← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حجر وكندة وربيعة بغارة زياد، عادوا عن غزوهم في طلب ابن هبولة، ومع حجر أشرف ربيعة: عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما. فأدركوا قوم زياد بـ"البردان" دون عين أباغ، فحمل أتباع حجر على أتباع "ابن الهبولة"، فانهزموا، ووقع زياد أسيرًا ثم قتل١. وتذكر رواية أن "حجرًا" أرسل "سدوس بن شيبان" و"صليع بن عبد غنم" إلى عسكر "زياد" يتجسسان له الخبر، ويعلمان علم العسكر، ثم عادا فأخبره، فسار على جيش ابن الهبولة، واقتتلوا قتالًا عنيفًا، فشد "سدوس" على زياد واعتنقه وصرعه، وأخذه أسيرًا، فلما رآه "عمرو بن أبي ربيعة" حسده فطعن زيادًا فقتله، فغضب سدوس لأنه قتل أسيره، وطالب بديته، ودية الملوك، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية ملك، وأعانهم من ماله٢. ويقتضي على هذه الرواية أن يكون ملك "زياد بن الهبولة" في وقت متأخر إذ لا ينسجم هذا القول مع ما يذكره أهل الأخبار من أن ملك "بني سليح" كان قبل الغساسنة٣. ولو أخذنا بالخبر المتقدم، وجب علينا القول بأن زيادًا كان يحكم في أيام الغساسنة لا قبل ذلك. وقد ذكر "ابن الأثير" أن "زياد بن هبولة" لم يكن ملكًا على الشأم؛ لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشأم مما يلي البر من فلسطين إلى قنسرين والبلاد للروم، ولم تكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشأم ولا بشبر واحد، وزياد بن هبولة السلخي أقدم من حجر آكل المرار بزمان طويل. ولم يكن زياد آخر ملوك سليح. ثم خلص من قوله برأي توفيقي، بأن افترض أن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسًا على قوم أو متغلبًا على بعض أطراف الشأم، فهو غير ذلك الملك المذكور٤.

стр. 1822

وقد تحدث "أبو عبيدة" عن ذلك اليوم، ولم يذكر ان ابن هبولة من سليح بل قال: هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان١. وقد تحدثت بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" على هذا النحو: "منهم داود اللثق بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، كان ملكًا، ومنهم زياد بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، وكان ملكًا، وهو الذي أغار على حجر آكل المرار. وهو محرق، وكان أول من حرق بالنار"٢. فجعلت والد زياد رجلًا اسمه "هبالة"، وجعلت "داود اللثق" شقيقًا له. أما الروايات الشائعة، فتجعل "داود اللثق" ابنًا لـ"هبالة" أي أنه أخو "هبولة بن عمرو بن عوف"، فهبولة على هذا وهبالة أخوان، وزياد وداود ابنا عم٣. وأما ملوك "سليح" على رواية "ابن قتيبة الدينوري"، فهم: "النعمان بن عمرو بن مالك"، وقد عينه ملك الروم على قومه -على حد قوله- بعد أن دانوا بالنصرانية، ثم مالك وهو ابنه، ثم "عمرو"، وهو ابن مالك. قال: ولم يملك منهم غير هؤلاء الثلاثة. إذ انتقل الملك من بعد "عمرو" إلى الغساسنة٤. ونسب الأخباريون "الضجاعمة" إلي "بني ضجعم بن حماطة بن سعد بن سُليح بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة"٥. فهم على هذا النسب، ومن "بني سليح" ومن قبايل قضاعة، وقد حكموا بعد حكم "بني سليح". ونسب بعض الأخباريين "ضجعم" إلى "سعد بن سليح"، أي بإسقاط اسم "حماطة" من النسب، بأن جعلوا "سعد بن سليح" والدًا لضجعم. وقد ذكروا أن منهم "داود اللثق بن هبولة بن عمرو" وهو شقيق "زياد بن هبولة" المذكور. وذكر بعض منهم أن "داود بن هبولة" هو شقيق "هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم"٦.

стр. 1823

ويظهر أن "داود اللثق" كان قد اعتنق النصرانية. وكان قد عمل للروم. وإليه ينسب "دير داود" "دير الداود"١. ويظهر من بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" الذي حارب. "حجرًا آكل المرار"، كان أخًا لـ"داود". ويظهر من روايات أخرى أنه كان ابن عم له٢. وإذا أخذنا برواية من زعم أن "زيادًا" هذا حارب "حجرًا أكل المرار"، فمعنى هذا أن "جفنة"، وهو مؤسس إمارة آل جفنة، أي الغساسنة، قد حكم بعد "زياد". وقد زعم "حمزة" أن ملكًا من ملوك الروم اسمه "نسطورس" هو الذي ملك جفنة على عرب الشام٣. وذهب بعض أهل الأخبار إلى أن القيصر الذي عين "جفنة" على عرب الشام هو "أنسطاسيوس" "anastasius" الأول، الذي حكم من سنة "٤٩١" حتى سنة "٥١٨" للميلاد. فتكون نهاية حكم الضجاعمة وبداية حكومة "آل جفنة" في هذا العهد٤. و"ضجعم" هو "zocomus" أحد "العمال" "phylarch" الذي نصبهم الروم على عرب بلاد الشأم، حرف اسمه فصار على الشكل المذكور، وقد حكم في أواخر القرن الرابع للميلاد. وقد ذكره "ثيوفلكتوس" "theophlactus" على هذه الصورة٥: "zeokomos"، وذكر أنه هو وقبيلته دخلوا في النصرانية وأن الله وهبه ولدًا بفضل دعاء النساك النصارى٦. وقد كان الضجاعم من القبائل العربية المعروفة عند ظهور الإسلام. وقد كانوا مثل سائر القبائل المستعربة المستنصرة ضد الإسلام. وقد وقفوا مع "دومة الجندل" في عنادهم ومقاومتهم لخالد بن الوليد، وكان رئيسهم إذ ذاك هو "ابن الحدرجان"٧. لقد أشار المؤرخون اليونان والسريان إلى ملكة عربية دعوها "ماوية" "mauia" "mavia" "mawiya"، حكمت القبائل العربية الضاربة في بلاد الشأم، وهاجمت

стр. 1824

فلسطين و"فينيقية"، ويظهر أن هذا الهجوم كان قد حدث بعد ترك القيصر "وألنس" "valens" "٣٦٤-٣٧٨م" أنطاكية وذلك سنة "٣٧٨م"١ وقد حاربت الروم مرارًا، وانتصرت غير مرة، ثم تصالحت معهم. وكان من جملة ما اشترطته عليهم أن يسقف على عربها راهب يدعى موسى كان يتعبد في بادية الشأم، فوافق القيصر على ذلك. وكان هذا الراهب كاثوليكيًا معارضًا لمذهب أريوس٢. ويذكر المؤرخون أن غارات تلك الملكة على حدود الروم، كانت عنيفة كاسحة، أنزلت الدمار والخراب بقرى وبمدن عديدة، وألحقت خسائر فادحة بالأرواح والمال. وقد شملت تلك الغارات أرض فلسطين و"الحدود العربية" "arabici limites". وتذكر أن عربها كانوا من الـ"سارسين" "سرسين"٣ "saracene". وقد وليت "ماوية" الحكم بعد وفاة زوجها، ويظهر أن نزاعًا وقع بينها وبين الروم أدى إلى توتر العلاقات بينهما، آل إلى هجوم الملكة على حدود الروم. ولما عجز الروم من الانتصار عليها، استعانوا ببعض سادات القبائل للتغلب عليها، ولما وجدوا أن القبائل لم تفعل شيئًا، اضطروا على التفاوض معها، وعلى ترضيتها على نحو ما ذكرت٤. وقد قام موسى "moses" بنشاط كبير في نشر النصرانية بين العرب. وقد كان من مصلحة الروم تنصر الأعراب؛ لأن في تنصرهم تأييدًا لهم، حتى وإن خالف مذهبهم مذهب الروم٥. وقد حكم قبل "ماوية" "عامل" عربي أشار إليه المؤرخ "أميانوس" "ammianus"، غير أنه لم يذكر اسمه، قال إنه "assanitarum" وإنه من "السرسين"٦، "phylarchus saracenorum assanitarum"، وقد حكم

стр. 1825

في أيام "يوليان" جوليان" "julian" "٣٦١-٣٦٣ م". ويظن البعض أن مراد المؤرخ بـ"أسانيته" "assanitae" الغساسنة، أي أن الكلمة من أصل "غسان"١. غير أن هذا الظن معناه أن حكم الملكة "ماوية"، كان في أيام الغساسنة، وأنها أزعجت الروم في وقت كان فيه "آل جفنة" على عرب بلاد الشأم. وهذا ما لا تؤيده الموارد التأريخية المتوفرة لدينا الآن. لذلك أرى أن حكم "ماوية" كان قبل تولي "الغساسنة" الحكم رسميًّا من الروم، أو أن الملكة كانت تحكم في الأقسام الجنوبية من بادية الشأم، ومنها أخذت تهاجم حدود الروم المؤلفة لكورة فلسطين، وتتوغل بها حتى بلغت "فينيقة" و"مصر"، ولم يكن حكم الغساسنة متمكنًا إذ ذاك، فاستغلت هذا الضعف، وأخذت تهاجم الحدود. وزعم المسعودي أن ملك العرب بالشأم يعود إلى أيام "فالغ بن هور" فالغ بن يغور". وقد صيره من صميم أهل اليمن. ملك ثم ترك الحكم إلى "يوتاب" سومات"، وهو "أيوب بن رزاح". ثم انتقل ملك الشأم على رأيه أيضًا إلى الروم. وكانت قضاعة من مالك بن حمير أول من نزل الشأم، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانية على من حوى الشام من الرعب. وكان النعمان بن عمرو بن مالك أول من تولى من تنوخ بالشأم. ثم ملك بعده عمرو، ثم "الحواري بن النعمان" ثم انتقل الملك إلى سليح. وانتقل الملك منهم إلى آل غسان٢. وقد كانت سليح -كما يذكر الأخباريون- يجبون من نزل بساحتهم من مضر وغيرها للروم. فأقبلت غسان في جمع عظيم يريدون الشأم حتى نزلوا بهم، فقالت سليح لهم: إن أقررتم بالخرج، وإلا قاتلناكم. فأبوا عليهم، فقاتلهم سليح، فهزموا غسان. ورئيس غسان يومئذ "ثعلبة بن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن مازن بن الأزد". فرضيت غسان بأداء الخرج إليهم. فكانوا يجبونهم لكل رأس دينارًا، ودينارًا ونصفًا، ودينارين في كل سنة على أقدارهم فلبثوا يجبونهم حتى قتل "جذع بن عمرو الغساني" جابي سليح، وهو سبيط بن المنذر بن عمرو

