ثم قال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا، اليوم خمر، وغدًا أمر. فذهبت مثلًا ثم قال:
خليلي، لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب
ثم شرب سبعًا فلما صحا آلى ألا يأكل لحمًا ولا يشرب خمرًا ولا يدهن بدهن ولا يصيب امرأة ولا يغسل رأسه من جنابة حتى يدرك بثأره١.
وفي رواية أخرى أنه طرد لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقًا فطلبها زمانًا، فلم يصل إليها، وكان يطلب غرة حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال قصيدته المشهورة: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". فلما بلغ ذلك والده غضب عليه، وأوصى بقتله ثم طرده٢. وهناك من يزعم أنه إنما طرد؛ لأنه تغزل بامرأة من نساء أبيه٣.
هذا وصف موجز لأصغر أبناء "حجر": "امرئ القيس بن حجر الكندي" الشاعر الشهير و"الملك الضليل" و"ذي القروح"٤.
وللرواة أقوال في اسم "امرئ القيس"، فقد سماه بعضهم "حندجًا"، ودعاه آخرون "عديًّا"، ودعاه قوم "مليكًا" ودعاه نفر "سليمان" وهو معروف عندهم بالإجماع بـ"امرئ القيس"، وهو لقبه٥. ويكنى بأبي وهب وأبي زيد وأبي الحارث وذي القروح٦.
ولا نعرف سنة ولادة هذا الأمير الشاعر. ويظن "أوليندر" أنه ولد حوالي
стр. 1787
سنة "٥٠٠" للميلاد١. أما أمه فهي "فاطمة" بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، أخت "كليب" و"مهلهل" التغلبيين٢. وورد في بيت شعر ينسب إلى هذا الشاعر: "امرئ القيس بن تملك"٣. وقد استنتج بعض العلماء منه أن أمه هي "تملك" ورجعوا نسبها إلى "عمرو بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معديكرب"، ويرى بعض المستشرقين أنه أدخل في ديوان هذا الشاعر، وأنه يعود إلى شاعر آخر اسمه "امرئ القيس"، وقد عد "آلوارت" "ahlwardt"، ستة عشر شاعرًا أسماؤهم "امرؤ القيس"٤. ويلاحظ أن من زعم من الرواة أن أم امرئ القيس هي "تملك" جعل نسبه "امرأ القيس بن السمط بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن ثور"، وهو: كندة"، وهم يخالفون بذلك سلسلة النسب المألوفة عند غالبية الرواة.
وذكر أنه ولد ببلاد بني أسد، وأنه كان ينزل بالمشقر وهو موضع ذكر في شعره٥. وروى "ابن قتيبة" أن "امرأ القيس" من أهل نجد، وأن الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد٦. وقد تنقل هذا الشاعر في مواضع متعددة من الجزيرة، ووصل إلى القسطنطينية عاصمة الروم.
وكان امرؤ القيس بـ"دمون" حينما جاء إليه نبأ مقتل والده على رواية٧. ودمون من قرى حضرموت للصدف في رواية٨. وفي رواية أخرى مرجعها "الهيثم بن عدي" أن امرأ القيس لما قتل أبوه كان غلامًا قد ترعرع. وكان في بني
стр. 1788
حنظلة مقيمًا؛ لأن ظئره كانت امرأة منهم، وقد روت شعرًا زعمت أنه قاله حينما بلغه النبأ، وهو:
أتاني وأصحابي على رأس صليع ... حديث أطار النوم عني فأنعما
قلت لعجلي بعيد مآبة ... ابن لي وبين لي الحديث المجمجما
فقال: أبيت اللعن عمرو وكاهل ... أباحا حمى حجر فأصبح مسلما١
ويفهم من هذا أن شاعرنا كان في صيلع حينما أبلغ خبر وفاة والده، أتاه به رجل اسمه "عجل" ويعرف بعامر الأعور٢.
أما صيلع، فموضع من شق اليمن، كثير الوحش والظباء. ورد اسمه في خبر مجيء وفد همدان إلى الرسول٣. وقد صرح "ياقوت الحموي" أن به ورد الخبر على امرئ القيس بمقتل أبيه حجر٤.
وهناك خبر يفيد أنه نزل في "بني دارم" وبقي عندهم حتى قتل عمه "شرحبيل"، وفي رواية تنسب إلى "الهيثم بن عدي" أنه كان مع والده "حجر" حين هاجمته بنو أسد، وأنه هرب على فرس له وتمكن من النجاة٥.
ويقول "ابن الكلبي" و"يعقوب بن السكيت" أن امرأ القيس ارتحل بعد أن بلغه نبأ مقتل والده حتى نزل بكرًا وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد، فبعث العيون على بني أسد، فنذروا بالعيون ولجئوا إلى بني كنانة، ثم أدركوا أن امرأ القيس يتعقبهم، ونصحهم "علباء بن الحارث" بالرحيل بليل، وألا يعلموا بني كنانة، ففعلوا وتركوا "بني كنانة" وارتحلوا عنهم ليلًا دون أن يشعروا.
فلما وصل امرؤ القيس إلى بني كناية ظانًّا بني أسد بينهم، نادى: يا لثارات الملك. يا لثارات الملك: فأخبروه أنهم تركوهم وارتحلوا عنهم. فتعقبهم مع بكر وتغلب حتى لحق بهم، فقاتلهم، فكثرت فيهم الجرحى والقتلى حتى جاء الليل فحجز بينهم، وهربت بنو أسد فلما أصبحت بكر وتغلب، أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله، ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل
стр. 1789
ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا. بلى، ولكنك رجل مشئوم، وكرهوا قتالهم بني كنانة، وانصرفوا عنه، ومضى هاربًا لوجهه حتى لحق بحمير١.
ولما أقبل امرؤ القيس من الحرب على فرسه الشقراء، لجأ ابن عمته "عمرو بن المنذر" وأمه "هند بنت عمرو بن حجر آكل المرار"، وذلك بعد قتل أبيه وأعمامه، وتفرق ملك أهل بيته، وكان عمرو يومئذ خليفة لأبيه المنذر بـ"بقة"، فمدحه وذكر صهره ورحمه، وأنه قد تعلق بحباله، ولجأ إليه فأرجاه ومكث عنده زمانًا. ثم بلغ المنذر مكانه عنده، وأنذره عمرو، فهرب حتى أتى حمير٢.
وفي رواية يرجعها الرواة إلى "ابن الكلبي" و"الهيثم بن عدي" و"عمر بن شبة" و"ابن قتيبة": أن "امرأ القيس" خرج فورًا بعد امتناع بكر بن وائل وتغلب من أتباع بني أسد إلى اليمن، فاستنصر أزد شنوءة، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا، فنزل بقيل يدعى "مرثد الحير بن ذي جدن الحميري"، وكانت بينهما قرابة، فاستنصره واستمده على بني أسد، فأمده بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس بهم، وقام بالمملكة بعده رجل من حمير يقال له: قرمل بن الحميم، وكانت أمه سوداء، فردد امرؤ القيس، وطول عليه حتى هم بالانصراف ... فأنفذ له ذلك الجيش، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر من قبائل العرب رجالًا، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بـ"تبالة"، وبها صنم للعرب تعظمه يقال له "ذو الخلصة"، فاستقسم عنده بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم، وقال: مصصت بظر أمك لو أبوك قتل ما عقتني، ثم خرج فظفر بـ"بني أسد"٣.
فلما ظفر بهم، فقال هذه الأبيات:
قولا لِدودانَ عَبيدِ العَصا ... ما غَرَّكُم بِالأَسَدِ الباسِلِ
قَد قَرَّتِ العَينانِ مِن مالِكٍ ... وَمِن بَني عَمروٍ وَمِن كاهِلِ
وَمِن بَني غَنمِ بنِ دودانَ إِذ ... نَقذِفُ أَعلاهُم عَلى السافِلِ
стр. 1790
حَلَّت لِيَ الخَمرُ وَكُنتُ اِمرَأً ... عَن شُربِها في شُغُلٍ شاغِلِ
فَاليَومَ أشْربُ غَيرَ مُستَحقِبٍ ... إِثمًا مِنَ اللَهِ وَلا واغِلِ
وهي أبيات يفهم منها أنه أوقع في "بني دودان" و"بني مالك" و"بني عمرو" و"بني كاهل" و"بني غنم بن دودان"، وهي بطون من بني أسد، وهي التي قتلت أباه حجرًا، قالها بعد أن أنجده "قرمل بن الحميم الحميري" وأنه ألبسهم الدروع المحماة، وكحلهم بالنار، فبر بيمينه، وحل له شرب الحمر١.
وبنو دودان هم بنو ثعلبة بن دودان بن أسد، وإلى ثعلبة هذا تنسب الثعلبية التي بين الكوفة ومكة. وهم جملة بطون ذكرها أهل الأنساب٢.
وإلى "قرمل" أشار "امرؤ القيس" في شعره:
وَكُنّا أُناساً قَبلَ غَزوَةِ قُرمُلٍ ... وَرَثنا الغِنى وَالمَجدَ أَكبَرَ أَكبَرا
وهو من "السحول" من "ذي الكلاع"٣.
وفي رواية تنسب إلى "الخليل بن أحمد الفراهيدي" أن رجالًا من قبائل "بني أسد" فيهم "قبيصة بن نعيم" وكان في بني أسد مقيمًا، قدموا على امرئ القيس بعد مقتل أبيه؛ ليعتذروا إليه وليسووا قضية قتل والده، فرفض إلا الانتقام من "بني أسد" قائلًا: "لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم، وأني لن أعتاض به جملًا أو ناقة، فاكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد. وأما النظرة، فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل القلوب حنقًا وفوق الأسنة علقًا"٤.
وتذكر الرواية أنه خرج إليهم بعد إبطاء دام ثلاثة أيام، وهو في قباء وخف وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم السواد إلا بالثارات، فلما نظروا إليه، وبدر إليه قبيصة، يتكلم باسمهم معتذرًا، طالبًا الصفح عنهم، ودفع الدية عن
стр. 1791
حجر، أخبرهم، أن دم حجر لا يعتاض بجمل أو ناقة، وأنه لا بد من أخذه بالثأر، ثم أمهلهم حتى يجمع طلائع كندة، فيهجم عليهم١.
