وذُكر أن "جبلة بن الأيهم" لما سمع، وهو ببلاد الروم، أن حسانًا قد صار مضرور البصر كبير السن، أرسل إليه خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج، فلما سلمها الرسول الذي حمل الهدية إليه، نظم شعرًا في مدحه أوله:
إِنَّ اِبنَ جَفنَةَ مِن بَقِيَّةِ مَعشَرٍ ... لَم يَغذُهُم آباؤُهُم بِاللَؤمِ
لَم يَنسَني بِالشامِ إِذ هُوَ رَبُّها ... كَلّا وَلا مُتَنَصِّرًا بِالرومِ
وأخذ يراجع ذكريات تلك الأيام الخالية التي قضاها معه ومع بقية آل غسان١.
وقد اتفقت روايات أهل الأخبار في موضوع دخول جبلة في الإسلام، ثم في ارتداده، إلا رواية واحدة ذهبت إلى أنه لم يسلم. وقد ذهب أكثرهم في سبب ردته إلى أن أعرابيًّا من فزارة وطئ فضل إزار جبلة وهو يسحبه في الأرض بمكة، فلطمه جبلة، فنابذه الأعرابي إلى عمر، فحكم عمر له بالقصاص، فعد جبلة القصاص إهانة له وهو ملك، ففر إلى بلاد الروم وارتد بها، وبقي بها مرتدًا حتى وافته منيته٢. ولكن رواية "ابن قتيبة"، تختلف عن رواية أكثر أهل الأخبار في موضوع المكان الذي كان السبب في ارتداده عن الإسلام، إذ جعلته مدينة "دمشق"، قالت: "وكان سبب تنصره أنه مر في سوق دمشق، فأوطأ رجلًا فرسه، فوثب الرجل فلطمه، فأخذه الغسانيون فأدخلوه على أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم سيدنا. فقال أبو عبيدة بن الجراح: البينة أن هذا لطمك. قال: وما تصنع بالبينة؟ قال: إن كان لطمك لطمته بلطمتك. قال: ولا يقتل؟ قال: لا. قال: ولا تقطع يده. قال: لا. إنما أمر الله بالقصاص، فهي لطمة بلطمة. فخرج جبلة ولحق بأرض الروم وتنصر"٣.
ونجد خبر "ابن قتيبة" المذكور مدونًا في كتاب "الطبقات" لابن سعد، حيث جاء: "وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله، ﷺ ، وأهدى له هدية ولم يزل مسلمًا حتى كان في زمان عمر بن الخطاب،
стр. 1857
فبينما هو في سوق دمشق إذ وطئ رجلًا من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ وانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبيلة، قال: فليلطمه، قالوا: وما يقتل؟ قال: لا، قالوا: فما تقطع يده؟ قال: إنما أمر الله، ﵎ بالقود. قال جبلة: أو ترون أني جاعل وجهي ندًّا لوجه جدي جاء من عمق! بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانيًّا! وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، وقال لحسان بن ثابت: أبا الوليد، أما علمت أن صديقك جبلة بن الأيهم ارتد نصرانيًّا؟ قال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها"١.
وذكر بعض أهل السير والأخبار، أن الرسول كتب إلى جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان، كتابًا دعاه فيه إلى الإسلام. فلما وصل الكتاب أسلم، وكتب إلى الرسول يعلمه بإسلامه٢. وذُكر أن "شجاع بن وهب" إنما بعثه رسول الله إلى جبلة، فأسلم٣، وأرسل إلى رسول الله هدية. وكان ينزل بالجولان٤.
وتزعم بعض الروايات أنه زار المدينة في خلافة "عمر". وقد عد يوم مجيئها إليه من الأيام المشهورة؛ إذ جاء إليها في موكب حافل كبير فيه خيول كثيرة لم تر المدينة مثلها من قبل، وخرج الناس إلى الطرق لرؤية موكبه، وفرح عمر بمجيئه. وعد ذلك توفيقًا من الله للإسلام. وأكرمه غاية الإكرام. وبعد أن قابل الخليفة، استأذن منه بالذهاب إلى الحج، فوقع له عندئذ حادث الإزار مع الأعرابي، ففر إلى بلاد الروم، ويقال: إنه توفي بالقسطنطينية سنة عشرين من الهجرة٥. وذكر أنه لما قدم المدينة كان في خمسمائة فارس من عك وجفنة.
فلما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوخ بالذهب والفضة، وليس تاجه وفيه قرط مارية وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه٦.
وقد ذكر "البلاذري" أن "جبلة بن الأيهم" حكم بعد "الحارث بن أبي شمر". وروي أنه لما قدم "عمر" الشأم سنة "١٧" للهجرة، حدث أن لطم
стр. 1858
"جلبة" رجلًا من مزينة على عينه، فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال: أو عينه مثل عيني! والله لا أقيم ببلد عليَّ به سلطان. فدخل بلاد الروم مرتدًا. وروى رواية أخرى خلاصتها أن جبلة أتى عمر على نصرانية، فعرض عمر عليه الإسلام، ولكنه لم يتفق مع عمر. فلما قال له عمر: ما عندي لك إلا واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما أداء الجزية، وإما الذهاب إلى حيث شئت.
فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفًا فلما بلغ ذلك عمر ندم١.
وتذكر رواية أن "جبلة بن الأيهم" عاش في القسطنطينية حتى مات سنة عشرين من الهجرة٢.
فنحن أمام روايتين بشأن مكان ردة جبلة، وتجاه رواية عن إسلامه. رواية تجعل ارتداده في مكة، ورواية تجعل ارتداده بدمشق، ورواية تذكر أنه لم يدخل مطلقًا في الإسلام. ويظهر أن رواية دمشق هي أقرب إلى المنطق؛ إذ لا يعقل فرار جبلة من مكة إلى بلاد الروم بمثل هذه السهولة التي تخيلها أهل الأخبار، وبينه وبين بلاد الروم مسافات شاسعة ما كان في إمكانه قطعها قط والنجاة من تعقب المسلمين له، لو كان موضع هربه هو مكة. أما دمشق، فإنها قريبة من حدود الروم، ولدى جبلة فيها وسائل كبيرة تساعده على الهرب.
والرأي عندي أن جبلة، لم يدخل أبدًا في الإسلام، وإنما بقي مع الروم.
وغادر بلاد الشأم معهم، وكان يحارب المسلمين إلى جانبهم، وانتقل بأتباعه ممن بقوا على دينهم إلى بلاد الروم فأقاموا بها، وقد مات هناك ودفن في تلك البلاد، وما هذا الذي روي عن إسلامه وعن زيارته ليثرب ولمكة إلا من قصص القصاص وضعوه فيما بعد.
إن ما يذكره أهل الأخبار من ملك "جبلة"، لا يخلو من مبالغة، وما يقال عن ملكه وعن استقبال "هرقل" له، ذلك الاستقبال العظيم، لا يخلو من مبالغة أيضًا. نعم من الجائز أن الروم قبلوه لاجئًا، ورحبوا به وساعدوه على أمل استخدامه لمهاجمة المسلمين، واسترداد بلاد الشأم منهم، غير أننا لا نستطيع أن نوافق على ما ورد في روايات أهل الأخبار من ذلك الوصف الذي ذكروه من احتفال الروم في القسطنطينية. ومن المعيشة التي كان يعيشها في عاصمتهم
стр. 1859
إلى حين وفاته١. بل لقد شك بعض المستشرقين مثل "نولدكه" حتى في موضوع تملكه وتولية الحكم له على عرب الشأم٢.
ونجد في خبر فتح دومة الجندل، رجلًا من غسان كان قد تزعم قومه وجاء في "طواف من غسان وتنوخ" لنجده أهل "دومة الجندل". وقد دعاه "الطبري"، "ابن الأيهم" ولم يشر إلى اسمه٣.
ونجد في "العقد الفريد" وصفًا لمجلس "جبلة" ولمسكنه في القسطنطينية لا يخلو من مبالغة، وقد نسب وصفه إلى رسول ذكر أن الخليفة عمر كان قد أرسله إلى "هرقل" ليدعوه إلى الإسلام. ويذكر الرسول الموفد أن "هرقلًا" هو الذي أشار عليه بزيارة قصر "جبلة" فلما ذهب إليه، وجد على بابه من القهارمة والحجاب وكثرة الجمع مثل الذي على باب "هرقل"، ثم وصف مجلسه وأرائكه المرصعة بالجواهر، وغناء الجواري في مجلسه بغناء حسان بن ثابت مما يجعله في ثراء الملوك الحاكمين لا الملوك الفارين٤.
واسم الرسول المذكور هو "جثامة بن مساحق الكناني"٥. ويذكر بعض أهل الأخبار أن الخليفة معاوية أرسل "عبد الله بن مسعود الفزاري" إلى ملك الروم فوجد عنده "جبلة بن الأيهم"، فوصف مجلسه وما كان عليه من فاخر الملبس والمأكل والمسكن، وهو كلام فيه مبالغات وغلو في الكلام، على نمط ما رأيناه في وصف "جثامة"٦. وهو يتفق معه في الخبر. والظاهر أن الرواة قد أخطئوا في هذا الخبر. فنسبوه مرة إلى رسول عمر، ونسبوه مرة أخرى إلى رسول معاوية.
стр. 1860
ملوك الغساسنة
وعدة ملوك الغساسنة على رواية حمزة اثنان وثلاثون ملكًا، ملكوا ستمائة وست عشرة سنة١. أما "المسعودي"، فجعل عددهم أحد عشر ملكًا٢.
стр. 1861
وقد رتب المسعودي أسماء الملوك على هذا النحو: "الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس"، ثم "الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو" ثم "النعمان بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة"، ثم "المنذر أبو شمر بن جبلة بن ثعلبة"، ثم "عوف بن أبي شمر"، ثم "الحارث بن أبي شمر" وكان ملكه حين بعث رسول الله، ثم جبلة بن الأيهم١.