стр. 1826

ابن عوف بن ضجعم بن حماطة. فتنادت سليح بشعارها وتنادت غسان بشعارها. فالتقوا بموضع يقال له "المحفف"، فأبارتهم غسان، وخاف ملك الروم أن يميلوا مع فارس عليه، فأرسل إلى ثعلبة، فقال: أنتم قوم لكم بأس شديد وعدد كثير، وقد قتلتم هذا الحي، وكانوا أشد حي في العرب وأكثرهم عدة وإني جاعلكم مكانهم، وكاتب بيني وبينكم كتابًا: إن دهمكم دهم من العرب أمددتكم بأربعين ألف مقاتل من الروم بأداتهم، وإن دهمنا دهم من العرب فعليكم عشرون ألف مقاتل على أن لا تدخلوا بيننا وبين فارس. فقبل ذلك ثعلبة، وكتب الكتاب بينهم. فملك ثعلبة وتوجه. وكان ملك الروم يقال له "ديقيوس"١. وقد تحدث الأخباريون وأصحاب كتب الأمثال عن هذا الحادث في معرض كلامهم عن المثل: "خذ من جذع ما أعطاك". وقد اتفقوا كلهم في اسم القائل، هو منصوص عليه في المثل، ولكنهم اختلفوا في اسم المقتول، فقال بعضهم إنه سبيط، وقال آخرون: إنه سبطة٢، ويقول بعض آخر: إنه كان رجلًا من الروم٣. وقد زعم بعض أهل الأخبار، إن اليوم الذي انتصر فيه الغساسنة على الضجاعمة هو "يوم حليمة" وذلك أن الحرب لما ثارت بين الضجاعمة والغساسنة للسبب الذي ذكرته، وقالوا "خذ من جذع ما أعطاك"، كان لرئيس غسان ابنة جميلة يقال لها "حليمة"، فأعطاها خلوفًا لتخلق به قومها، وانتصر الغساسنة بذلك اليوم على الغساسنة. فقالوا: "ما يوم حليمة بسر"٤. ونسب ابن خلدون "سبطة" القتيل إلى المنذر بن داود٥، ويظهر أنه قصد "داود اللثق". وإلى داود ينسب دير داود، وذلك يدل على أنه كان نصرانيًّا٦، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل. وعندي أن "سبطة" هو "aspehetos" "aspehbet" "aspatylatos"،

стр. 1827

الذي قيل إنه كان عاملًا "فيلارك" "phylarch" عربيًّا من عمال الفرس، فأغار على "الكورة العربية" "arabia provincia"، وذلك في أواسط القرن الخامس للميلاد، وأعلن نفسه عاملًا على الأرضين التي استولى عليها، واعترف به وبأبنائه عمالًا عليها١. وزعم المؤرخ حمزة أن أول ملك ملك من غسان هو جفنة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث. وقد زعم أنه ملك في أيام نسطورس، وهو الذي ملكه على عرب الشأم. فلما ملك، قتل قضاعة من سليح الذين يدعون الضجاعمة، ودانت له قضاعة ومن بالشام من الروم، وبني جلق والقربة وعدة مصانع، ثم هلك. وكان ملكه خمسًا وأربعين سنة وثلاثة أشهر٢. وقد ابتدأ "حسان بن ثابت" بجفنة هذا في قصيدته التي افتخر فيها بنسبة٣. وبجفنة هذا سمي ملوك الغساسنة "آل جفنة"، كما سمي خصومهم "المناذرة" بـ"آل لخم". إلى هذا الرأي ذهب "الأصمعي"، حيث قال: "وجفنة أول ملك ملك من غسان، وإليه تنسب ملوك غسان التي ذكرها حسان بن ثابت الأنصاري في شعره"٤. وقد نسب الأصمعي له وصية زعم أنه أوصى بها بنيه في كيفية السير بالناس، وتسيير الملك٥. وعند المسعودي أن أول من ملك من بني غسان بالشأم الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن غسان بن الأزد بن الغوث، ومن بعده الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة، وهو ابن مارية

стр. 1828

ذات القرطين١. أما ابن قتيبة، فذهب إلى أن أول من ملك منهم هم الحارث بن عمرو المعروف بـ"محرق". وسمي بمحرق لأنه أول من حرق العرب أو ديارها، وهو الحارث الأكبر ويكنى بأبي شمر٢. وقد ذكر ابن دريد أن الحارث بن عمرو بن عامر، "وهو محرق، وهو أول من عذب بالنار"٣. فأيد بذلك رواية من يرى أنه أول من عذب وحرق الناس بالنار. وذهب "محمد بن حبيب" إلى أن أول من ملك من الغساسنة بالشأم هو "ثعلبة بن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد"، وذلك بعد فتك "جذع" بالضجاعمة فعهد إليه ملك الروم "ديقيوس" أمر تولي رئاسة عرب بلاد الشأم، وملكه وتوجه، فصار بذلك أول ملك من ملوك غسان٤، على نحو ما ذكرته قبل قليل. و"جفنة" الذي صيره حمزة أول من ملك من غسان، هو "جفنة بن عمرو، وهو مزيقيا بن عامر ماء السماء". وقد نجل عمرو بن عامر على رواية ابن خلدون، جملة أولاد، منهم: جفنة، والحارث وهو محرق، وثعلبة وهو العنقاء "العنقاه"، وحارثة، وأبو حارثة، ومالك، وكعب، ووادعة، وعوف، وذهل، وواكل٥. فيكون جفنة على هذه الرواية أخًا للحارث بن عمرو الذي عده المسعودي وابن قتيبة أول من تملك من الغساسنة في ديار الشأم. وتولى الحكم بعد جفنة على رواية حمزة ابنه عمرو بن جفنة، وكان ملكه خمس سنين. ونسب حمزة إليه بناء عدة أديرة، منها: دير حالي، ودير أيوب. ودير هند٦. أما "الأصمعي" فقد أورد اسم "الحارث بن جفنة بن ثعلبة بن عمرو"، بعد اسم "جفنة". وقال عنه "وهو الحارث الأكبر" ثم ذكر له وصية وصى

стр. 1829

بها ابنه "عمرو بن الحارث" وهو وصية نظمها شعرًا. وقد قال له فيها إن هذه الوصية هي وصية أبي لي، وبها يا عمر أوصي وفيها الملك مرسوم١. وأما "محمد بن حبيب"، الذي جعل ثعلبة أول من ملك من الغساسنة، فقد جعل الحكم للحارث بن ثعلبة من بعده، ثم لابنه جبلة بن الحارث بن ثعلبة، ثم لابنه الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، ثم للنعمان بن الحارث ثم للمنذر بن الحارث ثم للمنيذر بن الحارث، ثم لجبلة بن الحارث٢. وأما "ابن قتيبة"، الذي جعل "الحارث بن عمرو بن محرق" أول ملوك آل غسان، فقد وضع "الحارث بن أبي شمر" من بعده. وقال: إنه الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر، وأمه مارية ذات القرطين. وكان خير ملوكهم، وأيمنهم طائرًا، وأبعدهم مغارًا. وكان غزا "خيبر"، فسبى من أهلها، ثم أعتقهم بعد ما قدم الشأم. وكان سار إليه المنذر بن ماء السماء في مائة ألف، فوجه إليهم مائة رجل، فيهم لبيد الشاعر وهو غلام، وأظهر أنه إنما بعث بهم لمصالحته، فأحاطوا برواقه فقتلوه، وقتلوا من معه من الرواق، وركبوا خيلهم فنجا بعضهم وقتل بعض وحملت خيل الغسانيين على عسكر المنذر فهزموهم، وكانت له بنت يقال لها "حليمة" كانت تطيب أولئك الفتيان يومئذ وتلبسهم الأكفان والدروع وفيها جرى المثل: "ما يوم حليمة بسر". وكان فيمن أسر يومئذ أسارى من بني أسد، فأتاه النابغة، فسأله إطلاقهم، فأطلقهم، وأتاه علقمة بن عبدة في أسارى بن بني تميم، فأطلقهم إكرامًا لشأنه. وفي جملة من أطلق حريتهم شأس بن عبدة شقيق علقمة٣. وروى "ابن قتيبة" أيضًا أن "علقمة بن عبدة" قال في "الحارث بن أبي شمر" هذه الأبيات: إلى الحارث الوهاب أعلمت ناقتي ... بكلكلها، والقصرين وجبيب وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب فقال الحارث: نعم وأذنبة٤.

стр. 1830

وزعم "ابن قتيبة" أن الذي ولي الملك بعد "الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر"، هو ابنه "الحارث بن الحارث بن الحارث" ويسميه بالحارث الأصغر ابن الحارث الأعراج بن الحارث الأكبر. وكان له إخوة، منهم: النعمان بن الحارث، يقول، وهو الذي قال فيه النابغة: هَذا غُلامٌ حَسَنٌ وَجههُ ... مُستَقبِلُ الخَيرِ سَريعُ التَمام لِلحرثِ الأَكبَرِ وَالحرثِ الأَصغَرِ ... والحرثِ َالأَعرَجِ خَير الأَنام وله يقول النابغة أيضًا، وكان خرج غازيًا: وَإِن يَرجِعِ النُعمانُ نَفرَح وَنَبتَهِج ... وَيَأتِ مَعَدًّا مُلكُها وَرَبيعُها وَيَرجِع إِلى غَسّانَ مُلكٌ وَسُؤدُدٌ ... وَتِلكَ المُنى لَو أَنَّنا نَستَطيعُها١ وقد وهم "ابن قتيبة" في "الحارث بن أبي شمر" إذ صيره الملك الثاني، وجعله ابنًا للحارث الأكبر، في حين أنه "الحارث بن جبلة" الذي حارب المنذر بن ماء السماء، وهو صاحب يوم حليمة، ووهم في "الحارث الأصغر" أيضًا حين صيره في هذا المكان، وجعله على هذا النسب، ولابن قتيبة أوهام أخرى من هذا القبيل. وتولى بعد عمرو بن جفنة ابنه ثعلبة على رواية حمزة، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ونسب إليه بناء عقة وصرح الغدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء٢. وقد نسب البطليوسي إليه بناء صريح السدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء. وذكر مثل حمزة أنه حكم سبع عشرة سنة٣. ثم تولى من بعده "الحارث"، وهو ابنه، وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وذكر حمزة أنه لم يبن شيئًا. ثم ذكر من بعده "جبلة بن الحارث"، وهو ابنه، وحكم على روايته عشر سنين٤. وجعل "البطليوسي" مدة حكمه عشر سنين أيضًا٥.

