وقرر الملك "كرب إيل بين" مهاجمة خصمه بنفسه، فسار على رأس قوة من جيشه من عاصمته "مأرب" واتجه نحو "يثل"، وأمر قائديه بالزحف مع قواتهما نحو "يثل" أيضا. وهكذا هاجم "ملك سبأ وذي ريدان" مدينة "يثل" من ناحيتين؛ لتطويق "يدع إيل" فيها, وقد سار القائدان من مدينة "نشق"، فلما بلغا "يثل"، وكان ملكهما قد وصل إليها كذلك، هاجمت قوات "سبأ وذي ريدان" قوات حضرموت فهزموها، واضطر ملك "حضرموت" إلى ترك "يثل" والاتجاه منها نحو "حنن" "حنان". وكان هذا الملك قد حاول قبل ارتحاله نحو "يثل" نهب "المعبد" الحرام "محرمن" وأخذ ما فيه، غير أن قوات القائدين المذكورين الزاحفة من "نشق" أدركته، فخاف من الالتحام بها، وفر نحو "يثل"، وبذلك أنقذ المعبد الحرام من النهب١. ويرى "جامه" أن ذلك المعبد هو المعبد المعروف بـ "محرم بلقيس" بين الناس في هذا العهد٢.
ويكمل النص الثاني، وهو النص Jamme ٦٤٣ Bis، آخر خبر ورد في النص الأول، فيقول: إن قوات إضافية وصلت من مأرب، إلى الملك وقائديه، وعندئذ اتخذت هذه القوات خطة المهاجمة، فهاجمت ملك حضرموت وجيش حضرموت، وأنزلت به خسائر فادحة، فتكت بألفي جندي من جنود حضرموت، واستولى السبئيون على كل ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير ومن كل حيوان جارح "جرح" كان عند ملك حضرموت، وبذلك ختم هذا النص, بالنص على انتصار "سبأ وذي ريدان" على ملك حضرموت٣.
ونحن لا نعلم ماذا جرى بعد هذا النصر الذي أحرزه السبئيون على حضرموت؛ إذ ليست لدينا نصوص تتحدث عن ذلك. ولكننا نستطيع أن نقول: إننا تعودنا قراءة أخبار أمثال هذه الانتصارات ثم تعودنا أن نقرأ بعد ذلك أن المهزوم يعود فيحارب المنتصر الهازم، وأن المعارك لم تكن تنتهي حتى تبدأ بعد ذلك معارك انتقامية جديدة أخذًا للثأر. لقد صارت العربية الجنوبية ويا للأسف وكأنها ساحة
стр. 1227
لعب، لا تخلو من اللعب إلا لفترات الراحة والاستجمام.
هذا، ونحن لا نعرف شيئًا يذكر عن الملك "يعكرن" "يعكران" ملك حضرموت الثاني الذي ورد اسمه في النصين المتقدمين، إذ لم يرد اسمه في نصوص أخرى، ولا أمل لنا إلا في المستقبل، فقد يعثر على كتابات جديدة يرد فيها اسم هذا الملك.
وقد قدر "جامه" حكم الملك "يهقم" والملك "كرب إيل بين" فيما بين السنة "٨٠" والسنة "٩٥" بعد الميلاد. وفي هذا الزمن كان أيضًا حكم ملكي حضرموت "يدع إيل" و"يعكرن" "يعكران".
وقد ترك "ريكمنس" فراغًا بعد اسمي "هلك أمر" و"ذمر على ذرح" إشارة إلى فجوة لا يدري من حكم فيها، ثم دون بعده اسم "وتر يهأمن"، ثم ترك فراغًا دوَّن بعده اسم "شمدر يهنعم"، ثم عاد فترك فراغًا ثالثًا دون بعده اسم "الشر يحمل"، ثم ترك فراغًا ذكر بعده "عمدان بين يهقبض"، ثم فراغًا خامسًا دون بعده اسم "لعز نوفان يهصدق"، ختمه بفراغ سادس دون بعده اسم "ياسر يهصدق"١.
ووضع "فلبي" اسم "ياسر يهصدق" "يسر يهصدق" بعد "وترم يهأمن", وجعل مبدأ حكمه حوالي سنة "٦٠ق. م."، وذكر أن من المحتمل أن يكون "وترم" "وتر" هو والده٢. وقد ورد اسمه في النص: CIH ٤١، وهو نص دونه جماعة من أقيال قبيلة "مهانفم"٣، عند بنائهم بيتهم "مهورن" "مهور" و"يسر" و"مزودًا" اسمه "حرور"٤، وقد وردت فيه أسماء الآلهة: "عثتر شرقن" أي "عثتر الشارق", و"عثتر ذ جفتم بعل علم"، و"شرفن"، و"ذات حميم" "بعلى محرمن ريدان" أي: ربّا "حرم ريدان"، و"الهموبشر"، أي إلههم "بشر". ودون بعد أسماء الآلهة اسم الملك "ياسر يهصدق ملك سبأ وذي ريدان"، ولم يذكر
стр. 1228
اسم والد "ياسر" في هذا النص١. والكتابة المذكورة من "ضاف" بـ"قاع جهران" شمال "ذمار", و"قاع جهران" هو "مهانفم" في كتابات المسند٢.
ويعد النص المذكور من أقدم النصوص الحميرية التي وصلت إلينا. ويرى "فون وزمن"، أنه أول نص يصل إلينا لقب فيه ملك من ملوك حمير بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"٣. ومعنى هذا أن ملوك حمير كانوا قد نافسوا الأسرة السبئية الشرعية ونازعوها على العرش، وتلقبوا بهذا اللقب الذي هو من ألقاب ملوك سبأ الشرعيين.
وأرض "مهأنف" "مهانفم" هي "قاع جهران"، ومعنى ذلك أن هذه الأرض كانت تابعة لهذا الملك في ذلك العهد٤.
ويعد "ياسر يهصدق" "يسر يهصدق" من حمير، ومعنى هذا أن حمير التي نازعت الأسرة القديمة لسبأ عرشها لقب حكامها أنفسهم باللقب الرسمي الذي يتلقب به ملوك "سبأ" الأصليون، تعبيرًا عن إثبات حقهم في الملك. وقد حكم "ياسر" -على رأي "فون وزمن"- في حوالي السنة "٧٥م" أو "٨٠م". وكان يقيم في "ظفار"، في حصن "ريدان". ويرى "فون وزمن" أنه في خلال المدة التي انصرمت بين حملة "أوليوس غالوس" وبين حكم "ياسر يهصدق"، لم يصل إلينا أي نص من نصوص المسند٥.
وجعل "جامه" حكم "ياسر يهصدق" بين السنة "٢٠٠" والسنة "٢٠٥" بعد الميلاد٦.
وقد وضع "فون وزمن" اسم "الشرح" بعد اسم "ياسر يهصدق"، وجعل أيامه في حوالي السنة "٩٠" بعد الميلاد. وقد ذكر أنه من حمير وإلى أيامه تعود الكتابة المرقمة بـ٧CIH ١٤٠.
стр. 1229
وعرف ولد من أولاد "ياسر" اسمه "ذمر على يهبر"، وقد ذكر في النص١ CIH ٣٦٥. وقد عثر على بعض النقود ضرب عليها اسم صاحبها، وهو "يهبر"، فلعله هذا الملك٢.
وذكر اسم الملك "ذمر على يهبر" واسم أبيه "ياسر يهصدق" في الكتابة المذكورة، وقد جاء فيها: أن هذا الملك قاتل رجلًا من "بني حزفرم" "بني حزفر" "آل حزفر", و"آل حزفر" هم عشيرة من "ذي خليل" وهي عشيرة قديمة شهيرة، أخرجت جملة "مكرب" "مكارب" و"ملوك". ويرى "فون وزمن" أن هذه الحرب كانت ضد الأسرة السبئية المالكة المتوارثة للعرش من عهد قديم، وأن هذا الملك الذي هو من "حمير" استولى على حصن "ذت مخطرن" "ذات مخطران" "ذات المخاطر"، واستولى على "مأرب" عاصمة سبأ في هذه الحرب٣.
ومعنى هذا أن حمير استولت على سبأ وحكمتها، فصارت مأرب خاضعة لها. وقد دام خضوع سبأ لحمير إلى أيام "ثأرن يعب" وهو ابن "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر"، إذ نجد على مأرب ملكًا، هو الملك "ذمر على ذرح", وقد قدر "فون وزمن" زمان استيلاء حمير على مأرب بحوالي عشر سنين٤.
وورد اسم "ذمر على يهبر" واسم أبيه "ياسر يهصدق" في الكتابة:REP. EPIG. ٣١٠، والآمر بكتابتها هو "تبع كرب" "تبعكرب" من آل "حزفرم" "حزفر"، وقد قدم إلى الإله "المقه" نذرًا يتألف من أوثان لتوضع في معبد هذا الإله "المقه" ولحمايته ولخير أرضه وحصنه. ويظهر أن أملاكه كانت في منطقة "رحب" "رحاب"٥.
стр. 1230
وقد قام "ذمر على يهبر" ومعه ابنه "ثارن يعب يهنعم" الذي أشركه أبوه معه في الحكم، بإعادة بناء سد "ذمر" "ذامر" "ذو أمر" "ذمار" في منطقة "أبين"؛ وذلك لتهدم السد القديم الذي كان يمد أهل مأرب بالماء, فأعادا بذلك الحياة لمساحة واسعة من أرضين موات. وقد قام بهذا العمل عمال من شعب "سبأ" ومن "ذو عذهبن" "ذي عذهب"١، وقدما في ذلك قرابين إلى آلهتهما: "عثتر" و"سحر" نحراها في معبد "نفقن" "نفقان"٢.
