العربية الصحراوية:
ويقال لها في اليونانية١ "arabia eremos". أما حدودها؛ فلم يعينها الكتّاب اليونان واللاتين تعيينًا دقيقًا. ويفهم من مؤلفاتهم أنهم يقصدون بها البادية الواسعة الفاصلة بين العراق والشام، أي البادية المعروفة عندنا ب"بادية الشام". ويكون نهر الفرات الحدود الشرقية لها إلى ملتقى الحدود بالعربية السعيدة. وأما الحدود الشمالية، فغير ثابتة، بل كانت تتبدل بحسب الأوضاع السياسية. وأما الحدود الغربية، فكانت تتبدل وتتغير كذلك، ويمكن أن يقال بصورة عامة إن حدودها هي المناطق الصحراوية التي تصاقب الأرضين الزراعية لبلاد الشام. فما كان بعيدًا عن إمكانيات الرومان واليونان ومتناول جيوشهم، عد من العربية الصحراوية٢.
стр. 177
ويفهم من العربية الصحراوية أحيانًا "بادية السماوة"١، وقد يجعلون حدودها على مقربة من بحيرة النجف، أي في حدود الحيرة القديمة؛ حيث تبدأ "بطائح كلدية" التي كانت تشغل إذ ذاك مساحة واسعة من جنوب العراق. وعرفت عند بطلميوس باسم "amardocaea" وهي تمتد حتى تتصل ببطائح "maisanios kolpos" أو "خليج مسنيوس" "خيلج ميسان"، الذي يكون امتداد الخليج العربي "persikos kopos". وكل ما وقع جنوب ذلك الخط الوهمي، عدّ في العربية السعيدة٢.
وقد فهم "ديودورس" من "العربية الصحراوية" المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية، وتقع في شمالها وفي شمالها الشرقي في نظره أرض مملكة "تدمر". وأما حدّها الشمالي الغربي والغربي حتى ملتقاها بالعربية الحجرية، فتدخل في جملة بلاد الشام. وأما حدودها الشرقية، فتضرب في البادية إلى الفرات. فأراد بها البادية إذن. وقد جعل من سكانها الإرميين والنبط٣.
وتقابل العربية الصحراوية، ما يقال له "أربي" عند الأشوريين، و "ماتو أربي" عند البابليين، و "أرباية" عند السريان والفرس.
كانت البادية، بادية الشام، أو "العربية الصحراوية"، مأهولة بالقبائل العربية، سكنتها قبل الميلاد بمئات السنين. وليست لدينا مع الأسف، نصوص كتابية قديمة أقدم من النصوص الأشورية التي كانت أول نصوص أشارت إلى العرب في هذه المنطقة، وذكرت أنه كانت لديهم حكومات يحكمها ملوك. وأقدم هذه النصوص هو النص الذي يعود تأريخه إلى سنة ٨٥٤ ق. م٤. وقد ورد فيه اسم العرب في جملة من كان يعارض السياسة الآشورية، ولما كان هذا النص يشير إلى وجود مشيخة أو مملكة عربية، يحكمها ملك فلا يعقل أن يكون العرب قد نزلوا في هذا العهد في هذه البادية، بل تشير كل الدلائل إلى أن وجودهم فيها كان قبل هذا العهد بأمد، وربما كان قبل الألف الثاني قبل الميلاد. وقد كانت هذه القبائل تهاجم أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، وتكون مصدر
стр. 178
رعب للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وكانت تنتقل في هذه البادية الواسعة، لا تعترف بفواصل ولا بحدود، فتقيم حيث الكلأ والماء والمحل الذي يلائم طبعها١.
أما الروايات العربية، وهي لا تستند إلى وثائق أو نصوص جاهلية، فقد رجحت وجود العرب في هذه الأرضين إلى ما بعد الميلاد في الغالب، ولم يتجاوز بعض من تجاوز الميلاد أيام "بخت نصر" وهو بالطبع حديث مغلوط فيه.
стр. 179
العربية الحجرية، العربية الصخرية:
وأما العربية الحجرية، فتشمل الأرضين التي كان يسكن فيها الأنباط، وخضعت لنفوذ الرومان والبيزنطيين. ويطلق ذلك الاسم، أي العربية الحجرية، على شبه جزيرة سيناء، وعلى المملكة النبطية، وعاصمتها "بطرا" "بترا" "البتراء"١. وكانت حدود هذه المنطقة تتوسع وتتقلص بحسب الظروف السياسية وبحسب مقدرة العرب؛ ففي عهد الحارث الرابع ملك الأنباط "من سنة ٩ ق. م إلى سنة ٤٠ ب. م" اتسعت حدودها حتى بلغت نهايتها الشمالية مدينة دمشق٢. ولما ضعف أمر النبط، استولى الإمبراطور "تراجان" عام "١٠٦م" على هذه المقاطعة وضمها إلى المقاطعة التي كونها الرومان وأطلقوا عليها اسم "المقاطعة العربية" "provincia arabia". ويظهر من وصف "ديودورس" لهذه المنطقة أنها في شرق مصر وفي جنوب البحر الميت، وجنوبه الغربي وفي شمال العربية السعيدة وغربها٣. وأن الأنباط يقيمون في الأرضين الجبلية وفي المرتفعات المتصلة بها التي في شرق البحر الميت، وفي شرق وادي العربة، وفي جنوب اليهودية حتى الخليج العربي، "خيلج العقبة"٤. وأما الأقسام الباقية، فكانت تسكنها قبائل عربية قيل لها "سبئية"، وهي تسمية كانت تطلق عند الكتبة اليونان والرومان على أكثر القبائل المجهولة أسماؤها، التي تقطن وراء مناطق نفوذ الأنباط والرومان، ويعنون بذلك قبائل جنوبية في الغالب.
стр. 180
التقسيم العربي
مدخل
...
التقسيم العربي:
ويؤسفنا أننا لا نستطيع أن نتحدث عن وجهة نظر أحد من الجاهليين في أقسام بلاد العرب، لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص أو في الروايات التي يرويها عنهم أهل الأخبار، وكلهم مسلمون.
أما الإسلاميون، فقد اكتفوا بجزيرة العرب، فأخرجوا بذلك البادية الواسعة منها، وأخرجوا القسم الأكبر مما دعاه الكلاسيكيون بالعربية الحجرية منها كذلك. وجزيرة العرب وحدها، هي "العربية السعيدة" عند اليونان والرومان، وما يقال له أيضًا بـ "arabia proper" في الإنكليزية١.
وقد قسّموا جزيرة العرب إلى خمسة أقسام: الحجاز، وتهامة، واليمن، والعروض، ونجد٢. ويُرجع الرواة أقدم روايتهم في هذا التقسيم إلى عبد الله بن عباس٣.
أما الحجاز، فتمتد رقعته في رأي أكثر علماء الجغرافية المسلمين، من تخوم الشام عند العقبة إلى "الليث"٤، وهو وادٍ بأسفل السراة يدفع في البحر، فتبدأ عندئذ أرض تهامة٥. وقد عدّ قسم من العلماء "تبوك" وفلسطين من أرض الحجاز٦. ويقال للقسم الشمالي من الحجاز أرض مدين وحسمى، نسبة إلى السلسلة الجبلية المسماة بهذا الاسم، التي تتجه من الشمال نحو الجنوب٧، وتتخللها
стр. 181
أودية محصورة بين التيه وأيلة من جهة، وأرض بني عذرة من ظهرة حرة نهيل من جهة أخرى١. وكانت تسكنها في الجاهلية قبائل جذام٢. ويسكنها في الزمن الحاضر عرب الحويطات، ويعتقد المستشرقون أنهم من بقايا النبط٣.
وأرض "حسمى"، أرض خصبة كثيرة المياه. وكانت من المناطق المعمورة، وبها آثار كثيرة ومن جبالها جبل يعرف بـ "إرم"٤. ويرى بعض المستشرقين أن لهذا الجبل علاقة بموضوع "إرم" الوارد ذكره في القرآن الكريم وفي كتب قصص الأنبياء والتواريخ٥. ويرى "موريتس" أنه موضع "aramaua" الذي ذكره "بطلميوس" على أنه أول موضع من مواضع العربية السعيدة، وأنه لا يبعد كثيرًا عن البحر٦. ويقال له "رم" في الزمن الحاضر٧.
وتتخلل الحجاز أودية عديدة، منها وادي إضم الذي ورد ذكره في أشعار الجاهلية وفي أخبار سرايا الرسول٨. ووادي نخال، ويصب في الصفراء بين مكة والمدينة٩. والصفراء واد من ناحية المدينة، كثير النخل والزرع، في طريق الحاج، سلكه الرسول غير مرة، وعليه قرية الصفراء، وماؤها عيون تجري إلى ينبع، وهي لجهينة والأنصار ولبني فهر ونهد ورضوى١٠. ووادي "بدا" قرب أيلة، يتصل بوادي القرى١١. ووادي القرى وادٍ مهم يقع بين العلا والمدينة، ويمر به طريق القوافل القديم الذي كان شريانًا من شرايين الحركة
стр. 182
التجارية في العالم القديم، ويقال له "وادي الديابان"١، ويصب فيه واديان هما: وادي جزل من الشمال، ووادي الحمض من الجنوب، ويلتقي به وادٍ آخر هو وادي التبج، أي وادي السلسلة٢. وكان عامرًا جدًا، تكثر فيه المياه، وتشاهد فيه اليوم آثار المدن والقرى٣. وقد عثر فيه على كتابات كثيرة لحيانية وسبئية ومعينية وغيرها، سأتحدث عنها.
