← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

التي جرها لنفسه منها، وكل ما ذكروه عنه أنه ثار به جحجبى فقتله، وأن هلاكه كان في عهد "بهرام بن سابور" "٣٨٨-٣٩٩م"، وأن "بهرام" استخلف بعده في عمله "امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء" خمسًا وعشرين سنة. وكان هلاكه في عهد يزدجرد الأثيم١. فيتبين من ذلك أن "جحجبا" "جحجبى"، قاتل أوس، لم يحكم الحيرة وأن حكمها عاد فانتقل إلى آل نصر. ولم يذكر اليعقوبي أوس بن قلام ولا الثورة التي قام بها جحجبا "جحجبى"، بل نصب رجلًا آخر بعد عمرو بن امرئ القيس هو المنذر بن امرئ القيس، ونعته بالمحرق، نعته بذلك؛ لأنه أخذ قومًا حاربوه، فحرقهم، فسمي لذلك محرقًا، وجعل بعده النعمان٢. ولم يذكر المسعودي كذلك أوس بن قلام ولا جحجبا "جحجبى"، بل ذكر النعمان بن امرئ القيس رأسًا بعد عمرو بن امرئ القيس، وقال أنه قاتل الفرس خمسًا وستين سنة، وأن أمه الهيجانه بنت سلول، وكانت من مراد أو من إياد٣. وقد نعت الطبري امرأ القيس هذا بالبدء٤. أما حمزة فلقبه بالبدن٥. وأظن أن مرد هذا الاختلاف خطأ وقع في الروايات من الرواة أو الكتابة للحرف الأخير من كلمة البدء أو البدن، فصارت الكلمة الواحدة في الأصل كلمتين. وذكر ابن الأثير أن بهرام بن سابور استخلف من بعد أوس امرأ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الكندي، فبقي خمسًا وعشرين سنة، وهلك في أيام يزدجرد الأثيم٦، وإضافة الكندي إلى امرئ القيس خطأ، ولا شك، فلم يرو أحد من الأخباريين أن امرأ القيس هذا كان كنديًّا. ومن المعروف أن ابن الأثير قد اعتمد على تأريخ الطبري اعتمادًا كليًّا، حتى ليمكن أن يقال أنه اختصره، والعبارتان خلا زيادة كلمة "الكندي" متشابهتان، ففي استطاعتنا أن نقول بحدوث هذه الزيادة في تأريخ ابن الأثير إما من النساخ وإما من ابن الأثير نفسه، إذ

стр. 1612

استعجل دون تفكير فأضاف كلمة الكندي إلى نسب امرئ القيس، لشهرة امرئ القيس الكندي. ولا نعرف من خبر امرئ القيس شيئًا يذكر. وقد ذكر حمزة أنه هو محرق الأول، وأنه أول من عاقب بالنار. وفي روايته هذه أنه حكم إحدى وعشرين سنة١. أما الطبري، فذكر أنه حكم خمسًا وعشرين سنة٢. وذكر الطبري أن "يزدجرد" المعروف بالأثيم "٣٩٩-٤٢٠م"، الذي في أيامه كان هلاك "امرئ القيس" استخلف مكان "امرئ القيس" ابنه "النعمان". وهو فارس حليمة، وصاحب الخورنق٣. وهذا النعمان المعروف عند المؤرخين بالنعمان الأول، هو أول ملك نستطيع أن نتحدث عنه بشيء من التأكيد والتحقيق والتفصيل، وهو كما يقول الأخباريون: النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، أما أمه، فهي شقيقة ابنة أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان٤، وهي أخت عمرو المزدلف. وقد عرف النعمان بالنعمان الأعور كذلك، كما عرف أيضًا بالسائح٥. وكان له شقيق من أمه شقيقة، هو "حسان بن زهير"٦. ويظهر من وصف الأخباريين للنعمان أنه كان رجلًا حازمًا قويًّا، محاربًا من أشد الناس نكاية في عدوه. غزا عرب الشأم مرارًا كثيرة فسبى منهم وغنم. وكان يغزو بكتيبتين كانتا عنده: دوسر وأهلها تنوخ، والشهباء وأهلها الفرس. يغزو بهما من لا يدين له من العرب٧. وقد اشتهرت دوسر بشدة ضربتها حتى قيل أبطش من دوسر٨. وقد نسب بعضهم له خمس كتائب، هي: الرهائن

стр. 1613

والصنائع والأشاهب، والكتيبتان المذكورتان، أما الرهائن، فذكروا أنها كانت تتألف من خمسمائة رجل رهائن لقبائل العرب، يقيمون على باب الملك سنة، ثم يجيء بدلهم خمسمائة أخرى، وينصرف أولئك إلى أحيائهم، فكان الملك يغزو بهم ويوجههم في أموره. وأما الصنائع، فهي: بنو قيس وبنو تيم اللات بن ثعلبة، وكانوا خواص الملك لا يبرحون بابه. وذكر أنه كانت له كتيبة تسمى "الوضائع"، وقوامها ألف رجل من الفرس يضعهم ملوك الفرس بالحيرة نجدة لملوك العرب، وكانوا يقيمون سنة، ثم يأتي بدلهم ألف رجل، وينصرف أولئك١. وقيل إن وجوه العرب وأصحاب الرهائن كانوا يفدون عند رأس كل سنة، وذلك في أيام الربيع، إلى النعمان وبقية من تولى الملك بعده، وقد صير لهم أكلًا عنده، وهم ذوو الآكال، فيقيمون شهرًا، ويأخذون آكالهم ويبدلون رهائنهم وينصرفون إلى أحيائهم. والآكال هم سادة الأحياء. وكانوا يأخذون المرباع، أي ربع الغنيمة في الحرب والغزو٢. ونعت بعض المؤرخين مثل الطبري وحمزة النعمان بأنه فارس حليمة٣، أي معركة حليمة المعروفة التي وقعت في أيام المنذر بن ماء السماء، لا في أيام النعمان على روايات آخرين٤. وإلى النعمان هذا ينسب أكثر الأخباريين بناء قصر الخورنق الشهير في الأدب العربي. قيل: أنه بناه لبهرام جور بن يزدجرد الأول "٣٩٩-٤٢٠م" المعروف بالأثيم. وكان يزدجرد لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكنًا له، وأنزله إياه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب٥.

стр. 1614

وذكر "السهيلي" أن الخورنق قصر بناه النعمان الأكبر ملك الحيرة لسابور كون ولده فيه عنده، وبناه بنيانًا عجيبًا لم تر العرب مثله، واسم الذي بناه له سنمار، وكان بناه في عشرين سنة١. ويذكر بعضهم أنه بني على نهر "سنداد"٢. وقد ارتبط اسم الخورنق في القصص الذي شاع حوله باسم بانيه المسمى سنمار، هو في زعم الأخباريين بناء رومي كلفه النعمان بناء القصر، فلما انتهى منه وكمل تعجب من حسنه وإتقان عمله، وبدلًا من أن يوفيه النعمان وفاءً حسنًا، أمر به فطرح من رأس الخورنق، فمات في قصص يرويه الأخباريون. ويضرب بهذه لنهاية المثل في الأدب العربي في الجزاء السيئ، فيقال "جزاه جزاء سنمار"٣. وقد وردت قصة سنمار في أبيات تنسب لعبد العزى بن امرئ القيس الكلبي، وكان أهدى أفراسًا إلى الحارث بن مارية الغساني ووفد عليه، فأغره وأكرمه، ثم عاقبه لما بلغه خبر وفاة ولد للحارث وكان قد استرضعه لدى بني الحميم بن عوف من بني عبد ود من كلب، نهشته حية فتوفي، فظن الملك أنهم اغتالوه، لذلك طلب من عبد العزى أن يجيء بهم إليه. فلما أبى، أنزل به العقاب، وقد

стр. 1615

ورد في هذه الأبيات أن سنمار صرف عشرين حجة في بنائه البنيان بالقرميد والسكب، فلما كمل البناء وآض كمثل الطود، وظن سنمار أنه سينال من صاحبه المودة والقرب، إذ بصاحب القصر يأمر بقذفه من فوق برجه فيموت. ولم يذكر الشاعر اسم الملك ولا اسم الخورنق، وهو يخاطب في هذه الأبيات ابن جفنة، كما أشير إلى "المرء حارث" ويقصد به الحارث الغساني١. وقد نسب بعض أهل الأخبار قصة نهاية "سنمار" إلى "أحيحة بن الجلاح". فذكروا أن أحيحة أراد بناء أطم له، فبناه له "سنمار". فلما كمل، عجب من بنائه، فقال له "سنمار": "إني لأعرف فيه حجرًا لو انتزع لتقوض من عند آخره، فسأله عن الحجر، فأراه موضعه، فدفعه أحيحة من الأطم، فخر ميتًا٢. وقد ذكر "جزاء سنمار" في شعر لأبي الطمحان القيني، وآخر لسليط بن سعد وآخر ليزيد بن إياس النهشلي٣. واقترن اسم هذا القصر في الغالب باسم قصر آخر نسب بناؤه أيضًا إلى هذا النعمان، هو السدير٤. ويتبين من روايات أهل الأخبار عن "الخورنق" و"السدير" أن القصر الأول لم يكن بعيدًا عن الحيرة، وإنما كان على مقربة منها، وربما كان على مسافة ميل من الحيرة. أما "السدير"، فكان على مسافة بعيدة، وقد ورد أنه كان في وسط البرية التي بينها وبين الشأم.