стр. 1831

وجبلة هو أول من يمكن أن نطمئن إلى وجوده من ملوك الغساسنة كل الاطمئنان وهو "جبلس" "jabalac" عند ثيوفانس. وقد ذكر عنه أنه غزا فلسطين حوالي سنة ٥٠٠ للميلاد١. ولا نعرف من أمر هذا الرجل شيئًا يستحق الذكر. وقد نسب حمزة والبطليوسي إليه بناء القناطر وأدرج والقسطل. وقالا إنه حكم عشر سنين٢. وذكره "ابن دريد" على هذا النحو: "ومنهم جبلة بن الحارث الملك. وهو ابن مارية التي يقال لها قرطا مارية"٣. وجاء بعد "جبلة" ابنه "الحارث بن جبلة"، الذي يمكن عده أول ملك نعرف من أمره شيئًا واضحًا يذكر من ملوك آل جفنة. وهو في نظر "نولدكه" "أريتاس" "aretas" "arethas" الذي ذكره المؤرخ السرياني "ملالا" "malalas". وقد ذكر أنه كان عاملًا للروم٤. ويظن أن حكمه كان من حوالى سنة "٥٢٩" حتى سنة "٥٦٩" للميلاد تقريبًا٥. وأرى أن حكمه كان قبل سنة "٥٢٩" للميلاد بقليل؛ إذ ذكر أنه حارب "المنذر" "alamundarus" في حوالي السنة "٥٢٨" للميلاد٦. ومعنى ذلك أنه ولي الحكم في هذه السنة، أو قبلها بقليل. وقد عرف الحارث هذا عند أهل الأخبار بـ"الحارث الأعرج" وبـ"الحارث الأكبر". وذكر حمزة والبطليوسي وآخرون أن والدة الحارث هي "مارية ذات القرطين، بنت عمرو بن جفنة"٧. وذكر المسعودي ومحمد بن حبيب أنها "مارية بنت الأرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة". واستدرك "محمد بن حبيب" على ذلك بقوله: "ويقال: بل هي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور، من كندة"٨. وهي أخت هند الهنود امرأة حجر الكندي، وقد

стр. 1832

ضرب المثل بحسنها، فقيل: "خذوه ولو بقرطي مارية". وقالوا: وكان في قرطيها مائتا دينار١. وذكر البطليوسي أن الحارث كان يسكن البلقاء. وبها بني "الحفير" ومصنعة بين "دعجان" وقصر أبير ومعان٢، وكان حكمه على رأيه عشرين سنة٣. وهو دون العدد الذي يقدره الباحثون لحكمه، حيث قدر بأربعين سنة؛ إذ حكم على تقديرهم من حوالي السنة "٥٢٩" حتى السنة "٥٦٩" للميلاد٤. ويشك بعض الباحثين في صحة نسبة الأبنية الذكورة إلى الحارث؛ إذ يرون أنها من عمل شخص آخر. غير أنهم يرون احتمال بنائه للقصر الأبيض في "الرحبة". ولقصر الطوبة٥. وجعل "ابن دريد" للحارث بن جبلة من الولد: النعمان والمنذر والمنيذر وجبلة وأبا شمر، ذكر أنهم ملوك كلهم٦. وذكر الأخباريون أن الحارث بن مارية الغساني، كان قد اجتبى أخوين من بني نهد اسمهما حزن وسهل، وهما ابنا رزاح، فحسدها زهير بن جناب الكلبي وسعى بهما لدى الحارث، وأظهر له أنهما عين للمنذر ذي القرنين عليه حتى قتلهما. ثم تبين له فيما بعد بطلان قول زهير، فطرده من عنده. واسترضى الحارث والد القتيلين رزاح، وأبقاه عنده، فلم يطق زهير على ذلك صبرًا، حتى تخلص منه بمكيدة انتهت بقتل الحارث له وبرجوع زهير إلى ما كان عليه٧. وهي قصة من هذه القصص التي يرويها الأخباريون تشير إلى معاصرة زهير للحارث وللمنذر الأكبر ذي القرنين، أي المنذر بن ماء السماء. وقد ذكر ملالا أن الحارث بن جبلة حاربت "المنداروس" "alamundarus" "alamoundros" أمير عرب الفرس، وانتصر عليه في شهر نيسان من سنة "٥٢٨م"٨، وذكر معه اسم أميرين، هما: "جنوفاس" "jnophas"،

стр. 1833

و"نعمان" "naaman". ويرى "نولدكه" أن "جنوفاس" هو "جفنة" وهو اسم أحد الأمراء الجفنيين، سمي باسم جفنة مؤسس تلك الأسرة. وأما نعمان فهو أيضًا اسم أمير من أولئك الأمراء الجفنيين١. وقد تحدث الطبري عن الحرب التي وقعت بين المنذر بن النعمان ملك الحيرة، والحارث بن جبلة، إلا أنه وهم في اسمه قصيره "خالد بن جبلة" وقال عن الحرب: "وقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشأم، يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم، كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب، يقال له المنذر بن النعمان نائرة، فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أموالًا من أمواله، فشكا المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس٢، إلا أنه لم يحفل بكتاباته فغزا كسرى بلاده. وتوغل فيها واضطر "يخطيانوس" عندئذ إلى عقد صلح معه، وإلى إرضائه. ويرى "نولدكه" أيضًا أن هذا الحارث هو الحارث الذي ذكر عند المؤرخ ملالا أنه أخمد ثورة السامريين الذين ثاروا في فلسطين في سنة "٥٢٩"٣. وقد ورد في تأريخ "بروكوبيوس" "procopius" أن المنذر ملك العرب "سركينوي" "sarakynou" الذين كانوا في مملكة الفرس، لما أكثر من الغارات على حدود إمبراطورية الروم، وعجز قواد الروم من أرباب لقب "duxe" "duce" "dux" وسادت القباب من أرباب لقب "فيلارخ" "phylarchus" المحالفين للروم عن صده والوقوف أمامه، رأى القيصر "بسطانوس" "justinianus" أن يمنح الحارث بن جبلة الذي كان يحكم عرب العربية "arabia" لقب "ملك" ليقف بوجه "المنذر" "alamoundaros". وقد ذكر أن هذا اللقب لم يمنح لأحد من قبل. ولكن المنذر لم يرعو مع ذلك من غزو الحدود الشرقية لبلاد الشأم والعبث بها مدة طويلة من الزمن٤. وقد ذهب "نولدكه" إلى أن هذه الحوادث

стр. 1834

كانت في سنة "٥٢٩ م"١. وقد بلغ المنذر في هجومه على بلاد الشأم أسوار "أنطاكية"، ولكنه تراجع بسرعة حينما سمع بمجيء قوات كبيرة من قوات الروم، تراجع بسرعة أعجزت الروم عن اللحاق به٢. ويشك نولدكه في رواية بروكوبيوس بشأن منح الحارث لقب ملك، ذلك لأن لقب ملك كان خاصًّا بقياصرة الروم، فلا يمنح لغيرهم٣. ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا أيضًا لقب ملك على الأمراء العرب، مثل "ماوية"، فقد لقبت بـ"ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارخوس" "phylarkos" "phylarque" "phylarcos" التي تعني العامل أو سيد قبيلة. وأما الكتبة السريان، فقد لقبوا رؤساء القبائل العربية بلقب "ملك" في بعض الأحيان على نحو ما نجده في الشعر العربي٤. ولكن نولدكه يرى أن هذا الاستعمال لا يمكن أن يكون سندًا لإثبات أن الروم أطلقوا لقب ملك على الحارث أو على خلفائه رسميًّا؛ لأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم. والذي صح إطلاقه من الألقاب على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق" "patricius"، ولقب "عامل" أو سيد قبيلة "فيلارخوس" "phylarchus" "phylarkos" "phylarcos" مقرونًا بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردًا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة "فلارخوس المنذر"، و"المنذر البطريق الفائق المديح" وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة"٥. ولقب "البطريق" من ألقاب الشرف الفخمة عند الروم، ولذلك فلم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدولة حتى إن بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر٦. وقد منح القيصر

стр. 1835

"يسطنيانوس" "justinianus" "الحارث" هذا اللقب، وكذلك لقب "فيلارخ" فكان بذلك أول رجل من الغساسنة يمنح هذين اللقبين الذين انتقلا منه إلى أبنائه فيما بعد١. ويلاحظ أن نص أبرهة الذي ذكر في جملة ما ذكره أن الحارث بن جبلة أرسل رسولًا عنه إلى مدينة مأرب ليهنئه بترميمه سد مأرب، لم يدون كلمة "ملك" مع اسم الحارث، ولكن ذكر "ورسل حرثم بن جبلت"، أي: "ورسول الحارث بن جبلة"٢. فلم يلقبه بلقب "ملك"، ويدل عدم إطلاق أبرهة لقب ملك على الحارث على أنه اتبع الأصول الدبلوماسية المقررة عند البيزنطيين وإن لقب ملك لم يكن لقبًا رسميًّا له مقررًا دوليًّا. وقد كان وصول رسول الحارث أو رسله في سنة "٥٤٢م". ويتبين من رواية المؤرخين بروكوبيوس وملالا أن الحارث بن جبلة كان قد اشترك في المعركة التي نشبت بين الفرس والروم في ١٩ نيسان سنة "٥٣١م"، وانتهت باندحار الروم، وكان قائدهم "بليزاريوس"٣. وذكر أن الفرس أسروا رجلًا اسمه "عمرو" "amros" وكان حائزًا على درجة "قائد"٤ "dux". وقد أثار تصرف الحارث في الحرب التي نشبت في سنة "٥٤١م" بين الفرس والروم، شبك الروم في إخلاصه لهم، والحذر منه، إذ ما كان يعبر هذا الأمير نهر دجلة مع القائد بليزاريوس حتى بدا له فرجع إلى مواضعه بعد أن سلك طريقًا آخر غير الطريق الذي اتبعه معظم الجيش دون أن يقوم بعمل يذكر في هذه الحرب٥. وهذا مما حمل الروم على الشك في صداقته لهم. وجعلهم يحذرون منه ويراقبون حركاته؛ خوفًا من انقلابه عليهم وإلحاقه الأذى بهم وإتفاقه سرًّا مع الفرس. وقد عاد النزاع فتجدد بين الحارث والمنذر حوالي سنة "٥٤٤م"، وانتهى