والأسماء المذكورة هي أقل من الرقم المذكور كما نرى بكثير؛ إذ هي سبعة فقط، على حين يجب أن تكون بحسب روايته أحد عشر اسمًا.
وفي الذي ذكره حمزة عن مدة حكم الغساسنة مبالغة. فلو أخذنا بالعدد الذي ذكره لمجموع حكم ملوكهم، وهو ست عشرة وستمائة سنة، لوجب علينا القول بأن ابتداء حكمهم كان حوالي الميلاد. وهو قول لم يقله أحد، ولا يؤيده أي سند أو دليل. والذي نعرفه أن مدة حكمهم هي دون المدة المذكورة بكثير، كما أن في الترتيب الذي ذكره حمزة لملوكهم تكرارًا وزيادات. وهو يخالف ما نراه عند المؤرخين الآخرين الذي تعرضوا لآل غسان.
وتختلف قائمة "ابن قتيبة الدينوري" بأسماء ملوك غسان اختلافًا كبيرًا عن قائمة "حمزة" ومن قائمة "المسعودي". وقد ذكرت فيما مضى أنه جعل "الحارث بن عمرو" المعروف بمحرق أول ملك من ملوك غسان، ثم جعل من بعده الحارث الأعرج، ثم الحارث الأصغر، ثم النعمان، وهو شقيق الحارث الأصغر.
وقد ذكر أنه كان للنعمان بن الحارث ثلاثة بنين هم: حجر بن النعمان وبه كان يكنى، النعمان بن النعمان، وعمرو بن النعمان. وقال إن فيهم يقول حسان بن ثابت:
مَن يَغُرُّ الدَهرُ أَو يَأمَنُهُ ... مِن قَبيلٍ بَعدَ عَمرٍو وَحُجُر
مَلَكا مِن جَبَلِ الثَلجِ إِلى ... جانِبَي أَيلَةَ مِن عَبدٍ وَحُرّ٢
وقال "ابن قتيبة الدينوري": ومن ولد الحارث الأعرج أيضًا عمرو بن الحارث، الذي كان النابغة صار إليه حين فارق النعمان بن المنذر، وفيه يقول النابغة:
стр. 1862
عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ ... لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ
قال: وكان يقال لعمرو أبو شمر الأصغر، ومن ولده المنذر بن الحارث، والأيهم بن الحارث، وهو والد جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان١.
وقد ذكر في كتب السير والتواريخ اسم أمير غساني، هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الذي أرسل الرسول إليه شجاع بن وهب ليطلب إليه الدخول في الإسلام، وكان ملكه على ما يذكره الأخباريون في الشأم، وكان له قصر منيف وحجاب٢. وذكر الطبري أنه كان "صاحب دمشق"٣. وقد أدخله "محمد بن حبيب" في جملة "العرجان الأشراف"٤. وقد عرف بـ"الحارث الأصغر" في شعر لحسان بن ثابت٥.
وأرى أن الحارث بن أبي شمر هذا هو "الحارث" معاصر "جبلة بن الأيهم" الذي أشار حسان إليه.
وقد كان "حسان بن ثابت" زار الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان النعمان بن المنذر اللخمي يساميه، فقال له وهو عنده: يابن الفريعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان عليَّ فقال: وكيف أفضله عليك ثم أخذ يشرح تفضيله له على النعمان حتى سر الحارث، ثم عاد حسان فنظم ما قاله نثرًا فيه في أبيات زادت من سروره، وحصل على جوائزه وعطاياه٦.
وذكر أن حسان بن ثابت كان يفد على جبلة بن الأيهم سنة، ويقيم سنة في أهله. فقال: "لو وفدت على الحارث أبي شمر الغساني فإن له قرابة ورحمًا بصاحبي، وهو أبذل الناس للمعروف، وقد يئس مني أن أفد عليه لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة". فخرج في السنة التي كان يقيم فيها بالمدينة، حتى قدم على الحارث، وقد هيأ له مديحًا. فقال له حاجبه وكان له ناصحًا: "إن الملك قد سر بقدومك عليه، وهو لا يدعك حتى تذكر جبلة. فإياك أن تقع فيه،
стр. 1863
فإنما يريد أن يختبرك، وإن رآك قد وقعت فيه زهد فيك، وإن رآك تذكر محاسنه ثقل عليه، فلا تبتدئ بذكره، وإن سألك عنه، فلا تطنب في الثناء عليه ولا تعيبه، امسح ذكره مسحًا وجاوزه إلى غيره" ثم نصحه بنصائح أخرى تنم عن سلوك الحارث، وقد أفادته كثيرًا. فلما دخل عليه، حسنت منزلته عنده وصار يدعوه، ثم جباه وأعطاه خمسمائة دينار وكسيّ وألطافًا وعاد إلى أهله١.
ولو صح هذا الخبر، فإنه يدل على أن أمر الغساسنة في هذا الوقت لم يكن واحدًا، وأن حكمهم كان قد تبدد وتشتت. وأن جبلة بن جبلة كان يحكم على جماعة من غسان، والحارث بن أبي شمر كان يحكم في الوقت نفسه على جماعة أخرى، وكل منهما كان يحلي نفسه بحلية الملك، ومن يدري فلعل أشخاصًا آخرين كانوا ينازعونهما الحكم أيضًا، ويحلون أنفسهم بلقب "ملك"، اللقب الحبيب الذي لم يكن يرتفع في الواقع عن درجة سيد قبيلة أو "شيخ" عشيرة في اصطلاحنا في الوقت الحاضر.
وقد ذكر أهل الأخبار اسم رجل قالوا إنه كان قائدًا من قواد "الحارث بن أبي شمر"، ودعوه بـ"النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي"، وذكروا أنه أغار على بني فزارة وبني ذبيان، فاستباحهم، وسبى سبيًا من غطفان. وأخذ "عقرب" بنت النابغة الذبياني. فلما سألها. فانتسبت إلى أبيها، منَّ عليها ثم أطلق له سبي غطفان. فلما سمع بذلك النابغة، مدحه بقصيدة٢. وسبق أن تحدثت عن "النعمان بن الجلاح الكلبي" في أثناء كلامي على الملك "النعمان بن الحارث" حين أغار قوم النابغة على أعراب "النعمان بن الحارث" بوادي أقر، وكان النابغة قد نهى قومه وحذرهم من التحرش بهم، فخالفوا رأيه، فأوقع بهم "ابن الجلاح" خسائر فادحة.
وفي ديوان حسان قصيدة، مطلعها:
إِنّي حَلَفتُ يَمينًا غَيرَ كاذِبَةٍ ... لَو كانَ لِلحارِثِ الجَفنِيِّ أَصحابُ
يذكر شراحها أن نظمها في رثاء "الحارث الجفني"، وقالوا: إن الحارث
стр. 1864
الجفني المذكور هو الحارث بن أبي شمر الغساني. وقد ذكروا أن دافع فيها عن هزيمة أدركت الحارث في إحدى حروبه، فعاد ومن معه بغير أسلاب ولا أسرى بل يظهر من أبياتها أن العدو أوقع به فقتل من جمعه، وقد اعتذر الحارث بأن من معه لم يكونوا من "جذم غسان" وإنما كانوا من "مأشبة الناس" أي جماعة أوشاب الناس وأوباشهم أي الأخلاط التي تجتمع من كل أوب. ومثل هؤلاء لا تكرثهم الهزيمة، ولا يسألون بذلك؛ إذ لا أحساب لهم ولا شرف، فلا عجب أن أصيب بخيبة في هذه المعركة ومعه مثل هؤلاء الناس١.
ويظهر من القصيدة المذكورة، أن الحارث بن أبي شمر، كان قد توفي قبل "جبلة بن الأيهم". وذلك لرثاء حسان له ولإجماع أهل الأخبار على أن جبلة عاش أمدًا بعد ظهور الإسلام. وأنه مات في بلاد الروم بعيدًا عن بلاد الشأم وعن أرض آبائه وأجداده. وبدليل ما ورد في تأريخ الطبري من أن الرسول أرسل شجاعًا بن وهب إلى رجل من غسان اسمه "المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني". يدعوه إلى الإسلام٢. وهذا الرجل هو أحد أبناء الحارث المذكور.
وذكر الأخباريون رجلًا آخر من غسان، دعوه "عديًا"، وقالوا: إنه ابن أخت الحارث بن أبي شمر الغساني، وإنه أغار على بني أسد، فلقيته "بنو سعد بن ثعلبة بن دودان" بالفرات، ورئيسهم "ربيعة بن حذار الأسدي"، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. فقتلت بنو سعد عديًا٣. وقد سمي "محمد بن حبيب" هذا اليوم الذي وقع فيه القتال "يوم الفرات"٤.
وأشار الواقدي إلى ملك غساني اسمه "شرحبيل بن عمرو الغساني"، وذكر أنه قتل رسولَ رسولِ الله إلى ملك بصرى في مؤتة٥. ويشك "نولدكه" في نسبة هذا الأمير إلى الغسانيين، وحجته في ذلك أن الواقدي ذكره في موضع آخر مع أخويه "سدوس" و"بر"، ونسبه في هذا الموضع إلى الأزد. ثم إنه لم يكن من عادة الغساسنة على رأيه ذكر لقب الغساني بعد الاسم٦.
стр. 1865
وأشير في كتب الأدب إلى اسم ملك من ملوك "غسان" قالوا له "قرص"، لم يذكروا عنه شيئًا ذكروه في حديثهم عن "عدي" قالوا: إنه ابن "أخي قرص الغساني"، وكان "عدي" هذا قد غزا "بني أسد" فقتلوه، وأرادوا في ذلك شعرًا نسبوه إلى الغساني:
لعمرك ما خشيت على عدي ... رماح بني مقيدة الحمار
ولكني خشيت على عدي ... رماح الجن أواياك حار١
ولم يرد اسم هذا الملك في القوائم التي وضعها المؤرخون أمثال اليعقوبي والطبري والمسعودي وابن خلدون وأمثالهم لملوك غسان، وعدي المذكور في خبر "قرص" هو "عدي" المتقدم ولا شك.