ومن أهم مواضع وادي القرى "العلا"، وقد نزله الرسول في طريقه إلى تبوك٤. ويقع في موضع "ديدان" "ددان" "ددن" القديم. وبه واحة ونهير صغير٥. ومدين "قرح"، وكانت من أسواق العرب في الجاهلية، وقد زعم أنها القرية التي كان بها هلاك عاد٦. وتبعد عن خرائب "ديدان" بمسافة ثلاثة كيلومترات، وقد سكنتها قبائل "بليّ" من القبائل العربية القديمة ٧. وهي ملتقى طريق مصر القديم بطريقة الشام. ويرى "موسل" أنها هي "العلا"، دعيت بهذا الاسم فيما بعد٨. ولما سأل "دوتي" الأعراب القاطنين في هذه الأماكن عن "قرح"، لم يعرفوا من أمرها شيئًا٩.
ووجد "دوتي" في قرى وادي القرى وخرائبه عددًا كبيرًا من الحجارة المكتوبة بحرف المسند، وقد اتخذها السكان أحجارًا من أحجار البناء١٠. وعثر في "الخريبة" على كتابات بهذا القلم، وعلى آثار أبنية ومواطن حضارة وعلى ألواح من الحجر كان يستعملها الصيارفة لصف نقودهم عليها، أو لذبح القرابين١١. كما شاهد موضعًا يقال له "إسطبل عنتر" على قمة جبل شاهق يرنو إلى الوادي ولعلّه معبد أحد الأصنام التي كانت تعبد هناك.
стр. 183
تهامة:
وتبدأ حدود تهامة، في رأي بعض الجغرافيين، من بحر القلزم١، فتكون المنطقة الساحلية الضيقة الموازية لامتداد البحر الأحمر٢. ويقال لتهامة الواقعة في اليمن "تهامة اليمن"، ويختلف عرضها باختلاف قرب السلاسل الجبلية من البحر وبعدها عنه، وقد يبلغ عرضها خمسين ميلًا في بعض الأمكنة. وترتفع أرض تهامة الجنوبية الواقعة على البحر العربي ما اتجهت نحو الشرق، وتتكون فيها سلاسل من التلال المؤلفة من حجارة كلسية ترجع إلى العهود الجيولوجية الحديثة أو من حجارة بركانية٣.
ولانخفاض أرض تهامة قيل لها "الغور" و "السافلة"٤. وقد وردت لفظة تهامة على هذا الشكل "تهمت" "تهمتم" في النصوص العربية الجنوبية٥.
ويظهر أن لهذه اللفظة علاقة بكلمة "tiamtu"، التي تعني البحر في البابلية. وبكلمة "تيهوم tehom" العبرانية٦. وعندي أن هذه الكلمة ترجع إلى أصل سامي قديم، له علاقة بالمنخفضات الواقعة على البحر، والتي تكون لذلك شديدة الرطوبة والحرارة في الصيف٧. ولهذا فإنها في العربية بلهجة القرآن الكريم وباللهجات الجنوبية السواحل المنخفضة الواقعة بين الجبال والبحر، وهي حارة وخمة شديدة الرطوبة كأنها من بقاع جهنم في الصيف.
стр. 184
اليمن:
حدّ اليمن في عرف بعض العلماء من وراء "تثليث" وما سامتها إلى صنعاء
стр. 185
وما قاربها إلى حضرموت والشحر وعمان، إلى عدن أبين وما يلي ذلك من التهائم والنجود. وقيل: يفصل بين اليمن وباقي جزيرة العرب خط، يأخذ من حدود عمان ويبرين إلى ما بين اليمن واليمامة؛ فإلى حدود الهجرية وتثليث وكثبة وجرش ومنحدرًا في السّراة إلى شعف عنز وشعف الجبل أعلاه إلى تهامة إلى أم جحدم إلى البحر إلى جبل يقال له كرمل بالقرب من حمضة، وذلك حد ما بين كنانة واليمن من بطن تهامة١. أما النصوص العربية الجنوبية؛ فلم تثبت حدود اليمن. ولكن اليمن فيها وتسمى "يمنت" "يمنات"، منطقة صغيرة ذكرت في نصّ يعود عهده إلى أيام الملك "شمر يهرعش"، المعروف في الكتب الإسلامية بـ "شمر يرعش"٢، بعد "حضرموت" في الترتيب. وعلى هذا الترتيب وردت أيضًا في نصّ "أبرهة" نائب النجاشي على اليمن. ويعود عهده إلى سنة ٥٤٣م٣.
وتخترف السراة اليمن من الشمال إلى الجنوب حتى البحر، وتتخللها الأودية التي تنساب فيها مياه الأمطار، وتمتد بين الهضاب والشعاب فلاة تتفرع من الدهناء من ناحية اليمامة والفلج يقال لها "الغائط"، وتظهر في أواساطها "الصيهد"، وتقع بين مأرب وحضرموت٤.
وفي شمال منطقة عدن صحراء تتصل بالربع الخالي، تخترق الهضاب المهيمنة على عدن عدد من الأودية الجافة يظهر أنها كانت مسايل مياه، وأنها من بقايا
стр. 186
أنهار جفت، وتسيل في بعضها المياه عند سقوط الأمطار، ومنها "وادي تبن"١. وهو من بقايا نهر طويل٢، له فروع عديدة، وتمر به الطريق الرئيسية المؤدية إلى اليمن٣.
ويخترق حضرموت وادٍ، يوازي الساحل، يبلغ طوله بضع مئات من الأميال ويتألف سطحه من أرضين متموجة تتخللها أودية عميقة تكثر فيها المياه، في باطن الأرض، وبعض تلاله مخصبة٣.
وفي حضرموت حجارة بركانية ومناطق واسعة، يظهر أنها كانت تحت تأثير البراكين. والظاهر أن دورها لم ينته إلا منذ عهد ليس ببعيد٤. ويزرع الناس في هذه الأودية حيث يحفرون آبارًا في قيعانها فتظهر المياه على أبعاد متفاوتة، وهنالك نهر يقال له نهر حجر٥.
ومن شرق سيحوت تبتدئ سواحل "مهرة"،وتعرف عند الجغرافيين باسم "الشحر". ومعنى كلمة "مهرة" في العربية الجنوبية القديمة "ساحل"٦. ويطلق اليوم اسم "الشجر" على الميناء الغربي وحده. وفي "قارة"٧ مدينة "ظفار" وهي غير ظفار اليمن٨. وعند خليج ظفار كان موضع "syagro" المشهور عند اليونان والرومان٩.
ويمتد إقليم ظفار من سيحوت إلى حدود عمان، وهو هضبة يبلغ ارتفاعها ثلاثة آلاف قدم، تهب عليها الموسمية، وفوق جبالها تنمو أشجار الكندر التي اشتهرت بها بلاد العرب قبل الإسلام. وتشقها طولًا وعرضًا أودية تكسوها
стр. 187
الأعشاب وتتخللها الأشجار. وبها جبال "قرا"١، ومنحدراتها أرجوانية، وقد تفتتت الصخور الحمر فيها، فأكسبت الأودية والسهول الحمرة، وتوجد نهيرات وعيون، ويمكن الحصول على المياه بحفر الآبار. ولا زال السكان يحتفظون بعاداتهم القديمة الموروثة مما قبل الإسلام٢
ويظهر أن هذه المنطقة كانت أماكن "القريين" من الشعوب العربية الجنوبية القديمة، وهناك قبيلة لا تزال حتى اليوم يقال لها "بنو قرا"٣ لعل لها صلة بالقريين.
ويتكلم أهل "مهرة" بلهجة خاصة، يقال لها "المهرية" أو "الأمهرية"، وهي متأثرة بالجعزية٤. كما يتكلم أهل قارة "قرا" بلهجة يقال لها "أحكيليلة"، ويظن أنها من اللهجات العربية القديمة.
وتتألف أرض عمان من أماكن جبلية، وهضاب متموجة، وسهول ساحلية وأكثر حجارتها كلسية وغرانيتية، وفيها أيضًا حجارة بركانية. والظاهر أنها كانت من مناطق البراكين٥. وفي مناطق التلال وفي "جعلان" عيون ومجاري مياه معدنية أكثرها ذات درجات حرارة مرتفعة. وتوجد آبار في "الباطنة" وفي المناطق المجاورة للصحراء وفي الأقسام الشرقية من عمان٦.
وتتخلل هضاب عمان وجبالها أودية معظمها جاف، وتكون طرق المواصلات بين الساحل والأرضين الباطنة، وجوّها حار استوائي، وتتجه الجبال من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وأعلى قمة فيها هي قمة الجبل الأخضر، ويبلغ ارتفاعها تسعة آلاف قدم. والأرضون المحيطة بهذا الجبل خصبة، وقابلة للاستثمار٧.