стр. 1616

ويظهر من وصف أهل الأخبار للسدير، ومن أنه كان قبة في ثلاث قباب متداخلة١، ومن وصفهم للخورنق، أن السدير لم يكن في مثل ضخامة قصر الخورنق، وأن الخورنق كان قصرًا كبيرًا أعد للسكنى وليكون حصنًا يهيمن على مشارف البادية. ويرى بعض الباحثين أن قصر الخورنق لم يكن من بناء "النعمان"، وأنه إنما بني قبل ذلك، ويرى أن النعمان قد أسكن "بهرام" فيه٢. وقد ورد ذكر الخورنق في شعر لحسان بن ثابت: وحارثة الغطريف أو كابن منذر ... ومثل أبي قابوس رب الخورنق٣ وقد ذهب بعض شراح هذا البيت إلى أن المراد بـ "ابن منذر" "عمرو ابن هند"، وأن المراد من "أبي قابوس"، "النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن عدي اللخمي"، الذي لبس المسوح وساح في الأرض، والذي نعته الشاعر عدي بن زيد العبادي بـ "رب الخورنق"٤. وهو تفسير ينسجم مع رأي المؤرخين في باني القصر، إلا أنه يتعارض معهم في تسمية الملك، فالمعروف عندهم أن "أبا قابوس" هو "النعمان بن المنذر" آخر ملوك الحيرة، وهو قاتل الشاعر "عدي بن زيد العبادي" لا "النعمان السائح"٥. ولا يوجد أحد غيره عرف عندهم بـ "أبي قابوس". وقد حكم هذا بعد "عمرو بن هند" بأمد، فيكون هو مراد الشاعر المذكور. غير أن هذا يدفعنا إلى تخطئة "حسان" في نسبة الخورنق إلى هذا الشاعر، أو تخطئة المؤرخين في نسبتهم القصر إلى "النعمان

стр. 1617

السائح". والذي أراه أن هذا التفسير، لا يتعارض مع روايات المؤرخين في باني القصر، وأن مراد الشاعر من "ومثل أبي قابوس رب الخورنق"، أنه صاحب الخورنق، أي مالكه والنازل فيه، لا الباني له. وقد ذكره لشهرة القصر في أيامه وبذلك فلا يقع التعارض بين التفسيرين، ويكون الملك المقصود هو "النعمان أبو قابوس". وممن أشار إلى القصرين: الخورنق والسدير في شعره من الشعراء الجاهليين، المنخل، قال: وإذا صحوت فإنني ... رب الشريهة والبعير وإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وقد نشأ لقب "السائح" الذي لقب به النعمان من القصة الشهيرة التي يرويها الأخباريون عن هذا الملك، وهي أن النعمان جلس في يوم من أيام الربيع في قصره الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار ... فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط؟ فقال: لا، لو كان يدوم! قال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فيم ينال ذلك؟ قال: بترك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده. فترك ملكه من ليلته، ولبس المسوح مستخفيًا هاربًا لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل. فلما أبطأ الإذن عليهم، سألوا عنه، فلم يجدوه، وساح الملك منذ ذلك الحين في الأرض، فلم يره إنسان١. ويلحق الأخباريون بهذه القصة أبياتًا ينسبونها لعدي بن زيد العبادي. ذكروا أنه خاطب بها النعمان بن المنذر، هي في الواقع اختصار للقصة، لم يذكر فيها اسم النعمان، وإنما اكتفى الشاعر بذكر رب الخورنق، ورب الخورنق هو النعمان في تفسير الأخباريين٢.

стр. 1618

والأبيات المنسوبة إلى عدي بن زيد، وهي: وتذكر رب الخورنق إذ فكـ ... ر يومًا، وللهدى تفكير سره ملكه وكثرة ما يملـ ... ك والبحر معرضًا والسدير فارعوى جهله فقال وما غبـ ... طة حي إلى الممات يصير تشير إلى النعمان السائح، وتذكر قصة مفارقته ملكه، ولبسه المسوح وإعراضه عن الملك بعد أن كان ملكًا. ولم يقصد بالنعمان: النعمان بن أبي سلمى صاحبه، كما تصور بعض الناس١ ويظهر أنه نظمها للنعمان صاحبه على سبيل العظة والتذكير، ليدخله في النصرانية، وذلك بعد أن كان يتعبد للأوثان. وقد تمكن من التأثير فيه، فأدخله فيها كما يذكر الأخباريون. وقد ورد في بعض الروايات تنصر النعمان٢، ونسب تنصره إلى سلطان القديس "سمعان العمودي" "Symion Stylites" عليه، وكان يقوم، بالتبشير بين أهل الحيرة٣. وذكر أنه شفاه ببركته من مرض كان به، فتنصر٤. وهي رواية في حاجة إلى دليل. فليم يثبت أن آل لخم كانوا قد تنصروا في هذا العهد. وقد ذكر الطبري أن تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن، تبع حمير أرسل حينما ولى الملك ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة، فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وأمه ماء السماء امرأة من النمر. فذهب ملك آل النعمان، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون٥. وقد استدرك الطبري على هذه الرواية، فذكر بعدها مباشرة هذه الجملة، قال: "وقال هشام: ملك بعد النعمان بن المنذر ابنه المنذر ابن النعمان، وأمه

стр. 1619

هر ابنة زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني أربعًا وأربعين سنة"١. وذلك يدل على أن هذه رواية أخرى منسوبة إلى ابن الكلبي أيضًا، ولكنه أخذها من مورد آخر غير المورد الذي نقل منه الرواية السابقة، وهي منسوبة أيضًا إلى ابن الكلبي استهلها الطبري بقوله: "حدثت عن هشام بن محمد"٢. وهو ابن الكلبي. وحديث الطبري عن قتل الحارث بن عمرو الكندي للنعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة، يناقض ما رواه هو نفسه وما رواه غيره عن تنسك النعمان واعتزاله الملك وسياسته في الأرض وعن اللقب الذي منحه الأخباريون إياه وهو "السائح"، ويظهر أن ابن الكلبي وأضرابه رواة هذه الروايات كانوا قد أخذوا رواياتهم من مصادر عربية مختلفة، غير مدونة، فوقع هذا التناقض بين الروايتين. وعاد الطبري فتكلم على هذا الموضوع في أثناء حديثه عن الأحداث التي وقعت بين العرب في أيام قباذ، فقال: "وحدثت عن هشام بن محمد، قال: لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر بن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس ابن الشقيقة، فقتله، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك، بعث قباذ بن فيروز ملك الفرس إلى الحارث بن عمرو الكندي: أنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد، وأني أحب أن ألقاك. وكان قباذ زنديقًا يظهر الخير ويكره الدماء٣. فجعل الطبري والد النعمان في هذه الرواية المنذر بن امرئ القيس مع أن والد النعمان المقصود هو امرئ القيس. وقد ذكر الطبري أن ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسع وعشرين سنة وأربعة أشهر. من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة٤. وإذا أخذنا بهذه الرواية وجب أن يكون ابتداء حكم الملك النعمان في سنة "٤٠٥م"، وتركه الملك واختياره في الأرض وحياة الزهد في حوالي السنة "٤٣٤م". فقد حكم بهرام بن يزدجرد، المعروف بـ "بهرام الخامس" عند المؤرخين فيما بين السنة "٤٢٠م" والسنة "٤٣٨"٥. وصار عرش الحيرة بعد النعمان إلى ابنه المنذر، وكانت أم المنذر من غسان.

стр. 1620

وهي هند بنت زيد مناة بن زيد بن عمرو الغساني١. أما المسعودي، فذكر أنها: هند بنت الهيجانة من آل بكر٢. وقد ذكر الطبري أن يزدجرد لما ولد بهرام جور، اختار لحضانته العرب، فدعا المنذر بن النعمان واستحضنه بهرام، فسار به المنذر، واختار لرضاعته ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة، من بنات الأشراف، وهن عربيتان وعجمية، فأرضعنه ثلاث سنين، فلما بلغ خمس سنين، أحضر له مؤدبين، فعلموه الكتابة والرمي والفقه. وأحضر له حكيمًا من حكماء الفرس، ثم أحضر له معلمي الفروسية، فتعلم الرماية والصيد وركوب الخيل حتى صار من أمهر الناس. وظل هذا شأنه لدى المنذر حتى مات يزدجرد. ففرح الناس بوفاته وقرر الأشراف والموبذان والمرازبة صرف الملك عن أسرة يزدجرد، لسوء سيرته في الناس، ونصبوا شخصًا آخر مكانه. فلما رأى بهرام ذلك، طلب مساعدة المنذر، فأرسل المنذر قوة بقيادة ابنه النعمان، وسار هو على رأس قوة أخرى قوامها ثلاثون ألفًا من فرسان العرب، ومعه بهرام، وبعد مفاوضات وافق الفرس على خلع من نصبوه كسرى عليهم، وتعيين بهرام، وبفضل هذه المساعدة استعاد التاج٣. وتناقض هذه الرواية كما نرى من الرواية السابقة التي دونها الطبري نفسه في تعليل سبب بناء الخورنق والتي تحدثت عنها قبل قليل. وقد فطن ابن الأثير الذي نقل الروايتين أيضًا لهذا التناقض، فقال: "هكذا ذكر أبو جعفر، في اسم بهرام جور، أن أباه أسلمه إلى المنذر بن النعمان كما تقدم، وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس. ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذاك، إلا أنه لم ينسب كل قول على قائله"٤. وأبو جعفر هذا هو الطبري. ولا نعلم شيئًا من أمر النعمان بن المنذر الذي تولى قيادة القوة التي أمر والده بإرسالها للتحرش بمملكة الفرس، بعد أن رفضوا نصب بهرام جور ملكًا عليهم

стр. 1621

على نحو ما رأيناه في رواية الطبري الثانية١. فقد سكت الطبري عنه كما سكت الآخرون. ونجد رواية نشأة بهرام جور بأرض العرب في رواية لليعقوبي مختصرة، هي في الواقع جمع للروايتين السابقتين. ذكر اليعقوبي أن يزدجرد دفع بهرام جور إلى النعمان، فأرضعته نساء العرب، ونشأ على أخلاق جميلة. ولما مات يزدجرد كرهت الفرس أن تولي ابنًا له لسوء سيرته، وقالوا: "بهرام ابنه قد نشأ بأرض العرب لا علم له بالملك". وأجمعوا على أن يملكوا رجلًا غيره، فسار بهرام في العرب، فلما لقي الفرس، هابته، فأذعنوا له وأعطوه الطاعة فوعدهم من نفسه خيرًا. وكتب إلى الآفاق يعدهم بذلك. وقدم المنذر بن النعمان عليه، فرفع منزلته٢. فلم تنكر هذه الرواية رواية من زعم أن يزدجرد سلم ابنه إلى النعمان، ولم تنكر صلة المنذر ببهرام جور، ولكنها كما نرى لم تشر إلى اسم من قاد الجيش من العرب وسار إلى الفرس. ولا يمنع على كل حال قول الأخباريين في بناء النعمان الأول الخورنق لبهرام من كون ابنه هو الذي ساعد بهرامًا على أخذ التاج. لقد سلمه والده صغيرًا إلى النعمان، فلما كبر وترعرع، ومات والده وهو بين عرب الحيرة، وامتنع الفرس من توليه التاج، ساعده المنذر في ذلك. وأخذ له حقه ممن اغتصبه منه. ويظهر من أخبار الأخباريين أنه كانت للمنذر منزلة عند "يزدجرد". ذكر الطبري أن يزدجرد "دعا بالمنذر بن النعمان، واستحضنه بهرام، وشرفه وأكرمه، وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين، تدعى إحداهما "رام أبزوذ يزدجرد" وتأوليها "زاد سرور يزدجرد"، وتدعى الأخرى "بمهشت" وتأويلها "أعظم الحول"، وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته، وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب٣. وتناقض هذه الرواية رواية الطبري المذكورة في قصة بناء الخورنق، ورواية بقية أهل الأخبار عن قصة بناء ذلك القصر، وتؤكد أن وفاة "النعمان" الأول

