عمرو بن عبد الله بن عبد العزى، قاتل المنذر بن ماء السماء في يوم عين أباغ"١. وذكر أن "عمرًا" هذا هو ابن عم" علي بن ثمامة بن عمر بن عبد العزى بن سحيم بن مرة" وهو الذي توجه كسرى٢. وقد ذكر أن "جبلة بن النعمان" صاحب يوم عين أباغ، كان منزله بصفين.
وفي رواية أخرى أن "حليمة" كانت قد أخرجت خلوقًا، فخلقت به الفتيان. ولما خلقت أحدهم، واسمه "لبيد بن عمرو"، دنا منها فقبلها، فلطمته وبكت، فأمسكها أبوها، ثم ذهب من ذهب وفيهم "شمر بن عمرو الحنفي" وكانت أمه من غسان، إلى "المنذر" متظاهرين أنهم جاؤوا إليه ليخبروه أن الحارث يدين للمنذر، وهو يريد أن يعطيه حاجته، فتباشر أهل عسكر المنذر، وغفلوا بعض غفلة، فحمل الغلمان على المنذر وقتلوه، فقيل: "ليس يوم حليمة بسر"، فذهب مثلًا٣.
وذكر "ابن قتيبة" أن "الحارث ابن أبي شمر الغساني، وهو الأعرج وجه إلى المنذر بن ماء السماء مئة فارس، فيهم الشاعر "لبيد بن ربيعة"، وأمره عليهم، فصاروا إلى عسكر المنذر، وأظهروا أنهم أتوه داخلين في طاعته، فلما تمكنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم فقتل أكثرهم ونجا لبيد، حتى أتى ملك غسان، فأخبره الخبر، فحمل الغسانيون على عسكر المنذر فهزموهم. وهو يوم حليمة. وكانت حليمة بنت ملك غسان. وكانت طيبت هؤلاء الفتيان حين توجهوا وألبستهم الأكفان والدروع وبرانس الأضريج"٤.
وقد جعل بعض الأخباريين عين اباغ "ذات الخيار"٥، ويفيد قولهم هذا أن عين أباغ هو موضع يقع في منطقة تسمى ذات الخيار "الحيار"، ويرى "نولدكه" أن موضع "الحياران" الوراد في معلقة "الحارث" هو أيضًا هذا
стр. 1647
المكان١. وللتثبت من هذا القول، لا بد من الوقوف على موضع ذات الخيار "الحيار" و"الحياران". وقد ذكر ياقوت الحموي أن الحيار صقع من برية قنسرين، كان الولد بن عبد الملك أقطعه القعقاع بن خليد بينه وبين حلب يومان٢.
وهذا الوصف لموقع الحيار ينطبق على ما رواه المؤرخون السريان عن موضع مقتل المنذر كما يوافق رأي من جعل عين أباغ ذات الخيار.
وممن ذهب هذا المذهب، "أبو الفداء"، فقال في حديثه عن "يوم عين أباغ"، "ومن أيام العرب يوم عين أباغ، وكان بين غسان ولخم، وكان قائد غسان الحارث الذي طلب أدراع امرئ القيس، وقيل: غيره. وكان قائد لخم المنذر بن ماء السماء. وقتل المنذر في هذا اليوم، وانهزمت لخم، وتبعهم غسان إلى الحيرة، وأكثروا بينهم القتل. وعين أباغ في موضع يقال له ذات الخيار"٣.
وذكر ابن عبد ربه المتوفي سنة ٣٢٨هـ أن القتيل في يوم عين أباغ هو المنذر ابن ماء السماء وهو الذي تولى ملك الحيرة بعد قابوس وقبل النعمان بن المنذر، الذي قربه "عدي بن زيد العبادي" إلى كسرى. وأما القاتل، فهو الحارث الغساني٤. ومرد أمثال هذا الاختلاف في أسماء الملوك في الروايات، إلى تشابه الأسماء إذ يصعب على الرواة، وهم يعتمدون في رواياتهم على الحفظ، أن يميزوا بعد مدة بين أمثال هذه الأسماء، فيحدث لهم مثل هذا الاضطراب.
ونجد هذا الرأي عند "النويري" كذلك، إذ جعله أيضًا والد "النعمان" الملك الأخير من ملوك الحيرة، والذي قتله كسرى كما سنرى فيما بعد٥.
والنويري هو عيال على "ابن عبد ربه" في كثير من الأخبار، ولا سيما أخبار الأيام.
стр. 1648
ويتبين من غربلة الأخبار الواردة عن "يوم أباغ"، "يوم عين أباغ" أن من الأخباريين من يرى أن يوم عين أباغ ويوم حليمة، هما يوم واحد، ولا فرق بينهما، وقالوا إنما عرف ذلك اليوم بـ "يوم حليمة"، لبروز اسم "حليمة" فيه، وهي بنت ملك غسان، تخلق المحاربين وتحثهم على القتال. وأن من الأخباريين من جعل "يوم حليمة" يومًا آخر مغايرًا ليوم عين أباغ، ثم اختلفوا فيه، فمنهم من جعله قبل يوم عين أباغ، ومنهم من جعله بعده. وقد ذكروا أنه كان يومًا عظيمًا، اشترك فيه عدد كبير من المقاتلين، "وعظم الغبار حتى قيل: أن الشمس قد انحجبت وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس"١. وهذا مما يدل على اشتراك عدد كبير من المقاتلين فيه. وممن ذهب إلى أن "يوم حليمة" هو يوم آخر "ابن الأثير"، وقد جعله بعد "يوم عين أباغ". وقال: أنه وقع في موضع يعرف بـ "مرج حليمة"، وسببه أن المنذر لما قتل أراد ابنه "الأسود" الأخذ بالثأر، فسار في جيش لجب، والتقى بجيش "الحارث" في "مرج حليمة". ولما طالت الحرب، أمر الحارث ابنته "هند" بأن تخلق فتيان غسان، ونادى فتيان غسان: من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هند فقال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه: يا أبي أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول، ثم ركب فرسه، وشد على الأسود، فقتله، وانهزمت لخم ثانية، وقتلوا في كل وجه. وانصرفت غسان بأحسن ظفر في تفاصيل أخرى لا مجال لشرحها هنا٢.
فيتبين من خبر "ابن الأثير" هذا أن الموضع الذي وقع فيه القتال اسمه "مرج حليمة"، وأن اسم ابنة الحارث هو "هند" لا حليمة، وأن المقتول فيه هو "الأسود" لا المنذر، وأن هذا اليوم قد وقع بعد "يوم عين أباغ".
وفي رواية أن الغساسنة تمكنوا في المعركة التي سقط فيها المنذر من أسر أحد أبنائه وهو امرؤ القيس، وبقي في أسرهم على أن أغارت بكر بن وائل على بعض بوادي الشام، فقتلوا ملكًا من ملوك غسان، واستنقذوا امرأ القيس بن المنذر، وأخذ عمرو بن هند بنتًا لذلك الملك يقال لها ميسون٣. وقد ذهب "كوسان دي برسفال" إلى أن هذه الغارة كانت بقيادة أحد أبناء المنذر القتيل، وأنها
стр. 1649
كانت عارة انتقامية وقعت بعد المعركة التي سقط فيها ابن ماء السماء١. وقد أشار الحارث بن حلزة إلى ذلك في شعره مفتخرًا:
وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعد ما طال حبسه والعناء
وقد زعم الشراح أن امرأ القيس هذا كان معروفًا بماء السماء٢ أما الملك الغساني القتيل، فلم يشيروا إلى اسمه، وأشك في الذي رواه الأخباريون من أنه كان ملكًا. وأرى احتمال كونه أحد أبناء الملوك. واستعمال جملة "رب غسان"، هي من باب التفخيم للعمل الذي قامت به بكر.
وذكر بعض الرواة أن حجرًا الكندي، وهو في نظرهم حجر بن أم قطام، غزا امرأ القيس هذا، وكانت مع حجر جموع كثيرة من كندة، غير أن بكرًا التي كانت مع امرئ القيس قاتلته، وقتلت جنوده٣.
وذهب بعض الأخباريين إلى أن مقتل المنذر بن ماء السماء هو في يوم حليمة، قتله الحارث بن أبي شمر الغساني. وسبب تسمية ذلك اليوم بيوم حليمة أن حليمة ابنة الحارث كانت تخلق قومها وتحرضهم على القتال في ذلك اليوم. وذهب آخرون إلى أنه موضع٤.
وفي رواية تنسب إلى ابن الأعرابي أن بني تغلب حاربوا المنذر بن ماء السماء، ولكنهم غلبوا على أمرهم، فلحقوا بالشأم خوفًا منه. وبقوا هناك، فمر بهم عمرو بن أبي حجر الغساني في رواية، أبو الحارث بن أبي شمر الغساني في رواية أخرى، فلم يستقبلوه، فانزعج من ذلك، وتوعدهم، وأن عمرو بن كلثوم نهاه عن ذلك٥.
وقد روى بعض أهل الأخبار أبياتًا من الشعر، زعموا أن ابنة المنذر قالتها في رثاء والدها، ففي جملتها:
стр. 1650
وقالوا فارسًا منكم قتلنا ... فقلنا الرمح يكلف بالكريم
بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم١
وينسب إلى المنذر بناء الغريين في بعض الروايات، وكان السبب في ذلك كما يقول الأخباريون أنه كان له نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نضلة "مضلل" "خالد بن المضلل" والآخر عمرو بن مسعود" عمرو بن مسعود الأسدي"، فثملًا، فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه، فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان فدفنا حيين. فلما أصبح استدعاهما، فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك، وقصد حفرتهما، وأمر ببناء طربالين عليهما، وهما صومعتان، فقال المنذر: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري، لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، ويحسن في نعيمه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم. وقد ظل المنذر على عادته هذه إلى أن حدث له حادث، أظهر فيه رجل ظهر يوم بؤسه وفاءً عظيمًا، فعفا عنه، وترك تلك العادة وتنصر، وكان الرجل الذي بر بوعده فحضر بعد عام ليأخذه سيف الجلاد نصرانيًّا، ولذلك تنصر المنذر. وذكروا أنه لم يكن يتورع من ذبح أعز الناس عليه إذا ظهر له يوم بؤسه. فلما ظهر الشاعر الشهير عبيد بن الأبرص الأسدي، لم ينجه شعره من مصير ذلك اليوم٢. وذكروا أن الرجل كاد يسلمه سوء طالعه إلى يد الجلاد، هو حنظلة الطائي، وأنه ترهب بعد هذا وابتنى ديرًا له هو الدير المعروف بدير حنظلة. وأما الذي كفل ذلك الرجل حتى يعود بعد عام، فرجل من أشراف القوم هو شريك بن عمرو، وذكروا أيضًا أن حنظلة هذا هو عم أياس بن قبيصة الطائي ملك الحيرة٣.