وقد وفد "حسان بن ثابت" على "عمرو بن الحارث"، فاعتاص الوصول إليه، فلما طال انتظاره، قال للحاجب: "إن أذنت لي عليه، وإلا هجوت اليمن كلها، ثم انقلبت عنكم" فأذن له ودخل عليه، فوجد عنده "النابغة" وهو جالس عن يمينه، و"علقمه بن عبدة" وهو جالس عن يساره، فقال له "عمرو": "يابن الفريعة قد عرفت عيصك ونسبك في غسان فارجع، فإني باعث إليك بصلة سنية، ولا احتاج إلى الشعر، فإني أخاف عليك هذين السَّبُعين: النابغة وعلقمة، أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي" ثم تلا عليه شعرًا مما قاله الشاعران في مدحه. فأبى إلا أن يقول شعرًا فيه، وطلب من الشاعرين أن يسمحا له بالقول، فقال فيه قصيدته التي تبدأ بقوله:
أَسَأَلتَ رَسمَ الدارِ أَم لَم تَسأَل ... بَينَ الجَوابي فَالبُضَيعِ فَحَومَلِ٢
وقد أورد في هذه القصيدة أسماء مواضع، منها: "الجوابي"، أي "جابية الجولان"، و"البضيع" أو "البصيع"، وهو جبل قصير أسود على تل بأرض البلسة فيما بين "سيل" و"ذات الصنمين" و"حومل" و"مرج الصفرين"، وهو موضع بغوطة دمشق، و"جاسم"، وهي قرية بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ على يمين الطريق إلى طبرية، وكل هذه الأماكن التي ذكرها
стр. 1866
هي منازل كانت لآل جفنة، إلا أنها خربت، وتركها أهلها حتى صارت دوارس تعاقبها الرياح١.
ثم تطرق إلى ذكر من كان يناديهم بـ"جلق"، وهو موضع قيل إنه يقرب دمشق، وقيل إنه "دمشق": كيف كانوا كرماء أجوادًا يجودون على من يفد عليهم، لا فرق عندهم بين غني وفقير، يمشون في الحلل القشيبة المضاعف نسجها، ويجيرون من يستجير بقبر أبيهم "ابن مارية الكريم المفضل"، فلا يخاف من عدو ولا يخشى من اعتداء يقع عليه. كلابهم لا تهر؛ لأنها ألفت الضيوف وأنست بهم من كثرة تدفقهم عليهم. يسقون ماءً باردًا من "البريص"، ومن "بردا"، وهما نهران بدمشق، ممزوجًا بالرحيق، ثم تذكر "قصر دومة" أي دومة الجندل، وكيف شرب الخمر في حانوتها من ساق منتطف، أي مقرط وضع القرط في أذنه، والمنطقة في وسطه٢.
وجلق كما ذكرت موضع من مواضع الغساسنة، ويظهر أن سلطان البيزنطيين لم يكن كبيرًا عليه. وقد اشتهر ببساتينه وبكثرة أشجار الزيتون به، وبوفرة مياهه وقد تغنى به الشعراء في الإسلام، فورد ذكره في شعر أبي نواس٣. وكان الغساسنة يدفنون فيه موتاهم. ولهم ضريح ضم رفات ملوكهم. ومع شهرة المكان فقد اختلف الناس في تثبيت موضعه وتعيينه. والرأي الغالب أنه ليس من أطراف دمشق كما ذهب إلى ذلك بعض أهل الأخبار٤.
وقد ترك الروم ساقتهم بـ"ثنية جلق" وعليها صاحب الساقة، وذلك ليراقب المسلمين حينما تقدموا لطردهم من بلاد الشام. ولم يرد للغساسنة أي ذكر في الدفاع عن هذا المكان٥.
ويظهر من نظم هذه القصيدة، ومن أسلوبها ونفسها، ومن تذكر "حسان" لآل جفنة بعد أن كبر وتقدمت بن السن، أن هذا الشعر هو من الشعر المتأخر،
стр. 1867
ولا أستبعد أن يكون قد نظمه بعد زوال ملك "الغساسنة"، وقد أنشده أمام أحد الغساسنة المتأخرين، ولم يكن ملكًا بالمعنى المفهوم من الملك.
وقد رثى حسان بن ثابت رجلًا من غسان قتله كسرى، ولم يذكر اسمه، ولا الأسباب التي حملت كسرى على قتله، ولا الأحوال التي قتل فيها١. ويظهر من سياق الشعر الذي رُثي به ذلك القتيل أن هذا القتيل قد وقع بعد أفول نجم آل غسان وإدبار الدنيا عنهم، ولعله كان قد قتله بعد احتلال الفرس لبلاد الشأم. فكان هذا الغساني من المعارضين للفرس المناوئين لهم، ولذلك قتلوه في فترة احتلالهم لها.
وقد أشار "أبو الفرج الأصبهاني" إلى أمير غساني سماه: "يزيد بن عمرو الغساني"، ذكر أنه قتل الحارث بن ظالم٢. ولا نعرف من أمر هذا الأمير شيئًا يذكر. وهناك روايات أخرى تنسب قتل الحارث إلى "النعمان الغساني"، على حين تنسبه روايات ثالثة إلى آل لخم ويرجع نولدكه الرأي الأخير٣.
وقد ورد في شعر لحسان بن ثابت هجاه لـ"سلامة بن روح بن زنباع الجذامي"، وكان يلي العشور للروم. ولا بد أن يكون ذلك في أيام الغساسنة المتأخرين. وقد شبهه بـ"دمية في لوح باب"، أي كأنه صورة مصورة، أو صنمًا معلقًا على لوح باب٤.
ومن الأماكن التي وردت في شعر "حسان بن ثابت" على أنها من مواضع الغساسنة "الجواء" و"عذراء"، وهما موضوعان بالشأم بأكتاف دمشق. وإلى "عذراء" هذه يضاف "مرج عذراء"، وكانت في هذه المواضع منازل بني جفنة، لذلك ذكرها "حصان" في شعره٥. وذكر كذلك "بطن جلق" و"البلقاء"، و"المحبس" , و"السند" و"بُصرى" و"جبل الثلج"٦.
أما ما يفهم من شعر "حسان" وغير حسان من شمول ملك الغساسنة مدينة
стр. 1868
"دمشق" أو تجاوزها ومن وصوله مواضع قريبة منها أو ملتصقة بها، فيجب أن تحمله محمل المجاز أو محمل مبالغات الشعراء في التفاخر والتباهي والمدح. فإذا استثنينا هذا الشعر لا نجد أي مورد تأريخي يقول باستيلاء الغساسنة على "دمشق" أو على مواضع متصلة بها. وكل ما نعرفه من الموارد التأريخية أن سلطانهم كان على أطراف بلاد الشأم، أي على المواضع التي رأى الروم أن من الأصلح لهم تركها إلى أمراء غسان، لصعوبة ضبطها من الوجهة العسكرية بالنسبة إليهم، ولعل ما يذكره أولئك الشعراء هو تعبير عن قصور وأملاك اشتراها ملوك الغساسنة وأمراؤهم في "دمشق" وفي مواضع حضرية أخرى لقضاء بعض الوقت فيها كما يفعل الأمراء في الزمن الحاضر من شراء بيوت وقصور في لبنان وفي أوروبة يقيمون فيها بعض الوقت للتسلية والراحة. فزارهم فيها أولئك الشعراء، ووصفوها وصفًا شاعريًّا، صور الشأم وما حولها كأنها ملك من أملاك الغساسنة.
لقد كان "آل جفنة" كلهم على النصرانية عند ظهور الإسلام، وكانوا أصحاب دين وعقيدة، يدافعون عن مذهبهم كما رأينا. وكانت لهم بيع وكنائس بنوها لهم ولرعيتهم. وقد أشير إلى رجل عرف بـ"أرطبان المرني"، قيل إنه كان "شماسًا" في "بيعة غسان"١، مما يدل على أنها كانت بيعة خاصة بآل غسان.
وقد نسب بعض أهل الأخبار أماكن أخرى إلى الغساسنة، وذلك بالإضافة إلى الأماكن التي سبق أن تحدثت عنها. ومن هذه الأماكن: صفين. وقد زعموا أن منزل "جبلة بن النعمان" كان به. وقد كان في الوقت نفسه صاحب عين أباغ٢.
ومن الأماكن المنسوبة إلى الغساسنة موضع "حارب" وقد ورد اسمه في شعر ينسب إلى النابغة حيث يقول:
لئن كان للقرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء التي عند حارب٣
وورد "قصر حارب". وقد نسبه "حمزة" إلى النعمان بن عمرو بن المنذر٤.
стр. 1869
ويذكر أهل الأخبار "السويداء" في جملة الأماكن التابعة للغساسنة. وقد رجع "حمزة" بناءها إلى "النعمان بن عمرو بن المنذر"١. وتقع في "حوران"٢.
والرصافة من المواضع المهمة عند الغساسنة، ففيها مشهد القديس "سرجيوس" وهو من القديسين الجليلين عند الغساسنة، وكانوا يتبركون بزيارة قبره، ويتقربون إليه بالهدايا والنذور. وكان لآل جفنة مساكن فيها، وقد قاموا بإصلاح ما كان يتهدم منها. فقام "النعمان بن الحارث بن الأيهم" بإصلاح وترميم صهاريج المدينة. وكان "النعمان بن جبلة" فيمن أقام بها٣.