стр. 1836

بسقوط ملك الحيرة قتيلًا في معركة حدثت في سنة "٥٤٤م"، على مقربة من "قنسرين" بالقرب من الحيار. وهذه المعركة هي معركة يوم حليمة على رأي نولدكه١. ويظهر أن المنذر كان قد هاجم بلاد الشأم، وتوغل فيها حتى وصل إلى حدود قنسرين، فصرع هناك. حدث ذلك في السنة السابعة والعشرين من حكم "يوسطنيانوس" "justinianus" على رواية ابن العبري. وقد كان سبب اختلاف الحارث مع المنذر. تنازعهما على أرض يطلق الروم عليها اسم "strata" جنوب تدمر، تمر بها الطرق البرية الموصلة إلى بلاد الشأم وهي من الطرق العسكرية المهمة ومرعى مهم للأعراب، يرعى فيها أعراب العراق وأعراب بلاد الشأم. وقد ألف "جستنيان" لجنة تحكيم، لم تتمكن من فض النزاع. وقد اتهم الفرس أعداءهم الروم بأنهم يريدون الاتصال سرًّا بالمنذر ورشوته لتحريضه على القيام على الفرس٢. وقد ذكر ابن العبري في أثناء كلامه على هذه الحرب أن "برحيرت"، "bar-herath" أي "ابن الحارث" سقط قتيلًا في الحرب٣. وكان قد ذكر قبل كلمات أن المنذر بن النعمان، لما هاجم منظمة "rhomaye" وتوغل فيها، نازله "الحارث بن جبلة" "herath bar geblala" بهجوم مقابل، فهزمه وقتله في قنسرين. ثم ذكر أن ابن الحارث سقط قتيلًا في هذا الموضع. ويعرف هذا الولد باسم جبلة٤. ونجد في شعر "حسان بن ثابت" إشارة إلى "زمين حليمة" أي زمن حليمة٥. كما نجد في الأمثال "ما يوم حليمة بسر٦"، دلالة على شهرة ذلك اليوم. وكان الحارث من أنصار "المنوفستيين" "monophysites"، أي القائلين بوجود طبيعة واحدة في المسيح، ويقال إنه سعى لدى الإمبراطورة "ثيودورة"

стр. 1837

في تعيين "يعقوب البرادعي" ورفيقه "ثيودورس"، أسقفين للمقاطعات السورية العربية. فنجح في مسعاه هذا في سنة "٥٤٢-٥٤٣م"، وبذلك وطد هذا المذهب في بلاده١. ونسب المؤرخ السرياني "ميخائيل الكبير" إلى الحارث محاورة جربت بينه وبين البطريق "إفرام" "٥٢٦-٥٤٥م" في السريانية أو اليونانية في طبيعة المسيح وفي مذهبه القائل بوجود طبيعة واحدة فيه. وهو مذهب "يعقوب البرادعي" المتوفى سنة "٥٧٨م". وقد صيغت الحكاية بأسلوب يفهم منه أنه تغلب بأدب ولطف على خصمه البطريق٢. ولمعارضة مذهب اليعاقبة أتباع يعقوب البرادعي لمذهب الكنيسة الرسمي للإمبراطورية عد الروم هذا المذهب من المذاهب المنشقة المعارضة فقاوموه وناضلوا أصحابه ولا سيما في أيام القيصر يوسطنيانوس، باعتباره مذهبًا من المذاهب المناهضة لسياسة الملوك والدولة، كمعارضة الأحزاب السياسية في الزمن الحاضر٣. إلا أن الحارث سعى جهد إمكانه في تخفيف حدة غضب الحكومة على رجال هذا المذهب، ومن التقريب ما أمكن بين آراء رجال الكنيستين. ولجهود الحارث ومسعاه في حماية هذا المذهب فضل كبير ولا شك في بقائه، وفي انتشاره بين السريان وعرب الشأم٤. وقد زار الحارث القسطنطينية في تشرين الثاني في سنة "٥٦٣م"، فاستقبل استقبالًا حافلًا. وأثر أثرًا عميقًا في نفوس أهل العاصمة وفي رجال القصر والحاشية، ويقال إن رجال البلاط كانوا يخوفون القيصر "يوسطينوس" "justinius" بعد خرفه بالحارث، فكان يهدأ ويسكت روعه حين سماعه اسمه٥. والظاهر أن الغاية التي من أجلها ذهب الحارث إلى القسطنطينية هي مفاوضة رجال الحكم فيمن سيخلفه على عرشه بعد وفاته من أولاده، وفي السياسة التي يجب سلوكها تجاه عمرو

стр. 1838

ملك الحيرة١. وإلى هذا الحارث قصد امرؤ القيس الكندي الشاعر، ليوصله إلى القيصر ليشكو له ظلامته، ويطلب منه مساعدته في استرجاع حقه وأخذه بالثأر حسب رواية الأخباريين، وإليه تنسب أيضًا قصة مطالبة السموءل بن عاديا بإعادة دروع امرئ القيس التي أودعها لديه في القصة الشهيرة التي يحكيها الأخباريون في معرض كلامهم على امرئ القيس وقصة السموءل والوفاء. وهناك جماعة من الأخباريين ترى أن الحارث الذي طالب بتسليم دروع امرئ القيس إليه هو شخص آخر اسمه الحارث بن ظالم٢. ولكنها لم تذكر الصلة التي كانت بين الحارث بن ظالم وامرئ القيس، وحملته على المطالبة بتلك الدروع. وقد ذكر "الجمحي" أن "الحارث بن أبي شمر الغساني" هو الذي طلب إلى "السموءل بن عادياء" أن يدفع إليه سلاح "امرئ القيس" الذي استودعه عنده، فأبى السموءل أن يسلمه إليه٣. وقد ذكر "أبو زبيد الطائي" أنه زاره ونعته بأنه "الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام". وقد كان "أبو زبيد" هذا "من زوار الملوك، ولملوك العجم خاصة. وكان عالمًا بسيرها"٤. وقد تعرض "ابن قتيبة" لموضوع "امرئ القيس"، فقال: "وكان امرؤ القيس في زمان أنو شروان ملك العجم؛ لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأكبر، والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي، ﷺ ، أربعين سنة"٥. وذكر أيضًا أن "الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأكبر، لما بلغه ما خلف امرؤ القيس عند السموءل، بعث إليه رجلًا من أهل بيته يقال له "الحارث بن مالك" وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس وودائعه فلما انتهى إلى حصن السموءل أغلقه دونه، وكان للسموءل ابن خارج الحصن يتصيد فأخذه

стр. 1839

الحارث، وقال للسموءل: إن أنت دفعت إلي السلاح وإلا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له: اقتل أسيرك، فإني لا أدفع إليك شيئًا، فقتله، وضربت العرب المثل بالسموءل في الوفاء"١. وذكر الأخباريون أن الحارث الأعرج -وهو في روايتهم هذه الحارث بن أبي شمر الغساني- غزا قبيلة تغلب، وكان السبب الذي حمله على هذا الغزو مروره بجماعات منها لم تهتم به كما كان يجب أن يكون. وقد نصحه الشاعر "عمرو بن كلثوم" -على حد قولهم- بعدم غزوهم، واعتذر عنهم إليه. ولكنه لم يأخذ بنصيحته، فلما تقابل معهم، انهزم مع قومه من غسان، وقُتل منهم عدد كثير كان في جملتهم أحد إخوة الحارث٢. ويظن بعض الباحثين أن الحارث هو الذي أمر ببناء كنيسة الرصافة الكبرى لا الملك يوسنيانوس، ذلك لأن المؤرخ "بروكوبيوس" لم يشر في أثناء كلامه على هذا القيصر إلى أي أثر له في هذه المدينة، على حين أشار إلى تسوير الحارث لها وإلى احترامه العظيم للقديس "سرجيوس" المدفون بها، وهو قديس له منزلة كبرى في نفوس نصارى عرب الشأم٣. وينسب إلى الحارث إصلاح ذات البين فيما بين قبائل طيء، وكانت متخاصمة متحاربة، فلما هلك عادت إلى حربها، ووقع بينها يوم اليحاميم حيث دارت الدائرة فيه على جدلية من طيء، ويعرف أيضًا بقارات حوق٤. ومن الأمراء العرب الذين عاصروا الحارث بن جبلة، أمير اسمه "أبو كرب بن جبلة"، لعله شقيق الحارث، وقد ورد اسمه في نص "أبرهة"، حيث كان "أبو كرب" قد أرسل إليه رسولًا لتهنئته بترميمه سد مأرب. والأمير "قيس" "kaisus" وكان عاملًا على "فلسطين الثالثة" في حوالى سنة ٥٣٠م. والأسود، ويظهر أنه كان قد تحارب مع الحارث٥.

стр. 1840

وعثر في إحدى الكتابات في حران على اسم أمير يدعى "شرحيل بن ظالم" يرى نولدكه أنه أمير كندي؛ لأن هذين الاسمين من الأسماء الشائعة في كندة ويرجع تأريخ هذه الكتابة المدونة باليونانية والعربية إلى حوالي سنة "٥٦٨م". وقد دونت عند تدشين هذا العامل بناء إقامة للقديس يوحنا المعمدان، فيكون "شراحيل" شرحيل إذن من المعاصرين للحارث بن جبلة١. ويستنتج نولدكه من ذلك أن عددًا من المشايخ ظلوا يتمتعون بسلطانهم حتى بعد تألق نجم آل غسان. ويرى أن ذلك مما يوافق سياسة الروم الذين لم يكن من مصلحتهم ظهور أمير واحد قوي وإنما كان من مصلحتهم وجود جملة أمراء متنافسين؛ ليتمكنوا بذلك من السيطرة عليهم جميعًا بضرب بعضهم ببعض٢. وقد دعي الأمير المذكور بـ"asaraelus" ودعي أبوه بـ"talemus" وكان يحكم "اللجاة" فيظهر من ذلك أن إمارات كانت تنافس إمارة الغساسنة في هذا العهد٣. وقد توفي الحارث في سنة "٥٦٩م" أو "٥٧٠م" على رأي نولدكه، استنتج ذلك من ورود اسمه في الوثائق الكنسية التي يعود تأريخها إلى سنتي "٥٦٨ و٥٦٩"، وإلى ربيع سنة "٥٧٠م" حيث حل اسم ابنه المنذر في محله، فاستدل من هذا التغيير على أنه توفي في هذا الزمن٤. وقد حكم "المنذر" من سنة "٥٦٩-٥٧٠م" حتى سنة "٥٨١م"، على تقدير بعض الباحثين٥. وقد عرف المنذر بـ"alamoundaros" "alamundaros" عند اليونان والسريان وقد استهل حكمه بالحرب مع ملك الحيرة قابوس. والظاهر أن عرب الحيرة كانوا هم البادئين بها، فانتصر عليهم في يوم ٢٠ أيار "مايس" من سنة ٥٧٠م٦.