وهناك روية أخرى تنسب إلى "أبي عبيدة" في هذا المعنى المتقدم مآلها أن "بني أسد" اجتمعت "بعد قتلهم حجر بن عمرو إلى ابنه امرئ القيس على أنه يعطوه ألف بعير دية أبيه، أو يقيدوه من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولًا. فقال: أما الدية، فما ظننت أنكم تعوضونها على مثلي. وأما القود، فلو قيد إليَّ ألف من بني أسد ما رضيتهم ولا رأيتهم كفئًا لحجر، وأما النظرة فلكم، ثم ستعرفونني في فرسان قحطان أحكم فيكم ظبا السيوف وشبا الأسنة حتى اشفي نفسي وأنال ثأري"٢.
ولم تشر رواية "الخليل" و"أبي عبيدة" إلى ما فعله "امرؤ القيس" بعد ذلك في "بني أسد"، ولكننا إذا ما أردنا ربط هذه الروايات بعضها ببعض وبحسب التسلسل الطبيعي المنطقي، نستطيع أن نجعلها مقدمة لرواية "ابن الكلبي" و"ابن السكيت" و"خالد الكلابي" وملحقها، وهي رواية "محمد بن سلام" عن نزول "امرؤ القيس" بـ"بكر" و"تغلب"، وطلبه النجدة منهم والنصرة على بني أسد، واقتصاصه منهم بعد تركهم لـ"بني كنانة" كما ذكرت ذلك سابقًا. وأن نربطها كذلك برواية "ابن الكلبي" والهيثم بن عدي" و"عمرو بن شيبة" وابن "قتيبة" الملحقة بهذه الرواية، والرواية القائلة بذهاب "امرئ القيس" إلى اليمن واستنصاره بـ"أزد شنونة" و"مرثد الخير بن ذي جدن الحميري" بعد أن امتنعت بكر من وائل وتغلب عن ملاحقة بني أسد.
وقد أشار "ابن قتيبة" أشار مختصرة إلى هجوم "امرئ القيس" على بني أسد حينما كانوا في "بني كنانة"، وذكر أنه أوقع بـ"بني كنانة"، ونجت "بنو كاهل" من بني أسد، فقال:
يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا
تالله لا يذهب شيخي باطلا٣
стр. 1792
وأما "اليعقوبي" فذكر أن "امرأ القيس" حين بلغه مقتل أبيه جمع جمعًا وقصد "بني أسد"، فلما كان في الليلة التي أراد أن يغير عليهم في صبيحتها، نزل بجمعه ذلك، فذعر القطا، فطار عن مجاثمه فمر ببني أسد، فقالت بنت "علباء بن الحارث" أحد "بني ثعلبة"، وكان القائم بأمر بني أسد: ما رأيت كالليلة قطًا أكثر. فقال علباء: "لو ترك القطا لغفا ونام" فأرسلها مثلًا. وعرف أن جيشًا قد قرب منه، فارتحل، وأصبح امرؤ القيس فأوقع بكنانة، فأصاب فيهم، وجعل يقول: يا لثأرات حجر! فقالوا: والله ما نحن إلا كنانة. فتركهم وهو يقول:
أَلا يا لَهفَ نَفْسِي إِثرَ قَومٍ ... هُمُ كانوا الشِفاءَ فَلَم يُصابواهم
وَقاهُم جِدُّهُم بِبَني أَبيهِم ... وَبِالأَشقينَ ما كانَ العِقابُ
وَأَفلَتَهُنَّ عِلباءٌ جَريضاً ... وَلَو أَدرَكنَهُ صَفِرَ الوِطابُ١
ولم يشر اليعقوبي إلى محاولة "امرئ القيس" تعقيب "بني أسد" وامتناع من كان معه عن الذهاب معه كما رأينا ذلك في الرواية السابقة بل قال: ومضى امرؤ القيس إلى اليمن لما لم يكن به قوة على بني أسد ومن معهم من قيس، فأقام زمانًا، وكان يدمن مع ندامي له، فأشرف يومًا، فإذا براكب مقبل، فسأله: من أين أقبلت؟ قال: من نجد، فسقاه مما كان يشرب، فلما أخذت منه الخمرة، رفع عقيرته وقال:
سَقَينا اِمرَأَ القَيسِ بنَ حُجرِ بنِ حارِثٍ ... كُئوسَ الشَجا حَتّى تَعَوَّدَ بِالقَهرِ
وَأَلهاهُ شُربٌ ناعِمٌ وَقُراقِرٌ ... وَأَعياهُ ثَأرٌ كانَ يَطلُبُ في حُجرِ
وَذاكَ لَعَمري كانَ أَسهَلَ مَشرَعاً ... عَلَيهِ مِنَ البيضِ الصَوارِمِ وَالسُمرِ
ففزع امرؤ القيس لذلك ثم قال: يا أخا أهل الحجاز، من قائل هذا الشعر؟
قال: عبيد بن الأبرص. قال: صدقت. ثم ركب واستنجد قومه، فأمدوه بخمسمائة من مذحج، فخرج إلى أرض "معد"، فأوقع بقبائل معد، وقتل الأشقر بن عمرو، وهو سيد بني أسد وشرب في قحف رأسه، وقال امرؤ القيس في شعر له:
стр. 1793
قولا لِدودانَ عَبيدِ العَصا ... ما غَرَّكُم بِالأَسَدِ الباسِلِ
يَا أيُّها السَّائِلُ عَنْ شَأنِنَا ... لَيْسَ الذي يَعْلَمُ كالجَاهِلِ
حَلَّت لِيَ الخَمرُ وَكُنتُ اِمرَأً ... عَن شُربِها في شُغُلٍ شاغِلِ
وطلبت قبائل معد امرأ القيس، وذهب من كان معه، وبلغه أن المنذر ملك الحيرة قد نذر دمه، فأراد الرجوع إلى اليمن، فخاف حضرموت، وطلبته بنو أسد وقبائل معد، فلما علم أنه لا قوة به على طلب المنذر واجتماع قبائل معد على طلبه ولم يمكنه الرجوع، سار إلى "سعد بن الضباب الإيادي، وكان عاملًا لكسرى على بعض كور العراق فاستتر عنده حينًا حتى مات سعد بن الضباب"، فخرج امرؤ القيس إلى جبل "طيء" ونزل بقوم من طيء، ثم لم يزل في طيء مرة وفي جديلة مرة وفي نبهان مرة حتى صار إلى "تيماء" فنزل بالسموءل بن عادياء فأودعه أدراعه وانصرف عنه إلى قيصر١.
وذكر "ابن خلدون" أن "امرأ القيس" سار صريخًا إلى "بني بكر" و"تغلب" فنصروه، وأقبل بهم، فأجفل "بنو أسد" وساروا إلى "المنذر بن امرئ القيس" ملك الحيرة، وأوقع "امرئ القيس" في "كنانة"، فأثحن فيهم، ثم سار في ملاحقة "بني أسد" إلى أن أعيا ولم يظفر منهم بشيء، ورجعت عنه بكر وتغلب، فسار إلى "مؤثر الخير بن ذي جدن" من ملوك حمير صريحًا بنصره بخمسمائة من حمير، ويجمع من العرب سواهم. وجمع المنذر لامرئ القيس ومن معه، وأمده كسرى أنو شروان بجيش من الأساورة، والتقوا، فانهزم امرؤ القيس، وفرت حمير ومن كان معه، ونجا بدمه، وما زال ينتقل في القبائل والمنذر في طلبه، وسار إلى قيصر صريخًا فأمده، ثم سعى به "الطماح" عند قيصر أنه يشبب ببنته، فبعث إليه بحلة مسمومة كان فيها هلاكه ودفن بأنقرة٢.
و"أبو الفداء" من الذين نفوا كذلك خبر إيقاع "امرئ القيس" بـ"بني أسد". فهو يرى أنه لم يظفر بهم، وأن "بني أسد" هربت حينما علمت بمجيء "بكر" و"تغلب". فلما أعجز القبيلتين الطلب، تخاذلتا عن "امرئ
стр. 1794
القيس"، وتركتاه. ولما عرفت جموع "امرئ القيس" بتطلب "المنذر بن ماء السماء" له، تفرقت خوفًا من المنذر، وخاف "امرؤ القيس"، وصار يدخل على قبائل العرب وينتقل من أناس إلى أناس حتى قصد "السموءل بن عاديا" اليهودي، فأكرمه وأنزله، وأقام عنده ما شاء الله، ثم سار إلى قيصر مستنجدًا به١.
ينفي خبر "ابن خلدون" المتقدم، خبر انتقام امرئ القيس من بني أسد، وهو يتفق بذلك مع رواية مؤيدة لبني أسد تنكر أخذ امرئ القيس بثأره من بني أسد، وتروي في ذلك أبياتًا تنسبها أسد إلى "عبيد بن الأبرص" شاعر بني أسد. قال ابن قتيبة: "وقد ذكر امرؤ القيس في شعره أنه ظفر بهم، فتأبى عليه ذلك الشعراء". قال عبيد:
ياذا المخوفنا بقتل أبيه ... إذلالًا وحينا
أزعمت أنك قد قتلت ... سراتنا كذبًا ومينا٢
وعبيد هذا هو الذي زعم "ابن الكلبي" وأضرابه أنه قال أبياتًا يتوسل فيها إلى "حجر" أن يترفق بقبائل بني أسد، وأن يعفو عنها، ويقبل ندامتها، فيسمح لها بالعودة إلى مواطنها. وكان قد أمر بإجلائها إلى تهامة؛ لأنها أبت دفع الإتاوة إلى جابي "حجر"، وضربته، وضرجته ضرجًا شديدًا. ومطلعها:
يا عَينِ فَاِبكي ما بَني ... أَسَدٍ فَهُم أَهلُ النَدامَة
ويقول ويقولون: إنه لما سماعها رق على "بني أسد"، فبعث في إثرهم وسمح لهم بالعودة من تهامة٣. وهو قول فيه تحيز على بني أسد.