وذكر "ذمر على يهبر" مع ابنه "ثارن" في الكتابة المرقمة بـREP. EPIG. ٤٧٠٨، وقد كتبت على تمثال من البرونز محفوظ الآن في متحف "صنعاء"، وذكرت فيها أسماء أصحابها، وهم قوم من "آل ذرنح"، وورد فيها اسم معبد "صنع" "صنعو"، ولعله "صنعاء"٣.
وقد ورد اسم "ثارن يعب يهنعم" في الكتابة الموسومة بـREP. EPIG. ٤٩٠٩، وهي كتابة سجلها رجلان من أشراف حمير، أوفدهما ملكهما "ثارن يعب" إلى الملك "العذ يلط" "العز يلط" ملك حضرموت، لتهنئته باعتلاء العرش وتلقبه باللقب الملوكي في حصن "أنودم" "أنود"٤, ويرى بعض الباحثين أن ذلك كان في حوالي السنة "٢٠٠ب. م."٥. أما "فلبي" فجعل زمانه في حوالي السنة "٢٠ق. م."٦. ومعنى هذا أن زمان حكمه كان بعد حملة "أوليوس غالوس" بقليل, وهو تقدير لا يقره عليه أكثر علماء العربيات الجنوبية.
وأما "جامه"، فقد جعل زمان حكمه بين السنة "٢٦٥" والسنة "٢٧٥" بعد الميلاد، وجعله معاصرًا للملك "العذ يلط" بن "عم ذخر" "العذ يلط
стр. 1231
ابن عمذخر" ملك حضرموت١. وقد جعله "فون وزمن" معاصرًا للملك "نشأكرب يهأمن يهرجب" "نشأكرب يهأمن يهرحب"، الذي حكم على رأيه في حوالي سنة "٢٣٠ب. م." إلى "٢٤٠ب. م."٢.
وقد ذكر مع ابنه في الكتابة المعروفة بـREP. EPIG. ٣٤٤١، وهي تخص أعمالًا عمرانية أمر بها "ذمر على" وابنه "ثارن" تتعلق بسد "ذو أمر" "ذمر" "ذمار"٣.
وورد اسم "ثارن يعب" في النص: CIH ٤٥٧، وقد ذكر معه اسم أبيه "ذمر على يهبر"، وقد دونه جماعة من "بني ذي سحر" عند تقديمهم إلى الآلهة أوثانًا؛ لحماية سيديهم الملكين "ذمر على يهبر" وابنه "ثارن يعب"، ولحماية أملاكهم ورعايتهم. وقد ذكرت في الكتابة أسماء الآلهة التي توسل إليها أصحابها ورجوا منها الحماية والرعاية، وهي: "عثتر" و"سحر بعلى نفقن" و"هبس" و"المقه" و"ذات حميم" و"ذات بعدان" و"شمس"٤.
وورد اسم "ثارن يعب" في نهاية النص: CIH ٥٦٩، وهو نص قصير مؤلف من ثلاثة أسطر٥.
وقد خلف "ثارن يعب" على عرش سبأ ابنه الملك "ذمر على يهبر"، الذي يمكن أن نطلق عليه "ذمر على يهبر الثاني"؛ تمييزًا له عن جده. وقد وجد اسمه في نص أرخ بشهر "ذو نسور" "ذ نسور"، وقد سقط اسم السنة التي أرخ بها من النص٦.
وقد وضع "فون وزمن" اسم "شمر يهرعش" من بعده، ودعاه بـ"الأول" تمييزا له عن "شمر يهرعش" الآخر الذي ولي الحكم بعده بأمد طويل. وقد جعل "فون وزمن" "شمر يهرعش الأول" معاصرًا لـ"أنمار يهأمن"
стр. 1232
ولـ"كرب إيل وتر يهنعم" من "بني بتع"، من قبيلة "سمعي". وقد كان حكمه في حوالي السنة "١٤٠" بعد الميلاد١.
أما "ريكمنس"، فقد دون اسم "ذمر على يهبأر" بعد "ياسر يهصدق" ونعته بـ"الأول" ثم دون اسم "ثارن يعب يهنعم" من بعده، ثم ترك فراغًا وضع اسم "ذمر على يهبأر" بعده، ونعته بـ"الثاني" ليميزه عن الأول، ثم ترك فراغًا ذكر بعده اسم "رب شمس نمران"، ثم وضع فراغًا آخر، ذكر بعده ملكًا سماه "الشرح يحضب" "الشرح يحب"، ثم ذكر بعده ملكين أحدهما اسمه: "سعد شمس أسرو"، والآخر اسمه مكسور لم يبقَ منه إلا ثلاثة أحرف، هي "حمد"، ثم دون فراغًا بعد هذين الاسمين، وختمه بذكر اسم "ياسر يهنعم"، ثم اسم "شمسر يهرعش" وهو ابنه من بعده، وقد كان معاصرًا للملك "شرح إيل" ملك حضرموت. وبـ"شمر يهرعش" أنهى "ريكمنس" قائمته لملوك "سبأ وذي ريدان"٢.
أما "فلبي"، فقد وضع اسم "ذمر على بين" بعد اسم "ذكر على يهبر" الثاني. وقد وضع علامة استفهام أمامه دلالة على أنه غير متأكد من اسم أبيه, وربما كان ابن أخي "ذمر على يهبر الثاني", وزعم أنه حكم حوالي سنة عشرين بعد الميلاد٣.
ووضع "فلبي" اسم "كرب ال يهنعم" "كرب إيل وتر يهنعم" بعد اسم "ذمر على بين"، ثم اسم "هلك إمر" "هلك أمر" من بعده، ثم "ذمر على ذرح"، وقد سبق أن تكلمت عنهم، إذ قدمتهم وفقًا لقائمة "ريكمنس".
ووضع "فلبي" اسم "يدع ال وتر" بعد "ذمر على ذرح" أبيه. وقد جعل حكمه من حوالي السنة ٩٥ حتى السنة "١١٥ب. م"٤.
ويظن "فلبي" أن "يدع ال وتر"، هو الشخص المسمى بهذا الاسم في النص: CIH ٧٧١٥, ويحتمل في نظره أن يكون ابنه٦.
стр. 1233
وذكر "فلبي" أنه منذ السنة "١١٥" إلى السنة "٢٤٥ب. م"، حكم عرش "سبأ وذي ريدان" ملوك من أسرة "بني بتع" من "حاشد"، و"حاشد" قبيلة من "همدان". وقد بلغ عددهم اثني عشر ملكًا، جمعهم في ست مجموعات، ولم يضع أمام كل ملك زمان حكمه كما فعل في قائمته للملوك الذين حكموا قبلهم؛ ذلك لأنه -كما بين هو نفسه- غير واثق من معرفة زمان حكمهم ولا من ترتيب المجموعات, وإنما رتبهم على ما أداه إليه اجتهاده، لا غير١.
ومن هؤلاء الملوك، الملك "شمدر يهنعم" "شمدار يهنعم"، وقد عرف اسمه من نقود عثر عليها, ضربت في مدينة "ريدان"٢، وهي مما بعد الميلاد، ولا نعرف من أمره شيئا آخر.
ووضع "فلبي" بعد الملك المذكور اسم "عمدن بين يهقبض" "عمدان بيّن يهقبض"، وقد ورد اسمه في النص الموسوم بـ٣Glaser ٥٦٧, كما وجد مضروبًا على نقد ضُرِبَ في مدينة "ريدان", وقد صور رأسه على النقد، فبدا وجهه حليقًا، وضفائر رأسه متدلية على رقبته. وأول من وجه أنظار الباحثين إلى هذا النقد، "موردتمن" Mordtmann، و"بريدو"٤ Prideux.
ووجد اسم "عمدان بين يهقبض" في نص عثر عليه في "حرم بلقيس"، وقد لقب بـ"ملك سبأ وذي ريدان". وهو نص ناقص، ذكر فيه اسم الإله "عثتر"٥.
ووضع "فلبي" بعد الملكين المذكورين اللذين كونا المجموعة الأولى، "نشأكرب يزن" "نشأكرب يأزن" ثم "وهب عثت يفد"٦. وهما يكوِّنان
стр. 1234
المجموعة الثانية من المجموعات الست التي تصور أنها حكمت في المدة المذكورة١. وقد ورد اسماهما في النص:٢ CIH ٣٣٦، ولم يلقبا بـ"ملك سبأ وذي ريدان", ولم أجد في هذا النص إشارة ما, يمكن أن يستدل بها على أنها ملكان. ولم يذكر "هومل" اسميهما مع من ذكر من الملوك الذين حكموا بعد "الشرح يحضب" والذين رتب أسماء من عثر عليهم بحسب حروف الهجاء، ويبلغ عددهم، في رأيه، زهاء عشرين ملكًا٣.
وذكر "فلبي" أن والد الملكين المذكورين هو "تصح بن يهزحم"٤.
ودون "فلبي" اسمي ملكين آخرين بعد الملكين المتقدمين، أحدهما "هوتر عثت يشف"، والآخر "كرب عثت يهقبل"٥.
وانتقل بعد ذلك إلى مجموعة أخرى تضمنت اسمي ملكين أيضا، هما "نشأكرب أوتر"، و"شهر أيمن"٦. وقد ورد اسم "نشأكرب أوتر" في النص الموسوم: Om II, ٢، غير أنه لم يلقب فيه بملك، وقد رجح "هومل" كونه ملكًا؛ للقبه الذي هو من نوع الألقاب التي يستعملها الملوك٧.
ودون "فلبي" اسم "رب شمس نمران" "ربشمس نمران"، بعد "شهر أيمن". وذكر أنه مذكور في النص الموسوم بـ٨ REP. EPIG. ٣٦٢١، وهو نص عثر عليه في "مأرب"، ووجد اسمه في نصوص أخرى عثر عليها في "حاز" معقل "همدان" ومقر "رب شمس". وقد استدل "فلبي" من وجود النص المذكور في "مأرب" على بلوغ سلطانه وسلطان قومه "آل بتع" هذا المكان٩.