стр. 1651
وورد في بعض الروايات أن "المنذر بن ماء السماء"، خرج في يوم بؤسه، وكان يومًا يركب فيه فلا يلقى أحدًا إلى قتله، فلقي في ذلك اليوم "جابر بن رألان" أحد "بني ثعل" ومعه صاحبان، فأخذتهم الخيل بالثوية، فأتى المنذر فقال: اقترعوا، فأيكم قرع، خليت سبيله، وقتلت الباقين. فاقترعوا فقرعهم جابر، فخلى سبيله، وقتل صاحبيه، فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال عز بز. ورووا في ذلك شعرًا نسبوه إلى جابر١.
ومن الأخباريين من نسب بناء الغريين إلى النعمان الثالث. ومنهم من نسبهما إلى جذيمة، وذهب آخرون إلى نسبة الغري إلى الحارث الغساني٢. ويرينا هذا الاختلاف مبلغ جهلهم بأصل الغريين.
وقد ذكر "النويري" أن الغريين أسطوانتان كانتا بظاهر الكوفة، بناهما "النعمان بن المنذر بن ماء السماء" على جاريتين كانتا قينتين تغنيان بين يديه، فماتتا، فأمر بدفنهما، وبنى عليهما الغريين. وذكر أيضًا أن "المنذر غزا الحارث ابن أبي شمر الغساني، وكان بينهما وقعة عين أباغ، وهي من أيام العرب المشهورة، فقتل للحارث ولدان، وقتل المنذر، وانهزمت جيوشه، فأخذ الحارث ولديه وجعلهما عدلين على بعير، وجعل المنذر فوقهما، وقال: ما العلاوة بدون العدلين؟ فذهبت مثلًا، ثم رحل إلى الحيرة، فانتهبها وحرقها، ودفن ابنيه بها، وبنى الغريين عليهما". وقد ذكر أن "المنصور" أمر بهدم أحدهما، لكنز توهم أنه تحتهما، فلم يجد شيئًا٣.
وهذا الذي يرويه أهل الأخبار عن سبب بناء الغريين، هو من القصص الذي ألفناه، وعودنا أصحاب الأخبار سماعه، فلا قيمة تأريخية له في نظرنا، وإن أكد لنا الأخباريون أو حاولوا التأكيد بأنه حق، وأنه أمر مسلم به وشائع معروف، وأن عبيدًا لقي حتفه لظهوره يوم بؤس المنذر أو النعمان. وقد يكون ذلك مسلمًا به عندهم، غير أننا لسنا من السذاجة بحيث نصدق بأمثال هذا القصص لمجرد أنه شائع معروف، فليس كل شائع معروف أمرًا صحيحًا يجب الأخذ به.
стр. 1652
ونحن لا نريد أن ننكر وجود الغريين، فليس إلى نكرانهما أو نكران "الغري" من سبيل. ولكننا كما قلت ننكر هذا القصص الذي يرويه الأخباريون عن هذين الغريين؛ لأنه قصص نشأ كما نشأ أمثاله عن جهل الناس أو أهل الأخبار بأصول الأشياء، فلما احتاجوا إلى معرفة الأسباب، أوجدت لهم مواهبهم هذا القصص الطريف، وهو أمر لم ينفرد به زمان دون زمان، فما زال الناس يبتدعون قصصًا ثم يروونه، ويتناقلونه على أنه شائع صحيح. مع أن تأريخ ابتداعه لا يبعد عن زماننا بكثير، وأهل الحي بهذا القصص عارفون.
أما أن الغريين حفرتان دفن في كل حفرة منهما رجل حي؛ لأنه عربد وسكر، وتحدث بكلام غاظ الملك، وما أشبه ذلك من قصص، فأمر لا نستطيع أن نقف منه موقفًا إيجابيًّا، ولا نسلم به. ففيه شيء من أثر الصنعة والتكلف، ولكننا نستطيع أن نقول أن الغري أو الغريين من المواضع التي كانت لها صلة بعبادة الأوثان، ومن الجائز أنهما كانا مخصصين لتقديم الذبائح والقرابين في المواسم الدينية وفي الأعياد. وقد عرفت مثل هذه العادات عند شعوب أخرى، فكانت تهرق دماء الذبائح عند الأنصاب ثم تطلى بها، وما الغريان إلا نصبان من هذه الأنصاب. على أن الأخباريين أنفسهم قد ذكروا أن الغري نصب كان يذبح عليه العتائر، كما ذكروا أن الغريين كانا طربالين، والطربال صومعة على رأي، وشيء مرتفع عند الأكثرين١. فلا يستبعد أن يكون الغريان موضعين من مواضع ذبح القرابين للأصنام.
ويذكر أهل الأخبار أن "شريك من مطر"، وهو جد "معن بن زايدة"، كان من أكبر الناس عند المنذر. وكان له ولد اسمه "الحارث" ويلقب بـ "الحوفزان" وهو من بني "شيبان"٢.
стр. 1653
الفصل الثامن والثلاثون: عمرو بن هند
مدخل
...
الفصل الثامن والثلاثون: عمرو بن هند
والذي خلف المنذر على ملك الحيرة بعد وفاته، هو ابنه عمرو بن هند المعروف بـ "مضرط الحجارة"، وهو لقب يشير بالطبع إلى قوة ابن هند وشدة بأسه، وقد عرف عمرو بأمه "هند بنت عمرو بن حجر الكندي آكل المرار"، فهو كندي من جهة أمه، وعرف أيضًا بـ "محرق الثاني" على رواية حمزة١، وبـ "المحرق" في رواية لغيره٢. وقد كان له من الأشقاء من أمه: قابوس والمنذر.
ويرى بعض الباحثين احتمال كون "هند" من "آل غسان"، وإليها ينسب دير هند. ويرى أن حكم ابنها عمرو كان فيما بين السنة "٥٥٤" والسنة "٥٦٩م".
وزعم ابن الأثير أن الذي تولى الملك بعد المنذر بن ماء السماء هو ابنه المنذر ابن المنذر بن ماء السماء المعروف بـ "الأسود"، وأنه لما استقر الأسود وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالبًا بثأر أبيه، ونزل برج حليمة، ووصل الحارث إلى هذا الموضع كذلك، واقتتل الطرفان أيامًا ولم ينتهيا إلى
стр. 1654
نتيجة. فلما رأى الحارث طول الوقت، نادى في فتيان غسان: "يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هندًا". فلما سمع ذلك لبيد بن عمرو الغساني، شد على الأسود فقتله، وانهزم أصحابه، فنزل لبيد واجتز رأس الأسود، وأقبل به إلى الحارث، فألقى الرأس بين يديه، فوافق الحارث على إعطاء لبيد ابنته، ثم إن لبيدًا انصرف ليواسي أصحابه، فرأى أخًا للأسود يقاتل الناس، فتقدم لبيد فقاتل فقتل، ولم يقتل في هذه الحرب بعد تلك الهزيمة غيره. وانهزمت لخم ثانية، وكثر فيها القتل. وذكر الأخباريون أن هذا اليوم هو من أيام العرب الكبرى إذ سار الأسود بجمع من عنده من عرب العراق، وأقبل الحارث بجميع من كان عنده من عرب الشأم. فجعلت هذه الرواية بعد المنذر ابنه المنذر الأسود وجعلته صاحب مرج حليمة١.
وتذكر رواية أن جيش الحارث الأعرج بن جبلة أسر كثيرًا ممن كان مع المنذر من العرب، وفيهم مئة من تميم، فيهم شأس بن عبدة. ولما سمع أخوه علقمة، وفد إلى الحارث مستشفعًا وأنشده قصيدة مدح طويلة، فمن عليه، وأطلق له الأسرى من تميم، وكساه وحباه٢.
وهناك رواية أخرى عن مقتل المنذر بن المنذر، خلاصتها: أن الحارث بن أبي شمر جبلة بن الحارث الأعرج خطب إلى المنذر ابنته هندًا، وقصد انقطاع الحرب بين لخم وغسان فوافق المنذر على ذلك. غير أن هندًا أبت عليه ذلك، فحقد الحارث على آل لخم. فلما خرج المنذر غازيًا، بعث الحارث جيشًا إلى الحيرة، فانتهبها وأحرقها، فانصرف المنذر عن غزاته وسار يريد غسان. وبلغ الخبر الحارث، فجمع أصحابه وقومه، فسار بهم، فتوافقوا في عين أباغ. فاصطفوا للقتال، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وحلمت ميمنة المنذر على ميسرة الحارث وفيها ابنه، فتقلوه وانهزمت الميسرة. وحملت ميمنة الحارث على ميسرة المنذر، فانهزم من بها وقتل مقدمها "فروة بن مسعود بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان"، وحملت غسان من القلب على المنذر فقتلوه، وانهزم أصاحبه في كل وجه، وقتل منهم خلق كثير، منهم ناس من بني تميم، ومن بني حنظلة،
стр. 1655
٢٤١
ووقع عدد في الأسر، ومن هؤلاء الأسرى: "شأس بن عبدة" شقيق علقمة ابن عبدة من شعراء الجاهلية المعروفين. فالقتيل في هذه المعركة وعلى هذه الرواية إذن هو المنذر بن المنذر بن ماء السماء، لا المنذر بن ماء السماء.
وقد تشكى ابن الأثير كما تشكى قبله حمزة من اختلاف الأخباريين في الروايات، ومن تضارب الروايات بعضها ببعض، ومن تقديم الأيام وتأخيرها، وفي الشخص المقتول، فذكر أن من الأخباريين من يقول أن يوم حليمة هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن ماء السماء، ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر، ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحدًا، فيقول لم يقتل إلا المنذر بن ماء السماء، وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة. وقيل أن المقتول من ملوك الحيرة غيرهما. وقد رجح ابن الأثير رواية القائلين أن المقتول هو المنذر بن ماء السماء، ورجح أيضًا رواية من يقول إن المنذر بن المنذر لم يقتل، وإنما مات حتف أنفه١.
ويذكر أن "علقمة بن عبدة" الشاعر الجاهلي، ذهب إلى الحارث، فمدحه بقصيدة شهيرة، رجاء استعطاف الملك، ليمن عليه بالعفو عن أخيه، فيفكه من أسره، فاستحسن الملك شعره وفرح به، ومن عليه بفك أسره، وبفك أسر جميع من وقع من قومه في الأسر. فلما عادوا إلى ديارهم، أعطوا شأسًا أموالًا وأكسيةً وإبلًا، فحصل من ذلك له مال كثير٢.
وفي يوم "حليمة" ورد المثل. "ما يوم حليمة بسر"٣.
