← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وكانوا يعبدون الأوثان فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم, قالوا: فحاكمنا إلى النار. قال: نعم فتحاكموا إليها، وكان معه حبران، فغلب الحبران النار، ونكصت على عقبها، فتهودت حمير، وهدم "تبع" بيت "رئام"، وهو بيت كانوا يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه، وانتصر عليهم١. وقد ذكروا أن تبعًا أول من كسا البيت، وأن الرسول نهى عن سبه٢, ورُوِيَ أنه قال: "لا أدري, تبع نبيًّا كان أم غير نبي"٣. ويظهر من هذا القصص المروي عن "تبع" والذي يعود سنده إلى "كعب الأحبار" و"وهب بن منبه" و"عبد الله بن سلام" في الغالب، أنهم قصدوا بـ"تبع" الملك "أسعد أبا كرب" الذي تهود. يؤيد هذا الرأي نص كثير من المفسرين والأخباريين على اسمه، ونسبتهم القصص المذكور إليه٤. وذكر "ابن كثير" أن "أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني"، هذا هو "تبع الأوسط" وأنه ملك قومه ثلاثمائة سنة وستًّا وعشرين سنة, ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث الرسول بنحو من سبعمائة سنة إلى غير ذلك من قصص يرجع سنده إلى المذكورين٥. هذا وللتبابعة قصص طويل في كتب أهل الأخبار، فيها قصص عن نسبهم، وفيها قصص آخر عن فتوحاتهم وحروبهم، وكلام عن دياناتهم، وحديث عن حكمهم وأحكامهم، تجده مبسوطا مفروشا في صفحات تلك الكتب، تجد فيها بعض التبابعة وقد آمنوا برسالة الرسول ووقفوا على اسمه, وذلك قبل ميلاده بمئات من السنين, وتمنوا لو عاشوا فأدركوا أيامه وذبُّوا عن حياضه. هذا أحدهم وهو التبع "أسعد أبو كرب بن ملكيكرب"، يقول: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مدَّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرًا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءَهُ ... وفَرَّجْتُ عن صدره كل هم

стр. 1262

فهو يشهد برسالة الرسول، ويؤمن بها قبل مبعثه بنحو من سبعمائة سنة، ويرجو لو مد في عمره، فوصل إلى أيام الرسول، إذن لجاهد وحارب معه، وفرج عنه كل هم؛ لأنه كان يعلم بما سيلاقيه الرسول من قومه من أذى وعذاب, ولصار له وزيرًا وابن عم١. ويذكر بعض الأخباريين، أن تبعًا قال للأوس والخزرج: كونوا هنا حتى يخرج هذا النبي ﷺ , أما أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه٢. إلى غير ذلك من قصص يحاول أن يجعل للتبابعة علمًا سابقًا قديمًا برسالة الرسول باسمه وبمكان ظهوره, وبتهيؤ القحطانيين ومنهم أهل المدينة لتأييده وللذب عنه، ولنشر دينه على رغم قريش أهل مكة، وهم لب العدنانيين. ونجد في كتب أهل الأخبار بعض التبابعة وقد صيروا مسلمين حنفاء يدعون إلى الدين الحق وينهون قومهم عن عبادة الأصنام. وتجد فيها أحاديث قيل: إن رسول الله قالها في حق التبابعة مثل قوله: "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان قد أسلم"، أو "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان رجلًا صالحًا" و"لا تسبوا تبعًا؛ فإنه أول من كسا الكعبة", أو "ما أدري أكان تبع نبيًّا أم غير نبي"٣. وتجد فيها أكثر من ذلك فقد بلغ الحال ببعض أهل الأخبار أن صيروا بعض التبابعة أنبياء وفاتحين، بلغت فتوحاتهم الصين في المشرق و"روما" في المغرب. وهذا القصص كله هو بالطبع من حاصل ذلك النزاع السياسي الذي كان بين القحطانيين والكتلة المعادية لها، كتلة العدنانيين. وما هذا الإلحاح الذي يؤكد إيمان التبابعة بإله واحد وتسليمهم برسالة الرسول وتدينهم بدينه، وفي عدم جواز سب التبابعة أو لعنهم أقول: ما هذا الإلحاح إلا دليل ظاهر محسوس على أن من الناس من كان يلعن التبابعة ويسبهم ويشتمهم، ولم يكن هذا الشتم أو اللعن موجهًا إلى التبابعة بالذات بالطبع، بل كان موجهًا لليمن وللقحطانيين عامة، وللرد عليهم وضعت تلك الأحاديث وأمثالها على لسان

стр. 1263

الرسول. وقد ظهر أجداد أهل اليمن فيها أحسن وأخير من أجداد قريش وأهل مكة، ظهروا فيها مؤمنين موحدين، كسوا البيت الحرام، وكانوا هم أول من كسوه، وعنوا بالبيت إذ عمروه مرارًا، وقدروا مكانته قبل الإسلام بزمان طويل خير تقدير. وذكر "المسعودي" أن "تبعًا" المعروف بـ"تبع الأول" كان أول من حكم بعد "الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش"، وقد ملك -على زعمه- أربعمائة سنة، ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد١. ولم يشر إلى صلة "تبع الأول" بالهدهاد، والظاهر من قوله: "وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته"٢، أنه كان على رأي أهل الأخبار وأصحاب "كتب التبابعة"٣، مغتصبًا للعرش ليست له بالهدهاد صلة ونسب. فأول من حكم باسم "تبع" على رواية المسعودي هو تبع المذكور. وكلمة "تبع" لم ترد في نصوص المسند؛ لا بمعنى ملك، ولا بمعنى آخر له علاقة بحكم أو بوظيفة أو بملك. وقد أطلقت تلك النصوص على اختلاف لهجاتها لقب "ملك" على الملوك، أي: على نحو إطلاقنا لها في عربيتنا؛ ولهذا يرى المستشرقون أن كلمة "تبع" هي "بتع" القبيلة التي تحدثت عنها من "همدان", وحرفت الكلمة فصارت "تبع"٤. وقد كان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، ولا سيما في مدينة "ظفار" وحصنها الشهير المعروف بـ"ريدان"٥، الذي يرمز إلى ملك حمير والذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء, وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا٦. وقد كانت منازل حمير في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة قتبان وتتصل بحكومة حضرموت,

стр. 1264

وتقع في جنوب "ميفعة"١. وتؤلف أرض "يافع" المسكن القديم للحميريين، وذلك قبل نزوحهم عنها قبل سنة "١٠٠" قبل الميلاد إلى مواطنهم الجديدة٢, حيث حلوا في أرض "دهس" "داهس" وفي أرض "رعين" حيث كانت "رعين"، فأسسوا على أشلائها حكومة "ذو ريدان"٣. وحدود أرض حمير في مواطنها القديمة: أرض "رشأى" "رشاي" و"حبان" "حبن" في الشمال وأرض حضرموت في الشرق، وأرض "ذيب" "ذياب" في الغرب, وقد كانت في الأصل جزءًا من حكومة قتبان. ويظهر من الكتب العربية أن الحميريين كانوا يقطنون حول "لحج" في منطقة "ظفار" و"رداع" وفي "سرو حمير" و"نجد حمير"٤. وقد عرفت الأرض التي أقام بها الحميريون بـ"ذي ريدان" "ذ ريدن"، نسبة إلى "ريدن" "ريدان"، قصر ملوك حمير بعاصمتهم "ظفار". وهو عند حمير بمثابة قصر "سلحن" "سلحان" "سلحين"، وقصر "غمدن" "غمدان" عند السبئيين. وقد أخذ حصن "ريدان" اسمه من حصن أقدم عهدًا منه كان في قتبان، بُنِيَ عند ملتقى أودية في جنوب العاصمة "تمنع", عرف بـ"ذي ريدان" "ذ ريدان"، وقد بني على جبل يسمى بـ"ذي ريدان" يؤدي إلى "حدنم" "حدن". ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة بـ"ذي ريدان" وذلك حينما كانوا أتباعًا لمملكة قتبان, لذلك أطلقوا على الحصن الذي بنوه بـ"ظفار" اسم حصن "ذي ريدان"؛ تيمنًا باسم قصرهم القديم، وأطلقوا "ذي ريدان" على وطنهم الجديد الذي أقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان؛ ليذكرهم باسم وطنهم القديم٥. وقد عثر على كتابة في خرائب حصن "ريدان" القديم، الذي كان قد بناه الريدانيون أيام إقامتهم بقتبان، قدَّر الخبراء زمان كتابتها بحوالي السنة "٤٠٠"

стр. 1265

قبل الميلاد١. ويقع حصن "حدي" عند حافة الجبل الذي تقع عليه خرائب "ريدان"، وهو اسم يذكرنا باسم "حدنم" المذكور٢. وقد كان الحميريون أتباعًا لمملكة قتبان قبل انتقالهم إلى وطنهم الجديد، فأرضهم كانت خاضعة لحكومة قتبان, تؤدي الجزية لها وتعترف بسيادة ملوك قتبان عليها؛ ولذلك أطلق السبئيون عليهم "ولد عم" أي: ولد الإله "عم" و"أمة عم" "ملة عم" وهو إله قتبان. وتعني تلك الجملة "جماعة عم"، أي: قتبان ومن يخضع لها من قبائل، فـ"عم" هو رمز قتبان٣, وهو تعبير يؤدي معنى التبعية والجنسية بالمعنى الحديث. ولما كان الحميريون أتباعا لقتبان في ذلك العهد، وإن لم يكونوا يتعبدون للإله "عم" إله قتبان، أُدخلوا في جملة "ولد عم" للتعبير عن المعنى المذكور. وقد عثر الباحثون على كتابات مؤرخة سنة ١٠٩٤, أرخت بالتقويم العربي الجنوبي الذي يرجع عهده إلى السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد, عثر عليها في أرضين حميرية. وقد تبين من تحويل تلك السنين إلى سنين ميلادية، أنها تعود إلى السنة "٤٠٠" للميلاد فما بعد٤. ويرى بعض الباحثين أن السنة المقابلة لسنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد، وهي السنة الأولى من سني التقويم العربي الجنوبي، هي سنة نشوء حكومة حمير وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية٥؛ ولهذا صار الحميريون يؤرخون بها لما لها من أهمية في الناحية السياسية عندهم. وقد كان الحميريون يغزون أرض حضرموت ويتحرشون بطرق تجارتها، ولا سيما طريق "شبوة" - "قنا" "قانة" المؤدي إلى المدن الجنوبية والساحل؛ لذلك اضطرت حضرموت إلى إقامة سور يسد الوادي "وادي لبنا" "لبنة"، أقيم من حجارة قوية بحيث سد الوادي، فليس للمارة سبيل سوى الباب الذي