وأما غير "فلبي" مثل "ريكمنس" و"جامه"، فقد قدموا -كما رأينا-
стр. 1235
مكان الملك "رب شمس نمران" "ربشمس نمران" في القوائم التي رتبوها لملوك "سبأ وذي ريدان". وقد جعل "جامه" زمان حكمه بين السنة "١٢٠" والسنة "١٤٠" بعد الميلاد١.
وجعل "فون وزمن" زمان حكم الملك "ربشمس نمران" فيما بين السنة "١٦٠" والسنة "١٧٠" أو "١٨٠" بعد الميلاد, وجعله من المعاصرين للملك "يدع أب غيلان" ملك حضرموت, وممن أدرك أيام حكم "علهان نهفان" ملك همدان٢.
وورد اسم "رب شمس نمران" في النص: REP. EPIG. ٤١٣٨, وهو نص مهم وردت فيه أخبار حروب وغزوات قام بها "عبد عثتر" وأخوه "سعد ثون" ابنا "جدنم" "جدن" أو من آل "جدن"، بأمر من سيدهم "رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان". فلما عادا إلى مواطنهما سالمين، دوَّنا شكرهما وحمدهما للإله "المقه" الذي من عليهما بالعافية وحفظهما وأعادهما بصحة جيدة، وأنقذهما "المقه بعل حروان" من الوباء الذي عَمَّ كل الأرض، وبارك عليهما في مدينة "نعض"، إذ أنعم عليهما سيدهما "رب شمس نمران". وقد دعيا في هذه الكتابة لـ"المقه ثهوان" و"ثور بعلم بعل حروان" بأن يبارك عليهما ويحفظها ويمن عليهما بالعافية وبأولاد ذكور، وبثمار كثيرة وجني جيد، وذلك بحق الآلهة: "عثتر وهوبس والمقه وذات حميم وذات بعدان وشمس"٣.
ويظهر من هذا النص أن وباء كان قد عم البلاد في عهد هذا الملك فأهلك خلقًا كثيرًا, وقد حمدا الآلهة التي جعلتهما من الناجين, ويظهر أنهما كانا من قواد جيش هذا الملك الذي كلفهما غزو أعدائه ومحاربتهم. وورد في النص اسم قبيلة "جرش"، ولعل لاسم "جرش" -وهو اسم موضع في اليمن- علاقة باسم هذه القبيلة٤.
стр. 1236
ويظهر أن الوباء الذي أشار إليه "عبد عثتر" هو الوباء الذي أشير إليه في النص الموسوم بـJamme ٦٤٥, وصاحبه رجل اسمه "وهب إيل" من "يهعن" "يهعان" ومن "قرضنن" "قرضان". وقد دون هذا الرجل نصه حمدًا للإله "المقه ثهوان" "بعل أوام"، وشكرًا له على نعمه عليه بأن حفظه وسلمه وصانه من الوباء "بن خوم" والطاعون "وعوس" ومن الموت "موتت" الذي عم البلاد، وذلك في سنة "حيم" "حي" "حيي" "حيوم" "حيو" بن "أبكرب" "أبي كرب" من "كبر خلل ثكمتن" كبراء "خليل ثكمتان". فصانه وحفظه
من هذا الوباء العام الذي انتشر في الأرض "وموتت كون بارضن"، فأهلك خلقًا من الناس, وليمن عليه ويبارك فيه وفي أرضه وزرعه، ويعطيه ثمارًا كثيرة وغلة وافرة من جميع مزارعه في "مأرب" و"نشق" و"رحبتن" "رحبتان", ولينال حظوة ورفعة عند سيده "رب شمس نمران، ملك سبأ وذي ريدان"١.
وليس هذا الوباء الفتاك الذي انتشر في الأرض في أيام هذا الملك، هو أول وباء نسمع به؛ ففي الكتابات إشارات إلى أوبئة عديدة أخرى كانت تعم البلاد بين الحين والحين, ولا سيما بعد الحروب التي لا تكاد تنقطع، وبعد الحروب الكبيرة الماحقة التي قام بها الملوك فخربوا المدن ودمروا مجاري المياه، وأباحوا مواضع السكنى, والبشر، وتركوا جيف القتلى في مواضعها لتنتشر الأوبئة والأمراض.
وقد ذهب "ريكمنس" إلى أن الوباء المذكور هو جزء من وباء عام كان قد انتشر من الهند نحو الخارج، فجاء إلى جزيرة العرب ووصل حوض البحر الأبيض وطفح في "سلوقية" Seleucia وقد وقع ذلك سنة "١٦٥" للميلاد٢.
وورد اسم "رب شمس نمران" "ربشمس نمران" في نصوص أخرى وسمت بـ: CIH ١٦٤، وبـ Geukens ١٠، وبـ Jamme ٤٩٦.
стр. 1237
و"رب شمس نمران" معروف لدينا معرفة حسنة، وهو من "بتع"، ومن "ملوك سبأ وذي ريدان"؛ لورود ذلك صريحًا في بضعة نصوص؛ أحدها عثر عليه في مأرب١، وعثر على البقية في "حاز" أي: في بلد همدان.
والنص الذي عثر عليه في مأرب هو النص المعروف بـREP. EPIG. ٣٦٢١, وهو نص قصير يظهر أنه بقية نص أطول لم تبقَ منه غير كلمات٢.
ودون "فلبي" اسم "سخمن يهصبح" "سخمان يهصبح" بعد "رب شمس نمران", وقد ورد اسمه في كتابتين، هما Glaser ٢٠٨ و Glaser ١٣٦، غير أنه لم يلقب فيهما بـ"ملك سبأ وذي ريدان". وقد استدل "فلبي" من كلمة "مراهمو" أي: سيدهم، الواردة قبل اسمه أنه كان ملكًا٣. وورد اسم رجل يعرف بـ"أجرم يهنعم بن سخمان", ويرى "فلبي" احتمال كون "سخمان" هذا هو "سخمان يهصبح"، واحتمال كون "أجرم" أحد أبنائه٤. ولم يذكر "هومل" اسم "سخمان" في جملة من ذكرهم من ملوك "سبأ وذي ريدان"٥.
وللسبب المذكور جعل "فلبي" "أجرم يهنعم" ملكًا بعد "سخمان يهصبح" ثم ذكر من بعده "سعد أوم نمران", وقد ذكر في النص: Glaser ٢١٠، وهو من النصوص التي عثر عليها في المدينة الهمدانية "حاز"٦. ويرى "هومل" أن " ... نمران ملك سبأ وذي ريدان" الذي سقط اسمه من النص: Glaser ٥٧١ وبقي فيه نعته وهو "نمران"، قد ينطبق على "سعد أوم نمران" هذا الذي نتحدث عنه، كما ينطبق على "رب شمس نمران"٧.
وبـ"سعد أوم نمران" ختم "فلبي" هذا العهد الذي استمر -على رأيه-
стр. 1238
من سنة "١١٥ب. م." حتى السنة "٢٤٥". وقد حكم فيه من بني "بتع"، وقد كونوا -على حسب رأيه أيضا- الأسرة السادسة من الأسر التي حكمت عرش "سبأ". ثم وضع بعد هذه الأسرة أسرة جديدة جعلها الأسرة السابعة، وهي من "يكبل", وقد جعل أول رجالها الملك "العذنوفان يهصدق" "العزنوفان يهصدق"، وقد حكم -على حسب رأيه- من سنة "٢٤٥ب. م." حتى السنة "٢٦٠ للميلاد"١.
ووضع "فلبي" اسم "ياسر يهنعم" بعد "العذنوفان", وهو على حسب ترتيبه الملك الستون من ملوك سبأ الذين حكموا السبئيين من مكربين وملوك, وهو والد "شمر يهرعش" الملك الشهير المعروف بين الأخباريين. وبذلك ننتقل من أسرة قديمة إلى أسرة جديدة، ومن عهد قديم إلى عهد آخر جديد.
وأما "فون وزمن"، فإنه لم يذكر اسم من حكم مباشرة بعد "ربشمس نمران"، بل ذكر اسم "شعرم أوتر" وهو من "همدان" بعد اسم "علهان نهفان" الذي أدرك أوائل حكم "ربشمس نمران"، كما ذكر اسم "فرع ينهب"، وهو من "جرت" "جرة" وقد جعل حكمه في حوالي السنة "١٨٠" بعد الميلاد. وذكر اسم "حيو عثتر يضع" مع اسم "شعرم أوتر", دلالة على أنه حكم معه في أواخر أيام حكمه. ثم ذكر اسم "لحيعثت يرخم" من بعده, وجعله معاصرًا لـ"لعزز يهنف يهصدق" ملك حمير. وجعل "ياسر يهنعم" الأول وهو والد "شمس يهرعش" الثاني معاصرًا لـ"لحيعثت يرخم" وقال: إن في أيامه استولى الحميريون على مأرب, وكان معاصرا لـ"الشرح يحضب الثاني" الذي حكم مع أخيه "يازل بين"٢.
وجعل "فون وزمن" زمان حكم "الشرح يحضب" الثاني في حوالي السنة "٢٠٠" للميلاد. ثم جعل حكمه مع أخيه في حوالي السنة "٢١٠"، ثم عاد فجعله يحكم وحده في حوالي السنة "٢٢٠" إلى السنة "٢٣٠" حيث ذكر اسم "نشأكرب يأمن يهرحب" من بعده، وجعل على حمير في أثناء هذه المدة "كرب إيل" "ذو ريدان" و"ثأرن يعب يهنعم"، وعلى حضرموت
стр. 1239
"العز يلط" الذي تحالف مع "ثارن يعب"١.
وذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على وتر يهبر" بعد "ثارن يعب يهنعم" ثم جعل "عمدان بين يهقبض" على عرش سبأ, ثم "ياسر يهنعم الثاني" من بعده، وقد حكم مع ابنه "شمر يهرعش الثالث" الذي انفرد بالحكم في حوالي السنة "٣٠٠" بعد الميلاد٢.
وقبل أن أنتهي من هذا الفصل وأختمه، أود أن أشير إلى منافسة كانت بين الأسرة السبئية الحاكمة المنحدرة من "فيشان" صاحبة قصر مأرب، وبين أسر أخرى لم تكن لها صلة بالعرش, ولكنها ادعت لنفسها حق حكم سبأ وذي ريدان, وتلقب أفرادها باللقب الرسمي المقرر للحكم, ونازعت الملوك الشرعيين في حق الحكم والسلطان. فنجد الهمدانيين مثلًا وهم يحكمون الثلث الشمالي من دولة "سمعي" القديمة من مقرهم "ناعط"، ونجد "بني بتع"، وهم يحكمون الثلث الغربي لمملكة "سمعي"، "حملان" وعاصمته "حاز" وكذلك "مأذن"، ثم نجد "مرثدم" أي "مرثد" ومعها "أقيان" "شبام أقيان"، و"جرت" بما في ذلك كنين "كنن"٣.
هذا، ولا بد لي وقد انتهيت من تدوين هذا الفصل من الإشارة إلى أن عهد "ملوك سبأ وذي ريدان" هو من أصعب الفصول كتابةً في تاريخ سبأ، على كثرة ما عثر عليه من كتاباته؛ ذلك لأن الكتابات لا تقدم إلينا مواطئ تمكن الإنسان أن يقف عليها ليتعرف ما حوله من أمور، ثم إن بعضها ناقص أصابه التلف فأثر في معناه، إلى غير ذلك من أمور. لذا نجد علماء العربيات الجنوبية متباينين في تثبت تأريخ هذا العهد وفي أسماء الملوك، وأعتقد أن هذا الخلل لن يُصلَح، وأن الفجوات لن تُحشَى وتُملَأ، إلا بعد أمد؛ بعد استقرار الأمور في اليمن بحيث يسمح لأصحاب العلم بالبحث عن الكنوز المدفونة لاستنباط ما فيها من سر دفين عن هذا العهد, والعهود الأخرى من تأريخ اليمن القديم.
стр. 1240
صنعاء:
وقد لمع اسم "صنعو" أي "صنعاء"، في أيام "الشرح يحضب"، وهي لا بد أن تكون قد بنيت قبله بزمن. وقد أشار "الشرح يحضب" إلى قصر له بها، هو قصر "غندن" "غندان" المعروف في المؤلفات الإسلامية بقصر "غمدان"، وقد ذكره بعد قصره القديم الشهير قصر "سلحن" "سلحين" رمز الملكية في سبأ١. وهكذا صارت لصنعاء مكانة ازدادت على مرور الأيام، حتى صارت عاصمة اليمن ومقر الحكام.
стр. 1241
قائمة "ريكمنس ":
وقد رتب "ريكمنس" أسماء ملوك "سبأ وذي ريدان" على النحو الآتي:
١- فرعم ينهب، وكان معاصرًا لـ"علهان نهفان".
٢- الشرح يحضب، وقد حكم على رأيه في حوالي السنة ٢٥ قبل الميلاد, وكان يعاصره "شعرم أوتر" "شعر أوتر". وأما ابنه "يازل بين" "يأزل بين"، فكان معاصرًا لـ"حيو عثتر يضع".
٣- نشأكرب يهأمن.
.............
٤- ذمر على بين.
٥- كرب إيل وتر يهنعم، وكان معاصرًا للملك "العز" ملك حضرموت.
٦- "هلك أمر" - ذمر على ذرح.
............
٧- وتر يهأمن.
.............
٨- شمدر يهنعم.
стр. 1242
٩- الشرح يحمل.
.............
١٠- عمدان بين يهقبض.
.............
١١- لعز نوفان تهصدق "لعز نوفن يهصدق".
.............
١٢- ياسر يهصدق.
١٣- ذمر على يهبر "ذمر على يهبأر" الأول.
١٤- ثارن يعب يهنعم.
١٥- ذمر على يهبر "ذمر على يهبار" الثاني.
١٦- رب شمس نمرن "ربشمس نمران".
١٧- الشرح يحسب.
١٨-١٩- سعد شمس أسرو..... "....." حمد.
.............
٢٠- ياسر يهنعم.
٢١- شمر يهرعش١.
أسرة ذمر على بين:
١- ذمر على بين.
٢- كرب إيل وتر يهنعم، "كربئيل وتر يهنعم", وهو ابن ذمر على بين.
٣- هلك إمر "هلك أمر", وهو ابن كرب إيل.
٤- ذمر على ذرح، وهو ابن كرب إيل وتر يهنعم، وشقيق هلك أمر.
٥- يهقم.
٦- كرب إيل بين، "كربئيل بين", وهو ابن ذمر على ذرح٢.
стр. 1243
أسرة ياسر يهصدق:
١- ياسر يهصدق.
٢- ذمر على يهبر, وهو ابن ياسر يهصدق.
٣- ثرن يعب "ثارن يعب يهنعم" "ثارن يركب" "تارن يرحب", وهو ابن ذمر على يهبر.
٤- ذمر على يهبر, وهو ابن ثارن يعب يهنعم, ويمكن تلقيبه بالثاني تمييزًا له عن الأول.
٥- ثارن يهنعم "ثرن يهنعم"١.
стр. 1244
الفصل التاسع والعشرون: ممالك وإمارات صغيرة
مدخل
...
الفصل التاسع والعشرون: ممالك وإمارات صغيرة
وعرف من الكتابات القتبانية شعب يقال له "أوسن" أو "أوسان"١, وكانت أرضوه تكوِّن جزءًا من مملكة قتبان, مثل دهس و"دتنت" "دتنة" و"تبنى" ومناطق أخرى كانت تابعة لقتبان. وقد عرف من الكتابات أن الأوسانيين كونوا حكومة، حكمها ملوك، وصلت أسماء بعضهم إلينا، ولكنها حكومة صغيرة لم تبلغ مبلغ حكومة قتبان، أو حضرموت, أو معين، أو سبأ.
ولعل الأوسانيين الذين أدركوا الإسلام، هم من بقايا "أوسان". وقد كان من جملة من اعتمد عليهم الهمداني في أخبار اليمن القديمة، رجل ينسب إلى أوسان، هو "محمد بن أحمد الأوساني"، زعم أنه كان يحسن قراءة الكتابات العربية الجاهلية المدونة بالمسند٢.
وقد وهبت لنا هذه المملكة الصغيرة بضعة تماثيل منحوتة من الرخام، يجوز أن نعدها من أنفس ما عثر عليه من تماثيل في جزيرة العرب حتى الآن. وهي تماثيل بعض ملوك أوسان، وتعد أول تماثيل تصل إلينا من تماثيل ملوك العرب. وقد كتب على قاعدة كل تمثال اسم الملك الذي يمثله، فهذا تمثال كتب عليه:
стр. 1245
"يصدق آل فرعم ملك أوسان بن معد ال"، وهذا تمثال ثانٍ نقش على قاعدته اسم الملك الذي يمثله: "زيدم سيلن بن معدال"، وتمثال ثالث كتب تحت قدم صاحبه اسمه "معد ال سلحن بن يصدق ال ملك أوسان"، ورابع كتبت على وجه قاعدته من أمام: "يصدق ال فرعم شرح عت ملك أوسن بن معد ال سلحن ملك أوسن".
ويرى "فون وزمن" أن الملك "يصدق إيل فرعم شرح عت ابن معد إيل سلحن"، هو الملك "يصدق إيل فرعم ملك أوسان ابن معد إيل" نفسه, فالاسمان إذن في نظره لمسمى واحد، ويكون والده الملك "معد إيل سلحن بن يصدق إيل ملك أوسان"، ووالد "معد إيل سلحن" إذن هو "يصدق إيل" الذي لا يعرف اسم أبيه١.
وعثر على اسم ملك آخر من ملوك أوسان، هو "يصدق ال فرعم شرح عت "عثت" "بن ودم" "يصدق إيل فرع "الفارع" شرح عثت بن ود"، ورد لمناسبة تقديمه نذرًا، وهو "معمر" أي "مذبح" أو "مبخرة" إلى أحد الآلهة, ولم يذكر الملك اسم ذلك الإله٢. وقد استدل بعض الباحثين من جملة "بن ودم"، أي "ابن ود" على وجود فكرة تأليه الملوك عند الأوسانيين، وأن الجملة تعني أن الملك المذكور كان يرى أنه من نسل الإله "ود"٣. وعندي أن لفظة "ود" هنا هي مجرد اسم لشخص ما, وفي كتب الأنساب والأخبار أسماء عدد من الرجال، هي في الوقت نفسه أسماء آلهة. ولم يقل أحد أن أصحاب تلك الأسماء كانوا يرون أنفسهم آلهة، أو من أبناء الآلهة، وبينهم أناس كانوا من سواد الناس.
ولا نعرف من أمر هؤلاء الملوك شيئًا يذكر، والظاهر أن تمثال "معد ال سلحن" "معد إيل سلحان" يمثل والد "يصدق إيل فرعم شرح" كما جاء
стр. 1246
ذلك مدونًا في قاعدة التمثال الرابع، ويظهر أن "يصدق إيل فرعم" هو غير "يصدق إيل فرعم شرح عثت" كما يتبين ذلك من اختلاف صورتي التمثالين. وتفيدنا هذه التماثيل فائدة كبيرة في تعرف نماذج ملابس الأوسانيين وعلى زينتهم وكيفية تنظيم شعور رءوسهم، وعلى غير ذلك مما له علاقة بمظهر الإنسان، وبالفن من حيث الجودة والخلق والتعبير عن النفس والإتقان.