ويفهم من هذه الأبيات:
كَأَنّي إِذ نَزَلتُ عَلى المُعَلّى ... نَزَلتُ عَلى البَواذِخِ مِن شَمامِ
فَما مُلكُ العِراقِ عَلى المُعَلّى ... بِمُقتَدِرٍ وَلا مُلكُ الشَآمِي
стр. 1795
أَصَدَّ نِشاصِ ذي القَرنَينِ حَتّى ... تَوَلّى عارِضُ المَلِكِ الهمَامِ
أَقَرَّ حَشا اِمرِئِ القَيسِ بنِ حُجرٍ ... بَنو تَيمٍ مَصابيحُ الظَلامِ
أن امرأ القيس نزل على "المعلى" أحد "بني تيم بن ثعلبة" فأجاره ومنعه. ولم يكن للملكين: ملك العراق وهو المنذر ولا ملك الشآم أي ملك الغساسنة، اقتدار عليه. وقد بقي لديه زمانًا، ثم اضطر إلى الارتحال عنه١. فذهب ونزل عند "بني نبهان" من طيء. ثم خرج، فنزل بـ"عامر بن جوين الطائي" وهو أحد الخلعاء والفتاك. فبقى عنده زمانًا. ثم أحس منه مارًّا به. فتغفله، وانتقل إلى رجل من "بني ثعل" فاستجار به. فوقعت الحرب بين "عامر" وبين "الثعلي"، فخرج ونزل برجل من "بني فزارة" اسمه "عمرو بن جابر بن مازن" فأشار هذا عليه بالذهاب إلى "السموءل بن عادياء" بتماء فوافق فأرسله في صحبة رجل من "فزارة" اسمه "الربيع بن ضبع الفزاري" كان يأتي السموءل، فيحمله ويعطيه. فنزل عنده وأكرمه، ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى "الحارث بن أبي شمر" الغساني، ليوصله إلى قيصر. ثم أودعه امرؤ القيس ابنته وأدراعه وأمواله، وأقام ابنته مع "يزيد بن الحارث بن معاوية" ابن عمه وخرج٢. وكان المذي أشار على "امرئ القيس" بالتوجه إلى قيصر هو ذلك الرجل الفزاري٣.
ويظهر من غربلة كل هذه الروايات، أن مطاردة "المنذر بن ماء السماء" لامرئ القيس كانت أعنف شيء أصاب هذا الشاعر بعد مقتل والده. لقد أخافته وجعلته يتنقل من قوم إلى قوم. فر عنه من انضم إليه من عصبة حمير، ونجا في جماعة من بني آكل المرار. حتى نزل بالحارث بن شهاب في بني يربوع من حنظلة ومعه أدراعه الخمسة: الفضفاضة، والضافية، والمحصنة، والخريق، وأم الذبول، كن لبني مرار يتوارثونها ملكًا عن ملك، فقلما لبثوا عند الحارث بن شهاب حتى بعث إليه المنذر مائة من أصحابه يوعده بالحرب أن يسلم بني آكل المرار فأسلمهم، ونجا امرؤ القيس ومعه ابن عمه يزيد بن معاوية بن الحارث وبنته هند، والأدرع والسلاح، ومال كان بقي عنده، ومضى إلى أرض طيء
стр. 1796
ونزل عند المعلي بن تيم الذي مدحه شاعرنا، فأقام عنده، واتخذ إبلًا، ثم خرج فنزل بعامر بن جوين على نحو ما ذكرت١.
ويذكر الأخباريون أن "عمرو بن قميئة" كان قد رافق "امرأ القيس" في سفره إلى "القسطنطينية" وقد أشير إليه في شعر "امرئ القيس" كذلك.
ويذكرون أنه كان من قدماء الشعراء في الجاهلية "وأنه أول من قال الشعر من نزار، وهو أقدم من امرئ القيس، ولقبه امرؤ القيس في آخر عمره، فأخرجه معه إلى قيصر لما توجه إليه، فمات معه في طريقه، وسمته العرب: عمرًا الضائع لموته في غربة وفي غير أرب ولا مطلب"٢ بل روي أنه كان من أشعر الناس٣. وأنه كان من خدم والد امرئ القيس، وأنه بكى وقال لامرئ القيس غررت بنا، فأنشأ امرؤ القيس شعرًا فيه٤.
أما خبر "امرئ القيس" مع الغساسنة في طريقه إلى قيصر، فلا نعلم منه شيئًا، وليس في شعره ما يشير إلى أنه ذهب إليهم رجاء التوسط في الوصول إليه.
ويظهر من شعر لامرئ القيس، أنه سلك طريق الشأم في طريقه إلى "قيصر" وأنه مر بـ"حوران"٥ وبعلبك وحمص وحماة وشيزر٦. أما ما بعد ذلك حتى عاصمة الروم، فلا نعرف من أمره شيئًا.
ويقول الرواة أن قيصر أكرم امرأ القيس، وصارت له منزلة عنده، وأنه دخل معه الحمام، وأن ابنته نظرت إليه فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وأنه
стр. 1797
نادمه، واستمده فوعده ذلك وفي هذه القصة يقول:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا١
ويذكرون أن "القيصر" أنجد "امرأ القيس" وأمده بجند كثيف فيه جماعة من أبناء الملوك، ولكن رجلًا من بني أسد اسمه "الطماح" كان امرؤ القيس قد قتل أخًا له، لحق بامرئ القيس، وأقام مستخفيًا، فلما ارتحل "امرؤ القيس" اتصل بجماعة من أصحابه، اتصلوا بقيصر، وقالوا له: "إن العرب قوم غدر ولا نأمن أن يظفر بما يريد، ثم يغزوك بمن بعثت معه". وفي رواية لابن الكلبي أنه ذهب إلى قيصر، وقال له: إن امرأ القيس غوي عاهر، وإنه لما انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، وهو قائل في ذلك أشعارًا يشهر بها في العرب فيفضحها ويفضحك. فبعث إليه حينئذ بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له: إني أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إليَّ بخبرك من مزل منزل. فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم، وسقط جلده، فلذلك سمي "ذا القروح" ويستشهدون على قولهم هذا بشعر امرئ القيس٢.
ويذكر بعضهم أن امرأ القيس كان مصابًا بداء قديم، وقد عاوده في ديار الروم، وهو عائد إلى دياره، فلما وصل إلى "أنقرة"، اشتد عليه المرض، فمات هناك. وأنه رأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك، فدفنت في سفح جبل يقال له "عسيب"، فسأل عنها فأخبر بقصتها، فقال في ذلك شعرًا.
стр. 1798
ثم مات فدفن في جنب المرأة، فقبره هناك١.
ويرى بعض المستشرقين إن ذهاب "امرئ القيس" إلى "القيصر" "يوسطنيانوس" كان حوالي سنة "٥٣٠" للميلاد، وأنه توفي في أثناء عودته بين سنتي "٥٣٠" و"٥٤٠" للميلاد٢.
وليس في كتب الروم أو السريان الواصلة إلينا إشارة إلى هذه الحوادث التي يرويها الأخباريون عن ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية، وطلبه النجدة من القيصر وموته في أنقرة، ولا عن الشعر الذي قاله في حق القيصر، وفي حق القبر الذي شاهده، وما إلى ذلك مما يذكره الأخباريون.
وأما "المعلى" الطائي أحد بني تيم، من "جديلة" والذي يعرف قومه بـ"مصابيح الظلام"، فقد ذكره أهل الأخبار في عداد الوافين من العرب. قيل إن "المعلى" شخص في يوم لبعض أمره، وبلغ "المنذر بن ماء السماء" أن امرأ القيس عند المعلى وقد أجاره، فركب حتى أتى "ابن المعلي" فعمد ابن المعلى حتى انتهى إلى القبة هو فيها. فقال له: "إن فيها حرم المعلى ولست واصلًا إليها" ونادى في قومه، فمنعوه، فقال امرؤ القيس شعرًا يمدح "بني تيم" وذكر نعتهم "مصابيح الظلام"، وقال:
فَما مُلكُ العِراقِ عَلى المُعَلّى ... بِمُقتَدِرٍ وَلا مُلكُ الشَآمِي٣
وإما "عامر بن جوين الطائي" الذي نزل امرؤ القيس عنده، فهو من
стр. 1799
"طيء" ثم من "بني جرم". وقد أقام امرؤ القيس عنده، حتى قبل عامر امرأة امرئ القيس، فأعلمته بذلك، فسار امرؤ القيس إلى "جارية بن مر الطائي" ثم "الثعلي" المعروف بـ"أبي حنبل"، فلم يصادفه، وصادف ابنه. فقال له ابنه: "أنا أجيرك من الناس كلهم إلا من أبي حنبل". فرضي بذلك وتحول إليه. فلما قدم أبو حنبل رأى كثرة أموال امرئ القيس وأعلمه ابنه بما شرط له في الجوار. فاستشار في أكله نساءه. فكلهن أشرن عليه بذلك: وقلن له: "إنه لا ذمة له عندك". ولكنه خالفهن بعد أن فكر في نفسه وفي سوء عاقبة الغدر ثم قرر الوفاء، فعقد له جوارًا ثم ركب في أسرته حتى نزل منزل عامر بن جوين ومعه امرؤ القيس، فقال له: "قبل امرأته كما قبل امرأتك. ففعل"١.
وذكر أهل الأخبار أن "المنذر بن النعمان الأكبر"، ضغن على "عامر بن جوين الطائي، لما أجار "امرأ القيس" أيام كان مقيمًا بالجبلين، وقال كلمته التي يقول فيها:
هنالك لا أعطي مليكًا ظلامة ... ولا سوقة حتى يئوب ابن مندلة
فلما وفد عليه، وذلك بعد انقضاء ملك كندة ورجوع الملك إلى لخم. ودخل عليه، أنَّبَه على فعلته وهدده بغزو قومه، وبإنزاله العقوبة الصارمة بهم، فخرج "عامر" من عنده، بعد أن قال له: "إن البغي أباد عَمْرًا، وصرع حجرًا، وكان أعز منك سلطانًا، وأعظم شأنًا، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسًا ولا أغساسًا، فهبش وضائعك وصنائعك، وهلم إذا بدا لك، فنحن الأُلَى قسطوا على الأملاك قبلك"، ثم أتى راحلته، وأنشأ يقول أبياتًا يتوعد فيه الملك٢.
ويشير أهل الأخبار إلى ملك من ملوك كندة، عرف بـ"أبي جبر". قالوا عنه، إنه كان ملكًا شديد البأس، خرج إلى "كسرى" يستجيشه على قومه، فأعطاه جيشًا من الأساورة، فلما بلغوا "كاظمة" ونظروا إلى بلاد العرب قالوا: أين يمضي بنا هذا الرجل، وعمدوا إلى سم، دفعوه إلى طباخه،
стр. 1800
فألقاه في أحب الألوان إليه، فلما استقر في جوفه، مرض وتوجع، فجاء الأساورة إليه، طالبين منه أن يكتب لهم أنه قد أذن لهم بالرجوع، فكتب لهم، فرجعوا وخف ما به، فخرج إلى "الطائف" إلى "الحارث بن كلدة الثقفي"، ليداويه فداواه وبرئ، ثم ارتحل يريد اليمن، فنكس ومات. وكانت له عمة اسمها "كبشة" فرثته١.
هذه قصة "كندة"، وهذه حكاية شاعرها "امرئ القيس" الذي يعود إليه الفضل في حفظ الأخباريين لتأريخ كندة.