أما حدود مملكة الغساسنة، فلم تكن على وجه العموم ثابتة، بل كانت تتبدل وتتغير بحسب تبدل سلطة الملوك، وتغيرها. وهي عادة نجدها لدى جميع الممالك والإمارات التي تكونت في البداية أو على أطراف البوادي. حيث تكون معرضة لغزو القبائل، ولنفوذ القبائل الفتية القوية التي تطمع في ملك الإمارات التي تجد فيها شيئًا من الوهن والضعف، وفي رؤسائها دعة أو حزمًا. ولهذا نجد ملك الغساسنة يتوسع ويتقلص بحسب الظروف فيصل إلى مقربة من دمشق، وإلى فلسطين الثانية و"الكورة العربية" و"فلسطين الثالثة" و"فينيقية لبنان". وإلى ولايات سوريا الشمالية في بعض الأحيان٤. وفي مساحات شاسعة من البادية إلى المدى الذي يصل إليه سلاحهم. ثم نجده تارة أخرى أقل من ذلك بكثير؛ لضعف الأمير المالك ولطمع القبائل فيه ولاختلافه مع السلطات. ويظهر من شعر حسان بن ثابت أن ملك الغساسنة كان يمتد من حوران إلى "خليج العقبة"٥.
وتعد منطقة الجولان من أشهر مناطق الغساسنة. وقد ورد ذكرها في الشعر العربي، وفيها قُبر بعض الأمراء الغسانيين. وهي من الأرضين التابعة لولاية فلسطين الثانية في التقسيم الإداري عند الروم. وبها كان في الغالب مقر آل غسان٦.
وقد اشتهرت "الجابية" بأنها كانت مقر الملوك. ولذلك عرفت بجابية الملوك،
стр. 1870
كما عرفت أيضًا بجابية الجولان١.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن قصر المشتى الذي نقلت بعض أحجار جدرانه المحفورة بالصور الجميلة إلى متحف برلين، هو من القصور التي أنشأها الغساسنة، وكذلك بعض الآثار الأخرى الواقعة في البادية.
وفي "البرج" عثر على كتابة يونانية جاء فيها: "البطريق الشريف والأمير المنذر" ويدل ذلك على أنه من آثار "المنذر". أما بقية المواضع، وهي عديدة منتشرة في أماكن واسعة، فللعلماء في أصلها نظريات وآراء.
стр. 1871
أمراء غساسنة:
وذكر الأخباريون أميرًا جفنيًّا دعوه "جفنة من النعمان الجفني"، قالوا إنه غزا الحيرة في أثناء ذهاب النعمان بن المنذر الذي قتله كسرى إلى البحرين، فأصاب في الحيرة ما أحب. وذكروا أنه هو الذي عناه عدي بن زيد العبادي في قصيدة مطلعها:
سَما صَقرٌ فأشعل جانِبَيها ... وَألهاكَ المُرَوَّحُ وَالغَريبُ١
وذكر "أبو حنيفة الدينوري" اسم رجل من غسان، دعاه "خالد بن جبلة الغساني"، قال عنه: "قالوا: وإن خالد بن جبلة الغساني غزا النعمان بن المنذر، وهو المنذر الأخير، وكانا منذرين. ونُعمانين، فالمنذر الأول هو الذي قام بأمر بهرام جور، والمنذر الثاني الذي كان في زمان كسرى أنو شروان، وكان عمال كسرى على تخوم أرض العرب، فقتل من أصحاب المنذر مقتلة عظيمة، واستاق إبل المنذر وخيله، فكتب المنذر إلى كسرى أنو شروان يخبره بما ارتكبه منه خالد بن جبلة"٢. وقد ذكره في موضع آخر، في أثناء كلامه على ذهاب "كسرى" إلى قيصر، إذ قال: "وسار كسرى حتى. انتهى إلى اليرموك، فخرج إليه خالد بن جبلة الغساني فقراه، ووجه معه خيلًا حتى بلغ قيصر"٣.
стр. 1872
وقد مدح حسان بن ثابت الأنصاري أميرين من أمراء غسان، هما: عمرو وحجر. وقد ذكر أنهما ملكا من "جبل الثلج" حتى جانبي "أيلة"، وأنهما غزوا أرض فارس١. ويرى "نولدكه" احتمال كون حجر هذا هو أحد أبناء النعمان الذي كُنِّي بأبي حجر٢.
وقد ذهب بعض الأخباريين إلى أن عمرًا المذكور في هذه الأبيات هو عمرو بن عدي بن حجر بن الحارث. وأما حجر، فهو حجر بن النعمان بن الحارث بن أبي شمر٣. والذي يتبين من هذه القصيدة أن الملكين المذكورين حكما في زمن واحد، وغزوا مشتركين أرض فارس، ويقتضي ذلك أن يكونا قريبين، كأن يكونا أبًا أو ابنًا. أو أخوين، أو أن كل واحد منهما كان يحكم فرعًا من فروع غسان، وذلك بعد تصدع أمر غسان وانقسامهم إلى جملة "مشيخات".
ويرى "ابن الأثير" أن: أبا جبيلة عبيد بن مالك بن سالم، وهو ملك من ملوك غسان على رواية بعض الأخباريين، لم يكن من آل غسان، وإنما كان من "بني غضب بن جشم بن الخزرج"، ذهب إلى غسان فصار عظيمًا عند ملكهم، مطاعًا بينهم، وإليه ذهب "مالك بن العجلان الخزرجي" مستجيرًا به من يهود يثرب، فأنجده وسار معه حتى أوقع في اليهود، ثم رجع عائدًا إلى غسان٤.
ولعل "أبا جبيلة الغساني" الذي ذهب إليه الشاعر الجاهلي "الرمق بن زيد بن غنم"٥، هو هذا الملك الذي نتحدث عنه.
ويتبين من شعر للأعشى ميمون بن قيس أنه زار الغساسنة، وصحب ملوكهم في ديار الشأم٦، واتصل بهم، وقد خاطب أحدهم بقوله: "إليك ابن جفنة"٧، غير أنه لم يذكر اسمه.
стр. 1873
ووصل إلينا اسم أمير من غسان، هو "الشيظم بن الحارث الغساني"، قتل رجلًا من قومه، وكان المقتول ذا أسرة، فخافهم فلحق بالعراق أو بالحيرة متنكرًا. وكان من أهل بيت الملك، ومكث أمدًا متنكرًا، حتى وافق غرة من القوم، فركب فرسًا جوادًا من خيل المنذر وخرج من الحيرة يتعسف الأرض، حتى نزل بحي من "بهراء" فأخبرهم بشأنه، فأعطوه زادًا ورمحًا وسيفًا وخرج حتى أتى الشام فصادف الملك متبديًا، فأتى قبته، وقص قصته، فبعث إلى أولياء المقتول فأرضاهم عن صاحبهم١.
стр. 1874
قوائم ملوك الغساسنة:
ولا بد لي، وقد انتهيت من الكلام على الغساسنة، من الإشارة إلى ضعف مادة الأخباريين عنهم، وقلة معرفتهم بهم، فأنت إذا درست هذا الذي رووه عنهم، وحللته تحليلًا علميًّا لا تخرج منه إلا بنتائج تأريخية محدودة ضيقة تريك أنهم لم يكونوا يعرفون من أمرهم إلا القليل، وأنهم لم يحفظوا من أسماء أفراد الأسرة الحاكمة غير أسماء قليلة، وما عداها فتكرر وإعادة لهذه الأسماء القليلة، أو أوهام. وأنت إذا راجعت التواريخ مثل تأريخ الطبري لا تكاد تجد فيها شيئًا يذكر عن هذه الأسرة. وقد تفوق كتب الأدب كتب التأريخ في هذا الباب.
ويعود الفضل في ذلك إلى الشعر، فلعدد من شعراء الجاهلية أشعار في مدح آل جفنة أو ذمهم، ولهم معهم ذكريات حفظت بفضل هذا الشعر الذي يرويه الرواة ويروون المناسبات التي قيل فيها. فلولاه ضاع أيضًا هذا القليل الذي عرفناه من أخبار الغساسنة.
وحتى القوائم، وهي جافة في الغالب، لا تستند أيضًا إلى علم بالرغم من هذا الترتيب الذي يحاول أصحابه إظهاره لنا بمظهر الواقع والحق. ولن تكسب سنوات الحكم المذكورة مع كل ملك ثقتنا بها. ولا اعتمدنا عليها. وقد اعتمد
стр. 1875
أكثر من رتب أسماء أمراء الغساسنة على رواية "ابن الكلبي"، غير أنهم كما يظهر من مدوناتهم لم يرووها عنه رواية تامة، بل تصرفوا فيها، فزادوا عليها أو نقصوا منها وحرفوا فيها بعض التحريف. وأخذ آخرون من موارد أخرى، واستعان بعض آخر بما رواه "ابن الكلبي" ومما رواه غيره وأضافوا إليه ما عرفوا من أسماء المذكورين في الشعر، وهم من سادات قبيلة "غسان"، ولم يكونوا كلهم ملوكًا، فجاءت النتيجة قوائم متعددة بتعدد مشارب أصحابها، وهي على العموم شاهد عدل على ضعف الأخباريين في المحاكمات وفي منطق التأريخ.
وقد درس "نولدكه" معظم القوائم التي رواها الأخباريون لأمراء الغساسنة، ونقدها وغربلها، وقارن الحاصل بما وجده في الموارد السريانية والبيزنطية، واستخلص من تلك الدراسة هذه القائمة:
أبو شمر جبلة. حكم حوالي سنة ٥٠٠م تقريبًا.
الحارث بن جنبلة. استمر حكمه من حوالي سنة ٥٢٩ حتى سنة ٥٦٩م.
أبو كرب المنذر بن الحارث. حكم من سنة ٥٦٩ حتى سنة ٥٨٢م.
النعمان بن المنذر. وكان حكمه من سنة ٥٨٢ حتى سنة ٥٨٣م.
الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر.
الحارث الأعرج بن الحارث الأصغر.
أبو حجر النعمان. بن سنة ٥٨٣ وسنة ٦١٤م.