أعود بعد الكلام على "المنذر بن المنذر" إلى الحديث عن عمرو بن هند شقيقه، فأقول: يظهر من هذه الروايات المذكورة عنه، ومن هذا الشعر الوارد اسمه فيه، أنه كان رجلًا سريع الانفعال، يتألم بسرعة مما يقال له، ولذلك حدثت له مشكلات عديدة لم تكن لتحدث لولا هذا الحس المرهف عنده، الذي جعله عرضة لهجو الشعراء، والشعراء ألسنة الناس وأبواق الدعاية في ذلك العهد، وقصته مع طرفة بن العبد والمتلمس معروفة مشهورة٤.
стр. 1656
ويصفه أهل الأخبار بالشدة والصرامة، بل جعلوه شريرًا، وزعموا أنه كان له يوم بؤس ويوم نعيم، فيوم يركب في صيده يقتل أول من لقي، ويوم يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له، فكان هذا دهره١. وقالوا: إنه كان لا يبتسم ولا يضحك. وكانت العرب تسميه "مضرط الحجارة" لشدة ملكه، وكانوا يهابونه هيبة شديدة، وكان عاتيًا جبارًا ويسمى محرقًا أيضًا؛ لأنه حرق بني تميم، وقيل: بل حرق نخل اليمامة٢.
وقد وصف الشاعر "الرهاب العجلي" الملك "عمرو بن هند" بأنه ملك "يعتدي ويجور" وذلك في معرض وصفه للسدير٣. وقد أصحبت الحيرة موئل الشعراء في أيام عمرو بن هند، فلأكثر مشاهير الشعراء الجاهليين خبر مع هذا الملك، كانوا يحضرون إليه من أماكن نائية لإنشاده شعرهم ولنيل جوائزه، ولم تكن مجالسه لتخلو من منافسة الشعراء بعضهم لبعض، ومن نقد بعضهم شعر بعض، كالذي حدث بين طرفة والمسيب بن علس على ما يذكره الأخباريون٤. وقد كانت لمثل هذه المنافسات أهمية كبيرة في مجتمع ذلك اليوم، لما كان لها من أثر في نفوس القبائل، وطالما أدت إلى غضب القبائل وغضب الملك نفسه، وغضب الشعراء على منافسيهم وعلى الملك، لاعتقادهم بتحزبه لأحد الخصمين.
وذكر بعض الرواة أن سبب هجاء "طرفة" عمرو بن هند أن عمرو بن هند كان يتباطأ في مجلسه في استقبال الناس. فإذا جلس لشرابه، أخذ الناس بالوقوف على بابه حتى ينتهي من مجلس أنسه، فيسمح عندئذ لذوي الحاجات بالدخول عليه، كما كان يصرف وقته بالتلهي بالصيد والقنص، مما جعل وقته
стр. 1657
يضيق عن استقبال الناس، فصاروا يتكالبون على بابه ليجدوا وقتًا يدخلون فيه عليه، فاستاء طرفة من هذه المعاملة. وقال شعرًا يهجوه فيه، كان في جملة ما جاء فيه.
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثًا حول قبتنا تخور
لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذلك الحكم يقصد أو يجور
فبلغ الشعر "عمرو بن هند"، أبلغه إياه "عبد عمرو"، وكان من سادات الناس في زمانه، وكان زوج أخت "طرفة"، وقد هجاه "طرفة" أيضًا. فلما أنشد "عمرو بن هند" هجاء طرفة له على سبيل المزاح والاستخفاف بشأنه، قال له "عبد عمرو": أبيت اللعن! ومما قال فيك أشد مما قال في فأنشده الأبيات. فقال عمرو بن هند: أو قد بلغ من أمره أن يقول في مثل هذا الشعر. فكتب إلى رجل من عبد القيس بالبحرين، وهو المعلى ليقتله. فقال له بعض جلسائه: إنك إن قتلت طرفة، هجاك المتلمس وهو رجل مسن مجرب، وكان حليف طرفة، وكان من بني ضبيعة. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس فكتب لهما إلى عامله بالبحرين ليقتلهما، وأعطاهما هدية من عنده وحملهما، وقال١: قد كتبت لكما بحباء، فأقبلا حتى نزلا الحيرة، وارتاب المتلمس بأمر الصحيفة واستقبال عمرو لهما، ففك ختمها وعرضها على غلام من أهل الحيرة، فقرأها، فإذا فيها أمر بقتله، فأخذ الصحيفة فقذفها في البحيرة وقال:
وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك ألقي كل رأي مضلل
وأشار على طرفة بفك خاتم صحيفته أيضًا ليقرأها له، ولكنه أبى، وذهب إلى صاحب البحرين، فوجد هناك نهايته في قصص منمق محبر يرويه أهل الأخبار٢.
стр. 1658
ويذكر بعض أهل الأخبار أن قبر طرفة بهجر، وهو معروف هناك١.
وللشاعر "طرفة بن العبد" شعر يعاتب به "عمرو بن هند"، ويحرضه فيه على الطلب بحق أخيه "معبد"، الذي أغير على إبل له، وكانت في جوار "عمرو بن هند" فانتهبت. ويقول فيه: نحن في طاعتك، ومضر في طاعتك، فما بالنا أغير علينا، وكلنا ندين لك٢.
ولطرفة شعر في هجاء "قابوس" كذلك، ونرى بعض الأخباريين ينسبون إليه يومين: يومًا يصيد فيه، ويومًا يشرب فيه، فيقف الناس ببابه حتى يأذن لهم بالدخول إليه، ولذلك سئم منه طرفة فهجاه وهجا عمرو بن هند شقيقه معه٣. وينسب بعض أهل الأخبار هذه القصة إلى عمرو بن هند.
ويتبين من حديث الأخباريين عن صحيفة المتلمس، ومن قصة نهاية طرفة في البحرين، أن البحرين كانت تابعة في ذلك العهد لملك الحيرة، وأن حاكمها كان عاملًا لعمرو بن هند٤. وقد ورد في رواية أن اسم عامل عمرو بن هند هو "أبو كرب ربيعة بن الحرث"، وهو من ذوي قرابة "طرفة" فلما علم بخبر "طرفة" لم يقتله، وكتب إلى "عمرو بن هند" أنه لن يقتله، وقد اعتزل عمله٥. فعين عمرو عاملًا آخر مكانه اسمه في بعض الروايات "عبد هند". وتقول رواية أخرى أن قاتل طرفة هو "المكعبر" عامل البحرين، قتله بكتاب عمرو بن هند٦. وكان "المكعبر" عامل عمرو بن هند على عمان والبحرين على رواية هؤلاء الرواة٧. وتزعم رواية أخرى أن الذي قتله رجل من "الحواثر"
стр. 1659
اسمه "التربيع بن حوثرة" "أبو ريشة" "أبو رائشة الحوثري" وكان "عمرو بن هند" قد اختاره وعينه على البحرين: حين همت "بكر بن وائل" بعامل "عمرو بن هند". وتزعم رواية أخرى، أن قاتله هو "المعلي بن حنش العبدي" وأن الذي تولى قتله بيده هو "معاوية بن مرة الأيفلي" من "حي صسم وجديس"١.
وفر المتلمس إلى بلاد الشأم حيث الغساسنة أعداء المناذرة، وصار يمدحهم ويهجو عمرو بن هند، واستقر بـ "بصرى" إلى أن هلك. وقد خلف ولدًا اسمه "عبد المنان". وهناك قصص عن كيفية عودته إلى زوجته، وعن وصوله إليها ساعة عقد قرانها لرجل جديد في كنيسة، لظن أهلها أنه كان قد مات٢.
وقد سخر "المتلمس" في أشعاره من "عمرو بن هند"، وأقذع في هجائه حتى قال فيه:
ملك النهار فأنت الليل مومسة ... ماء الرجال على فخذيك كالقرس
ووصفه فقال: إنه "أخنس الأنف"، وأن أضراسه كالعدس، إلى غير ذلك من هجاء مر شديد.
وأود أن أبين أن من الرواة من ينسب هذا الهجاء إلى شاعر آخر، قالوا إن اسمه "عبد عمرو بن عمارة"، وذكروا أنه قاله في هجاء "الأبيرد الغساني"٣.
ويظهر من رسالة الغفران، أن للناس أقاويل في مقتل "طرفة"، ورد فيها:
стр. 1660
"ولقد كثرت في أمرك أقاويل الناس: فمنهم من يزعم أنك في ملك النعمان اعتقلت، وقال قوم: بل الذي فعل به ما فعل عمرو بن هند"١.
وتطرق "الشريف المرتضى" في أماليه إلى موضوع قتل "عمرو بن هند" لطرفة، فذكر أن عامل البحرين يومئذ هو "المعلى بن حنش العبدي" وذهب إلى احتمال كون قاتل "طرفة" هو "النعمان بن المنذر"، استدل على ذلك بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورًا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
قال: "وأبو المنذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان"٢.
هذا وللمتلمس أشعار في هجاء "عمرو بن هند"، وقد ظل يهجوه إلى أن توفي وهو في الغربة في بلاد الشأم. وفي جملة ما قاله فيه.
أطردتني حذر الهجاء ولا ... والله والأنصاب لا تئل
فهو يعيره بأنه إنما أبعده عنه وطرده؛ لأنه كان يهجوه؛ ولأنه كان يحذر هجاءه ويقول في أبيات أخرى.
ألك السدير وبارق ... ومرابض ولك الخورنق
والقصر ذو الشرفات من ... سداد والنخل المسبق
فلئن تعشق فلتبلغن ... أرماحنا منك المخنق٣
وللشاعر "سويد بن خذاق" شعر في هجاء "عمرو بن هند"، وهو أخو الشاعر "يزيد بن خذاق"، وهما من "عبد القيس". وذكر أن "يزيد بن
стр. 1661
خذاق"، كان أول من ذم الدنيا في شعر١. وفي جملة ما قاله "سويد" في هجاء "عمرو بن هند"، قوله:
أبى القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور
و"المنخل اليشكري" من معاصري "عمرو بن هند" كذلك. وكان يشبب بـ "هند" أخت "عمرو بن هند"، واتهم بامرأة لعمرو بن هند، فقتله على رواية٢. وذكر أنه اتهم بالمتجردة امرأة النعمان بن المنذر، وأنه كان ينادم النعمان، وهو الذي أوقع فيما بينه وبين النابغة لحقده عليه، حتى سبب في فرار النابغة إلى "آل غسان" ليخلص نفسه من غضب النعمان عليه٣، ومعنى هذا أن "عمرو بن هند" لم يقتله بل عاش إلى أيام النعمان.
وقد مدح "المثقب العبدي" "عمرو بن هند" وكان في زمانه، بقوله:
غلبت ملوك الناس بالحزم والنهى ... وأنت الفتى في سورة المجد ترتقي
ونجب به من آل نصر سميدع ... أغر كلون الهندواني رونق
ونعته بالحلم والرزانة "والحلم الرزين"، وبالفعلات٤.