أما شعر امرئ القيس وديوانه وصحيحه وفاسده، فقد تحدث العلماء فيه، ولهم فيه كلام يخرجني التعرض له عن صلب هذا الموضوع. فعلى مقالاتهم المعول في هذه الأمور.
يتبين للقارئ بعد غربلة الأخبار المتقدمة، أن كندة كانت قد تمكنت من الهيمنة على القبائل النازلة في أواسط جزيرة العرب، ومن تكوين مملكة لها، بلغت أوج ملكها في القرن الخامس للميلاد، إلا أن ملكها على عادة حكومات القبائل لم يدم طويلًا، فسرعان ما أخذ بنيانه يتآكل ويتداعى، فأخذت أجزاؤه تتساقط، وعادات القبائل التي اضطرت بقانون القوة المتحكم في البادية إلى الانفصال عنها وإلى استعادة حريتها بذلك القانون أيضًا. فخسرت كندة ملكها الذي شمل نجدًا ووصل العراق، وبقي رؤساء منها يتحكمون في حضرموت، ثم أخذوا يتعاملون مع قبائل عربية جنوبية أخرى لتوسيع ملكهم لا سيما بعد تركهم نجدًا ولجوئهم إلى حضرموت، ويقدر بعض الباحثين عدد من جاء إلى حضرموت من كندة بحوالي ثلاثين ألف رجل، نزل أكثرهم في "دمون"٢.
стр. 1801
السموءل:
ولا بد من الإشارة باختصار إلى "السموءل" الذي مر اسمه في أثناء كلامنا على "امرئ القيس"، وقصته هي في الواقع جزء من قصة هذا الشاعر،
стр. 1802
وذيل لها. وهو على ما يقوله لنا الأخباريون يهودي ثري، شاعر: مقره "الأبلق" بـ"تيماء" يعرف بـ"السموءل بن عاديا" وبـ "السموءل بن غريض بن عاديا" "عادياء" اليهودي١. وبـ "السموءل بن حيان "حسان" بن عادياء٢" وبـ"السموءل بن عادياء بن حيا"٣، وبـ"السموءل بن حيا بن عادياه بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب"٤، وبـ"السموءل بن أوفى بن عادياء"٥. ويظهر من بيتين من قصيدة للأعشى، هما:
كُن كَالسَمَوءَلِ إِذ سارَ الهُمامُ لَهُ ... في جَحفَلٍ كَسَوادِ اللَيلِ جَرّارِ
جارُ اِبنِ حَيّا لِمَن نالَتهُ ذِمَّتُهُ ... أَوفى وَأَمنَعُ مِن جارِ اِبنِ عَمّارِ
أن المراد بـ"ابن حيا" السموءل، أي أن اسم والد السموءل هو "حيا".
واختلفوا في نسب "عاديا" "عادياء"، فقالوا: "عادياء بن حباء" وقالوا "عادياء بن رفاعة بن جفنة"، وقالوا: إنه من ولد "الكاهن بن هارون بن عمران"٦، وقالوا عن قبيلته إنه كان من "بني غسان"٧. ونسبه "دارم بن عقال" إلى "رفاعة بن كعب بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء". وهو نسب أنكره "أبو الفرج الأصبهاني" حيث قال: "وهذا عندي محال؛ لأن الأعشى أدرك شريح بن السموءل، وأدرك الإسلام وعمرو مزيقيا قديم لا يجوز أن يكون بينه وبين السموءل ثلاثة آباء ولا عشرة إلا أكثر ... وقد قيل إنه أمه كانت من غسان"٨. ونسب السموءل إلى الأزد٩.
وللأعشى الشاعر الشهير شعر يرويه الرواة في مدح "الشريح بن السموءل".
стр. 1803
وقد ورد فيه اسم ولدين للسموءل، هما: "حوط" و"منذر"١. ولم يذكر الأخباريون اسم الولد الذي زعم أن "الحارث بن أبي شمر" أو "الحارث بن ظالم" قتله لرفض "السموءل" دفع أدرع الكندي إليه، على نحو ما يذكره الرواة في قصة الوفاء. ونجد مضمون هذه القصة في قصيدة الأعشى الرائية الموجودة في ديوانه. وهي قصيدة تتألف من واحد وعشرين بيتًا، يروي الرواة أنه قالها مستجيرًا بـ"شريح بن السموءل" ليفكه من الأسر. وكان الأعشى على ما يقوله الرواة قد هجا رجلًا من "كلب"، فظفر به الكلبي وأسره، وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن السموءل وأحسن ضيافته، ومر بالأسرى، فناداه الأعشى بهذه القصيدة، فجاء شريح إلى "الكلبي"، وتوسل إليه بأنه يهبه، فوهبه إياه، فأطلقه، وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال له "الأعشى": "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية، وتخليني الساعة، فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ "الكلبي" أن الذي وهبه لشريح "الأعشى"، فأرسل إلى شريح ابعث إليَّ الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه، فقال: قد مضى، فأرسل الكلبي في أثره، فلم يلحقه"٢.
وروى "ابن قتيبة" القصة المتقدمة على هذا النحو: "قال أبو عبيدة: أسر رجل من كلب الأعشى فكتمه نفسه وحبسه، واجتمع عند "الكلبي" شرب فيهم "شريح بن عمرو والكلبي"، فعرف الأعشى. فقال للكلبي: من هذا؟ فقال خشاش التقطته. قال: ما ترجو به ولا فداء له! خل عنه. فخلى عنه. فأطعمه شريح وسقاه. فلما أخذ منه الشراب سمعه يترنم بهجاء الكلبي، فأراد استرجاعه. فقال الأعشى:
شُرَيحُ لا تَترُكَنّي بَعدَما عَلِقَت ... حِبالَكَ اليَومَ بَعدَ القِدِّ أَظفاري
كُن كَالسَمَوَءَلِ إِذ طَافَ الهُمامُ بِه ... في جَحفَلٍ كَهزيع اللَيلِ جَرّارِ
بِالأَبلَقِ الفَردِ مِن تَيماءَ مَنزِلُهُ ... حِصنٌ حَصينٌ وَجارٌ غَيرُ غَدّارِ٣
стр. 1804
فجعل الرجل المجير "شريح بن عمرو الكلبي"، أي من العشيرة التي أسر أحد رجالها الأعشى، ولم يجعله ابنًا من أبناء السموءل.
وجاء نسب "شريح" في شرح "أبي العباس ثعلب" على ديوان الأعشى على هذا الشكل: "شريح بن حصن بن عمران بن السموءل بن حيا بن عاديا"١، فصار "السموءل" جدًّا من أجداد "شريح" لا والدًا له.
وقد اختلف الأخباريون في الرجل الذي طالب السموءل بتأدية سلاح "امرئ القيس" إليه، فزعم بعضهم أنه "الحارث بن أبي شمر الغساني"٢. وزعم بعض آخر أنه "الحارث بن ظالم" في بعض غاراته بالأبلق، وزعم آخرون أنه "المنذر" ملك الحيرة، وجه بـ"الحارث بن ظالم" في خيل، وأمره بأخذ مال امرئ القيس من السموءل، وزعم أنه "الأبرد" وهو الملك الغساني.
وكان الحارث بن أبي شمس لما قتل المنذر بعين أباغ، وجه ابن عمه الأبرد، فجعله بين العراق والشام. فلما سمع الأبرد بهلاك امرئ القيس، طالب السموءل بدفع الدروع إليه، فامتنع، فذبح ابنه وهو يراه. ولم يصرح بعضهم باسم الملك الذي طالب بتأدية الدروع، إنما ذكروا أنه كان بعض ملوك الشأم٣.
وإذا تتبعنا الروايات الواردة في قصة وفاء السموءل، وذبح ابنه، وامتناعه عن تأدية الأمانة المودعة لديه، نجد أنها ترجع إلى موردين: قصة "دارم بن عقال" وشعر الأعشى. ويلاحظ أن في شعر الأعشى كثيرًا من أخبار السموءل، ومن شعره أخذ الأخباريون "تيماء اليهودي"، وهذه ملاحظة تستحق الدرس٤. ويفهم منه أن الأعشى كان ممن يرتادون حصن السموءل. أما "دارم بن عقال"، فهو من ولد السموءل. وهو راوي خبر قصة الوفاء، والأشعار المنسوبة إلى امرئ القيس المتعلقة بهذا الموضوع. وقد أشار إلى ذلك مؤلف كتاب "الأغاني" في أثناء كلامه على قصيدة نسبت إلى "امرئ القيس" ابتداؤها:
طرقتك هند بعد طول تجنب ... وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق
стр. 1805
فقال: "وهي قصيدة طويلة، وأظنها منحولة؛ لأنها لا تشاكل كلام امرئ القيس، والتوليد فيها بين، وما دونها في ديوانه أحد من الثقات، وأحسبها مما صنعه دارم؛ لأنه من ولد السموءل، ومما صنعه من روى عنه من ذلك فلم تكتب هنا ... "١ ولا أستبعد أن تكون هذه القصة، قصة الوفاء من صنع هؤلاء الصناع.
ويرى "ونكلر" "winckler" أن قصة الوفاء هذه هي أسطورة استمدت مادتها من أسفار "صموئيل الأول" في التوراة، ومن الأساطير العربية القديمة نظمت على هذه الصورة فجعل بطلها شخصان هما: السموءل وامرؤ القيس٢.
ولا بد لي وقد انتهت من البحث عن إمارة كندة، من الإشارة إلى "الأكيدر" صاحب "دومة الجندل"، فقد نسبه أهل الأخبار إلى "كندة". وقد ذكروا أنه من السكون، والسكون هم من كندة. ومعنى هذا أن عائلة تنتمي إلى كندة كانت تحكم هذا الموضع المهم في البادية؛ لأنه ملتقى طرق قوافل وسوق معروف من أسواق الجاهليين.
стр. 1806
كندة في العربية الجنوبية:
وقفنا على أخبار كندة بنجد وفي العربية الشرقية إلى العراق. ثم رأينا ما حل بتلك الإمارة وكيف تشتت شملها. ونريد الآن أن نتحدث عن دور هذه القبيلة في العربية الجنوبية.
يرى بعض الباحثين أن الخصومات التي وقعت في إمارة كندة، وتعقب ملوك الحيرة ولا سيما "المنذر" لساداتها، وانقضاض القبائل التي كانت تخضع لها عنها ثم سقوط إمارة كندة، دفعت بعشائر كندة إلى الاتجاه نحو الجنوب نحو العربية الجنوبية، ولا سيما حضرموت، وهي موطنها القديم، فنزحت إليها واستوطنت بها. وكونت لها إمارة كندية بحضرموت.