стр. 1622

كانت في أيام يزدجرد، لا في أيام بهرام بن يزدجرد، وتفيد أن انتقال الحكم إلى المنذر كان في عهد يزدجرد. واشترك المنذر في الحرب التي وقعت بين الروم والفرس بعد مدة قصيرة من تولي بهرام جور الملك، واختار بلاد الشأم ساحة لهجومه. والظاهر أن إسهامه في هذه الحرب كان بطلب من بهرام الذي لم يكن موقفه حسنًا فيها، فكلف المنذر مهاجمة بلاد الشأم، ليخفف من شدة ضغط الروم عليه. غير أن التوفيق لم يحالف المنذر في هجومه هذا، فمني بخسارة كبيرة وهو يحاول مع جيشه عبور الفرات، فغرق أكثرهم في النهر. وكان ذلك في سنة ٤٢١م. ولحقت به خسارة أخرى في السنة نفسها، أو في السنة التي تلتها حينما أعاد الكرة على الروم١. وقد ذكر المؤرخ "سقراط" "Socrates" المتوفى في حوالي سنة ٤٣٩م غرق زهاء مئة ألف رجل من رجال المنذر في النهر، وهو عدد مبالغ فيه ولا شك. وقد استند الطبري إلى رواية يتصل سندها بابن الكلبي، فجعل مدة حكم المنذر بن النعمان أربعًا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة، وفي زمن فيروز ابن يزدجرد سبع عشرة سنة٢. وهذه الرواية تناقض روايات ابن الكلبي السابقة عن تولي المنذر الحكم في أيام يزدجرد الأثيم والد بهرام جور، كما مر معنا، وقد أغفلت أمر "هرمز" وهو ابن يزدجرد ابن بهرام جور، المعروف بالثالث، الذي حكم من حوالي السنة٤٥٧ حتى السنة ٤٥٩ للميلاد، فإذا فرضنا أن حكم المنذر كان ثماني سنين وتسعة أشهر من زمان بهرام جور الذي حكم من حوالي السنة ٤٢٠ للميلاد حتى السنة ٤٣٨ للميلاد، صارت السنة ٤٢٩ هي السنة ٤٣٠ للميلاد التي يجب أن تكون سنة توليه الحكم، وإذا أضفنا إلى هذا الرقم أربعًا وأربعين سنة، وهي مدة حكم المنذر، إلى هذه الرواية، صارت السنة ٤٧٣-٤٧٤ للميلاد، هي سنة انتهاء حكم المنذر بوفاته. وتكون سنة وفاته إذن في زمن "فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور" الذي حكم من حوالي السنة ٤٥٩ حتى السنة

стр. 1623

٤٨٤ للميلاد. وبحسب هذه الرواية يكون المنذر قد عاصر بهرام جور المعروف بـ "بهرام الخامس" عند المؤرخين وعاش في زمن يزدجرد الثاني، وهو ابن "بهرام جور"، وفي زمن "هرمز بن يزدجرد"، ثم في زمن شقيقه فيروز ابن يزدجرد بن بهرام جور١. وتولى بعد المنذر ابنه الأسود من زوجته هر ابنة النعمان من بني الهيجمانة ابنة عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان على رواية الطبري٢. ومن لخم على حد قول حمزة٣. وأما "الدينوري"، فذكر أن الذي ولي الملك بعد "النعمان بن امرئ القيس" الأعور والسائح، أخوه "المنذر بن امرئ القيس"، وكانت أمه من "النمر بن قاسط" ويقال لها: "ماء السماء" لجمالها وحسنها. وأبوها "عوف بن جشم" وقد ولاه "كسرى أنو شروان" العرش، وزعم أنه تزوج "هندًا" ابنة الحارث ابن عمرو الكندي آكل المرار، وهي التي أولدته ثلاثة أولاد هم: عمرو بن هند المعروف بمضرط الحجارة، وقابوس المعروف بقينة العرس، والمنذر بن المنذر. وذكر أنه بقي ملكًا على الحيرة إلى أن غزا "الحارث ابن أبي شمر الغساني"، وهو الأعرج، فقتله الأعرج بالحيار٤. وجعل "الدينوري" "المنذر بن المنذر بن امرئ القيس" بعد "المنذر" المذكور، وقال: إنه خرج يطلب دم أبيه، فقتله الحارث أيضًا بعين أباغ، ويقال: إن قاتله هو "مرة بن كلثوم التغلبي"، أخو عمرو بن كلثوم، ثم نصب من بعده شقيقه عمرو بن هند، ثم النعمان بن المنذر أبا قابوس، وبذلك أنهى قائمته لملوك الحيرة٥. وهي قائمة سقط منها عدد من الملوك. ولا نعرف من أخبار الأسود شيئًا كثيرًا. وقد ذكر حمزة أنه حكم عشرين عامًا. وذلك في زمن فيروز بن يزدجرد وبلاش بن فيروز وقباذ بن فيروز٦.

стр. 1624

وروى أنه حارب الغساسنة وانتصر عليهم، وأسر منهم، كما روى أنه وقع في إحدى معاركه في أيدي الغساسنة، فقتله١. وذكر الطبري أن الفرس أسرته٢، ولم يذكر سبب هذا الأمر. وأنه حكم عشرين سنة، من ذلك في زمن فيروز ابن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين، وفي زمان قباذ بن فيروز، ست سنين٣. وقد حكم "فيروز" من سنة "٤٥٩م" حتى سنة "٤٨٤م"، ويكون حكم "الأسود" بحسب رواية الطبري المتقدمة في حوالي السنة "٤٧٤م" تقريبًا، وقد حكم "بلاش" أربع سنين، من سنة "٤٨٤م" حتى سنة "٤٨٨م"، ثم حكم "قباذ الأول"، وهو ابن فيروز من بعده، حكم من سنة "٤٨٨" حتى سنة "٥٣١" للميلاد. ولما كان "الأسود" قد حكم ست سنين من زمان حكم "قباذ"، تكون سنة وفاته في حوالي السنة "٤٩٤م"٤. وورد في رواية أنه كان للأسود بن المنذر ولد اسمه شرحبيل، قتل، قتله الحارث بن ظالم، وكان طفلًا مسترضعًا عند سنان بن أبي حارثة المري٥. وكان سبب ذلك على ما تذكره الرواية أن "خالد بن جعفر بن كلاب" كان قدم على "الأسود بن المنذر" أخي النعمان، ومعه "عروة بن عتبة بن جعفر"، فالتقى خالد بن جعفر والحارث بن ظالم بن غيط بن مرة بن سعد بن ذبيان عند الأسود بن المنذر، فجعل خالد يقول للحارث: يا حمار، أما تشكر يدي عندك إن قتلت عنك سيد قومك زهيرًا وتركتك سيدهم؟ فقال: سأجزيك شكر ذلك فلما خرج الحارث، قال الأسود لخالد. ما دعاك إلى أن تتحرش بهذا الكلب. وأنت ضيفي؟ فقال: إنما هو عبد من عبيدي، ولو وجدني نائمًا ما أيقظني. وانصرف خالد إلى قبته، فلامه عروة الرحال، ثم ناما وأشرجت عليهما القبة، فلما هدأت العيون، انطلق الحارث حتى أتى قبة خالد، فهتك شرجها، ثم ولجها

стр. 1625

وقتله. فنادى عروة: واجوار الملك! فأقبل الناس، وسمع الأسود الهتاف، وقرر الانتقام ممن خرق جوار الملك. وهرب الحارث منه١. ولما هرب الحارث تنقل في القبائل، فلجأ إلى صديق له من كندة. فطلبه الملك فشخص من عند الكندي، وأضمرته البلاد حتى استجار بزياد أجد بني عجل ابن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان، فقالوا لعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم، فإنه لا طاقة لنا بالشهباء والدوسر، وأبت عجل ذلك عليهم، فلما رأى الحارث ذلك، كره أن تقع الفتنة بينهما بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء، فأجاروه، فمكث عندهم حينًا. ثم إن الأسود لما أعجزه أمره، أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم استاقهن وأموالهن، فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الجبلين، حتى علم مكان جاراته، فأتاهن، واستنقذهن، واستاق إبلهن، فألحقهن بقومهن. واندس إلى بلاد غطفان حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري، وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير. وكان الأسود قد استرضع ابنه شرحبيل عند سنان، ترضعه امرأته. فاستعار الحارث سرج سنان، وهو في ناحية الشرية، فأتى به سلمى امرأة سنان، وقال لها: يقول لك بعلك، ابعثي شرحبيل مع الحارث، وهذا سرجه لك آية. فدفعته إليه، فأتي به من ناحية من الشرية فقتله، وهرب من فوره، وهرب سنان لما سمع بخبر قتله. فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا بني ذبيان، فقتل وسبى، وأخذ الأموال وأغار على بني دودان رهط سلمى، ثم وجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في جانب الشرية عند بني محارب بن خصفة، فغزاهم وأسرهم وأحمى لهم الصفا، وقال إني أحذيكم نعالًا، فأمشاهم عليها، فسقطت أقدامهم، ثم إن سيار بن عمرو ابن جابر الغزاوي احتمل للأسود دية ابنه ألف بعير، ورهنه بها قوسه، فوفاه بها. ثم هرب الحارث، فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار به، فأجاره، وكان من سببه وقعة رحرحان، ثم هرب حتى لحق بمكة، ثم غادرها إلى الشأم، فلحق بيزيد بن عمرو الغساني، فأجاره وأكرمه، ومكث عنده. ثم افتقد يزيد ناقة له، ولم يعلم خبرها، فأرسل إلى الخمس التغلبي، وكان كاهنًا، فسأله عنها،

стр. 1626

فأخبره أن الحارث صاحبها، فهم به الملك ثم تذمم من ذلك، فأوجس الحارث في نفسه شرًّا، فأتى الخمس التغلبي فقتله. فلما فعل ذلك دعا به الملك، وأمر به ابن الخمس فقتله بأبيه، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث، فأتى سوق عكاظ في الأشهر الحرم، فأراه قيس بن زهير العبسي، فضربه به قيس فقتله١. وذكر أن الأسود غزا بني ذبيان وبني أسد بشط أربك وأوقع فيهم، وأنه وجد نعل ابنه شرحبيل القتيل في بني محارب بن خصفة بن قيس عيلان. فانتقم منهم شر انتقام، وأنه قبل من الحارث بن سفيان دفع دية شرحبيل، فدفعها إليه، وهي ألف بعير، "دية الملوك"٢. وخبر هذه الغزوة هو جزء متمم لخبر قتل الحارث بن ظالم لابن الأسود، كما جاء في رواية أخرى. وروايات أهل الأخبار عن قتل الحارث بن ظالم لخالد بن جعفر بن كلاب، وعن قتل ابن الملك، روايات متناقضة مضطربة قلقة، والتبس الأمر فيها على الرواة، ولا سيما "ابن الكلبي" و"أبي عبيدة" اللذين هما مرجعا أكثر رواة تلك الروايات. يتداخل فيها اسم النعمان بن امرئ القيس مع اسم النعمان بن المنذر واسم الأسود بن المنذر، وتنسب القصة مرة إلى هذا الملك، ومرة إلى ذاك. وقد تتداخل، فيذكر اسم الملك الأسود، ثم يورد بعده اسم الملك النعمان. يذكر الرواة رواية كالرواية السابقة، جعلت الولد القتيل شرحبيل بن الأسود، وجعلت الحارث بن ظالم يسير متخفيًا إلى الحيرة ليفتك بالأسود، ولكنهم جعلوه في هذه الرواية يسمع صراخ امرأة أخذ جمع الأسود صرمة من إبلها، فتوجع لها، ووعدها على إعادة إبلها فطلب منها أن تذهب إلى موضع عينه لها، ليأتي لها بإبلها. فلما وردت إبل النعمان، أخذ مالها، فسلمه إليها، ثم فر يطلب له مجيرًا فلم يجره أحد قائلين له: من يجيرك على هوازن والنعمان؟ ويختفي اسم المنذر فجأة في هذه الرواية، ويظهر اسم الملك النعمان كما في الرواية السابقة، ولكن دون تصريح باسم والد النعمان، وهو امرؤ القيس٣.