وقد عد "ابن قتيبة" الشعراء الذين عاصروا "عمرو بن هند" من قدماء شعراء الجاهلية. فلما تحدث عن الشاعرين "سويد" و"يزيد"، قال: "وهما قديمان كانا في زمن عمرو بن هند"٥. ولما تحدث عن "المثقب العبدي" قال عنه": "وهو قديم جاهلي. كان في زمن عمرو بن هند"٦. وعد "المنخل اليشكري" من قدماء الشعراء الجاهليين، فقال عنه "وهو قديم جاهلي"٧.
стр. 1662
ويجب أن نتذكر أن الشاعر "امرؤ القيس" كان أيضًا من معاصري "عمرو بن هند"، وهو شاعر جاهلي قديم، في نظر علماء الشعر، فيكون زمن أقدم شعر جاهلي، وصل خبره إلينا، هو النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، أي في سنين لا تبتعد كثيرًا عن زمن ميلاد الرسول، كما سأتحدث عن ذلك في القسم الخاص بالناحية الثقافية للعرب قبل الإسلام.
وورد في إحدى قصائد الأعشى ما يفيد اتساع ملك عمرو بن هند وجباية كل ما بين عمان و"ملح" له١. ويذكر بعض الرواة أن المراد بـ "عمان" هنا "عمان" بلاد الشأم، وأما "ملح" ففي اليمامة من بلاد بني جعدة٢.
ويذكر بعض الأخباريين أن عمرو بن هند كان على "بقة" يدير أعمالها في أيام أبيه المنذر، وإليه لجأ امرؤ القيس الشاعر المعروف مستجيرًا به؛ لأنه كان ابن عمته، فأجاره، ومكث عنده زمانًا. فلما سمع به المنذر، وكان يتعقبه، طلبه من ابنه، فأنذره عمرو، فهرب حتى أتى حمير مستجيرًا٣.
وقد نسب إلى ابن هند غزوة غزا بها تغلب، فقيل: طلب "عمرو" من بني تغلب، حينما تولى الملك مساعدته على أخذ الثأر من بني غسان قتلة أبيه، وكانوا انحازوا عنه، وطلب منهم الرجوع إلى طاعته والغزو معه، فأبوا، وقالوا: مالنا نغزو معك. نحن رعاء لك فغضب عمرو بن هند، وجمع الجموع. فلما تهيأت، كان أول عمل قام به غزو تغلب، فأوجعهم وآذاهم، انتقامًا منهم، لامتناعهم عن نصرته ومعاضدته٤. وقد أشار إلى هذا الحادث "الحارث بن حلزه اليشكري"٥ الشاعر الجاهلي أحد أصحاب المعلقات.
ويذكر أهل الأخبار أن "الحارث بن حلزة" حضر مجلس "عمرو بن هند"،
стр. 1663
وأنشده معلقته، أنشده إياها من وراء سبعة ستور، وذلك لبرص به. وكان الملك يأمر بعد خروج "الحارث" بغسل أثره بالماء، كما يفعل بسائر البرص. فلما أنشده قصيدته هذه، طرب لها الملك كثيرًا، فأمر برفع الستور من بينهما، وأدناه منه، وأطعمه في جفنته، وأمر أن لا ينضح أثره بالماء، ثم جز نواصي البكريين السبعين الذين كانوا رهنًا عنده وسلمها إليه١، تعظيمًا لشأنه، وتقديرًا له ولقومه اليشكريين.
وقد حرض "الحارث" في قصيدته تلك الملك على التغلبيين، وسرد حوادث تأريخية لها علاقة في هذا التعريض مما هاج الملك، وراد في حدة غضبه عليهم.
ذكره بالأراقم، وهم بطون من تغلب، وصورهم كأنهم أناس عزموا على الاعتداء على قومه انتقامًا منهم، لوقائع وقعت بينهم وبين قومه ما بين "ملحة فالصاقب"، حيث ثأر قومه بقتلاهم. أما تغلب، فلم تثأر بقتلاهم، ثم ذكر التغلبيين خصومه، بأن قومه أناس أشداء في الحروب، يعتمدون في القتال على أنفسهم، ولا يركنون إلى أحد، ساروا من البحرين سيرًا شديدًا، حتى بلغوا "الأحساء"، طووا المسيرة سيرًا وإغارة على القبائل، ثم لم يكتفوا بذلك، فأغاروا على "تميم" فلما دخل الشهر الحرام، كفوا عن القتال، حرمةً له، وعندهم سبابا من بنات القبائل صرن إماءً لهم. ثم ذكر الملك بامتناع "تغلب" من الانضمام إليه للحرب معه، على حين نصره قومه، وحاربوا معه. وكيف غلبوا على أمرهم، غلبهم الملك. وكيف ذهبت دماء تغلب هدرًا، لم يؤخذ بثأرها وهو لا يترك قومه دماؤهم هدرًا، إذ يأخذون بالثأر من قتلة قتلاهم. ثم انتقل إلى يوم "الشقيقة"، حيث جاءت "معد"، ولكل حي منها لواء حول "قيس بن معد يكرب" من ملوك حمير، وبين كيف أن قومه تعرضوا لقيس ولمن معهم، حتى ردهم بطعن خرج به الدم من جروحهم خروج الماء من أفواه القرب، ثم انتقل إلى وصف قتالهم مع "حجر بن أم قطام"، وكانت له كتيبة فارسية خضراء لما ركب دروع الكتيبة، وجلا صدأها، ثم حدث عن كيفية فكهم غل "امرئ القيس" من حبسه بعد أن طال حبسه ونال منه العناء٢.
стр. 1664
وتعرض لذكر "الجون: جون آل بني الأوس" ومعه كتيبة شديدة العناد. ولت الأدبار بعد قتالها مع "بني يشكر" قومه. ثم تعرض لقتالهم مع الغساسنة انتقامًا منهم، لقتلهم "المنذر" والد "عمرو بن هند" وأسرهم تسعة من الملوك. وأخذهم أسلابهم منهم، وأسلابهم غالية الأثمان، لعظم أخطارهم وجلالة أقدارهم. ثم انتقل إلى ذكر يوم "ذي المجاز" وكيف جمع "عمرو بن هند" بني "بكر"
و"تغلب" وأصلح بينهما، وأخذ منهما الوثائق والرهون، وكتب العهد بينهما بوجوب الوفاء بما اتفق عليه في هذا اليوم، ثم أخذ يعيرهم ويذكر هزائمهم التي ألحقتها "كندة" و"إياد" و"تميم" و"بنو حنيفة" و"قضاعة" وقبائل أخرى بهم، ويتهمهم بخرق العهد والمواثيق وبالغدر. وقد جاءت هذه القصيدة معبرة عن حقد "عمرو" على التغلبيين وعن غضبه عليهم لمقاومتهم له.
وغزا عمرو بن هند طيئًا، بتحريض زرارة بن عدس بن عبد الله بن دارم الحنظلي إياه على غزوها، ويقول أهل الأخبار أن عمرو بن هند امتنع في بادئ الأمر عن غزو طيء، لوجود حلف بينه وبينهم، غير أن زرارة ألح عليه بغزوهم، فغزاهم وأخذ أسرى منهم١.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن عمرو بن هند كان قد عاقد طيئًا ألا ينازعوا ولا يغزوا ولا يفاخروا. ثم غزا اليمامة، فرجع منفضًّا، فمر بطيء، فحرضه زرارة عليهم، ولم يزل به يحرضه ويغريه بالغنائم، حتى غزا طيئًا، وأسر من بني عدي رهط حاتم الطائي سبعين رجلًا، وفيهم قيس بن جحدر ابن خالة حاتم الطائي، وحاتم يومئذ بالحيرة. فلما بلغ عمرو بن هند الحيرة، توسط "حاتم" لديه في فك الأسرى فوهبهم له٢.
وغزا "عمرو بن هند" تميمًا فقتل من "بني دارم" مئة نفس انتقامًا منهم لقتلهم أخاه سعدًا أو ابنه مالكًا في رواية أخرى. وكان ذلك في يوم أوارة الثاني٣ "يوم أوارة الأخير". ويزعم الأخباريون أنه ألقى بالقتلى في النار، ولهذا السبب عرف بـ "المحرق" "محرق" "المحرق الثاني"٤. ولبعض الأخباريين تفاسير
стр. 1665
أخرى في منشأ هذا اللقب١، تحاول إيجاد مخرج لمعنى "محرق" التي ترد مقرونة بأسماء بعض ملوك "آل جفنة" و"آل لخم".
وفي كتب الأمثال مثل هو: "إن الشقي وافد البراجم"، زعم أصحاب الأخبار أن قائله هو الملك "عمرو بن هند" قاله يوم قتلت "البراجم" –وهم أحياء من "تميم": عمرو وقيس وغالب وكلفة وظليم، وهم "بنو حنظلة بن زيد مناة" تحالفوا على أن يكونوا كبراجم الأصابع في الاجتماع- شقيق "عمرو ابن هند"، فسار إليهم وآلى أن يحرق منهم مئة، فقتل تسعة وتسعين، وأحرق القتلى بالنار، فمر رجل من البراجم وراح رائحة حريق القتلى، فحسبه قتار الشواء، فمال إليه، فلما رآه عمرو قاله له: ممن أنت؟ قال: رجل من البراجم فقال: إن الشقي وافد البراجم. وأمر فقتل وألقي في النار، فبرت به يمينه٢.
وورد أن عمرًا بقي ينتظر وافدًا من البراجم ليلقي به في النار فيكمل بذلك العدد، حتى إذا طال انتظاره قيل له: لو تحللت بامرأة منهم، فدعا بامرأة منهم، فدعا بامرأة من بني نهشل بن دارم اسمها الحمراء بنت ضمرة بن جابر، فأمر بإلقائها في النار. فكمل بذلك العدد٣.
وكان سبب قتل أسعد أو سعد أخي عمرو بن هند أو ابنه مالك، أنه لما ترعرع مرت به ناقة كوماء سمينة، فرمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد أحد بني عبد الله بن دارم فقتله، ثم هرب سويد فلحق بمكة، واستجار بأهلها. فبلغ الخبر عمرو بن هند، وكان زرارة بن عدس التميمي عنده، فاغتاظ زرارة من هذا العمل، إذ كان الملك قد وضع "سعدًا" "أسعد" في بيته، وانتهز زعماء طيء هذه الفرصة وحرضوا عمرو بن هند على مهاجمة بني دارم قتلته للأخذ بثأرهم منه٤.
стр. 1666
وهناك رواية أخرى تنفي تحريق عمرو بن هند للمذكورين من بني دارم والرجل الآخر من البراجم، وترى أنهم قتلوا، قتلوا بأمر عمرو بن هند١.