стр. 1807
وهذا القول يجب ألا يفسر على أن مجيء كندة إلى العربية الجنوبية إنما كان بعد سقوط حكومتهم وتشتت أمرهم، فقد أشرت فيما سلف في مواضع إلى وجود كندة في العربية الجنوبية قبل هذا العهد بزمن طويل، وأشرت إلى ورود اسمها في نصوص المسند وإلى الأدوار التي لعبتها في أيام ملوك سبأ وذو ريدان، قبل الإسلام بمئات السنين، بل ربما كان ذلك قبل الميلاد.
وقد رأينا فيما سلف ورود اسم "كندة" كدت" في نص أمر بتدوينه الملك "معديكرب يعفر ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في النجاد وفي المنخفضات". وهو من النصوص التي عثر عليها في "وادي مأسل" "وادي ماسل" "مأسل الجمع"١، وقد دون ووضع في موضع "مأسل الجمح"٢ لمناسبة إرسال الحملة العسكرية إلى موضع "كتا" لمحاربة "مذر" أي "المنذر" الذي أعلن الحرب على قبائل هذه الجهات. وقد اشتركت في هذه الحرب قبائل سبأ وحمير و"رحبت" "رحبة" وحضرموت و"يمنت" "اليمن" والأعراب و"كدت" أي "كندة" و"مذحج". واشترك مع المنذر "مذر" بنو ثعلبة "بن ثعلبت" و"شبيع؟ ". وقد أرخ النص بشهر "ذ قيضن" "ذو قيض" "ذو القيض" من سنة "٦٣١" من التقويم الحميري أي في صيف سنة ٥١٦ للميلاد٣.
ويظهر من هذا النص أن "المنذر" كان قد بلغ في حروبه مناطق بعيدة عن قاعدة ملكه، وأنه هو الذي غزا القبائل القاطنة في وادي مأسل الجمع "ما سلم جمحن". ولعله كان يتعقب عشائر كندة ومن كان يؤازرها ويعادي ملك الحيرة، حتى بلغ هذا المكان الذي كان خطًّا أماميًّا من خطوط الدفاع لحكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في الأطواد والمنخفضات". ولهذا السبب هب الملك "معديكرب" لمساعدة "كندة" على نحو ما ورد في النص.
وقد ذكرت "كدت" كندة مع مراد ومذحج والقبائل الأخرى في الهجوم الذي قام به الملك "يوسف إسار" "يوسف أسأر" على الأحباش في مدينة "ظفار"، وعلى المدن التي كانت تناصرهم. وقد ورد تأريخ هذا الهجوم في
стр. 1808
نص سجله القيل "شرح إيل يقبل بن شرحب إيل يكمل" من "أل يزن" "آل يزن" "آل يزأن" بالاشتراك مع "جدن" "جدنم" و"حيم" "حب" و"نسأ" "نسان" "نسن" و"جبا" "جبأ" لهذه المناسبة.
ويتبين من هذا النص أن الملك "يوسف إسار" "يوسف أسأر" هاجم "ظفار" مقر الأحباش، واستولى على الكنيسة "قلسن" "القليس"، ثم سار بعد ذلك على "أشعرن" "الأشعر"، وعين القيل على رأس جيش، ثم سار إلى "مخون" "مخا" فقتل سكانها واستولى على كنيستها، وهدم جميع حصون "شمر" ومعاقلها والسهل. وعندئذ قام بهجوم ماحق على "أشعرن".
وقد قُتل في هذه المعارك عدد كبير من الناس، قُتل ثلاثة عشر ألف قتيل، وأخذ تسعة آلاف وخمسمائة أسير، واستولى على "٢٨٠" ألف من الإبل والبقر والماعز. وأخذت غنائم عديدة أخرى.
وأمر الملك بعد هذه المعارك القيل "شرح إيل يقبل" شرح آل يقبل" بالالتحاق بالجيش الذي أرسل إلى نجران. وفي صعيد هذه المدينة اجتمع رؤساء "بني أزأن" "آل يزأن" "بن يزن" وقبائل همدان وكندة ومراد ومذحج وأعرابها. فتغلبت جيوش الملك على هذه المدينة، وأنزلت بسكانها خسائر كبيرة في الأموال والأرواح، ووضعت الأغلال في أيدي الأسرى، وقتل من وجد هناك من الأحابيش. وكان مع الملك في جيشه من الرؤساء: "لحيعت برخم" و"سميفع أشوع" و"شرحب إيل أسعد". وقد دون هذا النص في شهر "ذ قبضن" "ذو القيض" من شهور صيف سنة "٦٣٣" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥١٨" للميلاد١.
وقد لعبت "كندة" "كدت" دورًا خطيرًا في الأوضاع السياسية والعسكرية في أيام استيلاء الجيش على العربية الجنوبية، كما يتبين ذلك من الفصل الخاص المتعلق بهذا الموضوع. وقد دخل رؤساؤها في الإسلام، فتبعهم أتباعهم، كما يرد ذلك في كتب التواريخ والسير.
ويذكر أهل السير والتواريخ، أن وفدًا من وفود "كندة"، كان في جملة
стр. 1809
الوفود التي قدمت المدينة لمبايعة الرسول في السنة العاشرة من الهجرة. وكان قد رأسه "الأشعث بن قيس الكندي". "دخلوا على رسول الله مسجده، وقد رجلوا أجممهم، وتكحلوا، عليهم جبب الحيرة، قد كففوها بالحرير"، ثم قال الأشعث: "يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار. وأنت ابن آكل المرار"، يفتخر بجده "آكل المرار"، وبـ "أن كندة كانت ملوكًا"١.
وقد عرف جد "الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية"، بمعاوية الأكرمين، وإنما سمي معاوية الأكرمين لأنه ليس في آبائه إلا ملك أو رئيس. وكان كريم الطرفين، وقد ذكره "الأعشى" في شعر له. وكان أحد ملوك كندة بحضرموت٢.
وكان "مخوص" "مخوس" ومشرح وجمد وأبضعة بنو معديكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من سادات كندة عند ظهور الإسلام. وقد لقب كل واحد منهم نفسه بلقب "ملك"، واختص كل واحد منهم بواد ملكه.
وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من "بني عمرو بن معاوية"، وقد لعنهم النبي٣. وقتلوا في الردة٤.
ويرجع النسابون نسب كندة إلى جد أعلى قالوا له "عفير بن عدي" وهو والد "ثور". و"ثور" هو كندة٥. وولد "كندة" معاوية بن كندة وأشرس، وأمهما هي رملة بنت أسد بن ربيعة بن نزار٦. ويمثل هذا النسب صلة كندة بقبائل معد، وارتباط تأريخها بها، وتملكها عليها قبل الإسلام بزمن. وهو تملك جعل "كندة" تفتخر به، حتى صارت تدعو نفسها: "كندة الملوك".
ويذكر "الهمداني"، أن الشاعر "امرؤ القيس"، كان يفتخر ويقول:
لا ينكر الناس منَّا يوم نملكهم ... كانوا عبيدًا وكنا نحن أربابًا٧
стр. 1810
وأن "تبعًا الآخر"، وهو "عمرو بن حسان"، عين حجرًا آكل المرار على معد كلها، فالملك على "معد" لكندة. وأن "كندة" كانت تقول: "لم تزل لها نزار ومن نزل الحيرة والشأم من العرب طعمة ورعية".
وقد نسب بضع النسابين "كندة" إلى كندة، وهو ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان١. ونسبه بعض آخر إلى "كندة بن عفير بن الحارث"، إلى غير ذلك من آراء. وقد زعم بعض النسابين أن "الصدف" واسمه "مالك"، وهو جد "الصدف"، هو شقيق كندة٢.
ومن بطون كندة معاوية بن كندة، ومنه الملوك بنو الحارث بن معاوية الأصغر بن ثور بن مرتع بن معاوية، أسلاف الشاعر امرئ القيس، وقد حكموا القبائل الأخرى من غير كندة، ومنها قبائل من عدنان٣.
و"الأشرس بن مرتع"، هو أخو "كندة"، وهو أبو السكون والسكاسك٤، ونسب السكاسك إلى "خميس السكسك بن أشرس بن ثور. وهو كندة بن عفير"٥.
ومن السكون "نجيب". وكان "أكيدر بن عبد الملك" صاحب دومة الجندل من السكون، وأخوه بشر بن عبد الملك. يذكرون أنه ذهب إلى الحيرة، وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان. ومنه تعلم أهل مكة الكتابة٦.
ويذكر أهل الأخبار أن كندة لما خرجت من "الغمر": غمر ذي كندة نزلت بحضرموت وتآلفت مع الصدف تذكرت الأواصر والقرابات التي كانت تربطها بـ"الصدف" فصارت تحارب معها٧، وجعل "الهمداني" أهل حضرموت من كندة والصدف وحمير.
стр. 1811
فلسطين الثالثة:
لقد ذهب "كوسان دي برسفال" "caussin. de perceval" إلى أن "كيسوس" "kaisus،caisus" المذكور عند "بروكوبيوس" و"نونوسوس" "nonnosus" هو "امرؤ القيس"١.
ذكر "بروكوبيوس"، أن القيصر "يوسطنيانوس" "juslinianus"، أرسل رسولًا هو "يوليانوس" "julianus" إلى "esimiphaaeus" "السميفع أشوع" ليطلب منه بحكم رابطة الدين والمصالح المشتركة تنصيب أحد أبناء الأشراف ورؤساء القبائل واسمه "kaisus" "caisus" على "معد" "maddeni"، وأن يرسل قوة كبيرة من رجاله يشتركون مع الـ"سرسين" والـ"massenin" في غزو مملكة الفرس٢. وكان "كيسوس" هذا قد قتل أحد أقارب "esimiphaaeus" والتجأ إلى البادية، ولم يقم أي منهما بالغزو، ولم يذكر "بروكوبيوس" شيئًا آخر عن "كيسوس" هذا، أي "قيس"، وقد كانت سفارة "يوليانوس" إلى الحميرين قبل موت "قباذ" أي قبل سنة "٥٣١م"٣.
وفي الخبر إشارة إلى شجاعة "قيس" وكفاءته وحزمه، لهذه الأسباب ولأسباب سياسية أخرى رغب القيصر في تعيينه رئيسًا على معد.