стр. 1266

يحرسه حراس أشداء. ويظهر أن إقامة ذلك السور كان قبل السنة "٤٠٠" قبل الميلاد١. وقد اكتسح الحميريون أملاك غيرهم من جيرانهم؛ فاستولوا على أرض "رعين", وقد كانت "رعين" مملكة صغيرة حكمها ملوك كما تبين ذلك من الكتابات. وقد كانت هذه المملكة تحكم أرض "عرش" وقد استولى عليها الحميريون أيضا, كما استولوا على كل الأرضين التي كانت خاضعة لحكم ملوك "رعن" "رعين", فأضافوها إلى حكومة "ريدن" "ريدان" "ذي ريدان". وقد حدث ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد٢. وقد كانت مملكة "رعين" كما يتبين من الكتابة الموسومة بـGlaser ١٦٩٣ في حلف مع سبأ ضد مملكة "قتبان"، ويظهر أنها كانت مع سبأ لتدافع بذلك عن نفسها إذ كانت جارة لقتبان، ولقتبان مصالح خطيرة في أرض "رعين"٣. ويتبين من النص الموسوم بـGlaser ١٦٩٣ -الذي يعود عهده إلى أيام الملك "يدع أب يجل"، والذي يرجع بعض علماء العربيات الجنوبية عهده إلى حوالي السنة "٢٠٠" قبل الميلاد- أن "رعين" كانت مملكة إذ ذاك، وفي أرض "رعين" أقام الحميريون دولتهم حيث اتخذو "ظفار" عاصمة لهم٤, وكانوا قد زحفوا على هذه الأرض وعلى "دهس" "داهس" والمعافر واستقروا بها، حيث تغلبوا على سكانها الأصليين، وأقاموا حكومة حمير٥ التي أخذت تنافس سبأ وتتوسع في أرض القتبانيين وغيرهم، متوخية انتزاع السلطة من السبئيين٦. وقد كان "شمر ذي ريدان" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي على "الشرح يحضب" من أقيال حمير ومن ساداتهم البارزين في ذلك الوقت. وقد رأينا أنه كان نشطًا محاربًا يتصل بالحبش وبملك "نجران"، وبملك حضرموت، وبكل من يجد فيه عداوة ونصبًا لـ"الشرح يحضب" ليمكنوه من التغلب عليه، ومن انتزاع الحكم منه. ولكنه لم يتمكن مع كل ذلك من التغلب على "الشرح"، بل

стр. 1267

اضطر في الأخير إلى التصالح معه، وإلى الاعتراف بسيادته، حتى إنه صار قائدًا من قواد جيشه في حربه التي أثارها "الشرح" على حضرموت. كما عُوقبت "نجران" عقابًا شديدًا نتيجة لاندفاعها مع "شمر" وتأييدها له، وإعلانها الحرب على "ملك سبأ وذي ريدان"١. ويظهر من وصف "بلينيوس" Pliny، أن القسم الجنوبي من ساحل البحر الأحمر كان تابعًا لملك حمير، صاحب "ظفار". ويظهر من الكتابة CIH ٤١ أن مملكة حمير كانت تضم "رعين" و"ذمار" "ذمر" والأرض التي تقع في الشمال المسماة بـ"قاع جهران" في الوقت الحاضر؛ فيظهر من ذلك أن الحميريين كانوا قد تمكنوا من الاستيلاء على الهضبة وعلى المناطق الجنوبية من اليمن الممتدة على البحر الأحمر. ونحن لا نملك في الوقت الحاضر أي نصوص تشير إلى الوقت الذي استولت حمير فيه على هذه الأرضين, ويظن البعض أن ذلك قد كان في أيام حملة الرومان على اليمن، فاستغل الحميريون هذه الفرصة، فرصة ضعف حكومة السبئيين، فاستولوا على تلك الأرضين٢. وقد يرجع زمان استيلاء حمير على ميناء "قنا" الشهير، وهو أهم ميناء في حضرموت إلى هذا العهد، أو إلى عهد يقع بعد ذلك بقليل٣. ولم تكن علاقات حمير بسبأ علاقات طيبة في الغالب, بل يظهر أنها كانت نزاع وخصومة في أكثر الأوقات. نجد في كتابات السبئيين إشارات إلى حمير وإلى نزاع سبأ معهم, وقد دعوهم بـ"حمير" "حمر" "حمرم" وبـ"ذي ريدان" "ذ ريدن" و"ببني ذي ريدان"، ودعوا ملوكهم: "ذمر على ذي ريدان" و"شمر ذي ريدان" وبـ"كرب إيل ذي ريدان"٤. وقد استطاع الحميريون من الاستيلاء على "مأرب"؛ استولوا عليها جملة مرات. لقد تمكن أحد ملوكهم من احتلالها ودخولها، ويظهر أن ذلك كان بعد حملة الرومان على اليمن، فعدل في لقبه الملكي الرسمي وهو "ذو ريدان"،

стр. 1268

وجعله مثل لقب الملوك السبئيين الشرعيين, وهو "ملك سبأ وذي ريدان"، الذي يشير إلى استيلاء سبأ فيما مضى على حمير وضم أرضهم إلى أرض سبأ. والظاهر أن "أقول" أقيال سبأ ثاروا على الحميريين فأخرجوهم من "مأرب"، وأعادوا العرش إلى العائلة السبئية المالكة، فحكموها بصفتهم "ملوك سبأ وذو ريدان"، وإن لم تكن لهم سيطرة فعلية على أرض حمير، واحتفظ ملوك حمير باللقب الجديد الذي لقبوا أنفسهم به، وهو "ملك سبأ وذو ريدان"، مع أنهم كانوا قد أخرجوا من أرض سبأ، وإن لم يكن قد بقي لهم أي نفوذ عليها. وهكذا صرنا نجد حاكمين: أحدهما سبئي وآخر حميري، يلقب كل واحد منهما نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"١. وقد جعل "فون وزمن" استيلاء حمير على مأرب في حوالي السنة "١١٠" بعد الميلاد, وعاد فذكر أن الحميريين استولوا على "مأرب" مرة أخرى، وذلك في حوالي السنة "٢٠٠" أو "٢١٠" للميلاد, واستند في حكمه هذا على الكتابة الموسومة بـ٢ Jamme ٦٥٣. ومن ملوك حمير الملك "يسرم يهصدق" "ياسر يهصدق"، الملقب بـ"ملك سبأ وذو ريدان" في الكتابة الموسومة بـCIH ٤١. ويرى "فون وزمن" أنه حكم بعد الميلاد؛ حكم في النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد، فيما بين السنة "٧٠" و"٨٠" بعد الميلاد٣. وقد وضع "فون وزمن" اسم "الشرح" بعد اسم "ياسر يهصدق"، وجعل أيامه في حوالي السنة "٩٠" بعد الميلاد. وقد ذكر أنه من حمير, وإلى أيامه تعود الكتابة المرقمة بـ٤ CIH ١٤٠, ويرى أن هذه الكتابة هي أقدم كتابة ورد فيها خبر حرب وقعت بين حمير وسبأ٥. ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على يهبأر" بعد اسم "الشرح" وقد جعل حكمه في حوالي السنة "١٠٠" بعد الميلاد, وإلى زمانه تعود الكتابة

стр. 1269

الموسومة بـCIH ٣٦٥, وكان يعاصره الملك "شهر هلال يهقبض" ملك قتبان١. ويرى "فون وزمن" أن "ذمر على يهبار" "ذمر على يهبأر" حارب شخصًا من "بني حزفر" "بن حزفرم", و "بنو حزفر" هم من عشيرة "ذ خلل" "ذو خليل"، وهم عشيرة قديمة يرجع إليها نسب مكربي سبأ وأكثر ملوك السبئيين, ويرى احتمال كون هذه الحرب قد وقعت مع أحد أفراد العائلة السبئية المالكة. وقد تمكن "ذمر على" من الاستيلاء على حصن "ذت مخطرن" "ذات مخطران"، ومن دخول "مأرب", وقد قام هو وابنه "ثارن" "ثأران" بترميم سد مأرب وببناء المواضع التي تخربت منه؛ وذلك لأنه كان قد تخرب، وذكر أن تخرب السد هذا، هو تخرب لم يصل خبره إلينا٢. وقد قدم الملكان قرابين وهما بمأرب إلى "عثتر" "عثتار" و"سحر" بمعبد "نفقان" "نفقن"٣. وقد بلغ الحميريون على رأي "فون وزمن" أوج أيام عزهم في هذا العهد؛ فقد حكموا السبئيين ومعهم "ذ عذبهن" "ذو عذبهان"، الذين نعتوا أنفسهم بـ"أدم"، أي: الأتباع٤. ثم وضع "فون وزمن" اسم "ثارن يعب" "ثأران يعب" بعد اسم "ذمر على", وإلى زمانه تعود الكتابتان CIH ٤٥٧ و٥CIH ٥٦٩. ثم وضع "فون وزمن" اسم "شمر يهرعش الأول" من بعده، وقد كان معاصرًا لـ"أنمار يهأمن" ولـ"كرب إيل وتر يهنعم" من "بني بتع" من قبيلة "سمعي", وقد كان حكمه في حوالي السنة "١٤٠" بعد الميلاد٦. وذكر "فون وزمن" أن السبئيين تمكنوا من الاستيلاء على حمير، فصارت تابعة لهم، وكان ذلك في أيام "ملك سبأ وذي ريدان" "شعرم أوتر" "شعر أوتر"، وبقيت حمير خاضعة لهم إلى أن ثارت عليهم بزعامة "لعزز يهنف يهصدق" "العز يهنف يهصدق" "لعز يهنف يهصدق" "لعز نوفن يهصدق"

стр. 1270

حيث ولي عليهم وحكم بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"١. وقد جعل "فون وزمن" زمان حكم "لعزز يهنف يهصدق"، فيما بين السنة "١٩٠" و"٢٠٠" بعد الميلاد. وجعل أيام حكمه في أيام استيلاء "جدرت" "جدرة" الحبشي على "ظفار"٢. وقد جاء اسم الملك "لعزز يهنف يهصدق" في الكتابة الموسومة بـJamme ٦٣١, وقد لُقِّب فيها بلقب "ملك سبأ وذو ريدان", ذكر بعد أسطر من ورود اسم الملك السبئي "شعر أوتر" "ملك سبأ وذو ريدان", كما جاء اسم الملك "لحيعثت يرخم" الذي لقب أيضا بلقب "ملك سبأ وذو ريدان", وقد سجل هذه الكتابة أحد القادة السبئيين. ويظهر أن السبئيين والحميريين كانوا قد كونوا جبهة واحدة لمحاربة الحبش الذين هاجموا اليمن في عهد "جدرت" "جدرة"٣. وقد وقعت اضطرابات في هذا العهد, دامت حوالي قرن ونصف قرن, لم تنعم اليمن في خلال هذه المدة بالراحة والاستقرار. فنجد في الكتابات التي وصلت إلينا عن هذا العهد ذكر فتن وحروب وأوبئة وغزوات وغارات, ونجد ملوكًا وإقطاعيين يحاربون بعضهم بعضًا, ويعزو "ريكمنس" سبب ذلك إلى إدخال الخيل في الحروب وحلولها محل الجمل؛ مما ساعد على حركة القتال، وفي نقل الحروب بصورة أسرع إلى جبهات كان الجمل يقطنها ببطء. كما يرى "دوستل" W. Dostal أن لتحسين السروج التي كان يستعملها المحاربون الفرسان دخلًا في هذه الحروب والاضطرابات٤. لقد أدى استعمال الخيل في الحروب وتحسين سروجها على رأي الباحثين المذكورين إلى إحداث تطور خطير في أسلوب القتال, كما أدى إلى ظهور قوة محاربة صار لها نفوذ في الأحداث وفي سياسة جزيرة العرب، هي قوة الأعراب. فقد أدى استخدام البدو للخيل إلى إمعانهم في الغزو, وإلى إغارتهم على الحضر طمعًا في أموالهم وفيما عندهم من أمتعة ومال. كما أدى إلى الإكثار من غزوهم بعضهم

