بثأره من عدي بن زيد، فكان يقول له: "أما إذا لم تظفر، فلا تعجزن أن تطلق بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل، فقد كانت أخبرك أن معدًّا لا ينام كيدها"١. وعدي من تميم، وتميم من معد.
وهناك روايات أخرى في أسباب غضب النعمان على عدي وحبسه له في الصنين لا تخرج في جملتها عن حدود هذه المنافسة التي دبرها عدي بن مرينا وخصوم عدي له، ولكنها تجمع كلها على قتل النعمان لعدي٢.
وفي كتاب الأغاني رواية تذكر أن النعمان أرسل ذات يوم إلى عدي بن زيد أن يأتيه، فأبى أن يأتيه، ثم أعاد رسوله فأبى أن يأتيه، وقد كان النعمان شرب، وأمر به فسحب من منزله حتى انتهى به إليه، فحبسه في الصنين بظاهر الكوفة من منازل المنذر، وبه نهر ومزارع، وبقي هناك حتى لاقى حتفه٣.
ويظهر من شعر ينسب إلى عدي، قاله لابنته يوم باتت عنده مع أمها في السجن، وهي جويرية صغيرة، إن النعمان كان قد أمر بوضع الغل في يديه٤.
والقصة كما يرويها الأخباريون قصة طريفة تصلح أن تكون موضوعًا لشريط سينمائي اختلط فيها التأريخ بالخيال، والواقع بالإبداع. أما نحن فلا يهمنا من أمرها إلا النتيجة، وهي أن الفرس قبضوا على النعمان ملك الحيرة وسجنوه، وأن حادثًا وقع بعد ذلك كان وقعه عظيمًا في نفوس العرب، لا في العراق وحده، إنما دوى صداه إلى جميع جزيرة العرب كلها، هو حادث وقعة ذي قار، وهي من الوقائع الفاصلة في تأريخ الجزيرة كان لها أثر في فتح الإسلام للعراق.
وندم النعمان كما يقول الأخباريون على ما صنع، واجترأ أعداء عدي عليه، وهابهم هيبة شديدة. وبينما كان يومًا في صيده، إذ به يشاهد غلامًا ظريفًا ذكيًّا ففرح به فرحًا شديدًا. فلما عرف أنه زيد وأنه ابن من أبناء عدي، قربه وأعطاه وحباه، ثم أرسله إلى كسرى، وكتب معه كتاب توصية رقيقة يشير فيه إلى منزلة عدي منه وإلى خسارته بوفاته وإلى عظم المصيبة، ويوصي كسرى بالولد خيرًا. فلما وصل زيد إلى كسرى، جعله مكان أبيه وصرف عمه إلى عمل آخر،
стр. 1682
فكان هو الذي يلي ما يكتب به إلى أرض العرب وخاصة الملك. ولما مضى وقت على زيد في هذه الوظيفة، وقع عند الملك بهذا الموقع مكانًا حسنًا، وتعالت منزلته عنده. ولما اطمأن إلى مركزه أخذ يدبر مكيدة الانتقام من النعمان قاتل أبيه حتى نجح في مسعاه، إذ قبض عليه كسرى فبعث به إلى سجن خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه. وفي رواية أنه مات بساباط١. وقد رجح الطبري رواية خانقين، وأنه مات بسحق الفيلة به. وفي رواية أخرى أنه سجن في القطقطانه في البر٢. وهكذا نجد الرواة يذهبون جملة مذاهب في سجن النعمان.
والذين يروون أن حبس النعمان كان بساباط يستشهدون بشعر للأعشى جاء فيه:
فداك وما أنجى من الموت ربه
بساباط حتى مات وهو محرزق٣
وقد ذكر المسعودي قصة حبس النعمان ووفاته فقال: "وأمر كسرى النعمان فجلس في مجلسه بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط"٤، مما يدل على أنه وفاته كانت في المدائن.
وفي رواية سريانية أن كسرى بعد أن قبض على النعمان بن المنذر وأولاده سقاهم سمًّا فماتوا، وعصى عندئذ العرب الفرس وأخذوا يهاجمونهم. فأرسل كسرى قائدًا سمته الرواية بـ "بولر" تولى أمر الحيرة، ولكنه لم يتمكن من ضبط أمورها، لشدة أهلها، فانصرف عنها وترك أمرها لمرزبان اسمه "رزوبى
стр. 1683
مرزوق"، أقام في برية الحيرة في حصن حفنة، وأخذ يقاتل منه الأعراب١.
وفي رواية لـ "حمزة الأصفهاني" أن كسرى لما سخط على النعمان بن المنذر واستدرجه إليه من وسط البادية، رمى به إلى أرجل الفيلة، واستباح أمواله وأهله وولده، وأمر أن يباعوا بأوكس الأثمان٢.
وتذكر بعض الروايات سبب غضب "كسرى" على النعمان، أن "زيد" وهو ابن المقتول "عدي بن زيد" الذي نال مكانة عظيمة عند كسرى، أو عمه، كانا قد دبرا مكيدة للإيقاع بالنعمان. فلما طلب "ابرويز" النساء دخل عليه "زيد"، فكلمة فيما دخل فيه، ثم قال: إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وقد كنت بآل المنذر عالمًا، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. قال فتكتب فيهن. قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن، فابعثني وابعث معي رجلًا من العجم من حرسك يفقه العربية، حتى أبلغ ما تحبه. فبعث معه رجلاً جليدًا فخرج به زيد حتى بلغ "الحيرة". فلما دخل على الملك النعمان، قال: إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك. فشق عليه، فقال لزيد: أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك، لم يكتب إليك به. وعادا. فلما دخلا على "كسرى"، وقصا عليه ما وقع وحدث، عرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع. وسكت "كسرى" على ذلك أشهرًا، ثم فعل ما فعل بالنعمان٣. وانتقم "زيد" بهذه المكيدة من النعمان قاتل والده.
وقد أشير إلى مصرع النعمان في شعر عدد من الشعراء مثل سلامة بن جندل،
стр. 1684
وقد ورد فيه ذكر القاء كسرى للنعمان تحت أرجل الفيلة١. ويتفق هذا الرأي مع رأي ابن الكلبي ويعارض رواية لحماد جاء فيها أنه مات بحبسه في ساباط٢.
وذكر أن هانئ بن مسعود الشيباني كان في جملة من رثى النعمان في شعر. وقد نعته بـ "ذي التاج"، ويفهم من رثائه له أن موته كانت تحت أرجل الفيلة، حيث داست على رأسه. وورد في شعر شعراء آخرين أن "فيول الهند" تخبطته وداست عليه٣.
وهناك قصيدة نسبها بعضهم إلى إلى زهير بن أبي سلمى، ونسبها آخرون إلى صرمة الأنصاري. ذكر فيها كيف ذهب النعمان –قبل ذهابه إلى كسرى- إلى من كان يحسن إليهم، ويغدق عليهم الألطاف، فلما غضب عليه كسرى لم يجره هؤلاء، ولم يساعدوه إلا ما كان من بني رواحة من عبس، فشكرهم النعمان وودعهم وأثنى عليهم، وقال لهم: لا طاقة لكم بجنود كسرى، فانصرفوا عنه٤.
وساباط: هو على ما يذكره أهل الأخبار، موضع بالمدائن، به كان حبس النعمان على رواية من صرح بأنه كان محبسه لا موضعًا آخر، ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة. وذكر "ابن الكلبي" أنه إنما سمي بساباط نسبة إلى "سابابط بن باما" أخي النخير جان الذي لقي المسلمين في أهل المدائن٥.
ويظهر من شعر "للأعشى" أن "كسرى" أمر بالنعمان فحبس بـ "ساباط" ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. يقول الأعشى:
هو المدخل النعمان بيتًا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق٦
وللبيد بن ربيعة العامري قصيدة نظمها في رثاء النعمان. من أبياتها:
له الملك في ضاحي معد وأسلمت ... إليه العباد كلها ما يحاول
стр. 1685
وضاحي معد، بمعنى ظاهر معد، لا في معد نفسها؛ لأن "رب معد" في أيامه هو "حذيفة بن بدر". أما النعمان فهو ملك على ما وراء ديار معد. والعباد هنا هي القبائل النصرانية المعروفة من أهل الحيرة١.
وقد ذكر الأخباريون أنه كان يتوقع أن يدبر له كسرى مكيدة، فقرر أن ينجو بنفسه قبل حلولها به، فلحق بجبلي طيء، وكان متزوجًا إليهم، فأراد النعمان أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه، فأبوا عليه خوفًا من كسرى، فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل "ذو قار" في بني شيبان سرًّا، فلقي هانئ بن مسعود الشيباني، وكان سيدًا منيعًا، فأودعه أهله وماله وسلاحه، ثم توجه بعد ذلك إلى كسرى، حيث لقي مصرعه٢.
أما زوجة النعمان هذه، فهي ابنة "سعد بن حارثة بن لأم الطائي"، وهو من أشراف طيء البرص، وكان "النعمان" قد جعل لبني لأم بن عمر ربع الطريق طعمة لهم، وذلك بسبب زواجه المذكور٣.
وذكر أن أحد أولاد "النعمان بن المنذر" كان شاعرًا، وقد عرف بـ "المحرق" فلما سمع بقتل "كسرى" لأبيه، قال شعرًا يخاطبه فيه، منه قوله:
قولا لكسرى، والخطوب كثيرة ... إن الملوك بهرمز لم تحبر٤
ويروى أن النابغة الذبياني لما سمع بمقتل النعمان، رثاه بأبيات. وهي إن صح أنها من شعر النابغة حقًّا، تدل على أن هذا الشاعر قد عاش أيضًا بعد مقتل النعمان٥. وروي، أن "زهير بن أبي سلمى" رثى النعمان كذلك٦.
ويروي أهل الأخبار شعرًا زعموا أن "عدي بن زيد" قاله لأهل بيت النعمان، هو:
стр. 1686
فلا يمينًا بذات الودع لو حدثت ... فيكم، وقابل قبر الماجد الزارا
وقد علق "ابن قتيبة الدينوري" عليه بقوله: "ذات الودع. صنم كان بالحيرة، ويقال: بل هي الإبل التي تسير إلى مكة، يعلق عليها الودع، ويقال: إن مكة، يقال لها: ذات الودع. وواجه قبر النعمان الزار، وهي الأجمة، أي: دفن حذاءها١".
إذن لبؤتم بجمع لاكفاء له ... أوتاد ملك تليد، جده بارا
قال: "أي لو مات لغزتكم الجيوش، فأقررتم، أو رجعتم بجيش لا مثيل له، أوتادًا لملك قديم قد سقط جده، أي: صرتم كذلك. وهو منصوب على الحال، ولا يجوز أن يكون منصوبًا على النداء؛ لأنه لا يجوز أن يدعوهم بذلك والنعمان لم يمت"٢.
وذكر أن ملك النعمان بلغ اثنتين وعشرين سنة. وعلى رأس ثلاث سنين وثمانية أشهر مضت من ملكه، كان الفجار الأكبر، فجار البراض، وهو لتمام عشرين سنة من مولد الرسول، ولثماني عشرة سنة وثمانية أشهر مضت من ملك النعمان بنيت الكعبة وذلك لإحدى عشرة سنة مضت من ملك أبرويز كسرى بن هرمز٣.
ولا نعلم عن أعمال النعمان الحربية في بلاد الشأم شيئًا يذكر. وقد ذكر حمزة أنه غزا "قرقيسياء" "Circesium"، ولكنه لم يعين تأريخ وقوعها، ويقصد بذلك بالطبع غارة أغارها على أرض الروم٤. ولم ينسب غيره من المؤرخين العرب أو السريان إليه حروبًا أخرى أجج نارها في بلاد الشأم.
стр. 1687
وقد ورد في حديث الطبري عن قصة سجن النعمان لعدي ما يفيد أن النعمان خرج يريد البحرين، فأقبل رجل من غسان، فأصاب في الحيرة ما أحب وقد قيل: إن هذا الرجل هو "جفنة بن النعمان الجفني"١. ولعل هذه الغارة هي واحدة من جملة غارات قام بها الغساسنة على الحيرة. وفي شعر النابغة الذبياني إشارات إلى أمثال هذه الغارات٢. ويفيد خبر رواه المؤرخ "ثيوفلكتس" "Theophylaktus" أن عرب الروم أغاروا على عرب الفرس حوالي سنة "٦٠٠م"، أي في أثناء الصلح الذي عقد بين الروم والفرس٣.
وقد ذكر "الطبري" أن هذه الغزوة كانت في أيام وجود عدي بن زيد في سجنه فلما سمع عدي بها قال:
سما صقر فأشعل جانبيها ... والهاك المروح والغريب٤
وقد ورد اسم "السيلحون" في جملة المواضع التي كان يجيبها النعمان، وذلك في شعر لأعشى قيس٥. ويقع السيلحون في البرية بين الكوفة والقادسية، كما ورد اسم هذا الموضع في شعر لهانئ بن مسعود الشيباني يرثي فيه النعمان ويذكر قتل كسرى إياه٦. ويظهر أنه كان من جملة المسالح التي تحمي الحدود من البادية. والمسالح هي مواضع في الثغور يوضع فيها الجنود والمسلحون لحماية الحدود من الأعداء٧.
ولم يكن النصر حليف النعمان في اليوم المعروف بيوم الطخفة "يوم طخفة"، وهو يوم نسبه بعض الأخباريين أيضًا إلى قابوس بن المنذر بن ماء السماء. كما نسبه
стр. 1688
بعض آخر إلى المنذر بن ماء السماء. وخلاصة الحادث: إن حاجب بن زرارة الدارمي التميمي سأل النعمان أن يجعل الردافة للحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع الدارمي التميمي. وكانت لبني يربوع، يتوارثونها صغيرًا عن كبير، وكان الرديف يجلس عن يمين الملك. فلما سأل النعمان موافقتهم على نقل الردافة منهم، أبوا ذلك، لما لها من منزلة ومكانة، فبعث إليهم قابوسًا ابنه وحسان أخاه على رأس جيش كثيف فيهم الصنائع والوضائع وناس من تميم وغيرهم، فساروا حتى أتوا طخفة، فالتقوا هم ويربوع واقتتلوا، وصبرت يربوع وانهزمت جموع النعمان، وأخذ قابوس وحسان أسيرين. فلما بلغ خبر هذه الهزيمة سمع النعمان طلب من أحد بني يربوع –وهو شهاب بن قيس بن كياس اليربوعي- أن يذهب عاجلًا إلى بني يربوع ليفك أسر ابنه وأخيه مقابل إعادة الردافة إليهم وأداء دية الملوك وهي ألف بعير للرجل الواحد. وبذلك صالح مرغمًا "بني يربوع". وهذا اليوم من الأيام التي يفاخر بها أبناء يربوع. وقد ورد ذكره في شعر مالك بن نويرة١ والأحوص٢ وجرير٣.
ويذكر أهل الأخبار أن "النعمان بن المنذر" طلب "مالك بن نويرة"، وكان قد أراد استرضاءه، وهو من "بني يربوع"، فأبى، وهرب منه، وقال فيه شعرًا يهجوه، منه:
لن يذهب اللؤم تاج قد حييت به ... من الزبرجد والياقوت والذهب٤
ويدل ذلك على أن "النعمان"، كان يتوج رأسه بتاج، فيه ذهب وأحجار كريمة.
وكان "مالك بن نويرة اليربوعي" من "بني تميم"؛ لأن "بني يربوع" منهم، وقد لقب بـ "الجفول". وهو شاعر شريف، وأحد فرسان بني يربوع ورجالهم المعدودين في الجاهلية، ومن أرداف الملوك، أي ملوك الحيرة. وقد أدرك الرسول، فأسلم، وعينه على صدقات قومه فلما بلغ وفاة الرسول، أمسك
стр. 1689
الصدقة، وفرقها في قومه، وجفل إبل الصدقة، فسمي الجفول. قتله "ضرار بن الأسود الأسدي" بأمر خالد بن الوليد١.
وكان نصيب النعمان من يوم السلان كنصيبه من يوم الطخفة، وسبب وقوع هذا اليوم هو أن بني عامر بن صعصعة، وكانوا حمسًا لقاحًا متشددين في دينهم لا يدينون للملوك، تعرضوا للطيمة كان الملك النعمان بن المنذر يريد إرسالها إلى عكاظ لبيعها في السوق. وكان من عادته إرسال لطيمة إلى عكاظ كل عام لتباع هناك. فلما بلغ النعمان الخبر، غضب فبعث إلى أخيه لأمه، وهو "وبرة بن رومانس الكلبي"، وإلى صنائعه وهم من مكان يصطنعه من العرب ليغزو بهم، والوضائع وهم الذين كانوا شبه سادة القبائل، وأرسل إلى بني ضبة بن أد وغيرهم من الرباب وتميم فجمعهم، فأجابوه، وأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلهم فوارس ومعه جبيش بن دلف، فاجتمعوا كلهم في جيش عظيم. وأرسل النعمان معهم تجارة، وأمرهم ألا يتحرشوا ببني عامر إلا بعد الانتهاء من عكاظ ومن الأشهر الحرم. فلما انتهوا من عكاظ، أحست قريش بنيات جماعة النعمان، فأخبروا بني عامر وحذروهم فاستعدوا للقتال. فلما وصل أصحاب النعمان إليهم، قاتلوهم عند موضع السلان، وهو موضع قريب من منازل بني عامر، وتغلبوا عليهم، وأسروا وبرة بن رومانس الكلبي وعددًا من رؤساء القوم، وانهزمت جماعة النعمان، ورضي عندئذ من حملته هذه بدفع دية أخيره وبرة ودية عدد من الرؤساء٢.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن الذي أعلم "بني عامر" بعزم الملك النعمان على الانتقام منهم، هو وجيه مكة وثريها: عبد الله بن جدعان٣.
стр. 1690
وكان الذي أسر وبرة "يزيد بن عمرو بن خويلد الصعق"، وقد أبقى "يريد" "وبرة" لديه حتى افتدى نفسه منه، أي من يزيد بن الصعق بألف بعير وفرس. فاستغنى يزيد. فلما أسر "وبرة"، ثبت جيشه "ضرار بن عمرو الضبي"، فقام بأمر الناس، ولكنه وقع في الأسر، ثم وقع رجل آخر من كبار الجيش في الأسر، وهو "حبيش بن دلف"، الذي افتدى نفسه بأربع مئة بعير، وهزم جيش النعمان١.
وقد تعرضت لطيمة النعمان مرة أخرى إلى النهب حينما وكل أمر حمايتها إلى رجل من هوازن، فتربص بها رجل خليع معروف اسمه "البراض بن قيس بن رافع" من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقتل حامي القافلة وساق الركاب٢. وكان من عادة النعمان أن يشتري بثمن اللطيمة الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشى والمسير والعدني من سوق عكاظ٣.
وذكرت إحدى الرويات أن الذي كان يجيز لطيمة النعمان له هو "سيد مضر"٤ ولم تذكر اسم سيد مضر إذ ذاك.
وورد أن "البراض" وهو "رافع بن قيس" كان من فتاك الجاهلية المعروفين. وكان حالف بني سهم من قريش، فعدا على رجل من هذيل فقتله، فخلعه بنو سهم، ثم جاء إلى "حرب بن أمية" فحالفه، فعدا على رجل من خزاعة فقتله وهرب إلى اليمن، ثم جاء مكة بعد سنة، فإذا الهذليون والخزاعيون يطلبونه وقد خلع، فلحق بالحيرة، فوافق وفود العرب بالحيرة عنده. فأقام يطلب الإذن معهم، فلم يصل إليه حتى خرج النعمان فجلس للناس بالحيرة وكانت لطائمه التي توافي سوق الموسم إذا دخلت تهامة لم تهج، حتى قتل النعمان أخا بلعاء بن قيس الكناني، فجعل "بلعاء" يعترض لطائمه فينتهبها. فخاف النعمان على لطيمته، فقال يومئذ: من يجير هذه العير؟ فقال البراض: أنا أجيرها لك. فقال الرحال عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب: أنا أيها الملك أجيرها لك من الحيين كليهما، وسخر من الرحال وازدراه. فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة
стр. 1691
الرحال، فتعقبها البراض، حتى إذا انتهى عروة إلى أهله دوين الجريب بماء يقال له "أوارة"، أنزل اللطيمة وخل قبته فنام، ووثب عليه البراض فقتله، ثم أتى خيبر، فكان بسببه حروب الفجاء بين كنانة وقيس١.
وقد عرف بعض العلماء اللطيمة بأنها "سوق المسك" أو العير التي كانت تحمل المسك، ولكن اللطيمة قافلة كانت تحمل تجارة يرسلها ملوك الحيرة، ولا سيما النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ خاصة لبيعها هناك، وكانت تعود محملة بما تشتريه من تجارة اليمن والحجاز، وما يأتي به العرب وسائر التجار إلى السوق في أثناء الموسم. وهي تجارة ثمينة تعود على النعمان بأرباح طائلة وثروة كبيرة. ولوصولها سالمة إلى السوق ثم لعودتها سالمة من السوق إلى الحيرة، كان لا بد من حمايتها بوضعها في جوار سادات أقوياء شجعان يتعهدون بإمرارها بسلام في أرض قبائلهم ثم تسليمها إلى سادات الأرض التي تليهم، وهكذا إلى السوق أو العكس. وقد يقوم مجير اللطيمة نفسه بتولي اللطيمة في الذهاب والأوبة، لمقامه ولوجود عهود جوار بينه وبين سادات القبائل الأخرى، وإلا تعرضت اللطيمة للسلب والنهب. وإذا ما أغضب الملك خفراء اللطيمة، أو انتزاع الخفارة منهم فأعطاها لأناس آخرين، أو أزعج بعض سادات القبائل التي تمر القافلة في أرضهم، فلن ينفعه ملكه في حماية سلامة القافلة، فتنهب فلا يقبض منها شيئًا ما، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئًا؛ لأن سلطانه لا يصل إلى كل مكان٢.
وفي أيام النعمان كان يوم شعب جبلة، وهو لعامر وعبس على ذبيان وتميم، وهو من أيام العرب المشهورة في نظر الأخباريين. وقد اشترك النعمان فيه بمساعدته لقيط بن الجون الكلبي ملك هجر، وإرساله أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبي لمعاونة لقيط، ويلاحظ أن الرواة قد لقبوا لقيطًا بلقب ملك، وأشاروا إلى اشتراك جملة ملوك في هذا اليوم٣.
وكان حسان بن وبرة شقيق النعمان لأمه رئيسًا على ضبة. وقد أسره يزيد بن الصعق في الغارة التي قامت بها بنو عامر على تميم وضبة، وانهزمت فيها
стр. 1692
تميم. وقد فادى حسان نفسه من يزيد بن الصعق بألف بعير هي فدية الملوك. كما سبق أن ذكرت. وأغار يزيد بعد ذلك على عصافير النعمان وهي إبل معروفة شهيرة كانت إذ ذاك بمكان يسمى ذا ليان١.
ويذكر أن "يوم العذيب" كان في عهد حكم "النعمان". وكان "النعمان" قد بعث إلى "الأصهب الجعفي" ينكر عليه بلوغ "سعد بن زيد مناة" و"عنزة" العذيب، فحشد "الأصهب" لهم ولقيهم، فقتلوه، قتله "الأحمر بن جندل"، وانهزمت اليمانية هزيمة شديدة، وأخذ منهم مال كثير وسبي٢.
وروى أهل الأخبار أن "النعمان بن المنذر" لما توج واطمأن به سريره، دخل عليه الناس، وفيهم أعرابي، فأنشأ يقول:
إذا سست قومًا فاجعل الجود بينهم ... وبينك تأمن كل ما تتخوف
فإن كشفت عنك الملمات عورة ... كفاك لباس الجود ما يتكشف
فقال: مقبول منك نصحك، ممن أنت؟ قال: أنا رجل من جرم، فأمر له بمئة ناقة، وهي أول جائزة أجازها٣.
ويقال إن "المنذر" أحد أبناء النعمان بن المنذر سقط قتيلًا على يد رجل من تغلب يدعى مرة بن كلثوم، وهو أخو عمرو بن كلثوم، ويقال إنه قتل أيضًا ابنًا آخر من أبناء النعمان٤.
وكانت للنعمان كتائب يقاتل بها هي: الرهائن والصنائع والوضائع والأشاهب والدوسر. وقد اشتهرت هذه الكتيبة الأخيرة بالشدة وبقوة البطش، فقيل في أمثالهم "أبطش من دوسر"٥.
أما الصنائع، فقد ورد في بعض الروايات أنهم جماعة كان يصطنعهم الملك من العرب ليحارب بهم، وكان يأخذهم من "بني ثعلبة" خاصة، يتخذهم كالحرس لا يبرحون بابه. وأما الرضائع، فألف رجل من الفرس، يخدمون الملك ليقاتل بهم، ويستبدلون بمثلهم كل سنة.
стр. 1693
ويذكر أهل الأخبار أنه كان للنعمان بن المنذر أخ من الرضاعة يقال له "سعد القرقرة" من أهل "هجر" كان من أضحك الناس وأبطلهم، وكان يضحك النعمان ويعجبه١. وذكر أن أناسًا من البطالين المضحكين كانوا يأتونه لإضحاكه ولنيل جوائزه. وذكروا منهم "العيار بن عبد الله الضبي" وكان بطالًا، يقول الشعر، ويضحك الملوك٢.
وقد كان النعمان بن المنذر مثل عمرو بن هند محبًّا للشعر والشعراء، والخطب والخطباء، وقد جعله الأخباريون من خير خطباء زمانه، كالذي يظهر من كلامه مع كسرى، وقد ذكر أنه قال له في مجلس كان حافلًا بوفود الروم والهند والصين، اجتمعوا عند كسرى. كما نسب إليه وفد ضم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميمي، والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين، وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين، وعمرو بن الشريد السلمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المري، وكانوا خيرة من عرف بالخطابة وحسن الكلام في تلك الأيام٣.
وروى الأخباريون شعرًا من الشعر الذي قاله أصحابه في حضرة النعمان أو في مدحه وفي مدح آل لخم، كما رووا شعرًا في هجائه، ورووا بعض ما قيل في حضرته من حديث وبعض ما صادفه الشعراء حين كانوا يقصدونه لنيل ما يبتغون مثل حديث حسان بن ثابت الشاعر المخضرم المعروف٤ فقد زاره ومدحه غير أن هواه كان إلى الغساسنة أكثر منه إلى آل لخم. فقد كان يفتخر بهم، ويسامي الناس بهم، وينال جوائزهم حتى وإن لم يكن عندهم. يرسلونها إليه إن لم يكن في استطاعته أن يشخص إليه٥.
وقد جاء في شعر لـ "حسان بن ثابت" أنه زار "ابن سلمى"، أي
стр. 1694
"النعمان بن المنذر"، وأنه أكرمه وقدره وحباه، وتكلم إليه في جماعة من قومه، كانوا في سجنه مقيدين مكبلين بالسلاسل حتى صفح عنهم، وأطلق لهم حريتهم، وهم أبي ونعمان وعمرو ووافد، وهم جماعة من أهل يثرب، كانوا قد حبسوا في سجن "النعمان". فأما "أبي"، فهو "أبي بن كعب بن قيس بن معاوية" من "بني النجار". وأما "نعمان"، فإنه نعمان بن مالك بن قوقل بن عوف بن عمرو"، وأما "وافد"، فإنه "وافد بن عمرو بن الإطنابة بن عامر" من الخزرج. ولم يذكر "حسان" سبب حبس "النعمان" لهم، ووضعهم في السجن مكبلين بالحديد، مقفولًا عليهم١.
وقد ذهب "نولدكه" إلى احتمال كون "ابن سلمى" أميرًا من أمراء الغساسنة، كما ذهب إلى أن "أبيًّا" الذي كان في جملة المحكومين هو "أبي بن ثابت" وهو شقيق حسان٢.
ويظهر من كلام أهل الأخبار أن النابغة الذبياني كان من أكثر الشعراء صلة بالنعمان، وفي الشعر الذي يرويه الأخباريون عنه وينسبون قوله إليه، شيء كثير من المناسبات التي وقعت بين الملك وبين هذا الشاعر، وقد استاء خصوم النابغة من قربه من النعمان، ونيله جوائزه وألطافه، فسعوا به إليه حتى غضب عليه، وهم بقتله، ولم ينجه من القتل إلا هربه من آل جفنه ملوك عرب الشأم، فبقي في كنفهم مدة، ثم عاوده الحنين إلى صاحبه وحاميه القديم النعمان، فاعتذر إليه، وتنصل من التهم التي ألصقها خصومه به، وعاد يأخذ جوائزه ونعمه كما كان٣.
وذكر أن النعمان بن المنذر كان يكرم "النابغة" ويحبوه دومًا، أمر له مرة بمائة ناقة بريشها من نوق عصافيرة، المعروفة بهجائن النعمان، وجام وآنية من فضة، وكانوا إذا حبا الملك بعضهم بنوق يغمزون في أسنمتها ريش النعام ليعلم أنها حباء الملك٤. ذكر "حسان بن ثابت" أنه وفد على النعمان بن المنذر فمدحه
стр. 1695
وأجازه الملك على مدحه وأكرمه. وبينا هو جالس عنده ذات يوم، إذا بالنابغة يدخل قبة الملك، وكان يوم ترد فيه النعم السود، ولم يكن بأرض العرب بعير أسود إلى له، فأنشده كلمته التي يقول فيها:
كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فدفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحدًا حسدي النابغة، لما رأيت من جزيل عطيته وسمعت من فضل شعره١.
ويذكر المسعودي أن النابغة دخل على النعمان يومًا، وكان عنده نديمه خالد بن جعفر الكلابي، وكان ممن يعطف على النابغة، فمدح النعمان بشعر، "فتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فوه جوهرًا، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوك"٢.
وتذكر رواية أخرى أن النابغة لما سأل حاجب النعمان الاستئذان للدخول عليه، قال له الحاجب: الملك على شرابه. ولما سأله: من عنده؟ قال: خالد بن جعفر بن كلاب! فتوسل إليه بأن يبلغه تحية النابغة، وأن يسهل له الدخول على الملك، ففعل وأمر النعمان حاجبه بإدخاله عليه. فلما دخل، سلم عليه وحياه بتحية الملك، وجلس وهو يقول: "أيها الملك. أيفاخرك صاحب غسان؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولشمالك أجود من يمينه، ولأمك خير من أبيه ولغدك أسعد من يومه. فضحك النعمان. ثم قال لخالد: من يلومني على حب النابغة؟ ألك حاجة؟ قال: نعم. فقضى حوائجه بأسرها، وأحسن جائزته، فانصرف داعيًا له"٣.
ويذكر الأخباريون أن آخر مرة اتصل بها النابغة بالنعمان كانت في أثناء مرض الملك النعمان. وكان النابغة هاربًا آنذاك على أثر الوشاية به. فلما سمع النابغة بمرضه آثر السفر إليه، والاعتذار منه. فلما وصل الحيرة، كان الملك لا زال مريضًا، شديد المرض. وقد حمل سريره على العادة المتبعة عند مرض الملوك مرضًا شديدًا،
стр. 1696
يشرف فيه على الموت. فاستأذن للنابغة في الدخول عليه وإنشاده ما نظمه في مدحه فسمح له بالدخول. وأنعم النعمان بالنعم عليه. وهناك روايات تذكر أنه عاد إليه قبل هذا الحادث، فقبل عذره وعفا عنه١.
وفي جملة من كان له شرف الاتصال بالنعمان، وبنيل هباته وجوازه من الشعراء: المنخل اليشكري، والمثقب العبدي، والأسود بن يعفر، وحاتم الطائي وأمثال هؤلاء.
وللأسود بن يعفر شعر معروف، ذكر فيه "آل محرق" و"الخورنق" و" السدير". وله أشعار أخرى ذكرها الرواة. وكان قد أقام مدة عند النعمان ينادمه ويؤاكله٢.
ويذكر أن المنخل اليشكري كان ينادم النعمان وينشده القصائد، وكان النعمان يكرمه ويقربه إليه، غير أنه يؤثر شعر النابغة على شعره، وهذا مما غاظ المنخل وجعله يسعى للإيقاع به٣. فأوغر صدر النعمان عليه، حتى هم بقتله، فهرب النابغة منه، وخلا المنخل بمجالسة النعمان، وأصبح من أقرب المقربين إليه. ولكن الدنيا كما يقول الناس لا تدوم، فما لبث مدة حتى انقلب الحظ على المنخل، فدفع به إلى "عكب" صاحب سجن النعمان، وهو من بني تغلب، فسجنه وعذبه ثم قتله. وقيل بل دفن حيًّا أو أغرق. ومهما يكن من شيء، فلم تكن خاتمة هذا الواشي خاتمة حسنة، وضرب بنهايته المثل كما ضرب بالقارظ العنزي وأشباهه ممن هلكوا ولم يعلم لهم خبر٤.
ويروى أن "يزيد بن خذاق" الشاعر، وهو من "الهيصم"، كان قد هجا "النعمان بن المنذر"، فبعث النعمان كتيبته التي يقال لها "دوسر"، فاستباحت قومه٥.
ويذكر أن "لبيد بن ربيعة" كان في وفد زار "النعمان بن المنذر"، فيه
стр. 1697
أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ملاعب الأسنة، وإخوته طفيل ومعاوية وعبيدة، لقضاء بعض حوائج لهم، فوجدوا عنده "الربيع بن زياد العبسي"، وكان يسمى الكامل، يأكل مع النعمان تمرًا مع زبد، وكان ينادمه ومعه رجل من أهل الشأم، يقال له "سرجون بن توفل" "نوفل"، وكان حريفًا للنعمان، من "الربيع" ومعهما "النطاسي" وهو طبيب كان له، ومن ندمائه، فنظم "لبيد" أبياتًا نابية منفرة في "الربيع بن زياد"، جعلت "النعمان" يعاف من مؤاكلته فتركه١. ولما كتب "الربيع بن زياد" إلى النعمان في ذلك، كتب النعمان إليه: "إنك لست قادرًا على رد ما تكلمت به الألسن، فالحق بأهلك"، ثم كتب إليه شعرًا، كان مما جاء فيه:
قد قيل ما قيل إن حقًّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا٢
ويقال إن "النعمان بن المنذر"، نظر إلى "شبق بن ضمرة"، المعروف بـ "ضمرة بن ضمرة"، وهو من رجال "بني تميم" في الجاهلية، وله لسان وبيان وكلام، فقال "تسمع بالمعيدي لا أن تراه" "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". فقال "ضمرة". "أبيت اللعن، إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان". واليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي، سيد بني نهد، الذي أخذ مرباعهم دهرًا.
وإلى النعمان هذا نسب بعض الأخباريين قتل عبيد بن الأبرص، وذلك لظهروه في يوم بؤس النعمان٣. وقد عد يوم عبيد من أيام الشؤم، وضرب به المثل فقيل "يوم عبيد". وإلى النعمان هذا نسب بعض الأخباريين قتل "عمرو بن مسعود" وخالد بن نضلة"، وقد استولوا عليه بشعر لبرة بن عمرو الأسدي٤.
стр. 1698
وقد نسب حمزة إلى النعمان بناء الغريين وغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه١. وقد رأينا فيما سلف أن الأخباريين من نسب بناءهما وقصة يومي البؤس والنعيم إلى المنذر بن ماء السماء.
وذكر الأخباريون أنه كانت للنعمان عادات، منها أنه إذا غلب الرجل عنده وفلج على خصمه، زاده وسادة، وأمر فلقم عشر لقمات من طعامه قبل أن يأكل أحد٢.
وللنعمان حاجب، اشتهر حتى خلد اسمه في الشعر وفي كتب الأدب، واسم هذا الحاجب "عصام"، وهو من رجال "جرم"، وفيه قيل: "نفس عصام سودت عصامًا"، وكان النعمان إذا أراد أن يبعث بألف فارس، بعث بعصام. ولخطر مركزه؛ ولأن في استطاعته إدخال من يريد الوصول إلى النعمان أو تأخيره أو منعه، كان الناس يتوددون إليه ليوصلهم إلى الملك، وقد أشار "النابغة"، إذ قال:
فإني لا ألومك في دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام٣
وكان النعمان في أول عهده عابد وثن، يتعبد للعزى، ويذبح الذبائح للأوثان، ثم رأى رأيًا فغير دينه، ودخل في النصرانية. ولبعض مؤرخي الكنيسة ولبعض الأخباريين قصص في كيفية اهتدائه إلى النصرانية، مرجعها قصص نصارى أهل الحيرة على ما يظهر. يحدثنا أصحاب تواريخ الكنيسة أن النعمان ولع به الشيطان وأصيب بلوثة ووسوسة، فحاول الشفاء منها بالتجائه إلى كهنة الأصنام. فلما عجزوا من شفائه، أشير عليه بالالتجاء إلى آباء الكنيسة، فلجأ إلى شمعون بن جابر أسقف الحيرة، وإلى "سبريشوع" أسقف "لاشوم"، و"ايشو عزخا" "ايشوع زخا" الراهب فانتفع بهم، فغير دينه، فتنصر واعتمد وحسن إيمانه، وطرد اليعاقبة من سائر أعماله وتقوت بذلك النسطورية. وكذلك تنصر ولده، ومنهم الحسن والمنذر. وكان الحسن أشد الجماعة تمسكًا بالنصرانية. وقد سبقته
стр. 1699
أختاه هند ومارية إلى الدخول في هذا الدين. وهذه رواية النساطرة في كيفية تنصر النعمان١.
أما الأخباريون فينسبون تنصره إلى تأثير عدي بن زيد عليه. وهم يروون أنه خرج ذات يوم راكبًا ومعه عدي بن زيد، فوقف بظهر الحيرة على مقابر مما يلي النهر، فقال له عدي بن زيد: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا! قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون
مثل ما أنتم حيينا ... وكما نحن تكونون
ثم قال:
رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال
فأثر هذا القول –على حد قول الأخباريين- في نفس النعمان، وارعوى، وتنصر٢.
وقد كان تنصر "النعمان" في حوالي سنة "٥٩٣م" تقريبًا، وصار يعد نفسه من حماة المذهب النسطوري الذي انتشر في العراق، كما صارت الحيرة من معاقل هذا المذهب أيضًا لدخول أناس من أصحاب الجاه والسلطان فيه. ومن الحيرة خرج "سرجيوس" "Sergios" في أواسط القرن السادس، فذهب إلى اليمن، إلى نجران، حيث قام بالتبشير هناك، مدة ثلاث سنوات حتى وافته منيته بعد ثلاث سنين٣.
وينسب إلى النعمان أبو قابوس دير اللج، وقد دعي بـ "دير اللجة" في "تأريخ سعرت"، ونسبه إلى اللجة ابنة النعمان. وذكر أن في هذا الدير قبر
стр. 1700
"مار آبا الكبير" الجاثليق١.
وينسب أهل الأخبار "شقائق النعمان" إلى "النعمان بن المنذر" فيقولون: "وكان خرج إلى الظهر وقد اعتم نبته من بين أحمر وأخضر وأصفر، وإذا فيه من هذه الشقائق شيء كثير، فقال: ما أحسنها! احموها. فحموها فسميت: شقائق النعمان"٢.
وذكر أن النعمان كان يعتني بتربية الخيل والإبل والماشية، فكان يشتري خير فصائلها ويحميها لنفسه، ولا يسمح لأحد بالحصول عليها أو تلقيح نعمهم أو خيولهم منها إلا بإذنه. وقد اشتهرت اليحموم والدفوف من جملة خيوله٣.
وبينما نقرأ في شعر لمالك بن نويرة اليربوعي، أن تاج النعمان بن المنذر كان من ذهب وزبرجد وياقوت٤، نرى "المعري" يشير إلى أنه كان خرزات، ولم يكن كتاج المنذر٥. وخرزات الملك: جواهر تاجه٦.
ونجد في كتب الأخبار والأدب، أن وفود العرب كانت تفد على "النعمان بن المنذر"، فيكرمها ويحبوها، ويقضي حوائجها. وكان يتخذ للوفود عند انصرافها مجلسًا يطعمون فيه معه ويشربون. وقد يتفاخر رؤساء الوفود بعضهم على بعض، فيحكمونه في أيهم أفضل. وقد تتحول تلك المفاخرات إلى مخاصمات ومهاترات بسبب ترجيح الملك رئيسًا على آخر٧.
ونسب حمزة إلى النعمان أربع بنات هن: هند، وحرقة، وحريقة، وعنفقير٨. وهند هي البنت الوحيدة التي نعرف عنها شيئًا من بنات النعمان، وقد
стр. 1701
ورد في بعض الروايات أنها لم تكن بنت النعمان، بل كانت أخته١. وذكر أيضًا أن والدها النعمان زوجها من عدي٢. وقد عاشت حتى أدركت الإسلام، وكانت مترهبة، فلم تقبل الدخول فيه. ولما ماتت دفنت في ديرها إلى جانب قبر أبيها النعمان. وقد بقي الدير والقبران معروفين مدة طويلة في الإسلام.
ويذكر أن "الحرقة" "حرقة" رأت الدنيا كيف أدبرت عن أهلها، ونظرت في حالها بعد هلاك أبيها فقالت:
فبينا نسوس الناس، والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
و"السوقة" هم العامة وسواد الناس.
وقد ذكر المسعودي هذه الأبيات، وقال إنها قالتها لـ "سعد بن أبي وقاص" يوم أتته في جماعة من قومها، وقد قال إنها كانت "إذا خرجت إلى بيعتها، يفرش لها طريقها بالحرير والديباج مغشى بالخرز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها وترجع إلى منزلها. فلما هلك النعمان لفها الزمان فأنزلها من الرفعة إلى الذلة"٣. وقد سماها "خرقاء بنت النعمان بن المنذر". ولعله قصد "حرقاء" أو "حرقة"، فحرف النساخ الكلمة وصيرها "خرقاء".
وكانت للنعمان جملة نساء، منهن: زينب بنت أوس بن حارثة، وفرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم، وقد ولدت له ولدًا وبنتًا، وكانت عنده لما طلبه كسرى، وصار يتجول بين القبائل ليمنعوه٤. ومارية الكندية، وهي أم هند التي تزوجها عدي بن زيد٥.
ويذكر "ابن قتيبة" أنه كانت للنعمان دار في الحيرة عرفت بـ "الزوراء". وقد بقيت قائمة إلى أيام أبي جعفر المنصور، فأمر بهدمها، ولم يذكر السبب
стр. 1702
الذي حمله على ذلك. وقد ذكرها "النابغة" فقال:
بزوراء في أكنافها المسك كارع١
وذكر أن في جملة وزراء النعمان عمرو بن بقيلة والد عبد المسيح، وهو صاحب قصر بني بقيلة بالحيرة. وكان عبد المسيح في جملة من اشترك في المفاوضات مع خالد بن الوليد لعقد الصلح وتسليم الحيرة، وله دير بناه في ظاهر الحيرة في موضع يقال له الجرعة عرف بـ "دير الجرعة" وبـ "دير عبد المسيح"٢.
وقد ورد ذكر زوجة من زوجات "النعمان بن المنذر" في كتب الأدب، هي "المتجردة"٣. ويظهر أن "جلم بن عمرو"، كان قد تعرض لها، فبلغ أمره "النعمان" فحمله على أن يركب فرسه "اليحموم"، فأرداه٤. وقد وصفها "النابغة" في "الدالية" المنسوبة إليه. وسمع "النعمان" بالقصيدة كما يذكر أهل الأخبار، بدس حساد النابغة القصيدة والأشعار الأخرى إلى النعمان، فانزعج منها. ولما بلغ "النابغة" الخبر، فر إلى الغساسنة لينجو بنفسه من عقابه وكان العمان متيمًا بـ "المتجردة" وللشعراء فيها قصائد مشهورات٥.
ويذكر أهل الأخبار أن سيفًا من سيوف "النعمان بن المنذر" جيء به إلى الخليفة "عمر"، فأعطاه "جبير بن مطعم"٦.
أما عدي بن زيد، فهو من العباديين، أي من نصارى الحيرة. وأما والده فهو زيد بن حماد "حماز" بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، فهو تميمي الأصل٧. وكان لزيد ثلاثة أولاد هم: عدي هذا الذي تحدثنا عنه، وعمار "حمار" "حماد" واسمه أبي
стр. 1703
وكان مع كسرى وعمرو واسمه سمي، ولهم أخ من أمهم يدعى بن حنظلة، وهو من "طيء"١.
وكان أيوب جد عدي من أهل اليمامة على رواية الأخباريين، كان يقيم في بني امرئ القيس بن زيد مناة، ولكنه اضطر إلى ترك اليمامة والهجرة إلى الحيرة لإصابته دمًا، فخاف على نفسه من القتل، والتجأ إلى أوس بن قلام، وكان بينه وبين أوس نسب في النساء. فلما قدم أيوب الحيرة، نزل في دار أوس، وأقام عنده أمدًا. ثم أقام في دار أخرى بعد أن حباه أوس وأكرمه، وصار له شأن في البلد ومقام. فاتصل بالملوك وتقرب إليهم وغدا من علية القوم٢.
وصار لزيد بن أيوب شأن يذكر في البدل، وتزوج امرأة من آل قلام ولدت له ولدًا دعاه حمادًا. وبينما كان زيد يتصيد في البادية، اصطاده رجل من بني امرئ القيس، فقتله بسهم أخذًا لثأر قومه من أبيه أيوب. وعلم حماد "حماز" الكتابة والقراءة، فكان أول من كتب من بني أيوب في رواية الأخباريين، وغدا من أكتب الناس في الحيرة، ولذلك اختير كاتبًا لملك الحيرة، واتصل بكبار الفرس ومنهم "فروخ ماهان" الذي تكفل زيد بن حماد بعد وفاته، ورباه مع أبنائه. ثم أوصله إلى كسرى أنو شروان فجعله على البريد، لما تبين له من ذكاء زيد وقدرته في العربية والفارسية وهي وظيفة لم تكن تعطى لغير أبناء الفرس٣.
وتزوج زيد امرأة من طيء ولدت له عديًّا، وقد ربي هذا تربية طيبة، فأرسل إلى الكتاب، فلما حذق ومهر فنه بالعربية، أرسل إلى كتاب الفارسية. فتعلم مع أولاد المرازبة ومنهم شاهان مرد الفارسية حتى صار من الحاذقين بها العارفين بفنونها، ثم تعلم الرماية ولعب الصولجان، واتصل بكبار الفرس. وقد ساعده مركزه هذا على التقرب من آل لخم. وإلى "زيد بن حماد" أو كل
стр. 1704
تدبير شؤون ملك الحيرة بعد سياحة النعمان على رواية بعض الأخباريين إلى أن انتقل الملك إلى المنذر بن ماء السماء ١.
وقرب عديًّا إلى كسرى أنو شروان المرزبان فروخ ماهان، فعهد إليه الكتابة بالعربية، فتولاها وصار له شأن يذكر عند الفرس، كما صار له مركز خطير في قصور آل لخم. ولما توفي كسرى أنو شروان، وملك هرمز ابنه، أرسل عديًّا إلى قيصر الروم "طيباريوس" "طبريوس" بمهمة سياسية، فأظهر لباقة وحنكة وحكمة، مما جعل القيصر يحترمه، فأكرمه، وحباه، وأراه أطراف مملكته، وذهب إلى دمشق، وأقام فيها أمدًا، وهو على صلات حسنة بالروم، وفي أثناء إقامته بالشأم، أراد أهل الحيرة قتل المنذر والخروج عليه، لظلمه وأخذه أموالهم بغير حق. فلما علم بذلك المنذر، طلب من زيد والد عدي أن يتولى هو الأمر، وفرح الناس على ما يذكره الرواة بهذا القرار، فجاؤوه يحيونه بتحية الملك، ولكنه أبى أن يسمى ملكًا، ورضي بالحكم بغير هذا الاسم، وسر المنذر بهذا الحل، ورضي به. وبقي في هذا المركز إلى أن هلك، وابنه بعيد عنه في دمشق.
فلما جاء عدي من الشأم، لم ينس المنذر فضل أبيه عليه، وإنقاذه الملك بهذا الحل، وسلمه ما كان قد تركه أبوه، واستقبله استقبالًا عظيمًا حينما قدم الحيرة قادمًا من المدائن بعد زيارته لكسرى لتقديم هدية القيصر إليه. وأقام في الحيرة سنين يتصيد ويلهو ويعلب، ويبدو في فصلي السنة، فيقيم في حفير، ويشتو بالحيرة، ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى، وكان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب، ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم. وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر. وكانت إليه في بلاد بني ضبة وبلاد بني سعد، ولم يزل على حاله تلك حتى تزوج هندًا بنت النعمان بن المنذر٢.
стр. 1705
وأمها "مارية الكندية" فهي من كندة من جهة الأم. ثم أمره "النعمان" بالافتراق منها وتطليقها بعد ما غضب عليه وألقاه في السجن.
وروى الأخباريون لعدي شعرًا زعموا أنه قال أكثره في حبسه وفي معاتبته للنعمان وفي توسله إليه بأنه يطلقه من حبسه، وفيه مواعظ تذكر النعمان بأن الدنيا زائلة، وأنها دار فناء، وأن الملك لا يدوم، وأمثال ذلك. وهو شعر لم ينظر إليه علماء الشعر نظرتهم إلى شعر الشعراء الفحول، وذلك؛ لأنه كان قرويًّا، أي من أهل الحضر، ولذلك أيضًا لم يستشهد به علماء اللغة في ضبط قواعد اللغة١.
هذا ويذكر "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" أن جملة مؤلفات "ابن الكلبي" الكثيرة مؤلفًا اسمه "كتاب عدي بن زيد العبادي"٢، وهو كتاب لم يصل إلينا حتى الآن. ولعله كان في جملة الموارد الرئيسية التي اعتمد عليها المؤرخون وأهل الأدب والأخبار في تدوينهم أخبار ذلك الشاعر السياسي الأديب.
ونجد في "رسالة الغفران" شعرًا لعدي. وقد دعي بـ "السروي" في موضع منها، حين تحدث مؤلفها "المعري" عن المنادمة وعن باطية الخمر٣. وكني بـ "أبي سوادة" في موضع آخر٤.
وانتقل ملك الحيرة بعد مقتل النعمان إلى رجل غريب لم يكن من لخم، اسمه إياس بن قبيصة الطائي٥، أو إياس بن قبيصة بن أبي عفراء، أو إياس بن قبيصة بن النعمان بن حية بن سعنة٦. وله خال اسمه حنظلة بن أبي عفراء بن النعمان. ويقال إنه كان نصرانيًّا. وقد ذكر له أخ اسمه قيس بن قبيصة كان نازلًا بعين التمر٧. وذكر أن والده كان من شعراء جرم، وجرم رهط من طيء٨.
стр. 1706
وآل قبيصة من الأسر المعروفة في الحيرة، وقد سبق أن عهدت إلى إياس إدارة مهمات الحكومة بعد وفاة المنذر، فمكث أشهرًا ملكًا يدير أمور الملك إلى أن أعطي التاج للنعمان أبي قابوس. ويظهر من روايات الأخباريين أنه كان مقربًا من كسرى؛ لأنه ساعده حينما هرب من بهرام، وأهدى إليه فرسًا وجزورًا؛ ولأنه عاونه في نزاعه مع الروم١. فلما فر أبناء النعمان بعد مقتل والدهم، وتشتت شمل البيت المالك مدة، تذكر كسرى فضل هذا الرجل عليه فعينه ملكًا على الحيرة، وعين معه رجلًا فارسيًّا اختلفوا في اسمه، فقالوا: "الهمرجان" و" البحرجان" و"النخرجان" و"التخرجان"٢. وهو اختلاف يسير، يعود سببه على ما يظهر إلى عدم تمكن النساخ أو الرواة من ضبط الكلمة. والظاهر أنها وظيفة ومركز، حسبها الرواية اسم علم، فأطلقوها على شخص٣. وقد كان كسرى قد عينه مدة أشهر على الحيرة، وذلك قبل أن ينتقل الملك إلى النعمان٤.
وذكر الأخباريون أن كسرى بن هرمز كان يتيمن بـ "إياس"، ويفزع إليه في حروبه ويعجبه، وأنه استنجد به في حربه مع قيصر، فتعقبه حتى أدركه في موضع "ساتيدما" فأثخن القتل في جنوده، ونجا قيصر في خواص من أصحابه بصعوبة. وأصيب إياس بمرض في هذه السفرة، أشار الأعشى في شعره إليه٥. وللأعشى قصائد في مدح إياس، وكانت له صلة به، وقد أغدق عليه نعمه٦.
وفي رواية ذكرها أبو الفرج الأصبهاني أن كسرى كان قد عين إياسًا على عين التمر وما والاها من الحيرة، وأطعمه ثلاثين قرية على شاطئ الفرات٧. ويظهر من هذه الرواية ومن رواية وفاته في عين التمر ووجود أخيه فيها أن عين التمر كانت من مناطق نفوذ هذه الأسرة حتى في أيام ملك آل لخم.
وذكر "الدينوري" أن كسرى ولي أياس بن قبيصة الطائي ثمانية أشهر،
стр. 1707
واضطرب أمر كسرى وجاء الإسلام ومات إياس بعين التمر، وفيه يقول زيد الخيل:
فإن يك رب العين خلى مكانه ... فكل نعيم لا محالة زائل
وذكر بعض أهل الأخبار أن حكم إياس دام تسع سنين١.
ولا نعرف شيئًا مهمًّا قام به إياس في أثناء توليه الملك، ويظهر أن حكمه لم يكن يتجاوز هذه المنطقة التي أشار إليها الأخباريون، ولم يشر الأخباريون إلى قيامه بغارات على عرب الشأم. أما الشيء المهم الذي وقع في أثناء توليه الحكم، فهو يوم ذي قار.
стр. 1708
ذو قار:
وذو قار ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط١. وبالقرب منه مواضع منها حنو ذي قار وقراقر وجبابات ذي العجرم وجذوان وبطحاء ذي قار٢. ويقع حنو ذي قار على ليلة من ذي قار٣.
يرجع الأخباريون سبب وقوع ذي قار إلى مطالبة "كسرى ابرويز" هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان بتسليم الودائع التي أودعها النعمان لديه إليه. فلما أبى هانئ تسليم ما اؤتمن عليه لغير أهله، غضب كسرى، فبعث إلى الهامرز التستري، وهو مرزبانه الكبير، وكان مسلحه في القطقطانه، وإلى جلابزين وكان مسحله في بارق، كما كتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، وكان كسرى استعمله على سفوان بأن يرافقوا إياسًا فإذا اجتمعوا فإياس على الناس. وجاءت الفرس معها الجنود والفيلة عليها الأساورة. فالتحموا بأرض ذي قار، فلما كان اليوم الأول، استظهر الفرس على العرب، ثم جزعت الفرس في اليوم الثاني من العطش، فصارت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر وباقي العربان، فعطش الأعاجم، ومالوا إلى بطحاء ذي قار وبها اشتدت الحرب، وانهزمت الفرس، وكسرت كسرة هائلة، وقتل
стр. 1709
أكثرهم وفيهم الهامرز وجلابزين، وانتصر العرب على الفرس انتصارًا عظيمًا، وانتصفت فيه العرب من العجم١.
ويوم ذي قار لم يكن إذن يومًا واحدًا، أي معركة واحدة وقعت في ذي قار وانتهى أمرها بانتصار العرب على الفرس، بل هو جملة معارك وقعت قبلها ثم ختمت بـ "ذي قار"، حيث كانت المعركة الفاصلة فنسبت المعارك من ثم إلى هذا المكان. ومن هذه الأيام: يوم قراقر، ويوم الحنو. حنو ذي قار، ويوم حنو قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذي العجرم، ويوم الغذوان، ويوم البطحاء: بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار٢.
أما متى وقع يوم ذي قار، فالمؤرخون مختلفون في ذلك، منهم من جعله في يوم ولادة الرسول، ومنهم من جعله عند منصرف الرسول من وقعة بدر الكبرى٣، ومنهم من جعله قبل الهجرة٤. وقد ذهب "روتشتاين" إلى أنه كان حوالي سنة "٦٠٤م"، وذهب نولدكه إلى أنه بين "٦٠٤" و"٦١٠ م"٥. وأكثر أهل الأخبار أنه وقع بعد المبعث ورووا في ذلك حديثًا قالوا إن الرسول لما بلغه من هزيمة ربيعة جيش كسرى، قال: "هذا أول يوم انتصف العرب من العجم، وبي نصروا"٦.
والذي يستنتج من روايات أهل الأخبار عن معركة ذي قار أن "هانئ بن مسعود الشيباني"، لم يكن قائد بني شيبان ولا غيرها من العرب يوم ذي قار، بل تذهب بعض الروايات إلى أنه لم يدرك هذا اليوم؛ لأنه هلك قبله، وإنما هو:
стр. 1710
"هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود"١. وترى روايات أخرى أن "هانئ بن مسعود"، كان يخشى عاقبة هذه الحرب وأنه لم يكن يريد مقابلة الفرس، وكل ما كان يريده هو الاحتفاظ برهينة النعمان. وأن الفرس عندما دنوا من العرب بمن معهم: "انسل قيس بن مسعود ليلًا فأتى هانئًا، فقال له: أعط قومك سلاح النعمان فيقووا، فإن هلكوا كان تبعًا لأنفسهم، وكنت قد أخذت بالحزم، وإن ظفروا ردوه عليك. ففعل. فقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه. فلما دنا الجمع من بكر، قال لهم هانئ: "يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فاركبوا الفلاة". فتسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له: إنما أردت نجاتنا، فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة، فرد الناس وقطع وضن الهوادج، لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا –فسمي مقطع الوضن-، وهي حزم الرحال. ويقال: مقطع البطن، والبطن حزم الأقتاب، وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار، وآلى ألا يفر حتى تفر القبة. فمضى من مضى من الناس، ورجع أكثرهم، واستقوا ماء لنصف شهر، فأتتهم العجم، فقاتلتهم بالحنو، فجزعت العجم من العطش، فهربت ولم تقم لمحاصرتهم، فهربت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر وعجل"٢، "فقاتلوهم بالجبابات يومًا. ثم عطش الأعاجم، فمالوا إلى بطحاء ذي قار، فأرسلت إياد إلى بكر سرًّا –وكانوا أعوانًا على بكر مع إياس بن قبيصة: أي الأمرين أعجب إليكم. أن نظير تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفر حين تلاقون القوم؟ قالوا: بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم". فلما التقى القوم في مكان من ذي قار يسمى "الجب" اجتلدوا والتحموا، فانهزمت "إياد" كما وعدتهم، وانهزم الفرس٣.
ويذكر "الطبري" في رواية من رواياته عن "ذي قار" أن الناس توامروا فسولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وكانوا يتيمنون به، فقال
стр. 1711
لهم: لا أرى إلا القتال، فتبعوا أمره، وهو الذي تولى إدارة القتال، فكان له شأن كبير فيه، وقد قاد قومه من "بني عجل" في ذلك القتال، فله النصيب الأكبر منه١. وقد احتل "حنظلة" مسيرة "هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود" رئيس بكر في القتال الذي جرى في ذي قار في موضع الجب٢.
وكان "هانئ بن قبيصة" رئيس بكر يشغل القلب في أثناء الهجوم على الفرس يوم الجب في ذي قار، وكان على ميمنته "يزيد بن مسهر الشيباني"، و"حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي" على ميسرته يحميه من كل هجوم جانبي يقع عليه من الميسرة، كما ذكرت٣.
وكان "يزيد بن حمار السكوني"، وهو حليف لبني شيبان، قد كمن مع قومه من بني شيبان في مكان من ذي قار هو الجب، فلما جاء إياس بن قبيصة مع الفرس إلى هذا المكان، خرج مع كمينه، فباغت إياسًا ومن معه، وولت إياد منهزمة، فساعد بذلك كثيرًا في هزيمة الفرس٤.
فهؤلاء المذكورون إذن هم الذين قادوا نصر العرب على الفرس، وقد ذهب بعض الأخباريين إلى أن الحرب الرئيسية دارت على بني شيبان، ورئيس الحرب هو "هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود". أما "حنظلة" فكان صاحب الرأي٥. ولكن الذي يظهر من دراسة مختلف الروايات أن شأن حنظلة في القتال كان أهم وأعظم من شأن هانئ فيه، حتى لقد ذكرت بعض الروايات أنه هو الذي ولي أمر القتال بعد هانئ، وأن القوم صيروا الأمر إليه بعد هانئ في معركة "جب ذي قار" وأنه هو الذي قتل "جلابزين"، وأن كتيبته "كتيبة عجل" قامت بأمر عظيم في هذه المعركة التي انتهت بهزيمة الفرس٦.
وكان حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي من سادات قومه، وهو صاحب قبة،
стр. 1712
طربت له يوم ذي قار ويوم فلج١، ولا تضرب قبة إلا لملك أو سيد. وكانت له بنت يقال لها "مارية"، كانت معه في هذه المعركة، وهي أم عشرة نفر أحدهم جابر بن أبجر. وأورد الطبري شعرًا في يوم ذي قار نسبه إلى "يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار"، وإذا كان يزيد هذا هو حفيد حنظلة كما يظهر من سياق النسب، يكون حنظلة إذ ذاك كبيرًا في السن. وقد نسب الطبري إلى حنظلة شعرًا ذكر أنه قاله في يوم ذي قار٢.
وذكر أن "النعمان بن زرعة التغلبي" هو الذي أشار على كسرى بمهاجمة "هانئ بن مسعود الشيباني" في ذي قار، وكان يحب هلاك بكر بن وائل، وأن إيادًا وهي في الحرب اتفقت سرًّا مع بكر على الهرب، فهربت حين كان إياس بن قبيصة والفرس يقاتلون بكرًا، فاضطرب صف العجم، وولوا الأدبار، فقتل منهم من قتل، وأسر عدد كبير. وأسر "النعمان بن زرعة التغلبي"٣.
والروايات عن معركة ذي قار، هي على شاكلة الروايات عن أيام العرب وعن حروب القبائل وغزو بعضها بعضًا، من حيث تأثرها بالعواطف القبلية وأخذها بالتحيز والتحزب. فنرى فيها تحيزًا لبني شيبان يظهر في شعر "الأعشى" لهم، إذ يمدحهم خاصة، مما أدى إلى غضب غيرهم مثل "اللهازم"٤، ونرى فيها إعطاء فخر لفلان وحبسه عن فلان. ولذلك يجب على الباحث عن أيام العرب وعن حروب القبائل وغزواتها أن يفطن لذلك.
وشعر الأعشى، أعشى بكر، في ذي قار، ومدحه قومه "بني بكر"، شعر مهم للوقوف على حوادث تلك المعركة وكيف جرت٥. ولبكير: أصم بني الحارث، شعر أيضًا يمدح فيه بني شيبان ويمجد عملهم وفعلهم في هذا اليوم٦.
وقد هجا "أعشى بكر" في قصيدة له عن يوم ذي قار وعن مقام عشيرته
стр. 1713
ومكانته فيه تميمًا وقيس عيلان، ثم تعرض لقبائل معد، فقال:
لو أن كل معد كان شاركنا ... في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف١
ونجد شعرًا للعديل بن الفرخ العجلي، يفتخر فيه بقومه ويتباهى بانتصارهم على الفرس في هذا اليوم، فيقول:
ما أوقد الناس من نار لمكرمة ... إلا اصطلينا وكنا موقدي النار
وما يعدون من يوم سمعت به ... للناس أفضل من يوم بذي قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسة ... يوم استبلنا لكسرى كل أسوار٢
وكان هانئ بن قبيصة، من أشراف قومه، وكان نصرانيًّا، وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات بالكوفة٣. أما "قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين"، فكان سيد قومه في أيامه، وذلك قبل الإسلام. وكان كسرى استعمله على "طف سفوان"٤.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن هناك يومًا آخر، عرف بيوم "ذي قار"، وقد وقع أيضًا بين العرب والفرس، فانتصر فيه العرب أيضًا، وقد وقع قبل اليوم المذكور، فعرف لذلك بيوم ذي قار الأول، وبيوم صيد، وبيوم القبة. وكان سببه أن بكر بن وائل أصيبت بسنة "أي قحط" فخرجت حتى نزلت بذي قار، وأقبل حنظلة بن سيار العجلي، حتى ضرب قبته بين ذي قار وعين صيد، وكان يقال له "حنظلة القباب"، وكانت له قبة حمراء، إذا رفعها انضم إليه قومه، فأتاهم عامل كسرى على السواد ليخرجهم منه، فأبوا، فقاتلهم فهزموه وانتصروا عليه٥.
وقد نسب إلى "زيد الخير" شعر، زعم أنه قاله يذكر إياس بن قبيصة الطائي هو:
стр. 1714
أفي كل عام سيد يفقدونه ... تحكك من وجد عليه الكلاكل
ثم يكون العقل منكم صحيفة ... كما علقت على السليم الجلاجل
وقد قال "ابن قتيبة الدينوري" في تفسيره: "كان كسرى أرسل إلى مال إياس ليأخذه فنفرت عن ذلك طيء، وقد أراد أن يبطش بأناس منهم. فلما رأى ذلك كسرى، كتب لهم كتابًا في أمان، فقال زيد شعرًا، هذان البيتان فيه، يحض قومه، وينهاهم أن يقبلوا كتابه، أو يطمئنوا إلى قوله"١. وليس في هذا الشرح كما نرى تفسيرًا للسبب الذي دفع كسرى إلى المطالبة بمال إياس. هل كان ذلك بسبب اختلافه معه، أو بسبب آخر، ولا يعقل أن تكون هذه المطالبة في حالة صلح وعلاقات طيبة بين الجهتين، بل لا بد أن تكون عن ظروف سيئة لم يتطرق لها "ابن قتيبة".
وعندي أن هذه الحادثة إن صحت روايتها، وجب أن تكون قد وقعت بعد موت "إياس"، وتركه ثروة وأملاكًا طائلة، فأراد الفرس الاستحواذ عليها، وأخذ ما جمعه من مال، فحدث ما حدث.
وذكر الأخباريون بعد "إياس" رجلًا فارسيًّا قالوا أنه هو الذي حكم "الحيرة" وملكها في زمن "أبرويز"، وفي زمن شيرويه بن أبرويز، وفي زمن أردشير ابن شيرويه، وفي زمن بوران بنت أبرويز، وذكروا أن مدة حكمه سبع عشرة سنة أو أقل من ذلك. وسموا هذا الرجل "أزادبه بن ماهيبيان بن مهرا بنداد"٢. أو "أزاذبه بن يابيان بن مهر بنداذ الهمذاني"٣، أو "آزادبه بن ماهان بن مهر بنداد الهمذاني" أو "زادويه الفارسي". حكم سبع عشرة سنة، من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر، وفي زمن بوران دخت بنت كسرى شهرًا٤. ولكنهم لم يذكروا من أمره شيئًا، فلا نعرف من أعماله أي شيء مع طول مدة حكمه إن صحت رواية الأخباريين.
стр. 1715
وأرى أن "دادويه الفارسي" الذي ذكر "حمزة الأصفهاني" أنه كان قد ملك الحيرة، هو "زادويه" المذكور، وأن النساخ قد أخطأوا في كتابة الاسم فصيروه على هذه الصورة، أو أن "حمزة" نفسه قد أخطأ في التسمية، أو هو نقلها من كتابين مختلفين أو من مصدر واحد كتبهما بصورتين، فشايعه حمزة ولم ينتبه إلى أنه صير الاسم الواحد اسمين.
وذكر بعض أهل الأخبار أن الذي حكم بعد "آزاذبه" هو "المنذر بن النعمان بن المنذر" المعروف بـ "الغرور" أو "المغرور"، وهو المقتول بالبحرين يوم جواثا"١، "فكان ملكه وملك غيره إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر"٢. وهو كلام مشكوك فيه ففي الأخبار أن المنذر لم يحكم الحيرة، وإنما حكم البحرين في أثناء الردة، وذلك بأن ربيعة حينما ارتدت عن الإسلام قالت: نرد الملك في المنذر بن النعمان بن المنذر. فلما حارب المسلمون المرتدين، منوا بهزيمة منكرة، وسقط المنذر أسيرًا في أيدي المسلمين، ويقال إنه أسلم على أثر ذلك، وسمى نفسه "المغرور" بدلًا من "الغرور". وهو اللقب الذي كان يعرف به قبل إسلامه٣.
ويظهر أن النصرانية كانت هي المتفشية في البحرين وفي بني عبد القيس، وقد كان المنذر الغرور مع المرتدين، الذين تركوا الإسلام وعادوا إلى النصرانية بعد دخولهم في الإسلام٤.
وقد ذكر "الطبري" في حديثه عن يوم المقر وفم فرات بادقلي: أن الذي كان يلي أمر الحيرة هو "الآزاذبه"، وقال فيه: "كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم"٥. وقد كان من أشراف الفرس وسادتهم، وذكر أيضًا: أن قيمة قلنسوته خمسون ألفًا، وقيمة القلنسوة عند الفرس تدل على مكانة صاحبها وشأنه عند الساسانيين. وأنه لما سمع بدنو "خالد بن الوليد" من الحيرة تهيأ لحربه، وقدم ابنه، ثم خرج في أثره حتى عسكر خارجًا من الحيرة، وأمر ابنه بسد الفرات، ولكن خالدًا فاجأه وأصاب جيشه فلما بلغ أباه خبر ما حل
стр. 1716
به، هرب من غير قتال، وكان عسكره بين الغريين والقصر الأبيض، وتمكن بذلك خالد بن الوليد من فتح الحيرة١.
فيفهم من حديث الطبري عن فتح الحيرة أن المنذر بن النعمان لم يكن قد ولي حكمها، وأن ما ذكره من تولية الحكم ثمانية أشهر، يناقض ما ذكره هو فيما بعد عن فتح الحيرة وبقية أرض العراق ويخالف كذلك ما ورد في بقية كتب أهل الأخبار عن فتوح العراق.
وكان ملوك الحيرة مثل غيرهم من الملوك، كالغساسنة والساسانيين والروم، يتراسلون مع القبائل وعمالهم بالبريد. وكانت برد ملوك العرب في الجاهلية الخيل٢. تنطلق في مراحل، فإذا بلغ البريد المرحلة المعينة استراح، وتولى البريد الثاني نقل الرسائل إلى المكان المقصود ... وبذلك تتم المراسلات.
ومن الأسر المعروفة في الحيرة، العدسيون، وهم من "كليب"، وقد نسبوا إلى أمهم على ما يذكره أهل الأخبار.
ومن سادات الحيرة وأشرافها "بنو الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير "جمهر" بن لحيان"، وكان منهم "جابر بن شمعون" الأسقف من أساقفة الحيرة المعروفين، وهو صاحب القصر الأبيض بالحيرة٣.
وقد اشتهرت الحيرة بسوقها، إذ كان الأعراب وتجار جزيرة العرب يقصدون السوق لبيع تجارتهم وشراء ما فيها من سلع نفيسة مطلوبة في بلاد العرب. وقد اشتهرت بنوع خاص من السيوف، قيل لها "السيوف الحاربة"، كما عرفت بصناعة الأنماط٤.
واشتهرت الحيرة بقصرها المعروف بـ "الخورنق". وهو قصر يقع على ثلاثة أميال منها، ويقال إنه بني على نهر: بناه للنعمان المعروف بالأعور بناء رومي اسمه "سنمار" في عشرين سنة. وقد لقي البناء مصرعه بسبب هذا القصر، في
стр. 1717
قصص يرويه عنه أهل الأخبار، ويضربون به المثل في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح١.
ولأهل الأخبار آراء في التسمية: منهم من يقول إنها عربية ومن أصل عربي ومنهم من يقول إنها فارسية، وأن اللفظة معربة.
وارتبط باسم "الخورنق" اسم قصر آخر هو "السدير". وقد بني في البرية، فهو أبعد من الخورنق عن الحيرة٢. ولأهل الأخبار كعادتهم في تعليل الأسماء العادية مذاهب في التسمية. ويرجح المستشرقون أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية٣. وقد كان ذا قباب ثلاث، ويتألف من إيوان ينتهي إلى غرفة، وعلى جانبيه غرفتنا، ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه كان أقدم عهدًا من الخورنق، وأن ملوك آل لخم كانوا يقيمون فيه في قديم الزمان٤.
وذكر أن "السدير" نهر بالحيرة، قال عدي:
سره حاله وكثرة ما يمـ ... ـلك والبحر معرضًا، والسدير٥
وفي شعر ينسب إلى الأسود بن يعفر، ذكر للقصرين المذكورين، رثى الشاعر فيه حال "آل محرق"، وتألم وتوجع لما نزل وحل بهم، كما توجع لإياد، إذ قال:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد؟
أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد٦
стр. 1718
ويجب أن يكون هذا الشعر قد نظم بعد نكبات حلت بـ "آل محرق"، حملتهم على ترك ديارهم وعلى زوال سلطانهم عنها، أي بعد النكبة التي حلت بالنعمان بن المنذر بعد زوال دولة المناذرة.
وبارق: اسم موضع على مقربة من الكوفة، وموضع آخر في السواد على مبعدة من الكوفة١. أما "سنداد" فمن مواضع إياد.
ومن الأماكن التي تنسب إلى ملوك الحيرة موضع يعرف باسم "الدوسر". قيل إنه من أبنية أحد أمراء الحيرة. وقد ملكه "جعبر بن مالك"، وهو من "بني قشير"، فنسب إليه، وعرف بـ "قلعة جعبر". ويظن أنه موضع "Dausara" الذي ذكره "اسطيفان البيزنطي". ويقع على الشاطئ الأيسر لنهر الفرات. ومن أسمائها عند اليونان "Dauses" و"دونه" "Daune"، و"Dabanae"٢.
ومن المواضع القريبة من الحيرة موضع يعرف بـ "الخصوص"، تنسب إليه "الدنان"، ذكر في "صادية" "عدي بن زيد العبادي"٣. وموضع "عمير اللصوص" وهو قرية من قرى الحيرة. ودير قرة، وهو بإزاء "دير الجماجم" منسوب إلى "قرة"، وهو رجل من لخم بناه على طرف البر أيام النعمان٤.
وقد تأثر فن بناء القصور في الحيرة وما والاها من قصور "آل لخم" بالفن الساساني فصار في القصر رواق في الوسط هو مجلس الملك، وهو الصدر، وجناحان هما كمان يكونان طرفي الرواق، ميمنة وميسرة. وقد صار هذا الطراز من البناء سمة من سمات بناء قصور الحيرة، وكذلك تأثر تزويق جدران بيوت الحيرة ونقشها بطريقة الفن الساساني في تزيين جدران القصور والبيوت ونقشها. وقد أثرت طريقة أهل الحيرة هذه في فن البناء في مدينة "سامراء"٥.
وفي كتاب "مروج الذهب" إشارة إلى قصر المتوكل المعروف بـ "الحيري".
стр. 1719
والكمين، قال فيه: "وأحدث المتوكل في أيامه بناءً لم يكن الناس يعرفونه، وهو المعروف بالحيري والكمين والأروقة، وذلك أن بعض سمّاره حدثه في بعض الليالي: أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نصر، أحدث بنيانًا في دار قراره، وهي الحيرة على صورة الحرب وهيأتها للهجته بها وميله نحوها لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله، فكان الرواق مجلس الملك، وهو الصدر، والكمان ميمنة وميسرة، ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه وفي اليمين منهما خزانة الكسوة وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب، والرواق قد عم فضاؤه الصدر، والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق، فسمي هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيري والكمين إضافة إلى الحيرة. واتبع الناس المتوكل في ذلك ائتمامًا بفعله، واشتهر إلى هذه الغاية"١. وفي هذا الوصف وصفه لذلك القصر الذي بناه أحد النعامنة. ولكن أي نعمان هو؟ هل هو النعمان صاحب الخورنق أو هو نعمان آخر بنى قصرًا آخر في عاصمته الحيرة.
وقد وجد بعض المؤرخين في هذا الوصف دلالة على احتمال كون القصر المعروف بـ "قصر المشتى"، هو من بناء أحد ملوك الحيرة، إذ وجد في خطة بنائه، وفي هذا الوصف شبهًا حمله على القول باحتمال كونه من أبنيتهم٢.
стр. 1720
قوائم ملوك الحيرة:
يصعب تصور حدوث خلاف بين الأخباريين في أسماء ملوك الحيرة وعددهم ومددهم، لدعواهم أنهم أخذوا علمهم بهم من كتب كانت مدونة محفوظة في الحيرة ومن موارد أخرى هي كتب الفرس، وقد ذكر بعضهم ملاحظات من مثل قوله: "ذكر هشام عن أبيه أنه لم يجد الحادث فيمن أحصاه كتاب أهل الحيرة من ملوك العرب، قال: وظني أنهم إنما تركوه؛ لأنه توثب على الملك بغير إذن ملوك الفرس؛ ولأنه كان بمعزل عن الحيرة التي كانت دار المملكة، ولم يعرف له مستقر، وإنما كان سيارة في أرض العرب"٣. ومثل ملاحظة أخرى