وجاء اسم الملك "يصدق ال فرعم شرح عت" في كتابة أوسانية أمرت بكتابتها امرأة اسمها "رثدت" "رثدة"، وقد جاء فيها أنها قدمت إلى سيدها المذكور ملك أوسان تمثالًا من الذهب, ليحفظ في معبد "نعمن" "نعمان"١، وهي من كتابات النذور. ويظهر أنها قدمت هذا النذر لحادث وقع للملك، فتوسلت لدى آلهة أوسان بأن تمن على الملك وتبارك فيه، وهي في مقابل ذلك تقدم لها نذرًا تمثالًا من ذهب، ولا بد أن تكون هذه المرأة من الأسر الرفيعة التي لها شأن ومكانة، ولعلها كانت من أسرته.
وجاء في كتابة أوسانية أخرى تحطم اسم صاحبها وزالت معالمه: أنه قدم تمثالًا "صلمت" من ذهب إلى سيده "مراس" "مرأس" "يصدق إيل فرعم شرح عتت" ملك أوسان٢, ولا بد أن يكون هذا التقديم لمناسبة حدثت للملك، فأراد هذا الوجيه التعبير عن تقديره لسيده الملك بتقديم هذا التمثال المصنوع من الذهب٣. وتشبه هذه الكتابة, الكتابة المرقمة بـJaussen Nr. ١٥٩ Bis وهي لأخت هذا الملك، وقد سقط اسمها من الكتابة بتهشم حدث في الحجر، وبقيت منه بقية، هي: "ذت بغيثت أخت"٤، وجاء فيها أنها قدمت إلى سيدها "سقنيت مراس" صنمًا من ذهب "صلم ذ ذهبم"٥، ولم تذكر المناسبة التي دعتها لتقديمه, وكان له شقيق هو "زيد سيلن" "زيد سيلان"٦.
стр. 1247
ويرى بعض الباحثين أن زمان حكم الملك "يصدق ال فرعم شر حعت" "يصدق إيل فارع شرح عت" كان في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد حتى حوالي السنة "٤٥٠" قبل الميلاد١. وقد استدلوا على ذلك من طراز التمثال الذي نحت ليمثل ذلك الملك, فإن شكل اللباس الذي نحته النحات ليكون لباس الملك، هو على النسق اليوناني في التماثيل اليونانية المنحوتة قبل منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. ويرى الباحثون احتمال شراء مثل هذه التماثيل من "غزة" في فلسطين, إذ كانت سوقًا مهمة يفد عليها العرب للاتجار, وفيها معروضات يونانية وغيرها، ينقلها التجار إلى جزيرة العرب، وفي جملتها الأصنام التي أثرت في الفنانين العرب, فصاروا ينحتون تماثيلهم على شاكلتها, وفي جملتها تمثال الملك المذكور الذي يجب أن يكون قد نحت فيما بين النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد إلى حوالي السنة "٤٥٠ق. م."٢.
وعرفت أسماء ملوك آخرين من ملوك أوسان، لا نعلم من أمر أصحابها شيئًا يذكر، منها "معد إيل سلحان بن ذي يدم"٣. وقد رأي "جوسن" Jaussen
أن الاسم الأخير هو "زيدم" بدلًا من "ذيدم"٤. ولقب "سلحن" "سلحان" من الألقاب التي تكرر ورودها مدونة على تماثيل ملوك أوسان، وعلى بعض الكتابات التي عثر عليها في "أبنة" وفي المعاهدة المعقودة بين "سلحن" و "زررن" "زراران"، أي: بين ملك "نجاشي" الحبشة وملك "سبأ". ويرى "ميتوخ" أن "سلحن" "سلحان" أحد المتعاقدين في المعاهدة المذكورة ما كان ملكًا حبشيًّا، ولكن ملكًا من ملوك أوسان. وأما "زررن"، فإنه ملك من ملوك قتبان٥.
ووجد اسم ملك آخر من ملوك أوسان، هو "عم يثع غيلن لحى"٦،
стр. 1248
محفورًا على تمثال من المرمر مكتوبًا كتابة حسنة١. وقد نعثر في المستقبل على تماثيل أخرى لملوك العرب الجنوبيين من أوسانيين وغيرهم، إذ لا يعقل انفراد أوسان من بين سائر الشعوب العربية الجنوبية بصنع التماثيل.
وذكر "فلبي" ملكًا من ملوك أوسان يقال له "يصدق إيل فرغم زغمهن الشرح"، ولا نعرف من أمره شيئًا. ووردت في الكتابتين الموسومتين بـJaussen ٧٢, ٧٣ وبـJaussen ٧٥, ٨٣، أسماء ملوك أوسانيين منها: "زيحمن بن الشرح ملك أوسان"، و"عم يثع ملك أوسان" و"يصدق إيل فرعم عم يثع"، و"الشرح بن يصدق إيل"، وهي أسماء لقب بعضها بلقب ملك، وحرم بعضها هذا اللقب، ولا نعرف عن أصحابها شيئًا يذكر٢.
وقد كانت "أوسان" قبل استيلاء قتبان عليها وإدماجها في حكومة قتبان، مملكة ذات تجارة مع الخارج، تتاجر مع أفريقية، وتحكم أرضين أخرى ليست في الأصل من "أوسان"، مثل: "دهس"، و"تبنو", و"كحد". استدل بعض الباحثين من إطلاق مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" على الساحل الإفريقي الواقع شمال "بمبا" Pemba و"زنزبار" "زنجبار" اسم "الساحل الأوساني" عليه، على أن الأوسانيين كانوا قد حكموه، ونزح بعضهم إليه فسكنه، وصار تابعًا لأوسان، ولا يمكن حدوث ذلك بالطبع لو لم يكن الأوسانيون أقوياء ولهم أرض واسعة في العربية الجنوبية ذات عدد كبير من السكان, بحيث يسمح لهم بالاستيلاء على الساحل الإفريقي. ويرجح العلماء زمان حكم الأوسانيين لذلك الساحل الإفريقي إلى ما قبل السنة "٤٠٠ق. م"٣.
وتقع مملكة أوسان في جنوب "قتبان", وهي من الحكومات العربية الجنوبية الصغيرة، إلا أنها كانت ذات أهمية؛ إذ كانت تمتلك الساحل الإفريقي الذي أشرت إليه، وتتاجر مع سكانه. وقد كان ميناء "عدن" من جملة الأماكن التابعة لهذه المملكة٤.
ومن ملوك أوسان، ملك ذكر اسمه في النص الموسوم بـGlaser ١٦٠٠
стр. 1249
الذي تحدث عن حملة قام بها الملك "كرب إيل وتر" على جملة قبائل وإمارات وحكومات ملكية صغيرة. فبعد أن استولى هذا الملك على مدينة "شرجب"١ بين الجوف ونجران، ساق جيوشه إلى "أوسان"، فقتل ستة عشر ألف رجل، وأسر أربعين، واحتل أماكن أخرى كانت تابعة لأوسان، هي: "حمن" "حمان", و"أنفم" "أنف", و"حبن" "حبان", و"ديب" "دياب", و"رشا" "رشاي"، و"جردن" "جردان"، و"دتنت" "دتنة", و"تفذ" إلى ساحل البحر. وذكر النص بعد ذلك معبد "مرتوم" "مرتم" "مرتو" الذي اسمه "مسور"٢، أما ملك "أوسان" فكان اسمه "مرتوم" "مرتو"٣.
وقد كانت قتبان حليفة لسبأ في هذه الحرب, وقد يكون تعبيرنا أدق وأصح لو قلنا: إنها كانت تابعة لها في هذا العهد؛ ولذلك اشتركت مع السبئيين ضد الأوسانيين. أما "أوسان" فكان إلى جانبها "دتنت" و"دهس" و"تبنى" وبعض قبائل "كحد", وقد رأيت أن جميع هذه القبائل ومعها "أوسان" كانت تابعة لمملكة قتبان. ويظهر أنها ثارت على قتبان، وانفصلت عنها، فتكونت مملكة أوسان, ودخلت القبائل الأخرى في هذه المملكة, أي: مملكة أوسان، أو أنها تحالفت معها، واستقلت كلٌّ في منطقتها فكونت إمارة أو مملكة صغيرة. فلما انتهى "كرب إيل وتر" من مملكة أوسان, تعقب هذه القبائل وأخضعها لحكمه. ويظهر أن ملك "دهس" الذي كان في حلف مع أوسان، أو خاضعًا لها، انتهز فرصة انتصار "كرب إيل وتر" على أوسان فأعلن انفصاله عنهم وانضمامه إلى السبئيين، فكافأه "كرب إيل وتر" بإعطائه جزءًا من أرض أوسان هو أرض "أدوم" "أود"٤.
وقد احتل السبئيون أرض أوسان وأرض تبنى، ووهبوا أرض "كحد ذ حضنم" لإله سبأ "المقه", أي: إن الملك "كرب ال" "كربئيل" "كرب إيل" وهبها لحكومة ولشعب سبأ، وأنعم على قتبان وحضرموت ببعض الأرضين التي
стр. 1250
غنمها من الأوسانيين. ويظهر أنها كانت قتبانية وحضرمية في الأصل، غير أن الأوسانيين اغتصبوها منهم، فأعادها "كرب إيل" إلى قتبان وحضرموت, لمساعدتهما له. وقد كان ملك قتبان الملك "وروإيل" إذ ذاك.