وذكر "نونوسوس" أن القيصر "يوسطنيانوس" كلفه الذهاب في سفارة إلى "kaisos" "قيس" حفيد "الحارث" "aretas" ورئيس قبيلتين عظيمتين من أعظم قبائل الـ"سرسينوي" "saracynoi" هما "kindyoi" كندة و"معد" "maadynoi" لمواجهته ودعوته للذهاب إلى الإمبراطور إذا أمكنه ذلك. فذهب إليه، ونفذ أوامر القيصر، وعاد إلى بلده سالمًا. وكان القيصر "أنسطاسيوس" "anastasius" قد كلف جد "نونوسوس" أن يذهب إلى الحارث ليعقد عهدًا معه، كما أن القيصر "يوسطينوس"، كلف أبا "نونوسوس" وهو "إبراهام" "إبراهيم" إن يذهب إلى "المنذر" "alamoundaros" رئيس الـ"سرسينوي" لمفاوضته في فك أسر قائدين كانا أسيرين لديه هما "تيموستراتوس"
стр. 1812
و "يوحنا". ثم كلف مرة ثانية في عهد "يوسطنيانوس" "justinianus" سفارة أخرى لدى قيس، لعقد معاهدة معه، وقد تمكن من ذلك، وعاد ومعه أحد أبناء "قيس" واسمه "معاوية" "mauias" ليكون رهينة في "بوزنطية" عند "يوسطنيانوس"، وكلف "إبراهيم" مرة أخرى أن يذهب إلى "قيس" بمهمة سياسية أخرى، فذهب إليه وأقنعه بالقدوم إلى "بوزنطية"، فقسم ولايته على القبائل بين أخوين "يزيد" "jezidos" و"aumros" "عمرو"، ونال من الإمبراطور ولاية "فلسطين"، وجاء معه بعدد لا يحصى من مرءوسيه١.
وقد ذكر "ملخوس الفيلادلفي" "malchus of philadelphia" اسم عامل عربي سماه "amorkesos" أي "امرؤ القيس". كان كما قال رئيسًا على بطن من بطون الأعراب "sareceni" هو بطن "nokalian" "nokhalian".
وذكر أن "بطرس" "peter" أسقف أهل الوبر "saraceni" ذهب في عام "٤٧٣" للميلاد إلى القسطنطينية ليطلب من القيصر "ليون" "leo" أن يمنح هذا الرئيس. درجة "عامل" "phylarchus" "فيلارخ" على العرب المقيمين في العربية الحجرية.
وكان هذا الرئيس يقيم مع قبيلته في الأصل كما ذكر "ملخوس" في الأرضين الخاضعة لنفوذ الفرس، ثم ارتحل عنها ونزل في أرضين قريبة من حدود الفرس وأخذ يغزو منها حدود الساسانيين، والقبائل العربية المقيمة في الأرضين الخاضعة للروم. فتمكن بذلك من بسط نفوذه وسلطانه على القبائل حتى بلغ ساحل البحر الأحمر، واستولى على جزيرة "إيوتابا" "iotabe"، وهي جزيرة مهمة كان الروم ينزلون فيها لجمع الضرائب من المراكب الذاهبة إلى المناطق الحارة أو الآيبة منها، فتصيب الحكومة أرباحًا عظيمة جدًّا. فلما استولى على تلك الجزيرة، صار يجيبها لنفسه، حتى صار غنيًّا جدًّا. كذلك حصل على ثروة عظيمة من الغنائم التي حصل عليها من غزوه للمواضع المجاورة لهذه الجزيرة والواقعة في العربية الحجرية وأعالي الحجاز٢
стр. 1813
وأراد "امرؤ القيس" "amorkesos"، بعد أن بلغ من النفوذ مبلغه، الاتصال بالروم، والتحالف معهم، والاعتراف به عاملًا رسميًّا على العرب الذين خضعوا له وعلى العرب المعترفين بسلطان الروم عليهم. ولذلك أرسل الأسقف "بطرس" أسقف قبيلته، ليكون رسوله إلى القيصر. وقد نجح هذا الأسقف في مهمته، وتوسط في دعوة "امرئ القيس" لزيارة القسطنطينية" فلما وصل إليها استقبل بها استقبالًا لائقًا ورحب به ترحيبًا حارًّا، ولا سيما بعد أن أعلن دخوله في النصرانية، فأنعم عليه القيصر بالهدايا والألطاف وعينه "عاملًا" "phylaechus" على تلك الجزيرة وعلى مواضع أخرى وعلى أعراب العربية الحجرية.
ثم عاد مكرمًا، بالرغم من أن معاهدة الصلح التي كانت بين الروم والفرس كانت قد حرمت دخول رؤساء الأعراب وقبائلهم النازحين من مناطق أحد الطرفين في أرضين الطرف الثاني١.
ويحتمل على رأي "إلويس موسل" أن يكون هذا الشيخ قد هاجر من "الوديان" و"الحجيرة" إلى "دومة الجندل" ومنها صار يغزو أعراب "العربية الحجرية"، والمناطق المجاورة لها من "فلسطين الثالثة" "palestina tertia" ويتوسع فيها حتى بلغ ساحل البحر، فتحكم في جزيرة "iotabe" المهمة التي كانت محطة تجارية خطيرة للاتجار مع الهند، وفي الطريق البري المهم الذي يربط ديار الشأم بالعربية الجنوبية، فحصل على سلطان واسع ونفوذ عظيم٢.
ولعل هذه الجزيرة هي جزيرة "ainu" التي ذكرها "بطلميوس"، أخذ تسميته هذه من "حينو" "حاينو" "hainu" الاسم الذي كانت تعرف به عند الأنباط٣. ويظن أنها جزيرة "تاران" "تيران". وذكر "ياقوت" أن سكانها قوم يعرفون بـ"بني جدان"٤.
ويحدثنا "ثيوفانس" أن هذه الجزيرة كانت في عام "٤٩٠" للميلاد في أيدي
стр. 1814
الروم، استولى عليها حاكمهم "dux" على فلسطين بعد قتال شديد١. ويدل خبر هذا المؤرخ على أن الروم انتزعوا هذه الجزيرة من "امرئ القيس" أو من خلفائه بعد مدة ليست طويلة من استيلاء امرئ القيس عليها. ولعلهم استولوا عليها بعد وفاة هذا العامل على أثر نزاع وقع بين أولاده وورثته أضعف مركز الإمارة، فانتهز الروم هذه الفرصة وانتزعوا ما تمكنوا من انتزاعه من أملاك هذا الرئيس.
ويظن أن "nokalian" هو "النخيلة". و"النخيلة" موضع معروف قرب الكوفة على سمت الشام٢، وهو موضع ينطبق عليه ما ذكره "ملخوس" من أنه كان في أرض كانت تحت نفوذ الفرس.
وكان يحكم هذه المنطقة في أيام "يوسطنيانوس" "justinianus" "joustinianus" رئيس يدعى "أبو كرب" "abochorabus"، وكانت له واحة خصبة مزروعة بالنخيل، وهبها إلى القيصر. فقبلها منه، وعينه رئيسًا "phylarchus" على أعراب "saracens" فلسطين. فحمى له الحدود من غزو الأعراب، ومنع اعتداء القبائل في الداخل. وذكر "بروكوبيوس" أن هناك أعرابًا آخرين كانوا يجاورون أعراب هذا الرئيس، يدعون بـ"maddeni" أي "معد"، يحكمهم "homeritae" أي الحميريون٣. ويظهر من كلام هذا المؤرخ أن قبائل معد كانت في أيامه تابعة لحمير. ومعنى هذا أن نفوذهم كان قد أمتد في هذا العهد حتى بلغ أعالي الحجاز، وفي كلامه هذا تأييد لروايات الأخباريين الذين يتحدثون عن بلوغ التبايعة هذه الأماكن، وعن حروب وقعت بين العدنانيين والقحطانين.
وليس في الذي أورده "بروكوبيوس" أو "نونوسوس"، ما يثبت أن "قيسًا" هو "امرؤ القيس". ومجرد تشابه الاسمين لا يمكن أن يكون حجة على أنهما لمسمى واحد. ثم إن ما ذكره "نونوسوس" من أن "قيسًا" كان رئيسًا على قبيلتي "كندة" و"معد" لا يكون دليلًا على أنه كان حتمًا من "كندة" أو أنه كان حتمًا "امرأ القيس" الشاعر الذي يعرفه الأخباريون.
لذا فنحن لا نستطيع الجزم في الوقت الحاضر بتعيين هوية هذا الرئيس
стр. 1815
الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة
مدخل
...
الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة
وحكم عرب بلاد الشام في دولة البيزنطيين، عرب عرفوا بـ"آل غسان"، وبـ"آل جفنة" وبـ"الغساسنة" وقد استمر ملكهم إلى الإسلام. فلما فتح المسلمون بلاد الشأم، زالت حكومتهم، وذهب سلطانهم كما ذهب ملك "آل لخم" منافسوهم في العراق.
وقد نقلت كلمة "غسان" في زعم الأخباريين من اسم ماء يقال له "غسان"، ببلاد "عك" بزبيد وربيع، نزل عليه آل غسان، وأصلهم من الأزد، بعد خروجهم من اليمن قبيل حادث سيل العرم أو بعده، فلما أقاموا عليه وشربوا منه، أخذوا اسمهم منه، فسموا "غسان"١، وعرف نسلهم بالغساسنة وبـ"آل غسان".
ولم يحدد أهل الأخبار زمان حدوث سبيل العرم، وتهدم السد. لذلك لا نستطيع أن نستنبط شيئًا من رواياتهم عن هذا الحادث في تحديد وقت وصول الغساسنة إلى بلاد الشأم. وحادث تصدع السد لم يكن حادثًا واحدًا، حتى نعتبره مبدأ لتأريخ هجرة الأزد وغيرهم من قبائل اليمن نحو الشمال. فقد تصدع السد مرارًا ورم
стр. 1816
مرارًا. والذي يفهم من أقوال الأخباريين أن هذا التصدع كان قد وقع قبل الإسلام بزمن، وقد بقيت ذكراه عالقة في الذاكرة إلى أيام الإسلام.
وأما سبب تسميتهم بآل جفنة وبأولاد جفنة، فلانتسابهم إلى جد أعلى يدعونه "جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر" على رأي١، أو إلى "جفنة" قبيلة من غسان من اليمن٢. ويذكر "ابن دريد" أن "جفنة" إما من "الجفنة" المعروفة، أو من "الجفن"، وهو "الكرم"، وجفن السيف وجفن الإنسان. ويذكر أن المثل المشهور بين الناس: "وعند جهينة الخبر اليقين"، هو خطأ تقوله العامة، وأن صوابه: "وعند جفينة الخبر اليقين"٣.
ولم نظفر حتى الآن باسم غسان في نصوص المسند. كذلك لم نظفر به في الأرضين التي عدها الأخباريون في جملة ممتلكات هذه القبيلة.
