به، هرب من غير قتال، وكان عسكره بين الغريين والقصر الأبيض، وتمكن بذلك خالد بن الوليد من فتح الحيرة١.
فيفهم من حديث الطبري عن فتح الحيرة أن المنذر بن النعمان لم يكن قد ولي حكمها، وأن ما ذكره من تولية الحكم ثمانية أشهر، يناقض ما ذكره هو فيما بعد عن فتح الحيرة وبقية أرض العراق ويخالف كذلك ما ورد في بقية كتب أهل الأخبار عن فتوح العراق.
وكان ملوك الحيرة مثل غيرهم من الملوك، كالغساسنة والساسانيين والروم، يتراسلون مع القبائل وعمالهم بالبريد. وكانت برد ملوك العرب في الجاهلية الخيل٢. تنطلق في مراحل، فإذا بلغ البريد المرحلة المعينة استراح، وتولى البريد الثاني نقل الرسائل إلى المكان المقصود ... وبذلك تتم المراسلات.
ومن الأسر المعروفة في الحيرة، العدسيون، وهم من "كليب"، وقد نسبوا إلى أمهم على ما يذكره أهل الأخبار.
ومن سادات الحيرة وأشرافها "بنو الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير "جمهر" بن لحيان"، وكان منهم "جابر بن شمعون" الأسقف من أساقفة الحيرة المعروفين، وهو صاحب القصر الأبيض بالحيرة٣.
وقد اشتهرت الحيرة بسوقها، إذ كان الأعراب وتجار جزيرة العرب يقصدون السوق لبيع تجارتهم وشراء ما فيها من سلع نفيسة مطلوبة في بلاد العرب. وقد اشتهرت بنوع خاص من السيوف، قيل لها "السيوف الحاربة"، كما عرفت بصناعة الأنماط٤.
واشتهرت الحيرة بقصرها المعروف بـ "الخورنق". وهو قصر يقع على ثلاثة أميال منها، ويقال إنه بني على نهر: بناه للنعمان المعروف بالأعور بناء رومي اسمه "سنمار" في عشرين سنة. وقد لقي البناء مصرعه بسبب هذا القصر، في
стр. 1717
قصص يرويه عنه أهل الأخبار، ويضربون به المثل في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح١.
ولأهل الأخبار آراء في التسمية: منهم من يقول إنها عربية ومن أصل عربي ومنهم من يقول إنها فارسية، وأن اللفظة معربة.
وارتبط باسم "الخورنق" اسم قصر آخر هو "السدير". وقد بني في البرية، فهو أبعد من الخورنق عن الحيرة٢. ولأهل الأخبار كعادتهم في تعليل الأسماء العادية مذاهب في التسمية. ويرجح المستشرقون أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية٣. وقد كان ذا قباب ثلاث، ويتألف من إيوان ينتهي إلى غرفة، وعلى جانبيه غرفتنا، ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه كان أقدم عهدًا من الخورنق، وأن ملوك آل لخم كانوا يقيمون فيه في قديم الزمان٤.
وذكر أن "السدير" نهر بالحيرة، قال عدي:
سره حاله وكثرة ما يمـ ... ـلك والبحر معرضًا، والسدير٥
وفي شعر ينسب إلى الأسود بن يعفر، ذكر للقصرين المذكورين، رثى الشاعر فيه حال "آل محرق"، وتألم وتوجع لما نزل وحل بهم، كما توجع لإياد، إذ قال:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد؟
أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد٦
стр. 1718
ويجب أن يكون هذا الشعر قد نظم بعد نكبات حلت بـ "آل محرق"، حملتهم على ترك ديارهم وعلى زوال سلطانهم عنها، أي بعد النكبة التي حلت بالنعمان بن المنذر بعد زوال دولة المناذرة.
وبارق: اسم موضع على مقربة من الكوفة، وموضع آخر في السواد على مبعدة من الكوفة١. أما "سنداد" فمن مواضع إياد.
ومن الأماكن التي تنسب إلى ملوك الحيرة موضع يعرف باسم "الدوسر". قيل إنه من أبنية أحد أمراء الحيرة. وقد ملكه "جعبر بن مالك"، وهو من "بني قشير"، فنسب إليه، وعرف بـ "قلعة جعبر". ويظن أنه موضع "Dausara" الذي ذكره "اسطيفان البيزنطي". ويقع على الشاطئ الأيسر لنهر الفرات. ومن أسمائها عند اليونان "Dauses" و"دونه" "Daune"، و"Dabanae"٢.
ومن المواضع القريبة من الحيرة موضع يعرف بـ "الخصوص"، تنسب إليه "الدنان"، ذكر في "صادية" "عدي بن زيد العبادي"٣. وموضع "عمير اللصوص" وهو قرية من قرى الحيرة. ودير قرة، وهو بإزاء "دير الجماجم" منسوب إلى "قرة"، وهو رجل من لخم بناه على طرف البر أيام النعمان٤.
وقد تأثر فن بناء القصور في الحيرة وما والاها من قصور "آل لخم" بالفن الساساني فصار في القصر رواق في الوسط هو مجلس الملك، وهو الصدر، وجناحان هما كمان يكونان طرفي الرواق، ميمنة وميسرة. وقد صار هذا الطراز من البناء سمة من سمات بناء قصور الحيرة، وكذلك تأثر تزويق جدران بيوت الحيرة ونقشها بطريقة الفن الساساني في تزيين جدران القصور والبيوت ونقشها. وقد أثرت طريقة أهل الحيرة هذه في فن البناء في مدينة "سامراء"٥.
وفي كتاب "مروج الذهب" إشارة إلى قصر المتوكل المعروف بـ "الحيري".
стр. 1719
والكمين، قال فيه: "وأحدث المتوكل في أيامه بناءً لم يكن الناس يعرفونه، وهو المعروف بالحيري والكمين والأروقة، وذلك أن بعض سمّاره حدثه في بعض الليالي: أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نصر، أحدث بنيانًا في دار قراره، وهي الحيرة على صورة الحرب وهيأتها للهجته بها وميله نحوها لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله، فكان الرواق مجلس الملك، وهو الصدر، والكمان ميمنة وميسرة، ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه وفي اليمين منهما خزانة الكسوة وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب، والرواق قد عم فضاؤه الصدر، والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق، فسمي هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيري والكمين إضافة إلى الحيرة. واتبع الناس المتوكل في ذلك ائتمامًا بفعله، واشتهر إلى هذه الغاية"١. وفي هذا الوصف وصفه لذلك القصر الذي بناه أحد النعامنة. ولكن أي نعمان هو؟ هل هو النعمان صاحب الخورنق أو هو نعمان آخر بنى قصرًا آخر في عاصمته الحيرة.
وقد وجد بعض المؤرخين في هذا الوصف دلالة على احتمال كون القصر المعروف بـ "قصر المشتى"، هو من بناء أحد ملوك الحيرة، إذ وجد في خطة بنائه، وفي هذا الوصف شبهًا حمله على القول باحتمال كونه من أبنيتهم٢.
стр. 1720
قوائم ملوك الحيرة:
يصعب تصور حدوث خلاف بين الأخباريين في أسماء ملوك الحيرة وعددهم ومددهم، لدعواهم أنهم أخذوا علمهم بهم من كتب كانت مدونة محفوظة في الحيرة ومن موارد أخرى هي كتب الفرس، وقد ذكر بعضهم ملاحظات من مثل قوله: "ذكر هشام عن أبيه أنه لم يجد الحادث فيمن أحصاه كتاب أهل الحيرة من ملوك العرب، قال: وظني أنهم إنما تركوه؛ لأنه توثب على الملك بغير إذن ملوك الفرس؛ ولأنه كان بمعزل عن الحيرة التي كانت دار المملكة، ولم يعرف له مستقر، وإنما كان سيارة في أرض العرب"٣. ومثل ملاحظة أخرى
стр. 1721
لابن الكلبي أشرت إليها سابقًا، هي دعواه أنه كان يستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعامر من عمل منهم لآل كسرى وتأريخ سنيهم ممن بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها١. فدعاوى مثل هذه لا تصور لنا وقوع اختلاف كبير بين الأخباريين في أسماء ملوك الحيرة: ومبالغ أعمارهم وتأريخ سنيهم وأمثال ذلك، مع إننا نجد بين الأخباريين اختلافًا غير يسير في أسماء الملوك وفي ترتيب توليهم الحكم ومقدار سنيهم وأمثال ذلك. والعجب أنهم يعتمدون على مورد أو موارد مشتركة قد يشيرون إليها، ثم إذا بهم يختلفون في أمور ما كان ينبغي وقوع اختلاف ما فيها لأخذها من مورد مشترك أو موارد مشتركة.
وعدة ملوك الحيرة قد يزيد على العشرين ملكًا بقليل عند بعض الأخباريين، وقد ينقص عن هذا العدد عند بعض آخر. وقد ذهب المسعودي إلى أن عدة ملوكهم ثلاثة وعشرون ملكًا من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس، وأن مدة ملكهم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر٢، وذهب حمزة إلى أن مدة ما حكمه ملوك الحيرة منذ عهد عمرو بن عدي الذي اتخذها منزلًا إلى أن وضعت الكوفة واتخذت منزلًا في الإسلام هي خمسمائة وبضع وثلاثون سنة٣.
ونحن إذا فحصنا القوائم التي سجلها الأخباريون لملوك الحيرة، وفحصنا ما ذكروه من مدة حكم كل ملك إجمالًا، ثم قابلناه بما ذكروه بالنسبة إلى حكم ذلك مجزءًا على مدد حكمه بالقياس إلى من حكم في زمانه من ملوك الفرس، نجد اختلافًا بين ما ذكروه إجمالًا ثم ما ذكروه تفصيلًا، كذلك نجد مثل هذا الاختلاف بين المدة الإجمالية التي ذكروها لعمر مملكة الحيرة وبين المدد التي ذكروها لحكم كل ملك أيضًا على وجه الإجمال، مما يدل على أنهم لم ينتبهو إلى ملاحظة أمثال هذه الأمور الضرورية للمؤرخين.
ونجد قائمة "ابن الكلبي" لأسماء ملوك الحيرة ومدد حكمهم ومقدار حكم كل ملك بالنسبة إلى من عاصره من ملوك الفرس مدونة في تأريخ الطبري وفي تأريخ حمزة وفي تواريخ أخرى. ولاقتصار ابن الكلبي على ذكر مدد حكم ملوك
стр. 1722
الحيرة إجمالًا، ثم ذكرها تفصيلًا بما يقابل ذلك من سني حكم الأكاسرة دون الإشارة أبدًا إلى ما يقابل ذلك أيضًا بالقياس إلى القياصرة، نستطيع أن نقول إن ابن الكلبي لم يغرف من موارد تأريخية استندت إلى تواريخ الروم أو السريان، وإنما غرف من مناهل تأريخية فارسية أو معتمدة على الموارد الفارسية، ومن موارد أهل الحيرة وهي موارد يظهر أنها لم تكن تعتمد على أصول قديمة مدونة لتواريخ الحيرة؛ لأن أكثر ما رووه لا يختلف في طبيعته في الغالب عن النوع الذي ألفناه من أخبار الأخباريين.
وقد جزأ الطبري قائمة ابن الكلبي لملوك الحيرة، فوضعها قطعًا قطعًا في ثنايا حديثه عن ملوك الفرس وفي المناسبات، ولم يذكرها جملة واحدة في مكان واحد، أو في فصل مستقل خاص كما فعل غيره من المؤرخين، وتبلغ جملة ملوك الحيرة عشرين ملكًا، وقد ذكر مع كل ملك مقدار ما حكمه من سنين وأسماء من عاصرهم ذلك الملك من الأكاسرة.
أما هؤلاء الملوك فهم:
١- عمرو بن عدي، وقد عاش مئة وعشرين سنة وحكم على حد قول ابن الكلبي مئة سنة وثماني عشرة سنة من ذلك في زمن "أردوان" و"ملوك الطوائف" خمس وتسعون سنة وفي زمن ملوك فارس أي الساسانيين ثلاثًا وعشرين سنة. من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران.
٢- امرؤ القيس البدء. وقد عاش مملكًا في عمله مئة سنة وأربع عشرة سنة من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثًا وعشرين سنة وشهرًا، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام بن هرمز بن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة، ولكنك إذا جمعت هذه المدد وقابلت حاصل الجمع، وجدت فرقًا كبيرًا بين ما زعمه ابن الكلبي من أنه حكم ١١٤ سنة، ثم ما زعمه هو نفسه من حكم هذا الملك مجزءًا بالنسبة إلى ملوك الفرس.
٣- عمرو بن امرؤ القيس، وقد حكم على رواية ابن الكلبي أيضًا ثلاثين سنة. وعاصر من الملوك سابور وأردشير بن هرمز بن نرسي وبعض أيام سابور بن سابور.
стр. 1723
٤- أوس بن قلام، وقد حكم خمس سنين في أيام سابور بن سابور وبعض أيام بهرام بن سابور ذي الأكتاف.
٥- امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس، وقد حكم خمسًا وعشرين سنة. حكم في أيام بهرام بن سابور ذي الأكتاف، وهلك في عهد يزدجرد الأثيم.
٦- النعمان بن امرئ القيس، وقد ملك تسعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر، من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام بن يزدجرد أربع عشرة سنة. وينقص ذلك أربعة أشهر عن العدد الإجمالي الذي ذكره ابن الكلبي.
٧- المنذر بن النعمان، وقد ملك أربعًا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة، وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة.
٨- الأسود بن المنذر، وقد حكم عشرين سنة، من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين.
٩- المنذر بن المنذر بن النعمان وقد ملك سبع سنين.
١٠- النعمان بن الأسود بن المنذر، وكان ملكه سبع سنين.
١١- أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل، وكان ملكة ثلاثة سنين.
١٢- المنذر بن امرئ القيس البدء، وكان ملكه تسعًا وأربعين سنة.
١٣- عمرو بن المنذر، وكان جميع ملكه ست عشرة سنة.
١٤- قابوس بن المنذر، وقد ملك أربع سنين: ثمانية أشهر منها في زمن أنو شروان، وثلاث سنين، وأربعة أشهر في زمن هرمز بن أنو شروان.
١٥- السهرب.
١٦- المنذر بن المنذر أبو النعمان، وقد ملك أربع سنين.
١٧- النعمان بن المنذر أبو قابوس، وقد ملك اثنتين وعشرين سنة، من ذلك في زمن هرمز بن أبو شروان سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمن كسري أبرويز بن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
стр. 1724
١٨- إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخير جان، وقد ملك تسع سنين في زمن كسرى بن هرمز.
١٩- آزاذبه بن بابيان بن مهر بنداذ الهمداني، وقد حكم سبع عشرة سنة: في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر وفي زمن بوران دخت بنت كسرى شهرًا.
٢٠- المنذر بن النعمان بن المنذر، وقد ملك ثمانية أشهر.
هذه هي قائمة أسماء ملوك الحيرة كما رواه الطبري عن ابن الكلبي١.
стр. 1725
ملوك الحيرة بحسب رواية "ابن قتيبة ":
١- ملك بن فهم.
٢- جذيمة الأبرش.
٣- عمرو بن عدي.
٤- امرؤ القيس، ويقال: بل ملك الحارث بن عمرو بن عدي.
٥- النعمان بن امرئ القيس.
٦- المنذر بن امرئ القيس.
٧- المنذر بن المنذر بن امرئ القيس.
٨- عمرو بن هند.
٩- النعمان بن المنذر.
١٠- إياس بن قبيصة١.
أما "محمد بن حبيب"، فقد رتب أسماء ملوك الحيرة على هذا الشكل: "عمرو بن عدي بن نصر", "امرؤ القيس البدء" وهو الأول، فابنه "عمرو" فـ "أوس بن قلام بن بطينا بن حمير بن لحيان"، و"امرؤ القيس" البدء،
стр. 1726
وهو "محرق الأول"، فـ "النعمان بن امرئ القيس البدء"، فابنه "المنذر"، فابنه "الأسود"، فأخوه "المنذر"، فابن أخيه "النعمان بن الأسود"، فـ "أبو يعفر بن علقمة بن مالك"، فـ "المنذر بن امرئ القيس"، فـ "عمرو بن المنذر بن امرئ القيس"، فـ "قابوس بن المنذر"، فـ "السهرب" الفارسي، فـ "المنذر بن المنذر"، فـ "أبو قابوس النعمان بن المنذر"، فـ "إياس بن قبيصة الطائي"، فـ "آزاذبه"، فـ "الغرور المنذر بن النعمان بن المنذر"، وهو المقتول بالبحرين يوم "جواتا"١.
стр. 1727
ملوك الحيرة بحسب رواية اليعقوبي:
١- عمرو بن عدي، وقد ملك خمسًا وخمسين سنة.
٢- امرؤ القيس بن عمرو، وقد ملك خمسًا وثلاثين سنة.
٣- الحارث بن عمرو، وقد ملك سبعًا وثمانين سنة.
٤- عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، وقد ملك أربعين سنة.
٥- المنذر بن امرئ القيس.
٦- النعمان.
٧- المنذر بن النعمان، وقد ملك ثلاثين سنة.
٨- عمرو بن المنذر.
٩- عمرو بن المنذر الثاني.
١٠- قابوس بن المنذر.
١١- المنذر بن المنذر، وقد ملك أربع سنين.
١٢- النعمان بن المنذر١.
стр. 1728
ملوك الحيرة بحسب رواية المسعودي:
١- عمرو بن عدي، وكان ملكه مئة سنة.
стр. 1729
٢- امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، وقد ملك ستين سنة.
٣- عمرو بن امرئ القيس، وقد ملك خمسًا وعشرين سنة.
٤- النعمان بن امرئ القيس، وقد حكم خمسًا وستين سنة.
٥- المنذر بن النعمان، وكان حكمه خمسًا وثلاثين سنة.
٦- المنذر بن الأسود بن النعمان بن المنذر. وقد ملك أربعًا وثلاثين سنة.
٧- عمرو بن المنذر، وكان ملكه أربعًا وعشرين سنة.
٨- قابوس بن المنذر، وقد ملك ثلاثين سنة.
٩- النعمان بن المنذر، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.
١٠- إياس بن قبيصة الطائي، وكان ملكه تسع سنين.
هذه هي أسماء ملوك الحيرة الذين ذكرهم المسعودي، وقد نص هو على أن عدة ملوك الحيرة ثلاث وعشرون ملكًا من بني نصير وغيرهم من العرب والفرس، ومدة ملكهم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر١. ونص في كتابه "التنبيه"، على أن "عدة من ملك الحيرة من بني نصر والعباد وغسان وتميم وكندة والفرس وغيرهم نيفًا وعشرين ملكًا، ملكوا خمس مئة سنة واثنتين وعشرين سنة وشهورًا"٢.
стр. 1730
قائمة حمزة لملوك الحيرة:
١- عمرو بن عدي، وكان جميع ما ملكه مئة وثماني عشرة سنة. ذلك في زمن ملوك الطوائف خمسة وتسعون سنة، وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة، منها في أيام أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وفي أيام شابور بن أردشير ثماني سنين وشهران.
٢- امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، وقد ملك مئة وأربع عشرة سنة، منها في زمن شابور بن أردشير ثلاث وعشرين سنة، وفي زمن هرمز بن شابور سنة وعشرة أشهر، وفي زمن بهرام بن هرمز تسع سنين وثلاثة أشهر، وفي زمن
стр. 1731
بهرام بن بهرام ثلاثًا وعشرين سنة، وفي زمن بهرام بن بهرام بن بهرام ثلاث عشرة سنة وستة أشهر، وفي زمن نرسي بن بهرام بن بهرام تسع سنين، وفي زمن هرمز بن نرسي ثلاث عشرة سنة، وفي زمن شابور ذي الأكتاف عشرين سنة وخمسة أشهر.
٣- عمرو بن امرئ القيس، وقد ملك ستين سنة، من ذلك في زمان شابور ذي الأكتاف إحدى وخمسين سنة وسبعة أشهر، وفي زمن أردشير أخي شابور خمس سنين، وفي زمن شابور بن شابور أربع سنين وخمسة أشهر.
٤- أوس بن قلام، وقد ملك خمس سنين في زمن أردشير أخي شابور.
٥- امرؤ القيس، وقد حكم إحدى وعشرين سنة وثلاثة أشهر، من ذلك في زمن شابور بن شابور خمس سنين، وفي زمن بهرام بن شابور إحدى عشرة سنة. وفي زمن يزدجرد بن شابور خمس سنين وثلاثة أشهر.
٦- النعمان بن امرئ القيس، وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة، من ذلك في زمن يزدجرد بن بهرام بن شابور خمس عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
٧- المنذر بن النعمان، وقد ملك أربعًا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وثلاثة أشهر، وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة.
٨- الأسود بن المنذر، وقد ملك عشرين سنة، من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن فيروز أربع سنين، وفي زمن قباد بن فيروز ست سنين.
٩- المنذر بن المنذر، وقد ملك سبع سنين في زمن قباد بن فيروز.
١٠- النعمان بن الأسود، وكان ملكه أربع سنين في زمن قباد.
١١- أبو يعفر بن علقمة الذميلي: وكانت مدة حكمه ثلاث سنين في زمن قباد بن فيروز.
١٢- امرؤ القيس بن النعمان، وكان ملكه سبع سنين في زمن قباد بن فيروز.
١٣- المنذر بن امرئ القيس، وقد ملك اثنتين وثلاثين سنة، من ذلك في زمن قباد بن فيروز ست سنين، وفي زمن كسرى أنو شروان بن قباد ستًّا وعشرين سنة.
стр. 1732
١٤- الحارث بن عمرو بن حجر الكندي.
١٥- عمرو بن المنذر، وكان ملكه ست عشرة سنة.
١٦- قابوس بن المنذر، وكان حكمه مدة أربع سنين في زمن أنو شروان.
١٧- فشهرت، وقد حكم سنة في زمن أنو شروان.
١٨- المنذر بن المنذر، وقد ملك أربع سنين، منها ثمانية أشهر في زمن أنو شروان، وثلاث سنين وأربعة أشهر في زمن هرمز بن كسرى أنو شروان.
١٩- النعمان بن المنذر، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، من ذلك سبع سنين وثمانية أشهر في زمن هرمز بن أنو شروان، وأربع عشرة سنة وأربعة أشهر في زمن كسرى بن هرمز.
٢٠- إياس بن قبيصة ومعه "البحرجان" "النخر جان"، وكان ملكه مدة سبع سنين في زمن أبرويز.
٢١- زاديه بن ماهبيان بن مهرا بنداد الهمداني، وقد ملك سبع عشرة سنة، من ذلك أربع عشرة سنة وثمانية أشهر في زمن أبرويز، وثمانية أشهر في زمن شيرويه بن أبرويز، وسنة وسبعة أشهر في زمن أردشير بن شيرويه، وشهرًا واحدًا في زمن بوارن بنت أبرويز.
٢٢- المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان ملكه وملك غيره إلى أن ورد خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر١.
وقد ذكر حمزة أن جميع ملوك آل نصر ومن استخلف من العباد والفرس بالحيرة خمسة وعشرون ملكًا حكموا في مدة ستمائة وثلاث وعشرين سنة وأحد عشر شهرًا. لكنه ذكر في مكان آخر أن الحيرة عمرت "خمسمائة وبضعًا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها عرب الإسلام٢".
وقد استند حمزة في تأليف قائمته هذه على رواية ابن الكلبي في تأريخ الطبري، وعلى رواية محمد بن حبيب وعلى ابن قتيبة، ولذلك خالفت قائمته هذه بعض المخالفة قائمة الطبري في الأسماء وفي السنين.
стр. 1733
ملوك الحيرة بحسب رواية الخوارزمي:
وأما "الخوارزمي"، فقد رتب أسماء ملوك الحيرة على هذا الشكل:
١- مالك بن فهم.
٢- ثم ابنه جذيمة الأبرش.
٣- ثم عمرو بن عدي.
٤- ثم امرؤ القيس البدء.
٥- ثم ابنه عمرو، وهو ابن هند.
٦- ثم أوس بن قلام.
٧- ثم امرؤ القيس البدن، وهو محرق الأول.
٨- ثم ابنه النعمان الذي بنى الخورنق والسدير. وفارس حليمة، وهو السائح والأعور.
٩- ثم ابنه المنذر.
١٠- ثم ابنه الأسود.
١١- ثم المنذر بن المنذر.
١٢- ثم النعمان بن المنذر.
١٣- ثم النعمان بن الأسود.
١٤- ثم أبو يعفر بن علقمة.
١٥- ثم امرؤ القيس بن النعمان. وهو صاحب سنمار.
١٦- ثم ابنه المنذر. وهو ابن ماء السماء.
١٧- ثم الحارث بن حجر الكندي، آكل المرار.
١٨- ثم المنذر بن ماء السماء.
١٩- ثم ابنه عمرو بن هند، وهو مضرط الحجارة ومحرق الثاني.
٢٠- ثم ابنه قابوس بن المنذر.
٢١- ثم فيسهرب الفارسي في زمن أنو شروان.
٢٢- ثم المنذر بن المنذر، وأخوه عمرو بن هند.
стр. 1734
٢٣- ثم النعمان بن المنذر. وهو آخر ملوك لخم.
٢٤- ثم إياس بن قبيصة الطائي.
٢٥- ثم زادويه الفارسي.
٢٦- ثم المنذر بن النعمان بن المنذر١.
стр. 1735
فهرس: الجزء الخامس
الفصل الرابع والثلاثون.
مملكة النبط ٥
مدن النبط ٥٣
الحجر ٥٥
الكورة العربية ٥٧
أهل الكهف والرقيم ٧٢
الفصل الخامس والثلاثون.
مملكة تدمر ٧٦
الزباء ١٠٣
حصن "زنوبية" ١٣١
عانة ١٣٨
стр. 1736
الفصل السادس والثلاثون
الصفويون ١٤٢
الفصل السابع والثلاثون.
مملكة الحيرة ١٥٥
ملوك الحيرة ١٧٦
الفصل الثامن والثلاثون.
عمرو بن هند ٢٣٩
ذو قار ٢٩٣
قوائم ملوك الحيرة ٣٠٤
ملوك الحيرة بحسب رواية "ابن قتيبة" ٣٠٨
ملوك الحيرة بحسب رواية اليعقوبي ٣٠٩
ملوك الحيرة بحسب رواية المسعودي ٣٠٩
قائمة حمزة لملوك الحيرة ٣١٠
ملوك الحيرة بحسب رواية الخوارزمي ٣١٣
الفهرست ٣١٥
стр. 1737
فهرس الجزء الخامس:
الفصل الرابع والثلاثون.
مملكة النبط ٥
مدن النبط ٥٣
الحجر ٥٥
الكورة العربية ٥٧
أهل الكهف والرقيم ٧٢
الفصل الخامس والثلاثون.
مملكة تدمر ٧٦
الزباء ١٠٣
حصن "زنوبية" ١٣١
عانة ١٣٨
стр. 1738
الفصل السادس والثلاثون
الصفويون ١٤٢
الفصل السابع والثلاثون.
مملكة الحيرة ١٥٥
ملوك الحيرة ١٧٦
الفصل الثامن والثلاثون.
عمرو بن هند ٢٣٩
ذو قار ٢٩٣
قوائم ملوك الحيرة ٣٠٤
ملوك الحيرة بحسب رواية "ابن قتيبة" ٣٠٨
ملوك الحيرة بحسب رواية اليعقوبي ٣٠٩
ملوك الحيرة بحسب رواية المسعودي ٣٠٩
قائمة حمزة لملوك الحيرة ٣١٠
ملوك الحيرة بحسب رواية الخوارزمي ٣١٣
الفهرست ٣١٥
стр. 1739
المجلد السادس
الفصل التاسع والثلاثون: مملكة كندة
مدخل
...
الفصل التاسع والثلاثون: مملكة كندة
كندة قبيلة قحطانية في عرف النسابين، تنسب إلى "ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن زيد بن عريب بن زيد ب كهلان بن سبإ"، و"ثور" هو كندة"١.
وقد عرفت عند الأخباريين بـ"كندة الملوك"٢؛ لأن الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان٣. ولأنهم ملكوا أولادهم على القبائل. وكانوا يتعززون بنسبهم إلى كندة، وإلى "آكل المرار"؛ لأنهم كانوا ملوكًا٤.
و"كندة" هي "كدت" القبيلة التي ورد اسمها في نصوص المسند، مثل نص "أبرهة"٥. بل ورد اسمها في النصوص المذكورة قبل هذا العهد بكثير.
стр. 1740
إذ ورد في النص: "JAMME ٦٣٥". المدون في أيام الملك "شعر أوتر" ملك سبأ وذي ريدان. وقد كانت قد انضمت إلى حلف معاد للملك المذكور على نحو ما تحدثت عنه. وكان يحكم "كدت" كندة في ذلك الوقت ملك اسمه "ربعت"، أي "ربيعة"، وذكر أنه من "ذ ثورم" "ذ الثورم"، أي من "الثور" "آل ثور"، وأنه كان ملكًا على "كدت" كندة وعلى "قحطن" أي "قحطان"١.
فنحن على هذا النص أمام مملكة كندية كانت قد تكونت في أيام "شعر أوتر" أي في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وذلك فيما لو جارينا رأي "جامة" وسرنا مسراه في تقديم أيام "شعر أوتر"٢. وقبل هذا الوقت فيما لو ذهبنا مذهب غيره ممن يرجعون مبدأ تأريخ سبأ إلى أقدم من تقديره ومن تقدير "ريكمنس". ونحن أيضًا بموجبه أمام ملك من ملوك كندة اسمه "ربعت ذا الثورم". أي "ربيعة" من "الثور"، أي من "آل ثور"، فهو إذن من صميم كندة. وقد رأينا أن أهل الأخبار ينسبون كندة إلى "ثور بن عفير"، ويظهر أنهم أخذوا "ثور" القديم، وهو اسم عائلة أو بيت أو عشيرة من كندة، فصيروه الجد الأكبر لكندة. وأعطوه النسب الطويل المذكور.
ويلاحظ أن الملك "ربيعة" كان يحكم إذ ذاك "كندة"، كما كان يحكم "قحطان". و"قحطان" في هذا الوقت قبيلة، كانت متحالفة مع "كندة". ومن هذا الاسم أخذ الأخباريون قحطانهم، فصيروه جد العرب القحطانيين. وقد ورد اسم قحطان في نص آخر وسم بـ"REP. EPIG, ٤٣٠٤". هذا نصه: "عبد شمس سبأ بن يشجب، يعرب بن قحطان"٣. وهو نص سبق أن تحدثت عنه، وقلت إنه في نظري مصنوع موضوع، وأعتقد أن صانعه وضعه لغاية واضحة هي إثبات أن ما يذكره أهل الأخبار عن نسب سبأ، هو صحيح، وأنه وارد مذكور في المسند. وبين "صنعاء" و"زبيد" مدينة تعرف بـ"قطحان"٤
стр. 1741
وكانت كندة "كدت" مستقلة وعلى رأسها ملك، في أيام "الشرح يحضب" كذلك. وكان ملكها إذ ذاك من المناهضين المعادين للملك "الشرح يحضب"، فاشترك كما رأينا في أثناء بحثنا عن "الشرح" في الحلف الكبير الذي تألف ضد مملكة "سبأ وذي ريدان"، والذي امتد من الجنوب نحو الشمال، وشمل البر والبحر. وقد أصيبت "كندة" بهزيمة في القتال الذي نشب بينها وبين جيش "سبأ"، ووقع ملكها واسمه إذ ذاك "ملكم" مع عدد من رؤسائها وكبرائها "مراس وأكبرت"، في الأسر. وسيقوا إلى "مأرب"، وأبقوا في الأسر حتى وافقوا على وضع أولادهم رهائن عند ملك "سبأ وذي ريدان" وعلى إعطاء عهد بعدم التحرش مرة أخرى بمملكة "سبأ وذي ريدان" وبمساعدة أعدائها. وقد وافق "مالك" على إعطاء عهد بما طلب منه ووضع ابنه رهينة، كما وضع رؤساء وكبراء كندة أولادهم رهائن لديه، فأفرج بذلك عنهم١.
وقد فقدت كندة بعد هذا العهد استقلالها في وقت لا نستطيع تحديده الآن، لعدم ورود شيء عنه في النصوص، وصارت خاضعة لحكم دولة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"؛ إذ ورد في النصين "JAMME ٦٦٠" و"JAMME ٦٦٥" أنها كانت تابعة إذ ذاك لحكم هذه الدولة. يخبر النص: "JAMME ٦٦٠"، أن كندة كانت تحت حكم حاكم من حكام "شمر يهرعش"، سقط اسمه الثاني من النص وبقي اسمه الأول وهو: "وهب إوم" "وهب أوم" "وهب أوام"، وأن ذلك الحاكم كان يدير بالإضافة إلى كندة قبائل حضرموت ومذحج و"بهلم" "باهلة" و"حدان" و"رضوم" و"أظلم"، ومعنى ذلك أنه كان يدير منطقة واسعة تسكنها قبائل متعددة، في جملتها كندة التي صارت تحت حكم ملوك سبأ٢.
ويخبرنا النص "JAMME ٦٦٥" أن رجلًا من "جدنم" "جدن" كان كبيرًا "كبر" على "إعراب ملك سبأ" "أعراب ملك سبأ" وعلى "كندة" "كدت" و"مذحج" وعلى "حررم" "حريرم" "حرر" "حرار" "حرير" وعلى "بهلم" "باهلم" "باهل" "باهلة" وعلى "زيد أيل"، وعلى كل
стр. 1742
أعراب سبأ "وكل أعرب سبأ" وعلى حمير وحضرموت ويمنت١. وقد عينه بدرجة "كبر" أي "كبير" وهي من أعلى الوظائف في الدولة الملك "ياسر يهنعم" وابنه "ذرأ أمر أيمن". ومعنى هذا أن كندة كانت تابعة أيضًا في هذا العهد لحكم سبئيين، وأن ذلك الكبير كان يدير منطقة واسعة وضعها الملكان تحت تصرفه.
ويرى "جامة" أن أرض كندة يجب أن تكون في جنوب "قشمم" "قشم" "قشام" "القشم"، وذلك لأن النص: "JAMME ٦٦٠" يضعها بين "حضرموت" و"مذحج" فيرى لذلك أن منازلها في ذلك الوقت كانت عند هذه المواضع٢.
والمعروف اليوم أن أول من ذكر اسم "كندة" من المؤلفين الكلاسيكيين على وجه لا يقبل الشك أو الجدل، هو "نونوسوس"، وقد دعاها باسم "KINDYNOI" أي "كندة" وذكر أنها وقبيلة "مادينوي" "MADDYNOI" "معد" هما من أشهر القبائل العربية عددًا ومكانة، يحكمها رجل واحد اسمه "KAISOS" أي "قيس"٣.
وعلى أخبار الأخباريين معولنا في تدوين تأريخ كندة. وفي مقدمة هؤلاء ابن الكلبي الأخباري المعروف، وله مؤلف خصصه بتأريخ كندة، سماه: "كتاب ملوك كندة" ومؤلفات أخرى لها علاقة بهذه القبيلة٤، وأبو عبيدة والأصمعي، وعمر بن شبة، وأمثالهم ممن سترد أسماؤهم في ثنايا صحائف هذا الفصل. وهي أخبار تمثل جملة نزعات واتجاهات تصور تحزب أولئك الأخباريين وميولهم إلى هذه القبيلة أو تلك، فبينها أخبار تميل إلى تأييد أهل اليمن، وبينها أخبار ترجح كفة "كندة"، وبينها أخبار ترجع الفضل إلى كلب، وبينها أخبار تؤيد بني أسد، وطبيعتها على العموم من طبيعة ما يرونه لنا الأخباريون من روايات عن تأريخ العرب قبل الإسلام، فيها العصبية القبلية والتحزب، فيجب أن ننظر إليها إذن بحذر شديد.
стр. 1743
وقد ذكر حمزة أنه نقل أخبار ملوك كندة من "كتاب أخبار كندة"١، وأظنه قصد كتاب ابن الكلبي، الذي أشرت إليه. وفي استطاعة الباحث العثور على الموارد التي تفيدنا في تدوين تأريخ كندة ومعرفة اتجاهاتها وتعيين أسمائها. و"المفضليات" و"الأغاني" و"النقائض" وأمثالها وبقية كتب الأدب، هي خير أمثلة لتطبيق ما أقول.
ويذكر الأخباريون أن مواطن "كندة" الأصلية كانت بجبال اليمن مما يلي حضرموت٢. وقد أطلق "الهمداني" عليها "بلد كندة من أرض حضرموت"٣. وذكر ياقوت أن كندة مخلاف باليمن، هو باسم قبيلة كندة٤، وروى رواية لابن الكلبي تفيد أن هذه القبيلة كانت تقيم في دهرها الأول في "غر ذي كندة" أي في مواطن العدنانيين، ومن هنا احتج القائلون في كندة ما قالوا من نسبهم في عدنان، وهو يدل على وجود فريق كان يرى أن قبيلة كندة من قبائل عدنان٥ ويدل هذا الاختلاف على اختلاط كندة بالقحطانيين والعدنانيين، ومن أمثال هذا الاختلاط تتولد الأنساب.
ولم يتحدث الأخباريون عن مواطن كندة قبل استقرارهم في "غمر ذي كندة" وكيف وصلوا إلى هذا الموضع، ولا عن كيفية انتقالهم إلى حضرموت قبل الإسلام. وقد تحدث اليعقوبي عن حرب وقعت بين كندة وحضرموت. طال أمدها، وهلك فيها جمع من الرؤساء، منهم: "سعيد بن عمرو بن النعمان بن وهب"، و"عمر بن زيد" وكان على "بني الحارث بن معاوية" و"شرحبيل بن الحارث" وكان على السكون، وهؤلاء من كندة، و"مسعر بن مستعر" و"سلامة بن حجر" و"شرحبيل بن مرة" وهؤلاء من حضرموت.
فلما ملكت حضرموت "علقمة بن ثعلب" وهو يومئذ غلام، لانت كندة بعض اللين، وكرهت محاربه حضرموت، وكان القتل قد كثر فيها، فصارت كندة إلى أرض معد، ثم ملكوا رجلًا منهم كان أول ملوكهم يقال له "مرتع بن
стр. 1744
معاوية بن ثور" فملك عشرين سنة، ثم ملك ابنه ثور، ثم ابنه معاوية بن ثور، ثم الحارث بن معاوية، وكان ملكه أربعين سنة، ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة، وملك بعده حجر بن عمرو المعروف بـ"آكل المرار" الشهير الذي حالف بين كندة وربيعة بالذنائب وتولى الملك١ فهؤلاء إذن هم أسلاف "حجر بن عمرو"، حكموا كندة ومعدًا على رأي اليعقوبي قبل حجر بسنين.
وفي رواية لابن الكلبي أن "أول من أنسأ الشهور من مضر مالك بن كنانة، وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي، وهو يومئذ في كندة، وكانت النسأة قبل ذلك في كندة؛ لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف المقاول"٢. وتدل هذه الرواية على أن هذه القبيلة كانت على اتصال وثيق بالقبائل المنتسبة إلى معد، وربما كان اتصالها هذا أوثق وأقوى من اتصالها بقبائل قحطان، مع أن النسابين يعدونها من قبائل قحطان.
وأقدم رجل في كندة تحدث عنه الأخباريون بشيء من التفصيل والوضوح، هو "حجر" الملقب بـ"آكل المرار"٣، وهو ينسب إلى "عمرو بن معاوية بن ثور بن مرتفع بن معاوية" على رواية٤، وإلى "عمرو بن معاوية بن الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن كندة" على رواية أخرى٥.
стр. 1745
ورويت روايات أخرى تختلف عن هذه السلسلة بعض الاختلاف١. وذكر أنه كان أخًا لـ"حسان بن تبع" لأمه. فلما دوخ "حسان" بلاد العرب، وسار في الحجاز، وهم بالانصراف، ولَّى أخاه "حجرًا" على "معد بن عدنان" كلها، فدانوا له، وسار فيهم أحسن سيرة٢.
وفي رواية أخرى من روايات الأخباريين أن التبايعة كانوا يصاهرون "بني معاوية بن عنزة" من كندة، وكانوا يملكون في "دمون"، ويولونهم على "بني معد بن عدنان" بالحجاز، فكان أول من ولي منهم "حجر آكل المرار"، ولَّاه "تبع بن كرب" الذي كسا الكعبة، وولى بعده ابنه "عمرو بن حجر"٣.
فيفهم من هذه الرواية أن "بني معد" كانوا أتباعًا للتبابعة يعينون عليهم من يشاءون من الناس.
وفي رواية ترجع إلى ابن الكلبي، مفادها أن تبعًا المعروف بـ"أبي كرب" حين أقبل سائرًا إلى العراق نزل بأرض معد، فاستعمل عليها "حجرًا آكل المرار"، ومضى لوجهه. فلما هلك، بقي حجر لحسن سيرته مطاعًا في مملكته. وملك الشأم يومئذ "زياد بن الهبولة السليحي" والملك الأعظم في بني جفنة، وزياد كالمتغلب على بعض الأطراف، فقتله حجر. وقد بقي حجر حتى خرف، وله من الولد: عمرو ومعاوية٤.
فيظهر من الرواية المتقدمة أن حجرًا كان معاصرًا لـ"زياد بن الهبولة السليحي" وهو ملك عرب الشأم يومئذ، ويذكر حمزة أن "حجرًا "قتله٥.
وفي رواية أخرى أن حجرًا هو أول ملوك كندة. وكانت كندة قبل أن يملك حجر عليها بغير ملك، فأكل القوي الضعيف، فلما ملك حجر سدد أموالها وساسها أحسن سياسة، وانتزع من اللخميين ما كان بأيديهم من أرض "بكر بن وائل". وبقي حجر كذلك حتى مات٦. فـ"حجر" على هذه الرواية
стр. 1746
أول ملك من ملوك كندة، وأول زعيم من زعمائها تمكن من توحيد صفوفها ومن تغليبها على قبائل أخرى، ومن توسيع رقعة أراضيها حتى بلغت حدود مملكة لحم.
وذكر عدد من الأخباريين أن والد "حسان تبع" هو "أسعد أبو كرب" المعروف بـ"تبع الأوسط"، وهو ابن "كلي كرب بن تبع"١. وقد ذهب "هاتمن" "HARTMANN" إلى أن "حسان تبع" هذا هو "شرحبيل يعفر" المذكور في نص "GLASER ٥٥٤" الذي يعود تأريخه إلى سنة "٤٥٠" للميلاد، وهو ابن "أب كرب أسعد" الذي حكم على تقدير "هومل" من سنة "٣٨٥" حتى سنة "٤٢٠" للميلاد٢، غير أننا يجب أن نأخذ أمثال هذه الأمور بحذر٣، خاصة فيما يتعلق بفتوحات التبابعة واتساع ملكهم وغير ذلك مما يقصه علينا الأخباريون.
ونزل حجر على رواية بنجد بـ"بطن عاقل" وكان اللخميون قد ملكوا كثيرًا من تلك البلاد، ولا سيما بلاد "بكر بن وائل" فنهض بهم وحارب اللخميين، واستخلص أرض بكر منهم٤، ويقع "بطن عاقل" في جنوب "وادي الرمة" على الطريق بين مكة والبصرة٥.
ويحدثنا بعض الرواة أن حجرًا بينما كان يغزو عمانًا، بلغ ذلك "الحارث بن الأهيم "الأيهم" بن الحارث الغساني"، فأغار على أرض حجر، وأخذ أموالًا لحجر، وقينة من أحب قيانه إليه، وانصرف، فقال للقينة: "ما ظنك بحجر؟ " فقالت: "لا أعرفه ينام إلا وعضو منه يقظان، وليأتينك فاغرًا فاه كأنه بعير أكل مرارًا، فإن رأيت أن تنجو بنفسك فافعل"، فلطمها الغساني فما لبثوا أن لحقهم حجر كما وصفت، فرد القينة والأموال، وكان حجر قد رجع من غزاة عمان وهو يقول بعد أن بلغه غارة الغساني: "لا غزو إلا بالتعقيب"٦ وذكر "الهمداني" في معرض تفسيره لـ"آكل المرار" مضمون هذه الرواية دون
стр. 1747
أن يشير إلى اسم الغساني، أو اسم الموضع الذي كان حجر يغزو فيه١. وذكرت بعض الروايات الحارث بن جبلة بدلًا من الحارث بن الأهيم "الأيهم" بن الحارث الغساني٢.
وذكر الميداني القصة نفسها عن "الحارث بن مندلة الضجعمي" من "بني سليح". أما "ابن هشام"، فجعله "عمرو بن الهبولة الغساني"٣.
وفي رواية أخرى أن الغازي هو "زياد بن الهبولة" ملك الشأم، وكان من "سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، غزا ملك حجر في أثناء إغارة حجر في كندة وربيعة على البحرين، فأخذ الحريم والأموال، وسبى "هندًا بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية" زوجة حجر. فلما سمع حجر وكندة وربيعة، عادوا من غزوهم في طلب "ابن الهبولة" ومع حجر أشراف ربيعة "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان"، و"عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان"، وغيرهما، فأدركوا "زيادًا" "عمرًا؟ " بـ"البردان" دون عين أباغ، وقد أمن الطلب، فنزل حجر في سفح جبل، ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل بالصحصحان على ماء يقال له "حفير"، ووقعت معركة تغلب فيها حجر على خصمه، وأخذ زياد أسيرًا، ثم قتل، واسترجعت منه هند في قصة معروفة مشهورة فيها شعر على الطريقة المألوفة عند الأخباريين٤. وتقول الرواية أنه بعد أن انتقم وانتصر، عاد إلى الحيرة٥. وقد عرفت هذه المعركة بـ"يوم البردان"٦.
ويلاحظ أن ابن الأثير أورد في روايته عمرًا بدلًا من زياد، أي زياد بن الهبولة ملك الشأم كما هو مقتضى الكلام، وأورد في نهاية القصة هذه الجملة "ثم عاد إلى الحيرة" وهي تشعر أن موضع حجر كان في الحيرة، ولم يذكر أحد أنه كان فيها.
стр. 1748
ويظهر أن المورد الذي نقل منه ابن الأثير أو أصحاب القصة، لم يحسن حبكها، أو أنه خلط بين قصتين، فظهرت في هذا الشكل.
وقد انتبه ابن الأثير إلى هذا الاضطراب، فقال: "هكذا قال بعض العلماء: أن زياد بن هبولة السليحي ملك الشأم غزا حجرًا. وهذا غير صحيح؛ لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشأم مما يلي البر من فلسطين إلى "قنسرين"، والبلاد للروم، ومنهم أخذت غسان هذه البلاد، وكلهم كانوا عمالًا لملوك الروم، كما كان ملوك الحيرة عمالًا لملوك الفرس على البر والعرب، ولم يكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشأم، وقولهم ملك الشام غير صحيح.
وزياد بن هبولة السليحي ملك مشارف الشام، أقدم من حجر آكل المرار بزمان طويل؛ لأن حجرًا هو جد الحارث بن عمرو بن حجر الذي ملك الحيرة والعرب بالعراق أيام قباذ أبي أنو شروان، وبين ملك قباذ والهجرة نحو ثلاثين ومائة سنة. وقد ملكت غسان أطراف الشأم بعد سليح ستمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، وأقل ما سمعت فيه ست عشرة سنة وثلاثمائة سنة، وكانوا بعد سليح، ولم يكن زياد آخر ملوك سليح، فتزيد المدة زيادة أخرى، وهذا تفاوت كثير، فكيف يستقيم أن يكون ابن هبولة الملك أيام حجر حتى يغير عليه، وحيث أطبقت رواة العرب على هذه الغزاة، فلا بد من توجيهها، وأصلح ما قيل فيه: إن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسًا على قوم، أو متغلبًا على بعض أطراف الشأم. وبهذا يستقيم هذا القول والله أعلم.
وقولهم أيضًا أن حجرًا عاد إلى الحيرة لا يستقيم أيضًا؛ لأن ملوك الحيرة من ولد عدي بن نصر اللخمي، لم ينقطع ملكهم لها إلا أيام قباذ، فإنه استعمل الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، كما ذكرنا من قبل، فلما ولي أنو شروان، عزل الحارث، وأعاد اللخميين. ويشبه أن يكون بعض الكنديين قد ذكر هذا تعصبًا، والله أعلم.
إن أبا عبيدة ذكر هذا اليوم، ولم يذكر أن ابن هبولة من سليح، بل قال: "هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان، ولم يذكر عوده إلى الحيرة، فزال هذا الوهم"١.
стр. 1749
وبهذا التعليق أراد ابن الأثير إصلاح ما جاء في الرواية المذكورة من أوهام.
ولكن تعليقه نفسه فيه أوهام وأخطاء من حيث عدد السنين وتقدير المدد وما شاكل ذلك من أمور ترد في روايات أهل الأخبار.
ولا نعرف متى توفي حجر، وقد ذكر ابن الأثير أنه توفي بـ"بطن عاقل" وبه دفن١. ويرى "أوليندر" "OLINDER" استنادًا إلى تقدير سنة وفاة الحارث حفيد "حجر" بسنة "٥٢٨" للميلاد، وإلى تقدير مدة حكم الضجاعمة من "بني سليح"، أنه حكم في الربع الأخير من القرن الخامس للميلاد٢.
ويرى بعض الباحثين أن حجرًا هو "OGARUS" المذكور في بعض التقاويم في حوادث السنين ٤٩٧ و٥٠١ و٥٠٢ للميلاد. وقد ذكر معه اسم أخ له عرف بـ"BADICHARIMUS" أي "معديكرب"، كما ذكر أحد أحفاده وهو "ARETHA" أي الحارث٣.
ونسب الأخباريون لـ"حجر" ثلاث زوجات، هن: "هند" ابنة "ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية" وتعرف بـ"هند الهنود" و"أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني" وهي أم "الحارث بن حجر"٤، وأما الثالثة فمن حمير٥.
وفي ديوان الشاعر الجاهلي "بشر بن أبي خازم الأسدي" قصيدة يمدح فيها "عمرو بن أم أناس"، أو "أم أياس"٦، وهو من "كندة". وأم أناس هي ابنة "عوف بن محلم الشيباني" الذي يضرب به المثل، فيقال: "لا حر بوادي عوف". وهو من بيت شرف قديم، لهم قبة يقال لها "المعاذة" من لجأ إليها أعاذوه٧. ومما جاء في مدح هذا الشاعر له:
стр. 1750
وَالمانِحُ المِائَةَ الهِجانَ بِأَسرِها ... تُزجى مَطافِلُها كَجَنَّةِ يَثرِبِ
وَلَرُبَّ زَحفٍ قَد سَمَوتَ بِجَمعِهِ ... فَلَبِستَهُ رَهوًا بِأَرعَن مُطنِبِ
بِالقَومِ مُجتابي الحَديدِ كَأَنَّهُم ... أُسدٌ عَلى لُحُقِ الأَباطِلِ شُزَّبِ١
ويستفاد من هذه القصيدة أن الممدوح، وهو عمرو، كان كريمًا سخيًّا يهب المئات من الإبل الهجان الطيبة الأعراق، وأنه كان صاحب جيش قوي. وينطبق هذا الوصف على "عمرو بن حجر". أكثر من انطباقه على "عمرو بن الحارث" جد "امرئ القيس". وذلك على رواية من زعم أنه كان للحارث جد الشاعر المذكور ولد اسمه "عمرو" من زوجة له دعوها "أم أناس" ابنة "عوف بن محلم الشيباني" إذ لم يكن وضع أولاد الحارث وضعًا حسنًا بعد النكبة التي نزلت بمصيبة والدهم وبتعقب المنذر بن ماء السماء لهم، وبثورة القبائل عليهم.
فليس من المعقول أن يهب "عمرو" تلك الهبات وأن يجمع له جيش لجب.
خاصة وأن الرواة لم يذكروا اسمه في جملة أسماء أبناء الحارث الذين ملكهم على القبائل في حياته أو الذين ورثوا ملكه بعد مماته.
وقد نص "ابن قتيبة" في كتابه: "المعاني الكبير" على أن "عمرو بن أم أناس" هو "عمرو بن حجر الكندي" الذي كان جد "عمرو بن هند"، وهند أم "عمرو بن هند" هي ابنته. وذكر أن "أم عمرو بن حجر" هي "أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة" وأنه هو المذكور في شعر الحارث بن حلزة، إذ يقول:
وَوَلَدنا عَمرو بِن أُمِّ أُناسٍ ... مِن قَريبٍ لَمّا أَتانا الحِباءُ٢
وقد اختلف أهل الأخبار كما رأينا في السبب الذي حمل الناس على تلقيب "حجر" بـ"آكل المرار". فذهبوا في ذلك جملة مذاهب ذكروها في أثناء حديثهم عنه٣.
стр. 1751
وصار "عمرو بن حجر "المعروف بـ"المقصور" ملكًا بعد أبيه. ويقولون إنه إنما قيل له "المقصور" لأنه قصر على ملك أبيه، أو لأن "ربيعة" قصرته عن ملك أبيه، وبذلك سمي المقصور١.
وكان لـ"عمرو" كما يقول الأخباريون أخ اسمه "معاوية" ويعرف بـ"الجون"٢ "الجوف"٣، كان نصيبه "اليمامة". ويظهر من هذا الخبر أنه أخذ من شقيقه هذه المنطقة وترك الأرضين الباقية لأخيه.
ويذكر أهل الأخبار أن "عمرو" و"معاوية" شقيقه هو "شعية بن أبي معاصر بن حسان بن عمرو بن تبع"٤. ويظهر من هذا النسب أنها كانت من أسرة يمانية رفيعة ومن البيوتات التي كانت تحكم بعض المقاطعات.
وورد في رواية أن "عمرًا" غزا الشأم ومعه ربيعة، فلقيه الحارث بن أبي شمر الغساني فقتله. ولم يضف "اليعقوبي" صاحب الرواية المذكورة إلى هذه الرواية شيئًا عن حياة "عمرو" المقصور٥. أما "حمزة"، فلم يشر إليه بشيء٦.
وفي رواية أن ربيعة حينما قصرت عمرًا عن ملك أبيه، استنجد عمرو المقصور "مرثد بن عبد ينكف الحميري" على ربيعة، فأمده بجيش عظيم. فالتقوا بـ"القنان"، فشد عامر الجون على عمرو المقصور فقلته٧. فهذه الرواية تنفي رواية من يقول إن الحارث بن شمر الغساني هو الذي قتله.
وإذا صحت الرواية المتقدمة، تكون "ربيعة" قد ثارت على "ابن حجر" لأنها أرادت التخلص من حكم كندة لها. وقد تمكنت من ذلك على الرغم من المساعدة اليمانية التي قدمت له.
ويظهر من الروايات الواردة عن عمرو ومن تلقيبه بلقب: "المقصور" ومن
стр. 1752
الشروح التي ذكرها الرواة في تفسير هذه الكلمة، أن "عمرًا" لم يكن قويًّا صاحب عزم وإرادة، وأنه اكتفى بما وقع له من أبيه، فلم يسع في توسيعه وتقويمه، وأن حكمه على ما يظهر لم يكن طويلًا، وقد جعله ابن الكلبي في جملة من كان يخدم "حسان بن تبع" تبع حمير، ولم يلقبه بلقب ملك، بل قال: إنه كان سيد كندة في زمانه. وذكر أن "حسان بن تبع" حين سار إلى جديس، خلقه على بعض أموره. فلما قتل "عمرو بن تبع" أخاه "حسان بن تبع"، وملك مكانه اصطنع "عمرو بن حجر"، وكان ذا رأي ونبل، وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بن أخيه حسان أن زوجة ابنة "حسان بن تبع"، فتكلمت في ذلك حمير. وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها؛ لأنه لم يكن يطمع في الترويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب. وولدت ابنة "حسان بن تبع" لعمرو بن حجر "الحارث" الذي عينه "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن"، أي خال "الحارث" على بلاد معد١.
ويظهر من رواية مرجعها ابن الكلبي أن الأسود بن المنذر ملك الحيرة، كان قد تزوج ابنة لـ"عمرو بن حجر"، فولدت له "النعمان بن الأسود" الذي حكم في زمن "قباذ" أربع سنين، ولذلك عرفت بـ"أم الملك"٢.
وانتقل الملك على رأي أكثر الأخباريين من عمرو إلى ابنه الحارث: وهو المعروف بـ"الحارث الحراب" على بعض الروايات٣. وقد ورد في شعر للشاعر "لبيد" هذا البيت:
وَالحارِثُ الحَرّابُ خَلّى عاقِلًا ... دارًا أَقامَ بِها وَلَم يَتَنَقَّلِ
وقد ذهب الأصمعي إلى أن الشاعر المذكور قصد بـ"الحارث الحراب" الحارث الذي نتحدث عنه. وذلك لأن "عاقلًا" من ديار كندة. وهو جبل كان يسكنه "حجر أبو امرئ القيس"٤. وإذا أخذنا بهذه الرواية وجب علينا أن نفترض أنه كان قد أقام بموضع عاقل وحكم منه في أغلب الأوقات.
стр. 1753
وقد نعت "حمزة" الحارث بـ"المقصور"١. وقد رأينا أن جماعة من الأخباريين منحت هذا اللقب لـ"عمرو".
وقد اختلف الرواة في أم "الحارث"، فذهب بعض منهم إلى أنها ابنة "حسان بن تبع"٢، وذهب بعض منهم إلى أنها "أم أناس"٣ أو "أم إياس"٤ بنت "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان"، وأمها "أمامة بنت كسر بن كعب بن زهير بن جشم" من تغلب٥.
وفي رواية أخرى، أن "أم أناس"، وكانت زوجة لـ"حجر" وهي أم "الحارث بن حجر" و"هند بنت حجر". ولذلك فهي ليست أمًّا للحارث بن عمرو المقصور، كما جاء في الرواية المتقدمة. ويظهر أن مرد هذا اختلاف يعود إلى تشابه الاسمين، وإلى عدم تمييز الرواة بينهما. ويكون "الحارث بن حجر" المذكور إذن شقيقًا لعمرو بن حجر٦.
وقد ذكر "ثيوفانس" رئيسًا عربيًّا دعاه "الحارث من بني ثعلبة" "ARETAS O. THALABAYNYS"، يظن "أوليندر" أنه "الحارث الكندي"٧، ويرجح لذلك الرواية الثانية التي تجعل أم الحارث "أم أناس" "أم إياس". ذلك لأن "أم أناس" من شيبان، وشيبان هو ابن ثعلبة في عرف النسابين، فيكون هذا الحارث على رأيه هو الحارث الكندي.
ولست أستطيع الجزم بهذا الرأي، فإن "الحارث" من الأسماء المعروفة الكثيرة الاستعمال عند العرب في بادية الشأم وفي بلاد الشأم، وشمال الحجاز ونجد، وقد عرفنا أسماء عدد من الأمراء وسادات القبائل عرفوا بهذا الاسم، ثم إن نسبة الحارث إلى الثعلبانية "ثعلبة"، لا يدل على أن الحارث الذي ذكره "ثيوفانس" هو "الحارث الكندي"، بل يدل على أنه كان من قبيلة اسمها "ثعلبة" أو "ثعلبان".
وقد ذكر كتبه اليونان والسريان اسم قبيلة "ثعلبة" وكانت من القبائل الخاضعة
стр. 1754
للروم. فورد "طايوي ربيث رومرين ديث ثعلبة"، أي "العرب الذين في أرض الروم الملقبون ببني ثعلبة"، وورد ذكرها في أخبار مؤرخي الكنيسة في النصف الثاني من القرن الرابع للميلاد١.
وفي "طيء" ثلاثة بطون عرفت بـ"بني ثعلبة"، هي "ثعلبة بن ذهل"، و"ثعلبة بن رومان" و"ثعلبة بن جدعاء"، وتعرف بـ"ثعالب طيء".
ويوجد أيضًا "بنو ثعلبة بن شيبان" من بطون "تميم"٢. وقد عرف "بنو شيبان بن ثعلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل" و"بنو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاية" بـ"بني ثعلبة" في تواريخ الروم والسريان.
ومن "شيبان" كان "حارث بن عباد" سيد شيبان في حرب البسوس. وقد عرفوا بـ"THALABENES" عند الروم٣.
وتذكر رواية لابن الكلبي أن "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن"، أعان "الحارث بن عمرو" وساعده على تولي الملك. و"تبع بن حسان بن تبع"، هو خاله على هذه الرواية. وتزعم أنه بعث إلى ابن أخته بجيش عظيم سار معه إلى بلاد معد والحيرة وما والاها، فسار إلى "النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة"، فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وملك "الحارث بن عمرو الكندي" ما كانوا يملكون٤.
ولا نعرف من الأسماء المذكورة في الكتابات العربية الجنوبية اسم ملك يدعى "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن". ويرى "هارتمن" "HARTMANN" أن الأخباريين أرادوا به "شرحبيل يكف"، وهو ابن شرحبيل يعف" المذكور اسمه في النص المؤرخ بسنة "٤٦٧"٥.
يظهر من رواية "ابن الكلبي" المتقدمة أن الملك لم ينتقل إلى الحارث من أبيه إرثًا، وإنما جاءه بمساعدة خاله "تبع بن حسان بن تبع". ولم تذكر الرواية
стр. 1755
الأسباب التي دعت إلى اعتماد الحارث على "تبع" في تولي الملك. ولو صحت هذه الرواية كان معناها أنه لم يتمكن من الحصول على حقه في الملك إما لامتناع القبائل من قبوله ملكًا عليها، مما دعاه إلى الاستعانة بـ"تبع" أو بغيره، وإما لأن ملك والده يوم توفي لم يكن واسعًا، بل كان مقتصرًا على كندة ومن في حلفها، أو لأنه لقي مقاومة من أشقائه وأقربائه، مما دفعه إلى الاستعانة بالغرباء في تنصيب نفسه ملكًا على كندة وعلى القبائل الأخرى، ثم على توسيع ملكه فيما بعد.
ولدينا رواية أخرى، تذكر أن الذي ساعد "الحارث بن عمرو" على تولي الحكم على بلاده معد، هو "صهبان بن ذي خرب"، وذلك أن معدًا لما انتشرت تباغتت وتظالمت، فبعثت إلى صهبان تسأله أن يملك عليها رجلًا يأخذ لضعيفها من قويها مخافة التعدي في الحروب، فوجه إليها الحارث بن عمرو الكندي، واختاره لها؛ لأن معدًا أخواله، أمه امرأة من بني عامر بن صعصعة، فسار الحارث إليها بأهله وولده. فلما استقر فيها، ولى ابنه حجر، وهو أبو امرئ القيس الشاعر على أسد وكنانة، وولى ابنة شرحبيل على قيس وتميم، وولى ابنه معديكرب، وهو جد الأشعث بن قيس الكندي على ربيعة، فمكثوا كذلك إلى أن مات الحارث، فأقر صهبان كل واحد منهم في ملكه، فلبثوا بذلك ما لبثوا. ثم إن بني أسد وثبوا على ملكهم حجر بن عمرو، فقتلوه. فلما بلغ ذلك صهبان، وجه إلى مضر عمرو بن نابل اللخمي، وإلى ربيعة لبيد بن النعمان الغساني، وبعث برجل من حمير يسمى أوفي بن عنق الحية وأمره أن يقتل بني أسد أبرح القتل. فلما بلغ ذلك أسدًا وكنانة، استعدوا. فلما بلغ أوفي ذلك، انصرف نحو صهبان، واجتمعت قيس وتميم فأخرجوا ملكهم عمرو بن نابل عنهم فلحق بصهبان، وبقي معديكرب جد الأشعث ملكًا على ربيعة١.
أما صهبان، فهو رجل لم يكن من أهل بيت الملك في حمير، بل كان قد وثب على الملك وأخذه عنوة، وذلك حينما تضعضع أمر الحميرية بقتل "عمرو بن تبع" أخاه "حسان بن تبع"، فانتهز صهبان هذه الفرصة، ووثب على "عمرو بن تبع" فقتله واستولى على ملكه وصار الأمر إليه٢.