стр. 1841

ثم انتصر عليهم في معركة أخرى فيما بعد١. ويرى نولدكه أن المعركة الأولى هي عين أباغ٢. والمنذر هو أبو كرب الذي ذكر اسمه في نص سرياني عثر عليه في إحدى ضواحي تدمر، وهو نص ديني ورد فيه اسم الأسقفين يعقوب وثيودور، وهما: يعقوب البرادعي وصاحبه٣. لقد حث سوء تفاهم بين القيصر "يسطينوس" "justinus" وبين المنذر تطور حتى صار قطيعة. ولما أحس المنذر بأن القصر قد دبر له مؤامرة، وأنه أمر عامله البطريق "مرقيانوس" "marcianus" بأن يحتال عليه ليقتله، تمرد على الروم، وغادر أرضهم إلى البادية، فانتهز عرب الحيرة هذه الفرصة المؤاتية فأمعنوا في غزو بلاد الشام، وإيقاع الرعب في نفوس سكان القرى المجاورة لهذه الحدود مما حمل الروم على مراسلة المنذر والتودد إليه لاسترضائه، حتى إذا ما تلطف الجو أرسلوا إليه البطريق "يوسطنيانوس" ليجتمع به في مدينة الرصافة عند قبر القديس "سرجيوس" لإقناعه بترك موقفه والموافقة على العودة إلى محله. وعند القبر المقدس عقد الصلح بينهما في صيف سنة "٥٧٨ م". فعاد المنذر إلى أرضه، ليقوم بالدفاع عن حدود الشأم٤. وقد أشار ابن العبري إلى هذا الحادث، فذكر أن العرب "طياية" كانوا منقسمين إلى جماعتين: جماعة المنذر بن الحارث "منذر برحيرت" "mundar bar herath"، وكان نصرانيًّا وكذلك كان جنوده وجماعة قابوس، فهاجم قابوس وجنوده العرب النصارى، وقصد بذلك الغساسنة، واستاق ما وجده أمامه من ماشية، ثم قفل إلى بلاده. فلما رأى المنذر ما حدث، جمع جيشًا هجم به على قابوس، فتغلب عليه، ورجع بغنائم عديدة وعدد كبير من الإبل. وعاد قابوس فهاجم المنذر. غير أنه مُني بهزيمة ثانية اضطرته إلى طلب النجدة من الفرس. فأخبر القيصر يسطينوس بذلك، وطلب منه إمداده بالمال ليؤلف به جيشًا يقف أمام الفرس، فاستاء القيصر منه، وقرر التخلص منه بقتله، لظنه

стр. 1842

أنه كان السبب في غزو الفرس لـ"rhomaye" وكتب إلى عامله مرقيانوس وكان معسكرًا يومئذ في منطقة "نصيبين" "nisibis" أن يتربص بالمنذر فيقبض عليه، ويقطع رأسه، وقد أخطأ كاتب الرسالة، فأرسل الرسالة الخاصة بالبطريق مرقيانوس إلى المنذر، وأرسل الرسالة الخاصة بالمنذر إلى البطريق، فلما قرأ المنذر الكتاب وعرف بما أراد القيصر أن يفعله به، غضب غضبًا شديدًا، وتصالح مع قابوس، وصارا يهاجمان بلاد الشأم. فظن يسطينوس أن مرقيانوس قد خانه، وأنه أخبر المنذر بالمؤامرة، فأمر بالقبض عليه، وحبسه ولما صار "طيباريوس" "tiberius" قيصرَ. ذهب المنذر إلى القسطنطينية، فلامه القيصر على ما صنع، ولكنه قدره واحترمه كثيرًا حينما أراه رسالة يسطينوس التي أراد توجيهها إلى عامله لاغتيال المنذر، وأنعم عليه بهدايا كثيرة، وألطاف سنية، ثم عاد مكرمًا إلى مركزه السابق١. لقد قام المنذر بالزيارة المذكورة للقسطنطينية في اليوم الثامن من شباط سنة ٥٨٠م مصطحبًا معه ابنين من أبنائه. فلما بلغها، استقبل بكل احترام وتبجيل، وأنعم القيصر "طيباريوس" "tiberius" عليه بلقب "rex" وبالتاج وهو لقب كان له شأن كبير في إمبراطورية الروم، ويرى نولدكه أن الروم لم يمنحوا عمالهم العرب على بلاد الشأم من قبل إلا "الإكليل"، ودرجته دون درجة "التاج"٢. وقد أغدق القيصر عليه بالهدايا الثمينة النفيسة ومن بينها مصوغات من ذهب وفضة، مما لم ينعم به على أي ملك عربي من قبل. كما أنعم على ولديه بدرجات عسكرية٣. وكان المنذر مثل والده من القائلين بمذهب "الطبيعة الواحدة" والمدافعين عنه، ولذلك انتهز فرصة وجوده في القسطنطينية، فسعى في إقناع رجال القصر بالتسامح مع رجال مذهبه والصفح عنهم. ويظهر أنه عقد هناك مجمعًا في اليوم الثاني من شهر آذار سنة "٥٨٠م" لمعاضدة هذا المذهب والدفاع عنه، كما اتصل بالبطاركة للتوفيق بين رجال الكنيستين، غير أنه خابت مساعيه بالرغم من إظهار البطاركة رغبتهم في ذلك وعدم ممانعتهم فيه٤.

стр. 1843

وقد ذكر أن المنذر بنى صهاريج لإيصال الماء إلى الرصافة مدينة القديس "سرجيوس" ذي المكانة العظيمة عند عرب الشأم. وظهر من كتابة عثر عليها في أنقاض كنيسة في الرصافة أن المنذر بنى أو جدد بناء تلك الكنيسة. وأما بناؤها فهو على الطراز البيزنطي١. ولم تمنع قدسية مدينة الرصافة الأعراب، ولا سيما أعراب العراق من التحرش بها، فغزتها مرارًا، وأخذت قبيلة تغلب صورة القديس بعد عودتها من غزو المدينة٢، وهدم أهل الحيرة صهاريج المدينة مرارًا، ولحمايتها من الهجمات أحاطها القيصر "يوسطنيانوس" بسور قوي، بدلًا من سورها القديم٣. وذكر أن المنذر لما كان في القسطنطينية طلب من البيزنطيين مساعدته في بناء قصر يكون أعظم قصر غساني بُني حتى أيامه، وذلك بأن يرسلوا إليه أحسن المعماريين والبنائين الحاذقين. فلبى البيزنطيون طلبه فأمدوه بما يحتاج إليه من معماريين ومن مواد بناء. ومن أبنيته الخربة المعروفة اليوم بناء يعرف باسم "البرج" وقد عثر على اسمه مدونًا على حجارة من ذلك البناء٤. ولما حاول الروم غزو حدود الفرس في سنة "٥٨٠م"، وجدوا الجسر المنصوب على نهر الفرات مهدمًا، فاضطروا إلى التراجع وترك الغزو. وكان المنذر معهم في هذه الحملة، فذهبوا إلى أن المنذر كان على اتفاق سري مع الفرس، وأنه هو الذي أوعز بهدم الجسر، ليكتب للحملة الإخفاق، وقرروا القبض عليه والإيقاع به؛ انتقامًا منه للخيبة التي منوا بها. ولما عاد المنذر فغزا أرض الحيرة بنفسه فيما بعد ملحقًا بالمدينة أذًى كثيرًا، جاعلًا إياها طعمة للنيران، اتخذ الروم هذه الغزوة دليلًا على تحدي المنذر لهم، ورغبته في الخروج على طاعتهم، فقرروا الانتقام منه بقتله، فأصدروا إلى حاكم بلاد الشأم "ماكنوس" "magnus" صديق

стр. 1844

المنذر أمرًا سريًّا بالعمل على قتله، وصادف أن الروم كانوا قد انتهوا من بناء كنيسة في "حوارين"، وقد عزم "ماكنوس" على تدشينها، فكتب يدعو صديقه إلى الاحتفال بذلك، فلما كان على مقربة منه، قبض عليه وأرسله محفورًا إلى العاصمة حيث أجبر على الإقامة فيها مع إحدى نسائه وبعض أولاده وبناته، وذلك في أيام القيصر طباريوس وفي ابتداء السنة "٥٨٢" للميلاد. ولما انتقل العرش إلى موريقيوس، وكان يكرهه ويعاديه، أمر بنفيهما إلى صقلية وبقطع المعونة التي كان الروم يدفعونها إلى الغساسنة في كل عام١. وقد لقب حمزة المنذر بلقب الأكبر، وجعل مدة حكمه ثلاث سنين، ونسب إليه بناء "حربا" وموضع "زرقا" على مقربة من الغدير٢. وقد أخطأ "حمزة" في مدة حكم المنذر، إذ هي تزيد على تلك المدة، فقد حكم على رأي الباحثين من سنة "٥٦٩" حتى سنة "٥٨٢" للميلاد٣. أثار عمل الروم هذا ثائرة أبناء المنذر، فتركوا ديارهم، وتحصنوا بالبادية وأخذوا يهاجمون منها حدود الروم ملحقين بها أذًى شديدًا، فاضطر القيصر على أثره أن يوعز إلى القائد "ماكنوس" بتجهيز حملة من أبناء المنذر ألحق بها أحد إخوة المنذر. وكان قد أعد ليتولى مقام أخيه، غير أنه توفي بعد أيام. ولما كان من الصعب على الروم مهاجمة أبناء المنذر في البادية، عمد القائد إلى المكيدة فأرسل إلى النعمان كبير أبناء المنذر أنه يريد مقابلته للاتفاق معه على وضع شروط للصلح، وقد ظن الأمير أن القائد صادق فيما دعا إليه فذهب لمقابلته، فقبض الروم عليه، وأرسلوه مخفورًا إلى العاصمة حيث حجروا فيها عليه٤. وكان موضع "حوارين" في جملة المواضع التي هاجمها النعمان بعد ارتحال "ماكنوس" عنها، وقد استولت عساكره عليها، وقتلوا بعض أهلها، وأسروا قسمًا من الباقين، ثم عادوا بغنائم كثيرة إلى البادية للاحتماء بها من هجمات الروم٥.

стр. 1845

وذكر ابن العبري أن النعمان لما بلغته رسالة القائد ماكنوس لم يذهب إليه، وإنما أرسل إليه بعض الشبان وأمره أن يتظاهر له بأنه هو النعمان. فلما وصل الشاب إلى القائد، سأله: أأنت النعمان؟ فقال له: نعم، جئتك بحسب أمرك، فقال القائد لمن معه: أقبضوا على عدو الملك، وقيدوه بالحديد. ولما تبين للقائد أنه لم يكن النعمان، هَمَّ بقتله، ثم أمر بإخراجه، فعاد إلى أهله. وتوفي ماكنوس بعد ذلك بأمر قصير١. ويدعي ابن العبري أن النعمان ذهب بعد ذلك إلى "موريقيوس" "mauricius" واعتذر إليه وبين له أنه إنما حارب مع الفرس ليتمكن بذلك من إنقاذ والده من الأسر. ولما طلب منه "موريقيوس" أن يدخل في المذهب الخلقيدوني، أجابه أن جميع القبائل العربية "طياية" هي على المذهب الحنيف "الأرثدوكس" "orthodox"، وأنه إذا بدل مذهبه لا يأمن على نفسه من القتل، ولما قفل راجعًا، قبض عليه ونفي٢. لقد تصدع بناء الغساسنة وتفكك، وانقسم الأمراء على أنفسهم، وذلك حوالي سنة "٥٨٣" أو "٥٨٤م" على تقدير نولدكه. ويشير ميخائيل السوري وابن العبري إلى أنهم انقسموا بعد القبض على النعمان إلى خمس عشرة فرقة تركت بعضها ديارها فهاجرت إلى العراق وتشتت الباقون، ولم يبق لهم شأن يذكر. ولم يشر الكتبة السريان أو البيزنطيون إلى ملك الغساسنة بعد هذا الحادث٣، وهو أمر يؤسف له غاية الأسف. إذ حرمنا بذلك من الحصول على وثائق مهمة تساعدنا في معرفة تأريخ عرب الشام. وقد عقب هذا التصدع حدوث اضطراب في الأمن وفوضى بين القبائل التي أخذت تتنافس بينها للحصول على الرئاسة والسيادة، ولخطورة مثل هذه الأحوال بالنسبة إلى الروم وسلامة الحدود، كان هذا مما حمل البيزنطيين على التفكير في اختيار رئيس قوي من سادات القبائل المتنافسين ليقوم بضبط هذه القبائل وإعادة الأمن إلى نصابه وحماية الحدود من هجمات عرب الحيرة٤.