стр. 1271

بعضًا، وإلى التدخل في شئون الحكومات, وصار لهم نفوذهم في الأمور السياسية والعسكرية في العربية الجنوبية، واضطرت حكومات هذه الأرضين على أن تحسب لهم حسابًا، كما استخدموا الأعراب في قتالهم مع الحكومات الأخرى المنافسة لها، وفي محاربة الأقيال والأذواء١. ثم جعل "فون وزمن" اسم "ياسر يهنعم الأول" من بعده، وقد حكم معه ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بالثاني؛ تمييزًا له عن "شمر" المتقدم. وفي عهدهما احتل الحميريون "مأرب"، وصارت "سبأ" تابعة لهم, وكان ذلك في حوالي السنة "٢٠٠" للميلاد٢. وكان يعاصرهما "عذبة" نجاشي الحبشة في هذا الوقت٣. ويرى "فون وزمن" أن الكتابات العربية الجنوبية انقطعت فجأة بعد هذه الكتابة المتقدمة عن ذكر ملوك "همدان"، فلم تعد تذكر شيئًا عنهم، ويعزو سبب ذلك إلى الأوبئة التي اجتاحت البلاد, وإلى تألق نجم الأسرة الحميرية الحاكمة التي تمكنت على ما يظهر من الاستيلاء على عاصمة سبأ "مأرب" وعلى نجاد سبأ, وإلى انفراد سادة "مضحي" "مضحيم" "مضحم"، وقد تكون استولت على ردمان كذلك. وفي هذه الظروف حكم "ياسر يهنعم" الذي لقبه "فون وزمن" بالأول مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بـ"الثاني" الذي اشترك معه بالحكم ثم انفرد به وحده فحكم في "ظفار" وفي "مأرب"٤. ثم نصب "فون وزمن" شخصًا دعاه "كرب إيل ذو ريدان" بعد "شمر يهرعش الثاني" وجعله معاصرًا للنجاشي "زوسكالس" Zoskales، وجعل حكمه في حوالي السنة "٢١٠" بعد الميلاد٥, وهو شخص لا نعرف اسمه الملكي الكامل. ويرى "فون وزمن" أنه هو المقصود في الكتابات Jamme ٥٧٨, ٥٨٦, ٥٨٩، وهي كتابات دونها خصومه, ويظهر من إحدى الكتابات أن جيوش خصميه "الشرح" و"يأزل" بلغت "سرعن" في "ردمان" و"قرننهن" "القرنين"

стр. 1272

و"عروشتن" "العرائش" في نجاد قبيلة "حرمتم" "حرمت" "حرمة" في أرض "مراد" بين "مأرب" و"قتبان"، وأنها استولت على الحصن الجبلي المنيع "عر أساي" "عر الآسى" "عر أسأي" شرق "ذمار"١. وقد نشبت حرب أخرى بينه وبين خصميه، اضطرته إلى الاعتراف بسيادة "الشرح" و"أخيه" عليه، غير أنه عاد فثار على خصميه، فخسر في هذه المرة أيضا؛ خسر مدينة "هكر" التي اشتهرت بقصرها الملكي على قمة التل، وخسر "رداع" و"ظفار"، فاضطر إلى الفرار٢. ثم جعل "فون وزمن" "ثارن يعب يهنعم" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "٢٣٠" حتى السنة "٢٤٠" للميلاد٣. ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على وتر يهبأر" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "٢٥٠" للميلاد. ثم انتقل منه إلى "عمدان بين يهقبض" الذي جعل حكمه في حوالي السنة "٢٦٠" حتى السنة "٢٧٠" للميلاد٤. وجعل "فون وزمن" الملك "ياسر يهنعم" من بعد "عمدان بين يهقبض" وقد نعته بالثاني، وجعل حكمه مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بالثالث، والذي انفرد وحده بالحكم بعد وفاة والده, فحكم حتى السنة "٣٠٠" للميلاد. وقد كان يعاصره الملك "شرح ال" و"رب شمس"٥. وجعل "فون وزمن" حكم الملك "ياسر يهنعم الثالث" و"ثارن أيفع" "ثأرن أيفع" بعد حكم "شمر يهرعش الثالث". وقد كان حكم "ياسر يهنعم" الثالث منفردًا في بادئ الأمر ثم أشرك ابنه "ذرأ أمر أيمن" معه في الحكم, وذلك في الشطر الثاني من أيام حكمه, وقد عاصرا "عزانا" ملك الحبش الذي غزا اليمن. ثم جعل "ذمر على يهبر" من بعد الاثنين المذكورين، وهو ابن "ثارن يكرب" "ثأرن يكرب"٦.

стр. 1273

وذكر "فون وزمن" أن "ذمر على يهبر" حكم مع ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم" في الشطر الثاني من أيام حكمه، وذلك فيما بين السنة "٣٤٠" والسنة "٣٦٠" للميلاد. وجعل في حوالي هذا العهد خراب سد مأرب للمرة الثانية١. وفي هذا العهد دخل ملك حمير في النصرانية بتأثير "ثيوفيلوس" عليه, وبنيت كنائس في "ظفار" وفي "عدن". كما أشرك الملك "ثأران يهنعم" "ثارن يهنعم" ابنه "ملك كرب يهامن" "ملكيكرب يهأمن" معه في الحكم. وذكر أنه في حوالي السنة "٣٧٨" للميلاد ترك معبد "أوم" "أوام"، وأهمل بسبب انصراف أكثر الناس عن التعبد فيه, وتركهم عبادة آلهة سبأ القديمة٢. وذكر "فون وزمن" أن الملك "ملكيكرب يهنعم" "ملكيكرب يهأمن" حكم منذ السنة "٣٨٠" للميلاد مع ولديه: "أب كرب أسعد" "أبي كرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن", ثم ذكر بعدهم اسم "أبي كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن" "حسَّان يهأمن". وقد ذكر أن "أبا كرب أسعد" هو الذي حكم بعد والده "ملكيكرب يهنعم" "ملكيكرب يهأمن"، ثم حكم مع ابنه "حسان يهأمن" حكمًا مشتركًا، مستعملين لقبًا جديدًا هو: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمتم", وذلك في حوالي السنة "٤٠٠" للميلاد٣. ويعرف "أبو كرب أسعد" "أبكرب أسعد" بـ"أسعد تبع" عند أهل الأخبار, ويذكرون أنه اعتنق اليهودية أثناء نزوله بيثرب في طريقه إلى اليمن. وقد ذهب "فون وزمن" إلى أن الذين حكموا حمير كانوا من أسرة ملكية واحدة, ولكنهم يرجعون إلى فرعين. وذهب "ريكمنس" إلى أن ملوك حمير كانوا أسرتين: أسرة "ياسر يهنعم" وأسرة "ياسر يهصدق"، وقد حكم أعضاء الأسرتين متفرقين, ولكن في وقت واحد٤.

стр. 1274

وظفار هي عاصمة حمير, وقد اشتهرت بجذعها، ولا تزال تشتهر به. وقد تفنن الحميريون في تجميله بحفر صور ونقوش لحيوانات ونباتات وأزهار عليه، وفي صقله، ويستعمل عِقْدًا يوضع حول العنق وخاتمًا لتزيين الأصابع. واشتهرت بأنها موطن لغة حمير, فقيل: من دخل ظفار حمر؛ لأن لغة أهلها الحميرية١. وقد زالت معالم قصر ريدان بظفار، وموضعه اليوم ربوة مربعة الشكل تعرف بـ"ريدان"، بقي منه "سرعبان"، أي: طوفيان بشكل هندسي، من الحجر المنحوت٢. وقد زار "كلاسر" مدينة ظفار والخرائب الواقعة على الربوة المتاخمة لآثار ظفار من الجنوب, وقد سمى تلك الخرائب القائمة على الربوة بـ"حصن زيدان". وقد شك في كونه "حصن ريدان" القديم, ولكن بعض الباحثين لا يؤيدون رأيه هذا٣, وأظن أن كلمة "زيدان" هي تحريف للاسم القديم "ريدان". وقد اشتهرت حمير عند أهل الحجاز بمصانعها، فقيل: مصانع حمير. وفي كلام النبي لوفد كندة: "إن الله أعطاني ملك كندة, ومصانع حمير، وخزائن كسرى وبني الأصفر، وحبس عني شر بني قحطان، وأذل الجبابرة من بني ساسانَ، وأهلك بني قنطور بن كنعان"٤. ترتيب ملوك حمير: هذا وقد رتب "فون وزمن" بعض ملوك حمير ترتيبًا زمنيًّا على هذا النحو: ١- ياسر يهصدق. وقد حكم بحسب رأيه في حوالي سنة "٧٥ب. م.". ٢- ذمر على يهبر. وقد كان حكمه في حوالي سنة "١٠٠ب. م.". ٣- ثأران يعب. وقد كان حكمه في حوالي سنة "١٢٥ب. م.", ثم وضع فراغًا بعده، يدل على حكم ملك من بعده لا يعرف زمانه، ووضع

стр. 1275

بعده حكم الملك "شمر يهرعش" الأول، وقد كان حكم ذلك الملك الذي لم يعرف اسمه ولا خبره ولا أسرته, في حوالي سنة "١٥٠ب. م.". ٤- ثم وضع بعد اسم "شمر يهرعش الأول" فراغًا, ذكر أن حمير صارت فيه تابعة للسبئيين، وذلك في عهد "ملك سبأ وذو ريدان شعرم أوتر" "شعر أوتر". ثم وضع بعده اسم الملك "لعزز يهنف يهصدق" "لعزز يهأنف يهصدق". ٥- ثم ذكر بعد "لعزز يهنف يهصدق" اسم الملك "ياسر يهنعم"، وقد نعته بـ"الأول"؛ ليميزه عن ملكين آخرين عرفا بهذا الاسم. ٦- ثم وضع بعده اسم ابن له دعاه بـ"شمر يهرعش الثاني". ٧- ثم وضع بعده اسم ملك, بقي من اسمِهِ اسمُهُ الأول فقط، وهو "كرب ال" "كرب إيل"، وقد نعته بـ"كرب إيل ذو ريدان"١. ٨- ثم وضع اسم الملك "ذمر على وتر يهبر" "ذمر على وتر يهبأر" من بعده. ٩- ثم اسم "ثارن يعب يهنعم" ثم ترك فراغًا، ذكر بعده اسمًا. ١٠- الملك "عمدان بين يهقبض". ١١- ثم الملك "ياسر يهنعم الثاني". ١٢- ثم "شمر يهرعش الثالث". ١٣- ثم اسم الملك "ياسر يهنعم الثالث". ١٤- ثم "ثارن أيفع" "ثأران أيفع". ١٥- ثم "ذرارمر أيمن" "ذرأ أمر أيمن", وهو ابن "ياسر يهنعم الثالث". ١٦- ثم ذكر اسم ملك لم يتأكد من لقبه هو "ثأران ي ... " "ثأران يـ ... ". ١٧- وذكر بعده اسم "ذمر على يهبر" "ذمر على يهبأر". ١٨- ثم ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم". ١٩- ثم ذكر اسم ابنه الملك "ملكيكرب يهأمن" "ملك كرب يهأمن".

стр. 1276

٢٠- ثم ذكر اسم ابنه "أبكرب أسعد" "أبي كرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن" "ذرأ أمر أيمن". ٢١- ثم "أبو كرب أسعد" ومعه ابنه "حسن يهأمن" "حسان يهأمن". ٢٢- ثم اسم "شرحب ال يعفر", "شرحبيل يعفر"، "شرحب إيل يعفر"١.

стр. 1277

الفصل الحادي والثلاثون: سبأ وذو ريدان وحضر موت ويمنت مدخل ... الفصل الحادي والثلاثون: سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وفي حوالي السنة "٣٠٠ب. م." أو بعد ذلك بقليل، لحقت اللقبَ الرسميَّ لملوك "سبأ وذي ريدان" إضافةٌ جديدةٌ، هي "حضرموت ويمنت"، فصار "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، وصرنا نقرأ أسماء الملوك، ونقرأ بعدها هذا اللقب الجديد. وفي الإضافة الجديدة دلالة على أن مملكة "سبأ وذي ريدان" عدت حضرموت منذ هذا العهد أرضًا تابعة لها وخاضعة لحكمها، ليس لها منذ هذا الضم استقلال ولا ملوك، وأنها عدت أرض "يمنت" خاضعة لها وجزءًا من ممتلكاتها كذلك. ومعنى هذا أن رقعة أرض "سبأ وذي ريدان" قد توسعت كثيرًا بهذا الضم. وكلمة "يمنت" لم ترد قبل هذا العهد, لا في المسند ولا في كتب "الكلاسيكيين", ولهذا فهي بالنسبة إلينا لفظة جديدة، وقفنا عليها في الكتابات التي دونت بعد الميلاد. وقد يأتي زمان يعثر فيه العلماء على كتابات تحمل هذه الكلمة، وترجع بها إلى ما قبل الميلاد. ويمنت -في رأي "كلاسر"- كلمة عامة تشمل الأرضين في القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب؛ من باب المندب حتى حضرموت. وكانت تتألف من مخاليف عديدة، يحكمها أقيال وأذواء مستقلون بشئونهم، ولكنهم يعترفون بسيادة "ظفار" أو "ميفعة" عليهم. ومن أشهر مدن "يمنت" الساحلية في رأي

стр. 1278

"كلاسر" Ocelis عند باب المندب، و"عدن" Arabia Emporium و"قانة" "قنا" Cane في حضرموت١. وتعني "يمنت" في العربيات الجنوبية الجنوب، وقد رأى "فون وزمن" أنها تعني القسم الجنوبي من أرض حضرموت، وهي الأرض التي كانت عاصمتها "ميفعت" "ميفعة" في ذلك الزمان٢. ومن "يمنت" ولدت كلمة اليمن التي توسع مدلولها في العصور الإسلامية حتى شملت أرضين واسعة، لم تكن تعد من اليمن قبل الإسلام، تجدها مذكورة في مؤلفات علماء الجغرافيا والبلدان والموارد الأخرى٣. واليمن عند أهل الأخبار أرض واسعة يحدها من الغرب بحر القلزم، أي: البحر الأحمر، ومن الجنوب بحر الهند، أي: البحر العربي في اصطلاحنا, ومن الشرق البحر العربي، وتتصل حدود اليمن الشمالية إلى حدود مكة حيث الموضع المعروف بـ"طلحة الملك"٤. وقد أورد أهل الأخبار على مألوف عادتهم تفاسير لسبب تسمية اليمن يمنًا، فذكروا أن اليمن إنما سميت يمنًا نسبة إلى يمن بن قحطان، وقيل: إن قحطان نفسه كان يسمى بيمن. وقيل: إنما سميت بيمن بن قيدار، وقيل: سميت؛ لأنها يمين الكعبة، وقيل: سميت بذلك؛ لتيامنهم إليها، وقيل: لما تكاثر الناس بمكة وتفرقوا عنها، التأمت بنو يمن إلى اليمن، وهو أيمن الأرض٥. وأول ملك نعرفه حمل اللقب الجديد، لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، هو الملك "شمر يهرعش" المعروف بـ"شمر يرعش" عند الإسلاميين. أما أبوه فهو "يسر يهنعم" "ياسر يهنعم"، المعروف والمشهور أيضا مثل ابنه بين أهل الأخبار. وقبل أن أدخل في موضوع "شمر يهرعش" وفي أبيه، أودُّ أن أبين أن

стр. 1279

الباحثين في هذا اليوم ليسوا على اتفاق في عدد من تسمى بـ"ياسر يهنعم" وفي أيام حكمهم، وكذلك في عدد من تسمى بـ"شمر يهرعش" وفي أيام حكمهم, فبينما كان قدماؤهم يذهبون إلى وجود "ياسر يهنعم" واحد ووجود "شمر يهرعش" واحد، ذهب بعض المحدثين إلى وجود شخصين اسم كل واحد منهما "ياسر يهنعم"، وشخصين اسم كل واحد منهما "شمر يهرعش" واسم والد كل واحد منهما "ياسر يهنعم"١. وقد ذهب "فون وزمن" إلى وجود ثلاثة ملوك كان اسم كل واحد منهم "ياسر يهنعم"، وثلاثة ملوك كان اسم كل واحد منهم "شمر يهرعش", واسم والد كل واحد منهم "ياسر يهنعم". أما "ياسر يهنعم الأول"، فجعل زمان حكمه في حوالي السنة "٢٠٠" للميلاد, وقد حكم معه ابنه المسمى بـ"شمر يهرعش"، وقد لقبه بالثاني ليميزه عن ملك آخر حكم قبله وتسمى بهذا الاسم أيضا، وهو "شمر يهرعش"، الذي دعاه بالأول، وقد حكم في حوالي السنة "١٤٠" للميلاد. ولم يعرف اسم والده٢. وجعل "فون وزمن" حكم "ياسر يهنعم الثاني" في حوالي السنة "٢٧٠" للميلاد، وقد حكم ابنه "شمر يهرعش الثالث" معه، ثم حكم "شمر يهرعش الثالث" وحده. ثم نصب ملكًا آخر من بعده، جعل حكمه في حوالي السنة "٣٣٠" للميلاد سماه "ياسر يهنعم الثالث" حكم مع ابنه "ثارن يهنعم" "ثأران يهنعم"٣. ويعرف "ياسر يهنعم" عند أهل الأخبار بـ"ياسر أنعم" وبـ"ناشر النعم" وبـ"ياسر ينعم" وبـ"ناشر ينعم" وبـ"ناشر أنعم"، وزعموا أنه إنما عرف بذلك لإنعامه عليهم، ووالده في نظرهم "عمرو بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٤، أو "يعفر بن عمرو بن حمير بن السياب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"٥، أو "عمرو ذي الأذعار"، أو

стр. 1280

"عمرو بن يعفر بن شرحبيل بن عمرو ذي الأذعار". وزعموا أنه سار إلى وادي الرمل بأقصى الغرب، فلم يجد وراءه مذهبًا، فنصب صنمًا من نحاس، وزبر عليه بالمسند: "هذا الصنم لناشر أنعم، ليس وراءه مذهب، فلا يتكلف أحد ذلك فيعطب"١. وقد حكم "ياسر أنعم" أو "ناشر النعم" أو "ناشر ينعم" بعد "بلقيس بنت إيليشرح" معاصرة "سليمان" "١٠٢١-٩٨١ق. م."، على رواية من روايات أهل الأخبار٢، أو بعد ثلاثين سنة أو أربعين من حكم "سليمان" لحمير، حيث أخذه منه وأعاده إلى حمير, فملكهم هو، وكان ملكه خمسًا وثلاثين سنة٣. وهكذا رجع أهل الأخبار زمان "ياسر أنعم" إلى ما قبل الميلاد، وصيروه معاصرًا لسليمان، وهو من رجال أواخر القرن الثالث للميلاد. أما سبب اشتهاره بين أهل الأخبار بـ"ناشر النعم"، أي: "محيي النعم"٤ فلأنه كما يقولون: "أحيا ملك حمير"، أو "لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم, وجمع من أمرهم"٥، أو "لإنعامه على الناس بالقيام بأمر الملك, ورده ذلك بعد زواله"٦. ولفضله العميم هذا على حمير، نعتوه بالنعت المذكور. ونسب الأخباريون إلى "ناشر النعم" الغزوات والفتوح, زعموا أنه جمع حميرَ وقبائل قحطان, وخرج بالجيوش إلى المغرب حتى بلغ البحر المحيط, فأمر ابنه "شمر يرعش" أن يركب البحر، فركب في عشرة آلاف مركب، وسار يريد وادي الرمل، ونزل "ناشر النعم" على صنم "ذي القرنين" فأخرج عساكره إلى الإفرنج و"السكس" وأرض "الصقالبة"، فغنموا، وسبوا، ورجعوا إليه بسبي عظيم. ولما رجع "شمر" من المحيط إلى أبيه، أمر بمنارة فبنيت إلى جانب منارة ذي القرنين، ثم أمر فكتب في صدر التمثال الذي عليها من النحاس بالمسند: هذا الصنم لياسر أنعم الحميري، وليس وراءه مذهب،

стр. 1281

فلا يتكلفن ذلك فيعطب١. ونسبوا إليه فتح الحبشة، وإرسال العساكر إلى أرض "الروم بني الأصفر"، وملكهم يومئذ "باهان بن سحور بن مدين بن روم بن أسطوم بن روم بن ناطس بن سامك بن رومي بن عيص، وهو الأصفر بن يعقوب"، وذكروا أنه غلب على أرض الترك، وسار إلى التبت والصين وأرض الهند. فلما بلغ "نهاوند" و"دينور"، مات بها, فدفنه ابنه "شمر" في ديار الغربة، وولي الملك بعده٢. وأبت قرائح أهل الأخبار إلا أن تضيف إلى "ناشر النعم" شعرًا، فيه فخر وفيه حماسة، زعمت أنه قاله٣. وأضافت إلى ابنه شعرًا، زعمت أنه قاله في رثاء أبيه, ولم تنسَ هذه القرائح أن تأتي بنماذج من كلامه العربي العذب؛ لترينا أنه كسائر ملوك اليمن يتكلم بلسان عربي مبين٤. أما نحن، فلا نعلم شيئًا من أمر هذه الفتوح والغزوات، ولا من أمر هذا المنظوم أو المنثور, وإنما الذي نعرفه أنه كان يسمى "ياسر يهنعم"، لا "ناشر النعم" كما جعله الأخباريون، وأنه عاش في القرن الثالث للميلاد، وبينه وبين سليمان مئات من السنين، وأنه لا يمكن أن يكون قد خلف "بلقيس" معاصرة "سليمان" على حد زعم أهل الأخبار، ولا أن يكون قد انتزع الملك من "سليمان", ولا أن يكون صاحب فضل ونعمة على حمير؛ لأنه أنقذهم من حكم "سليمان". وكل ما في الأمر أن الاسم كان بالنسبة إلى أهل الأخبار غريبًا، فصيروه "ناشر النعم"، وابتكروا له قصصًا في تفسير معنى ذلك الاسم. وإذا كان حكم "ياسر يهنعم" في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد، فإنه يكون من المعاصرين لمملكة "تدمر"، وربما كان قد عاصر الملكة الشهيرة "الزباء"٥، وأدرك أيام سادات الحيرة أول مؤسسي أسرة لخم. وقد قدر بعض الباحثين في العربيات الجنوبية زمان حكم "ياسر يهنعم" بأوائل النصف الأول من

стр. 1282

القرن الثالث للميلاد، أي: في حوالي سنة "٢٠١" أو "٢٠٧" للميلاد فما بعدها١. ولا نعرف اسم والد "ياسر يهنعم" إذ لم يرد ذكره في النصوص, أما أهل الأخبار فقد عينوه وثبتوه على نحو ما ذكرت، وصيره "حمزة" "شراحيل"، -وهو على زعمه- عم "بلقيس" التي حكمت اليمن قبل عمها "ناشر النعم"٢. وقد ذهب "فلبي" مستندًا إلى دراسة بعض النصوص إلى احتمال كون "العذ نوفان يهصدق" الذي وضع اسمه قبل اسم "ياسر يهنعم" والدًا له٣. وقد ورد اسم "ياسر يهنعم" في جملة نصوص، منها نص رقمه العلماء بـCIH ٤٦، عثر عليه في موضع "يكرن" "يكاران"٤، "يكر" "يكار" أرخ بشهر "ذو المحجة" "ذو محجة" "بورخن ذ محجتن" "ذو الحجة" من سنة "٣٨٥" من التأريخ الحميري٥, الموافقة لسنة "٢٧٠م" من سني "مبحض بن إبحض" "مبحض بن أبحض"٦. وقد جاء فيه اسم الإله "عثتر ذو جوفت" بعل "علم" و"بشر"، أي: إله وسيد موضعي "علم" و"بشر"، واسم قبيلتي "مهأنف" و"شهر"٧. وقد تبين من الكتابات أن "ياسر يهنعم" كان قد حكم وحده في بادئ الأمر، لم يشاركه أحد في اللقب ولا في الحكم، ثم بدا له ما حمله على إشراك ابنه "شمر يهرعش" معه، بدليل ذكر اسمه من بعده، وبعده: "ملك سبأ وذي ريدان"، فصرنا نقرأ الكتابات المتأخرة المدونة في هذا العهد وبها اسم الملكين. وورد اسم "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" في نص آخر مؤرخ كذلك، أُرِّخَ في شهر "مذران" "مذرن" سنة "٣١٦" من سني تقويم "نبط ال" "نبط إيل" دوَّنه "فرعن يرل بن ذرنح" "فرعان يأزل بن ذرنح"، و"يعجف" رئيس قبيلتي "قشم" "قشمم" و"مضحيم" "مضحي"، وذلك عند

стр. 1283

بنائها "ماجلهمو" "مأجل" صهريجين يخزنان فيهما المياه لإسقاء أرضين لهما مغروسة بالكروم، وكان ذلك في أيام سيديهما "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" ملكي "سبأ وذي ريدان"١, ولهذه المناسبة تيمنا بذكر اسمي الملكين. وقد قدر "فلبي" مبدأ تقويم "نبط إيل" بسنة "٤٠ق. م."، فإذا أخذنا بهذا التقدير، يكون هذا النص قد دون حوالي سنة "٢٧٦ب. م."٢. وأود أن ألفت نظر القارئ إلى أن أحد النصين قد أرخ بـ"سني نبط" "نبط ال" "نبط إيل"، وأن النص الآخر قد أرخ بسني "مبحض بن أبحض"، كما عثر على نصين آخرين أرخا بسني "مبحض بن أبحض". وقد ذهب العلماء إلى أن الناس كانوا يؤرخون في ذلك الزمان وفق تقويمين، أي: تأريخين, مبدأ أحدهما تقويم "نبط" "نبط إيل"، ومبدأ ثانيهما تقويم "مبحض بن أبحض", والفرق بين التقويمين خمسون سنة، أو خمس وسبعون سنة. وقد بقي الناس يؤرخون بهذين التقويمين أمدًا، ثم مالوا إلى التوريخ بتقويم واحد، إلى أن أهمل أحدهما إهمالًا تامًّا. ويرى "بيستن" أن التقويم الذي أهمل وترك، هو تقويم "نبط" نبط إيل"، وأن الذي بقي مستعملًا هو تقويم "مبحض بن أبحض"٣. ويرى "بيستن" أن الكتابات السبئية المتأخرة، قد أرخت وفق تقويم "مبحض بن أبحض"، وإن لم تشر إلى الاسم؛ إذ أسقطته من الكتابات. أما مبدأ هذا التقويم، فيقع فيما بين سنة "١١٨" و"١١٠ق. م.", غير أن الناس لم يؤرخوا به عمليًّا وفي الكتابات إلا في القرن الثالث بعد الميلاد. أما فيما قبل القرن الثالث للميلاد، فقد كانوا يؤرخون على عادتهم بتقاويم محلية مختلفة٤. ويرى "ريكمنس" أن التواريخ التي أرخت بها النصوص المؤرخة في عهد "ياسر يهنعم" وفي عهد ابنه "شمر يهرعش" تختلف عن التقويم السبئي المألوف الذي يبدأ -على رأيه- بسنة "١٠٩ق. م." وهي لذلك لا يمكن أن تثبت

стр. 1284

وفق هذا التقويم١. وقد حارب "ياسر يهنعم" الهمدانيين الذين تعاونوا مع قبائل "ذي ريدان" لمهاجمة "مأرب"، غير أنه باغت الهمدانيين في غرب "صنعاء" وتغلب عليهم٢. وفي النص الموسوم بـCIH ٣٥٣ خبر ثورة للحميريين على "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" في "ضهر", وقد حاصر "ياسر" الحميريين, ويرى "فون وزمن" أن هذه الثورة حدثت في حوالي سنة "٣٠٠ب. م.". وقد عثر على كتابات في منطقة "ضهر"، وهي لا تبعد كثيرًا عن "صنعاء", وفي هذه المنطقة خرائب "دورم"، كما عثر على كتابات في "ثقبان" بين "ضهر" و"صنعاء"٣. أما الذي حارب "شمر يهرعش بن ياسر يهنعم"، من الحميريين، وذلك كما جاء في النص المتقدم، أي النص الموسوم بـCIH ٣٥٣ فـ"يرام أيمن" وأخوه "برج" "بارج". فيكون حكمها إذن في أيام "شمر يهرعش"، أي في القرن الثالث للميلاد٤. وهذا مما يشير إلى أن العلاقات بين الطرفين أي: بين "سبأ" و"حمير"، كانت قد تعرضت لهزة عنيفة خطيرة حتى تحولت إلى حرب، أشير إليها في هذا النص٥. ومن النصوص التي تعود إلى الدور الثاني من أدوار حكم "ياسر يهنعم" النص: Jamme ٦٤٦، وصاحبه شخص اسمه "شرح سمد بن يثار" "شر حسمد بن يثأر" وآخر اسمه "الفنم" "الفن" "الفان". وكانا من كبار الضباط في حكومة "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش"، ومن درجة "مقتوى". وقد دونا نصهما حمدًا وشكرًا للإله "المقه" "بعل أوام"؛ لأنه مكنهما من الشخص الذي أراد إحراج "ذ حرجهو" مكانتهما وزعزعتها عند سيدهما "شمر يهرعش"، ولكن "المقه" مَنَّ عليهما وشملهما بفضله ولطفه, فنصرهما عليه وأبطل خطته في إحراج مكانتهما "يحر جنهو" عند سيدهما. وتعبيرًا عن حمدهما وشكرهما له، تقدما إلى الإله "المقه" بصنم "صلمن" وضعاه في

стр. 1285

معبد "أوام", ولكي يمن عليهما ويبعد عنهما أذى الأعداء وحسد الحاسدين١. وورد اسم "ياسر يهنعم" واسم ابنه "شمر يهرعش" في النص:Jamme ٦٤٧, وهو نص دونه ضابطان كبيران "مقتوى" من ضباط الملكين؛ لمناسبة ولادة مولود لهما "هو ولدم"، وقد شكرا فيه الإله "المقه" "بعل أوام" على هذه النعمة، وتوسلا إليه بأن يمن عليهما بأولاد آخرين؛ وبأن يرفع من مكانتهما عند سيديهما الملكين، وبأن ينصر جيشهما ويرفع من مكانة قصر "سلحن" "سلحين" "سلحان" مقر الملوك بمأرب ومن منزلة قصر "ريدان"، وتوسلا إليه بأن يبارك في كل ما قام به الملكان من أعمال، وبأن يبارك في كل مشروع وضعوه في خلال السنين السبع في أي مكان كان, في مأرب أو في صنعاء أو في نشق أو في نشان "نشن"، وفي كل مكان يجتمعون به في أرض البدع الخمس "بارضت خمس بدعتن"٢، أو في مواضع السقي "وسقين"، ولكي يحفظهما من كل بأس وأذى، وبأن يبعد عنهما حسد الحاسدين. وورد اسمهما في النص: Jamme ٦٤٨، وهو مثل النص المتقدم حمد وشكر للإله "المقه" "بعل أوام"؛ لأنه حفظ صاحب النص وعافاه وأعطاه الصحة وبارك في حياته وفي حياة ابنه، ولكي يرفع من مكانته ومكانة ابنه، ويجعل لهما الحظوة عند الملكين، ويرضيهما عنهما, ولكي يبعد عنهما أذى كل مؤذٍ، وحسد كل شانئ حقود٣. ولـ"شمر يهرعش" قصص ومقام لدى الأخباريين, له عندهم ذكر فاق ذكر والده بكثير. هو عندهم "تبع الأكبر الذي ذكره الله سبحانه في القرآن؛ لأنه لم يقم للعرب قائم قط أحفظ لهم منه ... فكان جميع العرب بنو قحطان وبنو عدنان، شاكرين لأيامه. وكان أعقل من رأوه من الملوك وأعلاهم همةً وأبعدهم غورًا وأشدهم مكرًا لمن حارب، فضربت به العرب الأمثال"٤ إلى غير ذلك مما رتبه "وهب بن منبه" عنه, وكان على زعمهم معاصرًا لـ"قباذ بن شهريار" الفارسي. ولما بلغه أن الصغد والكرد وأهل نهاوند ودينور هدموا

стр. 1286

قبر "ناشر النعم" وفرقوا رخامه وزجاجه وما كان فيه من جذع وغيره، غضب غضبًا شديدًا ونذر لله نذرًا: "ليرفعن ذلك القبر بجماجم الرجال حتى يعود جبلًا منيفًا شامخًا كما كان". ثم سار بجيوشه وبأهل جزيرة العرب، فسار إلى أرمينية، فبلغ ذلك قباذ، فأمر الترك بالمسير إلى أرمينية، فسارت الترك تريد أرمينية فقاتلهم قتالا شديدا، ثم هزمهم فقتلهم قتلًا ذريعًا، ثم سار نحو المشرق فتغلب على قباذ، واستولى على الفرس، وأعاد بناء قبر أبيه. ثم هدم المدائن بدِينَوَرَ و"سنجار" بين نهاوند ودينور "فجميع الأرض التي خربها شمر يهرعش، سماها بنو فارس شمر كند، أي: شمر خرّب باللسان الفارسي، فأعربته العرب بلسانها، فقالوا: "سمرقند"، وهو اسمها اليوم"١، ثم بسط سلطانه على الهند، وعين أحد أبناء ملوك الهند ملكًا على الصين، ثم عاد فسار إلى مصر، ومنها إلى الحبشة، فاستولى عليها، وهرب الأحباش إلى غربي الأرض إلى البحر المحيط، فتبعهم "شمر" حتى بلغ البحر، ثم رجع قافلًا إلى المشرق، فمر بمدينة "شداد بن عاد" على البحر، فأقام بها خمسة أحوال. ثم ذهب لزيارة قبر والده، ثم رجع إلى بلاده إلى "قصر غمدان"، فأقام فيه إلى أن توفي وعمره ألف سنة وستون عامًا، بعد أن ملك الأرض كلها٢. وزعم بعض أهل الأخبار أنه هو الذي بنى الحيرة بالعراق٣. وزعم "حمزة" أن والد "شمر" هو "إفريقيس"، وذكره على هذا النحو: "يرعش أبو كرب بن إفريقيس بن أبرهة بن الرايش، وإنما سمي يرعش لارتعاش كان به". وذكر أن رواة أخبار اليمن تفرط في وصف آثاره، ثم ذكر بعض ما ذكروه عنه، وذكر أن بعض الرواة يزعمون أنه كان في زمان "كشتاسب"، وأن بعضًا آخر يزعم أنه كان قبله، وأن "رستم بن دستان" قتله، وجعل ملكه سبعًا وثلاثين سنةً٤. وقال الأخباريون: إن "شمر يرعش" هو أول ملك أمر بصنعة الدروع المفاضة

стр. 1287

التي منها سواعدها وأكفها وهي الأبدان، وقد فرض على فارس ألف درع يؤدونها كل عام، وكان عامله عليهم "بلاس بن قباذ"، وجعل على الروم ألف درع يؤدونها كل عام، وكان عامله على الروم "ماهان بن هرقل", وجعل على أهل بابل وعمان والبحرين ألف درع، وعلى أهل اليمن ألف درع. وجعلوا أهل "التبت" من بقايا قوم "شمر يرعش", وذكروا عنه قصصًا أخرى من هذا القبيل١, ولم ينسوا بالطبع حكمه وشعره، فذكروهما٢. أما علمنا عنه، فيختلف عن علم أهل الأخبار عنه. وقد حصلنا على علمنا عنه من كتابات المسند من أيامه. وهي كلها خرس صامتة، ليس فيها شيء من أخبار تلك الفتوحات المزعومة والحروب الواسعة التي أشعلها "شمر" على زعمهم في جميع أنحاء الأرض، وليس فيها كذلك شيء عن نقل حمير إلى "التبت" وإسكانه لهم في تلك الأرضين البعيدة، وليس فيها شيء ما عن قبر والده بدينور، ولا عن تهديمه لمدينة "سمرقند". ونستطيع تقسيم كتابات المسند من أيام "شمر يهرعش" إلى قسمين: كتابات من أوائل أيام حكمه، أي: الأيام التي حكم فيها بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، ولم يكن قد استولى بعد على حضرموت ويمنت، وكتابات من العهد الثاني من أيام حكمه، أي: العهد الذي لقب فيه نفسه بلقب "ملك سبأ وذي ريدان ويمنت" حتى وفاته, وانتقال الحكم إلى خليفته في الحكم. ومن كتابات الدور الأول، الكتابة التي وسمها العلماء بـ Glaser ٥٤٢، وقد سقطت أسطر منها. وهي على جانب كبير من الأهمية بالنسبة إلى من يريد الوقوف على تأريخ التشريع عند الجاهليين, ترينا قانونًا سنه الملك لشعب سبأ، أهل "مأرب" وما والاها، في تنظيم البيوع بالمواشي والرقيق. فحدد المدة التي يعد فيها البيع تمامًا، وهي أمد شهر، والمدة التي يجوز فيها رد المبيع إلى البائع، وهي بين عشرة أيام وعشرين يومًا. كما بين حكم الحيوان الهالك في أثناء المدة التي يحق للمشتري فيها رد ما اشتراه إلى البائع، فحددها بسبعة أيام؛ فإن مضت هذه الأيام، وهلك الحيوان في حوزة المشتري وجب عليه دفع الثمن كاملًا إلى

стр. 1288

البائع، ولا يحق له الاعتراض عليه والاحتجاج بأن الحيوان قد هلك في أثناء مدة أجاز له القانون فيها فسخ عقد الشراء١. ويعد النص الموسوم CIH ٤٠٧ من النصوص المهمة, من الأيام الأولى من أيام حكم "شمر يهرعش". وهو يتحدث عن حرب قام بها جيش "شمر" في شمال غربي اليمن، امتدت رقعتها حتى بلغت اليم, شملت أرض "عسير" و"صبية" "صبا"٢, بين وادي "بيش" ووادي "سهام", وهي أرض تهامة, قام بها ضد قبائل "سهرت" "سهرة" و"عكم" "عك" وغيرها. وصاحبه رجل اسمه "أبو كرب"، وهو في درجة "مقتوى" أي: قائد في جيش شمر، وقد أبلى في هذه الحرب بلاءً حسنًا، فقتل ثلاثين من الأعداء، وقتل أسيرين، وغنم فيها كثيرًا٣. فقدم من أجل ذلك إلى الإله "المقه ثهون بعل أوم"٤ تمثالين من الذهب، وتمثالًا من الفضة؛ لأنه من عليه فأنقذه من مرض أصابه في مدينة "مأرب" مدة ثمانية أشهر، ولأنه من عليه في الحرب التي اشتعلت في "وادي ضمد"، وامتدت حتى موضع الـ"عكوتين" "عكوتنهن" وساحل البحر, وقد انتصرت فيها جيوش "شمر" على جمع من قبائل تهامة عسير. ومن القبائل التي ورد اسمها في هذا النص: "ذ سهرتم"، أي: "ذو سهرت" "ذ سهرتن" "ذو سهرت" "ذو سهرة" "سهرة" "ساهرة" و"دوأت" و"صحرم" "صحار" "صحر" و"حرت" "حرة"٥, و"عكم"٦. فيتبين من هذا النص أن الملك "شمر يهرعش" سير حملة عسكرية إلى جملة قبائل من قبائل عسير وتهامة حتى ساحل البحر، فانتصرت الحملة عليها، وتعقبت القبائل في البحر، وجرت معارك في وسطه، وأنزلت بالمنهزمين، وهم على أمواج

стр. 1289

البحر، خسائر فادحة١. وقد استدل بعض الباحثين من إشارة "أبي كرب" إلى الخسائر التي مُنِيَ بها المنهزمون وهم في البحر، إلى أن أولئك المنهزمين كانوا من الحبش الذين كانوا يحكمون ساحل تهامة، وأن المعركة قد وقعت في البحر الأحمر٢. ويقع موضع "عكوتن" "العكوتان"٣ شمال "وادي ضمد", وأما "صحار" "صحرم"، فيقيمون اليوم حوالي "صعدة", وأما "سهرتم" "سهرة"، فقبيلة تقع منازلها في تهامة، وربما كانت منازلها من "وادي بيش" في الشمال إلى "وادي سردد" "وادي سردود" في الجنوب, وقد كانت هذه القبيلة على صلات قوية بالحبش في أيام "الشرح يحضب". وقد أدت فتوحات "شمر يهرعش" في هذه الأرضين التي بلغت سواحل البحر الأحمر إلى دخوله في نزاع مع الحبش الذين كانوا يحتلون مواضع من الساحل، ويؤيدون بعض القبائل لوجود أحلاف عقدوها معها٤. و"عكم" "عك" من الأسماء المعروفة التي ترد في كتب أهل الأخبار. أما هنا، فإنه اسم قبيلة٥. وإلى هذا العهد أيضا تعود الكتابة: Jamme ٦٤٩ وهي من الكتابات التي تتحدث عن حروب وقعت في أيام "شمر يهرعش". وقد دونها رجل اسمه "وفيم أحبر" "وفي أحبر" "وافي أحبار"، وهو من "حبب" "حبيب" و"هينن" "هينان" و"ثارن" "ثأران" "ثئرآن"، وهم من "عمد" و"سارين" "سأريان" و"حولم", أقيال "أقول" عشائر "صروح" "صرواح" و"خولان حضلم" "خولان حضل" و"هينان". وكان "وفيم أحبر" ضابطًا كبيرًا "مقتوى" عند "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذو ريدان"، دونها لمناسبة تقديمه صنمًا "صلم" إلى الإله "المقه" "بعل أوام"

стр. 1290

لأنه نجاه وحفظه وأعانه في كل المعارك والمناوشات والغزوات "سبات" "سبأت"، التي خاضها لمعاونة "شوعن" سيده الملك، وذلك في "سهرتن ليت" "سهرتان ليت"، و"خيون" "خيوان", و"ضدحن" "ضدحان"، و"تنعم" و"نبعت" "نبعة"، ولأنه ساعده وقواه ومكنه من قتل خمسة محاربين في خلال هذه المعارك، أطار رءوسهم بسيفه، ولأنه مكنه من أخذ أسير، ومن الحصول على غنائم كثيرة، ولأنه أنعم على قبيلته بغنائم كثيرة حصلت عليها من هذه المعارك، وبأسرى جاءت بهم إلى مواطنها, ولأنه عاد معها سالمًا غانمًا معافًى١. وأرض "سهرتن ليت"، هي جزء من أرض "سهرتن"، وتقع غرب "دوت" "دوات" "دوأة", ويسقيها "وادي ليت" "وادي لية". وأما "خيون" "خيوان"، فموضع يقع على وادي "خبش"، في المنطقة المهمة من "حاشد", وهو مدينة تقع في جنوب شرقي "جيزان"، وعلى مسافة "٩٠" كيلومترًا تقريبا جنوب شرقي صعدة، وحوالي "١٠٥" كيلومترات شمال "صنعاء"٢. وأما موضع "ضدحن" "ضدحان"، فإنه وادي "ضدح" "الضدح" الذي يوازي "وادي أملح"، ويقع إلى الجنوب منه, وعلى مسافة "٣٥" كيلومترًا إلى جنوب شرقي "الأخدود"٣. وأما موضع "نبعت" "نبعة"، فإنه "نبعة"، وهو تلال تقع بين وادي "حبونت" "حبونة" ووادي "ثار" "ثأر", وقد يكون موضع "نبعة" المكان الذي يسمى اليوم "مجونة" الذي يقع على مسافة "٢٥" كيلومترًا شمال شرقي "بئر سلوى" وعلى مسافة "٦٣" كيلومترًا من شمال غربي "الأخدود". وإذا كان هذا الرأي الأخير صحيحًا، صار موضع "تنعم" فيما بين "صندحان" و"نبعت" "نبعة"٤. وتحدث النص عن معارك أخرى، وقعت بعد المعارك المتقدمة، وقد اشترك

стр. 1291

فيها مدون النص. إذ يذكر "وفيم أحبر" أنه قاتل وأعان سيده "شمر يهرعش" وذلك في وادي "ضمدم" "ضمد"، وأنه ذهب مع سرية لاستطلاع الأخبار عن قبيلة "حرت" "حرة"، وقد قتل خمسة محاربين من محاربي العدو، قطع رءوسهم، وقد كان ذلك أمام سريته، مما ترك أثرًا مهمًّا فيهم. ثم يذكر أنه أصيب في هذه المعارك بخمسة جروح، أصابت وركيه وقدميه وفرسه "ندف". وقد خشي من أن يؤدي الجرح الذي أصاب قدميه إلى قطعهما، وخشي على فرسه كذلك من أن تنفق من الجرح الذي أصابها، غير أن الإله "المقه" لطف به، فشفاه وعافاه وشفى فرسه, وأعاده مع قبيلته التي حاربت معه، إلى موطنه، غانما محملا مع عشيرته بالغنائم وبالأموال التي استلبوها من أعدائهم، وبعدد من الأسرى١. وقد قاتل "وفيم أحبر"، مرة أخرى في وادي "حرب" "حريب"، على مقربة من "قريتهن" "قريتهان" "القريتان"، ثم جاء إليه أمر سيده الملك "شمر يهرعش" بأن يتجه على رأس قوة تتألف من "١٧٠" محاربًا من المشاة من عشيرتيه "صرواح" و"خولان", ومن ستة فرسان؛ وذلك لمهاجمة عشائر "عكم" "عك" و"سهرت" "سهرة" ولإنزال ضربة قاصمة بها، فاتجه نحوها، والتقى بها عند "عقبت ذر جزجن" "عقبة ذر جزجان"، وألحق بها خسائر, حاربها من وقت شروق الشمس، وطول النهار وحين اشتدت حرارة الشمس إلى وقت الغروب، وكل الليل حتى طلع "كوكبن ذ صبحن"، كوكب الصبح، فاضطرت إلى الهروب، وعندئذ أدار وجهه نحو فلولها فقتل منها، وقد ذبح محاربًا واحدًا أمام المحاربين، وأخذ أسيرين. وكان عدد من قتل من الأعداء عند المعركة "عقبت ذر جزجن" "عقبة ذر جزجان" مائة وعشرة محاربين، وعدد من وقع في الأسر من المحاربين "٤٦" أسيرًا محاربًا، وعدد من سُبِيَ "٢٤٠٠" سبي، وغنم من الإبل "٣١٦" بعيرًا، عدا الماشية الأخرى التي نهبت وأخذت. وإلى هذا العهد أيضا يعود النص: Jamme ٦٥٠ وصاحبه شخص اسمه "بهل أسعد" "باهل أسعد" من عشيرة "جرت" "جرة" ومن عشيرة