ويظهر من عبارة "وقني كرب إيل كل قسط كحد ... جوم لا لمقه ولسبا"، ومن جملة "كل قسط كحد حرهو وعبد هو"، أن أرض "كحد ذ حضنم" التي وهبت لألمقه ولشعب سبأ، أصبحت ملكا خاصا بالملك "كرب إيل"، وأن جميع أهل "كحد" أحرارًا وعبيدًا صاروا أتباعًا له، يستغلون الأرض ويدفعون إليه الغلات١.
وقد جعل "فلبي" الملك "مرتو" في رأس قائمته التي وضعها لملوك "أوسان"، وجعل زمان حكمه فيما بين السنة "٦٢٠" والسنة "٦٠٠ق. م."؛ وذلك ليجعله معاصرا لـ"كرب إيل وتر" الذي جعل حكمه في هذا الزمن٢. وهو رأي يعارضه أكثر الباحثين في العربيات الجنوبية، إذ جعلوا حكمه في حوالي السنة "٤٥٠" قبل الميلاد، أو بعد ذلك بقليل٣.
ووضع "فلبي" اسم الملك "ذيدم" "ذيد" "زيد" بعد اسم الملك "مرتو"، وجعل زمان حكمه في حوالي السنة "٢٣٠ق. م."؛ فترك بذلك فجوة كبيرة لا يدري من حكم فيها, ولم يعرف اسم والد الملك "ذيدم"، وقد ذكر أنه كان من عشيرة "بغيثت"٤.
ثم ذكر "فلبي" "معد إيل سلحن" بعد "ذيد"، وجعله ابنًا له, وجعل حكمه في حوالي السنة "٢١٠ق. م."، وذلك جريًا على طريقته في وضع مدة "٢٠" سنة لكل ملك يقضيها في الحكم. ثم جعل "يصدق إيل فرعم شرج عت" من بعد "معد إيل" وجعله ابنًا له, وصيَّر زمان حكمه في حوالي السنة "١٩٠ق. م." وجعل "زيد سلحن" شقيقًا له، كما جعل له أختا, ثم وضع الملك "معد إيل سلحن" بعد "يصدق إيل فرعم"، وجعله ابنًا له، وجعل زمان حكمه في حوالي السنة "١٧٠ق. م.". ثم صير "يصدق
стр. 1251
إيل فرعم عم يثع" ملكًا من بعده، وهو ابن "معد إيل سلحن"، وجعل حكمه في حوالي السنة "١٥٠ق. م.". ثم جعل "فرعم زهمهن الشرح" ملكًا من بعده، وهو ابن "يصدق إيل فرعم عم يثع"، وجعل حكمه في حوالي السنة "١٣٥ق. م". ثم ذكر "عم يثع غيلن لحى" من بعده، وهو ابن "يصدق إيل فرعم عم يثع"، وقد جعل حكمه حوالي السنة "١٢٠ق. م."١.
ولم يذكر "فلبي" ملكًا آخر بعد هذا الملك، وإنما ذكر أنه في حوالي السنة "١١٥ق. م." ضم "الشرح يحضب" "ملك سبأ وذي ريدان" مملكة أوسان إلى أرض السبئيين٢.
ويعارض ترتيب "فلبي" لأسماء ملوك "أوسان" رأي كثير من علماء العربيات الجنوبية؛ فقد ذهب أكثرهم إلى تقديم الملوك الذين ذكرهم "فلبي" بعد الملك "مرتو" عليه، وجعلوا زمانهم أقدم من زمانه، فقدروا زمان الملك "يصدق إيل فرعم شرح إيل" في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد مثلًا، أي: قبل سنة "٤٥٠ق. م."، وهذا يعني أنه أقدم عهدًا من "مرتو"، أي: إن رأيهم هو عكس ما ذهب "فلبي" إليه٣.
وقد ذهبت "بيرين" J. Pirenne إلى أن أوسان كانت مملكة في أواخر القرن الأول قبل الميلاد أو بعد الميلاد بقليل، وأن حكم الملك "يصدق إيل فرعم شرحت بن ودم" كان في حوالي السنة "٢٤ق. م."٤.
لقد كان معبد "نعمان" المعبد الرئيسي عند الأوسانيين, وقد خصص بعبادة الإله "ود"، وهو إلههم الكبير. ويقع هذا المعبد في "وادي نعمان"٥, وقد ورد اسمه في عدد من الكتابات الأوسانية٦.
стр. 1252
الجيانيون
...
الجبانيون:
لقد ورد في تأريخ "بلينيوس" اسم شعب من الشعوب العربية الجنوبية، سماه Gebbanitae، وقال: إن له عدة مدن أكبرها "ناجية" "نجية" Nagia و Thamna "تمنة" "ثمنة", وكان في "تمنة" خمسة وستون معبدًا١. وقد يكون في هذا العدد شيء من المبالغة، إلا أنه مع ذلك يدل على ضخامة هذه المدينة وسعتها، بدليل وصول اسمها إلى اليونان، ومبالغة هذا المؤرخ في عدد معابدها. ولما تحدث عن اللبان، قال: إنه لم يكن يسمح بتصديره إلا بواسطة هذه المملكة، وإلا بعد دفع ضريبة إلى ملكها، وتبعد العاصمة مسافة "٥/ ١٤٨" ميلًا عن "غزة" يقطعها الإنسان في خمس وستين مرحلة على ظهور الجمال٢.
وفي أثناء كلام "بلينيوس" عن "المر" ذكر أن ملك الـ"الجبانيين" Gebbanitae كان يأخذ لنفسه ربع الغلة، وذكر أن بلادهم تقع ما بين أرض شعب دعاه Astramitica وأرض شعب آخر يسمى Ausaritae = Ausaritie، وأشار إلى أن للمملكة ميناء يسمى Ocilia، وأن حق بيع القرفة كان محصورًا بالملك وحده٣, وذكر أشياءَ أخرى عن هذا الشعب.
ومعارفنا عن هذا الشعب قليلة، ويظن أنه كان من الشعوب التي كانت تؤلف مملكة قتبان، وأنه استقل في زمن ربما لا يبعد كثيرًا عن أيام "بلينيوس".
وكانت مواطنه بعد استقلاله في جوار القتبانيين في الجنوب الشرقي منهم بين قتبان وسبأ على بعض الآراء، أو في غربهم على رأي "كلاسر"٤, ويرى "كلاسر" أنه عشيرة أو طائفة من القتبانيين٥, ويظن بعض الباحثين أنهم "جبأ"٦. وقد ذكر "الهمداني" موضعًا سماه "جبأ" وقال فيه: "جبأ: مدينة المفاخر، وهي
стр. 1253
لآل الكرندي من بني ثمامة آل حمير الأصغير"١، وقال: "إن جبأ وأعمالها هي كورة المعافر، وهي في فجوة بين جبل "صبر" وجبل "ذخر" في وادي الضباب"٢. وقد ورد في النصوص المعينية اسم "جبأ" "جبأن" مع اسم المعينيين٣, ولكني لا أستطيع أن أوافق على رأي من يقول: إن "الجبئيين" هم Gebbanitae؛ ولذلك دعوتهم بـ"الجبانيين" انتظارًا للمستقبل الذي قد يرشدنا إلى اسم يرد في النصوص العربية الجنوبية يكون مرادفًا للفظة المذكورة.
стр. 1254
نجران:
وذكرنا "نجران" كما رأينا مع "رجمت" "رجمة"، فهي إذن من المواضع القديمة من عهود ما قبل الميلاد، سواء أكان اسم نجران اسم أرض أو اسم مدينة وهي في منطقة خصبة جدا ذات ماء؛ ولذلك صارت طريقًا مهمًّا للقوافل المتجهة من العربية الجنوبية نحو الشمال، أو الآتية من الشمال في طريقها إلى العربية الجنوبية. ولموقعها المهم هذا تعرض للغزو ولطمع الطامعين فيها، فأصيب لذلك بأضرار فادحة مرارًا, وقد سماها "بطلميوس" "نكرا ميتربوليس" Nagara Metropolis، أي مدينة "نكرا"١، وذكرت في نص "النمارة" الذي يعود عهده إلى سنة ٣٢٨م٢.
ومع أهمية "نجران"، فإننا لا نعرف من تأريخها القديم غير شيء قليل.
وقد ورد اسمها في كتابة أشارت إلى حملة على النبط "نباطو"، ويظهر أن أصحاب الحملة أو الغزاة كانوا قد توجهوا من العربية الجنوبية نحو الشمال؛ لأنها تذكر أنها اتجهت من "نجران" نحو "نباطو" فدمرتها، أي: دمرت مدينة النبط٣.
стр. 1255
مملكة مهأمر:
و"مهأمرم" "مهأمر" مملكة صغيرة نستطيع أن نقول: إنها إمارة من الإمارات التي لقب سادتها أنفسهم بلقب "ملك"، ومقرها على ما يظهر من الكتابات مدينة "رجمت" "ركمت" "رجمة", وكان لها مجرى ماء منبعه في "نجران". وتقع أرض "أمرم" "أمر" "أمير" في شرقها في امتداد البادية، وفي جنوب "مهأمر" في بعض الأماكن. ويرى بعض الباحثين أن "رجمت" هي في أرض "نجران" في الزمن الحاضر، أو في منطقة تتاخمها في شمالها١.
وقد جاء اسم "رجمت" كما رأينا في الكتابة المعينية التي وسمها العلماء بـ٢ Glaser ١١٥٠، وقد بحثت عنها في أثناء حديثي عن دولة "معين" وقلت: إن من رأي بعض العلماء أن تلك الحرب نشبت بين الفرس "الماذويين" في أيام ملكهم Atraxerxes Ochus وبين المصريين، في حوالي السنة "٣٤٣ق. م"٣. ويظهر من تلك الكتابة أن مدينة "ركمت" كانت معروفة إذ ذاك، وكانت ذات شأن وخطر، وتقع على طريق القوافل التي تصل "معين" والعربية الجنوبية بمصر٤.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "رجمت" هي في الواقع مدينة من مدن "نجران"، وأن "نجران" لم تكن في الأصل مدينة معينة، وإنما هي أرض تضم جملة مدن، منها هذه المدينة، إلا أن الناس خصصوا لفظة "نجران" على مرور الزمان بإحدى المدن هي مدينة "رجمت"، حتى عرفت بها، فضاع بذلك اسمها القديم. ويستشهدون على صحة رأيهم هذا بأمثلة عديدة وقعت في العربية الجنوبية٥.
