← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وصار "عمرو بن حجر "المعروف بـ"المقصور" ملكًا بعد أبيه. ويقولون إنه إنما قيل له "المقصور" لأنه قصر على ملك أبيه، أو لأن "ربيعة" قصرته عن ملك أبيه، وبذلك سمي المقصور١. وكان لـ"عمرو" كما يقول الأخباريون أخ اسمه "معاوية" ويعرف بـ"الجون"٢ "الجوف"٣، كان نصيبه "اليمامة". ويظهر من هذا الخبر أنه أخذ من شقيقه هذه المنطقة وترك الأرضين الباقية لأخيه. ويذكر أهل الأخبار أن "عمرو" و"معاوية" شقيقه هو "شعية بن أبي معاصر بن حسان بن عمرو بن تبع"٤. ويظهر من هذا النسب أنها كانت من أسرة يمانية رفيعة ومن البيوتات التي كانت تحكم بعض المقاطعات. وورد في رواية أن "عمرًا" غزا الشأم ومعه ربيعة، فلقيه الحارث بن أبي شمر الغساني فقتله. ولم يضف "اليعقوبي" صاحب الرواية المذكورة إلى هذه الرواية شيئًا عن حياة "عمرو" المقصور٥. أما "حمزة"، فلم يشر إليه بشيء٦. وفي رواية أن ربيعة حينما قصرت عمرًا عن ملك أبيه، استنجد عمرو المقصور "مرثد بن عبد ينكف الحميري" على ربيعة، فأمده بجيش عظيم. فالتقوا بـ"القنان"، فشد عامر الجون على عمرو المقصور فقلته٧. فهذه الرواية تنفي رواية من يقول إن الحارث بن شمر الغساني هو الذي قتله. وإذا صحت الرواية المتقدمة، تكون "ربيعة" قد ثارت على "ابن حجر" لأنها أرادت التخلص من حكم كندة لها. وقد تمكنت من ذلك على الرغم من المساعدة اليمانية التي قدمت له. ويظهر من الروايات الواردة عن عمرو ومن تلقيبه بلقب: "المقصور" ومن

стр. 1752

الشروح التي ذكرها الرواة في تفسير هذه الكلمة، أن "عمرًا" لم يكن قويًّا صاحب عزم وإرادة، وأنه اكتفى بما وقع له من أبيه، فلم يسع في توسيعه وتقويمه، وأن حكمه على ما يظهر لم يكن طويلًا، وقد جعله ابن الكلبي في جملة من كان يخدم "حسان بن تبع" تبع حمير، ولم يلقبه بلقب ملك، بل قال: إنه كان سيد كندة في زمانه. وذكر أن "حسان بن تبع" حين سار إلى جديس، خلقه على بعض أموره. فلما قتل "عمرو بن تبع" أخاه "حسان بن تبع"، وملك مكانه اصطنع "عمرو بن حجر"، وكان ذا رأي ونبل، وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بن أخيه حسان أن زوجة ابنة "حسان بن تبع"، فتكلمت في ذلك حمير. وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها؛ لأنه لم يكن يطمع في الترويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب. وولدت ابنة "حسان بن تبع" لعمرو بن حجر "الحارث" الذي عينه "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن"، أي خال "الحارث" على بلاد معد١. ويظهر من رواية مرجعها ابن الكلبي أن الأسود بن المنذر ملك الحيرة، كان قد تزوج ابنة لـ"عمرو بن حجر"، فولدت له "النعمان بن الأسود" الذي حكم في زمن "قباذ" أربع سنين، ولذلك عرفت بـ"أم الملك"٢. وانتقل الملك على رأي أكثر الأخباريين من عمرو إلى ابنه الحارث: وهو المعروف بـ"الحارث الحراب" على بعض الروايات٣. وقد ورد في شعر للشاعر "لبيد" هذا البيت: وَالحارِثُ الحَرّابُ خَلّى عاقِلًا ... دارًا أَقامَ بِها وَلَم يَتَنَقَّلِ وقد ذهب الأصمعي إلى أن الشاعر المذكور قصد بـ"الحارث الحراب" الحارث الذي نتحدث عنه. وذلك لأن "عاقلًا" من ديار كندة. وهو جبل كان يسكنه "حجر أبو امرئ القيس"٤. وإذا أخذنا بهذه الرواية وجب علينا أن نفترض أنه كان قد أقام بموضع عاقل وحكم منه في أغلب الأوقات.

стр. 1753

وقد نعت "حمزة" الحارث بـ"المقصور"١. وقد رأينا أن جماعة من الأخباريين منحت هذا اللقب لـ"عمرو". وقد اختلف الرواة في أم "الحارث"، فذهب بعض منهم إلى أنها ابنة "حسان بن تبع"٢، وذهب بعض منهم إلى أنها "أم أناس"٣ أو "أم إياس"٤ بنت "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان"، وأمها "أمامة بنت كسر بن كعب بن زهير بن جشم" من تغلب٥. وفي رواية أخرى، أن "أم أناس"، وكانت زوجة لـ"حجر" وهي أم "الحارث بن حجر" و"هند بنت حجر". ولذلك فهي ليست أمًّا للحارث بن عمرو المقصور، كما جاء في الرواية المتقدمة. ويظهر أن مرد هذا اختلاف يعود إلى تشابه الاسمين، وإلى عدم تمييز الرواة بينهما. ويكون "الحارث بن حجر" المذكور إذن شقيقًا لعمرو بن حجر٦. وقد ذكر "ثيوفانس" رئيسًا عربيًّا دعاه "الحارث من بني ثعلبة" "ARETAS O. THALABAYNYS"، يظن "أوليندر" أنه "الحارث الكندي"٧، ويرجح لذلك الرواية الثانية التي تجعل أم الحارث "أم أناس" "أم إياس". ذلك لأن "أم أناس" من شيبان، وشيبان هو ابن ثعلبة في عرف النسابين، فيكون هذا الحارث على رأيه هو الحارث الكندي. ولست أستطيع الجزم بهذا الرأي، فإن "الحارث" من الأسماء المعروفة الكثيرة الاستعمال عند العرب في بادية الشأم وفي بلاد الشأم، وشمال الحجاز ونجد، وقد عرفنا أسماء عدد من الأمراء وسادات القبائل عرفوا بهذا الاسم، ثم إن نسبة الحارث إلى الثعلبانية "ثعلبة"، لا يدل على أن الحارث الذي ذكره "ثيوفانس" هو "الحارث الكندي"، بل يدل على أنه كان من قبيلة اسمها "ثعلبة" أو "ثعلبان". وقد ذكر كتبه اليونان والسريان اسم قبيلة "ثعلبة" وكانت من القبائل الخاضعة

стр. 1754

للروم. فورد "طايوي ربيث رومرين ديث ثعلبة"، أي "العرب الذين في أرض الروم الملقبون ببني ثعلبة"، وورد ذكرها في أخبار مؤرخي الكنيسة في النصف الثاني من القرن الرابع للميلاد١. وفي "طيء" ثلاثة بطون عرفت بـ"بني ثعلبة"، هي "ثعلبة بن ذهل"، و"ثعلبة بن رومان" و"ثعلبة بن جدعاء"، وتعرف بـ"ثعالب طيء". ويوجد أيضًا "بنو ثعلبة بن شيبان" من بطون "تميم"٢. وقد عرف "بنو شيبان بن ثعلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل" و"بنو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاية" بـ"بني ثعلبة" في تواريخ الروم والسريان. ومن "شيبان" كان "حارث بن عباد" سيد شيبان في حرب البسوس. وقد عرفوا بـ"THALABENES" عند الروم٣. وتذكر رواية لابن الكلبي أن "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن"، أعان "الحارث بن عمرو" وساعده على تولي الملك. و"تبع بن حسان بن تبع"، هو خاله على هذه الرواية. وتزعم أنه بعث إلى ابن أخته بجيش عظيم سار معه إلى بلاد معد والحيرة وما والاها، فسار إلى "النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة"، فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وملك "الحارث بن عمرو الكندي" ما كانوا يملكون٤. ولا نعرف من الأسماء المذكورة في الكتابات العربية الجنوبية اسم ملك يدعى "تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن". ويرى "هارتمن" "HARTMANN" أن الأخباريين أرادوا به "شرحبيل يكف"، وهو ابن شرحبيل يعف" المذكور اسمه في النص المؤرخ بسنة "٤٦٧"٥. يظهر من رواية "ابن الكلبي" المتقدمة أن الملك لم ينتقل إلى الحارث من أبيه إرثًا، وإنما جاءه بمساعدة خاله "تبع بن حسان بن تبع". ولم تذكر الرواية

стр. 1755

الأسباب التي دعت إلى اعتماد الحارث على "تبع" في تولي الملك. ولو صحت هذه الرواية كان معناها أنه لم يتمكن من الحصول على حقه في الملك إما لامتناع القبائل من قبوله ملكًا عليها، مما دعاه إلى الاستعانة بـ"تبع" أو بغيره، وإما لأن ملك والده يوم توفي لم يكن واسعًا، بل كان مقتصرًا على كندة ومن في حلفها، أو لأنه لقي مقاومة من أشقائه وأقربائه، مما دفعه إلى الاستعانة بالغرباء في تنصيب نفسه ملكًا على كندة وعلى القبائل الأخرى، ثم على توسيع ملكه فيما بعد. ولدينا رواية أخرى، تذكر أن الذي ساعد "الحارث بن عمرو" على تولي الحكم على بلاده معد، هو "صهبان بن ذي خرب"، وذلك أن معدًا لما انتشرت تباغتت وتظالمت، فبعثت إلى صهبان تسأله أن يملك عليها رجلًا يأخذ لضعيفها من قويها مخافة التعدي في الحروب، فوجه إليها الحارث بن عمرو الكندي، واختاره لها؛ لأن معدًا أخواله، أمه امرأة من بني عامر بن صعصعة، فسار الحارث إليها بأهله وولده. فلما استقر فيها، ولى ابنه حجر، وهو أبو امرئ القيس الشاعر على أسد وكنانة، وولى ابنة شرحبيل على قيس وتميم، وولى ابنه معديكرب، وهو جد الأشعث بن قيس الكندي على ربيعة، فمكثوا كذلك إلى أن مات الحارث، فأقر صهبان كل واحد منهم في ملكه، فلبثوا بذلك ما لبثوا. ثم إن بني أسد وثبوا على ملكهم حجر بن عمرو، فقتلوه. فلما بلغ ذلك صهبان، وجه إلى مضر عمرو بن نابل اللخمي، وإلى ربيعة لبيد بن النعمان الغساني، وبعث برجل من حمير يسمى أوفي بن عنق الحية وأمره أن يقتل بني أسد أبرح القتل. فلما بلغ ذلك أسدًا وكنانة، استعدوا. فلما بلغ أوفي ذلك، انصرف نحو صهبان، واجتمعت قيس وتميم فأخرجوا ملكهم عمرو بن نابل عنهم فلحق بصهبان، وبقي معديكرب جد الأشعث ملكًا على ربيعة١. أما صهبان، فهو رجل لم يكن من أهل بيت الملك في حمير، بل كان قد وثب على الملك وأخذه عنوة، وذلك حينما تضعضع أمر الحميرية بقتل "عمرو بن تبع" أخاه "حسان بن تبع"، فانتهز صهبان هذه الفرصة، ووثب على "عمرو بن تبع" فقتله واستولى على ملكه وصار الأمر إليه٢.