стр. 1292

"بدش" أقيال "أقول" عشيرة "ذمرى هوتن" "ذمرى هوتان"، التي تكون ربع قبيلة "سمهرم" "سمهر", وكان ضابطًا كبيرًا بدرجة "مقتوى" عند الملك "شمر يهرعش" "ملك سبأ وذي ريدان". وقد سجله لمناسبة إهدائه معبد "أوام"، وهو معبد الإله "المقه" "بعل أوام" صنمًا، من العُشْر "ابن عشر يعشرن" الذي يعشر من كل زرع ليكون نصيب الإله "المقه ثهوان". أخذه من حاصل زرع الصيف "قيظن" ومن ثمار الجنينات أو الجني "جنين"، وجعله قربة له؛ لكي يمن عليه بالنعم، ويبارك فيه وفي أمواله وفي سيده الملك، ولأنه أسعده وحفظه في كل المناوشات والحروب والغزوات "بكل سبات وحريب سباو" التي خاضها، ولأنه عاون "شوعن" سيده الملك، في المعارك وفي القتال وفي المناوشات التي وقعت بين قوات الملك التي اشترك هو فيها وبين قبيلة "سهرتن" "سهرتان"، والتي انتهت بانتصار "سبأ وذو ريدان"، وعاد الجيش منها محملًا بالغنائم وبالأسلاب وبالماشية التي انتزعت من الأعداء وبالأسرى, وليمن عليه في المستقبل فيعطيه ذرية طيبة "هنام" "هنأم" هنيئة من أولاد ذكور، وليرعاه ويحفظه ويقيه في المعارك التي سيخوضها من أجل سيده الملك١. فيظهر من هذا النص أن "بهل أسعد"، كان يتحدث عن المعارك والمناوشات التي وقعت في أرض "سهرتن" "سهرتان" "سهرة"، بين الملك "شمر يهرعش" وبين رجال قبيلة "سهرتن" العاصية التي مر اسمها مرارًا فيما سبق في عداد القبائل الثائرة المحاربة لحكومة سبأ، والتي كانت قد مُنيت بخسائر كبيرة ومع ذلك فإنها لم تترك عداءها لملوك مأرب. وفي النص: Jamme ٦٥١ أخبار مهمة سجلها لنا رجل اسمه "عبدعم" من "مذرحم" "مذرح"، ومن "ثفين" "ثفيان"، وكان من كبار ضباط "مقتوى" جيش الملك "شمر يهرعش". وقد ذكر أنه أهدى معبد "أوام" صنما "صلمن"، وهو معبد الإله "المقه"؛ لأنه من عليه وشمله بلطفه وفضله، إذ أعانه وأعان من كان معه من رجال عشيرته "شعبهو" ومن أتباعه ومحاربيه الذين كانوا معه ومن انضم إليه من أهل البيوتات ومن سواد الناس "محقر" "حقراء"، من أبناء البيتين المتصاهرين: "همدان" و"بتع"،

стр. 1293

إذ أمره سيده الملك بأن يذهب بهم إلى "مأرب" "مريب"؛ ليحميها ويقيها من الأمطار التي ستتساقط في اليوم التاسع من يوم موسم سقوط المطر المعهود "وذنم ذنم بيوم تسعم عهدتن"، وفي أوائل أيام الشهر، وفي أيام الموسم الثاني من سقوط المطر، وقد أمره الملك بأن يقوم بهذا الواجب، حتى شهر "أبهى"١. وقد حمد صاحب النص إلهه "المقه" لأنه وحد بين البيتين: بيت "همدان" وبيت "بتع"، ولأنه أعانه في القيام بعمله الذي كلف به، فكافح وهو على رأس جيش "خمس" "خميس" سبأ ومن كان معه لبناء سور وحصون "مأرب" وفي إقامة حواجز وموانع وسدود لتحول بين السيول وبين اكتساحها المدينة، وفي إنشاء مبانٍ وأحواض "مضرفن" في جهة "طمحنين" "طمحنيان"، حتى تمكن من إنجاز كل ما كلف به، دون أن يخسر جنديا واحدا من الجنود الشجعان الذين كانوا من جنود "كبر رحلم" كبير "رحلم" "رحال"، فأرضى بذلك سيده الملك وشرح صدره. وتوسل بعد ذلك إلى الإله "المقه" لكي يقيه من كل "باس" "بأس"، أي: من كل أذًى وشر، ولكي يرفع من منزلته وينال الرضا والحظوة عند سيده الملك, ويمنحه غلة وافرة وثمارًا كثيرة من ثمار الصيف والخريف في كل مزارعه, وتوسل إليه أيضا بأن يبعد عنه كل نكايات "نكيتن" الأعداء. ويشير هذا النص إلى سقوط أمطار غزيرة في ذلك الموسم، هددت مدينة "مأرب"، فأمر الملك الشخص المذكور بأن يقوم على رأس قوة من جيش سبأ ومن كبار "همدان" و"آل بتع"، بتقوية سور مأرب وتحصينه وحمايته من مداهمة السيول له، وبإنشاء سدود وموانع لمنع الأمواج العاتية من اكتساح مأرب والأماكن الأخرى, وذلك بمن جمعهم من الناس من سوادهم ومن ساداتهم؛ للقيام بهذه الأعمال, ولمنع المسخرين الذين سخروا من الفرار، وقد وضع الملك جيشًا تحت تصرف هذا القائد، في جملته مفرزة من جنود الكبير "كبر رحلم" "كبير رحلم" "رحال". وسجل شقيقان كانا من "حظرم عمرت" "حظرم عمرة"، ومن ضباط "مقتوى" الملك "شمر يهرعش" حمدهما وشكرهما في كتابتهما التي وسمها الباحثون

стр. 1294

بـ Jamme ٦٥٢، للإله "المقه"؛ لأنه من على سيدهما بالعافية وبالبركة وأوفى له ما أراد، ولأنه رفع حظوتهما عنده وزاد في رضاه عنهما, وليرعاهما ويحفظهما في أيام الحروب وفي أيام السلم، ويقيهما أذى الأشرار وحسد الحساد، ولكي يعاونهما ويشد الإله أزرهما في إرضاء سيدهما، ويبارك في قصره، أي: قصر الملك "سلحن" "سلحين" "سلحان"١. ويحدثنا النص: Jamme ٦٥٣ بحمد "سباكهلن"، أي: "سبأكهلان" لربهم "المقه" وشكرهم له؛ لإفضاله وإنعامه عليهم، بأن استجاب لدعائهم، فأمطرهم بوابل من رحمته، وأنزل الغيث عليهم وذلك مع برق "برق خرف" الخريف، أي: موسم أمطار الخريف، الذي تساقط عليهم سنة "تبع كرب بن ودال" "تبعكرب بن ودايل" من "حزفرم" "آل حزفر" الثالث. وقد استبشروا به وسُروا, وسألوا ربهم "المقه" وذلك في اليوم الرابع من ذي "فقهى"، شهر ذي "مليت" الذي هو من أشهر الخريف "ذ منذ خرفن"، بأن ينزل عليهم غيثًا يسقي أوديتهم ويكفي زرعهم، غيثًا يرضيهم ويسرهم ويثلج صدورهم، وبأن ينال أهل "سبأكهلان" رضا سيدهم "شمر يهرعش" ويرفع من حظوتهم "حظى" عنده٢. وقد كتب النص المذكور بمدينة "مأرب"، قبل ثلاث سنوات من الكتابة المرقمة بـCIH ٣١٤ + ٩٥٤ التي يخلد فيها "الشرح يحضب الثاني" وأخوه "يأزل بين" "يازل بين" "يزل بين" انتصارهما على السبئيين, وطردهما "شمر يهرعش" من مأرب٣. وذكر جماعة من "عقبم" "عقب" "عاقب" "عقاب"، بأنهم أهدوا معبد "أوام" صنمًا "صلمن"؛ وذلك حمدًا للرب "المقه" وشكرًا له لأنه رزقهم ولدًا ذكرًا، ولكي يرزقهم أولادًا ذكورًا، ولكي يبارك فيهم وفي أموالهم ويرضي سيدهم "شمر يهرعش" عنهم ويرفع من منزلتهم وحظوتهم عنده، ولكي يبارك في زرعهم ويعطيهم غلة وافرة وحصادًا جيدًا٤.

стр. 1295

ويذكر "شرح ودم" "شرحودم" "شرح ودّ"، و"رشدم" "رشيدم" "راشد" "رشيد"، وهو بدرجة "وزع" "وازع"، أي: سيد قبيلة "ماذن" "مأذن"، أنهما قدما صنمًا إلى الإله "المقه ثهوان"؛ لأنه أوحى إلى قلبهما بأنه سيمنحه ولدًا "رشدم" ولذا يسميه "ودًّا" وذلك من زوجته "أثتهر" "حلحلك", وأنه سيعطيه مولودًا غلامًا "غلمم"، عليه أن يسميه "مرس عم" "مرسعم"١، وأنه سيرزق عبده "شرح ودم" ولدًا ذكورًا، وأنه سيمنحهما غلة وافرة وحصادا جيدا، وأنه سيرفع من مكانتهما عند سيدهما الملك، وسيبارك في زرعهما وفي زرع قبيلتهما، وذلك في موسمي الصيف والخريف٢. وفي النصف الثاني من سني حكمه، تلقب "شمر يهرعش الثالث"، أي "شمر يهرعش" الذي نبحث فيه الآن بلقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"٣. وتدل هذه الإضافة الجديدة إلى اللقب، على استيلاء "شمر يهرعش" على حضرموت، أو على جزء كبير منها٤. أما "يمنت" فيرى "فون وزمن" أن المراد بها الأرضون التي تكون القسم الجنوبي من مملكة "حضرموت", ويستدل على رأيه هذا بوجود عاصمتين لحضرموت، هما: "شبوة" و"ميفعة"، مما يدل على انقسام المملكة إلى قسمين: قسم شمالي يدعى حضرموت، وقسم جنوبي يعرف بـ"يمنت" "يمنات" اليمن٥. ويقع النصف الثاني من حكم "شمر يهرعش" في رأي "فون وزمن"، ما بين "٢٨٥ب. م." أو "٢٩١ب. م." أو "٣١٠ب. م." أو "٣١٦ب. م." ومعنى هذا في رأيه أن "شمر" كان يعاصر "امرأ القيس بن عمرو" المذكور في نص النمارة, المتوفى سنة "٣٢٨م" والذي حارب وأخضع قبائل عديدة، منها: مذحج ومعد وأسد "أسدين" ونزار "نزرو"، ووصل إلى "نجران" عاصمة "شمر"٦. وقد يعني ذلك أن حروبًا نشبت بين الملكين.