стр. 1846

ولم يشر الأخباريون إلى هذا الحادث، ويظهر أنهم لم يعرفوه، وقد ذكر حمزة أن الذي حكم بعد المنذر هو شقيقه النعمان. وقد جعل مدة حكمه خمس عشرة سنة وستة أشهر١. وزاد في رَبْك وضع الغساسنة وفي انقسامهم على أنفسهم، غزو الفرس لبلاد الشأم سنة "٦١٣-٦١٤م"، فقد اكتسح الفرس كل بلاد الشأم، وصار عرب الشأم أمام حكام جدد، لم يألفوا حكمهم من قبل، ولكن ألفوهم دائمًا في جانب عرب الحيرة أعداء الغساسنة ومنافسيهم. وقد تمكن الغساسنة من رؤية وجوه البيزنطيين مرة أخرى وذلك في حوالي سنة "٦٢٩م"، فقد تمكن البيزنطيون من طرد الفرس من الأرضين التي استولوا عليها ومن إجلائهم نهائيًّا عنها، وإعادة فرض حكمهم عليها، غير أن الأقدار أبت أن تبقيهم هذه المرة مدة طويلة في بلاد الشأم، فأكرهتهم على فتح أبوابها للإسلام، فتساقطت مدنها في أيدي المسلمين تساقط ورق الشجر في أيام الخريف. وصارت دمشق درة بلاد الشأم من أهم حواضر الإسلام. أما ملك الغساسنة، فقد ولى، ولم يبقى للغسانيين حكم في هذه البلاد منذ هذا الزمن. وقد خمد اسم رؤساء غسان في الموارد اليونانية والسريانية منذ قبض على النعمان، فعدنا لا نجد في تلك الموارد شيئًا يذكر عنهم، وفي سكوت هذه الموارد عن إيراد أخبارهم، دليل على زوال شوكتهم وهيبتهم وعدم اهتمام الروم بأمرهم، حيث ضعف أمرهم بسبب تفرق كلمتهم وتنازعهم بينهم. أما الموارد الإسلامية، فإنها بقيت تذكر أسماء رجال منهم زعمت أنهم ملكوا وحكموا، بل زعمت أن بعضهم حكموا دمشق، وبقيت تذكر أسماءهم إلى أيام الفتح الإسلامي، ومن هذه الموارد تأريخ حمزة الأصفهاني، الذي استمر يذكر أسماء من ملك من آل غسان حتى انتهى بآخرهم وهو جبلة بن الأيهم. وفي هذه الأسماء تكرار وزيادات، لذلك زاد عدد من ذكرهم من ملوك غسان على عدد ما ورد عند سواه من المؤرخين. وأنا لا أستطيع أن أوافق حمزة على العدد المذكور، وأخالفه في مدد حكمهم.

стр. 1847

وفي ترتيبهم على النحو المدون في تأريخه. فالذين ذكرهم على أنهم ملوك لم يكن مجال حكمهم كبيرًا واسعًا، وهم لم يكونوا في الواقع إلا سادات بيوت أو سادات عشائر منشقة، تمسكت باللقب القديم الموروث: لقب ملك. وقد كان بعضهم يعاصر بعضًا، ويدعي الرئاسة لنفسه، وذلك بسبب تخاصمهم، ولهذا كثرت أسماؤهم في قائمة حمزة. وقد انحسر مد حكمهم وانكمش فاقتصر على البوادي، ولا يتعارض ذلك بالطبع مع ورود أخبار بسكناهم في قصورهم عند أطراف المدن ومشارف القرى، فإن سادات القبائل في هذا اليوم أيضًا يحكمون القبائل ويعيشون في قصور في المدن، وهم لا يحكمون المدن بالطبع. والذي يظهر من روايات أخرى من روايات أهل الأخبار من غير حمزة أن أبين رجل من غسان ظهر بعد النعمان، هو "الحارث" المعروف بـ"الأصغر" ثم "عمرو بن الحارث"، وهو الذي مدحه "النابغة" ثم "النعمان بن الحارث" وهو شقيق "عمرو" وقد مات مقتولًا كما يظهر ذلك من شعر للنابغة الذبياني، ثم "شرحبيل بن عمرو الغساني"، و"جبلة بن الأيهم". ولما كنا قد سرنا على قائمة حمزة في ترتيب الملوك، فإننا نجاريه في ترتيبه لهم فنذكر أسماء من حكم الغساسنة بعد النعمان على وفق هذه القائمة، فنقول: حكم بعد النعمان على رواية حمزة وآخرين "المنذر بن الحارث" أي شقيق المنذر والنعمان، وجعل حمزة مدة حكمه ثلاث عشرة سنة، ولقبه بلقب "الأصغر" وكناه بـ"أبي شمر"١. وتولى بعده على رواية حمزة أخوه جبلة، وجعل منزله بـ"حارب" ونسب إليه بناء "قصر حارب" و"محارب" و"صنيعة"، وكانت مدة حكمه على رأيه أربعًا وثلاثين سنة ٢. وحكم بعد جبلة على رواية حمزة أخوه الأيهم. وقد حكم على رأيه ثلاث سنين ونسب إليه بناء "دير ضخم" و"دير النبوة" و"دير سعف"٣. ثم انتقل الحكم على رواية حمزة أيضًا إلى عمرو، وهو أيضًا على رأيه أحد

стр. 1848

أبناء الحارث بن جبلة، وقد حكم ستًّا وعشرين سنة وشهرين، وذكر أنه نزل السدير، وبنى قصر "الفضا" "قصر الفضة" و"صفاة العجلات" و"قصر منار"١. وعمرو هذا هو الذي مدحه النابغة الذبياني، وقد كان متكبرًا دميمًا قبيح السيرة أنشأ في دمشق وضواحيها -على حد قول أهل الأخبار- عند قصور شامخات، منها: قصر الفضة، وقصر "صفات العجلات"، وقصر منار. وقد صور في بعض هذه القصور مجالسه وجلساءه ورؤساء دولته، وأشكال صورته. ثم اتعظ وتغير على أثر شعر قاله له عمرو بن الصعق العدواني، وكان قد أسر الأمير أخته، وحسنت سيرته ومات بعد أن حكم ستًّا وعشرين سنة٢. ويقول أهل الأخبار إن من قديم الشعر الذي قاله النابغة في مدح عمرو بن الحارث، قصيدته البائية التي يقول في جملة ما يقول فيها: عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ ... لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ وقد أوغل فيها في مدح الغساسنة وفي ذكر ملوكهم، وهي من عيون شعره. وقد قال هذا الشعر حينما اختلف مع النعمان بن المنذر في موضوع الشعر الذي وصف به زوجة النعمان "المتجردة"، وصفًا استغله أعداؤه، فوشوا به إلى النعمان، فهرب منه، وانحاز إلى خصومه آل غسان. ولجأ إلى زعيمهم في تلك الأيام، وهو "عمرو بن الحارث"٣. وللنابغة أشعار أخرى في مدح "عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني" في جملتها أبيات يعتذر النابغة فيها إليه من وشاية أثارت حنق عمرو عليه، فنظمها في استرضائه، وقد ذكر فيها أنه أكرامه وحباه بمائة من الإبل، وأنه يريش قومًا ويبري آخرين، وأنه يجزي الناس على أفعالهم٤. ونجد في قصيدة للنابغة مطلعها: أَهاجَكَ مِن أَسماءَ رَسمُ المَنازِلِ ... بِرَوضَةِ نُعمِيٍّ فَذاتِ الأَجاوِلِ

стр. 1849

خبر غزو قام به "عمرو بن الحارث" لبني مرة، وقد أوجعهم فيها على ما يظهر من هذه القصيدة١. هؤلاء الستة الذين ذكرهم حمزة بعد الحارث بن جبلة، هم أبناؤه إذن، وقد حكموا على زعمه بالتعاقب دون فترة. ثم نقل الحكم من عمرو إلى رجل دعاه جفنة الأصغر، وهو على رأيه ابن المنذر بن الحارث. ولم يذكر أي منذر قصد. وذكر أنه كان سيارة جوابًا. ثم هلك، وكان ملكه ثلاثين سنة٢. وحكم بعد جفنة الأصغر على رواية حمزة النعمان الأصغر بن المنذر الأكبر. حكم سنة واحدة. ولم ينسب إليه بناء ما٣. ثم انتقل الحكم على زعم حمزة إلى النعمان بن عمرو بن المنذر ولم يكن أبوه عمرو على رأي حمزة ملكًا، وإنما كان عازيًا يغزو بها بالجيوش، وكان ملكه سبعًا وعشرين سنة، ونسب إليه بناء "السويدا" و"قصر حارب"٤. وذكر حمزة أن "عمرو" المذكور، أي والد النعمان على زعمه، هو الذي مدحه النابغة بقوله: عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ ... لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ وذكر أنه، أي النابغة "ذكر أباه المنذر بقوله"٥: وقصر بصيداء التي عند حارب وقد أخطأ حمزة في ذهابه إلى أن الشخص الممدوح هو "النعمان بن عمرو"، فإن رواة هذا الشعر يذكرون إن الملك الممدوح الذي قصده النابغة بمديحه، هو "عمرو بن الحارث بن أبي شمر" المتقدم ذكره، وهو شقيق "النعمان بن الحارث بن أبي شمر" الذي مدحه النابغة كذلك، وكانت له صلات حسنة وثيقة به٦.