стр. 1627

ثم تستمر الرواية فتأخذ الحارث إلى الشأم، ليستجير بيزيد بن عمرو الغساني من النعمان وهوازن، فيجيره ويكرمه، ولكنه يذبح ناقة ليزيد، ثم يقتل امرأة أرسلها يزيد لتحري بيت الحارث، ثم يقتل الكاهن الذي تكهن بعقر الحارث للناقة وبقتله للمرأة. فلم يبق أمام يزيد إلا قتل الحارث، فأمر به فقتل١. وعلى هذه الصورة انتهت حياة رجل هو في نظر الأخباريين بطل من أبطال المغامرات والمفاجآت. وأما الرواية التي تذكر أن ذلك الملك هو النعمان بن امرئ القيس فتقول إن النعمان بن امرئ القيس كان قد تزوج بنتًا من بنات زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، وهو من السادة الأشراف، فأرسل النعمان ذات يوم إلى زهير يستزيره بعض أولاده، فأرسل ابنه شأسًا، وكان أصغر ولده، فأكرمه وحباه، ورجع بهدايا وألطاف كثيرة. فلما بلغ ماء من مياه غني بن أعصر، طمع به رباح بن الأشل، فقتله، واستلب ما كان معه. فلما سمع زهير بمقتل ولده، جاء ديار غني، وأخذ يغير عليها، حتى قتل منها مقتلة عظيمة، فاستجارت غني بحلفائهم بني عامر بن صعصعة، فأنجدوها. وتوسعت الحرب، فاشتركت بها هوازن، وكانت تحقد على زهير؛ لأنه كان يسر بها خسفًا ويجبيها الإتاوة كل سنة بعكاظ، وترأس خالد بن جعفر بن كلاب غنيًّا وبني عامر وهوازن، فقتل زهيرًا، وعاد أبناؤه بجسده ليواروه التراب. وذهب خالد بعد مصرع زهير إلى النعمان مستجيرًا به حين علم أن غطفان ستطلبه به، فأجاره، وضرب له قبة وحماه. وبينما كان في مجلس النعمان، قدم الحارث بن ظالم إلى المجلس، وجرى بينه وبين خالد كلام، أغلظ فيه خالد على الحارث، فحقد الحارث عليه وقرر الانتقام منه، فاغتاله وهرب. فجعل النعمان يطلبه ليقتله بجاره، وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد. فلحق ببني دارم من تميم، واستجار بهم، فأجاروه على النعمان. فلما علم النعمان ذلك، جهز جيشًا إلى بني دارم، فلما سمعوا بمجيء الجيش عليهم، استعدوا له، وأرسلوا أموالهم إلى بلاد بغيض، واستعدوا مع بني مالك بن حنظلة وبني عامر للقتال. فلما التقوا بجيش النعمان، قتل رئيس جيش النعمان، وانهزم الجيش. وقيل: إن الحارث بن ظالم ركب إلى الحيرة متخفيًّا، واستقا إبلًا

стр. 1628

له كان قد استولى عليها النعمان، وقتل أحد أبنائه، وفر١. وهناك رواية تجعل النعمان المذكور النعمان بن المنذر، وتجعل الولد القتيل ابنًا لهذا النعمان. وجعلت رواية أخرى قتل الحارث لخالد في عهد الأسود، ثم تذكر أنه هرب منه. ثم إن رجلًا من بني زيد مناة كان بعض حشم النعمان قد أخذوا إبله وأهله، استجار بالحارث فركب الحارث حتى أتى النعمان، فقال: أبيت اللعن! إنك أخذت نساء جاري، وماله، وأنا له جار. فذكره النعمان بقتله خالدًا، وهو في جوار الأسود أخيه. ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدًا شديدًا. فمضى الحارث، وندم النعمان على تركه، وطلبه ففاته، وكان للنعمان ابن مسترضع عند "سنان بن أبي حارثة"، وكانت سلمى بنت ظالم تحت سنان، فجاء الحارث إلى أخته على لسان سنان، حتى أعطته ابن النعمان، فضرب عنقه ولحق بمكة فجاور عبد الله بن جدعان٢. وأما قتل "الحارث بن ظالم"، فالروايات مختلفة فيه، منها ما جعل قاتله: "يزيد بن عمرو الغساني" على نحو ما رأيت. ومنها ما جعل قاتله ملكًا من ملوك غسان تسميه النعمان. ومنها، وهي رواية من روايات أهل الكوفة، ما جعل قاتل الحارث هو الملك النعمان بن المنذر، وتذكر قصة كيفية استدراج النعمان للحارث ومراسلته له مصرحًا له أنه قد رضي عنه وعفا عما بدر منه حتى أمن الحارث. فلما جاء إلى النعمان، وكان في قصر بني مقاتل، أمر به فقتل. قتله ابن الخمس التغلبي، وكان الحارث قد قتل أباه٣. وجاء في رواية أن "عمرو بن الخمس" هو الذي قتل الحارث، قتله بأمر الملك الأسود بن المنذر٤. وذكر "ابن دريد" أن قومًا زعموا أن النعمان قتل "الحارث بن ظالم"، وهذا وهم؛ لأن الذي قتله إنما هو "المنذر بن المنذر أبو النعمان"٥. وذكر "محمد بن حبيب". أن "سيار بن عمرو الفزاري" المعروف بـ "ذي القوس"، كان قد رهن قوسه على ألف بعير في قتل الحارث ابن ظالم من النعمان الأكبر٦.

стр. 1629

ويظهر من "رسالة الغفران" أن "آل لخم" كانوا يعظمون "الأسود بن المنذر"١، ولم يذكر سبب هذا التعظيم. وحكم بعد الأسود أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان، وأمه هر ابنة النعمان. حكم على رواية لابن الكلبي سبع سنين٢، وذلك في زمان قباذ بن فيروز٣. ولما كان حكم قباذ، وهو "قباذ الأول" ويسمى بـ "قباذ بن فيروز" قد امتد من سنة "٤٨٨" حتى سنة "٥٣١" للميلاد٤، فيكون حكم المنذر إذن قد وقع في خلال هذه المدة. وإذا أخذنا بهذه الرواية، وجب أن يكون ابتداء حكم المنذر بن المنذر في حوالي سنة "٤٩٤م"، وانتهاء حكمه في حوالي السنة "٥٠١م"، وذلك بحسب سني حكم ملوك الفرس عند المؤرخين٥. ولكننا نواجه روايات أخرى رواها ابن الكلبي أيضًا وغيره تخالف هذا التقدير. وبعد المنذر انتقل الملك إلى ابن أخيه النعمان بن الأسود، وأمه هي "أم الملك ابنة عمرو بن حجر، أخت الحارث بن عمرو الكندي"٦. إذن فهي أميرة من أمراء كندة. وقد حكم هذا الملك على رواية لابن الكلبي أربع سنين٧. وذلك في زمن قباذ٨. يظهر من رواية لـ "ثيوفانس" أن النعمان هذا أغار على حدود الروم وعلى العرب المحالفين لهم، فاصطدم بالقائد "أوجينيوس" "Eugenius" عند موضع "بثرابسوس" "Bithrapsos" "البئر" على الفرات، فأصيب بخسارة فادحة. ولا نعرف على وجه التحقيق سنة وقوع هذا الحادث، والمظنون أنه كان حوالي سنة "٤٩٨م"٩.

стр. 1630

واشترك النعمان أيضًا في الحرب التي وقعت بين الروم والفرس حوالي سنة "٥٠٢ للميلاد"، إذ رجا منه قباذ أن يهاجم حدود الروم من جهة الجنوب، فهاجمها في قطاع "حران١" "Carrhae" واصطدم بالقائدين "أوليمبيوس" "Olympius" و" أويجينيوس" "Eugenius" فتغلبا عليه، غير أنه أعاد الكرة فتغلب عليهما. وفي المعركة التي وقعت على مقربة من "قرقيسياء" "Circesium" على الخابور أصيب بجرح بليغ في رأسه فقضى عليه٢. وفي أثناء غياب النعمان ومعظم جنوده عن الحيرة، انتهز العرب الذين في بلاد الروم الملقبون بـ "بني ثعلبة" "طايوس دبيت روموين د متقربن دبيت ثعلبة"٣ هذه الفرصة، فأغاروا على عاصمته، وأخذوا كل ما أمكنهم أخذه، فاضطر من كان قد تخلف في الحيرة من جيش النعمان إلى الفرار إلى البادية٤. ويخيل إلي أن ذلك كان على أثر إصابة الملك بجرحه المميت. وتولى الحكم رجل من "آل لخم" اسمه "أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور بن أسس بن ربي بن نمارة بن لخم"، بعد النعمان٥، فهو من "ذميل" و "ذميل" بطن من بطون لخم٦، ولم يتحدث أصحاب الأخبار عن علاقة هذا الرجل بالأسرة المالكة ولا عن كيفية تعيينه والأسباب التي أدت إلى اختياره لهذا المنصب، وكل ما ذكرته أنه حكم ثلاث سنين، ثم انتقل الحكم من بعده إلى المنذر بن امرئ القيس البدء، وهو ذو القرنين، وذلك في رواية للطبري عن ابن الكلبي٧. أما حمزة الأصبهاني، فجعل بعد أبي يعفر ابنًا للنعمان الأعور سماه امرأ القيس ابن النعمان ابن امرئ القيس. قال: أنه هو الذي غزا بكرًا يوم "أوارة" في دارها، وكانوا أنصار بني آكل المرار وهزمهم. وكانت بكر قبله تقيم أود ملوك الحيرة وتعضدهم. ونسب إليه بناء حصن "الصنبر" زاعمًا أن الذي بناه