стр. 1296

ولم يشر نص "النمارة" إلى بقية اسم "شمر"؛ لنعرف من كان ذلك الملك الذي كان يحكم في ذلك الزمان، والذي كانت مدينة "نجران" مدينته إذ ذاك. ويظهر من هذا النص أن قتالًا نشب بين قوات "امرئ القيس" و"شمر" صاحب نجران، وأن النصر كان لامرئ القيس١. وإذا كان ما ذهب إليه "فون وزمن" صحيحًا من معاصرة "امرئ القيس" لـ"شمر يهرعش"، فإن هذا يعني أن جزيرة العرب كانت في ذلك الزمن أي: في أوائل القرن الرابع للميلاد، ميدانًا للتسابق بين رجلين قويين: "شمر يهرعش" وهو من العربية الجنوبية، و"امرئ القيس" وهو من الشمال، وأن العرب كانوا قد انقسموا إلى حزبين: عرب شماليين وعرب جنوبيين، وأن "امرأ القيس" كان قد توغل في جزيرة العرب حتى بلغ "نجران" وأعالي العربية الجنوبية، وأخضع القبائل المذكورة لحكمه, وهي قبائل يرجع النسابون نسب أكثرها إلى "عدنان"، وفي جملتها "الأسدين" أي: "أسد" و"نزار" "نزرو". هذا، وإن وصول "امرئ القيس" إلى نجران، وإخضاعه للأعراب ولقبائل عدنانية يقيم بعضها على حدود العربية الجنوبية الشمالية، جعله أمام "شمر يهرعش"، ووضع مثل هذا لا بد من أن يثير نزاعًا وخصومةً بين الرجلين. ولا يستبعد اصطدام "امرئ القيس" بـ"شمر يهرعش"، أو بأي ملك آخر ملك "نجران"، ما دام ذلك الملك قد حكم قبائل "معد" النازلة في الحجاز وفي نجد والتي تتصل منازلها بحدود نجران. وقد خضعت "معد" لحكم ملوك الحيرة، كالذي يظهر من نص كتاب "شمعون" الذي هو من "بيت أرشام" Simeon Of Beth Arsham، حيث ذكر "طيايا حنبا "حنفا" ومعدايا" في معسكر "المنذر" الثالث ملك الحيرة. و"طيايا" هم الأعراب الشماليون و"معدايا" هم "معد". وكما يفهم أيضا من نص "مريغان"٢. ويرى بعض الباحثين أن "مرالقس بن عمرم ملك خصصتن" الذي ورد اسمه في النص: Ryckmans ٥٣٥ الذي سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على "الشرح يحضب"، وأخيه "يأزل بين"، هو "امرؤ القيس" البدء، ملك

стр. 1297

الحيرة, ويرى أيضا أن "شمر ذي ريدان" المذكور في النص أيضًا، هو "شمر يهرعش". وبناء على ذلك يكون "مالك" ملك "كدت" كندة من المعاصرين لامرئ القيس, ولشمر يهرعش أيضًا١. إننا لا نملك أي نص يشير إشارة صريحة إلى حدوث قتال بين "شمر يهرعش" و"امرئ القيس", غير أن لدينا نصًّا هو النص المعروف بـJamme ٦٥٨، يرى بعض الباحثين أن فيه تلميحًا إلى أن الحرب المذكورة فيه، هي حرب نشبت بين قوات الرجلين، وأن القائد المذكور فيه، أعني القائد "نشدال" "نشد إيل"، هو قائد عربي شمالي، ويحتمل على رأيهم أن يكون قائدًا من قواد جيش "امرئ القيس". ويظهر من النص أن قوات "شمر يهرعش" كانت قد تجمعت في مدينة "صعدتم"، أي: مدينة "صعدة" في "خولان" العالية، أي: الشمالية "خولان أجددن"٢، ثم تقدمت منها نحو الشمال الغربي إلى حدود "خولان" القديمة في "وادي دفاء"، حيث حاربت القبائل المجاورة قبائل "شنحن" "شنحان" الساكنة في الغرب, ثم نزلت من مساكنها إلى أرض "سهرتن" "سهرتان" ثم اجتازت هذه الأرض إلى وادي "بيش"، وهي الحدود القديمة للعربية الجنوبية، ثم تقدمت منها نحو الشمال إلى "وادي عتود" الذي يقع في الأرض المسماة بـKinaidokoltitai عند الكلاسيكيين. وفي هذه الأرض اصطدمت قوات "شمر" بقوات "نشد إيل" القائد المذكور٣. ويظهر من نص عثر عليه منذ عهد غير بعيد, أن قائدًا من قواد "شمر" كان قد قاد أعرابًا غزا بهم ملك "أسد"، وأرض "تنخ" "تنوخ" التي تخص "الفرس" "فرس"، أي: "فارسًا". وذكر أن أرض "تنخ" "تنوخ"، كانت تحت حكم مملكتين، يقال لإحداهما "قطو"، وللأخرى "كوك" أو "كوكب"، وقد أنزل أعراب "شمر" بهما خسائر فادحة. ثم عاد ذلك القائد بعد نجاحه في غزوه هذا صحيحًا معافًى إلى نجران، حيث قدم إلى الآلهة

стр. 1298

شكره، وسجل ذلك في النص المذكور١. وقصد القائد بأرض "تنخ" أرض الأحساء في الزمن الحاضر، وكانت منزل قبائل "تنوخ" في ذلك الزمن. وقصد بـ"قطو" "قطوف" "القطيف" Qtw'f وفي إشارة القائد إلى مهاجمة تلك الأرضين، أي أرض تنوخ، التي كانت تحت سيادة "فرس"، أي الفرس الساسانيين، تأييد لروايات الأخباريين التي تذكر أن "شمر يهرعش" "شمر يرعش" غزا أرض الفرس٢. هذا ولا بد من أن يكون "شمر" قد كان على اتفاق تام مع أعراب نجد، ولا سيما سادة "كدتم" "كدت"، أي: كندة في ذلك الزمن؛ إذ كان من العسير عليه غزو الأحساء وساحل الخليج، لو لم يكن على صلات بهم حسنة, وقد كان هؤلاء الأعراب ينزلون فيما يسمى الأفلاج والخروج في الزمن الحاضر. وتعد الأفلاج من مواطن "كدت" كندة منذ زمن "شعرم أوتر" "شعر أوتر" في حوالي السنة "١٨٠م"، وقد عبر عنهم بـ"ذال ثور" أي "ذي آل ثور" في النص Jamme ٦٣٥، وكذلك في زمن "الشرح يحضب الثاني" في أثناء حكمه مع "يأزل"٣، أي في حوالي السنة "٢١٠ب. م."٤. وربما قبل ذلك أيضا حيث نجد في تاريخ "بلينيوس" ما يشير إليهم، إذ ورد في تأريخه:Dae Aiathuri Fons Aeunuscabales، ويمكن تفسيرها بـ"ذي آل ثور في عين الجبل"٥, و"آل ثور" هم كندة، وقد عرفوا بهذا النسب عند أهل الأخبار. والنص المذكور، هو نص وسمه العلماء بـ"شرف الدين ٤٢". وقد ورد فيه أن الملك "شمر يهرعش" أمر قواته بغزو أرض "ملك" "مالك" ملك "أسد" "ملك أسد". فتقدمت نحوها، واتجهت منها نحو أرض "قطوف"، أي القطيف، حتى بلغت موضع "كوكبن" "كوكبان" "كوكب" ثم "ملك فارس وأرض تنخ" "ملك الفرس" أي: "الأرض التابعة للفرس"

стр. 1299

وأرض تنوخ. وقد دون النص قائدان من قواد "شمر يهرعش"، كانا من "ريمن ذ حزفرم"، أي: من "ريمان ذوي حزفر"، ومن "عنن" "عنان", وذلك بعد عودتهما سالمين غانمين من ذلك الغزو١. وقد كانت "مذحج" تنزل في الأفلاج أو حولها وفي المنطقة المسماة بـ"جبل طويق" في الزمن الحاضر. والظاهر أن غزو "امرئ القيس" لنجد قد اضطر أكثر قبائل "مذحج" إلى الهجرة نحو الجنوب, وكانت حسنة الصلات بـ"كدت" أي كندة، التي اضطرت أيضا إلى الهجرة إلى الجنوب؛ ولهذا انضمتا إلى جيوش "شمر يهرعش"، وإلى جيوش من جاء بعده من الملوك, وقد أشير إليهما في الكتابات بـ"كدت ومذحجم"٢. وقد أدت هجرة كندة ومذحج وبقية أعراب نجد إلى الجنوب نتيجة لغزو العرب الشماليين لهم إلى استيطان قسم كبير منهم في العربية الجنوبية، ودخولهم في جيوش ملوك حمير؛ وذلك لتهديد أعدائهم بهم، إذ كانوا أعرابًا أشداء، يحبون الغزو والقتال، حتى صاروا قوة رادعة مخيفة، ولهذا السبب أدخل اسمهم في لقب الملوك كما سنرى فيما بعد. ومن جملة القواد الذين تولوا قيادة الأعراب، أو الكتائب الخاصة التي ألفها التبابعة منهم، قائد اسمه "وهب أوم" "وهب أوام"، وكان من قادة "شمر يهرعش"، وقائد اسمه "سعد تالب يتلف" "سعد تألب يتلف"، وكان في أيام "ياسر يهنعم الثالث" وابنه "ذرأ أمر" وذلك على رأي "فون وزمن"٣. إننا لا نعرف حتى الآن كيف استولى "شمر يهرعش" على حضرموت, وكيف ضمها إلى سبأ؛ إذ لم نتمكن من الظفر بكتابة فيها حديث عن كيفية قضاء "شمر" على استقلال تلك المملكة. وعلمنا بضم حضرموت إلى سبأ، مقتبس من اللقب الجديد الذي لقب "شمر" به نفسه على نحو ما ذكرت٤. وقد رأى بعض الباحثين أن سقوط "شبوة" وتدميرها في قبضة قوات "شمر" كان في القرن الرابع للميلاد وقبل استيلاء الحبش على العرببة الجنوبية بزمن قصير٥.

стр. 1300

ذهب "ريكمنس" إلى أن الحبش احتلوا العربية الجنوبية حوالي السنة "٣٣٥" بعد الميلاد، ودام احتلالهم هذا لها إلى حوالي السنة "٣٧٠م"، ولم يذكر من حكم بعد "شمر يهرعش"، غير أنه وضع "ملكيكرب يهأمن" في نهاية احتلال الحبش لليمن، أي: بعد سنة "٣٧٠م"، ووضع لفظة "حسن" في قوس قبل "ملكيكبرب يهأمن" ثم ذكر بعد "أب كرب أسعد" "ذرأ أمر أيمن"١. وفي النص Jamme ٦٥٦ خبر حرب وقعت بين "شمر يهرعش" وحضرموت, وقد لقب "شمر يهرعش" فيه بلقبه الجديد: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت", وذكر أن حضرموت كانت إذ ذاك تحت حكم ملكين, اسم أحدهما: "شرح ال" "شرح إيل" "شرحئيل"، واسم الآخر "رب شمس" "ربشمس" "رب شمسم". وزعم أن الملكين المذكورين هما اللذان أعلنا "هشتا" الحرب على الملك "شمر يهرعش"، غير أن النص لم يتحدث، كعادة النصوص, إلى الأسباب التي حملت الملكين على إعلان تلك الحرب٢. وقد ذكر أن عاقبتها كانت سيئة بالنسبة لحضرموت؛ إذ خسرت فيها، وأن الحرب كانت قد وقعت في "سررن" "سرران"، وأن أصحاب النص وكانوا من "سباكهلن" "سبأكهلان"، عادوا مع عشيرتهم من تلك الحرب سالمين غانمين. وقد قدموا عُشر حاصل غلتهم من زرع أرضهم بـ"رحبتن" "رحابتان" "رحبتان"، للإله "المقه" ليبارك فيهم ويديم نعمه عليهم ويزيد مكانتهم عند سيدهم "شمر يهرعش، ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" ولكي يعطيهم غلة وافرة وحصادًا طيبًا هنيئًا. وقد شهد أصحاب هذا النص المعركة أو المعارك التي جرت في وادي "سررن" السر، وهو وادٍ يقع على مسافة سبعة كيلومترات من مدينة شبام، ويعرف بـ"وادي سر" "وادي السر", ولم يتحدثوا عن معارك أخرى, مما يدل على أنهم لم يشتركوا في غير هذه المعركة، وأنهم عادوا بعدها مع قبيلتهم التي أسهمت في القتال إلى مواطنهم. وفي النص: Jamme ٦٦٢ خبر مهم له علاقة وصلة بالنص السابق وبالعلاقات
следующие страницы →