وأوارة الموضع الذي أحرق فيه المذكورون من بني تميم، أو قتلوا فيه، هو اسم ماء أو جبل لبني تميم قيل أنه بناحية البحرين٢.
وكان "عمرو بن ملقط الطائي"، هو الذي أصاب "بني تميم" مع "عمرو ابن هند" يوم أوارة، فسأله فيهم فأطلقهم له، وكان وفادًا إلى الملوك٣.
والأعشى الشاعر ممن ذكر هذا اليوم في شعره. وعير الشاعر جرير الفرزدق بيوم أوارة٤.
وتذكر بعض الروايات عن يوم "أوارة" أن "عمرو بن ملقط الطائي"، هو الذي حرض "عمرو بن هند" على غزو بني دارم، وأنه شاركه في غزوهم. وقد أشير إلى ذلك في شعر للطرماح الطائي يفاخر به الفرزدق، وهو شاعر من بني تميم٥. وسبب ذلك أن طيئًا كانت تطلب عثرات زرارة وبني أبيه؛ لأنه كان قد حرض عمرو بن هند عليهم. فلما بلغهم ما صنعوا بأخي الملك، أنشأ "عمرو بن ملقط" شعرًا، بلغ عمرو بن هند، فتأثر به، وقرر السير على زرارة وقومه للانتقام منهم بقتلهم شقيقه٦.
ويفهم من بعض الرواة أن "يوم الشقيقة" كان قد وقع في عهد عمرو بن هند، إذ تذكر أن قومًا من شيبان جاؤوا مع قيس بن معد يكرب ومعهم جمع عظيم من أهل اليمن، وقصدوا إبلًا لعمرو بن هند، فردتهم بنو يشكر، وقتلوا فيهم، ولم يوصل إلى الإبل٧.
стр. 1667
وقد رأى بعض أهل الأخبار، استنادًا إلى قصيدة للنابغة مطلعها:
أتاركة تدللها قطامِ ... وضنًّا بالتحية والكلام
أن الذي قام بالغزو المذكور فيها هو "عمرو بن هند". وأن غزوه بلغ حتى جبال حمى١. غير أن الأبيات تدل على أن صاحب تلك الغزوة كان قد دوخ العراق، وأنه حارب قبائله، ولهذا لا يعقل أن يكون صاحبها عمرو بن هند، بل لا بد أن يكون ملكًا من آل غسان غزا العراق وإلى هذا الرأي ذهب المستشرق "نولدكه"٢.
وفي بعض الروايات أن عمرًا توسط بين بكر وتغلب ابني وائل فأصلح بينهما بعد حرب البسوس، وأخذ رهائن من كل حي من الحيين مئة غلام من أشرافهم، ليكف بعضهم عن بعض، فكانوا يصحبونه في السلم والحرب٣.
ويرى فريق آخر من الأخباريين أن الذي توسط لعقد الصلح بين القبيلتين هو المنذر بن ماء السماء٤.
وذكر أن أناسًا من تغلب جاؤوا إلى "بكر بن وائل" يستسقونهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم، فرجعوا عطاشًا، فمات سبعون منهم، فاجتمع بنو تغلب واستعدوا لملاقاة بكر ومحاربتهم، ثم خاف عقلاء الطرفين من عودة الحرب إلى ما كانت عليه، فتداعوا إلى الصلح، فتحاكموا إلى الملك "عمرو بن هند"، فطلب منهم سبعين رجلًا من أشراف وائل ليجعلهم في وثاق عنده، فإن كان الحق لبني تغلب، دفعوا إليهم ليأخذوا ثأرهم،
وإن لم يكن رجعوا سبيلهم، فجاءت تغلب وعلى رأسها عمرو بن كلثوم، وحل الخصومة عمرو بن هند٥.
وفي رواية يذكرها "ابن دريد": أن "بني الحارث بن مرة" قتلوا ابنًا
стр. 1668
لعمرو بن هند، فرهن "سيار بن عمرو" قوسه بألف بعير، وضمنها لملك من ملوك اليمن، فعرف لذلك بـ "ذي القوس"١. أما "السكري"، فذكر أن سيارًا ذا القوس، كان قد رهن قوسه على ألف بعير في قتل الحارث بن ظالم، من النعمان الأكبر٢.
ويفهم من الموارد الأعجمية أن عمرًا كان قد أغار على بلاد الشأم في سنة "٥٦٣م"، وكان على عربها الحارث بن جبلة٣. والظاهر أن الباعث على ذلك كان امتناع الروم عن دفع ما كانوا يدفعونه سابقًا لعرب الفرس مقابل إسكاتهم عن مهاجمة الحدود. فلما عقد الصلح بين الفرس والروم سنة "٥٦٢م"، وهدأت الأحوال، لم يدفعوا لابن هند ما تعودوا دفعه لوالده، فأثر امتناعهم هذا في نفسه، وطلب من الفرس مساعدته في ذلك. فلما طالت الوساطة، ولم تأت بنتيجة، هاجم تلك المنطقة، ثم أعاد الغارة في سنة "٥٦٦م" وسنة "٥٦٧م" على التوالي. وقام بهاتين الغارتين أخوه قابوس بأمر أخيه.
ويعزو "مينندر" "Manander" أسباب الغارة الأخيرة إلى سوء الأدب الذي أبداه الروم تجاه رسول ملك الحيرة الذي ذهب إلى القيصر "يوسطينوس" "Justinus" لمفاوضته على دفع المال٤. وكان الروم قد أرسلوا رسولين قبل ذلك إلى الفرس للبحث في هذا الموضوع، أحدهما اسمه بطرس، والآخر اسمه يوحنا، غير أنهما أنكرا للفرس حق ملك الحيرة في أخذ إتاوة سنوية من الروم. فلما عومل رسول ملك الحيرة معاملة غير لائقة قام قابوس شقيق عمرو بتلك الغارتين٥.
وتذكر رواية من روايات أهل الأخبار أن "عمرو بن هند" جعل أخاه "قابوس بن المنذر" على البادية، ولم يعط أخاه "عمرو بن أمامة" شيئًا، وكان مغاضبًا له، فخرج "عمرو" إلى اليمن، فأطاعته مراد، وأقبل بها يقودها نحو العراق، ولكنها ثارت عليه، ثار عليه المكشوح وهو "هبيرة بن يغوث" فلما أحيط به ضاربهم بسيفه حتى قتل٦.
стр. 1669
أما "أمامة" أم "عمرو بن أمامة"، فإنها "أمامة بنت سلمة بن الحارث الكندي" عم امرئ القيس١.
ويفهم من بعض الروايات أن عدي بن زيد العبادي كان من المقربين عند عمرو بن هند، وكان يصحبه مع من يصحبه من الرؤساء في الصيد٢.
وانتهت حياة عمرو بن هند بالقتل، وهو مسئول عن قتل نفسه إن صحت القصة. وخلاصتها: أن الغرور أخذ مأخذه من صاحبنا عمرو، وأراد يومًا أن يظهر فخره أمام الناس، فقال لجلسائه: هل تعلمون أن أحدًا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل أعز العرب وزوجها كلثوم وابنها عمرو، فسكت وأضمرها في نفسه، ثم بعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويأمره أن تزور أمه ليلى أم نفسه هند. فقدم عمرو مع أمه، فأنزلهما منزلًا حسنًا، ثم أمر بالطعام فقدم للحاضرين. وكان عمرو قد قال لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف، فنحي خدمك عنك، فإذا دنا الطرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها به ابنها. فصاحت ليلى عندئذ: وأذلاه يا آل تغلب! فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه، والقوم يشربون، وثار إلى سيف بن هند وهو معلق في السرادق، فأخذه وضرب به رأس مضرط الحجارة، ونادى في التغلبيين فأخذوا ما تمكنوا من أخذه، وعادوا من حيث أتوا٣. وهكذا جنى عمرو بن هند حصاد ما زرعه إن صحت الرواية. ويروي الرواة في تأييدها هذا المثل:
стр. 1670
"أفتك من عمرو بن كلثوم". كما افتخر بها الشعراء التغلبيون١.
ويقال إنّ أخا عمرو بن كلثوم: "مرة بن كلثوم"، هو قاتل "المنذر ابن النعمان بن المنذر". وفي ذلك يقول الأخطل:
ابني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
يعني بعميه عمرًا ومرة ابني كلثوم٢.
وذكر الشاعر "أفنون" واسمه "صريم بن معشر"، وهو من بني تغلب "عمرو بن هند" في شعر رواه "ابن قتيبة" على هذا النحو:
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... لتخدم أمي أمه بموفق٣
وفي هذا البيت إشارة إلى مقتل "عمرو بن هند"، بسبب أم الملك. وقد وقع فيه تحريف ولا شك، صير الأم التي طلبت منها أم عمرو بن هند خدمتها، أم الشاعر المذكور، بينما هي "ليلى" أم الشاعر "عمرو بن كلثوم"، قاتل عمرو بن هند. كما يرويه علماء الشعر على لسان "أفنون" أيضًا، ولكن على هذا الشكل:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق٤
"وعمرو بن كلثوم، هو القائل:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
стр. 1671
وكان قام بها خطيبًا فيما كان بينه وبين عمرو بن هند. وهي من جيد شعر العرب القديم وإحدى السبع، ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها، قال بعض الشعراء:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مسؤوم١
وإلى هند أم الملك ينسب دير هند الكبرى من أديرة الحيرة، وقد أرخ بناؤه في عهد خسرو أنو شروان وفي عهد الأسقف مار افرايم. وقد لقبت فيه بالملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو بن المنذر٢. وإذا صحت قراءة الأخباريين هذه، كان بناء هذا الدير في أيام ابنها عمرو.
وكان الملك من نصيب قابوس بن المنذر بعد وفاة عمرو بن هند أخي "قابوس" وأمه هند. أما المسعودي فجعل أمه بنت الحارث من آل معاوية بن معد يكرب٣. وقد ملك على رواية حمزة أربع سنين في زمان أنو شروان٤. وذكر حمزة أن من الأخباريين من قال إنه لم يملك. "وإنما سموه ملكًا؛ لأن أباه وأخاه كانا ملكين"، وقد وصفه بالضعف وباللين، ولذلك قيل له "فتنة العرس" و"قينة العرس" في بعض الروايات. وقد قتله رجل من يشكر، وسلب ما كان عنده وعليه٥.
وليس بصحيح ما زعمه حمزة نقلًا عن بعض الأخباريين من أن قابوسًا لم يكن ملكًا، وإنما قيل له ذلك؛ لأن أباه وأخاه كانا ملكين. فقد نعته "يوحنا الأفسوسي" "John Of Ephesus" في تأريخ الكنسي بـ "ملكًا" أي ملك، ويوحنا الأفسوسي من الرجال الذين عاشوا في القرن السادس للميلاد. وقد توفي سنة "٥٨٥م" تقريبًا. ولم يكن لينعته بـ "ملكًا" لو لم يكن قابوس ملكًا على الحيرة حقًّا٦.