стр. 188
وفي عمان مدن قديمة، منها "صحار" و "نزوة"١ و "دبا" أو "دما"، وكانت من المدن المهمة في أيام الرسول، وهي عاصمة عمان الشمالية، كما كانت سوقًا من أسواق الجاهلية، وسكانها من الأزد. والعمانيون من الشعوب البحرية المحبة لركوب البحار، ولهم صلات ورابط بسواحل إفريقية والهند. ونجد بينهم عددًا كبيرًا من الزنوج والهنود والفرس والبلوج٢.
стр. 189
العروض:
وأما العروض، فيشمل اليمامة والبحرين وما والاها١. وأغلب الأرضين فيه صحاري وسهول ساحلية، ترتفع في الجهات الغربية عن ساحل البحر. ويمتد مرتفع الصمان الصخري موازيًا لساحل الخليج، متوسطًا بين الأحساء والدهناء. ومن أودية الأحساء، وادي فروق في الجنوب، وهو قسم من وادي المياه٢.
ومن أقسام العروض، شبه جزيرة "قطر" التي تمتد من عمان إلى حدود الأحساء٣. يشتغل سكانها بصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ، وقد عرفت بـ "cataraei" عند "بلينيوس"٤. ومعظم أراضيها صحاري، وفيها واحات قليلة، ويزرع السكان في بعض الأماكن على مياه الآبار٥. وقد عرفت قديمًا بأنواع من الثياب والمنسوجات القطرية، كانت تصدّر إلى الخارج، كما عرفت بتصدير النجائب والنعام٦.
ويلي شبه جزيرة قطر، "الأحساء"، وكان يقال لهذه المنطقة قديمًا "هجر"
стр. 190
والبحرين١. والقسم الأكبر من الأحساء، سهل صحراوي، يرتفع في الجهة الغربية عن ساحل البحر، ويتخلله كثير من التلال، ويتجه بعضها باتجاه وادي المياه وجبل الطف٢. والمنطقة الساحلية، سبخة في الغالب، وتكثر فيها الآبار التي لا تبعد مياهها كثيرًا عن سطح الأرض. وأغنى مناطق الأحساء، منطقة الأحساء والقطيف في الجنوب حيث تكثر المياه من آبار وعيون٣.
وتظهر المياه الجوفية المنحدرة من الأمطار التي تتساقط بمقدار أربع عقد أو خمس عقد "أنج" في السنة على حافات جبل "طويق" في "الهفوف"، تظهر فيها على شكل عيون، تبلغ زهاء أربعين عينًا، جعلت المنطقة من أهم الواحات في المملكة العربية السعودية٤. وبحذاء هجر في الجنوب الغربي من مدينة القطيف تقع "العقير"، وهي الآن ميناء صغير٥. وعلى مقربة منها خرائب عادية، يعتقد العلماء أنها موضع "gerrhaei" المدينة التجارية العظيمة التي اشتهر أمرها، وبلغت شهرتها اليونان والرومان٦. وكانت محطة من المحطات التجارية العالمية، وملتقى طرق القوافل التي كانت ترد من جنوب بلاد العرب قاصدة العراق. وقد أغرت الطامعين، فطمعوا في الاستيلاء عليها، وأوحت إلى الكتبة "الكلاسيكين" فكتبوا فيها قصصا من نسج الخيال، وتقع على خليج سماه "الكلاسيكيون" "SINUS GERRAICUS"، أي خليج جرهاء٧.
وتقع القطيف على خليج يشمل جزيرة "تاروت" وتعد المدينة البحرية الرئيسية في الأحساء، يرتفع سطحها بضع أقدام عن سطح البحر، وتكثر بها مياه العيون٨. وتشاهد عندها خرائب عادية، يستدل منها على أن هذه المدينة كانت
стр. 191
ذات تأريخ قديم، ربما يعود إلى آخر عهد من عهود العصر النحاسي.
وفي هذه المنطقة، يجب أن يكون موقع مدينة "بلبانا" "bilbana" "bileana" و "bilana"، إحدى مدن "الجرهائيين"١. ومواطن قبيلتي "gaulopes" و "chateni" على سواحل خليج سماه "بلينوس" "sinus gaulopes" أي "خليج كيبيوس". ويرى "شبرنكر" أنه "خليج القطيف"٢. ويذكرنا اسم "chateni" "خطيني" باسم "الخط"، ويطلق في العربية على سيف البحرين كله٣. وربما كان "كيبيوس"، الذي سُمّيَ الخليج به، هو تحريف "cateus" الذي يشير بكل وضوح إلى اسم "القطيف".
وأما جزيرة "تاروت" الصغيرة التي في هذا الخليج، فالظاهر أنها جزيرة "tahr" أو "taro" أو "ithar" في جغرافية "بطليموس"٤، وفيها مدينة "دارين". ويظهر أنها أقيمت على أنقاض أبنية قديمة، ولعلها كانت معبدًا للإله "عشتروت". اشتهرت به، ثم حذف المقطع الأول من اسم الإله اختصارًا، وصارت تعرف بالمقطعين الأخيرين، وهما "تاروت".
والقسم الأكبر من أرض الكويت منبسط، وأكثر السواحل رملي، إلا بعض الهضاب أو التلال البارزة. وفي المحالّ التي تتيسر فيها المياه تتوافر الزراعة، وأكثر ما يزرع هناك النخيل. وليس في الكويت من الأنهار الجارية غير مجرى واحد أو نهر يقال له "المقطع"، يصب في البحر. ومشكلة ماء الشرب من أهم المشكلات في هذه الإمارة؛ لأن ماء أغلب الآبار مِلْح أجاج، ولذلك يضطر الأغنياء إلى جلب المياه من شط العرب٥. ومن أشهر مدن الكويت مدينة "الكويت"، وهي العاصمة، وهي على ساحل الخليج، و "جهرة"، وهي في منطقة زراعية خصبة، ذات آبار على مَقْرُبة من خليج الكويت٦. ويظن أن الخندق الذي أمر بحفره "سابور ذو الأكتاف"
стр. 192
ليحمي السواد من غزو الأعراب، كان ينتهي في البحر عند "خليج كاظمة" في شمال الإمارة١.
وأرض الكويت، مثل سائر أرض العروض، كانت موطن شعوب قديمة، فيظهر أن "Bukae" أو "abucaei" أو "abukae"، وعاصمتهم مدينة "coromanis"، هم أسلاف بني عبد القيس، وأن "coromanis"، المصدر اللغوي الذي اشتق منه "القرين"، الاسم القديم للكويت٢.
ولعل "idicare" هي "قارة" من مواضع الكويت٣، وأن "jucara" هي "الجهرة" من أخصب مناطق الكويت في الزمن الحاضر، وكانت من المواضع المأهولة قبل الإسلام٤.
وقد عرف "ياقوت" البحرين بأنها الأرضون التي على ساحل بحر النهد بين البصرة وعمان، وذكر أن من الناس من يزعم أن البحرين قصبة هجر، وأن منهم من يرى العكس، أي أن هجرًا هي قصبة البحرين٥.
أما "أبو الفداء" فذكر أن البحرين هي ناحية على "شط بحر فارس"، وهي ديار القرامطة ولها قرى كثيرة، وبلاد البحرين هي هجر. وذكر أيضًا أن من الناس من يرى أن هجرًا اسم يشتمل جميع البحرين كالشام والعراق، وليس له مدينة بعينها٦. ويظهر من دراسة ما ذكره العلماء عن البحرين أن رأيهم في حدودها كان متباينًا، وأنهم لم يكونوا على اتفاق في تحديدها، فتارة يوسعونها، وتارة يقلصونها.
ومن مواضع البحرين "محلّم"، وبه نهر اشتهر بنخله، وإليه أشار "بشر بن أبي خازم الأسدي" بقوله:
كأن حد وجهم لمّا استقلوا ... نخيل "محلّم" فيها ينوع٧
стр. 193
اليمامة:
وأما اليمامة، فكانت تعرف ب"جو" أيضًا١، وقد عدّها "ياقوت الحموي" من نجد٢، وقاعدتها "حجر". وكانت عامرة ذات قرى ومدن عند ظهور الإسلام، منها "منفوحة"، وبها قبر كان ينسب إلى الشاعر "الأعشى"٣. و"سدود" من المدن القديمة، وبها الآن آثار كثيرة، وقد عُثر فيها على تمثال يبلغ قطره ثلاث أقدام، وارتفاعه ٢٢ قدمًا٤. و"القرية"، وعلى مقربة منها بئر، قال الهمداني -وهو يتحدث عنها-: "فإن تيامنت شربت ماء عاديًا، يسمّى قرية، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في الصخر، ثم ترد ثجر"٥. والظاهر أن هذا الموضع كان من المواضع الكبيرة المعروفة. وذكر ياقوت وغيره أن اليمامة "كانت تسمى جوا والقرية"٦. ولا يعقل تسمية اليمامة بالقرية لو لم يكن لهذا الموضع شهرة.
وقد نشر "فلبي" وبعض رجال شركة النفط العربية السعودية صورًا فوتوغرافية لكتابات ونقوش عثروا عليها في موضع يقال له "قرية الفأو" على الطريق الموصلة إلى نجران ويقع على مسافة سبعين كيلومترًا من جنوب ملتقى وادي الدواسر بجبل الطويق، وعلى مسافة "١٢٠" كيلومترًا من شرقي "نجران"٧،
стр. 194
وعلى ثلاثين ميلًا من جنوب غربي "السليل" في وادي الدواسر١.