ويزعم الأخباريون أن الذي قاد الغساسنة في خروجهم من اليمن، هو عمرو المعروف بـ"مزيقيا"، وهو ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث٤. ولهم في نسبه على هذا النحو من ذكر الآباء والأجداد والألقاب أقوال وحكايات٥.
وروى "ابن قتيبة الدينوري" أن "عمرو بن عامر مزيقياء" لما خرج من اليمن في ولده. وقرابته ومن تبعه من الأزد، أتوا بلاد عك، وملكهم "سملقة" "سلمقة"، وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام حتى يبعثوا من يرتاد لهم المنازل ويرجعوا إليهم، فأذنوا لهم. فوجه عمرو بن عامر ثلاثة من ولده: الحارث بن عمرو، ومالك بن عمرو، وحارثة بن عمرو، ووجه غيرهم روادًا فمات عمرو بن عامر بأرض عك قبل أن يرجع إليه ولده ورواده، واستخلف ابنه ثعلبة بن عمرو، وأن رجلًا من الأزد يقال له جذع بن سنان احتال في قتل سلمقة "سملقة"،
стр. 1817
ووقعت الحرب بينهم، فقتلت عك أبرح قتل وخرجوا هاربين، فعظم ذلك على ثعلبة بن عمرو، فحلف أن لا يقيم، فسار ومن اتبعه حتى انتهوا إلى مكة وأهلها يومئذ جرهم، وهم ولاة البيت، فنزلوا بطن مر وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام معهم، فقاتلتهم جرهم، فنصرت الأزد عليهم، فأجلوهم عن مكة، ووليت خزاعة البيت، فلم يزالوا ولاته حتى صار "قصي" إلى مكة، فحارب خزاعة بمن تبعه، وأعانه قيصر عليها، وصارت ولاية البيت له ولولده، فجمع قريشًا، وكانت في الأطراف والجوانب، فسمي مجمعًا، وأقامت الأزد زمانًا١.
فلما رأوا ضيق العيش شخصوا، فصار بعضهم إلى السواد، فملكوا بها. منهم "جذيمة بن مالك بن الأبرش" ومن تبعه وصار قوم إلى عمان وصار قوم إلى الشأم، فهم "آل جفنة" ملوك الشأم. وصار جذع بن سنان قاتل سلمقة إلى الشأم أيضًا، وبها سليح، فكتب ملك سليح إلى قيصر يستأذنه في إنزالهم، فأذن له على شروط شرطها لهم. وأن عامل قيصر قدم عليهم ليجيبهم فطالبهم وفيهم جذع، فقال له جذع خذ هذا السيف رهنًا أن نعطيك. فقال له العامل: اجعله في كذا وكذا من أمك، فاستل جذع السيف فضرب به عنقه. فقال بعض القوم: خذ من جذع ما أعطاك، فذهبت مثلًا.
فمضى كاتب العامل إلى قيصر فأعلمه، فوجه إليهم ألف رجل وجمع له خذع من الأزد من أطاعه، فقاتلوهم فهزموا الروم، وأخذوا سلاحهم، وتقووا بذلك، ثم انتقلوا إلى يثرب وأقام بنو جفنة بالشام وتنصروا. ولما صار جذع إلى يثرب وبها اليهود، حالفوهم، وأقاموا بينهم على شروط فلما نقضت اليهود الشروط، أتوا تبعًا الآخر، فشكوا إليه ذلك، فسار نحو اليهود حتى قتل منهم وأذلهم، وصار الأمر في يثرب للأزد٢.
وللأخباريين تفاسير في سبب تلقيب عمرو بن عامر بمزيقياء. وقد ذكر "حمزة" بعض الآراء الواردة في ذلك، فقال: "وتزعم الأزد أن عمرًا إنما سمي مزيقياء لأنه كان يمزق كل يوم من سني ملكه حلتين لئلا يلبسهما غيره، فسمي هو مزيقياء، وسمي ولده المزاقية. فهذا قول وقيل: إنما سمي مزيقيا؛ لأن الأزد
стр. 1818
تمزقت على عهده كل ممزق عند هربهم من سيل العرم، فأتخذت العرب افتراق الأزد عن أرض سبأ بسيل العرم، فقالوا: "ذهبت بنو فلان أيادي سبأ"١. ومال "نولدكه" إلى هذا التفسير الأخير، فرأى أنه مأخوذ من الآية: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٢.
ويظهر أن الغساسنة اخترعوا أسطورة تمزيق الثياب، للإشارة إلى غنى جدهم "عمرو" واقتداره٣. وأما ما ذهب إليه "نولدكه"، فهو في نظري نوع من الظن، استخرجه من هذا التفسير الثاني الذي رواه الأخباريون في تفسير الكلمة الخاص بتفرق الأزد عن أرض سبأ لحدوث السيل.
وقد زعم أنه نزح معهم من اليمن قومهم من الأزد، فنزل المدينة رهط "ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر ومنهم الأوس والخزرج، ونزل مكة رهط حارثة بن عمرو بن عامر، وهم خزاعة، ونزل جفنة بن عمرو. بن عامر بالشام، وهم الغساسنة ونزل لخم في العراق ومنهم المناذرة أو آل نصر"٤. فوصل أهل الأخبار بذلك تأريخ خزاعة والأوس والخزرج وآل لخم بآل غسان. وجعلوا ابتداء ظهورهم في أماكنهم منذ ذلك العهد، أي منذ وقوع حادث "سيل العرم".
وقد روى الأخباريون في ذلك شعرًا لنفر من الأنصار، ورد فيه انتساب أهل يثرب إلى "عمرو بن عامر"، واتصال نسبهم بنسب غسان. ومن ذلك شعر للشاعر الأنصاري المعروف "حسان بن ثابت"، يقول فيه:
أَلَم تَرَنا أَولادَ عَمروِ بنِ عامِرٍ ... لَنا شَرَفٌ يَعلو عَلى كُلِّ مُرتَقي٥
ومن ذلك شعر زعم أن قاتله أحد الأنصار هو:
أنا ابن مزيقيا عمرو، وجدي ... أبوه عامر ماء السماء٦
стр. 1819
فالأنصار، أي أهل يثرب، وهم من الأوس والخزرج، هم من الدوحة التي أخرجت الغساسنة، وقد ظهر تأريخهم من يثرب بعد حادث سيل العرم في نحو ما رأيت.
وافتخار أهل يثرب بآل جفنة يزيد كثيرًا على افتخارهم بآل لخم، مع أنهم على حد قولهم من أصل واحد، وقد افترقوا جميعًا في وقت واحد، وهم في درجة واحدة من القرابة، ونجد لحسان بن ثابت شعرًا في الغساسنة، هو أضعاف ما قاله في المناذرة. ويظهر أن لقرب الغساسنة من يثرب، وللمصالح الاقتصادية وللهبات والعطايا التي كان ينالها حسان وأمثاله من الغساسنة بيسر وسهولة، لقربهم منهم، أثر كبير في هذا المدح والتعصب لغسان على آل لخم.
وأما عن نعت عامر بماء السماء. فقال حمزة: "إنه إنما سمي ماء السماء لأنه أصابت الأزد مخمصة، فمانهم حتى مطروا، فقالوا: عامر لنا بدل ماء السماء"١.
وقد عرف أشخاص آخرون بـ"ماء السماء" من غير غسان، منهم "المنذر بن امرئ القيس اللخمي" و"ماء السماء بن عروة" من ملوك "الحيرة" على زعم "ابن الكلبي"٢. وقد نعت "حسان بن ثابت" الغساسنة الذين جاءوا من بعده بـ"أولاد ماء المزن". و"المزن = المطر". يريد بذلك "أولاد ماء السماء"، أي: "بني ماء السماء"، وماء السماء هو المطر، وذلك كناية عن الجود والكرم والإغاثة. والمطر هو غوث للناس ورحمة والجود هو غوث لمن يجاد عليه، فهو بمنزلة المطر للأرضين. فقصد الشاعر بذلك أن "آل غسان". للناس بمنزلة المطر للأرض. وقد يكون جد الغساسنة قد عرف بكرمه وسخائه، فنعت بهذا النعت الدال على السخاء والجود. ولا أستبعد أن تكون هذه النعوت من النعوت التي أطلقها الشعراء على المذكورين، فلازمتهم حتى اليوم٣.
ونسب آل غسان إلى جد آخر، يعرف بـ"ثعلبة". وقد أشير إلى "عرب الروم من آل ثعلبة"٤. وقد ذكر "محمد بن حبيب"، أن رئيس غسان
стр. 1820
الذي قضى على "الضجاعمة"، وانتزع الملك من "سليح"، هو "ثعلبة" ابن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن مازن بن الأزد١. ومن نسله كان ملوك غسان، فهو أذن "ثعلبة" المذكور.
ويظهر من روايات الأخباريين أن الغساسنة أخذوا الحكم بالقوة من أيدي عرب كانوا يحكمون هذه المنطقة قبلهم، ويدعون بـ"الضجاعمة"، وهم من "سليح بن حلوان"٢.
وبنو سليح، هم عرب ينسبهم النسابون إلى "سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"٣. وقد نسبهم "ابن دريد" إلى "سليح بن عمران بن الحاف"، وجعل لـ"سليح" شقيقًا هو "تزيد" جد "التزيديين"٤.
ونسبهم "السكري" إلى "سليح بن عمرو بن الحاف بن قضاعة"٥. ولكن اختلاف النسابين هذا في نسبهم، يقف عند نهاية سلاسل النسب، إذ تنتهي هذه النهاية في "قضاعة" حيث يتفق الكل أن "سليحًا" هم من قضاعة. أما صاحب كتاب المعارف، فقد جعل سليحًا من غسان، إلا أنه عاد فاستدرك على ذلك بقوله: "ويقال من قضاعة"٦.
وقد ذكر أهل الأخبار أن "بني سليح" بقوا في بلاد الشأم، إذ ذكروهم في أخبار الفتوح، وكانوا في جملة من أقام على النصرانية من عرب الشأم. وقد أسلم قسم منهم، وكانوا في "قنسرين" في أيام المهدي٧.
ومن ملوك سليح الذين ذكرهم الأخباريون زياد بن الهبولة ملك الشأم، جعلوه من معاصري حجر بن معاوية بن الحارث الكندي آكل المرار، وذكروا أنه سمع بغارة قام بها حجر على البحرين، فسار إلى أهل حجر ومن تركهم، فأخذ الحريم والأموال وسبى منهم هند بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية. فلما سمع
стр. 1821
حجر وكندة وربيعة بغارة زياد، عادوا عن غزوهم في طلب ابن هبولة، ومع حجر أشرف ربيعة: عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما. فأدركوا قوم زياد بـ"البردان" دون عين أباغ، فحمل أتباع حجر على أتباع "ابن الهبولة"، فانهزموا، ووقع زياد أسيرًا ثم قتل١.