عمرو.
حجر بن النعمان.
؟ ؟ ؟ ؟
جبلة بن الأيهم. حوالي سنة ٦٣٥م.
ورتب "ابن قتيبة الدينوري"، أسماء ملوك الغساسنة على هذا النحو:
الحارث بن عمرو بن محرق، وهو "الحارث الأكبر" ويكنى "أبا شمر". الحارث بن أبي شمر، وهو "الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر". وأمه "مارية ذات القرطين".
الحارث بن الحارث بن الحارث. وهو الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر.
стр. 1876
وكان له أخوة، منهم: النعمان بن الحارث. وهو والد ثلاثة بنين: حجر بن النعمان، وبه كان يُكنى، والنعمان بن النعمان، وعمرو بن النعمان.
ومن ولد الحارث الأعرج أيضًا عمرو بن الحارث، وكان يقال له: أبو شمر الأصغر. ومن ولده: المنذر بن المنذر والأيهم بن الحارث. وهو أبو "جبلة بن الأيهم"، وجبلة آخر ملوك غسان١.
وأما المسعودي، فيرى أن عدة من ملكوا من آل غسان أحد عشر ملكًا، ذكر منهم:
١- الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن ماس "مازن"، وهو غسان بن الأزد بن الغوث.
٢- الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة. وأمه مارية ذات القرطين بنت أرقم بن ثعلبة بن جفنة بن عمر.
٣- النعمان بن الحارث بن ثعلبة بن جبلة بن جفنة بن عمرو.
٤- المنذر أبو شمر بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو.
٥- عوف بن أبي شمر.
٦- الحارث بن أبي شمر. وكان ملكه حين بعث رسول الله.
٧- جبلة بن الأيهم٢.
وذكر المسعودي، أن جميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملكًا، ولم يذكرهم في قائمته كلهم٣.
أما ملوك "الغساسنة"، على ما جاء في "كتاب المحبر"، فإنهم على هذا النحو: "ثعلبة"، فابنه "الحارث"، فابنه "جبلة"، فابنه "الحارث" وهو المعروف بـ"ابن مارية ذات القرطين"، و"النعمان بن الحارث"، و"المنذر" ابنه، و"المنيذر بن الحارث"، و"جبلة بن الحارث"، و"أبو شمر بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن عمرو بن جفنة"، و"الحارث الأعراج بن أبي شمر بن عمرو بن الحارث بن عوف بن
стр. 1877
عمرو بن عدي بن عمرو بن الحسحاس" وهو "حارثة بن بكر بن عوف بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد" وليس بحفني، ولكن أمه جفنية، فلم يزل الملك فيهم حتى كان آخرهم "جبلة بن الأيهم بن جبلة"، وهو الذي اتصل ملكه بخلافة عمر بن الخطاب١.
وجاء ترتيب ملوك الغساسنة في التعليقات التي طبعها "هرشفلد" مع ديوان "حسان" على هذا النحو: "كان أول من ملك من غسان: الحارث بن عمرو بن عدي بن حجر بن الحارث، ثم عمرو بن الحارث، ثم الحارث بن عمرو، وهو أبو شمر الأكبر ثم الحارث بن الحارث بن أبي شمر، فالحارث الأصغر بن الحارث الأوسط وهو الأعرج، فالنعمان بن الحارث، فجبلة بن الأيهم، وهو الذي أدرك الإسلام"٢.
стр. 1878
قائمة حمزة:
وأشهر قائمة ذكرها الأخباريون لملوك غسان، القائمة التي ذكرها حمزة الأصبهاني وتتألف من:
١- جفنة بن عمرو المعروف بمزيقياء.
٢- عمرو بن جفنة.
٣- ثعلبة بن عمرو.
٤- الحارث بن ثعلبة.
٥- جبلة بن الحارث.
٦- الحارث بن جبلة.
٧- المنذر بن الحارث.
٨- النعمان بن الحارث.
٩- المنذر بن الحارث.
١٠- جبلة بن الحارث.
١١- الأيهم بن الحارث.
стр. 1879
١٢- عمرو بن الحارث.
١٣- جفنة بن المنذر الأكبر.
١٤- النعمان بن المنذر الأكبر.
١٥- النعمان بن عمرو.
١٦- جبلة بن النعمان.
١٧- النعمان بن الأيهم.
١٨- الحارث بن الأيهم.
١٩- النعمان بن الحارث.
٢٠- المنذر بن النعمان.
٢١- عمرو بن النعمان.
٢٢- حجر بن النعمان.
٢٣- الحارث بن حجر.
٢٤- جبلة بن الحارث.
٢٥- الحارث بن جبلة "ابن أبي شمر".
٢٦- النعمان بن الحارث "أبو كرب".
٢٧- الأيهم بن جبلة بن الحارث.
٢٨- المنذر بن جبلة.
٢٩- شراحيل بن جبلة.
٣٠- عمرو بن جبلة.
٣١- جبلة بن الحارث.
٣٢- جبلة بن الأيهم.
وقد نقل ابن خلدون من جملة كتب ألف منها الفصل الذي كتبه من تأريخ آل غسان، وكذلك الفصل الذي دونه عن تأريخ الحيرة. أما الموارد التي نقل منها فصل آل غسان، فتواريخ ابن سعيد والمسعودي وابن الكلبي والجرجاني.
وأما الموارد التي نقل منها ابن خلدون مادة فصله عن تأريخ الحيرة، فتواريخ السهيلي، وأبي عبيدة والطبري وابن إسحاق والمسعودي وابن سعيد والجرجاني والبيهقي١. وأكثر اعتماده في النقل على الطبري
стр. 1880
وقد اكتفى ابن خلدون بالنبذ التي أخذها من هذه الموارد ولم يُبدِ رأيه فيها ولم يرتبها ترتيبًا زمنيًّا مع ذكر أهم الأعمال التي قام بها كل ملك من أولئك الملوك كما فعل حمزة مثلًا، فأورد أسماء ملوك الغساسنة، كما ذكرتها الموارد التي أخذ منها، أو نقلها في شيء من الاختصار، فنقل قائمة المسعودي، والمسعودي نفسه لا يتقيد بالترتيب والتدقيق، ونقل قائمة الجرجاني وتبدأ بثعلبة بن عمرو شقيق جذع بن عمرو وقائل ملك سليح. وتنتقل بالملك من ثعلبة إلى ابنه الحارث بن ثعلبة، وهو ابن مارية عند بعضهم، يليه ابنه المنذر، ثمن، ثم ابنه النعمان، ثم أبي بشر بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة على رواية بعض النسابين أو أبي بشر بن عوف بن الحارث بن عوف بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن، ثم الحارث الأعرض، ثم ابن أبي شمر، ثم عمرو بن الحارث الأعرج، ثم المنذر بن الحارث الأعرج، ثم الأيهم بن جبلة بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ثم ابنه جبلة١.
وقد ناقش نولدكه في كتابه عن آل غسان هذه القوائم التي نقلها ابن خلدون كما ناقش غيرها من القوائم التي وجدها في التواريخ المخطوطة أو المطبوعة التي تمكن من الحصول عليها، وأظهر ما فيها من خلل ونقص في نهاية ذلك البحث٢.
стр. 1881
الفصل الحادي والأربعون: العرب والحبش
مدخل
...
الفصل الحادي والأربعون: العرب والحبش
صلات العرب بالحبشة صلات قديمة معروفة ترجع إلى ما قبل الميلاد. فبين السواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب وبين السواحل العربية اتصال وثيق قديم، وتبادل بين السكان. إذ هاجر العرب الجنوبيون إلى السواحل الإفريقية وكونوا لهم مستوطنات هناك، وهاجر الأفارقة إلى العربية الجنوبية، وحكموها مرارًا، وقد كان آخر حكم لهم عليها قبل الإسلام بأمد قصير.
ويرى بعض الباحثين أن أصل الحبش من غير اليمن من سفوح الجبال، وفي اليمن جبل يسمى جبل "حُبَيْش"، قد يكون لاسمه صلة بالحبش الذين هاجروا إلى إفريقيا وأطلقوا اسمهم على الأرض التي عرفت باسمهم، أي "حبشت" أو الحبشة١.
ويرون أيضًا أن "الجعز" أو "جعيزان" كما يدعون كذلك، هم cesani الذين وضع "بليني" منازلهم على مقربة من "عدن". فهم من أصل عربي جنوبي، هاجر إلى الحبشة وكون مملكة هناك٢. وإلى هؤلاء نسبت لغة الحبش، حيث عرفت بالجعزية، أي لغة الجعز٣.
стр. 1882
ويظن أن العرب الجنوبيين هم الذين موَّنوا السواحل الإفريقية المقابلة بالعناصر السامية. وكانوا قد هاجروا مرارا إليها، ومن بين تلك الهجرات القديمة، هجرة قام بها السبئيون في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد هاجر معهم "الحبش" في ذلك الوقت أيضًا. وقد توقف سيل الهجرات هذا حين تدخل "البطالمة" في البحر الأحمر، وصار لهم نفوذ سياسي وعسكري على جانبي هذا البحر. غير أنها لم تنقطع انقطاعًا تامًّا؛ إذ يرى بعض الباحثين أن العرب كانوا قد دخلوا الحبشة والسواحل الإفريقية المقابلة فيما بعد الميلاد أيضًا. فنزحوا إليها فيما بين السنة "٢٣٢" والسنة "٢٥٠" بعد الميلاد مثلًا، حيث ركبوا البحر ونزلوا هناك١.
