورتبها "ريكمنس" مع مراعاة القائمة التي وضعها "جامه" والإشارة إلى القوائم الأخرى حسب الإمكان. ولا نعرف من أمر "ذمر على بين" شيئًا يذكر. وقد ورد اسمه في نص وسم CIH ٣٧٣، غير أنه لم يلقب فيه بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، على حين لقب ابنه به, فحمل هذا بعضهم على التريث في الحكم بأنه كان ملكًا٣. وقد جعل "جامه" حكمه فيما بين السنة الثلاثين والسنة الخامسة والأربعين بعد الميلاد٤. وقد ورد في هذا النص المتقدم، أي: النص: CIH ٣٧٣ اسم ابن من أبناء "ذمر على بين"، هو "كرب إيل وتر يهنعم"، وقد لقب فيه وفي نصوص أخرى بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، ومدوّن النص: CIH ٣٧٣ وصاحبه هو الملك "كرب إيل وتر يهنعم" أمر بتدوينه عند تقديمه نذرًا إلى الإله

стр. 1220

"المقه"؛ ليوفي له وليبارك عليه وعلى قصره "سلحن" "سلحين" "سلحان" وعلى مدينة "مريب" مأرب. وقد ذكر مع اسمه اسم ابن له هو "هلك إمر" "هلك أمر"١. ووصل إلينا نقد ضرب عليه اسم "كرب إيل"، وأول من أشار إلى هذا النقد "بريدو" Prideaux الذي بين أن الـ"مونكرام" Monogram، أي الحروف المتشابكة المضروبة على النقد، تشير إلى نعت هذا الملك٢. وقد بحث "موردتمن" كذلك في هذا الموضوع٣. وقد ذهب "ريكمنس" إلى أن "كرب إيل وتر يهنعم"، كان يعاصر الملك "العز" ملك حضرموت. وللملك "كرب إيل وتر يهنعم" كتابة أخرى أمر هو نفسه بتدوينها، هي الكتابة التي وسمت بـREP. EPIG. ٣٨٩٥, وهي قصيرة ناقصة، سقطت منها كلمات عدة. وقد ورد فيها اسم ابن الملك، وهو "هلك إمر" "هلك أمر"، ولم يلقب "هلك أمر" فيه بـ"ملك سبأ وذي ريدان". ويظهر من ورود اسم الملك "كرب إيل وتر يهنعم"، وحده في بعض النصوص ملقبًا بـ"ملك سبأ وذي ريدان" أن هذا الملك حكم وحده في بادئ الأمر، لم يشاركه أحد، ثم بدا له فأشرك ابنه "ذمر على ذرح" معه، وذلك في العهد الثاني، وهو العهد الأخير من حكمه؛ لورود اسم "ذمر على ذرح" من بعد اسم أبيه, منعوتًا بنعت الملوك. ويلاحظ ورود اسم "هلك أمر" بن "كرب إيل وتر يهنعم" في كتابات الدور الأول من دوري حكم أبيه، إلا أنه لم يلقب فيها بـ"ملك سبأ وذي ريدان". أما كتابات الدور الثاني من أدوار حكم "كرب إيل"، فلا نجد فيها اسمه وإنما نجد فيها اسم شقيقه "ذمر على ذرح", وقد تلقب بـ"ملك سبأ وذي ريدان" دلالة على أنه كان يحكم مع أبيه حكمًا ملكيًّا مزدوجًا. وقد