стр. 1850

وجعل حمزة بعد النعمان ابنه جبلة وزعم أن منزلة بـ"صفين"، وأنه صاحب "عين أباغ"، وقاتل المنذر بن ماء السماء، وكان ملكه ست عشرة سنة١. ثم ملك -بعد جبلة- النعمان بن الأيهم بن الحارث بن مارية، وكان ملكه إحدى وعشرين سنة لم يحدث خلالها على حد قول حمزة شيء، فتولى من بعده النعمان بن الحارث، وهو الذي أصلح صهاريج الرصافة، وكان بعض ملوك لخم خربها، وكان ملكه ثماني عشرة سنة٢. ويرى "إلويس موسل" أن النعمان هذا كان قد حارب الفرس من حوالي سنة "٦٠٤" حتى سنة "٦١٦م"، وأنه قد احتمى مرارًا بأسوار الرصافة. وبهذه المناسبات على ما يظهر قام بترميم صهاريج المدينة لخزن الماء٣. وذكر حمزة اسم "المنذر بن النعمان" بعد النعمان بن الحارث، وهو ابنه. قال: ولم يحدث شيء في أيامه، ثم هلك وكان ملكه تسع عشرة سنة٤. ثم صار الحكم من بعده -على رأي حمزة- إلى عمرو بن النعمان. وهو شقيقه ولم يحدث شيئًا في أيامه، ثم هلك، وكان ملكه ثلاثًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر٥. ثم انتقل الحكم إلى حجر بن النعمان، وهو شقيق عمرو، وجعل حمزة ملكه اثنتي عشرة سنة. ثم صير الملك إلى ابنه من بعده، وهو الحارث بن حجر. وجعل ملكه ستًّا وعشرين سنة٦. وصير حمزة الملك إلى جبلة بن الحارث، بعد وفاة والده "الحارث بن حجر". وجعل مدة حكمه سبع عشرة سنة وشهرًا واحدًا٧. ثم صير حمزة الحكم إلى "الحارث بن جبلة"، وهو على رأيه ابن الملك المتوفى "جبلة بن الحارث". وذكر حمزة أنه يسمى أيضًا بـ"الحارث بن أبي شمر"، وهو الذي أوقع ببني كنانة، وكان يسكن الجابية. وكان ملكه

стр. 1851

إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر١. ويجب أن يكون هذا الحارث هو "الحارث بن أبي شمر الغساني"، الذي ذكر أن الرسول وجه كتابًا إليه، حمله إليه: شجاع بن وهب كما سيأتي فيما بعد. وذكر حمزة أن الذي حكم بعد "الحارث بن جبلة" وهو ابنه "النعمان بن الحارث"، وكنيته "أبو كرب" ولقبه "قطام"، وهو الذي بنى ما أشرف على "الغور الأقصى". وكان ملكه سبعًا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر٢. وقد أخطأ حمزة في إضافة لقب "قطام" إلى النعمان بن الحارث، ولا نعرف أن أحدًا أضاف هذا اللقب إليه. ونجد للنابغة الذبياني أشعارًا في مدح "النعمان" المذكور، وكان يزوره ويتوسط لديه في فك أسرى قومه الذين كانوا يقعون في أسر الغساسنة، وذلك بسبب غاراتهم المتوالية على بني غسان وأعرابهم. وكان قومه "بنو ذبيان" وحلفاؤهم "بنو أسد" إلى جانب عرب الحيرة، وكانوا ينقمون على الغساسنة ويغيرون دومًا على أرضهم، فيتدخل النابغة لدى الغساسنة للصفح عن قومه، ويتوسل إليهم في فك أسرهم. ولما أغار قومه على وادي "ذي أقر"، نهاهم النابغة عن هذه الغارة، وحذرهم من عواقبها، وهولهم بكثرة ما لدى "النعمان بن الحارث"، من جموع وحشود، غير أنهم لم يهتموا بنصح النابغة، ولم يحفلوا بتخويفه لهم، بل عدوا نصيحته هذه لهم من إمارات الخوف والجبن، فتصدت لهم أعراب "النعمان" بقيادة "النعمان بن الجلاح الكلبي" وأوقعت بهم خسائر فادحة، ويذكر بعض الرواة أن "ابن الجلاح" سبى ستين أسيرًا وأهداهم إلى قيصر الروم٣ ولم يتطرقوا لبيان الأسباب التي أدت بالغساسنة إلى إهداء هؤلاء الأسرى إلى الروم. وأعتقد أن إقحام "قيصر الروم" في هذا الإهداء، هو من مبالغات الرواة، وقد عودونا أمثال هذه المبالغات. إلا أن يكون أولئك الأعراب قد غزوا حدود الروم، فأوجعوا أهلها، فقدم "ابن الجلاح" الذي تعقبهم، من وقع في أسره إلى حاكم من حكام الروم لتأديبهم.

стр. 1852

وقد طلب "النابغة" في شعره في وصف هذه الغارة من "حصن بن حذيفة" سيد "ذبيان" ومن "ابن سيار" فك من وقع أسيرًا من النساء دفعًا للخزي والعار من وقعهن أسيرات في أيدي العضاريط من الأتباع والأجراء. ونجد النابغة يحذر "النعمان" من غزو "بني حُن بن حرام"، وينصحه بعدم التورط في قتالهم؛ لأنهم أناس محاربون صعاب. فلما أبى إلا قتالهم، بعث النابغة إلى قومه يخبرهم بغزو النعمان لهم، ويأمرهم أن يمدوا بني حُن، ففعلوا. فلما غزاهم النعمان، هزم بنو حُن وبنو ذبيان جمعه، وحازوا ما معهم من الغنائم، فقال النابغة في ذلك شعرًا منه: لَقَد قُلتُ لِلنُعمانِ يَومَ لَقيتُهُ ... يُريدُ بَني حُنَّ بِبُرقَةِ صادِرِ تَجَنَّب بَني حُنَّ فَإِنَّ لِقاءَهُم ... كَريهٌ وَإِن لَم تَلقَ إِلّا بِصابِرِ فهو يعاتب بذلك النعمان، ويذكره بعدم اهتمامه بنصحه له، وتخويفه إياه من عاقبة هذه الغارة١. وكان في جملة ما قاله النابغة عن بني حُن بن حرام، وهم من غدرة، أنهم كانوا قد منعوا "وادي القرى" عن عدوهم ومن أهله وحموه منهم، وهو كثير النخل، فتمنعوا بثمره، وطردوا "بَليًّا"، وهم من "بني القين" وهم أصحابه من هذا الوادي، واستولوا على نخيلهم، ونفوهم إلى غير بلادهم، وهم الذين ضربوا أنف الفزاري، وهم الذين منعوها من قضاعة كلها ومن "مضر الحمراء"، وقتلوا الطائي بالحجر عنوة، ويريد به "أبا جابر الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" وكان ممن اجتمع عليه جديلة طيء. ومثل هؤلاء قوم لا يغلبون٢. ويظهر من شعر للنابغة أن "النعمان" كان قد غزا تميمًا وقيس وائل، وأنه أوجعهم، وقد غزاهم في الربيع٣. وللنابغة أشعار أخرى في مدح "النعمان" هذا، ومنها أبيات استهلها بقوله:

стр. 1853

والله والله لنعم الفتى إذ ... أعرج، لا النكسى ولا الخامل١ وقد أدرك النابغة أجل "النعمان بن الحارث بن أبي شمر"، إذ مات مقتولًا فرثاه بقصيدة، يظهر منها أنه كان يكنى بـ"أبي حجر"، وأنه قبر موضع يقع بين "بصرى" و"جاسم"٢. وقد غزا "النعمان" العراق، ولا يستبعد "نولدكه" أن يكون هو الذي قصده المؤرخ "ثيوفلكتوس" حين تحدث عن غزو قام به عرب الروم على العراق في زمن الصلح أي حوالي سنة "٦٠٠م"٣. وقد مدح النابغة "النعمان بن الحارث الأصغر" في القصيدة التي تبدأ بقوله: وَإِن يَرجِعِ النُعمانُ نَفرَح وَنَبتَهِج ... وَيَأتِ مَعَدًّا مُلكُها وَرَبيعُها وَيَرجِع إِلى غَسّانَ مُلكٌ وَسُؤدُدٌ ... وَتِلكَ المُنى لَو أَنَّنا نَستَطيعُها٤ ورثى "النابغة" النعمان في قصيدة جاء فيها أن شيبان وذهلًا وقيس بن ثعلبة وتميمًا سروا بوفاته؛ لأنهم أمنوا بذلك على أنفسهم من غارته ومن غزوه لهم٥. ويظهر من شعر النابغة فيه أنه كان محاربًا يغزو القبائل، ولذلك هابته. وقد بكاه بقوله: بَكى حارِثُ الجَولانِ مِن فَقدِ رَبِّهِ ... وَجورانُ مِنهُ خَاشِعٌ مُتَفائِلُ٦ وذكر "ابن قتيبة" أن النابغة لما صار إلى غسان، انقطع إلى "عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني" وإلى أخيه "النعمان بن الحارث"، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم، فغم ذلك النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وبلغه أن الذي قُذف به عنده باطل، فبعث إليه من يسأله أن يعود، فاعتذر النابغة في شعر، وقدم عليه مع زبان بن سيار ومنظور بن سيار الفزارين، وقبل عذره ورحب به٧.

стр. 1854

ثم ملك بعده -على رأي حمزة- الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، وهو على حد تعبيره صاحب "تدمر" و"قصر بركة" و"ذات أنمار" وغير ذلك١. ثم ملك بعد الأيهم بن جبلة شقيقه المنذر بن جبلة، وكان ملكه على رواية حمزة ثلاث عشرة سنة٢. ثم صار الملك إلى شقيقه "شراحيل بن جبلة" على رواية حمزة. وكان ملكه خمسًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر٣. ثم انتقل الحكم إلى "عمرو بن جبلة" بعد وفاة "شراحيل" وهو على رأي حمزة شقيقه، وقد حكم عشر سنين وشهرين٤. ثم حول حمزة الحكم إلى "جبلة بن الحارث"، بعد وفاة "عمرو بن جبلة" وهو على رأيه ابن أخيه. وجعل حكمه أربع سنين٥. ثم صير حمزة الملك إلى "جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن مارية" وهو على رأيه آخر ملوك غسان. وكان ملكه ثلاث سنين، وهو الذي كان أسلم ثم تنصر، ولجأ إلى الروم٦. وقد سرد المسعودي نسبه على هذه الصورة: "جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة"٧، وسرده على هذه الصورة "جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن مازن" في مكان آخر٨. وذكره "ابن عبد ربه" على هذه الصورة: "جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني"٩. وذكر "الذهبي" أن الأصل هو "الأهيم"، لا "الأيهم"، وكناه بـ"أبي المنذر"، وقال إنه كان ينزل "الجولان"١٠

стр. 1855

وقد وصف بأنه كان طويلًا، طوله اثني عشر شبرًا، وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض١. وقد ورد اسم "جبلة بن الأيهم" في أخبار الفتوحات الإسلامية لبلاد الشأم، إذ ذكر في "فتوح البلدان" للبلاذري: أن "هرقل" لما سمع بتجمع المسلمين ومقدمهم "يوم اليرموك"، بعث على مقدمته "جبلة بن الأيهم الغساني" في مستعربة الشأم من لخم وجذام وغيرهم لمقاتلة المسلمين، غير أن "جبلة" انحاز في القتال إلى الأنصار قائلًا: "أنتم إخواننا وبنو أبينا، وأظهر الإسلام"٢. أما الطبري فقد ذكر: أن خالدًا لما صار إلى "مرج الصفر"، لقي عليه غسان، وعليهم "الحارث بن الأيهم"٣. ولم يشر إلى جبلة. فيظهر أن وهمًا في الاسم قد وقع للرواة، فصار "جبلة" عند بعض، وصار" الحارث" عند بعض آخر، ولعل مرده إلى سهور وقع من النساخ. ولحسان بن ثابت شعر في مدح "جبلة بن الأيهم"، وفي ذكر ملكه وملك "آل جفنة"، يظهر منه شدة تعلقه بهم على بعده عنهم وزوال ملكهم وابتعاده عنهم بالإسلام٤. وقد أورد المسعودي بعض الأشعار التي مدح حسان بها "جبلة بن الأيهم" منها: أشهرنها فإن ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني٥. وقد ورد في رواية من روايات أهل الأخبار أن حسان بن ثابت زار "جبلة بن الأيهم"، وعنده "النابغة" و"علقمة بن عبدة" فأنشده شعرًا، فأعطاه ثلاثمائة دينار وعشرة أقمصة لها جيب واحد، في كل عام مثلها. وتذكر رواية أخرى أن الشخص الذي زاره "حسان" هو "عمرو بن الحارث الأعرج"، وأنه مدحه فأعطاه ألف دينار مرجوحة، وهي التي في كل دينار عشرة دنانير٦.