стр. 1672
ويظهر أن الصورة التي رسمها الأخباريون لقابوس إنما حصلوا عليها من شعر الهجاء الذي قيل فيه، وأن ما أورده عنه من لين وضعف هو في حاجة إلى دليل، إذ يظهر من الموارد الأخرى مثل التواريخ السريانية أنه كان على العكس١. وقد يكون لتوليه الحكم، وهو رجل متقدم في السن، أصل في ذلك الهجاء. فالذي يظهر من أخباره أنه ولي الحكم وهو شيخ كبير. وأما اللقب الذي لقب به وهو قينة العرس، فقد انتزعه الأخباريون من شعر منسوب إلى طرفة هجا فيه عمرو بن هند وقابوسًا، وهو قوله:
يأت الذي لا تخاف سبته ... عمرو وقابوس قينتا عرس٢
وقد ذكر المؤرخ "مارسليانوس" "Marsilianus" رجلاً سماه "Chabus"، ذكره مع المنذر الثالث في حوادث سنة "٥٣٦م"٣. ويرى "روتشتاين" أن المراد به رجل آخر غير قابوس. فلو كان هو المقصود به كان قابوس إذن شيخًا هرمًا حين انتقل الملك إليه، ولكنه لا ينفي مع ذلك عدم جوازه٤ وقد أشرت إلى إرسال أخيه عمرو إليه في حملة انتقامية على عرب الشأم، وذلك في سنة "٥٦٦" وسنة "٥٦٧م".
ولما تولى قابوس الحكم، أغار على بلاد الشأم، وكان يحكم عرب الشأم المنذر بن الحارث بن جبلة إذ ذاك. وقد ذكر "ابن العبري" أن المنذر بن الحارث "منذر برحرت" كان نصرانيًّا وأن جنوده كانوا نصارى كذلك. ولم يشر إلى نصرانية قابوس. ويفهم من جملة ابن العبري "وقد أغار قابوس على العرب النصارى" ما يؤيد هذا الظن. وقد ظفر قابوس بغنائم عديدة أخذها وعاد بها غير أن المنذر جمع جيشه وسار يتعقبه. فلما التقى به، تغلب عليه، وأخذ منه أموالًا كثيرة وعددًا كبيرًا من الجمال. ولما أعاد قابوس الكرة، انهزم، فذهب إلى الفرس يلتمس منهم عونًا ومددًا٥. ويظهر من رواية أخرى أن انتصار المنذر على قابوس كان في سنة "٨٨١" من التقويم السلوقي وهي توافق سنة "٥٧٠" للميلاد٦.
стр. 1673
ويظهر من رواية لـ "يوحنا الأفسوسي" "John Of Ephesus" أن الملك قابوسًا انتهز الفرصة عند وفاة الحارث بن جبلة، فباغت الغساسنة بهجوم مفاجئ في عقر دارهم، فأسرع عندئذ المنذر بن الحارث وجمع جمعه، وفاجأه بهجوم مقابل لم يتمكن قابوس من الثبات له، فانهزم هزيمة منكرة بحيث لم ينج من أصحابه إلى القليل، وقد فر هو ومن سار معه من الناجين في اتجاه نهر الفرات تاركًا عددًا من الأمراء اللخميين أسرى في أيدي المنذر. غير أن المنذر سار في أثرهم حتى كان على ثلاث مراحل من الحيرة١، ويرى نولدكه أن هذه المعركة هي معركة عين أباغ٢
وبعد قليل من هذه الهزيمة جرب قابوس حظه مرة أخرى، غير أنه مني بخسارة جديدة، وكانت هذه الغارة حوالي سنة "٥٧٠م"٣.
وجرب قابوس حظه مرة أخرى منتهزًا فرصة القطيعة بين المنذر والقيصر "يسطينوس" "Justinus"، وهي قطيعة لا نعلم أسبابها على وجه التحقيق، وإنما يعزو ابن العبري سببها إلى مطالبة المنذر للقيصر بدفع مال إليه ليتمكن به إعداد جيش قوي منظم يستطيع الوقوف به أمام الفرس٤. فأغار على حدود الروم وتوغل في الأرضين التابعة لهم حتى وصل أتباعه إلى منطقة "أنطاكية"٥. وقد دامت تحرشات "عرب الفرس" بحدود الروم ثلاث سنين هي مدة القطيعة، حيث كان المنذر قد ذهب مع أتباعه إلى الصحراء فاحتمى فيها، ولم تنقطع هذه التحرشات إلا بعد مصالحة الروم له في الرصافة. حينئذ جمع المنذر أتباعه وفاجأ المناذرة بهجوم خاطف كابدت منه الحيرة الأمرين، وأطلق من كان في سجون الحيرة من أسرى الروم. وقد وقعت هذه المفاجأة حوالي سنة "٥٧٨م". ويظن "روتشتاين" أنها وقعت بعد وفاة قابوس في عهد المنذر الرابع أخي "قابوس" وخليفته في الملك٦.
وقد ذكر "البكري" بيتًا من الشعر لأبي دؤاد وردت فيه إشارة إلى غزوة
стр. 1674
غزاها قابوس عرفت بـ "يوم قحاد". ويظهر أن خصوم قابوس أخذوا بثأرهم من هذا اليوم بغزوة قاموا بها على تنوخ١.
ويفاجئنا بعض الأخباريين بذكر رجل يقال له "فيشهرت" أو "السهرب" أو "السهراب"، قالوا أنه هو الذي تولى الملك بعد قابوس٢. وقد جعل حمزة مدة حكمه سنة واحدة في أيام "كسرى أنو شروان"٣. ولم يشر الأخباريون إلى الأسباب التي أدت إلى تعيين هذا الرجل الغريب ملكًا على الحيرة دون سائر آل لخم، ومنهم المنذر أخو عمرو بن هند وقابوس، فلعل اضطرابًا حدث في المملكة أو نزاعًا وقع بين أولاد قابوس أو بين آل لخم أدى إلى تدخل الفرس فقرروا تعيين رجل غريب عن أهل الحيرة لأمد حتى تزول أسباب الخلاف، فقرروا تعيين واحد منهم. فلما زالت تلك المواقع، عين المنذر ملكًا على الحيرة وبذلك عاد الملك إلى آل لخم.
ويلاحظ أن بعض الأخباريين لم يذكروا اسم فيشهرت أو السهراب، بل ذكروا أن الملك انتقل إلى المنذر بعد وفاة أخيه قابوس٤. وذكر المسعودي في كتابه: مروج الذهب النعمان بن المنذر مباشرة بعد قابوس٥.
وإذا صحت رواية حمزة من أن حكم المنذر كان ثمانية أشهر في عهد "كسرى أنو شروان" وثلاث سنين وأربعة أشهر في أيام "هرمز بن كسرى"، فيجب أن يكون حكمه قد امتد من سنة "٥٧٩" حتى سنة "٥٨٣" للميلاد٦، تقريبًا؛ لأن نهاية حكم "أنو شروان" كانت في سنة "٥٧٩" للميلاد على رأي المؤرخين، وحكم "هرمز" من سنة "٥٧٩" حتى سنة "٥٩٠" للميلاد٧.
ويظهر من شعر منسوب إلى الشاعر "المرقش" أن "المنذر" كان ينقب عنه أي: يستقصي في طلبه، ولم يذكر سبب ذلك، ولعله كان قد هجاه، أو أن
стр. 1675
جماعة وشت به عنده، فصار يبحث عنه للإيقاع به. وقد طلب في شعره هذا من الملك المذكور أن يكف عن طلبه ويسكت عنه، وتمنى لو أنه في "الزج" وهو موضع، أو "بالشام ذات القرون". وذلك؛ لأن بلاد الشام بلاد كانت تحت حكم الروم، فليس للمنذر حكم عليها، فهو يكون بها في بلاد العدو بعيدًا عن المنذر. وذكر "ابن قتيبة" أن معنى "ذات القرون" الروم. وأراد قرون شعورهم١.
ويظهر من شعر لـ "سويد بن خذاق" أن "قابوس بن هند" وأخًا من إخوته لم يذكر الشاعر اسمه "غزوا قومه، وهم من عبد القيس، وانتصرا عليهم وأنزلا بهم خسارة فادحة، يوم العطيف: ففرقا القبائل، وكانت أحلافًا متحالفة، وشتتا الشمل، ودعا "الله" أن يجزيهما شر الجزاء بما فعلا، وأن يحبس لبن "لبون الملك"، فلا تدر عليه، جزاء وفاقًا لما قاما به نحو قومه٢.
أما الذي خلفه على الحيرة، فهو النعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس. وقد كناه بعض الشعراء بـ "أبي قبيس"٣. كما كناه بعضهم بـ "أبي منذر"٤. ويذكر أهل الأخبار أن الناس كانوا إذا دخلوا على النعمان أو كلموه، قالوا له: "أبيت اللعن". وذكر المسعودي: أنه "هو الذي يقال له: أبيت اللعن"٥.
أما أم النعمان، فهي "سلمى بنت وائل بن عطية بن كلب"، أو "سلمى بنت عطية"٦. وقد نسبها بعض الأخباريين إلى سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ. وقالوا إنها من فدك، وزادوا في ذلك أنها كانت أمة للحارث بن حصن بن ضمضم ابن عدي بن جناب من كلب من دومة الجندل٧. فهي بنت صائغ من فدك على رواية بعض، وأمة من دومة الجندل على رواية بعض آخر. وهي في كلتا الحالتين من طبقة وضيعة لا تليق بأسرة مالكة، ولعلها من أصل يهودي٨، إذ
стр. 1676
كان أكثر أهل فدك من اليهود. وكانوا يحترفون الحرف ومنها الصياغة. وقد دعي النعمان بأمه، فقيل له ابن سلمى في شعر الهجاء، وقصدهم من ذلك إهانته.
وقد تولى النعمان الثالث، وهو النعمان الذي نتحدث عنه، الحكم في حوالي السنة "٥٨٠" أو السنة "٥٨١" للميلاد، ودام حكمه حتى السنة "٦٠٢م"١.