стр. 1221

يعني هذا وفاة "هلك أمر" في أيام حكم أبيه؛ ولهذا اختفى اسمه من الكتابات. وقد قدر "ألبرايت" F. P. Albright حكم "كرب إيل وتر يهنعم" وابنه "هلك أمر" في منتصف القرن الأول للميلاد١. وقد وضع "فلبي" اسم "ذمر على ذرح" بعد "هلك أمر"، وهو شقيقه. وقد ذكر اسمه في النص الموسوم بـCIH ٧٩١، وقد كان حكمه بحسب تقدير "فلبي" فيما بين السنة "٧٥ب. م." والسنة "٩٥ب. م."٢. أما الكتابات التي ذكر فيها "ذمر على ذرح" مع أبيه فيها، فهي الكتابة: REP. EPIG. ٤١٣٢ والكتابة:REP. EPIG. ٤٧٧١ , والكتابة الأولى قصيرة أصيبت مواضع منها بتلف. ويلاحظ أن النص لم يذكر "ملك سبأ وذي ريدان" بعد اسم "كرب إيل وتر يهنعم" الذي سقط من الكتابة، ولم يبقَ منه إلا الحروف الأخيرة من نعته "يهنعم"٣. وأما النص REP. EPIG. ٤٧٧١، فقد أُهمل فيه لقب "كرب إيل" الذي هو "وتر يهنعم"، واكتُفِيَ بذكر اسمه الأول وحده وهو "كرب إيل"، ثم دونت بعده جملة "ملك سبأ وذي ريدان وذمر على ذرح ملك سبأ وذي ريدان"٤. وهو من النصوص التي عثر عليها في مأرب٥. ولدينا عدد من الكتابات دون فيها اسم الملك "ذمر على ذرح"، منها الكتابة: CIH ١٤٣، والكتابة CIH ٧٢٩، والكتابة CIH ٧٩١، والكتابة Jamme ٦٤٤، والكتابة Jamme ٨٧٨ والكتابة Geukens ١٢ والكتابة REP. EPIG. ٤٣٩١. وبعض هذه الكتابات ليست من أيامه ولكنها من أيام ابنه "يهقم"، وقد ذكر فيها لأنه أبوه، كما أن بعضها مثل الكتابة: REP. EPIG. ٤٣٩١ مؤلف من سطر واحد: "ذمر على ذرح، ملك سبأ وذي ريدان"٦.

стр. 1222

ويحدثنا النص: Jamme ٦٤٤، عن عصيان قام به رجل اسمه "لحيعثت بن سم همسمع" "لحيعثت بن سمهسمع"، ومعه قبيلته قبيلة "شددم" "شدادم" "شداد"، ورجل آخر اسمه "رب أوم بن شمس" "رب أوام بن شمس" ورجال آخرون انضموا إليهما وأيدوا حركتهما. وقد ثاروا على سيدهم "يهقم" وهو ابن "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"، وهاجموا قصر "سلحن" "سلحين" "سلحان"، قصر الملوك ومقر الحكم في "سبأ وذي ريدان" ودخلوه، واعتصموا به؛ فهب رجل اسمه "أوس إل يضع" "أوس إيل يضع" "أوسئيل يضع"، وهو من قبيلة "غيمان" وكان قيلها أيضا, فهاجم الثوار, وتغلب عليهم وطردهم من القصر، ويظهر أنه أخذهم غرة، فصان بذلك القصر من الأذى، وهربوا من مأرب، وحمد "أوسئيل" ربه "المقه" إذ وفقه وساعده في انتصاره على الثوار، وقدم إليه تمثالًا من ذهب تعبيرًا عن شكره وحمده له١. ويحدثنا صاحب النص المذكور، وهو "أوس إيل يضع"، بأن العصاة هربوا من مأرب، وتحصنوا في مواضع أخرى، واستمروا في عصيانهم هذا، فأمر عندئذٍ "يهقم" بعض عشائر "غيمان" أن تهاجم أرض "شددم" "شداد" من مدينة "صنعاء" "صنعو" وتقضي على "لحيعثت بن سمهسمع"، فهاجم جنود "غيمان" العصاة في موضع "كومنن" "كومنان"، وتغلبوا عليهم واستنقذوا منهم خيلًا وإبلًا ودوابَّ أخرى، وأخذوا منهم غنائم وأسرى وحراس الأسرى الذين كانوا قد وضعوهم في "كومنن", وسر قيلهم كثيرًا أن أرضى بذلك قلب سيده "يهقم" وأخذ منهم بثأره٢. وقامت جماعة أخرى من محاربي غيمان بتعقب ثلاثمائة مقاتل من العصاة كانوا قد فروا من مأرب، وكانوا قد ساعدوا رئيس العصابة في هجومه على قصر "سلحن". وقد لحقت بهم وأعملت السيف فيهم، ثم عادت بعد أن أفنتهم. وقد غنم الغيمانيون من المعركتين ستمائة رأس من الماشية وأربعة أفراس٣. ولا نجد في هذا النص إشارة ما، لا إلى الملك "ذمر على"، ولا إلى

стр. 1223

موضع وجوده في ذلك العهد. ويظهر أنه كان خارج "مأرب"، وإلا لما أغفل النص الإشارة إليه, أما ابنه فقد كان في مأرب على ما يظهر منه. ويلاحظ أن النص قد ذكر لفظة "مراهموا" أي سيده قبل اسم "يهقم"، ويعود الضمير إلى صاحب الكتابة، أي "سيد صاحب الكتابة"، ولكنه لم يذكر بعد اسم "يهقم" جملة "ملك سبأ وذي ريدان"، دلالة على أنه لم يكن ملكًا إذ ذاك، وأن صاحب الكتابة كان يعترف بسيادته عليه. وفي النص: Jamme ٨٧٨، نبأ معارك جرت في أيام "يهقم" كذلك، غير أن النص أصيبت مواضع منه بالتلف، أفسد علينا المعنى، كما أن فيه غموضًا وإيجازًا يصعب معه استخراج شيء مهم منه عن تلك المعارك التي خاضها أصحاب النص مع "يهقم" الذي كتب اسمه على هذه الصورة "يها.."؛ لوجود تلف في بقية الاسم وتلف آخر في أول السطر الجديد يليه اسم " ... مر على ذرح"، مما يدل على أن المراد "يهقم" المذكور، وأنه هو الذي تولى قتال المخالفين. ووضع "جامه" اسم "كرب إيل بين" "كربئيل بين" بعد اسم "ذمر على ذرح"، وهو ابن "ذمر على ذرح", وجعل حكمه فيما بين السنة الثمانين والسنة الخامسة والتسعين بعد الميلاد١. وتعود الكتابة: Jamme ٦٤٢ إلى أيام هذا الملك، وقد دونها شخص اسمه "حربم ينهب" "حرب ينهب" من عشيرة "هللم" "هلال" "هلل"، عند شفائه من مرض "بن مرض"، ألم به ولزمه حتى قدم مأربًا، فعُوفِيَ من مرضه هذا في شهر "ذي ال الت" "ذي الالت" "الئيلت" "الئيلوت". وقد حمد "حرب" ربه وشكره على أن من عليه بالشفاء، وقدم إليه نذرًا: صنمًا "صلمن" تعبيرًا عن هذا الشكر، وليبارك فيه وفي سيده "مرأهم"، "كرب إيل بين ملك سبأ وذي ريدان، ابن ذمر على ذرج, وليديم الإله نعمه عليه ويرزقه أولادًا ذكورًا"٢. ويلاحظ أن النص لم يدون جملة "ملك سبأ وذي ريدان" بعد اسم "ذمر على ذرح" على حسب القاعدة المتبعة في تدوين أسماء الملوك.

стр. 1224

والنصان: Jamme ٦٤٣ و Jamme ٦٤٣ Bis، يكمل أحدهما الآخر؛ فالنص الثاني هو تتمة وتكملة للنص الأول, وهما على جانب كبير من الأهمية عند المؤرخ؛ لورود أخبار تأريخية فيهما، لم ترد أية إشارة إليها في نصوص أخرى. وصاحباهما رجلان من عشيرة "جرت" "جرة"، وهي عشيرة معروفة مر بنا اسمها مرارًا، وكان منها أقيال عشيرة "سمهرم" "سمهر"، وصاحبا النصين هما من أقيال "سمهرم"، اسم أحدهما "نشأكرب" واسم الآخر "ثوبن" "ثوبان". وقد دونا في النصين أخبار معارك خاضاها، وكانا قائدين فيها من قواد جيش "كرب إيل بين" "ملك سبأ وذي ريدان"، وقد أمرهما الملك بقيادة كتائب من جيشه وكذلك فرسانه لمحاربة ملك حضرموت ومن عصى أمره فثار عليه، أو من انضم إلى ملك حضرموت من عشائر وحضر. ويظهر من مقدمة هذا النص أن العلاقات لم تكن حسنة بين "ملك سبأ وذي ريدان" وملك حضرموت، وأن مناوشات ومعارك كانت قد وقعت بين حكومة سبأ وحكومة حضرموت؛ مناوشات أتعبت الطرفين على ما يظهر حتى اضطرا في الآخر إلى عقد صلح بينهما، وأخذا الأيمان على أنفسهما بوجوب المحافظة على ما اتفقا عليه. وقد وافق ملك حضرموت وهو "يدع إيل" فضلًا عن ذلك على أن يكون في جانب ملك "مأرب" وأن يحافظ على حسن الجوار، وأن يضع تحت تصرف الملك "يدع إيل بين" قوة من حرس "يعكرن" "يعكران", وهو ملك آخر من ملوك حضرموت, يوجهها حيث يشاء تكون عنده في مأرب. غير أن هذا الاتفاق لم يدم طويلًا، فسرعان ما نكث ملك حضرموت بعهده كما يقول النص، وخالف وعده، بحجة أن "كرب إيل بين" أرسل قوة من محاربي "سمهرم" "سمهر"، وضعها تحت قيادة "نشأكرب" إلى "حنن" "حنان"، وهي مدينة لا تبعد كثيرًا عن "مأرب"، فخالف بذلك ما اتفق عليه، وأحل نفسه بذلك من تنفيذ ما اتفق عليه, وزحف على بعض المواضع ليهدد باستيلائه عليها الملك. وكان الملك "كرب إيل بين" قد أمر قائده "نشأكرب" بأن يذهب بثلاثمائة محارب من أهل "سمهرم" إلى مدينة "حنن" "حنان"، فلما وصل بهم إليها، اعترضه ملك حضرموت ومنعه من الدخول إليها؛ لكي يقوم فيها

стр. 1225

بتنفيذ أوامر ملكه التي كلفه تنفيذها، وهي تتعلق ببناء مواضع لتعزيز الأمن في هذه المدينة. وقد عرض "نشأكرب" على الملك "يدع إيل" ملك حضرموت الأمر الملكي الذي يأمره فيه بتنفيذ ما كلفوه إياه، فرفض قبوله، وطلب منه أن يعود برجاله إلى مأرب، فاستاء ملك سبأ، وهاج على ملك حضرموت. ويظهر أن "يدع إيل" ملك حضرموت كان يريد إبقاء منطقة "حنن" "حنان" بدون حراسة ولا قوات تحميها ليفرض سلطانه عليها. وقد استغل ضعف "سبأ وذي ريدان" في هذا الوقت فأراد التدخل في شئونها، وحل نفسه مع جنوده في مدينة "حنن" "حنان" مع أنها مدينة سبئية تابعة لملك "سبأ وذي ريدان", وكان قد صمم أيضا على إخضاع القسم الجنوبي الشرقي من سبأ لحكمه؛ فارتاع "ملك سبأ وذي ريدان"، وشعر بالخطر الذي سيتهدد مملكته لو تساهل في ذلك، وسمح لملك حضرموت بأن يتصرف في الأمور كيف يشاء فأمر قائده بالذهاب إلى تلك المدينة لتحصينها وإبعاد الحضارمة منها، فلما وصل إليها، صادف وجود ملك حضرموت فيها، وأدرك ملك حضرموت سبب قدوم هذا القائد على رأس هذه القوة، فمنعه من تنفيذ ما كلف إياه، لئلا يتعزز حكم سبأ في هذه المدينة السبئية، وتصرف "يدع إيل" وكأنه ملك سبأ، لا ملك حضرموت ولا ملك آخر غيره هناك. فصرف "نشأكرب" ومن كان معه، ولم يعبأ بأمر ملك "سبأ وذي ريدان" الذي عرض عليه. ثم توجه إلى أرض معين ليهدد سبأ ويفاجئها بحرب. اتجه نحو مدينة "يثل" أولًا، وهي من مدن معين المهمة القديمة, فلما وصل إلى أبوابها، فتحت له ولجنوده واستقر بها مدة. ثم اتجه منها نحو مدينتي "نشقم" "نشق" و"نشن" "نشان"، وهما من مدن "معين" القديمة المهمة كذلك، فحاصرهما وأخذ يهاجم مواضع التحصين والدفاع فيهما. فقرر ملك "سبأ وذي ريدان" الإسراع بإرسال نجدات إليهما تمكنهما من مقاومة الحضارمة ومن الصمود أمامهم, أمر بوضعها تحت قيادة "نشأكرب" و"سمه يفع" "سمهو يفع" "سمهيفع" وهو من "بتع", وقد تألفت من كتائب محاربة ومن فرسان. ولما جاء خبر وصول المدد إلى المدينتين، أبلغه به "منذر" أي أحد الذين كانوا يسترقون الأنباء ويبعثون بها إلى الحكومات التي أرسلتهم للتجسس على خصومهم، أسرع فترك حصار المدينتين، وعاد إلى "يثل" ليتحصن بها.

стр. 1226

وقرر الملك "كرب إيل بين" مهاجمة خصمه بنفسه، فسار على رأس قوة من جيشه من عاصمته "مأرب" واتجه نحو "يثل"، وأمر قائديه بالزحف مع قواتهما نحو "يثل" أيضا. وهكذا هاجم "ملك سبأ وذي ريدان" مدينة "يثل" من ناحيتين؛ لتطويق "يدع إيل" فيها, وقد سار القائدان من مدينة "نشق"، فلما بلغا "يثل"، وكان ملكهما قد وصل إليها كذلك، هاجمت قوات "سبأ وذي ريدان" قوات حضرموت فهزموها، واضطر ملك "حضرموت" إلى ترك "يثل" والاتجاه منها نحو "حنن" "حنان". وكان هذا الملك قد حاول قبل ارتحاله نحو "يثل" نهب "المعبد" الحرام "محرمن" وأخذ ما فيه، غير أن قوات القائدين المذكورين الزاحفة من "نشق" أدركته، فخاف من الالتحام بها، وفر نحو "يثل"، وبذلك أنقذ المعبد الحرام من النهب١. ويرى "جامه" أن ذلك المعبد هو المعبد المعروف بـ "محرم بلقيس" بين الناس في هذا العهد٢. ويكمل النص الثاني، وهو النص Jamme ٦٤٣ Bis، آخر خبر ورد في النص الأول، فيقول: إن قوات إضافية وصلت من مأرب، إلى الملك وقائديه، وعندئذ اتخذت هذه القوات خطة المهاجمة، فهاجمت ملك حضرموت وجيش حضرموت، وأنزلت به خسائر فادحة، فتكت بألفي جندي من جنود حضرموت، واستولى السبئيون على كل ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير ومن كل حيوان جارح "جرح" كان عند ملك حضرموت، وبذلك ختم هذا النص, بالنص على انتصار "سبأ وذي ريدان" على ملك حضرموت٣. ونحن لا نعلم ماذا جرى بعد هذا النصر الذي أحرزه السبئيون على حضرموت؛ إذ ليست لدينا نصوص تتحدث عن ذلك. ولكننا نستطيع أن نقول: إننا تعودنا قراءة أخبار أمثال هذه الانتصارات ثم تعودنا أن نقرأ بعد ذلك أن المهزوم يعود فيحارب المنتصر الهازم، وأن المعارك لم تكن تنتهي حتى تبدأ بعد ذلك معارك انتقامية جديدة أخذًا للثأر. لقد صارت العربية الجنوبية ويا للأسف وكأنها ساحة