وتذكر رواية أن "حجرًا" أرسل "سدوس بن شيبان" و"صليع بن عبد غنم" إلى عسكر "زياد" يتجسسان له الخبر، ويعلمان علم العسكر، ثم عادا فأخبره، فسار على جيش ابن الهبولة، واقتتلوا قتالًا عنيفًا، فشد "سدوس" على زياد واعتنقه وصرعه، وأخذه أسيرًا، فلما رآه "عمرو بن أبي ربيعة" حسده فطعن زيادًا فقتله، فغضب سدوس لأنه قتل أسيره، وطالب بديته، ودية الملوك، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية ملك، وأعانهم من ماله٢.
ويقتضي على هذه الرواية أن يكون ملك "زياد بن الهبولة" في وقت متأخر إذ لا ينسجم هذا القول مع ما يذكره أهل الأخبار من أن ملك "بني سليح" كان قبل الغساسنة٣. ولو أخذنا بالخبر المتقدم، وجب علينا القول بأن زيادًا كان يحكم في أيام الغساسنة لا قبل ذلك.
وقد ذكر "ابن الأثير" أن "زياد بن هبولة" لم يكن ملكًا على الشأم؛ لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشأم مما يلي البر من فلسطين إلى قنسرين والبلاد للروم، ولم تكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشأم ولا بشبر واحد، وزياد بن هبولة السلخي أقدم من حجر آكل المرار بزمان طويل. ولم يكن زياد آخر ملوك سليح. ثم خلص من قوله برأي توفيقي، بأن افترض أن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسًا على قوم أو متغلبًا على بعض أطراف الشأم، فهو غير ذلك الملك المذكور٤.
стр. 1822
وقد تحدث "أبو عبيدة" عن ذلك اليوم، ولم يذكر ان ابن هبولة من سليح بل قال: هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان١.
وقد تحدثت بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" على هذا النحو: "منهم داود اللثق بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، كان ملكًا، ومنهم زياد بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، وكان ملكًا، وهو الذي أغار على حجر آكل المرار. وهو محرق، وكان أول من حرق بالنار"٢. فجعلت والد زياد رجلًا اسمه "هبالة"، وجعلت "داود اللثق" شقيقًا له. أما الروايات الشائعة، فتجعل "داود اللثق" ابنًا لـ"هبالة" أي أنه أخو "هبولة بن عمرو بن عوف"، فهبولة على هذا وهبالة أخوان، وزياد وداود ابنا عم٣.
وأما ملوك "سليح" على رواية "ابن قتيبة الدينوري"، فهم: "النعمان بن عمرو بن مالك"، وقد عينه ملك الروم على قومه -على حد قوله- بعد أن دانوا بالنصرانية، ثم مالك وهو ابنه، ثم "عمرو"، وهو ابن مالك.
قال: ولم يملك منهم غير هؤلاء الثلاثة. إذ انتقل الملك من بعد "عمرو" إلى الغساسنة٤.
ونسب الأخباريون "الضجاعمة" إلي "بني ضجعم بن حماطة بن سعد بن سُليح بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة"٥. فهم على هذا النسب، ومن "بني سليح" ومن قبايل قضاعة، وقد حكموا بعد حكم "بني سليح".
ونسب بعض الأخباريين "ضجعم" إلى "سعد بن سليح"، أي بإسقاط اسم "حماطة" من النسب، بأن جعلوا "سعد بن سليح" والدًا لضجعم. وقد ذكروا أن منهم "داود اللثق بن هبولة بن عمرو" وهو شقيق "زياد بن هبولة" المذكور. وذكر بعض منهم أن "داود بن هبولة" هو شقيق "هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم"٦.
стр. 1823
ويظهر أن "داود اللثق" كان قد اعتنق النصرانية. وكان قد عمل للروم. وإليه ينسب "دير داود" "دير الداود"١.
ويظهر من بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" الذي حارب. "حجرًا آكل المرار"، كان أخًا لـ"داود". ويظهر من روايات أخرى أنه كان ابن عم له٢. وإذا أخذنا برواية من زعم أن "زيادًا" هذا حارب "حجرًا أكل المرار"، فمعنى هذا أن "جفنة"، وهو مؤسس إمارة آل جفنة، أي الغساسنة، قد حكم بعد "زياد". وقد زعم "حمزة" أن ملكًا من ملوك الروم اسمه "نسطورس" هو الذي ملك جفنة على عرب الشام٣. وذهب بعض أهل الأخبار إلى أن القيصر الذي عين "جفنة" على عرب الشام هو "أنسطاسيوس" "anastasius" الأول، الذي حكم من سنة "٤٩١" حتى سنة "٥١٨" للميلاد. فتكون نهاية حكم الضجاعمة وبداية حكومة "آل جفنة" في هذا العهد٤.
و"ضجعم" هو "zocomus" أحد "العمال" "phylarch" الذي نصبهم الروم على عرب بلاد الشأم، حرف اسمه فصار على الشكل المذكور، وقد حكم في أواخر القرن الرابع للميلاد. وقد ذكره "ثيوفلكتوس" "theophlactus" على هذه الصورة٥: "zeokomos"، وذكر أنه هو وقبيلته دخلوا في النصرانية وأن الله وهبه ولدًا بفضل دعاء النساك النصارى٦.
وقد كان الضجاعم من القبائل العربية المعروفة عند ظهور الإسلام. وقد كانوا مثل سائر القبائل المستعربة المستنصرة ضد الإسلام. وقد وقفوا مع "دومة الجندل" في عنادهم ومقاومتهم لخالد بن الوليد، وكان رئيسهم إذ ذاك هو "ابن الحدرجان"٧. لقد أشار المؤرخون اليونان والسريان إلى ملكة عربية دعوها "ماوية" "mauia" "mavia" "mawiya"، حكمت القبائل العربية الضاربة في بلاد الشأم، وهاجمت
стр. 1824
فلسطين و"فينيقية"، ويظهر أن هذا الهجوم كان قد حدث بعد ترك القيصر "وألنس" "valens" "٣٦٤-٣٧٨م" أنطاكية وذلك سنة "٣٧٨م"١ وقد حاربت الروم مرارًا، وانتصرت غير مرة، ثم تصالحت معهم. وكان من جملة ما اشترطته عليهم أن يسقف على عربها راهب يدعى موسى كان يتعبد في بادية الشأم، فوافق القيصر على ذلك. وكان هذا الراهب كاثوليكيًا معارضًا لمذهب أريوس٢.
ويذكر المؤرخون أن غارات تلك الملكة على حدود الروم، كانت عنيفة كاسحة، أنزلت الدمار والخراب بقرى وبمدن عديدة، وألحقت خسائر فادحة بالأرواح والمال. وقد شملت تلك الغارات أرض فلسطين و"الحدود العربية" "arabici limites". وتذكر أن عربها كانوا من الـ"سارسين" "سرسين"٣ "saracene".
وقد وليت "ماوية" الحكم بعد وفاة زوجها، ويظهر أن نزاعًا وقع بينها وبين الروم أدى إلى توتر العلاقات بينهما، آل إلى هجوم الملكة على حدود الروم. ولما عجز الروم من الانتصار عليها، استعانوا ببعض سادات القبائل للتغلب عليها، ولما وجدوا أن القبائل لم تفعل شيئًا، اضطروا على التفاوض معها، وعلى ترضيتها على نحو ما ذكرت٤.
وقد قام موسى "moses" بنشاط كبير في نشر النصرانية بين العرب. وقد كان من مصلحة الروم تنصر الأعراب؛ لأن في تنصرهم تأييدًا لهم، حتى وإن خالف مذهبهم مذهب الروم٥.
وقد حكم قبل "ماوية" "عامل" عربي أشار إليه المؤرخ "أميانوس" "ammianus"، غير أنه لم يذكر اسمه، قال إنه "assanitarum" وإنه من "السرسين"٦، "phylarchus saracenorum assanitarum"، وقد حكم
стр. 1825
في أيام "يوليان" جوليان" "julian" "٣٦١-٣٦٣ م". ويظن البعض أن مراد المؤرخ بـ"أسانيته" "assanitae" الغساسنة، أي أن الكلمة من أصل "غسان"١.
غير أن هذا الظن معناه أن حكم الملكة "ماوية"، كان في أيام الغساسنة، وأنها أزعجت الروم في وقت كان فيه "آل جفنة" على عرب بلاد الشأم. وهذا ما لا تؤيده الموارد التأريخية المتوفرة لدينا الآن. لذلك أرى أن حكم "ماوية" كان قبل تولي "الغساسنة" الحكم رسميًّا من الروم، أو أن الملكة كانت تحكم في الأقسام الجنوبية من بادية الشأم، ومنها أخذت تهاجم حدود الروم المؤلفة لكورة فلسطين، وتتوغل بها حتى بلغت "فينيقة" و"مصر"، ولم يكن حكم الغساسنة متمكنًا إذ ذاك، فاستغلت هذا الضعف، وأخذت تهاجم الحدود.
وزعم المسعودي أن ملك العرب بالشأم يعود إلى أيام "فالغ بن هور" فالغ بن يغور". وقد صيره من صميم أهل اليمن. ملك ثم ترك الحكم إلى "يوتاب" سومات"، وهو "أيوب بن رزاح". ثم انتقل ملك الشأم على رأيه أيضًا إلى الروم. وكانت قضاعة من مالك بن حمير أول من نزل الشأم، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانية على من حوى الشام من الرعب. وكان النعمان بن عمرو بن مالك أول من تولى من تنوخ بالشأم. ثم ملك بعده عمرو، ثم "الحواري بن النعمان" ثم انتقل الملك إلى سليح. وانتقل الملك منهم إلى آل غسان٢.
وقد كانت سليح -كما يذكر الأخباريون- يجبون من نزل بساحتهم من مضر وغيرها للروم. فأقبلت غسان في جمع عظيم يريدون الشأم حتى نزلوا بهم، فقالت سليح لهم: إن أقررتم بالخرج، وإلا قاتلناكم. فأبوا عليهم، فقاتلهم سليح، فهزموا غسان. ورئيس غسان يومئذ "ثعلبة بن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن مازن بن الأزد". فرضيت غسان بأداء الخرج إليهم. فكانوا يجبونهم لكل رأس دينارًا، ودينارًا ونصفًا، ودينارين في كل سنة على أقدارهم فلبثوا يجبونهم حتى قتل "جذع بن عمرو الغساني" جابي سليح، وهو سبيط بن المنذر بن عمرو