ويحتمل على رأي "موردتمن" أن تكون "رجمت" "ركمت" هي "رعمة"
стр. 1256
في التوراة و"رعمة" في التوراة الابن الرابع لـ"كوشن"١. وقد ذهب إلى أن مراد التوراة من "كوش" في هذا المكان العربية الجنوبية, ومن أولاد "كوش" "شبا"، أي "سبأ"، و"دادان". وقد ذكر تجار "رعمة" مع تجار سبأ في سفر "حزقيال"٢.
стр. 1257
الفصل الثلاثون: الحميريون
وجب علينا الآن البحث عن شعب لعب دورًا خطيرًا في سياسة العربية الجنوبية، في هذا الوقت وقبله بمئات من السنين، وهذا الشعب هو: "حمير" الذي لا زال قائمًا يلعب دورًا مهمًّا بين القبائل العربية الجنوبية حتى الآن.
كانت حمير من القبائل العربية المعروفة في العربية الجنوبية عند الميلاد، حتى وصل خبرها إلى اليونان والرومان، فدعوها باسم١ Homerital وبـOmyritai و Omeritae و Hamiroel ونحو ذلك. وقد اعتبر "بلينيوس" حمير من أكثر الشعوب العربية الجنوبية عددًا، وذكر أن عاصمتهم مدينة٢ Sapphar، ويقصد بذلك مدينة "ظفار", وعرفوا باسم Hemer عند الحبش٣. وأشار إلى اسم مدينة من مدنهم، سماها "مسلة"٤ Mesalum = Mesala = Masala
стр. 1258
وفي كلام هذا الكاتب عنهم إشارة إلى أن مدينة "ظفار" كانت عاصمة حمير في أيامه، وأن الحميريين كانوا قد تمكنوا في أيامه من تكوين شخصيتهم, ومن إثبات وجودهم في العربية الجنوبية يومئذٍ.
وقد ذهب "كلاسر" إلى أن المراد بـMasala موضع يدعى اليوم "المشالحة" ويقع شرق "مخا" على الساحل. "أما "شبرنكر"، فرأى أنه موضع "مأسل الجمع"، وأن المقصود بـHomeritae في هذا المكان جماعة أخرى، اسمها: Nomeritae، وأن النساخ حرفوه فكتبوه Homeritae بدلًَا من١ Nomeritae. وهذه التسمية التي يراها "شبرنكر" قريبة من "نمير".
وذكر مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" أن الحميريين كانوا يحكمون في أيامه منطقة واسعة من ساحل البحر الأحمر وساحل المحيط حتى حضرموت، كما كانوا يمتلكون ساحل "عزانيا" Azania في أفريقية، أي: قسمًا من الساحل الشرقي. وكان عليهم ملك يسمى "كرب ال" Charibael، عاصمته مدينة "ظفار" Taphar, وكان على صلات حسنة بالروم٢. وعدهم "مرقيانوس" Marcianus، وهو من رجال أوائل القرن الرابع للميلاد، من جملة قبائل الحبشة, ونجد عددًا من الكتاب البيزنطيين يرون هذا الرأي٣.
وقد ذكرت حمير في نص "عيزانا" Ezana، ملك "أكسوم" Askum، ودُعيت في النص اليوناني منه بـOmyritai = Omeritai أي٤: حمير.
ولم يعثر الباحثون على اسم حمير في الكتابات التي يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد بمئات من السنين مع ورود أسماء قبائل أخرى كانت تقيم في المواضع التي نزل بها الحميريون؛ مثل "حبان" "حبن" و"ذيب". فقد جاء اسم "حبن" "حبان" في الكتابة الموسومة بـREP. EPIG. ٣٩٤٥، وهي كتابة يرجع بعض الباحثين زمان تدوينها إلى حوالي السنة "٤٠٠" قبل الميلاد٥. و"حبان" مدينة وأرض تقع غرب "ميفعة"، على الطريق المؤدية إلى
стр. 1259
"شبوة". أما "ذيب" "ذيلب" فقبيلة كانت منازلها ما بين "عوالق الأحور" من الغرب ومنطقة "قنا", وتضم "دلتا" "ميفعة"، وهي من القبائل التي كانت تسكن القسم الشرقي من "حمير" أي: الأرض التي هاجمت منها حمير مملكة حضرموت١.
ويذهب "فون وزمن" إلى أن اسم حمير لم يكن قد لمع في هذا العهد على أنه اسم قبيلة حاكمة، وأن اسمها لم يلمع إلا بعد أن تحالف الحميريون مع قبائل أخرى مثل "ذياب"، فصاروا بحلفهم هذا قوة، وصار لهم نفوذ٢.
وقد ورد اسم قبيلة "حبن" "حبان" و"ذيب" "ذياب" في النصوص المتأخرة كذلك, مثل كتابات "عقلة"٣.
وقد عرف الحميريون عند أهل الأخبار أكثر من بقية الشعوب العربية الجنوبية الأخرى التي نتحدث عنها, وقد جعلوا "حميرًا"، وهو جد الحميريين في زعمهم، ابنًا لـ"سبأ"، وصيروه "حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٤. وقد سموه "العرنج" وزعموا أنه كان ملكًا، وأنه ملك بعد هلاك أبيه "سبأ"، وأنه أول من تتوَّج بالذهب, وملك خمسين سنة، وعاش ثلاثمائة عام، وكان له من الولد ستة، منهم تفرعت قبائل حمير، وكانت بينهم حروب، إلى أمثال ذلك من أقوال٥.
وقد حاول بعض أهل الأخبار إيجاد تفسير للفظة "حمير" ولكلمة "عرنج"؛ فذكروا أوجهًا متعددة للتسمية. وقد اعترف "ابن دريد"، بأن من الصعب الوقوف على الأصل الذي اشتق منه اسم "حمير" أو "العرنج"؛ لأن هذه أسماء قد أُميتت الأفعال التي اشتقت منها, وقد ذكر أن بعض أهل اللغة زعموا أنه سمي حميرًا؛ لأنه كان يلبس حلة حميراء٦. وذكر أيضا "أن هذه الأسماء الحميرية لا تقف لها على اشتقاق؛ لأنها لغة قد بعدت وقدم العهد بمن كان يعرفها٧".
стр. 1260
ويطلق أهل الأخبار لقب "تبع" على الملوك الذين حكموا اليمن، وعلى مجموعهم "التبابعة", وهم في حيرة من تفسير المعنى. وقد ذكر أكثرهم أنهم إنما سُمُّوا تبعًا و"تبابعة" لأنهم يتبع بعضهم بعضًا, كلما هلك واحد قام مقامه الآخر تابعًا له على مثل سيرته, أو لأن التبع ملك يتبعه قومه، ويسيرون خلفه تبعًا له, أو لكثرة أتباعه، أو من التتابع، وذلك لتتابع بعضهم بعضًا١. وذكروا أن أحد التبابعة كان قد صنع "الماذيات" من الحديد، وأن الحديد سخر له كما سخر للنبي "داود"٢, وأشير إلى "تبع" في القرآن الكريم: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٣, و ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٤. وقد ذكر بعضهم أن هذا اللقب لا يلقب به إلا الملوك الذين يملكون اليمن والشحر وحضرموت، وقيل حتى يتبعهم "بنو جشم بن عبد شمس" أما إذا لم يكن كذلك فإنما يسمى ملكًا٥. وأول من لقب منهم بذلك "الحارث بن ذي شمر" وهو الرائش، ولم يزل هذا اللقب واقعًا على ملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبشة اليمن٦. وذكر أهل الأخبار أن تبعًا عند أهل اليمن لقبٌ هو بمنزلة الخليفة للمسلمين وكسرى للفرس وقيصر للروم, وكان يكتب إذا كتب: باسم الذي ملك برًّا وبحرًا٧.
واختلف علماء التفسير في اسم "التبع" الحميري المذكور في القرآن الكريم، فذهب بعضهم إلى أنه من حمير، وأنه حَيَّر الحيرة وأتى "سمرقند" فهدمها. وذهب بعض آخر إلى أن تبعًا كان رجلًا من العرب صالحًا، وأنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك, وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا،
стр. 1261
وكانوا يعبدون الأوثان فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم, قالوا: فحاكمنا إلى النار. قال: نعم فتحاكموا إليها، وكان معه حبران، فغلب الحبران النار، ونكصت على عقبها، فتهودت حمير، وهدم "تبع" بيت "رئام"، وهو بيت كانوا يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه، وانتصر عليهم١.
وقد ذكروا أن تبعًا أول من كسا البيت، وأن الرسول نهى عن سبه٢, ورُوِيَ أنه قال: "لا أدري, تبع نبيًّا كان أم غير نبي"٣. ويظهر من هذا القصص المروي عن "تبع" والذي يعود سنده إلى "كعب الأحبار" و"وهب بن منبه" و"عبد الله بن سلام" في الغالب، أنهم قصدوا بـ"تبع" الملك "أسعد أبا كرب" الذي تهود. يؤيد هذا الرأي نص كثير من المفسرين والأخباريين على اسمه، ونسبتهم القصص المذكور إليه٤. وذكر "ابن كثير" أن "أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني"، هذا هو "تبع الأوسط" وأنه ملك قومه ثلاثمائة سنة وستًّا وعشرين سنة, ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث الرسول بنحو من سبعمائة سنة إلى غير ذلك من قصص يرجع سنده إلى المذكورين٥.