стр. 1756

وهناك رواية أخرى تذكر أن "صهبان بن محرث" هو الذي عين الحارث على معد. فهي تأييد للرواية المتقدمة. سوى أنها عينت اسم والد صهبان، بأن نصت عليه، فجعلته "محرثًا" أما الرواية المتقدمة فدعته "ذي خرب" و"ذي خرب" لقب، يعبر عن منصب وليس باسم علم. وفي رواية يرجع سندها إلى أبي عبيدة، أن بكر بن وائل لما تسافهت، وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها، ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا فأكل القوي الضعيف. فنرى أن نملك علينا ملكًا نعطيه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوي. ويرد على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا، فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكننا نأتي تبعًا فنملكه علينا، فأتوه، فذكروا له أمرهم، فملك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، فقدم فنزل بطن عاقل١. ويدرك من هذه الروايات أنه كان للتبايعة نفوذ على قبائل معد، وأن تلك القبائل كانت تستشيرهم في أمورها، وتحتكم إليهم فيما يحدث بينهم من خلاف. وأنه كان لهم يد في تعيين الحارث وتنصيبه على تلك القبائل. والشيء الوحيد الذي يمكن استخلاصه من هذه الروايات المدونة عن تعيين الحارث ملكًا، أنه تولى الحكم على كندة بعد وفاة أبيه، وأنه وسع ملكه بعد ذلك وقد يكون بمساعدة "تبع"، فصار ملكًا على كندة وبكر وعلى قبائل أخرى وأنه تمكن بشخصيته من رفع شأن قبيلته. ويرى "أوليندر" أنه حكم حوالي سنة "٤٩٠" للميلاد٢. وليس من السهل تعين اسم "التبع" الذي عين الحارث ملكًا كما جاء ذلك في الروايات اليمانية بالاستناد إلى نصوص المسند، وليس من السهل أيضًا تصور بلوغ نفوذ "ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الجبال وفي تهامة" المواضع التي ذكرها أخباريو اليمن. وقد رأينا آثار الوهن بادية على تلك المملكة، بحيث لم تتمكن من مقاومة غزو الحبشة لها. وليس من السهل أيضًا تصور مجيء "بكر" والقبائل الأخرى مختارة طائعة إلى الحارث تلتمس منه أن

стр. 1757

يتفضل عليها بأن يكون ملكًا عليها، وقد رأيناها كما يقول الأخباريون أنفسهم تنتقض على البيت المالك من كندة وتثور عليه، وتقتل أمراءها منهم، حال علمها بضعف ذلك البيت، وبوفاة الرجل الذي جمع تلك القبائل بقوته، ووحدها بشخصيته. والأقرب إلى المنطق هو أن هذه القبائل لم تعترف برئاسة الحارث عليها، وبتاجه عليها إلا لما رأته فيه من القوة، وإلا بعد استعمال القوة والعنف مع عدد من القبائل، فرضيت به ملكًا ما دام قويًّا والأمر بيديه، وهو منطق السياسة في الصحراء. وبهذا التفسير نستطيع فهم تكون ممالك أو إمارات بسرعة عجيبة، تظهر فجأة قوية تحتضن جملة قبائل، ثم تسير بسرعة فتهدد حدود الدول الكبرى وتهاجمها كالفيضان، فإذا أصيبت بهذه الدول تمزقت أوصالها وتجزأت كما تتجزأ الفقاعة وتذوب، هكذا حياة المالك في البوادي، ممالك تولد، وأخرى تموت. ويذكر الأخباريون أن الحارث الكندي جمع إلى ملكه ملك الحيرة وآل لحم، وذلك في زمن قباذ. ورووا في ذلك جملة روايات عن كيفية تولي الحارث ملك الحيرة، وطرده لملكها الشرعي وتولي الحكم دونه. فرووا أن الزمن لم يكن مؤاتيًا لـ"قباذ" يوم أوتي الحكم. كانت الأحوال مضطربة، والفتن رافعة رأسها في مواضع متعددة، والنفوذ في المملكة بيد الموابذة، ولموبذان موبذ الكلمة العليا؛ إذ هو الرئيس الروحي الأعلى في المملكة، كما كان للأغنياء وللإقطاعيين الشأن الأول في سياسة الدولة، فلم يعجب قباذ الوضع؛ لأنه "ملك الملوك" "شاهنشاه" ومن حق "ملك الملوك" ألا ينازع في الملك، ففكر في طريقة لتقليص ظل الموابذة والمتنفذين في المملكة من كبار الأغنياء والملاكين، ورأى أن خير ما يفعله في هذا الباب، هو نشر تعاليم مزدك بين الناس، فإذا انتشرت كانت كفيلة بالقضاء على الأغنياء وعلى رجال الدين المتنفذين١. وكان مزدك وأصحابه يقولون إن الناس تظالموا في الأموال والأرزاق، فاغتصبها بعضهم من بعض، وإن الأغنياء قد اغتصبوا رزق الفقراء "وإنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وإنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة، فليس هو بأولى به من غيره. فافترص السفلة ذلك، واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا

стр. 1758

يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم"١. هكذا وصف الطبري وغيره من الأخباريين دعوة مزدك. فهي على هذا الوصف دعوة اشتراكية جاءت مقوضة لرجال الدين والإقطاعيين ومتنفذة الأغنياء. فلما شايع قباذ المزدكية، اجتمعت كلمة "موبذان موبذ" والعظماء على إزالته من ملكه، فأزالوه عنه وحبسوه، وعينوا أخاه جاماسب مكانه، ويذكر الطبري أن ذلك كان في السنة العاشرة لملك قباذ، فيكون ذلك في سنة "٤٩٨ م" على رأي من جعل ابتداء ملكه في عام "٤٨٨م"٢. وقدر حدوثه أيضًا في سنة "٤٩٦م"٣. وقد مكث أخوه ملكًا ست سنوات ثم أزاله عنه أخوه قباذ الذي أفلت من السجن في قصة يرويها الأخباريون، واستعاد قباذ بذلك ملكه٤. فتكون استعادته ملكه في حوالي سنة "٥٠٤" أو "٥٠٢م". وقد مكث ملكًا حتى انتقل إلى العالم الثاني في سنة "٥٣١م". وتذكر رواية الأخباريين هذه. أن الملك قباذ طلب من المنذر بن ماء السماء الدخول فيما دخل فيه من مذهب مزدك وزندقته، فامتنع، فاغتاظ قباذ وانزعج منه، ودعا "الحارث بن عمرو" إلى ذلك، فأجابه، فاستعمله على الحيرة. وطرد المنذر من مملكته، فعظم سلطان الحارث، وفخم أمره، وانتشر ولده، فملكهم على بكر وتميم وقيس وتغلب وأسد٥. وكان من حل نجدًا من أحياء نزار تحت سلطان الحارث دون من نأى منهم عن نجد٦. فتربط هذه الرواية كما نرى بين زندقة قباذ وعزل المنذر وتنصيب الحارث ملكًا على الحيرة، بقبوله مذهب قباذ. وروى "حمزة" أن الحارث كان قد طمع في ملك "آل لخم". وكان قد وجد أن "قباذ" ضعيف الهمة فاتر العزم، غير ميال إلى القتال، وأنه سوف لا يساعد آل لحم. إن هو هاجمهم، لذلك ساق كندة ومن كان معه من بكر بن وائل عليهم، وباغت سادة الحيرة ولم يتمكنوا من الوقوف أمامه، فهرب.

стр. 1759

"المنذر" من دار مملكته بالحيرة ومضى حتى نزل إلى "الجرساء الكلبي" وأقام عنده إلى أن تغير الحال بوفاة قباذ، وتبدل سياسة الحكومة بتولي "كسرى أنو شروان" الملك فعاد إلى ملكه وقهر الحارث وتغلب عليه واستعاد ما اغتصب منه١. وذكر "حمزة" أن سبب لجوء "بكر بن وائل" إلى الحارث، وخضوعها لحكمه واشتراكها معه في مهاجمة "آل لخم" وانتزاع الحكم منهم، هو أن "امرأ القيس البدء" كان يغزو قبائل "ربيعة"، فينكي فيهم، ومنهم أصاب "ماء السماء"، وكانت تحت "أبي حوط الخطائر" فثارت به "بكر بن وائل" فهزموا رجاله، وأسروه، وكان الذي ولي أسره "سلمة بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان"، فأخذ منه الفداء وأطلقه، فبقيت تلك العداوة في نفوس "بكر بن وائل" إلى أن وهن أمر الملك "قباذ"، فعندها أرسلت بكر إلى الحارث بن عمرو فملكوه، وحشدوا له، ونهضوا معه حتى أخذ الملك ودانت له العرب٢. وبهذه الكيفية شرح "حمزة" كيفية تولي "الحارث" عرش الحيرة، وسبب بغض "بكر بن وائل" لآل لخم، بغضًا دعاها إلى تنصيب "الحارث" ملكًا عليها، وعلى الانتقام من آل لخم. ولابن الكلبي رواية عن كيفية تولي الحارث ملك الحيرة، ذكر "أن قباذ ملك فارس له ملك كان ضعيف الملك، فوثبت ربيعة على النعمان الأكبر أبي المنذر الأكبر ذي القرنين، وإنما سمي ذا القرنين لضفرين كانا له، فهو ذو القرنين بن النعمان بن الشقيقة. فأخرجوه، فخرج هاربًا حتى مات في إياد، وترك ابنه المنذر فيهم، وكان أرجى ولده عنده، فتنطلق ربيعة إلى كندة، وكان الناس في الزمن الأول يقولون إن كندة من ربيعة، فجاءوا بالحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي، فملكوه على بكر بن وائل، وحشدوا له، وقاتلوا معه، فظهر على ما كانت العرب تسكن من أرض العراق، وأبى قباذ أن يمد المنذر بجيش. فلما رأى ذلك المنذر، كتب إلى الحارث بن عمرو: إني في غير قومي، وأنت أحق من ضمني واكتنفني، وأنا متحول إليك. فحوله إليه، وزوجه