كما وجدوا آثار أبنية ضخمة، يظهر أنها بقايا قصور كبيرة، ووجدوا كهفًا منحوتًا في الصخرة مزدانًا بالكتابات والتصاوير واسعًا، يقول له الناس هناك "سردبًا" أو "سردابًا". وعند هذا الموضع عين ماء وآبار قديمة، وقد كتب اسم الصنم "ود" بحروف بارزة. وتدل كل الدلائل على أن الموضع الذي تتغلب عليه الطبيعة الصحراوية في الزمن الحاضر، كان مدينة ذات شأن٢.
وقد أشار الألوسي في كتابه "تأريخ نجد" إلى سدوس وآثارها فقال: "وفي قربها أبنية قديمة يظن أنها من آثار حمير وأبنية التبابعة "نقل لي بعض الأصحاب الثقات من أهل نجد: أن من جملة هذه الأبنية شاخصًا كالمنارة، وعليها كتابات كثيرة منحوتة في الحجر ومنقوشة في جدرانها؛ فلما رأى أهل قرية سود اختلاف بعض السياحيين من الإفرنج إليها، هدمومها ملاحظة التدخل معهم"٣. وفي هذا الوصف دلالة على أن الخرائب التي ذكرها "ياقوت الحموي" بقيت، وأن المنبر الذي أشار إليه، قد يكون هذا الشاخص الذي شبه بالمنارة والذي أزيل على نحو ما ذكره الأولسي.
والكتابات التي عُثر عليها في "قرية الفأو" ذات أهمية كبيرة، لأنها أول كتابة باللهجات العربية الجنوبية عثر عليها في هذه المواضع، وتعود إلى ما قبل
стр. 195
الميلاد. وعُثر فيها على مقابر، وعلى أدوات وقطع فخارية ظهر من فحصها أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد١. ويرى من فحص هذه الآثار أنها تعود إلى السبئيين. والظاهر أن هذا الموضع هو بقايا مدينة قديمة كانت تتحكم في الطريق التجارية التي تخترقها القوافل التي تقصد الخليج الفارسي والعراق من اليمن عن طريق نجران. وفي هذه المنطقة بصورة عامة بقايا مدن تخربت قبل الإسلام.
ورأى "برترام توماس" "bertram thomas" أن آبار "العويفرة" القريبة من القرية هي موضع "أوفير" "ophir" الوارد ذكره في التوراة والذي اشتهر بالذهب، والطواويس، وأن الاسم العربي القديم هو "عفر" "ofar"، وقد تحرف بالنقل إلى العبرانية واليونانية؛ فصار "ophir". وهذا الموضع قريب من مناجم الذهب٢. وبالجملة إن هذه الأرضين ويبرين ووبار وغيرها، هي من المناطق التي تستحق الالتفات إليها وتجريد البعثات العلمية للتنقيب فيها ودراسة أحوالها والتطورات التي طرأت عليها.
ويظهر أن هنالك جملة عوامل أثرت في اليمامة وفي أواسط جزيرة العرب؛ فحولت أراضيها إلى مناطق صحراوية، على حين أننا نجد في الكتب أنها كانت غزيرة المياه، ذات عيون وآبار ومزارع ومراع.
ومن أودية اليمامة "العرض": "العارض" الذي يخترق اليمامة من أعلاها إلى أسفلها. ولما كان من الأودية الخصبة، كثرت فيها القرى والزروع٣. وهو وادٍ طويل، لعله من بقايا مجرى ماء قديم، و "الفقي"، في طرف عارض اليمامة، تحيط به قرى عامرة، تُسمّى "الوشم"٤. و"وادي حنيفة" و "عرض شمام"٥. وفي اليمامة مرتفعات مثل "جبل شهوان"، تخرج منه عيون ومياه٦، و "عارض اليمامة"، ويبلغ طوله مسيرة أيام، وتكون عند سفوحه الآبار٧.
стр. 196
وتعد "الأفلاج" من المناطق التي تكثر فيها المياه، وتصب فيها أودية العارض، وفيها السيوح الجارية والجداول التي تمدها العيون. وقد ذكر "الهمداني" من سيوحه "الرقادي" و "الأطلس" و "نهر محلّم". قال: ويقال إنه في أرض العرب بمنزلة نهر بلخ في أرض العجم١. وطبيعي أن يكثر فيها وجود الخرائب العادية التي تعود إلى ما قبل الإسلام. وقد وصف الهمداني بعض التحصينات القوية، فقال عنها: أنها من عاديات طسم وجديس، مثل" حصن مرغم" و "القصر العادي" بالأثل٢. ويُرجع "فلبي" الخراب الذي حلّ باليمامة إلى العوامل الطبيعية، ومنها فيضان وادي حنيفة٣.
стр. 197
نجد:
نجد في الكتب العربية "اسم للأرض العريقة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها العراق والشام"١. وحدها ذات عرق من ناحية الحجاز، وما ارتفع عن بطن الرمة، فهو نجد إلى أطراف العراق وبادية السماوة٢. وليس لنجد في هذه الكتب حدود واضحة دقيقة، وهي بصورة عامة الهضبة التي تكون قلب الجزيرة، وقد قيل لها في الإنكليزية:٣ "the heart of arabia". وتتخلل الهضبة أودية وتلال ترتفع عن سطح هذه الهضبة بضع مئات من الأقدام، وتتألف حجارتها في الغالب من صخور كلسية ومن صخور رملية غرانيتية في بعض المواضع. وأعلى أراضيها هي أرَضو نجد الغربية المحاذية للحجاز، ثم تأخذ في الانحدار كلما اتجهت نحو الشرق حتى تتصل بالعروض.
وتتألف نجد من الوجهة الطبيعية من مناطق ثلاث:
стр. 198
١- منطقة وادي الرمة، وتتألف أرضوها من طبقات طباشيرية في الشمال وحجارة رملية في الجنوب، وتغطي وجه الأرض في بعض أقسامها طبقات مختلفة السمك من الرمال، وتتخلّلها أرَضون خصبة تتوافر فيها المياه على أعماق مختلفة؛ ولكنها ليست بعيدة في الجملة عن سطح الأرض، وتتسرب إليها المياه من المرتفعات التي تشرق عليها وخاصة من جبل شمر١، ومن الحرار الغربية التي تجود على الوادي بالمياه. ويختلف عرض وادي الرمة، فيبلغ زهاء ميلين في بعض المحلات، وقد يضيق فيبلغ عرضه زهاء "٥٠٠" ياردة، وتصل مياه السيول إلى ارتفاع تسع أقدام في بعض الأوقات٢.
٢- المنطقة الوسطى، وهي هضبة تتألف من تربة طباشيرية، متموّجة، تتخلّلها أودية تتجه من الشمال إلى الجنوب. وبها "جبل طويق"، والأرض عنده مؤلفة من حجارة كلسية، وحجارة رملية، ويرتفع زها "٦٠٠" قدم عن مستوى الهضبة. وتتفرع من جبل طويق عدة أودية تسيل فيها المياه في مواسم الأمطار، فتصل إلى الربع الخالي فتغور في رماله. ويمكن إصلاح قسم كبير من هذه المنطقة، ولا سيما الأقسام الواقعة عند حافات وادي حنيفة٣.
٣- المنطقة الجنوبية، وتتكون من المنحدرات الممتدة بالتدريج من جبل طويق ومرتفعات المنطقة الوسطى إلى الصحاري في اتجاه الجنوب. وفيها مناطق مُعْشِبَة ذات عيون وآبار، مثل "الحريق"و "الخرج". ويرى الخبراء أن مصدر مياه هذه المنطقة من جبل طويق ومن وادي حنيفة. ومن مناطقها المشهورة "الأفلاج" و"السليل" و "الدواسر"، وفي جنوب هذه المنطقة تقل المياه، وتظهر الرمال حيث تتصل عندئذ بالأحقاف.
ويقسم علماء العرب نجدًا إلى قسمين: نجد العالية، ونجد السافلة. أما العالية فما ولي الحجاز وتهامة٤. وأما السافلة، فما ولي العراق. وكانت نجد حتى القرن السادس للميلاد ذات أشجار وغابات، ولا سيما في "الشربة" جنوب "وادي الرمة" وفي "وجرة"٥.
стр. 199
وفي جزيرة العرب وبادية الشام أرضون يمكن أن تكون موردًا عظيمًا للماشية بل وللحبوب أيضًا، لو مسّها وابل وهطلت عليها أمطار، وتوفرت فيها مياه؛ فإن أرضها الكلسية تساعد كثيرًا على تربية الماشية بجميع أنواعها. كما تساعد على الاستيطان فيها، ولهذا يتحوّل بعضها إلى جنان تَخْلُب الألباب وتسحر النفوس عند هبوط الأمطار عليها، فتجلب إليها الإنسان يسوق معه إبله لتشبع منها. ولكن هذه الجنان لا تعمر، ويا للأسف، طويلا، فيضطر أصحاب الإبل إلى الذهاب إلى أرضين أخرى، وإلى التنقّل من مكان إلى مكان، فصارت حياته حياة تنقّل وهي حياة الأعراب.