وقد تبين أن السبئين كانوا قد استوطنوا في القرن السادس قبل الميلاد المناطق التي عرفت باسم "تعزية" ta'izziya من أرض "أريتريا" ونجد الحبشة وكونوا لهم حكومة هناك. وأمدوا الأرضين التي استولوا عليها بالثقافة العربية الجنوبية٢. ولم يقطع هؤلاء السبئيون صلاتهم بوطنهم القديم، بل ظلت أنظارهم متجهة نحوه في تدخلهم. وهم في هذا الوطن بشئونه وإرسالهم حملات عليه واحتلالهم له في فترات من الزمن ولعل ما جاء في أحد النصوص من "مصر" الحبشة، قصد به هؤلاء الذين كانوا قد استوطنوا تلك المنطقة من إفريقيا٣.
وفي القرن السادس قبل الميلاد، كان الأوسانيون قد نزحوا إلى السواحل الإفريقية الشرقية، فاستوطنوا الأرضين لـpemba ولـ"زنزبار" zanzibar وهي "عزانيا" azania، وتوسعوا منها نحو الجنوب. وقد عرف هذا الساحل في كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، اسم ausaniteae، وهو اسم يذكرنا بـ"أوسان". وقد ذكر مؤلف الكتاب، أنه كان خاضعًا في أيامه "القرن الأول بعد الميلاد"، لحكام ٤mapharitis. ويريد بهم حكام دولة "سبأ وذو ريدان"٥.
وقد عثر الباحثون على حجر مكتوب في حائط كنيسة قديمة بالقرب من
стр. 1883
"أكسوم"، وإذا به كتب بالسبئية، وفيها اسم الآلهة السبئية "ذت بعدن" "ذات بعدن" "ذات البعد" وعثر على بقايا أعمدة في موضع "يحا" الواقع شمال شرقي "عدوة" adua، تدل على وجود معبد سبئي في هذا المكان، كما عثر على مذبح سبئي خصص بالإله "سن" "سين". وعثر على كتابات وأشياء أخرى تشير كلها إلى وجود السبئين في هذه الأرضين١.
وعرف ملك الحبش بـ"النجاشي" عند العرب. واللفظة لقب تطلقه العربية على كل من ملك الحبشة، فهي بمنزلة "قيصر"، اللفظة التي يطلقها العرب على ملوك الروم، و"كسرى" التي يطلقونها على من حكم الفرس، و"تبع" التي يطلقونها على من يحكم اليمن. أما في العربية الجنوبية، فقد أطلقت لفظة "ملك" على من ملك الحبشة. وقد ورد "ملك أكسمن" أي "ملك أكسوم" وورد "ملك حبشت"، أي ملك الحبشة، فأخذ العرب اللفظة من الحبش.
وهي في الحبشية بمعنى جامع الضريبة، والذي يستخرج الضريبة، فهي وظيفة من الوظائف في الأصل، ثم صارت لقبًا٢. وورد في بعض النصوص العربية الجنوبية إذ لقب به "جدرة" مثلًا٣.
ويظن أن مملكة "أكسوم" التي ظهرت في أوائل أيام النصرانية، قد كانت دولة أقامها العرب الجنوبيون في تلك البلاد، وقد استطاع الباحثون من العثور على عدد من الكتابات تعود إلى ملوك المملكة، دون بعض منها باليونانية مما يدل على تأثر ملوك هذه المملكة بالثقافة اليونانية وعلى وجود جاليات يونانية هناك نشرت ثقافتها في الحبشة، وقد عرفت هذه المملكة بمملكة "أكسوم" "أكسمن" نسبة إلى عاصمتها مدينة "أكسم" "أكسوم"٤.
وقد كان ملوك أكسوم وثنيين. بقوا على وثنيتهم إلى القرن الرابع أو ما بعد ذلك للميلاد. ويظن أن الملك "عزانا" EZANA وهو ابن الملك "الأعميدا" ELA - AMIDA، هو أول ملك تنصر من ملوك هذه المملكة وذلك لعثور الباحثين على آثار تعود إلى عهده، ترينا القديمة منها أنه كان وثنيًّا، وترينا الحديثة منها
стр. 1884
أنه كان نصرانيًّا، مما يدل على أنه كان وثنيًّا في أوائل أيام حكمه، ثم اعتنق النصرانية، فأدخل شعارها في مملكته، وذلك بتأثير المبشرين عليه١.
وفي جملة ما يستدل به على تأثير العرب الجنوبيين في الحبش، هو الأبجدية الحبشية المشتقة من الخط العربي الجنوبي. وقرب لغة الكتابة والتدوين عندهم من اللهجات العربية الجنوبية. وبعض الخصائص اللغوية والنحوية التي تشير إلى أنها قد أخذت من تلك اللهجات. ثم عثور العلماء على أسماء آلهة عربية جنوبية ومعروفة في كتابات عثر عليها في الحبشة والصومال، ووجودها في هذه الأرضين هو دليل على تأثر الإفريقيين بالثقافة العربية الجنوبية، أو على وجود جاليات عربية جنوبية في تلك الجهات.
وكما تدخل العرب في شئون السواحل الإفريقية المقابلة لهم. فقد تدخل الإفريقيون في شئون السواحل العربية المقابلة لهم. لقد تدخلوا في أمورها مرارًا.
وحكموا مواضع من ساحل العربية الغربية ومن السواحل الجنوبية وتوغلوا منها إلى مسافات بعيدة من الداخل حتى بلغوا حدود نجران.
ويظهر من الكتابات الحبشية، أن الحبش كانوا في العربية الجنوبية في القرن الأول للميلاد، وقد كانوا فيها في القرن الثاني أيضًا. ويظهر أنهم كانوا قد استولوا على السواحل الغربية، وهي سواحل قريبة من الساحل الإفريقي ومن الممكن للسفن الوصول إليها وإنزال الجنود بها. كما استولوا على الأرضين المسماة بـ KINAIDOKOLPITAE في جغرافية "بطلميوس"٢.
وورد في نص من النصوص الحبشية، أن ملك "أكسوم". كان قد أخضع السواحل المقابلة لساحل مملكته، وذلك بإرساله قوات برية وبحرية تغلبت على ملوك تلك السواحل من الـ"ARRHOBITE" "الأرحب" "الأرحبية" "أرحب"٣ والـ kinaidokolpite، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعلى العيش بسلام في البر
стр. 1885
وفي البحر. ويرى بعض الباحثين أن المراد بـ"Arrhabite" بدو الحجاز. وأن Kinaidokolpite، هم "كنانة". وأن السواحل التي استولى الأحباش عليها تمتد من موضع "لويكه كومه" leuke kome "القرية البيضاء" إلى أرض السبئيين١.
ويرى "فون وزمن" أن احتلال الحبش لأرض Kinaidokolpitae، الأرض المسماة باسم قبيلة لا نعرف من أمرها شيئًا، والتي ورد اسمها في كتابة Monumentum adulitanum فقط وفي جغرافية "بطلميوس"، كان قبل تدوين تلك الكتابة وربما في حوالي السنة "١٠٠" بعد الميلاد. ويراد بها ساحل الحجاز وعسير من ينبع ianbia في الشمال إلى السواحل الجنوبية الواقعة على البحر العربي شمال "وادي بيش"، فشملت الأرض المذكورة والتهائم والساحل كله٢.
غير أننا نجد أن مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" يشير من جهة أخرى إلى أن الساحل الإفريقي المسمى بـ"تنجانيقا" في الوقت الحاضر كان في أيدي الحميريين في ذلك الوقت٣. ومعنى ذلك أن ملك حمير استطاع في أيام ذلك المؤلف من الاستيلاء على ذلك الساحل ومن ضمه إلى ملكه. كما فعل أهل حضرموت وعمان فيما بعد.
ووردت جملة "أحزب حبشت" في النص الموسوم بـ"cih ٣١٤ + ٩٥٤".
وهي تشير إلى وجود "أحزاب" أي جماعات من الحبش في العربية الجنوبية.
وقد يراد بها مستوطنات حبشية وقوات عسكرية كانت قد استقرت في تلك البلاد٤.
كما وردت في النص الموسوم بـryckmans ٥٣٥ الذي يتحدث عن حرب أعلنها "الشرح يحضب" على "أحزب حبشت"، و"ذي سهرتن" و"شمر ذي ريدان"٥.
وأشار "أصطيفان البيزنطي" إلى قوم دعاهم abasynoi، يظهر من قوله أن مواطنهم كانت في شرق حضرموت. ويفهم من كلامه أن هؤلاء كانوا حبشًا
стр. 1886
يقيمون في هذه الأرضين. وقد يكونون قد استولوا عليها بالقوة وألحقوا ما استولوا عليه بمملكة أكسوم١.
وورد في كتابات تعود إلى أيام "علهان نهفان"، بأن هذا الملك كان قد تفاوض مع "جدرت" "جدرة" ملك "أكسوم" والحبشة لعقد صلح معه.
ويظهر من جملة "وأقول وقدمن واشعب ملك حبشت"، أي: "وأقيال وسادات وقبائل ملك الحبشة"، الواردة فيها، أن ملك الحبشة كان يحكم جزءًا من العربية الجنوبية في ذلك الوقت، وإن الملك "علهان نهفان" فتفاوض معه لتحسين العلاقات السياسية فيما بينه وبين الحبش ولضمان مساعدتهم في حروبه مع منافسيه وخصومه٢. ويرى "فون وزمن" أن تلك المفاوضات كانت قد جرت في حوالي السنة "١٨٠" بعد الميلاد٣.
وقد عقد "علهان" حلفًا مع الحبش، ويظهر أنه عقده بعد انتهائه من الحرب التي أعلنها على حمير. تلك الحرب التي اشترك الحبش فيها أيضًا وكذلك أهل حضرموت. ولما عقد "علهان" الحلف مع الحبش، كان ابنه "شعر أوتر" قد اشترك معه في الحكم٤.
ولم يدم الحلف الذي عقد بين "علهان" وابنه "شعر أوتر" من جهة والحبش من جهة أخرى؛ إذ سرعان ما نقض ووقعت الحرب بين "شعر أوتر" وبين "الحبش" على نحو ما ذكرت في أثناء حديثي عن حكم "شعر أوتر".