стр. 1631

له هو البناء الرومي الشهير سنمار، وأنه هو الذي قتل ذلك البناء. وجعل مدة حكمه سبع سنين١، وذلك في زمن قباد٢. وقال "حمزة": وفيه قال المتلمس: جزاني أخو لخم على ذات بيننا ... جزاء "سنمار" وما كان ذا ذنب٣ وذكر حمزة أن حصن صنبر المذكور، وهو من عمل "سنمار"، هو الذي قال فيه أحد الشعراء: ليت شعري متى تخب به النا ... قة نحو العذيب والصنبر٤ ويعرف المنذر هذا عند أكثر الأخباريين بالمنذر بن امرئ القيس بن النعمان وبـ "ذي القرنين" وبـ "المنذر بن ماء السماء" وبـ "ابن ماء السماء". وماء السماء هي أمه على زعمهم، وهي: مارية ابنة عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط في رواية ابن الكلبي التي دونها الطبري٥. وذكر حمزة نسب ماء السماء كما ذكره الطبري، غير أنه جعل الاسم ماوية بدلًا من مارية٦، ولا أراه إلا خطأ من النساخ في كتابة الاسم أدى إلى هاتين الصورتين. وأما سبب تلقيبه بذي القرنين، فيقال إنه لقب بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره، فعرف بهما لذلك٧. وتلقيب ابن الكلبي امرأ القيس والد المنذر بالبدء هو خطأ ولا شك، إذ لا يعقل أن يكون هذا المنذر ابنًا لامرئ القيس البدء المتوفى سنة ٣٢٨ للميلاد. ويلاحظ أن الأخباريين لقبوا امرأ القيس الآخر الذي حكم بعد أوس بن قلام

стр. 1632

بالبدء كذلك، مع أنه مسبوق على حد قولهم بملك آخر اسمه هذا الاسم. فلا يجوز تلقيب صاحبنا هذا إذن بالبدء. ولا يجوز بالطبع تلقيب امرئ القيس الآخر الذي زعم أنه والد المنذر بالبدء أيضًا؛ لأنه ثالث المراقسة في ترتيب أسماء الملوك بحسب رواية الأخباريين. ولا نعلم شيئًا يذكر من أمر امرئ القيس والد المنذر، فهم لم يشيروا إشارة صريحة إلى أنه كان ملكًا، فهل هو امرؤ القيس بن النعمان الذي جعله حمزة ملكًا بعد أبي يعفر؟ لا يستبعد أن يكون هو إن صحت رواية حمزة. بعد أبي يعفر؟ لا يستبعد أن يكون هو إن صحت رواية حمزة. ويلاحظ أن المؤرخين البيزنطيين واللاتين قد أطلقوا على المنذر "Alamoundaros O Sacicus" و"Alamundarus O Sacices" و "Alamundarus O Sacicis" وغير ذلك١، مما يفهم منه أنهم قصدوا بـ "Sacicus" و"Sacicis" "Sacices"وأمثال ذلك كلمة "شقيقة" "الشقيقة" العربية، وأنهم أرادوا المنذر بن الشقيقة، وهو هذا المنذر الذي نتحدث عنه في رأس المستشرقين، لذلك ذهب بعض المستشرقين إلى أن أم المنذر هي "الشقيقة" "شقيقة"، وذهب آخرون إلى أنها لم تكن أمه، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه كان من آل الشقيقة الشهيرة، فعرف عند أولئك المؤرخين بابن الشقيقة أو بالمنذر ابن الشقيقة كما دعي الملوك بعد المنذر ببني ماء السماء٢. أما الأخباريون فقد جعلوا شقيقة أمًّا للنعمان الأعور كما رأيت، ولم يشيروا إلى ملك اسمه المنذر واسم أمه شقيقة، فأيهما المصيب؟ الأخباريون أم المؤرخون اليونان واللاتين والسريان؟ وهل نحن أمام ملك آخر اسمه المنذر بن الشقيقة حكم في أوائل القرن السادس للميلاد؟ وذكر الأخباريون أن المنذر كان قد تزوج هندًا بنت آكل المرار٣، فولدت له أولادًا منهم عمرو بن هند الذي ولى الملك بعده، وقابوس، ثم تزوج أختها أمامة فولدت له ولدًا اسمه عمرو وهو المقتول بوادي القضيب٤.

стр. 1633

ويرى بعض الباحثين أن حكم "المنذر" كان في حوالي السنة "٥٠٨م"، أو قبل ذلك بقليل في حوالي السنة "٥٠٦م". وأما انتهاء ملكه فكان في حوالي السنة "٥٥٤م"١. وكان قباذ قد عقد صلحًا في عام "٥٠٦" للميلاد مع الروم بعد الحرب التي استمرت من سنة "٥٠٢" حتى سنة "٥٠٦م"، غير أن هذا الصلح لم يدم طويلًا. ففي سنة "٥١٨" للميلاد تجدد الخلاف بين الفرس والروم، وذلك على أثر مطالبة قباذ القيصر "جستينوس" "يوسطينوس" "Justinus" الأول بدفع الإتاوة التي اتفق في صلح "٥٠٦م" على دفعها للفرس. وبناء على تباطؤ القيصر في دفعها حرض قباذ المنذر على التحرش بحدود الروم، وقام المنذر بغزوها في سنة "٥١٩م"٢. لقد تمكن المنذر في بعض حروبه مع الروم من أسر قائدين هما "ديموستراتوس" "تيموستراتوس" "Timostratus" "Denostratus" ويوحنا٣ "Johannes". وأراد القيصر أن يفك أسر هذه القائدين ويعقد صلحًا وحلفًا بين الروم والمنذر، فأرسل –على ما يظهر- رسولًا خاصًّا إلى المنذر هو "إبراهيم" "Abraham" والد الكاتب المؤرخ "نونوسوس" "Nonnosus"، ومعه "شمعون الأرشامي" "Symeon Of Beth Arsham" و"سرجيوس" "Sergius" أسقف الرصافة "بيت رصافة". وقد وصل الوفد إلى المنذر في السنة السادسة "السنة السابعة" من حكم "جستينوس" "يوسطينوس" الموافقة لسنة "٨٣٥" من التقويم السلوقي ولسنة "٥٢٤" للميلاد٤. وكان المنذر آنئذ في البادية في موضع اسمه "رمله" "الرملة"، وقد نجحت مهمته فيما يخص فك أسر القائدين. و"سرجيوس" هو مؤلف القسم السرياني الخاص بشهداء العربية الجنوبية، أي شهداء نجران٥. وقد دونت في عهد أسقفيته على الرصافة أسماء الشهداء على

стр. 1634

الجدار الشمالي للكنيسة الكبرى، كنيسة القديس سرجيوس١. وصادف وصول وفد الروم إلى المنذر وصول وفد آخر من اليمن أرسله ذو نواس الملك الشهير المعروف بتعذيبه نصارى نجران إلى المنذر ليفاوضه على تعذيب من في مملكته من النصارى. وقد دون "شمعون الأرشامي" قصة تعذيب هذه مدعيًا أنه نقلها من الكتاب الذي قرئ على الملك ومن أقوال من عرفه من الحاضرين، دونها في صورة كتاب ليقرأ في الكنائس ويطلع عليه المؤمنون. وقد نشر هذا الكتاب، وطبعت ترجمته كذلك٢. وذكر أن القيصر "جستينوس" "يوسطينوس" "Justinus" كتب إلى المنذر بن النعمان طالبًا منه إخراج من في أرضه من القائلين بالطبيعة الواحدة٣. وقد جادلهم في مجلس عقده بحضرة المنذر "شيلا" الجاثليق. فلما سمع هؤلاء بذلك، هرب بعضهم إلى نجران وأقاموا هناك. وكان من مؤيديهم الحجاج بن قيس الحيري صاحب المنذر. يظهر أن أمل القيصر في عقد هدنة أو معاهدة مع المنذر لم يتحقق، أو أنه تحقق ولكن إلى حين، فلما ساءت العلاقات بين الروم والفرس، ووقعت الحرب سنة "٥٢٨م" بين الجانبين، هاجم المنذر الروم مؤيدًا الفرس، وكان له أثر خطير في هذه الحرب، وقد توغل في بلاد الشأم، وغنم منها غنائم كثيرة، ولكنه لم يبق فيها أمدًا طويلًا، فعاد مع جنوده سريعًا إلى قاعدته كعادة سائر الملوك بعد أن أشبع نفسه من غنائم الحرب٤. ونجد المنذر يجدد هجومه على بلاد الشأم، بعد مدة قصيرة من هجومه الأول. لقد هاجمها سنة "٥٢٩م". وتوغل فيها حتى بلغ حدود أنطاكية، وأحرق

стр. 1635

عددًا من المواضع ومنها موضع "خلقيدون" "خلقيدونية" "Chalcedon" وقد زعم بعض المؤرخين السريان أنه ضحى بأربع مئة راهبة للعزى١، وهي دعوى تحتاج بالطبع إلى درس. وقد عرض ابن العبري لتوغل المنذر في أرض الروم، واستيلائه على أرضين واسعة شملت كل منطقة الحدود، ومنها أرض الخابور ونصيبين، حتى بلغ "حمص" "Emessa" و"أباميا" "فامية" "Apamea" وأنطاكية "Antioch" زاعمًا أنه قتل عددًا كبيرًا من السكان، وخرب أكثر تلك الأرضين، ذاكرًا أنه اختار من بين الأسرى أربعمئة راهبة أخذهن لنفسه، غير أنه لم يذكر أنه قدمهن قربانًا إلى العزى٢. وقد اضطر هذا الغزو القيصر "يوسطنيانوس" "Justinianus" الذي خلف "يوسطينوس" إلى نصب الحارث الجفني "فيلارخا" "فيلاركا" "Phylarch"، أي عاملًا على عرب بلاد الشأم لحماية الحدود من اعتداءات المنذر وعرب العراق٣. وقد عوض قباذ الخسارة التي لحقت به عند موضع "دارا" بربح ناله بواسطة المنذر. لقد قام المنذر وأحد القواد الفرس بمهاجمة منطقة الفرات "Euphratesia" وهي منطقة "قوماجين" "Commagene"، فلما تصدى لها القائد "بليزاريوس" "Belisarius" تراجعًا، ثم التقيا به عند الرقة "Callinikos" فانتصرا عليه. وقد كان ذلك في السنة الرابعة من حكم "يوسطنيانوس" "Justinianus" أي في سنة "٥٣١م"٤. وقد اشترك الحارث بن جبلة في هذه الحرب مع الروم، وأنيطت به حماية الجانب الأيمن في القتال الذي اضطرم مع الفرس، أما المنذر وجيشه، فكان يكون الجناح الأيسر لجيش الفرس، أي الجناح المقابل لعرب الروم٥.

стр. 1636

وعلى الرغم من الصلح الذي عقد في عام "٥٣٢م" بين الفرس والروم، لم ينقطع النزاع بين الحارث الجفني والمنذر بسبب اختلافهما على الإتاوة التي تجبى من أعراب الـ "Strata"، أي المنطقة الواقعة في جنوب تدمر، وهي منطقة رعي لا شجر فيها ولا زراعة. وقد زعم "بروكوبيوس" أن كسرى، حرض المنذر على التحرش بالحارث، للإخلال بشروط الصلح، وإيجاد سبب لتجديد الحرب، وأن القيصر يوسطنيانوس "Justinianus" كلف رجلين من ثقاته وهما "ستراتيجيوس" "Strategius"، وهو من أصحاب الخبرة والحنكة في الشؤون الإدارية، و"سوموس" "Summus" وهو ممن قادوا الجيوش في فلسطين ومن السفراء الذين سبق أن كلفوا القيام بمهمات سياسية فأرسل رسولًا إلى نجاشي الحبشة وإلى ملك حمير "Homeritae" دراسة النزاع وإيجاد حل للمشكلة، فأشار "سوموس" على القيصر بعدم إجابة طلب المنذر وبالاحتفاظ بالأرض، أما "ستراتيجيوس"، فقد رأى أن الموضوع تافه وأن الأرض المتنازع عليها لا تستحق كل هذا الاهتمام. وقد مضى وقت طويل دون أن يجزم القيصر برأي١. وفي هذه الأثناء ادعى كسرى أن القيصر قد أخل بشروط الصلح باتصاله بالمنذر "Alamoundarus" وبمحاولته التأثير عليه وجره إليه. وبإرساله "سوموس" إلى المنذر مع كتاب خاص من القيصر يمنيه بالوعود وبمبالغ كبيرة من المال إذا انضم إلى الروم، وبأمور أخرى اتخذها حجة لإعلان إخلال الروم بالصلج٢. وصار يتهيأ لحرب جديدة حتى تهيأت له الأسباب، وذلك في عام "٥٤٠م"٣. وبعد مراسلات بين الفرس والروم دون بعضها "بروكوبيوس"، وهي مراسلات جميلة ترينا فن الدبلوماسية ومنطق الملوك في ذلك العهد، هاجم الفرس الروم. وغزا الحارث أرض الجزيرة للوقوف على قوة الفرس، ومقدرتهم٤، وهاجم المنذر بلاد الشأم فبلغ فينيقية، وتوغل في مناطق واسعة من لبنان٥. وقد أشار الطبري إلى هذا النزاع الذي وقع بين المنذر والحارث بن جبلة،

стр. 1637

في أثناء كلامه على الحبشة في اليمن وعلى دخول الفرس إليها، كما أشار إلى الموادعة والهدنة التي عقدت بين كسرى أنو شروان والقيصر، وقد سماه "يخطيانوس" أي "جستنيان" "جستنيانوس" "Justinianus"، فقال: "وكان فيما ذكر بين كسرى أنو شروان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة. فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشأم يقال له خالد بن جبلة وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب يقال له المنذر بن النعمان نائرة. فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أموالًا من أمواله فشكا ذلك المنذر إلى كسرى وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد، فكتب كسرى إلى يخطيانوس يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدًا أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر من خالد وأن لا يستخف بما كتب به من ذلك فيكون انتقاص ما بينهما من العهد والهدنة بسببه، وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر فلم يحفل بها. فاستعد كسرى فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء ومدينة منبج ومدينة قنسرين ومدينة حلب ومدينة أنطاكية وكانت أفضل مدينة بالشام ومدينة فامية ومدينة حمص ومدنًا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض وسبي أهل مدينة أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد"١. ويظهر من سياق هذه الرواية أن الطبري لم يكن على علم واضح بالمنذر بن النعمان ولا بخالد بن جبلة. وقد نقل روايته هذه من غير نقد ولا مناقشة، فالشخص الذي تخاصم المنذر معه هو الحارث بن جبلة، لا خالد بن جبلة. وقد وهم المورد الذي نقل الطبري منه، فظن أنه خالد بن جبلة. وهو مورد يظهر كما يتبين من سياق الحديث أنه اعتمد على كتاب من كتب التأريخ، لعله من المؤلفات الفارسية أو السريانية، وقد نقل الدينوري منه أيضًا، فذكر خالد بن جبلة٢.

стр. 1638

وفي رواية الطبري عن ملك المنذر مبالغة على ما يظهر، فليس في الأخبار التي يرويها الأخباريون عن هذا الوقت رواية واحدة يفهم منها أن نفوذ الفرس قد شمل هذه الأرضين الواسعة الممتدة من الحجاز إلى ساحل الخليج، وليس فيها خبر واحد يفهم منه أن ملك المنذر قد شمل الطائف وسائر الحجاز. ولو كان ملكه قد بلغ هذه البلاد لوعت ذلك ذاكرة أهل الأخبار شيئًا عنه، إذ أنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام. ولم تنقطع المناوشات بين الحارث والمنذر، بالرغم من الهدنة التي اتفق الفرس والروم على عقدها لمدة خمس سنوات وذلك في سنة "٥٤٥م"١. فبعد مدة قصيرة من التوقيع عليها، عادت نيران الحرب فاستعرت بين الحارث والمنذر من غير أن يتدخل الفرس أو الروم في هذا النزاع، وقد تمكن المنذر من بماغتة أحد أبناء الحارث: وكان يكلئ خيله في البادية، فأسره، وقدمه على ما يقوله بروكوبيوس ضحية إلى العزى٢ "Aphrodite". وبعد أن جمع كل واحد منهما كل ما يملك من قوة ومن حديد، اشتبكا في حرب جديدة انتصر فيها الحارث انتصارًا كبيرًا، وقتل عددًا كبيرًا من جنود خصمه. فلما رأى ما حل به، فر هو ومن بقي حيًّا من أتباعه، تاركًا اثنين من أبنائه في جملة من وقع في الأسر٣. وقد تكون غارة قيس بن سلمة بن الحارث الكندي على الحيرة غارة انتقامية من المنذر لما أنزله بآل كندة من خسائر. ويظهر أن قيسًا قد باغت المنذر وفاجأه بغارة خاطفة اضطرته إلى الهزيمة والالتجاء إلى الخورنق مع ابنيه عمرو وقابوس. وبعد مضي عام على هذه الهزيمة، انتقم المنذر لنفسه بغارة أغارها على كندة كلفت الكنديين اثني عشر أميرًا من بني حجر بن عمرو وقعوا في أسره في مكان يسمى ذات الشقوق، ثم أمر بعد ذلك بضرب أعناقهم في الجفر، وهو الموضع الذي أطلق عليه لهذه الحادثة جفر الأملاك، وهو موضع "دير بني مرينا" الذي أشير إليه في الشعر المنسوب لامرئ القيس٤. ويذكر أهل الأخبار أن الشاعر "امرأ القيس الكندي" كان في جملة من

стр. 1639

وقع أسيرًا، إلا أنه أفلت من الأسر ونجا بنفسه، فقال شعرًا يرثي به من قتل، منه: ملوك من بني عمرو بن حجر ... يساقون العيشة يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن في الدماء مرملينا فهو يتألم ويتأفف من سقوط قومه قتلى، لا في حرب ولا في معركة، ولكن في "ديار بني مرينا"، فأية مصيبة أعظم من هذه المصيبة؟ ملوك أحرار شجعان يقتلون في مثل هذه الديار. وفي رواية أن الذين قتلوا من بني حجر آكل المرار في جفر الأملاك هم تسعة واستشهدت على ذلك بشعر للحارث بن حلزة جاء فيه: وفديناهم بتسعة أملا ... ك كرام أسلابهم أغلاء١ وأشير في قصيدة هذا الشاعر إلى الجون. وهو جون آل بني الأوس، وهو في شرح الرواة ملك من ملوك كندة، وهو ابن قيس بن معد يكرب. قالوا: وكان الجون جاء ليمنع بني آكل المرار، ومعه كتيبة خشناء، فحاربته بكر، فهزموه، وأخذوا بني الجون، فجاءوا بهم إلى المنذر، فقتلهم٢. وفي بعض الروايات أن المنذر توسط لعقد الصلح بين بكر وتغلب واشترط أن أي رجل وجد قتيلًا في دار قوم فهم ضامنون لدمه، وإن وجد بين محلتين قيس ما بينهما، فينظر أقربهما إليه، فتضمن ذلك القتيل. وأخذ من الفريقين رهنًا بأحداثهم، فمتى التوى أحد منهم بحق صاحبه أقاد من الرهن٣. وفي عهد هذا الملك وقع "يوم طخفة" بحسب رواية بعض الأخباريين.

стр. 1640

ويذكر هؤلاء أنه وقع بسبب "الردافة" وقيل: "الرفادة". فقد كانت ردافة ملوك الحيرة في "بني يربوع"، وكانت لعتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع في عهد "المنذر بن ماء السماء". فلما توفي، صارت إلى ابنه "قيس ابن عتاب" "عوف بن عتاب الرياحي". بحكم الوراثة، وكان حديث السن، فأشار "حاجب بن زرارة" على الملك أن يجعلها لرجل كهل له سن وعقل، وأشار عليه باختيار "الحارث بن بيبة المجاشعي" "الحارث بن مرط بن سفيان ابن مجاشع"١ ولما فاتح الملك "بني يربوع" برأيه هذا: غضبوا وأبوا، وأصر الملك على رأيه، وإلا حاربهم، فأبوا واستعدا للقتال، وساروا إلى موضع "طخفة" وتحصنوا به، فأرسل المنذر في أثرهم جيشًا كبيرًا من أفناء الناس، عليه حسان أخوه وقابوس ابنه وبعث معهم الصنائع والوضائع، اشتبك مع "بني يربوع" في هذا المكان، وصبر بنو يربوع وثبتوا، ثم أغاروا على جيش المنذر، فانهزم ووقع القتل فيه، وانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق أبو عميرة "طارق ابن عميرة" فرس قابوس فعقره وأسره، وأراد أن يجز ناصيته، فقال: إن الملوك لا تجز نواصيها، وأسر حسانًا بشر بن عمرو بن جوين٢، فعاد المنهزمون إلى المنذر، وكان المنذر قد احتبس "شهاب بن عبد "قيس" بن كياس اليربوعي" عنده، فلما رأى سوء العاقبة، استدعاه، فقال له: "يا شهاب، أدرك ابني وأخي، فإن أدركتهما حيين، فلبني يربوع حكمهم، وأرد عليهم ردافتهم، وأترك لهم من قتلوا وما غنموا، وأعطيهم ألفي بعير"، فذهب إلى قومه وأعادهما، ووفى الملك بما قال. ونجد للأحوص وللفرزدق ولأم موسى الكلابية شعرًا في هذا اليوم٣. وفي عهد المنذر، كان يوم "أوارة الأول" على قول أهل الأخبار. وسببه

стр. 1641

أن تغلب لما أخرجت "سلمة بن الحارث" عنها، التجأ إلى "بكر بن وائل" ولما بلغ بكرًا أذعنت له تغلب ودانت لحكمه، وقالت له: "لا يملكنا غيرك"، فأرسل إليهم "المنذر" يدعوهم إلى طاعته، فلم يجيبوه، فحلف المنذر ليسيرن إليهم فإن ظفر بهم ذبحهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض، وسار إليهم بمجموعه ليبر بقسمه، والتقى بهم بأوارة، فهزمت بكر، وأسر "يزيد بن شرحبيل الكندي"، فأمر المنذر بقتله فقتل، وقتل خلق كثير من بكر، وأمر المنذر بذبح الأسرى الرجال على قلة جبل أوارة، وبإحراق النساء، وإلى ذلك أشار الأعشى بقوله: سبايا بني شيبان يوم أوارة ... على النار إذ تجلى به فتياتها١ وختم عام "٥٥٤م" هذا النزاع العنيف الذي أتعب الحارث والمنذر فاستراح الجانبان، ختم بسقوط المنذر بن النعمان" مونذر بر نعمن" "ملك العرب" صريعًا بيد خصمه الحارث بن جبلة بعيدًا عن عاصمة ملكه، ففي منطقة قنسرين على روايات المؤرخين السريان، ففي السنة السابعة والعشرين من حكم القيصر "يوسطنيانوس" "جستنيان" "Justinianus" هاجم المنذر منطقة "Rhomaye" التابعة لحكم الروم، فنازله الحارث بن جبلة، وتغلب عليه، وقتله عند عين "عودايا" "Wdaja" في منطقة قنسرين. وقد سقط في هذه المعركة أحد أبناء الحارث، فدفنه أبوه في قلعة هذا الموضع٢. و"عودايا"، هو "العذية" على رأي موسل، وهو من مواضع منطقة "بالميرينا" "Palmyrena"، أي منطقة تدمر، ومعظم هذه المنطقة هي من أعمال قنسرين٣.

стр. 1642

وقد فهم "أوليري" من رواية للمؤرخ "ثيوفانس" أن المنذر كان حيًّا حتى سنة "٥٦٢م"، وهي السنة التي عقد فيها الصلح بين الروم والفرس، وفيها توفي١. وقد ذكر "هارتمن" "Hartmann" أن المنذر هذا حارب في صفوف الرومان في أيام القيصر "طيباريوس الثاني" "Tiberius II"، غير أنه خانهم وغدر بهم في إحدى المعارك التي قادها "مرويقيوس" "Mauricius" فلما صار "موريقيوس" قيصرًا قبض عليه، ونفى معه زوجته وبعض أبنائه إلى جزيرة صقلية٢. ولم يقل هذا القول أحد، وإنما قصد المورد الذي استند إليه هارتمن وهو "ايواكريوس" "Evagrius" منذرًا آخر غير المنذر الذي نتحدث عنه٣. وسبق لأوليري أن ظن هذا الظن، فذكر أن المنذر حدس أن في الفرس ضعفًا، وذلك بسبب انقطاع الحروب مدة بين الفرس والروم، فانضم إلى الروم وصار حليفًا لهم، وحارب معهم. فلما تبين لديه الأمر، عاد إلى حلفائه القدامى الفرس. فلما وقع في إحدى المعارك أسيرًا في أيدي الروم، نفاه القيصر موريقيوس سنة "٥٨٠م" ونفى معه زوجته وبعض أولاده إلى صقلية٤. ومصدر وهمهما هو اعتمادهما على رواية للمؤرخين "ايواكريوس" "Evagrius" و" نيقيفورس كالستوس" "Nicephorus Callistus" من غير أن يمحصاها. فالمنذر المقصود في هذه الرواية ليس هذا المنذر، وإنما هو المنذر بن الحارث بن جبلة الذي نفي بعد أن اتهمه الروم باتصاله من طرف خفي بالفرس، وأنه كان السبب في إخفاق الحملة التي قادها "موريقيوس" يوم كان قائدًا، فلما صار قيصرًا، انتقم منه بالنفي. أما الذي عليه أكثر الأخباريين فهو: أن قتل المنذر كان في عين أباغ في

стр. 1643

المعركة التي عرفت بـ "يوم عين أباع"١. وعين أباغ بحسب وصف بعض الأخباريين واد من أودية العراق وراء الأنبار على الفرات بين الكوفة والرقة، لا يبعد كثيرًا عن الحيرة٢. وسبب وقوع هذه المعركة على ما يقولونه، هو أن المنذر بن ماء السماء سار من الحيرة في معد كلها حتى نزل بعين أباغ، وأرسل إلى الحارث الأعرج بن جبلة: إما أن تعطيني الفدية فأنصرف عنك بجنودي، وإما أن تأذن بحرب. فأرسل إليه الحارث: أنظرنا ننظر في أمرنا. فجمع عساكره وسار نحو المنذر فلما التقى به في عين أباغ، اقتتلا، فقتل المنذر، وقتل فيها ابنان للحارث. فسار الحارث بولديه القتيلين إلى الحيرة، فأنهبها وأحرقها ودفن ابنيه بها ثم عاد٣. ويذكر أهل الأخبار أن "عين أباغ" كانت منازل "إياد"، وأن "أباغ" رجل من العمالقة نزل ذلك المكان فنسب إليه. وقد اختلفت الأقوال في "عين أباغ فمنهم من جعلها موضعًا بين الكوفة والرقة، ومنهم من جعلها عين ماء، ومنهم من ينكر أنها عين ماء، ويرى أنها واد وراء الأنبار على طريق الفرات إلى الشأم، ومنهم من يجعلها في "ذات الخيار"٤. ويظهر من تعليقات ابن الأثير على هذه المعركة أن من كان يرى أن اسم الملك الغساني الذي انتصر في هذا اليوم هو أبو شمر عمرو بن جبلة بن الحارث ابن حجر بن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن مارية الغساني، أو هو رجل من الأزد تغلب على غيرهما، وقد رجح هو رواية من قال إنه الحارث

стр. 1644

الأعرج بن جبلة، وهي رواية أكثرية الأخباريين١. ويؤيد هذه الرواية روايات المؤرخين السريان الذين سموا اسم ملك عرب الشأم، فدعوه "حرث برجابالا" أي الحارث بن جبلة "حارث بن جبل". ويلاحظ أن ابن العبري استعمل جملة "ملك العرب" للمنذر٢. كما استعملها غيره من المؤرخين. ويرى "ابن الأثير": أن "الحارث" لما بلغ "عين أباغ" أرسل إلى "المنذر" يقول: إنا شيخان هنا، فلا تهلك جنودي وجنودك، ولكن ليخرج رجل من ولدك، وليخرج رجل من ولدي، فمن قتل خرج عوضه، فإذا فني أولادك وأولادي خرجت أنا إليك، ومن قتل صاحبه ذهب بالملك. فتعاهدا على ذلك. فعهد المنذر إلى رجل من شجعانه، فأمره أن يخرج، ويظهر أنه ابن المنذر. فلما خرج، أخرج إليه الحارث ابنه "أبا بكر". فلما رآه، رجع إلى أبيه، وقال: إن هذا ليس بابن المنذر، إنما هو عبده أبو بعض شجعانه، فقال له الحارث: يا بني أجزعت من الموت؟ فعاد إليه وقاتله، فقتله الفارس، فألقى رأسه بين يدي المنذر. وعاد فأمر الحارث ابنه الآخر بقتاله والطلب بثأر أخيه، فخرج إليه، فشد عليه الفارس وقتله. فلما رأى ذلك" شمر بن عمرو الحنفي"، وكانت أمه غسانية، وهو مع المنذر، غضب، وقال للمنذر. أيها الملك، إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا الكرام. وقد غدرت بابن عمك. فغضب المنذر. وهرب "شمر" إلى الحارث فأخبره. فلما كان الغد، أرسل الحارث أصحابه، وحرضهم، وكانوا أربعين ألفًا، واصطفوا للقتال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل المنذر وهزمت جيوشه. فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على بعير، وسار إلى الحيرة فانتهبها وأحرقها، ودفن ابنيه بها، وبنى الغريين عليهما في قول بعضهم٣. والمعروف أن الذي بنى الغريين هو النعمان بن المنذر فوق قبري نديميه. وأشار حمزة أيضًا إلى اختلاف الرواة في القاتل والمقتول في يوم عين أباغ،

стр. 1645

فقال: وقتله الحارث الأعرج، وهو الحارث الوهاب الجفني يوم عين أباغ. وهو اليوم الذي قيل فيه ما يوم حليمة بسر. وفي كتاب المعارف: أن الذي قتله الحارث الأعرج في يوم حليمة هو المنذر بن امرئ القيس. وكان يوم عين أباغ بعد يوم حليمة. والمقتول في يوم عين أباغ المنذر بن المنذر. وكان خرج يطلب بدم أبيه. فقتله الحارث الأعرج أيضًا. وقد سمعنا أن قاتله مرة بن كلثوم أخو عمرو بن كلثوم التغلبي١. وقد ذكر "ابن قتيبة" في "كتاب المعارف" أن الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأعرج، هو الذي قتل المنذر بن امرئ القيس، قتله بـ "الخيار٢". ويظهر من خبره هذا أن قتل المنذر إنما كان بـ "الخيار"، لا في "يوم حليمة"، وأن "الخيار" أو "الحيار" موضع أقرب ما يكون إلى الحيرة منه إلى بلاد الشام. وهناك رواية أخرى عن مقتل المنذر بن ماء السماء نجدها مدونة في الأغاني، لم تشر إلى عين أباغ ولا إلى يوم حليمة، أو ذات الخيار، خلاصتها. أن شمرًا ابن عمرو الحنفي أحد بني سحيم هو الذي قتل المنذر بن ماء السماء، قتله غيلة لما حارب الحارث بن جبلة الغساني، فبعث إلى المنذر بمئة غلام تحت لواء شمر هذا، يسأله الأمان على أن يخرج له عن ملكه، ويكون له من قبله. فركن المنذر إلى ذلك، وأقام الغلمان معه، فاغتاله شمر بن عمرو الحنفي، فقتله غيلة. وتفرق معه من كان مع المنذر، وانتهبوا عسكره٣. وذكر "ابن دريد" أن قاتل المنذر الأكبر، وهو جد النعمان بن المنذر، يوم عين أباغ، هو "شمر بن يزيد". وهو من "بني حنيفة"، وكان في جند الملك الغساني"٤. وتحدث "ابن خلدون" عن "يوم عين أباغ"، فقال: "كان جبلة بن النعمان صاحب يوم عين أباغ، يوم كانت الهزيمة له على المنذر بن ماء السماء. وقتل المنذر في ذلك اليوم"٥. ولكننا نجده يقول في موضع آخر: "عمرو بن

стр. 1646

عمرو بن عبد الله بن عبد العزى، قاتل المنذر بن ماء السماء في يوم عين أباغ"١. وذكر أن "عمرًا" هذا هو ابن عم" علي بن ثمامة بن عمر بن عبد العزى بن سحيم بن مرة" وهو الذي توجه كسرى٢. وقد ذكر أن "جبلة بن النعمان" صاحب يوم عين أباغ، كان منزله بصفين. وفي رواية أخرى أن "حليمة" كانت قد أخرجت خلوقًا، فخلقت به الفتيان. ولما خلقت أحدهم، واسمه "لبيد بن عمرو"، دنا منها فقبلها، فلطمته وبكت، فأمسكها أبوها، ثم ذهب من ذهب وفيهم "شمر بن عمرو الحنفي" وكانت أمه من غسان، إلى "المنذر" متظاهرين أنهم جاؤوا إليه ليخبروه أن الحارث يدين للمنذر، وهو يريد أن يعطيه حاجته، فتباشر أهل عسكر المنذر، وغفلوا بعض غفلة، فحمل الغلمان على المنذر وقتلوه، فقيل: "ليس يوم حليمة بسر"، فذهب مثلًا٣. وذكر "ابن قتيبة" أن "الحارث ابن أبي شمر الغساني، وهو الأعرج وجه إلى المنذر بن ماء السماء مئة فارس، فيهم الشاعر "لبيد بن ربيعة"، وأمره عليهم، فصاروا إلى عسكر المنذر، وأظهروا أنهم أتوه داخلين في طاعته، فلما تمكنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم فقتل أكثرهم ونجا لبيد، حتى أتى ملك غسان، فأخبره الخبر، فحمل الغسانيون على عسكر المنذر فهزموهم. وهو يوم حليمة. وكانت حليمة بنت ملك غسان. وكانت طيبت هؤلاء الفتيان حين توجهوا وألبستهم الأكفان والدروع وبرانس الأضريج"٤. وقد جعل بعض الأخباريين عين اباغ "ذات الخيار"٥، ويفيد قولهم هذا أن عين أباغ هو موضع يقع في منطقة تسمى ذات الخيار "الحيار"، ويرى "نولدكه" أن موضع "الحياران" الوراد في معلقة "الحارث" هو أيضًا هذا

стр. 1647

المكان١. وللتثبت من هذا القول، لا بد من الوقوف على موضع ذات الخيار "الحيار" و"الحياران". وقد ذكر ياقوت الحموي أن الحيار صقع من برية قنسرين، كان الولد بن عبد الملك أقطعه القعقاع بن خليد بينه وبين حلب يومان٢. وهذا الوصف لموقع الحيار ينطبق على ما رواه المؤرخون السريان عن موضع مقتل المنذر كما يوافق رأي من جعل عين أباغ ذات الخيار. وممن ذهب هذا المذهب، "أبو الفداء"، فقال في حديثه عن "يوم عين أباغ"، "ومن أيام العرب يوم عين أباغ، وكان بين غسان ولخم، وكان قائد غسان الحارث الذي طلب أدراع امرئ القيس، وقيل: غيره. وكان قائد لخم المنذر بن ماء السماء. وقتل المنذر في هذا اليوم، وانهزمت لخم، وتبعهم غسان إلى الحيرة، وأكثروا بينهم القتل. وعين أباغ في موضع يقال له ذات الخيار"٣. وذكر ابن عبد ربه المتوفي سنة ٣٢٨هـ أن القتيل في يوم عين أباغ هو المنذر ابن ماء السماء وهو الذي تولى ملك الحيرة بعد قابوس وقبل النعمان بن المنذر، الذي قربه "عدي بن زيد العبادي" إلى كسرى. وأما القاتل، فهو الحارث الغساني٤. ومرد أمثال هذا الاختلاف في أسماء الملوك في الروايات، إلى تشابه الأسماء إذ يصعب على الرواة، وهم يعتمدون في رواياتهم على الحفظ، أن يميزوا بعد مدة بين أمثال هذه الأسماء، فيحدث لهم مثل هذا الاضطراب. ونجد هذا الرأي عند "النويري" كذلك، إذ جعله أيضًا والد "النعمان" الملك الأخير من ملوك الحيرة، والذي قتله كسرى كما سنرى فيما بعد٥. والنويري هو عيال على "ابن عبد ربه" في كثير من الأخبار، ولا سيما أخبار الأيام.

стр. 1648

ويتبين من غربلة الأخبار الواردة عن "يوم أباغ"، "يوم عين أباغ" أن من الأخباريين من يرى أن يوم عين أباغ ويوم حليمة، هما يوم واحد، ولا فرق بينهما، وقالوا إنما عرف ذلك اليوم بـ "يوم حليمة"، لبروز اسم "حليمة" فيه، وهي بنت ملك غسان، تخلق المحاربين وتحثهم على القتال. وأن من الأخباريين من جعل "يوم حليمة" يومًا آخر مغايرًا ليوم عين أباغ، ثم اختلفوا فيه، فمنهم من جعله قبل يوم عين أباغ، ومنهم من جعله بعده. وقد ذكروا أنه كان يومًا عظيمًا، اشترك فيه عدد كبير من المقاتلين، "وعظم الغبار حتى قيل: أن الشمس قد انحجبت وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس"١. وهذا مما يدل على اشتراك عدد كبير من المقاتلين فيه. وممن ذهب إلى أن "يوم حليمة" هو يوم آخر "ابن الأثير"، وقد جعله بعد "يوم عين أباغ". وقال: أنه وقع في موضع يعرف بـ "مرج حليمة"، وسببه أن المنذر لما قتل أراد ابنه "الأسود" الأخذ بالثأر، فسار في جيش لجب، والتقى بجيش "الحارث" في "مرج حليمة". ولما طالت الحرب، أمر الحارث ابنته "هند" بأن تخلق فتيان غسان، ونادى فتيان غسان: من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هند فقال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه: يا أبي أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول، ثم ركب فرسه، وشد على الأسود، فقتله، وانهزمت لخم ثانية، وقتلوا في كل وجه. وانصرفت غسان بأحسن ظفر في تفاصيل أخرى لا مجال لشرحها هنا٢. فيتبين من خبر "ابن الأثير" هذا أن الموضع الذي وقع فيه القتال اسمه "مرج حليمة"، وأن اسم ابنة الحارث هو "هند" لا حليمة، وأن المقتول فيه هو "الأسود" لا المنذر، وأن هذا اليوم قد وقع بعد "يوم عين أباغ". وفي رواية أن الغساسنة تمكنوا في المعركة التي سقط فيها المنذر من أسر أحد أبنائه وهو امرؤ القيس، وبقي في أسرهم على أن أغارت بكر بن وائل على بعض بوادي الشام، فقتلوا ملكًا من ملوك غسان، واستنقذوا امرأ القيس بن المنذر، وأخذ عمرو بن هند بنتًا لذلك الملك يقال لها ميسون٣. وقد ذهب "كوسان دي برسفال" إلى أن هذه الغارة كانت بقيادة أحد أبناء المنذر القتيل، وأنها

стр. 1649

كانت عارة انتقامية وقعت بعد المعركة التي سقط فيها ابن ماء السماء١. وقد أشار الحارث بن حلزة إلى ذلك في شعره مفتخرًا: وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعد ما طال حبسه والعناء وقد زعم الشراح أن امرأ القيس هذا كان معروفًا بماء السماء٢ أما الملك الغساني القتيل، فلم يشيروا إلى اسمه، وأشك في الذي رواه الأخباريون من أنه كان ملكًا. وأرى احتمال كونه أحد أبناء الملوك. واستعمال جملة "رب غسان"، هي من باب التفخيم للعمل الذي قامت به بكر. وذكر بعض الرواة أن حجرًا الكندي، وهو في نظرهم حجر بن أم قطام، غزا امرأ القيس هذا، وكانت مع حجر جموع كثيرة من كندة، غير أن بكرًا التي كانت مع امرئ القيس قاتلته، وقتلت جنوده٣. وذهب بعض الأخباريين إلى أن مقتل المنذر بن ماء السماء هو في يوم حليمة، قتله الحارث بن أبي شمر الغساني. وسبب تسمية ذلك اليوم بيوم حليمة أن حليمة ابنة الحارث كانت تخلق قومها وتحرضهم على القتال في ذلك اليوم. وذهب آخرون إلى أنه موضع٤. وفي رواية تنسب إلى ابن الأعرابي أن بني تغلب حاربوا المنذر بن ماء السماء، ولكنهم غلبوا على أمرهم، فلحقوا بالشأم خوفًا منه. وبقوا هناك، فمر بهم عمرو بن أبي حجر الغساني في رواية، أبو الحارث بن أبي شمر الغساني في رواية أخرى، فلم يستقبلوه، فانزعج من ذلك، وتوعدهم، وأن عمرو بن كلثوم نهاه عن ذلك٥. وقد روى بعض أهل الأخبار أبياتًا من الشعر، زعموا أن ابنة المنذر قالتها في رثاء والدها، ففي جملتها:

стр. 1650

وقالوا فارسًا منكم قتلنا ... فقلنا الرمح يكلف بالكريم بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم١ وينسب إلى المنذر بناء الغريين في بعض الروايات، وكان السبب في ذلك كما يقول الأخباريون أنه كان له نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نضلة "مضلل" "خالد بن المضلل" والآخر عمرو بن مسعود" عمرو بن مسعود الأسدي"، فثملًا، فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه، فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان فدفنا حيين. فلما أصبح استدعاهما، فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك، وقصد حفرتهما، وأمر ببناء طربالين عليهما، وهما صومعتان، فقال المنذر: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري، لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، ويحسن في نعيمه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم. وقد ظل المنذر على عادته هذه إلى أن حدث له حادث، أظهر فيه رجل ظهر يوم بؤسه وفاءً عظيمًا، فعفا عنه، وترك تلك العادة وتنصر، وكان الرجل الذي بر بوعده فحضر بعد عام ليأخذه سيف الجلاد نصرانيًّا، ولذلك تنصر المنذر. وذكروا أنه لم يكن يتورع من ذبح أعز الناس عليه إذا ظهر له يوم بؤسه. فلما ظهر الشاعر الشهير عبيد بن الأبرص الأسدي، لم ينجه شعره من مصير ذلك اليوم٢. وذكروا أن الرجل كاد يسلمه سوء طالعه إلى يد الجلاد، هو حنظلة الطائي، وأنه ترهب بعد هذا وابتنى ديرًا له هو الدير المعروف بدير حنظلة. وأما الذي كفل ذلك الرجل حتى يعود بعد عام، فرجل من أشراف القوم هو شريك بن عمرو، وذكروا أيضًا أن حنظلة هذا هو عم أياس بن قبيصة الطائي ملك الحيرة٣.
следующие страницы →