أما وقد انتهيت من الحديث إجملًا عن صفة جزيرة العرب وعن حدودها ورسومها العامة، فلا بد لي من الإشارة إلى جزيرة "سقطري" "سوقطره" من الجزر التي تقابل الساحل العربي الجنوبي، وهي جزيرة كانت تعادل وزنها ذهبًا يوم كان البخور والصبر يعادلان بالذهب١. أما اليوم فما زال سكانها يجمعون الصبر والبخور والندّ؛ ولكنهم لا يجدون لحاصلهم السوق القديمة لزوال دولة المعابد والملوك الآلهة، وحلول عهد الذرة والبترول. وسكانها منذ القديم، خليط من عرب وإفريقيين وهنود ويونان. يتكلمون بلغة خاصة هي من بقايا اختلاط اللغات في هذه الجزيرة، فيها اللهجات العربية الجنوبية القديمة والمصرية والإفريقية. وهم يعيشون في كهوف ومغاور في الغالب ينالون رزقهم من الطبيعة بغير جهد. وترى في الجزيرة آثار الماضي وقد اختلط بعضه ببعض، لتداخل الحكم في هذه الجزيرة الثمينة التي هي اليوم في قبضة الإنكليز.
والآن وقد وقفت على صفة جزيرة العرب، وعرفت على سبيل الإجمال معالم وجهها، وكيف تغلبت الصحراوية، وظهر الجفاف عليها، فإن في وسعك أن تكوّن رأيًا في سبب قلة نفوس جزيرة العرب في الماضي وفي الحاضر، وفي سبب عدم نشوء مجتمعات حضرية وحكومات مركزية كبيرة فيها، وفي سبب تفشي البداوة وغلبة الطبيعة الأعرابية على أهلها وبروز الروح الفردية عند أهلها، وتقاتل القبائل بعضها مع بعض. ونفرة أهلها من الزراعة والحرف واعتدادهم إياها من حرف الوضعاء والرقيق. إن بيئة تحكمت فيها الطبيعة على هذا النحو.
стр. 200
لا يمكن أن يشاكل سكانها سكان المناطق الباردة ذات الأمطار الغزيرة والخضرة الطبيعية الدائمة، أو سكان الأرضين التي حباها الله الخصب والأنهار والماء الغزيرة. من هنا اختلفت حياة العرب عن حياة غيرهم من الشعوب.
وللسبب المتقدم، أي سبب تحكم الطبيعة في مصيرالإنسان، انحصرت الحضارة في جزيرة العرب في الأماكن الممطورة والأماكن التي خرجت فيها المياه الجوفية عيونًا وينابيع، أو قاربت المياه فيها سطح الأرض، فأمكن حفر الآبار فيها. في هذه المواضع نبعت الحضارة وأظهر العربي فيها أنه مثل غيره من البشر قادر على الإبداع حين تتهيأ له الأحوال المواتية، وتساعده الطبيعة، ومن هذه الأماكن نستقي علمنا في العادة عن الجاهليين.
وعلى الرغم من سعة مساحة جزيرة العرب واتساعها؛ فإنها لم تتسع لعدد كبير من السكان لأن معظم أرضها صحراوية، لا تجذب الناس إليها ولا تساعد على ازدياد عدد السكان فيها ازديادًا كبيرًا، غير أن ذلك لا يعني أنها لايمكن أن تتسع لعدد أكبر من سكانها الحاليين، أن طاقتها لا يمكنها أن تتحمل هذا العدد أو ضعفه، بل الواقع هو أن في استطاعة الجزيرة تحمل أضعاف أضعاف هذا العدد، لو تهيأت لها حكومات حديثة رشيدة، تأخذ بأساليب العلم الحديث في استنباط مواردها الطبيعية لمصلحة أهلها وفي تحسين الصحة العامة وإيجاد موارد رزق الناس، وضمان الأمن والسلامة لهم، وإسكان الأعراب، وعمل ما شاكل ذلك من أمور. فإن سكان الجزيرة سيزدادون حتمًا، ويبلون أضعاف أضعاف ما هم عليه اليوم.
ونجد بين سكان جزيرة العرب في الوقت الحاضر اختلافًا في الملامح الجسمية. فأهل أعالي نجد هم أقرب في الملامح إلى قبائل عرب الأردن وعرب بادية الشام، وأهل الحجاز والسواحل، يختلفون بصورة عامة عن أهل البواطن، أي باطن الجزيرة، في الملامح بسبب اختلاط أهل السواحل بسكان السواحل المقابلة لهم، وامتزاج دمائهم. وقد أجرى بعض الباحثين المحدثين فحوصًا علمية على السكان في مواضع متعددة من جزيرة العرب لمعرفة الملامح البارزة عليهم والأصول التي يرجعون إليها؛ فوجدوا أن هناك امتزاجًا واضحًا بين السكان يظهر بصورة خاصة في السواحل، وهو امتزاج يرجع بعضه إلى ما قبل الإسلام ويرجع بعض آخر إلى الزمن الحاضر١.
стр. 201
ولم يكن لسان عرب الجاهلية لسانًا واحدًا؛ ولكن كان كما سنرى ألسنة ولهجات. وقد استطعنا بفضل الكتابات الجاهلية أن نقف على بعضها. أما في الزمن الحاضر، فإن لغة القرآن الكريم هي اللغة المتحكّمة الموحّدة للألسنة، وهي لغة العلم والأدب والحكومات، غير أن بعض القبائل لا تزال تحتفظ بلهجاتها القديمة، وكذلك بعض أهل القرى والأرياف البعيدة عن الحضارة، فإنها تتكلم بلهجات وألسنة متفرعة من اللهجات العربية الجاهلية، كما الحال في مواضع من اليمن وفي العربية الجنوبية. ونجد في العربية الجنوبية قبائل تتكلم لهجات غربية عن عربيتنا مثل اللغة المهرية واللغة الشحرية، واللهجات المسماة بألسنة "أهل الهدرة". وهي لهجات لها صلة باللغات العربية الجنوبية الجاهلية وباللغات الإفريقية١.
стр. 202
الفصل الخامس: طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها
مدخل
...
الفصل الخامس: طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها
لم تدرس طبيعة أرض جزيرة العرب دراسة علمية مستفيضة شاملة، بالرغم من قيام الشركات الأجنبية بالبحث، في أنحاء منها، عن طبيعة تربتها للتوصل بذلك إلى اكتشاف ما في باطنها من ثروات؛ فأرض جزيرة العرب، أرض واسعة، تغطي الرمال أكثر مساحتها، فليس من السهل البحث فيها بحثًا علميًا عميقًا عن تركيبها وعن تطورها في كل أنحائها، لهذا كان علمنا بهذه النواحي من البحث ضحلًا مختصرًا في الغالب.
يتألف ثلثا الأقسام الشرقية من أرض المملكة العربية السعودية، من طبقات رسوبية يقال لها في علم طبقات الأرض "sedimentry formation"، تكون نوعًا من الصخور يتأثر ببعض المؤثرات الأرضية، فتكون من أحسن الأماكن الملائمة للبترول والفحم. وتتألف هذه الطبقات الرسوبية في الدرجة الأولى من الحجارة الكلسية. وتتكون أرض منطقة آبار البترول عند "الظهران" والمناطق الأخرى التي أصابت شركة البترول العربية السعودية الأمريكية فيها البترول، من هذا النوع من الصخور١.
وتوجد آثار طبقات رسوبية في المناطق الغربية من جزيرة العرب المطلّة على
стр. 203
البحر الأحمر عند جزر "فرسان"١ و "جيزان"٢ و"صبيا"٣ و "أملج"٤ و"المويلح"٥ الواقع على مقربة من رأس خليج العقبة، و "ضبا"٦، وحجارة رملية في العلا في القسم الشمالي الغربي من الجزيرة بكميات واسعة، وحجارة بركانية ولا سيما في مناطق الحِرَار، وصخور تكونت بفعل الترسبات المتأثرة بالضغط والحرارة، وهي التي يقال لها: "metamorphic formation"، وتساعد على تكوين المعادن. وقد وجدت في هذه المنطقة٧، خامات المعادن؛ ولكنها لم تستغل حتى الآن استغلالًا تجاريًا، كما أن هذه الخامات والأرضين لم تفحص فحصًا فنيًّا لمعرفة النسب المعدنية فيها.
وتوجد الصخور الرملية في عسير وفي وادي الدواسر، وتشاهد في منطقة هذا الوادي تلال تتجه من الشمال إلى الجنوب، تقع إلى جنوب "الخماسين" وعلى ارتفاع "٢٢٠٠" قدم، يظهر أنها تكوّنت من الصخور "الأيولينية" "aelian sandstone" ومن حجارة "الكوارتس" الضخمة، وقد حوت مقدارًا من "أكاسيد الحديد" أعطت هذه السلسلة لونًا أحمر غامقًا. ويتكون فتات هذه الحجارة على هيأة ألواح صلبة، وعند قطعها يلاحظ أنها تتكوّن من طبقات، ويمكن فصلها على أشكال ألواح، وقد تكوّنت على حافات هذه السلسلة وجوانبها أشكال طبيعية مدهشة أخاذة بتأثير فعل الرياح والرمال فيها.