стр. 1760

ابنته هندًا. ففرق الحارث بن عمرو بنيه في قبائل العرب، فصار شرحبيل بن الحارث في بكر بن وائل وحنظلة بن مالك وبني زيد بن تميم وبني أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، وصار غلفاء وهو معديكرب في قيس، وصار سلمة بن الحارث في بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة بن تميم ... ومع معديكرب الصنائع، وهم الذين يقال لهم بنو رقية أم لهم ينسبون إليها. وكانوا يكونون مع الملوك من شذاذ الناس. فلما هلك أبوهم الحارث بن عمرو تشتت أمرهم وتفرقت كلمتهم، ومشت الرجال بيينهم، وكانت المغاورة بين الأحياء الذين معهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش ... "١. ولابن الكلبي رواية أخرى دونها الطبري، هذا نصها: "لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر بن عدي الكندي النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي أنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد، وأني أحب أن ألقاك. وكان قباذ زنديقًا يظهر الخير ويكره الدماء، ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه واستضعفه الناس. فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الغيوم ... فلما رأي الحارث ما عليه قباذ من الضعف، طمع في السواد، فأمر أصحابه مسالحه أن يقطعوا الفرات؛ فيغيروا في السواد، فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن فقال: هذا من تحت كنف ملكهم. ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصًا من لصوص العرب قد أغاروا، وأنه يجب لقاءه، فلقيه. فقال له قباذ: لقد صنعت صنيعًا ما صنعه أحد من قبلك. فقال له الحارث: ما فعلت ولا شعرت، ولكنها لصوص من لصوص العرب، ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود. قال له قباذ: فما الذي تريد؟ قال: أريد أن تطعمني من السواد ما أتخذ به سلاحًا. فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات، وهي ستة طساسيح، فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن: إني قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستة طساسيح،

стр. 1761

فاجمع الجنود، وأقبل ... فجمع تبع الجنود، وسار حتى نزل الحيرة، وقرب من الفرات، فآذاه البق، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهر إلى النجف، وهو نهر الحيرة، فنزل عليه، ووجه ابن أخيه شمر ذي الجناح إلى قباذ، فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري". وقد ترك ابن الكلبي الإشارة إلى الحارث وظفر إلى الحديث عن فتوحات شمر الذي أوصل فتوحاته إلى القسطنطينية، ثم إلى رومة "رومية"، ثم إلى عودة "تبع" وتهوده بتأثير أخبار يثرب، ثم إلى علم "كعب الأحبار" الذي استمده على حد قوله من بقية ما أورثت أحبار يهود١. ويرى "موسل" أن التقاء "الحارث" بـ"قباذ" "٤٨٨-٥٣١م" عند قنطرة الفيوم، كان سنة "٥٢٥" للميلاد٢. والفيوم موضع لا يبعد كثيرًا عن "هيت"٣: يفهم من رواية ابن الكلبي هذه أن الحارث التقى بملك الحيرة "النعمان بن المنذر" في معركة أسفرت عن مقتل "النعمان" وفرار المنذر ابنه، وعن انتصار عرب الحارث على عرب الحيرة، واستيلاء الحارث على ما كان يملكه النعمان، فلما حدث هذا ووقع، اضطر "قباذ" إلى ملاطفة الحارث واسترضائه. ولكن الحارث طمع في أكثر من ذلك، طمع في السواد، فأقطعه منه ما يلي جانب العرب من أسفل الفرات، أقطعه من ستة طساسيح. فليس في هذه إشارة إلى قبول "الحارث". الدخول في المزدكية، ولا إلى طرد النعمان من ملكه نتيجة لرفضه اتباعه في دينه، إنما هو ضعف قباذ وعجزه عن مساعدة صاحبه النعمان وانتهاز الحارث الذكي هذه الفرصة المواتية للاستيلاء على ما طمع فيه من ملك النعمان. أما الشق الثاني، وهو خبر "تبع"، وحروبه ومساعدته له، فهو على ما يظهر من هذا النحو الذي ألفناه في ربط تأريخ كندة باليمن، والإشادة بماضي القحطانيين وانفرادهم بالملك دون خصومهم العدنانيين، وإلى عدم تمكن كندة من العمل وحدها لولا مساعدة اليمانيين. يستنتج من كل هذه الروايات أن "الحارث بن عمرو" الكندي اغتصب عرش الحيرة أمدًا، اغتصبه من "النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة"، أو

стр. 1762

"المنذر الأكبر بن ماء السماء" أو "النعمان الأكبر أبو المنذر الأكبر ذو القرنين"، و"ذو القرنين"، هو "ذو القرنين بن النعمان بن الشقيقة"١، أو "النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقة"٢، وذلك في زمن "قباذ" ملك الفرس. ويقصد بـ"قباذ" هذا "قباذ" الأول الذي حكم ثلاثًا وأربعين سنة على ما جاء في الأخبار٣. ويقدر العلماء ذلك في سنة "٤٨٨" حتى سنة "٥٣١" بعد الميلاد٤. ولنتمكن من تعيين اسم الملك الذي قصده الرواة، علينا الرجوع إلى أسماء من حكم في أيام قباذ من ملوك الحيرة، وذلك على نحو ما رواه لنا الأخباريون. إن أول من حكم في عهد "قباذ"، على ما يدعيه "حمزة" هو الملك "الأسود بن المنذر"، وقد حكم في أيامه ست سنين، ثم المنذر بن المنذر، وأمه "هر"، وقد حكم سبع سنين. ثم النعمان بن الأسود، وأمه أم الملك بنت عمرو بن حجر أخت "الحارث بن عمرو بن حجر الكندي"، أربع سنين. ثم أبو يعفر بن علقمة الذميلي، وقد حكم ثلاث سنين. ثم امرؤ القيس بن النعمان بن امرئ القيس، وقد حكم سبع سنين. ثم امرؤ القيس بن النعمان بن امرئ القيس، وقد حكم سبع سنين، ثم المنذر بن امرئ القيس المعروف بالمنذر بن ماء السماء، وهو ذو القرنين، وقد حكم اثنتين وثلاثين سنة من ذلك ست سنين في زمن قباذ. ثم الحارث بن عمرو بن حجر الكندي، ولم يذكر "حمزة" مدة حكمه، إنما قال: "ذكر هشام عن أبيه أنه لم يجد الحارث فيمن أحصاه كتاب أهل الحيرة من ملوك العرب. ثم قال: وظني أنهم إنما تركوه لأنه توثب به الملوك بغير إذن من ملوك الفرس، ولأنه كان بمعزل عن الحيرة التي كانت دار المملكة ولم يعرف له مستقر وإنما كان سيارة في أرض العرب"٥. ولم يذكر حمزة مدة حكم "قباذ"٦. أما "الطبري"، فجعل "النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقة".

стр. 1763

الملك الذي كان قد حكم حينما تولى "قباذ" الحكم، وجعل "الحارث بن عمرو بن الحجر" الذي قتل النعمان على روايته من بعده. وقد دام حكمه على ما يظهر من رواية الطبري حتى أيام "كسرى أنو شروان بن قباذ". فلما قوي شأن "كسرى أنو شروان"، بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر، وأمه ماء السماء، فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو بن حجر١. أما "ابن الأثير"، وهو عيال على الطبري وناقل منه، فقد ذكر ما ذكره الطبري، وأضاف إليه: أن المنذر بن ماء السماء لما بلغه هلاك قباذ، وقد علم خلافه على أبيه في مذهبه، أقبل إلى "أنو شروان" فعرفه نفسه، وأبلغه أنه سيعيده إلى ملكه، وطلب "الحارث بن عمرو"، وهو بالأنبار، فخرج هاربًا في صحابته وماله وولده، فمر بـ"الثوبة"، فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء، فلحق بأرض كلب، ونجا، وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسًا من بني آكل المرار، فقدموا بهم على المنذر، فضرب رقابهم بـ"جفر الأميال"٢ "جفر الأملاك" في ديار بني مرينا العباديين بين دير بني هند والكوفة٣. ترى مما تقدم اختلاف الروايات وتباينها وتعددها، حتى إن الرواية الواحد مثل "ابن الكلبي" يروي لنا جملة روايات، قد يناقض بعضها بعضًا. لقد وجدنا منها ما زعمت أن قباذ طرد المنذر من مملكته، وأحل الحارث محله، ومنها ما زعمت أن المنذر استرضى الحارث بعد أن رأي عجزه وعجز صاحبه، فحوله إليه، وزوجه ابنته هند، ومنها ما ذكرت أن الحارث قتل النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقة، وأن المنذر بن النعمان الأكبر فر ونجا بنفسه، وأن الحارث ملك بالقوة ما كان يملكه ملوك الحيرة وأن قباذ داراه واسترضاه لما وجد فيه من البأس. فماذا نستخلص من مجموع هذه الروايات؟ كل ما يستخلص منها أن الحارث استبد بملك آل لخم، في أيام قباذ، وكان مركز هذا الملك صعبًا بسبب ضعفه، وبسبب العقيدة التي قبلها، وهي عقيدة تناقض ما كان عليه الناس. وقد حكم أمدًا: يظهر أنه امتد مدة حكم قباذ، ثم

стр. 1764

تغيرت به الأحوال، فعاد أصحاب البيت إلى بيتهم، وهرب هو إلى من حيث جاء، ولا نعرف على وجه التحقيق متى ولي الحكم، ولا متى غادره. لقد ذكرت أسماء الملوك الذي حكموا في أيام "قباذ" على رواية حمزة، وهي رواية تكاد تتفق مع القائمة التي دونها الطبري في آخر كلامه عن "كسرى أنو شروان" نقلًا عن هشام بن الكلبي لأسماء ملوك الحيرة ومدد حكمهم، وذلك قبل عهد "كسرى أنو شروان"١. فأي ملك من هؤلاء يمكن أن يكون هو الملك المقصود؟ لقد ذكر "بوشع العمودي" "JOSHUA THE STYLITE" أن ملك الحيرة "النعمان" اشترك مع "قباذ" في المعارك التي وقت بينه وبين الروم، فأصيب النعمان بجروح بليغة على مقربة من "قرقيسياء" "CLRCESLUM" قضت عليه، وذلك في سنة "٥٠٣" للميلاد. ولقد انتهز عرب الروم المسمون بالثعلبيين. "بني ثعلبة" هذه الفرصة، فغزوا الحيرة، واضطرت القوة التي تركها النعمان في عاصمته إلى الفرار للبادية. أفلا يجوز أن يكون هؤلاء الغزاة هم أعراب "الحارث الكندي"، انتهزوا هذه الفرصة فأغاروا على الحيرة واستولوا عليها، فصارت في قبضة "الحارث" على نحو ما رواه بعض الأخباريين؟ ثم ألا يجوز أن يكون بعض الرواة قد سمعوا بمقتل "النعمان"، فظنوا أن القائل هو "الحارث"، أو تعمدوا نسبة القتل إليه للرفع من شأن كندة ومن كان معها من قبائل٢؟ ولكن من يثبت لنا أن هؤلاء الأعراب الثعلبيين، أي من "بني ثعلبة"، وهم من عرب الروم على حد قول "يوسع العمودي" هم من أتباع الحارث أو أنهم من "آل الحارث" أي من كندة، وأن العائلة الكندية المذكورة كانت تعرف بـ"بني ثعلبة". وليس في الذي بين أيدينا من موارد، مورد واحد يذكر بأن "آل آكل المرار" هم من "بني ثعلبة" أو أنهم كانوا قد عرفوا بـ"بني ثعلبة" في يوم من الأيام، أو أنهم كانوا قد خضعوا لسلطان الروم، لذلك لا أظن أن "يوشع العمودي" قصد بالثعلبيين عرب الروم، كندة،