هذا وللتبابعة قصص طويل في كتب أهل الأخبار، فيها قصص عن نسبهم، وفيها قصص آخر عن فتوحاتهم وحروبهم، وكلام عن دياناتهم، وحديث عن حكمهم وأحكامهم، تجده مبسوطا مفروشا في صفحات تلك الكتب، تجد فيها بعض التبابعة وقد آمنوا برسالة الرسول ووقفوا على اسمه, وذلك قبل ميلاده بمئات من السنين, وتمنوا لو عاشوا فأدركوا أيامه وذبُّوا عن حياضه. هذا أحدهم وهو التبع "أسعد أبو كرب بن ملكيكرب"، يقول:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مدَّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرًا له وابن عم
وجاهدت بالسيف أعداءَهُ ... وفَرَّجْتُ عن صدره كل هم
стр. 1262
فهو يشهد برسالة الرسول، ويؤمن بها قبل مبعثه بنحو من سبعمائة سنة، ويرجو لو مد في عمره، فوصل إلى أيام الرسول، إذن لجاهد وحارب معه، وفرج عنه كل هم؛ لأنه كان يعلم بما سيلاقيه الرسول من قومه من أذى وعذاب, ولصار له وزيرًا وابن عم١.
ويذكر بعض الأخباريين، أن تبعًا قال للأوس والخزرج: كونوا هنا حتى يخرج هذا النبي ﷺ , أما أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه٢.
إلى غير ذلك من قصص يحاول أن يجعل للتبابعة علمًا سابقًا قديمًا برسالة الرسول باسمه وبمكان ظهوره, وبتهيؤ القحطانيين ومنهم أهل المدينة لتأييده وللذب عنه، ولنشر دينه على رغم قريش أهل مكة، وهم لب العدنانيين.
ونجد في كتب أهل الأخبار بعض التبابعة وقد صيروا مسلمين حنفاء يدعون إلى الدين الحق وينهون قومهم عن عبادة الأصنام. وتجد فيها أحاديث قيل: إن رسول الله قالها في حق التبابعة مثل قوله: "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان قد أسلم"، أو "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان رجلًا صالحًا" و"لا تسبوا تبعًا؛ فإنه أول من كسا الكعبة", أو "ما أدري أكان تبع نبيًّا أم غير نبي"٣. وتجد فيها أكثر من ذلك فقد بلغ الحال ببعض أهل الأخبار أن صيروا بعض التبابعة أنبياء وفاتحين، بلغت فتوحاتهم الصين في المشرق و"روما" في المغرب. وهذا القصص كله هو بالطبع من حاصل ذلك النزاع السياسي الذي كان بين القحطانيين والكتلة المعادية لها، كتلة العدنانيين.
وما هذا الإلحاح الذي يؤكد إيمان التبابعة بإله واحد وتسليمهم برسالة الرسول وتدينهم بدينه، وفي عدم جواز سب التبابعة أو لعنهم أقول: ما هذا الإلحاح إلا دليل ظاهر محسوس على أن من الناس من كان يلعن التبابعة ويسبهم ويشتمهم، ولم يكن هذا الشتم أو اللعن موجهًا إلى التبابعة بالذات بالطبع، بل كان موجهًا لليمن وللقحطانيين عامة، وللرد عليهم وضعت تلك الأحاديث وأمثالها على لسان
стр. 1263
الرسول. وقد ظهر أجداد أهل اليمن فيها أحسن وأخير من أجداد قريش وأهل مكة، ظهروا فيها مؤمنين موحدين، كسوا البيت الحرام، وكانوا هم أول من كسوه، وعنوا بالبيت إذ عمروه مرارًا، وقدروا مكانته قبل الإسلام بزمان طويل خير تقدير.
وذكر "المسعودي" أن "تبعًا" المعروف بـ"تبع الأول" كان أول من حكم بعد "الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش"، وقد ملك -على زعمه- أربعمائة سنة، ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد١. ولم يشر إلى صلة "تبع الأول" بالهدهاد، والظاهر من قوله: "وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته"٢، أنه كان على رأي أهل الأخبار وأصحاب "كتب التبابعة"٣، مغتصبًا للعرش ليست له بالهدهاد صلة ونسب. فأول من حكم باسم "تبع" على رواية المسعودي هو تبع المذكور.
وكلمة "تبع" لم ترد في نصوص المسند؛ لا بمعنى ملك، ولا بمعنى آخر له علاقة بحكم أو بوظيفة أو بملك. وقد أطلقت تلك النصوص على اختلاف لهجاتها لقب "ملك" على الملوك، أي: على نحو إطلاقنا لها في عربيتنا؛ ولهذا يرى المستشرقون أن كلمة "تبع" هي "بتع" القبيلة التي تحدثت عنها من "همدان", وحرفت الكلمة فصارت "تبع"٤.
وقد كان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، ولا سيما في مدينة "ظفار" وحصنها الشهير المعروف بـ"ريدان"٥، الذي يرمز إلى ملك حمير والذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء, وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا٦.
وقد كانت منازل حمير في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة قتبان وتتصل بحكومة حضرموت,
стр. 1264
وتقع في جنوب "ميفعة"١. وتؤلف أرض "يافع" المسكن القديم للحميريين، وذلك قبل نزوحهم عنها قبل سنة "١٠٠" قبل الميلاد إلى مواطنهم الجديدة٢, حيث حلوا في أرض "دهس" "داهس" وفي أرض "رعين" حيث كانت "رعين"، فأسسوا على أشلائها حكومة "ذو ريدان"٣.
وحدود أرض حمير في مواطنها القديمة: أرض "رشأى" "رشاي" و"حبان" "حبن" في الشمال وأرض حضرموت في الشرق، وأرض "ذيب" "ذياب" في الغرب, وقد كانت في الأصل جزءًا من حكومة قتبان.
ويظهر من الكتب العربية أن الحميريين كانوا يقطنون حول "لحج" في منطقة "ظفار" و"رداع" وفي "سرو حمير" و"نجد حمير"٤.
وقد عرفت الأرض التي أقام بها الحميريون بـ"ذي ريدان" "ذ ريدن"، نسبة إلى "ريدن" "ريدان"، قصر ملوك حمير بعاصمتهم "ظفار". وهو عند حمير بمثابة قصر "سلحن" "سلحان" "سلحين"، وقصر "غمدن" "غمدان" عند السبئيين.
وقد أخذ حصن "ريدان" اسمه من حصن أقدم عهدًا منه كان في قتبان، بُنِيَ عند ملتقى أودية في جنوب العاصمة "تمنع", عرف بـ"ذي ريدان" "ذ ريدان"، وقد بني على جبل يسمى بـ"ذي ريدان" يؤدي إلى "حدنم" "حدن". ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة بـ"ذي ريدان" وذلك حينما كانوا أتباعًا لمملكة قتبان, لذلك أطلقوا على الحصن الذي بنوه بـ"ظفار" اسم حصن "ذي ريدان"؛ تيمنًا باسم قصرهم القديم، وأطلقوا "ذي ريدان" على وطنهم الجديد الذي أقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان؛ ليذكرهم باسم وطنهم القديم٥.
وقد عثر على كتابة في خرائب حصن "ريدان" القديم، الذي كان قد بناه الريدانيون أيام إقامتهم بقتبان، قدَّر الخبراء زمان كتابتها بحوالي السنة "٤٠٠"
стр. 1265
قبل الميلاد١. ويقع حصن "حدي" عند حافة الجبل الذي تقع عليه خرائب "ريدان"، وهو اسم يذكرنا باسم "حدنم" المذكور٢.
وقد كان الحميريون أتباعًا لمملكة قتبان قبل انتقالهم إلى وطنهم الجديد، فأرضهم كانت خاضعة لحكومة قتبان, تؤدي الجزية لها وتعترف بسيادة ملوك قتبان عليها؛ ولذلك أطلق السبئيون عليهم "ولد عم" أي: ولد الإله "عم" و"أمة عم" "ملة عم" وهو إله قتبان. وتعني تلك الجملة "جماعة عم"، أي: قتبان ومن يخضع لها من قبائل، فـ"عم" هو رمز قتبان٣, وهو تعبير يؤدي معنى التبعية والجنسية بالمعنى الحديث. ولما كان الحميريون أتباعا لقتبان في ذلك العهد، وإن لم يكونوا يتعبدون للإله "عم" إله قتبان، أُدخلوا في جملة "ولد عم" للتعبير عن المعنى المذكور.
وقد عثر الباحثون على كتابات مؤرخة سنة ١٠٩٤, أرخت بالتقويم العربي الجنوبي الذي يرجع عهده إلى السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد, عثر عليها في أرضين حميرية. وقد تبين من تحويل تلك السنين إلى سنين ميلادية، أنها تعود إلى السنة "٤٠٠" للميلاد فما بعد٤.
ويرى بعض الباحثين أن السنة المقابلة لسنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد، وهي السنة الأولى من سني التقويم العربي الجنوبي، هي سنة نشوء حكومة حمير وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية٥؛ ولهذا صار الحميريون يؤرخون بها لما لها من أهمية في الناحية السياسية عندهم.
وقد كان الحميريون يغزون أرض حضرموت ويتحرشون بطرق تجارتها، ولا سيما طريق "شبوة" - "قنا" "قانة" المؤدي إلى المدن الجنوبية والساحل؛ لذلك اضطرت حضرموت إلى إقامة سور يسد الوادي "وادي لبنا" "لبنة"، أقيم من حجارة قوية بحيث سد الوادي، فليس للمارة سبيل سوى الباب الذي