وتتكون أرض "قرية" من صخور كلسية، وهناك آبار قديمة تبلغ أعماقها
стр. 204
تسعين قدمًا، حفرت في طبقات أرضية مؤلفة من حجارة الكلس، تتخللها طبقات من الحجارة الرملية غير أنها ليست ثخينة١. أما أرض "بئر حما" التي يبلغ ارتفاعها زهاء أربعة آلاف قدم فوق سطح البحر، وتقع على الحافات الغربية للربع الخالي؛ فإنها مؤلفة من الحجارة الرملية الأيولينية الحمراء، وعلى مسافة "٣٥" ميلًا إلى الجنوب الغربي من "حما" موضع يقال له "بئر الحسينية" فيه بئر يبلغ عمقها "١٢٩" قدمًا، وقد حفرت في أرض فيها طبقات ثخينة من "الغرانيت".وتتألف أكثر الأرضين التي تمتد من هذا الموضع إلى نجران من حجارة "غرانيتية". وتظهر الحجارة الرملية في القسم الجنوبي والغربي من هذه المنطقة التي ترتفع زهاء "١٥٠٠" قدم عن مستوى سطح الوادي الموصل إلى نجران، والذي يرتفع هو نفسه زهاء أربعة آلاف قدم عن سطح البحر. وتتألف مناطق واسعة من اليمن من حجارة رملية ومن الطبقات المترسبة٢ "sediments".
قلت: إن هنالك مناطق في الحجاز مكونة من طبقات مترسبة تعد من أحسن الصخور والطبقات الأرضية، ملائمة للنفط والفحم، وإن هنالك مناطق فيها صخور بركانية ونارية، وقد تكوّنت أكثرها من تغييرات كبيرة وعمليات طويلة من ضغط هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تكون العمود الفقري لجزيرة العرب.
وترتفع زهاء "٩٠٠٠- ١١٠٠٠" قدم عن مستوى البحر في اليمن على ما تحتها من طبقات.
ونجد مناطق واسعة من "اللابات" مبعثرة على طول هذه السلسلة، منها ما هو حديث التكوين. ويشاهد في الزمن الحاضر لسان بارز من "اللابة" في شرقي "أبي عريش"٣ يمتد حتى يتاخم حدود اليمن، كما نشاهد مناطق أخرى مؤلفة من هذه الحجارة في مواضع عديدة بين "شقيق"٤ و "خور البرك"٥ مثلا حيث تصل "اللابة" إلى البحر الأحمر فتدخل فيه. وكذلك في شمالي "شقيق" عند "جهمة" حيث توجد بقايا بركان يكوّن جزيرة في البحر مقابل هذا
стр. 205
الموضع١.
وعلى مسافة اثني عشر ميلا من مكة جبل، يقال له جبل النورة، حيث تحرق حجارة الكلس المكونة له، لاستخراج النورة واستعمالها في البناء٢. وهذه الحجارة الكلسية هي من الطبقات المترسبة المتحولة. وهناك أماكن أخرى تكوّنت من هذه الحجارة، يشاهدها المارّ من جدّة إلى موضع "مهد الذهب"، الذي تستغل الآن مناجمه، لاستخراج الذهب، وتتكون تلال مهد الذهب من الحجارة المترسبة التي تعرضت لتغيرات طبيعية عديدة، عليها طبقات من حجراة "البازلت" "basalt". وفي حجارة المناجم خامات معادن متعددة، وفيها حجارة "الكوارتس"٣ "quartz". وتوجد في منطقة الطائف صخور "الغرانيت"، وفي نهاية هذه السلسلة الجبلية الطويلة التي تنتهي في اليمن تشاهد "لابات" الحِرار٤ وبقايا الحِرار التي كانت تزعج اليمانيين؛ إذ هي قد تقذفهم حممها في يوم من الأيام فتسومهم سوء العذاب.
وفي أرض اليمن عدد كبير من الحرار، ذكر السياح بعضها، مثل حرة "أرحب"، وتقع شمالي "صنعاء" ولها لابة استخرد منها الناس حجارة سودًا لبناء البيوت٥. وعلى مقربة من "ذمار" تكون الأرض بركانية٦. وتوجد الحرار في القسم الشمالي من "وادي أبرد"٧، وفي الوادي بين "صرواح" و "مأرب"٨. وقد حمل بعض المستشرقين وجود الحِرار في اليمن بهذه الكثرة وعلى مقربة من المدن القديمة، على تفسير هلاك بعض المدن كخراب "مأرب"٩و "حقة"١٠ و "شبوة"١١ بتأثير هياج البراكين.
стр. 206
كذلك توجد مناطق حرار في العربية الجنوبية، في عدن١ وحضرموت وعمان٢ وفي الربع الخالي، وقد استعمل القدماء حجارة البراكين في البناء، ولا يزال الناس يستعملونها في البناء حتى اليوم، وقد وجد بين الحجارة المكتوبة عدد من صخور البراكين. وقد استغل الجاهليون بعض الحِرار لاستخراج الكبريت منها، وذكر "نيبور" أن أهل اليمن كانوا يستخرجون الكبريت من جبل يقع في شرقي ذمار، ويظهر أن هذا الجبل بركان قديم٣.
وتتكون بعض هضاب اليمن من الصخور المتبلورة التي مرت في أدوار طويلة، ويرى العلماء أنها كانت في الأصل تحت سطح البحر، ثم ترسبت عليها طبقات ثخينة من المواد الرسوبية حتى تبلورت وتصخرت٤. وقد استعلمها الجاهليون ولا تزال تستعمل في النوافذ، لتقوم مقام الزجاج. وهناك طبقة طباشيرية وطبقات من صخور رملية غذت المناطق المنخفضة، وهي تهائم اليمن، بالرمال. وكذلك المنطقة التي يقال لها الرمل٥. وتتكون التربة في تهامة وفي سهل صنعاء من المواد الصلصالية التي تعود إلى الأرمنة "الجيولوجية"، المتأخرة، ومن المتكونات "الأيولينية" التي حصلت بتأثير فعل الرياح في الصخور الرملية٦. ويكثر وجود الصخور المتبلورة في الحجاز وفي العربية الجنوبية كذلك٧. وتوجد الصخور والطبقات الرسوبية في اليمن وفي حضرموت وعمان، وقد وجدت في هذه المناطق علائم وجود البترول.
والسواحل الشرقية لجزيرة العرب، أي السواحل الواقعة على الخليج، هي سهول، ولكنها سهول من الرمال في الغالب، ولهذا قلّت فيها الزراعة، إلا في المواضع التي تتوافر فيها المياه الجوفية، وتتفجر عيونًا، مثل الأحساء والقطيف.
وهناك سباخ ومستنقعات ناتجة من انخفاض الأرض، جوّها غير صحي، والبترول في القرن العشرين، هو الذي أغاث أهل هذه الأرض، وجلب لهم الثراء والمال
стр. 207
الوافر والسيارات الفارهة وآلات التبريد ووسائل الترف والرفاهية، وبعث فيها الحياة بعد أن كانت خامدة خاملة.
وقد كانت حال هذه السواحل قبل الإسلام أحسن بكثير من حالها في القرن التاسع عشر إلى يوم استنباط البترول في القرن العشرين، بدليل ما نقرؤه في الموارد التأريخية من أسماء مواضع كانت مأهولة، زالت واندثرت، وأسماء قبائل كانت تنزل بها، اضطرتها أحوال قاهرة متعددة متنوعة إلى هجرها، فقلَّ عدد سكانها بالتدريج.
وتعد البحرين من أكثف المناطق في جزيرة العرب. فإن نسبة عدد سكانها بالقياس إلى مساحة أرضها عالية نسبيًّا قبل الإسلام وفي الإسلام. وسبب ذلك هو توافر الماء فيها، واعتمادها على استخراج اللؤلؤ من البحر وعلى صيد السمك الذي يقدم للأهلين المادة الأولى للمعيشة. والماء فيها غير عميق عن سطح الأرض وقد كوّن عيونًا في بعض الأماكن ولهذه المميزات صارت موطنًا للحضر قبل الإسلام بزمن طويل.
وفي جزيرة العرب خامات معادن، ومن الممكن استغلال بعضها استغلالًا اقتصاديًّا، ومن هذه المعادن الذهب. وقد ذكر الجغرافيون العرب أسماء ومواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، وقد كان الناس يجمعون التبر منه، ويستخلصون منه الذهب١. و "ضنكان"، وكان به معدن غزير من التبر٢، والمنطقة التي بين القنفذة و "مرسي حلج"٣.
ويظهر من المؤلفات اليونانية ومن الكتب العربية أن المنطقة التي بين القنفذة و"عتود"، كانت معروفة بوجود التبر فيها؛ فكان الناس يشتغلون هناك باستخلاص الذهب منه، ولهذا رأى "موريتس" أن هذه المنطقة هي منطقة "أوفير" "OPHIR" التي ورد ذكرها في التوراة على أنها كانت تصدر الذهب٤. ويشاهد في وادي تثليث على مقربة من "حمضة" وعلى مسافة ١٨٣ ميلًا من
стр. 208
نجران آثار التبر، ويظهر أنه كان من المواضع التي استغلت قديمًا لاستخراج الذهب منها١. وقد اشتهرت ديار بني سليم بوجود المعادن فيها٢، وفي جملتها معدن الذهب، ويستغل اليوم الموضع الذي يقال له "مهد الذهب"، ويقع إلى الشمال من المدينة باستخراج الذهب منه، وتقوم بذلك شركة تستعمل الوسائل الحديثة، تحرّت في مواضع عديدة من الحجاز الذهب والفضة ومعادن أخرى؛ فوجدت أماكن عديدة، استغلت قديمًا لاستخراج "التبر" منها، ولكنها تركتها لعدم تمكنها من الحصول على الذهب منها بصورة تجارية، تأتيها بأرباح حسنة، واكتفت بتوسيع عملها في "مهد الذهب"؛ لأنه من أغزر تلك الأماكن بخام الذهب، وظلت تنقب به إلى أن تركت العمل فيه، وحلت نفسها، وتركت كل شغل لها بالتعدين٣.