стр. 1856

وذُكر أن "جبلة بن الأيهم" لما سمع، وهو ببلاد الروم، أن حسانًا قد صار مضرور البصر كبير السن، أرسل إليه خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج، فلما سلمها الرسول الذي حمل الهدية إليه، نظم شعرًا في مدحه أوله: إِنَّ اِبنَ جَفنَةَ مِن بَقِيَّةِ مَعشَرٍ ... لَم يَغذُهُم آباؤُهُم بِاللَؤمِ لَم يَنسَني بِالشامِ إِذ هُوَ رَبُّها ... كَلّا وَلا مُتَنَصِّرًا بِالرومِ وأخذ يراجع ذكريات تلك الأيام الخالية التي قضاها معه ومع بقية آل غسان١. وقد اتفقت روايات أهل الأخبار في موضوع دخول جبلة في الإسلام، ثم في ارتداده، إلا رواية واحدة ذهبت إلى أنه لم يسلم. وقد ذهب أكثرهم في سبب ردته إلى أن أعرابيًّا من فزارة وطئ فضل إزار جبلة وهو يسحبه في الأرض بمكة، فلطمه جبلة، فنابذه الأعرابي إلى عمر، فحكم عمر له بالقصاص، فعد جبلة القصاص إهانة له وهو ملك، ففر إلى بلاد الروم وارتد بها، وبقي بها مرتدًا حتى وافته منيته٢. ولكن رواية "ابن قتيبة"، تختلف عن رواية أكثر أهل الأخبار في موضوع المكان الذي كان السبب في ارتداده عن الإسلام، إذ جعلته مدينة "دمشق"، قالت: "وكان سبب تنصره أنه مر في سوق دمشق، فأوطأ رجلًا فرسه، فوثب الرجل فلطمه، فأخذه الغسانيون فأدخلوه على أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم سيدنا. فقال أبو عبيدة بن الجراح: البينة أن هذا لطمك. قال: وما تصنع بالبينة؟ قال: إن كان لطمك لطمته بلطمتك. قال: ولا يقتل؟ قال: لا. قال: ولا تقطع يده. قال: لا. إنما أمر الله بالقصاص، فهي لطمة بلطمة. فخرج جبلة ولحق بأرض الروم وتنصر"٣. ونجد خبر "ابن قتيبة" المذكور مدونًا في كتاب "الطبقات" لابن سعد، حيث جاء: "وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله، ﷺ ، وأهدى له هدية ولم يزل مسلمًا حتى كان في زمان عمر بن الخطاب،

стр. 1857

فبينما هو في سوق دمشق إذ وطئ رجلًا من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ وانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبيلة، قال: فليلطمه، قالوا: وما يقتل؟ قال: لا، قالوا: فما تقطع يده؟ قال: إنما أمر الله، ﵎ بالقود. قال جبلة: أو ترون أني جاعل وجهي ندًّا لوجه جدي جاء من عمق! بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانيًّا! وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، وقال لحسان بن ثابت: أبا الوليد، أما علمت أن صديقك جبلة بن الأيهم ارتد نصرانيًّا؟ قال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها"١. وذكر بعض أهل السير والأخبار، أن الرسول كتب إلى جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان، كتابًا دعاه فيه إلى الإسلام. فلما وصل الكتاب أسلم، وكتب إلى الرسول يعلمه بإسلامه٢. وذُكر أن "شجاع بن وهب" إنما بعثه رسول الله إلى جبلة، فأسلم٣، وأرسل إلى رسول الله هدية. وكان ينزل بالجولان٤. وتزعم بعض الروايات أنه زار المدينة في خلافة "عمر". وقد عد يوم مجيئها إليه من الأيام المشهورة؛ إذ جاء إليها في موكب حافل كبير فيه خيول كثيرة لم تر المدينة مثلها من قبل، وخرج الناس إلى الطرق لرؤية موكبه، وفرح عمر بمجيئه. وعد ذلك توفيقًا من الله للإسلام. وأكرمه غاية الإكرام. وبعد أن قابل الخليفة، استأذن منه بالذهاب إلى الحج، فوقع له عندئذ حادث الإزار مع الأعرابي، ففر إلى بلاد الروم، ويقال: إنه توفي بالقسطنطينية سنة عشرين من الهجرة٥. وذكر أنه لما قدم المدينة كان في خمسمائة فارس من عك وجفنة. فلما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوخ بالذهب والفضة، وليس تاجه وفيه قرط مارية وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه٦. وقد ذكر "البلاذري" أن "جبلة بن الأيهم" حكم بعد "الحارث بن أبي شمر". وروي أنه لما قدم "عمر" الشأم سنة "١٧" للهجرة، حدث أن لطم

стр. 1858

"جلبة" رجلًا من مزينة على عينه، فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال: أو عينه مثل عيني! والله لا أقيم ببلد عليَّ به سلطان. فدخل بلاد الروم مرتدًا. وروى رواية أخرى خلاصتها أن جبلة أتى عمر على نصرانية، فعرض عمر عليه الإسلام، ولكنه لم يتفق مع عمر. فلما قال له عمر: ما عندي لك إلا واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما أداء الجزية، وإما الذهاب إلى حيث شئت. فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفًا فلما بلغ ذلك عمر ندم١. وتذكر رواية أن "جبلة بن الأيهم" عاش في القسطنطينية حتى مات سنة عشرين من الهجرة٢. فنحن أمام روايتين بشأن مكان ردة جبلة، وتجاه رواية عن إسلامه. رواية تجعل ارتداده في مكة، ورواية تجعل ارتداده بدمشق، ورواية تذكر أنه لم يدخل مطلقًا في الإسلام. ويظهر أن رواية دمشق هي أقرب إلى المنطق؛ إذ لا يعقل فرار جبلة من مكة إلى بلاد الروم بمثل هذه السهولة التي تخيلها أهل الأخبار، وبينه وبين بلاد الروم مسافات شاسعة ما كان في إمكانه قطعها قط والنجاة من تعقب المسلمين له، لو كان موضع هربه هو مكة. أما دمشق، فإنها قريبة من حدود الروم، ولدى جبلة فيها وسائل كبيرة تساعده على الهرب. والرأي عندي أن جبلة، لم يدخل أبدًا في الإسلام، وإنما بقي مع الروم. وغادر بلاد الشأم معهم، وكان يحارب المسلمين إلى جانبهم، وانتقل بأتباعه ممن بقوا على دينهم إلى بلاد الروم فأقاموا بها، وقد مات هناك ودفن في تلك البلاد، وما هذا الذي روي عن إسلامه وعن زيارته ليثرب ولمكة إلا من قصص القصاص وضعوه فيما بعد. إن ما يذكره أهل الأخبار من ملك "جبلة"، لا يخلو من مبالغة، وما يقال عن ملكه وعن استقبال "هرقل" له، ذلك الاستقبال العظيم، لا يخلو من مبالغة أيضًا. نعم من الجائز أن الروم قبلوه لاجئًا، ورحبوا به وساعدوه على أمل استخدامه لمهاجمة المسلمين، واسترداد بلاد الشأم منهم، غير أننا لا نستطيع أن نوافق على ما ورد في روايات أهل الأخبار من ذلك الوصف الذي ذكروه من احتفال الروم في القسطنطينية. ومن المعيشة التي كان يعيشها في عاصمتهم

стр. 1859

إلى حين وفاته١. بل لقد شك بعض المستشرقين مثل "نولدكه" حتى في موضوع تملكه وتولية الحكم له على عرب الشأم٢. ونجد في خبر فتح دومة الجندل، رجلًا من غسان كان قد تزعم قومه وجاء في "طواف من غسان وتنوخ" لنجده أهل "دومة الجندل". وقد دعاه "الطبري"، "ابن الأيهم" ولم يشر إلى اسمه٣. ونجد في "العقد الفريد" وصفًا لمجلس "جبلة" ولمسكنه في القسطنطينية لا يخلو من مبالغة، وقد نسب وصفه إلى رسول ذكر أن الخليفة عمر كان قد أرسله إلى "هرقل" ليدعوه إلى الإسلام. ويذكر الرسول الموفد أن "هرقلًا" هو الذي أشار عليه بزيارة قصر "جبلة" فلما ذهب إليه، وجد على بابه من القهارمة والحجاب وكثرة الجمع مثل الذي على باب "هرقل"، ثم وصف مجلسه وأرائكه المرصعة بالجواهر، وغناء الجواري في مجلسه بغناء حسان بن ثابت مما يجعله في ثراء الملوك الحاكمين لا الملوك الفارين٤. واسم الرسول المذكور هو "جثامة بن مساحق الكناني"٥. ويذكر بعض أهل الأخبار أن الخليفة معاوية أرسل "عبد الله بن مسعود الفزاري" إلى ملك الروم فوجد عنده "جبلة بن الأيهم"، فوصف مجلسه وما كان عليه من فاخر الملبس والمأكل والمسكن، وهو كلام فيه مبالغات وغلو في الكلام، على نمط ما رأيناه في وصف "جثامة"٦. وهو يتفق معه في الخبر. والظاهر أن الرواة قد أخطئوا في هذا الخبر. فنسبوه مرة إلى رسول عمر، ونسبوه مرة أخرى إلى رسول معاوية.

стр. 1860

ملوك الغساسنة وعدة ملوك الغساسنة على رواية حمزة اثنان وثلاثون ملكًا، ملكوا ستمائة وست عشرة سنة١. أما "المسعودي"، فجعل عددهم أحد عشر ملكًا٢.
следующие страницы →