стр. 1227

لعب، لا تخلو من اللعب إلا لفترات الراحة والاستجمام. هذا، ونحن لا نعرف شيئًا يذكر عن الملك "يعكرن" "يعكران" ملك حضرموت الثاني الذي ورد اسمه في النصين المتقدمين، إذ لم يرد اسمه في نصوص أخرى، ولا أمل لنا إلا في المستقبل، فقد يعثر على كتابات جديدة يرد فيها اسم هذا الملك. وقد قدر "جامه" حكم الملك "يهقم" والملك "كرب إيل بين" فيما بين السنة "٨٠" والسنة "٩٥" بعد الميلاد. وفي هذا الزمن كان أيضًا حكم ملكي حضرموت "يدع إيل" و"يعكرن" "يعكران". وقد ترك "ريكمنس" فراغًا بعد اسمي "هلك أمر" و"ذمر على ذرح" إشارة إلى فجوة لا يدري من حكم فيها، ثم دون بعده اسم "وتر يهأمن"، ثم ترك فراغًا دوَّن بعده اسم "شمدر يهنعم"، ثم عاد فترك فراغًا ثالثًا دون بعده اسم "الشر يحمل"، ثم ترك فراغًا ذكر بعده "عمدان بين يهقبض"، ثم فراغًا خامسًا دون بعده اسم "لعز نوفان يهصدق"، ختمه بفراغ سادس دون بعده اسم "ياسر يهصدق"١. ووضع "فلبي" اسم "ياسر يهصدق" "يسر يهصدق" بعد "وترم يهأمن", وجعل مبدأ حكمه حوالي سنة "٦٠ق. م."، وذكر أن من المحتمل أن يكون "وترم" "وتر" هو والده٢. وقد ورد اسمه في النص: CIH ٤١، وهو نص دونه جماعة من أقيال قبيلة "مهانفم"٣، عند بنائهم بيتهم "مهورن" "مهور" و"يسر" و"مزودًا" اسمه "حرور"٤، وقد وردت فيه أسماء الآلهة: "عثتر شرقن" أي "عثتر الشارق", و"عثتر ذ جفتم بعل علم"، و"شرفن"، و"ذات حميم" "بعلى محرمن ريدان" أي: ربّا "حرم ريدان"، و"الهموبشر"، أي إلههم "بشر". ودون بعد أسماء الآلهة اسم الملك "ياسر يهصدق ملك سبأ وذي ريدان"، ولم يذكر

стр. 1228

اسم والد "ياسر" في هذا النص١. والكتابة المذكورة من "ضاف" بـ"قاع جهران" شمال "ذمار", و"قاع جهران" هو "مهانفم" في كتابات المسند٢. ويعد النص المذكور من أقدم النصوص الحميرية التي وصلت إلينا. ويرى "فون وزمن"، أنه أول نص يصل إلينا لقب فيه ملك من ملوك حمير بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"٣. ومعنى هذا أن ملوك حمير كانوا قد نافسوا الأسرة السبئية الشرعية ونازعوها على العرش، وتلقبوا بهذا اللقب الذي هو من ألقاب ملوك سبأ الشرعيين. وأرض "مهأنف" "مهانفم" هي "قاع جهران"، ومعنى ذلك أن هذه الأرض كانت تابعة لهذا الملك في ذلك العهد٤. ويعد "ياسر يهصدق" "يسر يهصدق" من حمير، ومعنى هذا أن حمير التي نازعت الأسرة القديمة لسبأ عرشها لقب حكامها أنفسهم باللقب الرسمي الذي يتلقب به ملوك "سبأ" الأصليون، تعبيرًا عن إثبات حقهم في الملك. وقد حكم "ياسر" -على رأي "فون وزمن"- في حوالي السنة "٧٥م" أو "٨٠م". وكان يقيم في "ظفار"، في حصن "ريدان". ويرى "فون وزمن" أنه في خلال المدة التي انصرمت بين حملة "أوليوس غالوس" وبين حكم "ياسر يهصدق"، لم يصل إلينا أي نص من نصوص المسند٥. وجعل "جامه" حكم "ياسر يهصدق" بين السنة "٢٠٠" والسنة "٢٠٥" بعد الميلاد٦. وقد وضع "فون وزمن" اسم "الشرح" بعد اسم "ياسر يهصدق"، وجعل أيامه في حوالي السنة "٩٠" بعد الميلاد. وقد ذكر أنه من حمير وإلى أيامه تعود الكتابة المرقمة بـ٧CIH ١٤٠.

стр. 1229

وعرف ولد من أولاد "ياسر" اسمه "ذمر على يهبر"، وقد ذكر في النص١ CIH ٣٦٥. وقد عثر على بعض النقود ضرب عليها اسم صاحبها، وهو "يهبر"، فلعله هذا الملك٢. وذكر اسم الملك "ذمر على يهبر" واسم أبيه "ياسر يهصدق" في الكتابة المذكورة، وقد جاء فيها: أن هذا الملك قاتل رجلًا من "بني حزفرم" "بني حزفر" "آل حزفر", و"آل حزفر" هم عشيرة من "ذي خليل" وهي عشيرة قديمة شهيرة، أخرجت جملة "مكرب" "مكارب" و"ملوك". ويرى "فون وزمن" أن هذه الحرب كانت ضد الأسرة السبئية المالكة المتوارثة للعرش من عهد قديم، وأن هذا الملك الذي هو من "حمير" استولى على حصن "ذت مخطرن" "ذات مخطران" "ذات المخاطر"، واستولى على "مأرب" عاصمة سبأ في هذه الحرب٣. ومعنى هذا أن حمير استولت على سبأ وحكمتها، فصارت مأرب خاضعة لها. وقد دام خضوع سبأ لحمير إلى أيام "ثأرن يعب" وهو ابن "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر"، إذ نجد على مأرب ملكًا، هو الملك "ذمر على ذرح", وقد قدر "فون وزمن" زمان استيلاء حمير على مأرب بحوالي عشر سنين٤. وورد اسم "ذمر على يهبر" واسم أبيه "ياسر يهصدق" في الكتابة:REP. EPIG. ٣١٠، والآمر بكتابتها هو "تبع كرب" "تبعكرب" من آل "حزفرم" "حزفر"، وقد قدم إلى الإله "المقه" نذرًا يتألف من أوثان لتوضع في معبد هذا الإله "المقه" ولحمايته ولخير أرضه وحصنه. ويظهر أن أملاكه كانت في منطقة "رحب" "رحاب"٥.

стр. 1230

وقد قام "ذمر على يهبر" ومعه ابنه "ثارن يعب يهنعم" الذي أشركه أبوه معه في الحكم، بإعادة بناء سد "ذمر" "ذامر" "ذو أمر" "ذمار" في منطقة "أبين"؛ وذلك لتهدم السد القديم الذي كان يمد أهل مأرب بالماء, فأعادا بذلك الحياة لمساحة واسعة من أرضين موات. وقد قام بهذا العمل عمال من شعب "سبأ" ومن "ذو عذهبن" "ذي عذهب"١، وقدما في ذلك قرابين إلى آلهتهما: "عثتر" و"سحر" نحراها في معبد "نفقن" "نفقان"٢. وذكر "ذمر على يهبر" مع ابنه "ثارن" في الكتابة المرقمة بـREP. EPIG. ٤٧٠٨، وقد كتبت على تمثال من البرونز محفوظ الآن في متحف "صنعاء"، وذكرت فيها أسماء أصحابها، وهم قوم من "آل ذرنح"، وورد فيها اسم معبد "صنع" "صنعو"، ولعله "صنعاء"٣. وقد ورد اسم "ثارن يعب يهنعم" في الكتابة الموسومة بـREP. EPIG. ٤٩٠٩، وهي كتابة سجلها رجلان من أشراف حمير، أوفدهما ملكهما "ثارن يعب" إلى الملك "العذ يلط" "العز يلط" ملك حضرموت، لتهنئته باعتلاء العرش وتلقبه باللقب الملوكي في حصن "أنودم" "أنود"٤, ويرى بعض الباحثين أن ذلك كان في حوالي السنة "٢٠٠ب. م."٥. أما "فلبي" فجعل زمانه في حوالي السنة "٢٠ق. م."٦. ومعنى هذا أن زمان حكمه كان بعد حملة "أوليوس غالوس" بقليل, وهو تقدير لا يقره عليه أكثر علماء العربيات الجنوبية. وأما "جامه"، فقد جعل زمان حكمه بين السنة "٢٦٥" والسنة "٢٧٥" بعد الميلاد، وجعله معاصرًا للملك "العذ يلط" بن "عم ذخر" "العذ يلط
следующие страницы →