стр. 1765

وإنما قصد أعرابًا من أعراب الروم، كانوا يعرفون بـ"بني ثعلبة" أو "آل ثعلبة"، وكانوا يتمتعون باستقلالهم تحت حماية الروم. ولما وجدوها فرصة ما حل بالنعمان من جروح في الحرب التي خاضها مع الفرس على الروم، هاجموا الحيرة فانتهبوها، وكانت حاميتها ضعيفة ففرت إلى البادية، ولم يذكر المؤرخ مدة مكوث هؤلاء الأعراب في الحيرة، والظاهر أنها لم تكن سوى مدة قصيرة، وأنها كانت من نوع غارات الأعراب على المدن: غزو خاطف، يعقبه انسحاب عاجل لتأمين سلامة ما ينهبونه وإيصاله إلى ديارهم حتى لا تتمكن القوات التي ستأتي لمعاقبتهم من أخذ ما حصلوا عليه من غنائم وأموال. ويظهر أن حكم كندة للحيرة لم يكن طويلًا، ويظن أنه كان بين سنة "٥٢٥" وسنة "٥٢٨" للميلاد، وذلك في أثناء ظهور فتنة المزدكية في إيران١. وليس بمستبعد أن يكون الحارث قد اتصل بالفرس قبل هذا الزمن. في أثناء صلح سنة "٥٠٦" للميلاد، أو على أثر الفتور الذي طرأ على علاقاته بالبيزنطيين؛ لأنه وجد أن الاتفاق مع الفرس يعود عليه بفوائد ومنافع لا يمكن أن يغتنمها من الروم، ووجد بكرًا وتغلب قد زحفتا إذ ذاك من مواطنهما القديمة في اليمامة ونجد نحو الشمال تريدان النزول في العراق. وقد أقره الفرس على المناطق الصغيرة أو الواسعة التي استولى عليها لقاء جعل٢. لم يكن من مصلحة ملك الحيرة، بالطبع، الرضى بنزول منافس قوي أو منافسين أقوياء في أرضه أو في أرض مجاورة له. فلما ظهر الحارث في العراق، وعرف ملك الحيرة نياته وتقربه إلى الفرس، وملك الحيرة، هو باعتراف الفرس "ملك عرب العراق"، لم يكن من المعقول سكوته انتظارًا للنتائج. ومن هنا وقع الاختلاف٣. لم تكن العلاقات حسنة بين قباذ والمنذر ملك الحيرة، لسبب غير واضح لدينا وضوحًا تامًّا، قد يكون بسبب المزدكية، وقد يكون بسبب تقرب الحارث إلى الفرس وإقطاعهم إياه أرضًا وتودده الزائد إلى قباذ، وقد يكون لأسباب أخرى

стр. 1766

مثل تردد ملك الفرس وضعفه، فلم تكن له خطة ثابتة مما أثر في وضع "ملك عرب العراق" على كل حال، فقد أدى هذا الفتور إلى استفادة الحارث منه واستغلاله، فتقرب إلى الفرس وتودد إليهم حتى آل الأمر بأن يأخذ ملك الحيرة أمدًا حتى تغيرت الأحوال في فارس بموت قباذ وتولي "كسرى أنو شروان" الملك من بعده، فعاد المنذر عندئذ إلى عرش الحيرة وأبعد الحارث عن ملكه. وآراء الأخباريين متباينة كذلك في المكان الذي اختاره الحارث للإقامة فيه بعد اغتصابه ملك "آل لخم"، فبينما يفهم من بعض الروايات أنه استقر في الحيرة وأقام فيها، نرى بعضًا آخر يرى أنه أقام في الأنبار١. وبينما يذكر "حمزة" أن الحارث حينما بلغه خبر قدوم المنذر عليه واقترابه من الحيرة، هرب فتبعته خيل المنذر، مما يفهم أنه كان في الحيرة، نجده يقول في موضع آخر: "أن الحارث كان بمعزل عن الحيرة التي كانت دار المملكة، ولم يعرف له مستقر، إنما كان سيارة في أرض العرب"٢. ونجد صاحب الأغاني يذكر في موضع أنه كان في الأنبار، ويشير في موضع آخر أنه كان في الحيرة٣. وتتفق روايات الأخباريين على أن مجيء "كسرى أنو شروان" كان شرًّا على الحارث، وخيرًا لآل لخم، فقد كانت سياسة "أنو شروان" مناقضة لسياسة قباذ بسبب المزدكية. وقد ظهر اختلافهما هذا في السنين الأخيرة من سني حكم قباذ٤. وقد أدى هذا الاختلاف إلى محاربة المزدكية وسقوطها. ويحدثنا "ملالا" "john malalas" أن سقوطها كان بعد وفاة "الحارث" وقبل غارة المنذر على بلاد الشأم٥. وقد قام المنذر بها في شهر آذار من سنة "٥٢٨" للميلاد على رواية "ثيوفانس"٦ "theophanes". وكانت وفاة الحارث في أوائل سنة "٥٢٨" للميلاد٧. ومن رواية هذين الكاتبين يتبين أن الحارث كان قد قضى نحبه قبل

стр. 1767

القضاء على المزدكية بمدة غير طويلة، وأن المنذر كان في آذار سنة "٥٢٨" للميلاد قد قام بغارته على بلاد الشأم١. ويستدل من إشارة "ملالا" و"ثيوفانس" إلى موت الحارث في سنة "٥٢٨م" ومن تلقيبه بلقب "فيلارخس" أي عامل، على أن علاقات الحارث بالروم في أواخر أيام حياته كانت حسنة. ومعنى هذا أن خلافًا أو فتورًا كان قد وقع فيما بينه وبين الفرس، دفعه على التقرب نحو خصوم الساسانيين وهم الروم، فاتصل بهم وذلك في أيام "قباذ"، أو في أيام، "كسرى أنو شروان"٢. ويظهر أن تودد "الحارث" إلى البيزنطيين لم يأت له بنتيجة أو بفائدة تذكر. إذ يحدثنا الكاتبان "ملالا" و"ثيوفانس" أن قائد أن قائد فلسطين الرومي "ديوميدس" "diomedos" أجبر سيد قبيلة يدعى "أريتاس" "aritas"، أي "الحارث" على التراجع في اتجاه الهند "indica"، ويقصد بذلك جهة الجنوب أو الشرق، حيث كان يطلق البيزنطيون على العربية الجنوبية "الهند". فلما سمع بذلك "الموندارس" "alamoundaros" أي "المنذر" رئيس العرب "السرسيني" "saracens" الخاضعين لنفوذ الفرس، هجم على الحارث فقتله، وغنم أمواله وما ملكه وأسر أهله. فلما بلغ النبأ للقيصر "يوسطنيانوس" "justinianus"، أمر حكام "فينيقية" "phenicia" و"العربية" "arabia" والجزيرة وعامل الحدود بتعقب المنذر ومهاجمته. وقد اشترك في هذه الحملة عدد من القادة والحكام، وفي جملتهم سيد قبيلة اسمه "أريتاس" "aritas"، أي "الحارث". وهو الحارث بن جبلة الغساني على ما يظهر٣. ولم يتعرض الأخباريون للخبر الذي ذكره الكاتبان عن كيفية قتل "الحارث" ولا عن الأمر الذي أصدره القيصر بتعقب "المنذر"، والظاهر أنهم لم يقفوا عليه٤. غير أن للأخباريين رواياتهم الخاصة عن مصير صاحبنا "الحارث" الكندي. حدث صاحب "الأغاني" أن "أنو شروان" حينما ملك، أمر بقتل الزنادقة،

стр. 1768

أي أتباع مزدك، "فقتل منهم ما بين جازر١ إلى النهروان إلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم"٢، وأعاد المنذر إلى مكانه، وطلب "الحارث بن عمرو، فبلغه ذلك وهو بالأنبار وكان بها منزله ... فخرج هاربًا في هجائنه وماله وولده، فمر بالثوبة٣، وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وبهراء وإياذ، فلحق بأرض كليب، فنجا وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفسًا من بني آكل المرار، فقدمت بهم على المنذر، فضرب رقابهم بـ"جفر الأملاك" في ديار بني مرينا العبادين بين دير هند والكوفة ... "٤. وأضاف "ابن الأثير" إلى هذا الخبر أن "تغلب" قبضت على ولدين من أولاد الحارث هما: "عمرو" و"مالك" في جملة الثمانية والأربعين، فجاءت بهما إلى المنذر في "ديار بني مرينا" فقتلهم٥. ويحدثنا "ابن قتيبة" أن "المنذر" لما أقبل "من الحيرة هرب الحارث، وتبعته خيل فقتلت ابنه عمرًا، وقتلوا ابنه مالكًا بهيت، وصار الحارث بمسحلان فقتله كلب". وزعم غير ابن قتيبة أنه مكث فيهم حتى مات حتف أنفه٦. وذكر "حمزة" الروايات المدونة في كتاب "الأغاني" بحذف بعض كلماتها٧. ولم يشر اليعقوبي إلى من قتل "الحارث" من ملوك الحيرة، بل أوجز فقال: " ... وكانوا يجاورون ملوك الحيرة، فقتلوا الحارث. وقام ولده بما كان في أيديهم، وصبروا على قتال المنذر حتى كافئوه٨. ويشعر على كل حال