والظاهر من وصف الأخباريين له أنه كان دميم الخلقة، فقالوا، إنه كان أحمر، أبرش، قصيرًا٢. وهذا مما قوى جانب خصومه في التهكم به، يضاف إلى ذلك أصل أمه، وقد أثر هذا النقص الذي لا يد له فيه، في نفسية النعمان، وفي سلوكه، ولا شك، فصيره سريع الغضب، أخاذًا بالوشايات، فوقع من أجل ذلك في مشكلات عديدة. وقد يكون تسرعه إلى تصديق ما قاله الواشون عن عدي بن زيد، وتأثره بأقوالهم من غير تحقيق ولا امتحان وقتله له، من جملة تلك العوامل التي أدت إلى هلاكه. وقد يكون اللقب الذي لقب به، وهو "الصعب"٣، وصفًا لتلك السجايا التي اتصف بها الملك، والتي تعبر عن عقدة "مركب النقص" التي كانت ملازمة له.
وقد كان لقبح النعمان ودمامته ولأصل أمه دخل ولا شك في تكوين الخلق العصبي فيه، فصار يهيج ويتأثر به، ويأخذ بأقوال الوشاة من غير تمحيص ولا تروٍّ، فنقمت منه الناس، وهجاه بعض الشعراء. أما إخوته وكانت عدتهم اثني عشر رجلًا عدا النعمان، فقد اشتهروا بالجمال والهيبة والوسامة، ولذلك نعتوا بالأشاهب، فوصفهم الأعشى بقوله:
وبنو المنذر الأشاهب بالحـ ... ـيرة يمشون غدوة بالسيوف٤
وقد أثرت شهرة أخوته بالأشاهب وبالوسامة في طبع النعمان المذكور، وزادت في عصبيته وفي حدة طبعه وفي تأثره بأقوال الناس.
ويظهر من وصف الشعراء وأهل الأخبار للنعمان أنه كان صاحب شراب، يحب
стр. 1677
الخمر ويجالس ندماءه ليشرب معهم، غير أن الخمر كانت تؤثر فيه وتستولي على عقله، فتدفعه إلى السكر والعربدة والتطاول على ندمائه، مما أزعج أصدقاءه وحولهم إلى خصوم وأعداء بسبب إهانات لحقت بهم منه في أثناء فقده وعيه وعدم تمكنه من حفظه اتزانه١.
وقد عبر الشاعر "لبيد بن ربيعة العامري" عن النعمان بـ "الصعب ذي القرنين" في شعره، مما يدل على أن لقب "الصعب" الذي لقبه به كان معروفًا شائعًا بين الناس٢. وقد يكون معبرًا عن معنى آخر غير معنى الصعوبة في الملك، كأن يكون إطلاقهم له من قبيل إطلاقهم لفظة "تبع" على من ملك من حمير. وأما "ذو القرنين" فقد قيل: إن القرنين هم الضفيرتان، وأن القرن الضفيرة. وقد دعي بذلك؛ لأنه كان قد ربى ضفيرتين٣.
وقد جاء في رواية أخرى أن "الصعب ذا القرنين" لم يكن النعمان المذكور كما ذهبت إليه الرواية المتقدمة، وإنما هو "المنذر بن ماء السماء، وأنه هو ذو القرنين"٤.
ويظهر من بيت الشعر الذي نتحدث عنه وهو:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويًا ... بالحنو في جدث، أميم، مقيم
إن "الصعب ذا القرنين" كان قد ثوى في قبره، فهو يرثيه ويذكره. وذهب الشراح إلى أن "الحنو" اسم بلد، ومعنى هذا أن الملك الذي يشير إليه "لبيد" قد دفن في هذا الموضع، والذي نعرفه من بعض الروايات أن قبر "النعمان" كان بالحيرة، وأن ابنته هندًا قد دفنت إلى جانبه.
ومن الشعراء الذين نسب إليهم هجاء النعمان الشاعر عمرو بن كلثوم، وله فيه وفي أمه هجاء مر. وقد وصف خاله بأنه ينفخ الكير، ويصوغ القروط بيثرب أي أنه كان من صاغة تلك المدينة، وهو مما يؤيد روايات الأخباريين في أصل أمه٥.
стр. 1678
لم ينتقل الملك إلى النعمان بسهولة، فقد كان للمنذر جملة أولاد حين أتته المنية، عدتهم ثلاثة عشر ولدًا معظمهم طامع في الملك، والظاهر أن المنذر كان عارفًا بالخلاف الذي كان بين أولاده، فلم يشأ أن يزيده بتعيين أحد أبنائه. ولا ندري لم لم ينص على أكبرهم جريًا على السنة المتبعة في انتقال الملك. ولعله كان عارفًا بحراجة الموقف وضعف مركز ابنه الكبير، وعدم تمكنه من فرض نفسه عليهم إذا عينه ونصبه، لذلك وكل أمره كله إلى إياس بن قبيصة الطائي، فتولاه أشهرًا حتى انفرجت المشكلة على النحو التالي على حد رواية ابن الكلبي.
دعا كسرى بن هرمز عدي بن زيد العبادي، فقال له: من بقي من بني المنذر؟ وما هم؟ وهل فيهم خير؟ فقال عدي: بقيتهم في ولد هذا الميت، المنذر بن المنذر، وهم رجال. فبعث إليهم يمتحنهم. فلما وفدوا على كسرى، أنزلهم على عدي بن زيد. فاحتال عدي على هؤلاء الأخوة كما يقول الأخباريون وتظاهر أنه يفضلهم على ربيبه النعمان، وأوصاهم أن يجيبوا جوابًا معينًا حين يسألهم كسرى، وأمر النعمان أن يجيب جوابًا آخر يختلف عن جواب إخوته. وهو جواب يعتقد أن كسرى سيرضى عنه ويعينه. فلما أدخلوا على كسرى وأجابوا بجواب واحد هو الجواب الذي لقنهم إياه عدي، وهو: "إن سألكم الملك، أتكفونني العرب. فقالوا نكفيكهم إلا النعمان، وقال للنعمان: إن سألك الملك عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز"، رضي كسرى بجواب النعمان وسر به، فملكه وكساه، وألبسه تاجًا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب١. فانتصر بذلك النعمان على إخوته، وسر عدي بن زيد بتولي ربيبة الملك.
وفي خبر لأبي الفرج الأصبهاني أن عدي بن زيد أخذ النعمان إلى "جابر بن شمعون"، وهو من "بني الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير بن لحيان من بني الحارث بن كعب"، وكان أسقفًا على الحيرة، فاقترضا منه مالًا لتدبير أمورهما به، وذكر أن جابرًا هو صاحب القصر الأبيض الذي بالحيرة٢، وكان
стр. 1679
ذا سلطان واسع في بني قومه، ولذلك فقد يكون لأخذ عدي للنعمان إليه للحصول على تأييده أثر في نجاحه في تولي العرش.
ويروي المفضل الضبي أن عدي بن زيد العبادي لما قدم على النعمان صادفه لا مال عنده ولا أثاث ولا ما يصلح لملك، وكان آدم إخوته منظرًا، وكلهم أكثر مالًا منه، فقال له عدي: كيف أصنع بك ولا مال عندك! فقال له النعمان: ما أعرف لك حيلة إلا ما تعرف أنت، فقال له: قم بنا نمضي إلى ابن قردس –رجل من أهل الحيرة من دينه- فأتياه ليقترضا منه مالًا، فأبى أن يقرضهما وقال: ما عندي شيء. فأتيا جابر بن شمعون، وهو الأسقف وهو أحد بني الأوس بن قلام بن بطين بن جمهر بن لحيان من بني الحارث بن كعب، فاستقرضا منه مالًا، فأنزلهما عنده ثلاثة أيام، يذبح لهم ويسقيهم الخمر. فلما كان في اليوم الرابع، قال لهما: ما تريدان؟ فقال له عدي: تقرضنا أربعين ألف درهم يستعين بها النعمان على أمره عند كسرى، فقال: لكما عندي ثمانون ألفًا، ثم أعطاهم إياها، فقال النعمان لجابر: لا جرم، لا جرى لي درهم إلا على يديك إن أنا ملكت١!.
ولكن انتصار النعمان أدى إلى هلاك عدي بن زيد على ما يقوله الأخباريون، فقد كان لعدي، كما لكل رجل كبير صار له نفوذ وجاه ومركز خطير، أعداء في مقدمتهم رجل اسمه كاسمه ودينه مثل دينه، هو "عدي بن أوس بن مرينا"، وبنو مرينا أسرة لها مكانتها وخطرها في الحيرة. وكان لهذا الرجل شأن يذكر في أيام المنذر، وكان يميل إلى الأسود بن المنذر؛ لأنه ربيب بني مرينا، فنصحه أن يتجنب الأخذ برأي عدي بن زيد؛ لأنه رجل لا ينصح، فلما أخفق الأسود في الامتحان، وعجز عن نيل التاج، صار يدبر المؤامرات لخصمه عدي، ويشي به إلى النعمان، ويغري آخرين بالتظاهر بأنهم من محبي عدي، ليثق النعمان بهم، فإذا أمن بهم، عادوا فوشوا بعدي عنده، ثم لم يكتف بذلك فوضع رسائل على لسان عدي إلى قهرمان لعدي فيه مكر ومؤامرة بالنعمان، ثم دس له حتى أخذ الكتاب، فجاء به إلى النعمان، فلما قرأه صدق بما جاء فيه، وغضب على عدي وقرر الانتقام منه٢.
стр. 1680
جرت كل هذه المؤامرات على ما يقوله الأخباريون، وعدي عند كسرى يقوم بوظيفته لا يدري بها. فلما كتب النعمان إليه: "عزمت عليك إلا زرتني، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك". صدق كلامه، واستأذن كسرى فأذن له. وسار إلى منيته وهو لا يدري ما يخبئه له القدر. فلما وصل إلى من كان مشتاقًا إلى رؤيته، ألقاه في سجن منفرد لا يدخل عليه فيه أحد، وهو لا يدري بم سجن. وفي السجن أخذ ينظم أشعارًا يتضرع فيها إلى النعمان أن يفك أسره، ويعظه فيها بالموت وبمن هلك قبله من الملوك الماضين، وكاد يطلقه لولا وشاية أعدائه به. فلما طال سجنه، كتب بشعر إلى أخيه "أبي" وهو مع كسرى يستجير به للتوسط لدى كسرى أن يكتب إلى النعمان يأمره بفك أسره. فلما كتب كسرى بذلك كتابًا أرسله مع شخص إلى النعمان، كتب خليفة النعمان عند كسرى إليه يبلغه بمجيء الرسول، وعرف أعداء عدي من "بني بقيلة" من غسان، فقالوا للنعمان: اقتله الساعة قبل وصول الرسول إليك، فإن لم تفعل فسيذهب إلى كسرى فلا يستبقي أحدًا لا أنت ولا غيرك. فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات في سجنه بالصنين. ولما وصل الرسول، رشي بهدايا كثيرة نفيسة، فعاد إلى كسرى يخبره أن عديًّا مات قبل وصوله بأيام١.