وقد ذكر الكتبة اليونان أن الذهب يستخرج في مواضع من جزيرة العرب خالصًا نقيًّا، لا يعالج بالنار لاستخلاصه من الشوائب الغريبة ولا يصهر لتنقيته. قالوا ولهذا قيل له "إبيرون" "APYRON". وقد ذهب "شرنكر" إلى أن العبرانيين أخذوا لفظة "أوفير" من هذه الكلمة٤.
وقد عثرت الشركة في أثناء بحثها عن الذهب في "مهد الذهب" على أدوات استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكوّن الذهب، وأمثال ذلك مما يدل على أن هذا المكان كان منجمًا للذهب قبل الإسلام بزمن طويل، ولعله من المناجم التي أرسلت الذهب إلى "سليمان"؛ فأضيف إلى كنوزه، على نحو ما هو مذكور في التوراة٥.
стр. 209
ويظن بعض الباحثين أن منجم "مهد الذهب" هو المنجم الذي كان لبني سُليم؛ فعرف باسمهم وقيل له: "معدن بني سُليم"، وقد وهبه الرسول إلى بلال بن الحارث١.
وعرفت "أرض مدين" وما والاها من الأرضين في شمال "وادي الحمض" بوجود التبر فيها واستخراج الناس له هناك قبل الميلاد بمئات من السنين. وتوجد آثار المناجم التي كانت تستغل مبعثرة في مواضع عديدة حتى اليوم٢.
وتوجد خامات معادن أخرى في الحجاز منها الكبريت والنحاس والقصدير والحديد٣، وتستخرج الأملاح من الصخور الملحية التي في الحجاز وفي عسير عند جيزان، ويستخرج الأهلون منها مسحوقًا لاستعماله في عمل المفرقعات٤ كما أن هنالك مثل هذه الصخور الملحية في السلف من اليمن. ويمكن الاستفادة من هذه الأملاح فائدة كبيرة من الوجهة الاقتصادية حيث تدخل في كثير من الصناعات.
وفي منطقة "رابغ" توجد رواسب "البارايت" "barite" وتدل البحوث الأولية على أنه من الممكن استخراج عشرة آلاف طن من "البارايت" في كل عام٥. وتدل الدلائل على أن هنالك منجمًا قديمًا في منطقة "رابغ" كان يستغل لاستخراج "الكالينة" "galena"؛ غير أن النماذج التي فحصت فحصًا أوليًّا دلّت على أن هذه المادة قليلة فيها. ويظهر أن هناك كميات كبيرة من تراب الحديد في "العقيق" على مقربة من "مهد الذهب" كما شوهدت خامات المعادن في موضع "برم" جنوب الطائف٦ وفي موضع "نفى"٧، ولا يستبعد العثور على البترول في الحجاز في المواضع المتكونة من الطبقات المترسبة "sedimentary formations"، وتوجد في الحجاز الرمال التي تصلح لصنع الزجاج٨.
وتستغل أرض الأحساء في استخراج "البترول"٩،ويكثر وجود البترول في
стр. 210
العروض حيث حفرت الآبار في الكويت والبحرين، وتدل الدلائل على وجوده في قطر وعمان، كذلك دلّت التحريات على وجوده في حضرموت في منطقة "شبوة"١، وفي المناطق وراء شبوة إلى داخل جزيرة العرب؛ حيث يحتمل العثور على مناجم للذهب كذلك٢. ويجري البحث عن البترول في محمية "عدن" وفي اليمن.
ودلت التقارير الأولية على وجود الفحم في حضرموت في منطقة "شبوة"، وتوجد الصخور الملحية مترسبة في بطن طبقات الأرض يقتطعها الأهلون، وتستغل في الأعمال التجارية، كذلك توجد هذه الصخور الملحية في اليمن، وقد تكونت بفعل العوامل "الجيولوجية" والضغط المتواصل، فتحجرت بمرور آلاف السنين عليها، وتكمن تحت سطح الأرض في بعض الأماكن حيث تحفر جوانب التلال للوصول إلى قلب مناجم الملح المتحجرة، وقد يفتت باستعمال المواد المتفجرة "الديناميت"٣، وتستخرج صخوره من بعض المناجم صافية بيضاء كأنها البلور٤. مثل المِلْح المستخرج من "جبل الملح" بمأرب، فإن ملحه كما يقال صافٍ كالبلور٥. وتشتهر "السلف" بوجود مناجم ملح فيها، تقع على مسافة أربعين ميلًا إلى الشمال من الحديدة. وتوجد في جزيرة "قمران" المقابلة لهذا الموضع مناجم ملح، وكذلك في "اللحية"٦.
وإلى وجود مثل هذه الصخور الملحية في كثير من أنحاء جزيرة العرب، يجب أن يعزى ظهور قصص بناء القصور من الملح المنتشرة في كتب التأريخ والأدب.
ولما كانت أرض اليمن وأكثر الأنحاء الأخرى من الجزيرة، لم تفحص حتى الآن فحصًا فنيًّا، ولم تطأها أقدام الخبراء، فمن الصعب التحدث عن مواطن المعادن فيها، وعن أنواع التربة، وأثرها في الحضارة الجاهلية.
وقد وجدت مصنوعات حديد في اليمن، عثر عليها في الخرائب والآثار
стр. 211
والأماكن العادية، كما اشتهرت اليمن بسيوفها، في الجاهلية وفي الإسلام؛ غير أننا لا نعرف الآن المواطن التي كانت تستغل لاستخراج الحديد منها، وقد ذكر الرّحّالة "نيبور" أنه كان في "صعدة" منجم، يستخرج منه الحديد، وأن أماكن أخرى كانت تستغل لإنتاج هذه المادة١.
وذكر "الهَمْداني" من معادن اليمن الذهب والفضة، وقال: إنه كان يستخرج من "الرضواض" ولا نظير لفضته، والحديد، وكان يستخرج من "نقم" و "غمدان" و "فصوص البقران"، وتستخرج من جبل أنس. و "فصوص السعوانية" وتستخرج من "وادي سعوان" جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان، وحجر "العشاري"، وهو الحجر العشاري من عشار بالقرب من صنعاء، والبلور، والمسنى الذي تعمل منه أنصاب السكاكين والعقيق الأحمر، والعقيق الأصفر من الهان والجزع الموشى والمسير، والشزب تُعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف وأنصاب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك٢. وعرفت اليمن بعقيقها الذي يقال له "عقيق يماني" و "حجر يماني" وهو "الجزع"٣ "onyx".
وقد بقيت بعض المواضع المذكورة تستغل معادنها في الإسلام؛ إلّا أن تغيّر الوضع في جزيرة العرب في الإسلام وهجرة كثير من القبائل إلى البلاد المفتوحة، ووجود صناعات فيها ومعادن أثمانها أرخص من أثمان معادن الجزيرة، ثم تقدم العالم بعد ذلك وظهور الثورة الصناعية، كل هذا وأمثاله أثر في وضع التعدين وفي صناعة المعادن في جزيرة العرب، فدثرها، أو تركها مشلولة لا تعمل إلا في حدود مرسومة ضيقة وفي مجال محلي.
وليست دولة الحيوان في جزيرة العرب دولة ضخمة عظيمة، وكيف تكون ضخمة وأكثر أرض الجزيرة عدو للحيوان ولكل ذي روح؟ والجمل هو الحيوان الأليف الوحيد الذي استطاع بعناده وبصلابته على السير بجبروت وبتبختر فوق
стр. 212
رمال الصحاري، غير عابئ بالرياح العاتية التي تَذْرُو الرمال في الأعين، وتنقل أكوامًا منها معها، تكفي لدفن الجمل ومن عليه أو من معه ومع ذلك فإن هذا الحيوان الصبور العنيد. لم يتوفق أيضًا في تحطيم جبروت البوادي في كل مكان؛ فظلّ بعضها أرضًا حراما عليه وعلى السابلة، تحطم من يريد التجاوز عليها والاعتداء على استقلالها، بأن تميته عطشا، فتفتح ذرات رملها الناعم، وعندئذ تغوص قوائم الجمل فيها فيبقى في مكانه حتى ينفق.
والجمل، هو أيضًا من أقدم الحيوانات التي سمعنا بها عند العرب، وأعزّها وقد صوّر في النصوص الأشورية، عند ذكر معركة "قرقر" ومعارك أخرى، وقعت بين العرب والأشوريين. وطبيعي أن يقرن الجمل بالبادية، وأن يُجعل رمزًا لها، فليس لحيوان آخر القدرة على اجتياز البوادي واختراقها وتحمل مشقّاتها وعطشها مثل الجمل. ثم إنه مركب العرب، يحملهم، ويحمل تجارتهم وماءهم، وهو ممونهم بالوبر لصنع البيوت حتى قيل للأعراب "أهل الوبر" ومنه يصنعون أكسيه عديدة. ولبن الإبل، هو لبن أهل البادية، وإذا احتاجوا إلى لحم، ذبحوا الجمل، فأكلوه، وأفادوا من جلده.