стр. 1769

من جملة "وصبروا على قتال المنذر" ومن روايات الأخباريين الأخرى أن القتل كان في أيام المنذر. وفي رواية أخرى أن الحارث بقي في كلب حتى توفي فيما بينهم حتف أنفه١. وقد أضافت الرواية التي تنسب إلى "أبي عبيدة" إلى هذا الخبر أنه دفن بـ"بطن عاقل"٢. والظاهر أن إضافة "بطن عاقل" إنما وقعت سهوًا واشتباهًا من باب عدم التمييز فيما بين "حجر" الذي زعم أنه دفن بـ"بطن عاقل" وبين "الحارث"٣. وجاء في رواية أن الحارث خرج يتصيد، فرأى جماعة من حمر الوحش فشد عليها، وانفرد منها حمار فتتبعه، وأقسم ألا يأكل شيئًا قبل كبده، فطلبته الخيل ثلاثة أيام حتى أدركته، وأتي به، وقد كاد يموت من الجوع، ثم شوي على النار وأطعم من كبده وهي حارة؛ فمات٤. ولا تخلو هذه الروايات المتعلقة بموت "الحارث" ونهايته من مؤثرات العواطف القلبية التي صبغت كل الأخبار التي يرويها الأخباريون بهذه الصبغة. فكلب تدعي أنها هي التي قتلته، وكندة تنكر ذلك مدعية أنه مات كما يموت سائر الناس، وأهل الحيرة يقولون إنهم هم الذين قتلوه، قتلوه في حرب. وأبو الفرج الأصبهاني يقول: "فكلب يزعمون أنهم قتلوه، وعلماء كندة تزعم أنه خرج إلى الصيد فالظ بتيس من الظباء، فأعجزه فآلى أن لا يأكل أولًا إلا من كبده، فطلبته الخيل ثلاثًا، فأتي بعد ثالثة، وقد هلك جوعًا، فشوي له بطنه فتناول فلذة من كبده، فأكلها حارة فمات"٥. ولورود خبر مقتل "الحارث" مسجلًا تسجيلًا دقيقًا لدى الكاتبين المذكورين: "ملالا" و"ثيوفانس"، ومطابقته لرواية أهل الحيرة في النتيجة، وهو أن مقتله كان على أيدي "المنذر" وجماعته نرجح هذه الرواية على غيرها من الروايات.

стр. 1770

ويظهر من غربلة الروايات التي. رواها أهل الأخبار عن نهاية "الحارث" أنها قد اختلفت فيما بينها وتضاربت في موضوع نهايته، فزعم بعض منها، أنه قتل وأن قاتله هو "المنذر بن ماء السماء"، وزعم بعض آخر أنه قتل، ولكنه لم يصرح باسم قاتله، وزعم بعض آخر أنه هلك، وأنه لم يقتل، وإنما مات حتف أنفه١. والذي أرجحه أنه قتل، قتل في أثناء المعارك التي وقعت من جراء تعقب المنذر بن ماء السماء له. ولا نكاد نعرف شيئًا يذكر عن أعمال الحارث في أثناء توليه ملوكية قبائل "معد" غير ما ذكره الرواة من أنه وزع أولاده عليها، وجعلهم ملوكًا على تلك القبائل. كذلك لا نكاد نعرف شيئًا يذكر عن أعماله وهو ملك على الحيرة، فأصحابنا الأخباريون سكوت عن هذه الأمور. ويفهم من كلام بعض الأخباريين عن "الحارث" أنه حينما نزل ببكر بن وائل، أقام بـ"بطن عاقل"، ومنه غزا بهم ملوك الحيرة اللخميين، وملوك الشأم الغسانيين، وفيه كانت نهايته٢. ويفهم من بيت في ديوان "امرئ القيس" أن ملك الحارث قد امتد من العراق إلى عمان، ولا تعني أمثال هذه الأقوال امتلاكًا فعليًّا، بل كانت تتحدث في الواقع عن اتفاقات تعقد بين القبائل يعترف فيها بالرئاسة لمن له النفوذ الأكبر والمكانة، فإذا حدث حادث للرئيس الذي تمكن بمكانته ومنزلته من ضم هذه القبائل وتوحديها، انهد كيان ذلك الاتحاد وتشتت شمله، كالذي حدث بعد وفاة الحارث كما سنرى فيما بعد. وقد لا تعني هذه الأقوال سوى المبالغات والفخر، على نحو ما يرد في شعر غيره من الشعراء من امتلاكهم الدنيا ومن عليها، ومن تدويخهم القبائل والناس، وليس في الواقع أي شيء مما جاء في دعوى أولئك الشعراء المفتخرين. ويحدثنا "أبي الكلبي" أنه كان للحارث زوجات ثلاث، هن: أم قطام بنت سلمة بن مالك بن الحارث بن معاوية، وأسماء، ورقية أمة أسماء. وقد زعم ابن الكلبي أن أم قطام وأسماء كانتا شقيقتين، وأما رقية، فكانت أمة لأسماء. وقيل أيضًا: "هن أخوات، فجمعهن جميعًا"٣. وزوجه بعض

стр. 1771

الأخباريين بامرأة أخرى هي: "أم أناس" بنت "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان"، وهي والدة "عمرو بن الحارث" المعروف عندهم بـ"ابن أم أناس" "ابن أم إياس"١. وفي رواية "ابن السكيت" أن "أم قطام بنت سلمى" هي امرأة من "عنزة"٢. وقد دون لنا الرواة أسماء جملة أولاد من أبناء "الحارث"، ذكروا منهم حجر وشرحبيل ومعديكرب وعبد الله وسلمة، ومحرق ومالك وعمر٣. وأم "حجر" هي: "أم قطام"٤. ويذكر أهل الأخبار أنه كان للحارث ابن، حج ففقده، فاتَّهم به رجل من بني أسد يقال له حبال بن نصر بن غاضرة، فأخبر بذلك الحارث، فأقبل حتى ورد تهامة أيام الحج، وبنو أسد بها. فطلبهم، فهربوا منه. فأمر مناديًا فنادى من آوى أسديًّا فدمه جبار. ثم إن الملك عفا عنهم وأعطى كل واحد منهم عصا أمانًا له. وبنو أسد يومئذ قليل. فأقبلوا إلى تهامة ومع كل رجل منهم عصا. فلم يزالوا بتهامة حتى هلك الحارث، فأخرجتهم بنو كنانة، وسموا عبيد العصا، بالعصا التي أخذوها٥. ويذكر أهل الأخبار أنه كانت للحارث بن عمرو بنت اسمها هند، وقد تزوجها المنذر بن ماء السماء، وهي والدة الملك "عمرو بن هند" وشقيقة "قابوس" وعمه الشاعر امرئ القيس٦. وهم يذكرون أن ملك الحارث لما توسع واشتغل هو بالحيرة عما كان يراعيه من أمور البوادي، تفاسدت القبائل وفشا بينها الشر، فجاء أشرافها فشكوا ما حل بهم من غلبة السفهاء، وطلبوا إليه أن يملك عليهم أبناءه. فملك ابنه حجرًا على بني أسد وغطفان، وملك ابنه شرحبيل على بكر بن وائل بأجمعها وعلى

стр. 1772

بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة وطوائف من بني درام بن تميم والرباب، وملك ابنه معديكرب على بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة وطوائف من بني دارم بن حنظلة والصنائع، وهم بنو رقية: قوم كانوا يكونون مع الملوك من شذاذ العرب، وملك ابنه عبد الله على عبد القيس، وملك ابنه سلمة على قيس عيلان١. وقيل إن شرحبيل بن الحارث ملك في بكر بن وائل وحنظلة بن مالك وبني زيد بن تميم وبني أسيد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، ومعديكرب في قيس والصنائع، وهم بنو رقية، وسلمة في بني تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة٢. وقد اكتفى "حمزة" بقوله: "وانتشر ولده، فملكهم على بكر وتميم وقيس وتغلب وأسد"٣. وهنالك روايات أخرى تختلف في التفاصيل وفي الأمور الثانوية عن هذه الروايات التي ذكرتها بعض الاختلاف٤، سأشير إليها في أثناء البحث عن هؤلاء الأولاد. وذكر "ياقوت الحموي، رواية رجعها إلى "أبي زياد الكلابي"، خلاصتها أن "مضر" و"ربيعة" اجتمعت على أن يجعلوا منهم ملكًا يقضي بينهم، فكلٌّ أراد أن يكون منهم، ثم تراضوا أن يكون من "ربيعة" ملك ومن "مضر" ملك، ثم أراد كل بطن من ربيعة ومن مضر أن يكون الملك منهم، ثم اتفقوا على أن يتخذوا ملكًا من اليمن. فطلبوا ذلك إلى "بني آكل المرار" من كندة، فملكت بنو عامر شراحيل بن الحارث الملك بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار. وملكت بنو تميم وضبة محرق بن الحارث، وملكت وائل شراحيل بن الحارث. وتختلف هذه الرواية كما ترى بعض الاختلاف عن رواية لـ"ابن الكلبي" ذكرها "ياقوت" أيضًا، هي أن سلمة بن الحارث ملك "بني تغلب" و"بكر بن وائل"، وأما "غلفاء" وهو "معديكرب" "معديكرب"، فقد ملك بقية "قيس"،

стр. 1773

وأما "أسد" و"كنانة، فقد ملكت عليها "حجر بن الحارث"، أي والد امرئ القيس١. أما "حجر"، فهو أكثر هؤلاء الأولاد ذكرًا عند الأخباريين. وهو والد الشاعر الجاهلي المعروف "امرئ القيس" وقد يعود الفضل إلى هذا الشاعر في ذيوع شهرة والده وانتشار خبره. وحفظ أخبار هذه الأسرة من كندة. وهو أكبر أولاد الحارث، وإليه انتقلت عامة كندة بعد وفاة والده٢. وهو ابن "أم قطام بنت سلمة بن مالك بن الحارث بن معاوية" من كندة٣. ملك "الحارث" ابنه "حجرًا" كما ذكرت الأخبار على أسد وكنانة وهما قبيلتان من قبائل مضر. وتقع مواطن "أسد" الرئيسية في القرن السادس للميلاد في جنوب جبلي طيء "أجأ" و"سلمى"، ويسميان جبل شمر في الزمن الحاضر على جانبي بطن الرمة "وادي الرمة"، غير أن بطونها متفرعة منتشرة في مناطق واسعة تمتد من المدينة إلى نهر الفرات٤، ولكنها لم تكن سيدة هذه الأرضين، بل كانت تعيش مع غيرها من القبائل متفرقة٥. ويظن أنها "أستينوي" "asatynoi" الساكنة في أرض تسمى بهذا الاسم في "جغرافيا" بطليموس٦. وتعد هذه القبيلة في عرف النسابين من نسل "أسد بن خزيمة بن مدركة بن مضر"، وهي شقيقة "الهون" و"كنانة"٧. وروى المؤرخ "ثيوفانس" أن "رومانس" "romanus" حاكم فلسطين في أيام "أنسطاسيوس" "anastastus"، هزم في سنة "٤٩٠" للميلاد سيدي قبيلتين، هما: "جبلس" "gabalas" "jabalas" و"أوكاروس" "ogaros" ابن "أرتاس" "aretas"، أي الحارث من "آل ثعلبة" "thalabanys"، ويظن أن "gabalas" هو "جبلة"، والد الحارث بن جبلة.

стр. 1774

الغساني. وأما "ogaros"، فيرى بعض المستشرقين أنه "حجر بن الحارث بن عمرو الكندي". وقد وقع أسيرًا في قبضة "رومانوس". ويرى "أوليندر" أن في تقدير هذا المؤرخ بعض الخطإ وأن التاريخ الصحيح هو سنة "٤٩٧" للميلاد١. ثم أشار هذا المؤرخ إلى تحرش آخر قام به بعد أربع سنوات سيد قبيلة اسمه "madicaripos" "madikaripos" كان شقيقًا لـ"ogaros". أوغل في الغزو وأوقع الرعب في جند الروم. وقد قصد "ثيوفانس" بـ"madikaripos" "معديكرب بن الحارث" شقيق حجر. وكان من نتائج هذه الغارات كما يقول هذا المؤرخ أن عقد القيصر "أنسطاسيوس" صلحًا مع "aretas" أي الحارث، والد الأخوين المذكورين، فخيم الأمن بذلك على فلسطين والعربية وفينيقية٢، وقد أشار إلى هذا الصلح المؤرخ "نونوسوس" "nonnosus"، حيث ذكر أن القيصر "أنسطاسيوس" أرسل جده إلى "aretas" لمفاوضته في عقد صلح. ويظهر من قول هذا المؤرخ أن هاتين الغزوتين كانتا في حياة "aretas". ولم يشر الأخباريون إلى هذه الغزوات التي قام بها "حجر" و"معديكرب" على حدود سورية وفلسطين في عهد "أنسطاسيوس" كما روى ذلك هذا المؤرخ٣. وورد أن حجرًا أغار على اللخميين في أيام امرئ القيس والد المنذر بن ماء السماء. ويظن "نولدكه" أن هذه الجملة التي لا نعرف من أمرها شيئًا إنما وقعت بعد وفاة الحارث، وقد قصد "حجر" منها استرجاع ما خسره أبوه، وأعادة نفوذ كندة إلى ما كان عليه. لقد كانت نهاية "حجر" بأيدي "بني أسد"، ويظهر أنهم قبلوه ملكًا عليهم مكرهين. فلما حانت الفرصة قاموا عليه وقتلوه. حدث "ابن الكلبي" أنه كان لحجر على بني أشد إتاوة في كل سنة مؤقتة. فلما كان بتهامة، أرسل جابيه الذي كان يجيبهم، فمنعوه ذلك، وضربوا رسله وضرجوهم ضرجًا شديدًا قبيحًا، فبلغ ذلك حجرًا، فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من

стр. 1775

قيس وكنانة، فأتاهم وأخذ سراتهم، فضربهم بالعصا وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة، وحبس سيدهم "عمرو بن مسعود بن كندة بن فزارة الأسدي"، والشاعر "عبيد بن الأبرص"، فأثر ذلك في نفوس "بني أسد وأضمروا له الانتقام"١. ثم إن حجرًا وفد على أبيه الحارث في مرضه الذي مات فيه، وأقام عنده حتى هلك، ثم أقبل راجعًا إلى بني أسد، فلما دنا منهم، وقد بلغهم موت أبيه، طمعوا فيه، لما أظلهم وضربت قبابه، اجتمعت بنو أسد إلى "نوفل بن ربيعة"، فهجم على "حجر" ومن معه، فانهزم جيشه وأسر "حجر" وتشاور القوم في قتله، فقال لهم كاهنهم: لا تعجلوا بقتله حتى أزجر لكم، فلما رأى ذلك "علباء" خشي أن يتواكلوا في قتله، فحرض غلامًا من بني كاهل على قتله، وكان حجر قد قتل أباه، فدخل الخيمة التي احتبس حجر بها فطعنه طعنة أصابت مقتلًا٢. ويزعم أهل الأخبار أن "بني أسد" الذين عصوا حجرًا عرفوا منذ ضربهم حجر بالعصا بـ"عبيد العصا"، وقد أشير إلى هذه التسمية في الشعر، ويذكرون أيضًا أن "عبيد بن الأبرص"، وقف أمام الملك حجر، فقال شعرًا يستعطفه فيه على قومه، فرق لهم ورحمهم وعفا عنهم، وأرسل من يردهم إلى بلادهم، فلما صاروا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو "عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي"، بأنهم سيقتلون حجرًا وسينتقمون منه ومن أهله، فصدقوا بنبوءته وعادوا إلى موضع حجر فوجدوه نائمًا، فذبحوه، وشدوا على هجائنه فاستاقوها. وفي رواية أخرى، أنهم هجموا على عسكر حجر ودخلوا قبته، فطعنه علباء بن الحرث الكاهلي، فلما قتل، استصلحت أسد كنانة وقيسًا، ونهبوا ما كان في عسكر حجر وسلبوه، وأجار "عمرو بن مسعود" عيال حجر. وقيل أجارهم غيره، وبذلك تخلصت بنو أسد من حكم كندة٣.

стр. 1776

وهناك روايات أخرى يرجع سندها إلى "ابن الكلبي" وإلى غيره مثل "أبو عمرو الشيباني" و"الهيثم بن عدي" و"يعقوب بن السكيت" وغيرهم تختلف فيما بينها بعض الاختلاف في كيفية قتل "حجر". وقد زعمت بعض الروايات بأن "علباء بن الحرث الكاهلي" هو الذي قتله، طعنه، فقضت طعنته هذه عليه، وكان "حجر" قد قتل أباه. وزعمت رواية أخرى أن الذي قتله هو ابن أخت "علباء"، وكان حجر قد قتل أباه، ضربه بحديدة كانت معه سببت وفاته١. وتذكر رواية أن "حجرًا" لما علم أنه ميت أوصى ودفع كتابة إلى رجل أمره أن ينطلق إلى أكبر أولاده "نافع"، فإن بكى وجزع، فليذهب إلى غيره حتى يصل إلى أصغرهم وهو امرؤ القيس، فأيهم لم يجزع يدفع إليه الكتاب. فكان ذلك الولد امرؤ القيس٢. ونجد في شعر "بشر بن أبي خازم الأسدي" فخرًا واعتزازًا بقتل أسد لحجر والد امرئ القيس، وقد دعاه بـ"ابن أم قطام" في إحدى قصائده، وقال إن قومه علوه بالسيوف البيض الذكور. وأم قطام هي بنت سلمة بن مالك بن الحارث بن معاوية٣. ودعاه بـ"حجر" في قصيدة أخرى. وافتخر بأن قومه ضربوا رأس حجر بأسياف مهندة رقاق٤. وذكر في قصيدة أخرى أن قومه ضربوا خيل حجر بجنب الردة. والردة موضع في ديار قيس. والظاهر أنهم قتلوا حجرًا بجنب الردة٥. وأما "شرحبيل"؛ فقد ملكه أبوه على "بكر بن وائل" و"حنظلة بن مالك" و"بني أسيد" و"الرباب"، أي على عدد من قبائل ربيعة ومضر، وكان نصيبه القسم الشرقي من مملكة كندة ما عدا البحرين٦. وليس بين الذي

стр. 1777

يروي الأخباريون عنه شيء ذو بال، إلا ما ذكروه عن كيفية مقتله ونهايته، وهذا ملخصه: لما هلك الحارث بن عمرو تشتت أمر أولاده، وتفرقت كلمتهم، ومشت الرجال بينهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش. وقد بلغت العداوة أشدها بين "شرحبيل" وسلمة، بسبب المنذر الذي عاد إلى الحيرة وأخذ يشعل نار الفتنة بين الأخوين. فسار شرحبيل ببكر بن وائل ومن معه من قبائل حنظلة ومن أسيد بن عمرو بن تميم وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، فنزلت "الكلاب"، وهو ماء بين الكوفة والبصرة على بضع عشرة ليلة من اليمامة، وأقبل "سلمة" في بني تغلب وبهراء والنمر وأحلافها وسعد بن زيد مناة بن تميم ومن كان معهم من قبائل حنظلة وفي الصنائع يريدون الكلاب. وكان نصحاء شرحبيل وسلمة نهوهما عن الفساد والتحاسد، وحذروهما الحرب وعبراتها وسوء مغبتها، فلم يقبلا، ولم يتزحزحا، وأبيا إلا التتابع. فلما تلاقى الجمعان، اقتتلا قتالًا شديدًا. ثم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل، وانصرفت وثبتت بكر بن وائل، وانصرفت بنو سعد وألفافها عن بني تغلب، وصبرت تغلب، وساء أمر شرحبيل، فجاء إليه من عرف موضعه وقتله١. ويذكر أهل الأخبار أن العداوة كانت شديدة بين الأخوين، حتى إن كل واحد منهما وضع جائزة لمن يأتي برأس أخيه، فذهب "أبو حنش" وهو عصم بن النعمان بن مالك "عصيم بن مالك الجشمي"، فطعن "شرحبيل"، واحتز رأسه وجاء به إلى أخيه، فطرحه أمامه. ويقال إن شرحبيل لما رأى "أبا حنش" يريد توجيه طعنة إليه قال له: يا أبا حنش اللبن اللبن، فقال أبو حنش: قد هرقت لنا لبنًا كثيرًا. فقال: يا أبا حنش أملك بسوقة٢. وذلك أن دم الملوك

стр. 1778

فوق دم العامة، وهم السوقة. وإن الملك لا يقتل بسبب قتله رجلًا من سواء الناس. ويظن أن "يوم الكلاب" كان قد وقع سنة "٦١٢" للميلاد١. ويقول الرواة إن "بني تغلب" أخرجت "سلمة"، فلجأ إلى "بني بكر بن وائل"، فانضم إليهم، ولحقت تغلب بالمنذر بن امرئ القيس. وتذكر رواية من الروايات التي يقصها أهل الأخبار عن كيفية نهاية ملوك كندة. أن الأمر لما اشتد على أولاد الحارث، جمع "سلمة" جموع اليمن، فسار ليقتل نزارًا. وبلغ ذلك نزارًا، فاجتمع منهم "بنو عامل بن صعصعة" وبنو وائل: تغلب وبكر، وقيل: بلغ ذلك كليب وائل، فجمع ربيعة، وقدم على مقدمته السفاح التغلبي وأمره أن يعلو "خزازا"٢ فيوقد عليه نارًا ليهتدي الجيش بها، وقال له: إن غشيك العدو فأوقد نارين. وبلغ سلمة اجتماع ربيعة ومسيرها فأقبل ومعه قبائل مذحج، وهجمت مذحج على خزاز ليلًا، فرفع السفاح نارين، فأقبل كليب في جموع ربيعة إليهم، فالتقوا بخزاز، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فنهزمت جموع اليمن. وفي رواية "أبي زياد الكلابي"، إن الذي أوقد النار على خزاز "خزازا" هو الأحوص بن جعفر بن كلاب، وكان على روايته هذه رئيسًا على نزار كلها. ويذكر الكلابي أن أهل العلم من الذين أدركهم ذكروا له أنه كان على نزار "الأحوص بن جعفر". ثم ذكر ربيعة أخيرًا من الدهر أن "كليبًا" كان على نزار٣. أما "محمد بن حبيب" فيروي أن "كليب وائل" هو الذي قاد جموع "ربيعة" و"مضر" و"قضاعة" في يوم خزاز إلى اليمن٤. وقال بعض الأخباريين: كان كليب على ربيعة، والأحوص على مضر٥.