إلا أنه لم يتمكن من القضاء عليهم. ولم يزحهم عن اليمين. بل بقوا في الأرضين التي كانت خاضعة لهم والتي تقع في الجزء الغربي من اليمن٥
وقد جاء اسم "جدرت" "جدرة" على هذه الصورة: "جدر نجش أكسم" في النصوص. وورد على هذه الصورة: "جدرت ملك حبشت وأكسمن" في النص الذي وسم بـjamme ٦٣١٦. ومعنى الجملة الأولى "جدر نجاشي أكسوم".
стр. 1887
ومعنى الجملة الثانية "جدرة ملك الحبشة وأكسوم". وقد قدر بعض الباحثين زمان حكم هذا النجاشي بحوالي السنة "٢٥٠" بعد الميلاد١.
ويظهر أن الحبش كانوا قد تمكنوا من دخول "ظفار" عاصمة خمير، وذلك فيما بين السنة "١٩٠" و"٢٠٠" بعد الميلاد. وذلك في أيام "لغزز يهنف يهصدق"٢.
ولا ندري إلى متى بقوا فيها. والظاهر أن حكمهم فيها كان قصيرًا.
وقد كان نزول الحبش في أرض اليمن في أيام حكم الملك الحبشي "عذبة" على ما يظن. وكان هذا الملك على صلات حسنة بالرومان، ففتح بلاده للمصنوعات الرومانية النفيسة، وظل الحبش في اليمن في أيامه حتى وفاته، فلما توفي أو عزل تولى ملك آخر مكانه هو "زوسكالس zoskales وقد أدى هذا التغير إلى تبدل الحال؛ إذ اضطر الحبش إلى النزوح من الأماكن التي كانوا قد استولوا عليها. ويرى بعض الباحثين أن ثورة قامت في الحبشة على حكم "عذبة" وأحلت "زوسكالس" محله. فانتهز أهل اليمن فرصة انشغال الحكومة بالاضطرابات التي وقعت بهذه الثورة. ونهضوا على الجيش فأخرجوهم عن ديارهم، وأخرج الحبش من السواحل التي كانوا قد استولوا عليها، المعروفة بـ kinaidokolpitae، ويراد بها ساحل الحجاز وعسير٣.
ووردت في النص الموسوم بـ"ryckmans ٥٣٥"، لفظة "وذ ب هـ" "وذبه" ثم ذكرت بعدها جملة: "ملك أكسمن"، أي "ملك أكسوم"، أو "ملك الأكسوميين". وهو الملك الذي استعان به "شمر ذو ريدان". وقد قرأ بعض الباحثين لفظة "وذبه" على هذه الصورة "عذبة" أو "وزبة" وذهبوا إلى أنه ملك الحبشة الذي استعان به "شمر ذو ريدان"٤، والذي تدخل في شئون اليمن فيما بين السنة "٣٠٠" و"٣٢٠" بعد الميلاد٥.
ويظهر من اللقب الطويل الذي تلقب به ملك "أكسوم"، أي الحبشة ethiopia وهو الملك "عيزانا" ezana، أن اليمن وما جاورها من أرضين كانت خاضعة
стр. 1888
لحكم الحبش في أيامه أيضًا. أما لقبه الذي تلقب به فهو: "ملك أكسوم وحمير وريدان وسبأ وسلحن"، ويذكر بعد هذا اللقب أسماء ثلاثة مناطق إفريقية كانت تحت حكمه، ثم ختم هذا اللقب بتتمته، وهي جملة: "ملك الملوك"١.
و"سلحن" "سلحين"، هو قصر ملوك سبأ وذو ريدان بمأرب.
وكان الملك "عيزانا" "عزانا"، قد دخل في النصرانية بتأثير المبشر "فرومنتيوس"، الذي أرسله إليه الملك "قسطنطين" ملك البيزنطيين عام "٣٥٠" للميلاد أو "٣٥٦". وقد فرض هذا الملك النصرانية على شعبه وأعلنها ديانة رسمية لمملكته كما جعلها الديانة الرسمية للعربية الجنوبية٢.
وكانت العربية الجنوبية خاضعة لحكم أبيه، ولعله هو الذي أدخلها في حكمه إذ كان أبوه وهو "الأعميدا" ella' amida، قد لقب نفسه باللقب المذكور٣.
ويرى بعض الباحثين أن حكم "عيزانا" لم يكن فيما بين السنة "٣٣٠" و"٣٥٠" بعد الميلاد أو بعد ذلك كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، بل كان في حوالي السنة "٤٥٠" للميلاد. ويرى أن ملكًا آخر كان قد تدخل في شئون اليمن واستولى على ساحل Kinaidokolpitae، هو الملك "سمبروتس" sembruthes وقد حكم على رأيهم في حوالي السنة "٤٠٠" بعد الميلاد٤.
ويرى بعض الباحثين أن الحبش استولوا على العربية الجنوبية بعد وفاة "شمر يهرعش"، وأن ذلك كان حوالي السنة "٣٣٥م". وأن "ثيوفيلس" نصَّر عرب اليمن في حوالي السنة "٣٥٤م"، إذ أنشأ كنيسة في "ظفار". وقد صار رئيس أساقفة "ظفار" يشرف على الكنائس التي أنشئت في اليمن وفي ضمن ذلك كنيسة "نجران" والكنائس الأخرى التي بنيت في العربية الجنوبية إلى الخليج٥.
وأعرف تدخل للحبش في العربية الجنوبية، تدخلهم في شئون اليمن في النصف الأول للقرن السادس واحتلالهم اليمن، إذ بقوا فيها أمدًا حتى ثار أهل اليمن
стр. 1889
عليهم، فتمكنوا من إنقاذ بلادهم من الحبش بمعونة من الفرس. وتركوا بذلك اليمن أبدًا.
ويظهر من بعض الكتابات أن حصن "شمر" والسهل المحيط به كان في أيدي الحبش، وقد ورد فيها اسم موضع "مخون"، وهو "مخا". ويرد اسم هذه المدينة لأول مرة. وتتناول هذه الكتابات حوادث وقعت سنة "٥٢٨" بعد الميلاد١.
وتبدأ قصة دخول الحبش إلى اليمن على هذا النحو: لما قتل ذو نواس من أهل نجران قريبًا من عشرين ألفًا، أفلت منهم رجل يقال له "دوس ذو ثعلبان" أو رجل آخر اسمه "جبار بن فيض" أو غير ذلك، ففر على فرس له، فأعجزهم حتى خرج فوصل الحبشة، وجاء إلى ملكها، فأعلمه ما فعل "ذو نواس" بنصارى نجران، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن. وأنا كاتب إلى قيصر أن يبعث إليَّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق. فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة عبر فيها البحر ودخل اليمن٢.
وفي رواية أخرى أن "دوس ذو ثعلبان" قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على "ذي نواس" وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود. ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا، فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي، بعث معه سبعين ألفًا من الحبشة، وأمر عليهم رجلًا من أهل الحبشة يقال له أرياط، وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن. وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على
стр. 1890
اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم تكن له حرب، غير أنه ناوش ذا نواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه. فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه، وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه، فكان آخر العهد به, ووطئ "أرباط" اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها، ثم أقام بها١.
ويظهر من دراسة هذا المروي أن الرواة كانوا على اختلاف بينهم في حديثهم عن "أصحاب الأخدود" وقد أشار العلماء إلى هذا الاختلاف٢. وقد اختلفوا في زمانهم أيضًا، واكتفى بعضهم بقولهم: "وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد"٣. وقال بعضهم: إنهم كانوا باليمن قبل مبعث الرسول بأربعين سنة، أخذهم "يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفًا وثمانين رجلًا، وحفر لهم أخدودًا وأحرقهم فيه٤. وجعل بعضهم عدد من قتل من نصارى نجران عشرين ألفًا، وجعله بعضهم اثني عشر ألفًا، وذكر بعض آخر أن أصحاب الأخدود سبعون ألفًا. وقد قتلهم "ذو نواس اليهودي" واسمه "زرعة بن تبان أسعد الحميري" واسمه أيضًا "يوسف" وجعله بعضهم "يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري"٥. وجعلوا زعيم نصارى نجران، والذي ثبت النصرانية فيها ونشرها بين النجرانيين رجل من أهل نجران، اسمه "عبد الله بن ثامر".
وكان قد أخذ النصرانية عن راهب، رآه فلازمه وتعلق به، وأثر في قومه بشفائه الأمراض بالدعاء لهم إلى الله لشفائهم، فدخل كثير ممن شفوا وبرئوا بدينه، وبذلك انتشرت النصرانية في نجران٦.
ولم يبين رواة الخبر المتقدم الأسباب التي دعت نجاشي الحبشة إلى الطلب من قائده "أرياط" بأن يقتل ثلث رجال اليمن، ويخرب ثلث البلاد، ويسبي
стр. 1891
ثلث النساء وأبناءهم وأن يتبع هذا النظام الثلاثي في العقوبة. ولم يذكروا الموارد التي أخذوا منها خبرهم على طريقتهم في أخذ الأخبار من غير تمحيص.
وزعم "ابن الكلبي" أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر، حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. فلما سمع بهم ذو نواس، كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا. فأبوا، وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك، صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها. فلما وجه الحبشة ثقات أصحابهم في قبض الخزائن، كتب "ذو نواس" إلى كل ناحية أن اذبحوا كل من يريد إليكم منهم. ففعلوا. فلما بلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، جهز سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة. فلما صار الحبشة إلى صنعاء ورأى ذو نواس أن لا طاقة له بهم، ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به١.
هذا مجمل ما ورد في كتب المؤرخين الإسلاميين والأخباريين عن ذي نواس.