والجمل ثروة، والثري العربي هو من يملك عددًا كبيرًا من الإبل، وتقدّر ثروته بقدر ما يملكه منها. وقد كان الجمل مقام "النقد"، أي مقام الدينار والدرهم في الغالب؛ فبعدد من الإبل يقدر مهر الفتاة، وبعدد من الإبل تُفَضُّ الديات والخصومات. وهكذا يتعامل به كما نتعامل اليوم بالنقود.
ويرى العلماء أن الإنسان ذلّل الجمل حتى صيّره أليفًا مطيعًا له في الألف الثانية قبل الميلاد١. وقد ذهب بعضهم إلى أن العربية الشرقية كانت الموطن الذي ذلّل فيه هذا الحيوان في الشرق الأدنى، استدلوا على ذلك بإطلاق العراقيين القدماء على الجمل اسم "حمار البحر"، وقالوا إن قصدهم من "البحر" الخليج، وأن لفظة "الجمل" "جملو" "كَمَلو" في الأكادية"؛ إنما وردت من بادية الشأم، ومعظم سكان البادية هم من العرب، وقد كانوا يستعملون الجمل استعمال الناس للسيارات ولوسائل الركوب في هذا الزمن. وقد استعملوه في الألف
стр. 213
الثانية قبل الميلاد، فدخوله من البوادي إلى العراق هو دليل على أن العرب كانوا قد استخدموه أولًا ومنهم انتقل إلى العراق والبلاد الأخرى١.
ويرى "إلبريت" أن البداوة الحقيقية على نحو ما نعرفها اليوم من السكنى في البوادي والتنقل فيها من مكان إلى مكان، لم تظهر في جزيرة العرب إلا في أواخر النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك بتذليل الإنسان للجمل وبترويضه له لخدمة أغراضه، ففتح له بذلك أبواب البوادي، وتمكن من التوغّل فيها واجتيازها بفضل جمله خادمه المطيع. أما ما قبل الجمل؛ فقد كان العربي لا يستطيع اجتياز البوادي واختراقها لأن حماره الذي كان واسطة الركوب عنده، لا يتحمل ولوج البادية، ولا يستطيع أن يعيش فيها، وأن يصبر عن شرب الماء أو الأكل صبر الجمل؛ لذلك كان عرب الجزيرة في الألف الثانية، وقبل وقت تذليل الجمل رعاة في الغالب، وسائط ركوبهم الحمير، ولم يكونوا قد طرقوا البوادي أو توغّلوا فيها توغّل العرب أصحاب الوبر فيما بعد٢.
فالجمل إذن هو الذي فتح لأهل جزيرة العرب آفاق البوادي، ووسع البداوة عندهم، حتى جعلها علمًا خاصًا يقابل عالم الحضارة في الجزيرة. وهو الذي صار أهم واسطة لنقل الأموال بالطرق البرية الطويلة التي تربط أجزاء الجزيرة بعضها ببعض، وتربط طرق الجزيرة مع الطرق الخارجية. وبفضل الجمل القادر على تحمل العطش والصبر على الجوع، وعلى تحمل الصعاب صار في إمكان العرب التنقل إلى مسافات بعيدة من الجزيرة وحمل أثقاله معه. فاستخدام العرب له هو في الواقع ثورة كبيرة في ذلك العهد بالنسبة على وسائط النقل والحمل وفي عالم التجارة والاقتصاد. ومن حق العربي إذا ما عبّر عن الغنى أن يعبر بكثرة ما عند الإنسان من إبل.
وقد عرف الجمل بوجود غريزة الانتقام فيه، وبعدم نسيانه أذى من يؤذيه؛ لذلك زعم أنه يبقى حاقدًا على المسيء إليه حتى ينتقم منه ولو بعد زمن طويل. ويظن أن لتفسير اشتقاق اسمه دخلًا في ظهور هذه الفكرة، فقد فسرت لفظة الجمل بأنها من فعل "كَمَلَ" "جَمَلَ" كامل" "جامل"، أي انتقم، مع أنها تعني "حَمَلَ" أيضًا. وقالوا إن معنى "الجمل" "المنتقم"،
стр. 214
وقالوا إنه سُمي بذلك لأنه حيوان منتقم، ومن ثم وصف "أرسطو" و "أريان"، الجمل بأنه حيوان لا ينسى الأذى، سريع الانتقام. وقد يكون لأقوالهما ولأقوال غيرهم في الجمل دخل في تكوّن هذه الفكرة عنه عند الناس حتى اليوم١.
الجمل المعروف في جزيرة العرب، هو الجمل ذو السنام الواحد. وهناك نوع من الجمال يقال للواحد منها "الهجين"، وهو الجمل المُضرب، ويكون أصغر حجمًا من الجمل العربي الأصيل؛ إلا أنه أسرع عدوًا منه٢. وقد عدّ الجمل عند العبرانيين من موارد الثروة والغنى كذلك، ولذلك عُدّ "أيوب" من أغنياء زمانه لأنه كان يملك ألفي جمل، وعد "المديانيون" "أهل مدين" وهم من العرب، أغنياء، لأنهم كانوا يملكون عددًا كبيرًا من الجمال٣.
وللجمل في العربية أسماء كثيرة. أما في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، فلا نجد فيها مثل هذه الكثرة. ويقال للجمل "كمل" و "بكرة". ويراد بـ "كمل" الجمل. أما "بكرة" فالجمل الصغير. والجمل من أقدم الحيوانات المذكورة في التوراة، وذكر أنه كان لإبراهيم عدد كبير من الجمال٤.
وبالرغم من اشتهار جزيرة العرب بجمال خيلها، وبتربيتها لأحسن الخيل، وبتصديرها لها. فإن الخيل في جزيرة العرب إنما هي من الحيوانات الهجينة الدخيلة الواردة عليها من الخارج، ولا ترتقي أيام وصولها إلى الجزيرة إلى ما قبل الميلاد بكثير. قيل إنها وردت إليها من العراق. ومن بلاد الشام، أو من مصر٥، وإن وطنها الأصلي الأول هو منطقة "بحر قزوين". ولهذا لا نجد في الكتابات الأشورية، أو في "العهد القديم" أو في المؤلفات "الكلاسيكية"، إشارات إلى تربية الخيل في جزيرة العرب، أو استعمال العرب لها في حلهم وترحالهم وفي حروبهم.
وقد بقي العرب إلى ما بعد الميلاد، بل إلى ظهور الإسلام، لا يملكون عددًا كبيرًا من الخيل. وفي غزوات النبي ومعاركه مع المشركين، كان عدد الخيل التي اشتركت في المعارك محدودًا معدودًا، مع أنها كانت مهمة جدًّا وعدة
стр. 215
حاسمةً في إحراز النصر. وذلك بسبب قلتها إذ ذاك، وعدم تمكن كل الناس من اقتنائها؛ إلا من كان موسرًا منهم، أو في حال حسنة. فقد كانت تكاليف الخيل كثيرة لا يتحملها إلا ذَوُو الدخل الحسن، فالخيل في حاجة إلى عناية ورعاية، وطعامها للمحافظة على صحتها يكلف باهظًا. فلا بد من تقديم الحشائش والحبوب لها ثم إن مجال استعمالها في البادية محدود لأنها لا تستطيع تحمل جوع الصحراء وعطشها تحمل الجمل، كما أنها لا تستطيع السير في رمال البوادي المهلكة المتعبة مسافات بعيدة لهذا لم يقبل الأعرابي العادي على شرائها أو تربيتها في تلك الأيام، فصارت من نصيب أهل اليسر والحال الحسنة، يمتلكها ويعتني بها من يملك السيارات في هذه الأيام. كثرتها عند الرجل علامة على ثرائه ووجاهته بين الناس.
ونظرًا لسرعة الخيل وخفّتها في الكرّ والفرّ، صارت أهم سلاح لنجاح الغزو وإلحاق الأذى بالعدو، يغِير عليها المغير فيبَاغِت خصمه بهجوم سريع خاطف، فيربكه، ولهذا أخذت القبائل، ولا سيّما القبائل الساكنة في مضارب قريبة من الأرياف ومن الحضر، تشتري الخيل وتعتني بها للمحافظة على حياتها في الدفاع والهجوم. وعدّت القبائل القوية، هي التي تملك عددًا كبيرًا من الخيل، وصار للفارس مقام خطير في ذلك الزمن، لشجاعته وصبره في الدفاع عن مواطنيه؛ فهو بمثابة "الكومندو" في هذه الأيام١.
واستعملت الخيل للتسلية واللهو واللعب، فتسابق على ظهورها الفرسان في حلبات السباق، وتراهن الناس على السابق، ولعب الفرسان بعض الألعاب: ألعاب الفروسية وخرجوا على ظهورها للصيد، فالصياد الراكب، أقدر من الصياد الراجل على مطاردة الصيد.
وفي القرآن ذكر للخيل كمصدر من مصادر القوة، يرهب بها المسلمون أعداءهم ومصدر من مصادر الثروة، ومصدر من مصادر الزينة وبهجة الحياة الدنيا٢. وفي الحديث ذكر لها كذلك وثناء عليها. وعُدّت الخيول من الحيوانات