стр. 1779

ويعود سبب هذا الاختلاف في روايات الرواة إلى النزعات القبلية التي كان يحملها الرواة. فـ"أبو زياد الكلابي" يتعصب كما نرى لـ"بني كلاب"، فيرجع الرئاسة إليهم؛ لأنه منهم، وهذا مما يأباه رواة ربيعة وينكرونه عليه إذ يرون أن الرئاسة فيهم. وتوسط رواة بين رواة ربيعة ورواة مضر حسمًا للنزاع على ما يظهر، فقالوا بالرئاستين: رئاسة كليب على ربيعة، ورئاسة الأحوص على مضر وبذلك أصلحوا ذات البين. وقد ذكر "أبو زياد الكلابي" أن يوم "خزاز" أعظم يوم التقت فيه العرب في الجاهلية وأنه أول يوم استنصفت فيه نزار من اليمن، وأنها لم تزل منذ هذا اليوم ممتنعة قاهرة لليمن في كل يوم يلتقونه حتى جاء الإسلام١. وذكر "الأصمعي" أن يوم خزاز كان للمنذر بن ماء السماء ولبني تغلب وقضاعة على "بني آكل المرار" من كندة وعلى بكر بن وائل، وأن المنذر وأصحابه من بني تغلب أسروا في هذا اليوم خمسين رجلًا من بني آكل المرار. ويفهم من شعر لـ"عمرو بن كلثوم" قيل إنه قاله متذكرًا هذا اليوم، أن رهطه وهم من بني تغلب آبوا بالنهاب وبالسبايا وبالملوك مصفدين. ولم يشر الشاعر إلى هوية هؤلاء الملوك المأسورين، ولكن "الأصمعي" يقول: إنه قصد بقوله: "وأُبنا بالملوك مصفدينا" "بني آكل المرار"٢. فيظهر من الرواية المتقدمة أن يوم خزاز، كان بين سلمة ومن جاء من اليمن وبين تغلب ومن انضم إليها من قبائل ربيعة ومضر. ويظهر من رواية الأصمعي أن ذلك اليوم كان بين المنذر بين ماء السماء وتغلب وقضاعة من جهة وبين "بني آكل المرار"، وبكر بن وائل من جهة أخرى. وهناك روايات أخرى تذكر أن هذا اليوم، إنما كان قد وقع بين ملك من ملوك اليمن وبين قبائل معد، ولا علاقة له بسلمة وببني آكل المرار أو المنذر بن ماء السماء في هذا اليوم، الذي أدى إلى انتصار بني معد على أولاد قحطان٣.

стр. 1780

ويذكر بعض أهل الأخبار أنه: "لولا عمرو بن كلثوم ما عرف يوم خزاز". وأم عمرو بن كلثوم، هي ابنة "كليب بن ربيعة"، المعروف بـ"كليب وائل"١ فذكره في شعره لذلك اليوم ساعد ولا شك في إبقاء اسمه في ذاكرة الناس، حتى دون خبره في الإسلام. وليوم "أوارة" الأول علاقة وصلة بـ"سلمة بن الحارث" وبـ"المنذر بن ماء السماء" على ما يرويه بعض أهل الأخبار، فهم يذكرون أن تغلب لما أخرجت "سلمة" عنها، التجأ إلى "بكر بن وائل"، فلما صار عند بكر بن وائل أذعنت له، وحشدت عليه، وقالت: لا يملكنا غيرك. فبعث إليهم المنذر يدعوهم إلى طاعته، فأبوا ذلك، فحلف المنذر ليسيرن إليهم، فإن ظفر بهم فليذبحنهم على قلة جبل أوارة. وسار إليهم في جموعه، فالتقوا بأوارة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأجلت الواقعة عن هزيمة بكر وأسر "يزيد بن شرحبيل الكندي"، فأمر المنذر بقتله وبقتل عدد كبير من بكر٢. وأما "شراحيل بن الحارث"، فقد قتله "بنو جعدة بن كعب بن ربيعة بن صعصعة"٣. ويحدثنا "يعقوب بن السكيت" أنه كان لحجر والد امرئ القيس جملة أولاد أكبرهم "نافع" وأصغرهم "امرؤ القيس"، وبين الأكبر والأصغر جملة أولاد، غير أنه لم يذكر أسماءهم٤. وقد ورد اسم "نافع" في بيت شعر لامرئ القيس٥. وذكر "ياقوت" ولدًا لـ"سلمة بن الحارث" سماه "قيسًا" قال: إنه أغار على "ذي القرنين المنذر بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي" فهزمه، حتى أدخله الخورنق ومعه ابناه قابوس وعمرو. فمكث ذو القرنين حولًا، ثم أغار عليهم بـ"ذات الشقوق"، فأصاب منهم اثني عشر شابًّا من بني حجر بن عمرو وكانوا يتصيدون، وأفلت منهم امرؤ القيس على فرس شقراء، فطلبه

стр. 1781

القوم فلم يقدروا عليه. وقدم المنذر الحيرة بالفتية فحبسهم بالقصر الأبيض شهرين ثم أمر بضرب أعناقهم فضربت عند "الجفر"، فعرف منذ ذلك الحين بـ"جفر الأملاك"، وهو موضع "دير بني مرينا". وقد أشير إلى مقتلهم في شعر لامرئ القيس١.

стр. 1782

كندة تلحق بحضرموت: وقد ذكر الرواة أن ملك كندة لما انخرق، وهلك من هلك منهم، قام "عمرو أقحل بن أبي كرب بن قيس بن سلمة بن الحارث، الملك، فقال: يا معشر كندة. إنكم قد أصبحتم بغير دار مقام. وقد ذهب أشرافكم وانخرق ملككم، ولا آمن العرب عليكم، فالحقوا بحضرموت"١. ويذكر الرواة أن الملك خرج من "بني آكل المرار" وساد بنو الحارث بن معاوية فأول من ساد منهم "قيس بن معديكرب"، ثم ابنه الأشعث بن قيس، وهو الذي أتى النبي في ستين أو سبعين راكبًا من أشراف كندة فأسلموا. أسلم الأشعث، وكانت كندة قد توجته عليها٢. ويذكر "حمزة"، أن المنذر بن ماء السماء تتبع غابرهم، فقتل عامتهم، وصارت رياسة كندة في "بني جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين"، ثم في "معديكرب بن جبلة"، ثم في "قيس بن معديكرب"، وعلى عهده قام الإسلام بمكة، ثم في "الأشعث بن قيس"٣. وقد ذكر "ابن حبيب"، "الأشعث بن قيس بن معديكرب" في جملة الجرارين من اليمن٤. والجرارون من كان يرأس ألفًا٥ ولا بعد الرجل جرارًا

стр. 1783

حتى يقود ألفًا١. وذكره في باب "أعرق العرب في الغدر". فقال عنه إنه غدر بـ"بني الحارث بن كعب". وكان بينهم عهد وصلح، فغزاهم فأسروه، ففدى نفسه بمائتي قلوص، فأدى مائة، ولم يؤد البقية حتى جاء الإسلام، فهدم ما كان في الجاهلية. وغدر الأشعث أيضًا فارتد عن الإسلام. وقال عن والده "قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة الكندي"، أنه كان من "أعرق العرب في الغدر" كذلك، وكان بينه وبين مراد ولث إلى أجل، فغزاهم في آخر يوم الأجل غادرًا. "وكان ذلك اليوم يوم الجمعة. فقالوا له: إنه قد بقي من الأجل اليوم. وكان يهوديًّا. فقال: أنه لا يحمل لي القتال غدًا. فقاتلهم، فقتلوا وهزموا جيشه. وكان معديكرب عقد لمهرة صلحًا، فغزاهم غادرًا بالعهد، فقتلوه وشقوا بطنه، فملئوه حصى"٢. وقد لقب "قيس" بالأشج، لأثر شج في وجه، وعرف بالأعشى كذلك وقيل له: "بطريق اليمن". وذكر بعض الرواة أن كلمة "بطريق" تعني الحاذق في الحرب وأمورها٣. وفي حق "قيس" هذا قال "الحارث بن حلزة اليشكري" في جملة ما قاله في قصيدته مفتخرًا بقومه: حَولَ قَيسٍ مُستَلئِمِينَ بِكَبشٍ ... قَرَظِيٍّ كَأَنَّهُ عَبلاءُ وقد قال الشراح إن قيسًا جاء على رأس جيش لجب ومعه راياته متحصن بسيد من بلاد القرظ، وبلاد القرظ اليمن، كأنه في منعته وشوكته هضبة من الهضاب، قد لبسوا الدروع، فردتهم "يشكر" قوم الشاعر، وقتلوا منهم٤. ويذكر أهل الأخبار أن الشاعر الأعشى كان ممن يفد على "قيس بن معديكرب"

стр. 1784

من الشعراء. وقد رووا له شعرًا قاله لقيس١. في جملته قوله: وَجُلُنداءَ في عُمانَ مُقيمًا ... ثُمَّ قَيسًا في حَضرَمَوتَ المُنيفِ٢ وقد ذكر "ابن حبيب" أن "خالد بن جعفر بن كلاب"، أسر "قيس بن سلمة الكندي" يوم الحرمان٣. وذكر أهل الأخبار أن ملوك كندة جعلوا ردافتهم في "بني سدوس"٤. وجاء أن "الأشعث بن قيس"، كان قد غلب على أهل نجران وملك رقابهم وجعلهم "عبيدًا مملكة". وذكر أن خاصمهم عند "عمر" في أيام خلافته، فاحتجوا عليه أن ذلك كان في الجاهلية، فلما أسلموا سقطت تلك العبودية عنهم٥.

стр. 1785

امرؤ القيس الشاعر: ويذكر الأخباريون أن "حجرًا" لم يكن راضيًا عن ابنه "امرئ القيس" فطرده من عنده وآلى ألا يقيم أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك. فكان يسير في إحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل. فإذا صادف غديرًا أو روضة أو موضع صيد، أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الحمر وسقاهم وغنته قيانه، ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بـ"دمون" من أرض اليمن، أتاه به رجل من بني عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصاف. فلما أتاه بذلك، قال: تطاول الليل علي دمون ... دمون، إنا معشر يمانون وإننا لأهلها محبون

стр. 1786

ثم قال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا، اليوم خمر، وغدًا أمر. فذهبت مثلًا ثم قال: خليلي، لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب ثم شرب سبعًا فلما صحا آلى ألا يأكل لحمًا ولا يشرب خمرًا ولا يدهن بدهن ولا يصيب امرأة ولا يغسل رأسه من جنابة حتى يدرك بثأره١. وفي رواية أخرى أنه طرد لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقًا فطلبها زمانًا، فلم يصل إليها، وكان يطلب غرة حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال قصيدته المشهورة: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". فلما بلغ ذلك والده غضب عليه، وأوصى بقتله ثم طرده٢. وهناك من يزعم أنه إنما طرد؛ لأنه تغزل بامرأة من نساء أبيه٣. هذا وصف موجز لأصغر أبناء "حجر": "امرئ القيس بن حجر الكندي" الشاعر الشهير و"الملك الضليل" و"ذي القروح"٤. وللرواة أقوال في اسم "امرئ القيس"، فقد سماه بعضهم "حندجًا"، ودعاه آخرون "عديًّا"، ودعاه قوم "مليكًا" ودعاه نفر "سليمان" وهو معروف عندهم بالإجماع بـ"امرئ القيس"، وهو لقبه٥. ويكنى بأبي وهب وأبي زيد وأبي الحارث وذي القروح٦. ولا نعرف سنة ولادة هذا الأمير الشاعر. ويظن "أوليندر" أنه ولد حوالي

стр. 1787

سنة "٥٠٠" للميلاد١. أما أمه فهي "فاطمة" بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، أخت "كليب" و"مهلهل" التغلبيين٢. وورد في بيت شعر ينسب إلى هذا الشاعر: "امرئ القيس بن تملك"٣. وقد استنتج بعض العلماء منه أن أمه هي "تملك" ورجعوا نسبها إلى "عمرو بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معديكرب"، ويرى بعض المستشرقين أنه أدخل في ديوان هذا الشاعر، وأنه يعود إلى شاعر آخر اسمه "امرئ القيس"، وقد عد "آلوارت" "ahlwardt"، ستة عشر شاعرًا أسماؤهم "امرؤ القيس"٤. ويلاحظ أن من زعم من الرواة أن أم امرئ القيس هي "تملك" جعل نسبه "امرأ القيس بن السمط بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن ثور"، وهو: كندة"، وهم يخالفون بذلك سلسلة النسب المألوفة عند غالبية الرواة. وذكر أنه ولد ببلاد بني أسد، وأنه كان ينزل بالمشقر وهو موضع ذكر في شعره٥. وروى "ابن قتيبة" أن "امرأ القيس" من أهل نجد، وأن الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد٦. وقد تنقل هذا الشاعر في مواضع متعددة من الجزيرة، ووصل إلى القسطنطينية عاصمة الروم. وكان امرؤ القيس بـ"دمون" حينما جاء إليه نبأ مقتل والده على رواية٧. ودمون من قرى حضرموت للصدف في رواية٨. وفي رواية أخرى مرجعها "الهيثم بن عدي" أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلامًا قد ترعرع. وكان في بني

стр. 1788

حنظلة مقيمًا؛ لأن ظئره كانت امرأة منهم، وقد روت شعرًا زعمت أنه قاله حينما بلغه النبأ، وهو: أتاني وأصحابي على رأس صليع ... حديث أطار النوم عني فأنعما قلت لعجلي بعيد مآبة ... ابن لي وبين لي الحديث المجمجما فقال: أبيت اللعن عمرو وكاهل ... أباحا حمى حجر فأصبح مسلما١ ويفهم من هذا أن شاعرنا كان في صيلع حينما أبلغ خبر وفاة والده، أتاه به رجل اسمه "عجل" ويعرف بعامر الأعور٢. أما صيلع، فموضع من شق اليمن، كثير الوحش والظباء. ورد اسمه في خبر مجيء وفد همدان إلى الرسول٣. وقد صرح "ياقوت الحموي" أن به ورد الخبر على امرئ القيس بمقتل أبيه حجر٤. وهناك خبر يفيد أنه نزل في "بني دارم" وبقي عندهم حتى قتل عمه "شرحبيل"، وفي رواية تنسب إلى "الهيثم بن عدي" أنه كان مع والده "حجر" حين هاجمته بنو أسد، وأنه هرب على فرس له وتمكن من النجاة٥. ويقول "ابن الكلبي" و"يعقوب بن السكيت" أن امرأ القيس ارتحل بعد أن بلغه نبأ مقتل والده حتى نزل بكرًا وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد، فبعث العيون على بني أسد، فنذروا بالعيون ولجئوا إلى بني كنانة، ثم أدركوا أن امرأ القيس يتعقبهم، ونصحهم "علباء بن الحارث" بالرحيل بليل، وألا يعلموا بني كنانة، ففعلوا وتركوا "بني كنانة" وارتحلوا عنهم ليلًا دون أن يشعروا. فلما وصل امرؤ القيس إلى بني كناية ظانًّا بني أسد بينهم، نادى: يا لثارات الملك. يا لثارات الملك: فأخبروه أنهم تركوهم وارتحلوا عنهم. فتعقبهم مع بكر وتغلب حتى لحق بهم، فقاتلهم، فكثرت فيهم الجرحى والقتلى حتى جاء الليل فحجز بينهم، وهربت بنو أسد فلما أصبحت بكر وتغلب، أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله، ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل

стр. 1789

ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا. بلى، ولكنك رجل مشئوم، وكرهوا قتالهم بني كنانة، وانصرفوا عنه، ومضى هاربًا لوجهه حتى لحق بحمير١. ولما أقبل امرؤ القيس من الحرب على فرسه الشقراء، لجأ ابن عمته "عمرو بن المنذر" وأمه "هند بنت عمرو بن حجر آكل المرار"، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه، وتفرق ملك أهل بيته، وكان عمرو يومئذ خليفة لأبيه المنذر بـ"بقة"، فمدحه وذكر صهره ورحمه، وأنه قد تعلق بحباله، ولجأ إليه فأرجاه ومكث عنده زمانًا. ثم بلغ المنذر مكانه عنده، وأنذره عمرو، فهرب حتى أتى حمير٢. وفي رواية يرجعها الرواة إلى "ابن الكلبي" و"الهيثم بن عدي" و"عمر بن شبة" و"ابن قتيبة": أن "امرأ القيس" خرج فورًا بعد امتناع بكر بن وائل وتغلب من أتباع بني أسد إلى اليمن، فاستنصر أزد شنوءة، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا، فنزل بقيل يدعى "مرثد الحير بن ذي جدن الحميري"، وكانت بينهما قرابة، فاستنصره واستمده على بني أسد، فأمده بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس بهم، وقام بالمملكة بعده رجل من حمير يقال له: قرمل بن الحميم، وكانت أمه سوداء، فردد امرؤ القيس، وطول عليه حتى هم بالانصراف ... فأنفذ له ذلك الجيش، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر من قبائل العرب رجالًا، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بـ"تبالة"، وبها صنم للعرب تعظمه يقال له "ذو الخلصة"، فاستقسم عنده بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم، وقال: مصصت بظر أمك لو أبوك قتل ما عقتني، ثم خرج فظفر بـ"بني أسد"٣. فلما ظفر بهم، فقال هذه الأبيات: قولا لِدودانَ عَبيدِ العَصا ... ما غَرَّكُم بِالأَسَدِ الباسِلِ قَد قَرَّتِ العَينانِ مِن مالِكٍ ... وَمِن بَني عَمروٍ وَمِن كاهِلِ وَمِن بَني غَنمِ بنِ دودانَ إِذ ... نَقذِفُ أَعلاهُم عَلى السافِلِ

стр. 1790

حَلَّت لِيَ الخَمرُ وَكُنتُ اِمرَأً ... عَن شُربِها في شُغُلٍ شاغِلِ فَاليَومَ أشْربُ غَيرَ مُستَحقِبٍ ... إِثمًا مِنَ اللَهِ وَلا واغِلِ وهي أبيات يفهم منها أنه أوقع في "بني دودان" و"بني مالك" و"بني عمرو" و"بني كاهل" و"بني غنم بن دودان"، وهي بطون من بني أسد، وهي التي قتلت أباه حجرًا، قالها بعد أن أنجده "قرمل بن الحميم الحميري" وأنه ألبسهم الدروع المحماة، وكحلهم بالنار، فبر بيمينه، وحل له شرب الحمر١. وبنو دودان هم بنو ثعلبة بن دودان بن أسد، وإلى ثعلبة هذا تنسب الثعلبية التي بين الكوفة ومكة. وهم جملة بطون ذكرها أهل الأنساب٢. وإلى "قرمل" أشار "امرؤ القيس" في شعره: وَكُنّا أُناساً قَبلَ غَزوَةِ قُرمُلٍ ... وَرَثنا الغِنى وَالمَجدَ أَكبَرَ أَكبَرا وهو من "السحول" من "ذي الكلاع"٣. وفي رواية تنسب إلى "الخليل بن أحمد الفراهيدي" أن رجالًا من قبائل "بني أسد" فيهم "قبيصة بن نعيم" وكان في بني أسد مقيمًا، قدموا على امرئ القيس بعد مقتل أبيه؛ ليعتذروا إليه وليسووا قضية قتل والده، فرفض إلا الانتقام من "بني أسد" قائلًا: "لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وأني لن أعتاض به جملًا أو ناقة، فاكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد. وأما النظرة، فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل القلوب حنقًا وفوق الأسنة علقًا"٤. وتذكر الرواية أنه خرج إليهم بعد إبطاء دام ثلاثة أيام، وهو في قباء وخف وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم السواد إلا بالثارات، فلما نظروا إليه، وبدر إليه قبيصة، يتكلم باسمهم معتذرًا، طالبًا الصفح عنهم، ودفع الدية عن
следующие страницы →