وقد أخذ بعضه مما علق في أذهان أهل اليمن عن ذلك الحادث، وأخذ بعض آخر مما علق بأذهان أهل الكتاب عنه، ويعود الفضل في تدوينه وجمعه إلى القرآن الكريم؛ إذ أشار بإيجاز إليه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ٢. فكانت إشارته هذه إلى أصحاب الأخدود حافزًا دفع بالمفسرين وأصحاب التأريخ والأخبار على جمع ما علق بالأذهان من هذا الحادث، فجاء على الصورة المذكورة٣.
ولم يرد إلينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوبًا في المسند. وكل ما ورد مما له علاقة بحادث دخول الحبشة اليمن، هو ما جاء في النص المهم المعروف بنص حصن غراب والموسوم بـrep - epigr. ٢٦٣٣ من أن الأحباش فتحوا أرض حمير وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين.
стр. 1892
ولم يذكر في النص اسم هذا الملك. ويعود تأريخه إلى سنة "٦٤٠" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥٢٥" للميلاد١.
ويرى ونكلر مستندًا إلى نص "حصن غراب" أن "ذا نواس" كان هو البادئ بالحرب، وأن السميفع أشوع وأولاده أصحاب النص كانوا في معية الملك ذي نواس في حملته على الحبشة، غير أنه لم يكتب له التوفيق، وأصيب بهزيمة إذ سقط فهزم جمعه. وعندئذ غزا الحبش أرض اليمن واستولوا عليها. فأسرع السميفع أشوع وأولاده في الذهاب إلى حصن "ماوية" للتحصن فيه ولتقوية وسائل دفاعه، ولم تكن قلوب هؤلاء مع ذي نواس، وإنما أكرهوا على الذهاب معه. وبقوا في حصنهم هذا إلى أن دخل الحبش أرض اليمن، فتفاهم معهم٢.
وقد أشرت إلى ملخص ما جاء في التواريخ الإسلامية عن ذي نواس وعن حادث تعذيب نصارى نجران، وهو حادث لم يكن بعيد العهد عن الإسلام. فقد أشير إليه بإيجاز في القرآن الكريم: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ٣ فجمع المفسرون والأخباريون على ما علق بالأذهان من هذا الحادث ورووا أخبارًا متناقضة متباينة في أصحاب الأخدود.
أما رأي اليهود -وهم طرف من أطراف هذا النزاع- عن حادث نجران فلا علم لنا برأي رجاله المعاصرين في الحادث؛ إذ لم يصل إلينا شيء مدون بقلم مؤلف يهودي معاصر له. وقد أخذ الأخباريون -كما قلت- ما كان علق عن ذلك الحادث بأذهان يهود اليمن ويثرب، على لسان وهب من منبه، وأضرابه، أخذوه عن طريق "الرواية والحفظ، فهذا المدون في كتب أهل الأخبار والمنصوص على سنده هو كل ما نعرفه من رأي اليهود المتأخرين في حادث نجران.
وأما ما رواه النصارى عنه، وهم الطرف الثاني في النزاع، فإنه أطيب جدًّا وأوضح مما ورد في الموارد الإسلامية وفي الرواية اليهودية الشفوية إذا اعتمدت
стр. 1893
المواد الإسلامية واليهودية على منابع شفوية، هي السماع والرواية، فجاء وصفها للحادث مزوقًا. أما الموارد النصرانية فقد اعتمدت على السماع والمشافهة أيضًا، ولكنها أخذت من موارد ووثائق مسجلة دون بعضها بعد وقوع الحادث بقليل، وكان لتدوينها الحادث أهمية كبيرة بالنسبة لمن يريد تأريخه والوقوف على كيفية حدوثه، وإن كانت لا تخلو أيضًا من المبالغات والتهويل، والعواطف؛ لأنها كتبت في ظروف عاطفية حماسية. ونقلت من محيط للمبالغة فيه مكانه كبيرة ومن أفواه أناس ليس لهم علم بمنطق المحافظة على صدق الواقع. وقد دونت لبعث حمية النصارى على إنقاذ أبناء دينهم المضطهدين في اليمن.
وقد أدرك بعضها زمن الحادث وأخذ سماعًا من رجال شهدوه، أو من رجال نقلوا رواياتهم من شهود العيان. فلهذه الوثائق إذن شأن عظيم في نظر المؤرخ.
ومن هؤلاء الرحالة: "قزما"، والمؤرخ "بروكوبيوس" المتوفى في حوالي السنة "٥٦٠" للميلاد١. ومن المتأخرين: المؤرخ "ملالا"٢ johannes malala.
وقد نقل من كتابة بعض المؤرخرين المتأخرين عنه، مثل "ثيوفانس"٣ "theophanes" "٧٥٨-٨١٨" و"سدرينس" georg cedrenus، و"نيقيفورس كالستي"٤ nicephorus callissti.
وكان "قزما" المعروف بـ cosmas indicopleutes أي "قزما بحار البحر الهندي"، وصاحب كتاب "الطبوغرافية النصرانية" christian cosmography وكتاب "البحار الهندية" "بحار البحر الهندي" indicopleutes في مدينة "أدولس" adulis، الواقعة على ساحل الحبشة على المحيط الهندي ينقل كتابة "بطلميوس" ptolemaeus اليونانية بأمر النجاشي "elesboas" "elesboan" في العهد الذي كان فيه النجاشي يتهيأ لغزو أرض حمير٥. فكتب في جملة ما كتبه
стр. 1894
قصة غزو الحبشة لليمن بعد ٢٥ عامًا من وقوعه١. فلروايته عن الحملة شأن كبير لأنها غير بعيدة عهد عن الحادث، ثم إن صاحبها نفسه كان قد أدركها وقد سمع أخبارها من شهود عيان، ولعله كان نفسه من جملة أولئك الشهود، شاهد السفن وهي تحمل الجنود لنقلهم إلى اليمن، واتصل بالرسميين الحبش واستفسر منهم عن الحملة.
ويفهم من رواية "قزما"، أن الحملة كانت في أوائل أيام حكم القيصر "يسطينوس" justinus "٥١٨-٥٢٧م"٢. أما "ثيوفانس" theophanes و"سدرينوس" cedrenus ومن اعتمد عليهما، فقد جعلوا الحملة في السنة الخامسة من حكم هذا القيصر، وذكروا أن الذي حمل النجاشي على هذا الغزو هو تعذيب ملك حمير لنصارى نجران، وقد قتل هذا الملك٣.
ويحدثنا "ثيوفانس" و"سدرينوس" عن غزو ثان قام به الحبش على حمير لاعتداءاتهم على تجار الروم، وذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم "يوسطنيانوس" justinianus "٥٢٧-٥٦٥م"، وفي عهد النجاشي "أدد" adad.أما ملك حمير، فاسمه "دميانوس"damianus. وقد ذكر "ملالا" هذا الحديث محرفًا بعض التحريف، فجعل اسم النجاشي "أندس" andas بدلًا من أدد، وصير اسم ملك حمير "دمنوس" damnus عرضًا عن "دميانوس" damianus، وذكر حملة "أندس" هذه قبل جملة elesbaas. وأشار إلى أن النصرانية كانت قد انتشرت في الحبشة قبل أيام "أندس". وذكر المؤرخان الآخران أن "أدد" تنصر على أثر إحرازه النصر على الحميريين٤.
وتحدثنا رواية سريانية أن النجاشي المسمى "أيدوك" aidog حارب الملك "أكسينودون xenedon ملك الهنود. ثم حارب "دميون" dimion ملك حمير لاعتدائه على التجار الروم واستيلائه على أموالهم. فانتصر "أيدوك" على ملك حمير، ثم تنصر، وعين على حمير ملكًا نصرانيًّا. فلما مات هذا الملك،
стр. 1895
عذَّب خلفه نصارى نجران، فغزا "أيدوك" حمير وانتصر عليها. وأقام عليها "إبراهام" "إبراهيم"١ abraham. ولا يشك المستشرق "فيل" fell في أن المراد بـ"adad" "andas" "aidog" رجل واحد هو النجاشي "كالب"، وهو elesbaas "كلب إلا أصبحه" "كالب إلا أصبحه". وأما dimion و dimianus و xenodon، فيراد بها "ذو نواس". وقد تحدث "فل" fell بإطناب عن مختلف الروايات الواردة عن النجاشي "كالب" "كلب إلا أصبحه" و"الأعاميدة" "عيلاميده" وعن انتشار النصرانية في الحبشة، وأمثال ذلك، فإليه يرجع من يطلب المزيد٢.
وفي المرويات اليونانية عن الشهداء أن الذي قام بتعذيب نصارى نجران هو الملك "ذو نواس" dunaas ملك حمير، وأن ذلك كان في السنة الخامسة من حكم "يوسطينوس" justinus، أن الذي غزا اليمن هو النجاشي ela atzbeha elesbas. فلما دخلت جيوشه أرض حمير، فر dunaas إلى الجبال فتحصن فيها، حتى إذا سنحت له الفرصة خرج فقتل من بقي من جيش النجاشي في اليمن واحتل مدينة "نجران" فقام عندئذ elesbas بحملة ثانية فانتصر بها على "dunaas" وعين abrames في مكانه٣.
وفي جملة ما لحق بقصص الشهداء الحميريين، المناظرة التي جرت بين أسقف "ظفار" المسمى "كريكنتيوس" gregentius وبين herban اليهودي، والظاهر أنها من القصص الذي وضع في السريانية وليست لها قيمة تأريخية بالطبع٤.
وقد دون "يوحنا الأفسي" john of ephesus المتوفى في حوالي سنة "٥٨٥" للميلاد في تأريخه الكنسي وثيقة مهمة جدًّا عن حادث تعذيب نصارى نجران، هي رسالة وجهها "مار شمعون" أسقف "بيت أرشام" simon of beth arsham المعاصر لهذا الحادث إلى "رئيس دير جبلة" abt von gabula يصف فيها ما سمعه وما قصَّه عليه شهود عيان من أهل اليمن عن تعذيب نصارى نجران