وقد أحس عدي بن زيد كما يقول الأخباريون بامتعاض خصمه عدي بن أوس بن مرينا من الحيلة التي دبرها لنجاح النعمان وبمحاولته الغدر به، فأراد مصالحته واسترضاءه كما يقول الأخباريون فعمل له طعامًا دعا إليه من أحب عدي بن أوس بن مرينا حضوره، وحلف بعد انتهاء الطعام في البيعة أنه لن يحقد عليه، وأنه سيتناسى ما حدث، ورجا من خصمه أن يفعل مثله. فقام عدي بن أوس إلى البيعة، فحلف مثل يمينه أن لا يزال يهجوه أبدًا ويبغيه الغوائل ما بقي. وقد كان٢. وهم يروون شيئًا من هذا التهاجي الذي وقع بين الخصمين.
ويذكر أهل الأخبار أن عدي بن مرينا صار يحرض الأسود ويحثه على الأخذ
стр. 1681
بثأره من عدي بن زيد، فكان يقول له: "أما إذا لم تظفر، فلا تعجزن أن تطلق بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل، فقد كانت أخبرك أن معدًّا لا ينام كيدها"١. وعدي من تميم، وتميم من معد.
وهناك روايات أخرى في أسباب غضب النعمان على عدي وحبسه له في الصنين لا تخرج في جملتها عن حدود هذه المنافسة التي دبرها عدي بن مرينا وخصوم عدي له، ولكنها تجمع كلها على قتل النعمان لعدي٢.
وفي كتاب الأغاني رواية تذكر أن النعمان أرسل ذات يوم إلى عدي بن زيد أن يأتيه، فأبى أن يأتيه، ثم أعاد رسوله فأبى أن يأتيه، وقد كان النعمان شرب، وأمر به فسحب من منزله حتى انتهى به إليه، فحبسه في الصنين بظاهر الكوفة من منازل المنذر، وبه نهر ومزارع، وبقي هناك حتى لاقى حتفه٣.
ويظهر من شعر ينسب إلى عدي، قاله لابنته يوم باتت عنده مع أمها في السجن، وهي جويرية صغيرة، إن النعمان كان قد أمر بوضع الغل في يديه٤.
والقصة كما يرويها الأخباريون قصة طريفة تصلح أن تكون موضوعًا لشريط سينمائي اختلط فيها التأريخ بالخيال، والواقع بالإبداع. أما نحن فلا يهمنا من أمرها إلا النتيجة، وهي أن الفرس قبضوا على النعمان ملك الحيرة وسجنوه، وأن حادثًا وقع بعد ذلك كان وقعه عظيمًا في نفوس العرب، لا في العراق وحده، إنما دوى صداه إلى جميع جزيرة العرب كلها، هو حادث وقعة ذي قار، وهي من الوقائع الفاصلة في تأريخ الجزيرة كان لها أثر في فتح الإسلام للعراق.
وندم النعمان كما يقول الأخباريون على ما صنع، واجترأ أعداء عدي عليه، وهابهم هيبة شديدة. وبينما كان يومًا في صيده، إذ به يشاهد غلامًا ظريفًا ذكيًّا ففرح به فرحًا شديدًا. فلما عرف أنه زيد وأنه ابن من أبناء عدي، قربه وأعطاه وحباه، ثم أرسله إلى كسرى، وكتب معه كتاب توصية رقيقة يشير فيه إلى منزلة عدي منه وإلى خسارته بوفاته وإلى عظم المصيبة، ويوصي كسرى بالولد خيرًا. فلما وصل زيد إلى كسرى، جعله مكان أبيه وصرف عمه إلى عمل آخر،
стр. 1682
فكان هو الذي يلي ما يكتب به إلى أرض العرب وخاصة الملك. ولما مضى وقت على زيد في هذه الوظيفة، وقع عند الملك بهذا الموقع مكانًا حسنًا، وتعالت منزلته عنده. ولما اطمأن إلى مركزه أخذ يدبر مكيدة الانتقام من النعمان قاتل أبيه حتى نجح في مسعاه، إذ قبض عليه كسرى فبعث به إلى سجن خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه. وفي رواية أنه مات بساباط١. وقد رجح الطبري رواية خانقين، وأنه مات بسحق الفيلة به. وفي رواية أخرى أنه سجن في القطقطانه في البر٢. وهكذا نجد الرواة يذهبون جملة مذاهب في سجن النعمان.
والذين يروون أن حبس النعمان كان بساباط يستشهدون بشعر للأعشى جاء فيه:
فداك وما أنجى من الموت ربه
بساباط حتى مات وهو محرزق٣
وقد ذكر المسعودي قصة حبس النعمان ووفاته فقال: "وأمر كسرى النعمان فجلس في مجلسه بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط"٤، مما يدل على أنه وفاته كانت في المدائن.
وفي رواية سريانية أن كسرى بعد أن قبض على النعمان بن المنذر وأولاده سقاهم سمًّا فماتوا، وعصى عندئذ العرب الفرس وأخذوا يهاجمونهم. فأرسل كسرى قائدًا سمته الرواية بـ "بولر" تولى أمر الحيرة، ولكنه لم يتمكن من ضبط أمورها، لشدة أهلها، فانصرف عنها وترك أمرها لمرزبان اسمه "رزوبى
стр. 1683
مرزوق"، أقام في برية الحيرة في حصن حفنة، وأخذ يقاتل منه الأعراب١.
وفي رواية لـ "حمزة الأصفهاني" أن كسرى لما سخط على النعمان بن المنذر واستدرجه إليه من وسط البادية، رمى به إلى أرجل الفيلة، واستباح أمواله وأهله وولده، وأمر أن يباعوا بأوكس الأثمان٢.
وتذكر بعض الروايات سبب غضب "كسرى" على النعمان، أن "زيد" وهو ابن المقتول "عدي بن زيد" الذي نال مكانة عظيمة عند كسرى، أو عمه، كانا قد دبرا مكيدة للإيقاع بالنعمان. فلما طلب "ابرويز" النساء دخل عليه "زيد"، فكلمة فيما دخل فيه، ثم قال: إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وقد كنت بآل المنذر عالمًا، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. قال فتكتب فيهن. قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن، فابعثني وابعث معي رجلًا من العجم من حرسك يفقه العربية، حتى أبلغ ما تحبه. فبعث معه رجلاً جليدًا فخرج به زيد حتى بلغ "الحيرة". فلما دخل على الملك النعمان، قال: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك. فشق عليه، فقال لزيد: أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك، لم يكتب إليك به. وعادا. فلما دخلا على "كسرى"، وقصا عليه ما وقع وحدث، عرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع. وسكت "كسرى" على ذلك أشهرًا، ثم فعل ما فعل بالنعمان٣. وانتقم "زيد" بهذه المكيدة من النعمان قاتل والده.
وقد أشير إلى مصرع النعمان في شعر عدد من الشعراء مثل سلامة بن جندل،
стр. 1684
وقد ورد فيه ذكر القاء كسرى للنعمان تحت أرجل الفيلة١. ويتفق هذا الرأي مع رأي ابن الكلبي ويعارض رواية لحماد جاء فيها أنه مات بحبسه في ساباط٢.
وذكر أن هانئ بن مسعود الشيباني كان في جملة من رثى النعمان في شعر. وقد نعته بـ "ذي التاج"، ويفهم من رثائه له أن موته كانت تحت أرجل الفيلة، حيث داست على رأسه. وورد في شعر شعراء آخرين أن "فيول الهند" تخبطته وداست عليه٣.
وهناك قصيدة نسبها بعضهم إلى إلى زهير بن أبي سلمى، ونسبها آخرون إلى صرمة الأنصاري. ذكر فيها كيف ذهب النعمان –قبل ذهابه إلى كسرى- إلى من كان يحسن إليهم، ويغدق عليهم الألطاف، فلما غضب عليه كسرى لم يجره هؤلاء، ولم يساعدوه إلا ما كان من بني رواحة من عبس، فشكرهم النعمان وودعهم وأثنى عليهم، وقال لهم: لا طاقة لكم بجنود كسرى، فانصرفوا عنه٤.
وساباط: هو على ما يذكره أهل الأخبار، موضع بالمدائن، به كان حبس النعمان على رواية من صرح بأنه كان محبسه لا موضعًا آخر، ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة. وذكر "ابن الكلبي" أنه إنما سمي بساباط نسبة إلى "سابابط بن باما" أخي النخير جان الذي لقي المسلمين في أهل المدائن٥.
ويظهر من شعر "للأعشى" أن "كسرى" أمر بالنعمان فحبس بـ "ساباط" ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. يقول الأعشى:
هو المدخل النعمان بيتًا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق٦
وللبيد بن ربيعة العامري قصيدة نظمها في رثاء النعمان. من أبياتها:
له الملك في ضاحي معد وأسلمت ... إليه العباد كلها ما يحاول
стр. 1685
وضاحي معد، بمعنى ظاهر معد، لا في معد نفسها؛ لأن "رب معد" في أيامه هو "حذيفة بن بدر". أما النعمان فهو ملك على ما وراء ديار معد. والعباد هنا هي القبائل النصرانية المعروفة من أهل الحيرة١.
وقد ذكر الأخباريون أنه كان يتوقع أن يدبر له كسرى مكيدة، فقرر أن ينجو بنفسه قبل حلولها به، فلحق بجبلي طيء، وكان متزوجًا إليهم، فأراد النعمان أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه، فأبوا عليه خوفًا من كسرى، فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل "ذو قار" في بني شيبان سرًّا، فلقي هانئ بن مسعود الشيباني، وكان سيدًا منيعًا، فأودعه أهله وماله وسلاحه، ثم توجه بعد ذلك إلى كسرى، حيث لقي مصرعه٢.
أما زوجة النعمان هذه، فهي ابنة "سعد بن حارثة بن لأم الطائي"، وهو من أشراف طيء البرص، وكان "النعمان" قد جعل لبني لأم بن عمر ربع الطريق طعمة لهم، وذلك بسبب زواجه المذكور٣.
وذكر أن أحد أولاد "النعمان بن المنذر" كان شاعرًا، وقد عرف بـ "المحرق" فلما سمع بقتل "كسرى" لأبيه، قال شعرًا يخاطبه فيه، منه قوله:
قولا لكسرى، والخطوب كثيرة ... إن الملوك بهرمز لم تحبر٤
ويروى أن النابغة الذبياني لما سمع بمقتل النعمان، رثاه بأبيات. وهي إن صح أنها من شعر النابغة حقًّا، تدل على أن هذا الشاعر قد عاش أيضًا بعد مقتل النعمان٥. وروي، أن "زهير بن أبي سلمى" رثى النعمان كذلك٦.
ويروي أهل الأخبار شعرًا زعموا أن "عدي بن زيد" قاله لأهل بيت النعمان، هو: