← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ثلث النساء وأبناءهم وأن يتبع هذا النظام الثلاثي في العقوبة. ولم يذكروا الموارد التي أخذوا منها خبرهم على طريقتهم في أخذ الأخبار من غير تمحيص. وزعم "ابن الكلبي" أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر، حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. فلما سمع بهم ذو نواس، كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا. فأبوا، وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك، صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها. فلما وجه الحبشة ثقات أصحابهم في قبض الخزائن، كتب "ذو نواس" إلى كل ناحية أن اذبحوا كل من يريد إليكم منهم. ففعلوا. فلما بلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، جهز سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة. فلما صار الحبشة إلى صنعاء ورأى ذو نواس أن لا طاقة له بهم، ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به١. هذا مجمل ما ورد في كتب المؤرخين الإسلاميين والأخباريين عن ذي نواس. وقد أخذ بعضه مما علق في أذهان أهل اليمن عن ذلك الحادث، وأخذ بعض آخر مما علق بأذهان أهل الكتاب عنه، ويعود الفضل في تدوينه وجمعه إلى القرآن الكريم؛ إذ أشار بإيجاز إليه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ٢. فكانت إشارته هذه إلى أصحاب الأخدود حافزًا دفع بالمفسرين وأصحاب التأريخ والأخبار على جمع ما علق بالأذهان من هذا الحادث، فجاء على الصورة المذكورة٣. ولم يرد إلينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوبًا في المسند. وكل ما ورد مما له علاقة بحادث دخول الحبشة اليمن، هو ما جاء في النص المهم المعروف بنص حصن غراب والموسوم بـrep - epigr. ٢٦٣٣ من أن الأحباش فتحوا أرض حمير وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين.

стр. 1892

ولم يذكر في النص اسم هذا الملك. ويعود تأريخه إلى سنة "٦٤٠" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥٢٥" للميلاد١. ويرى ونكلر مستندًا إلى نص "حصن غراب" أن "ذا نواس" كان هو البادئ بالحرب، وأن السميفع أشوع وأولاده أصحاب النص كانوا في معية الملك ذي نواس في حملته على الحبشة، غير أنه لم يكتب له التوفيق، وأصيب بهزيمة إذ سقط فهزم جمعه. وعندئذ غزا الحبش أرض اليمن واستولوا عليها. فأسرع السميفع أشوع وأولاده في الذهاب إلى حصن "ماوية" للتحصن فيه ولتقوية وسائل دفاعه، ولم تكن قلوب هؤلاء مع ذي نواس، وإنما أكرهوا على الذهاب معه. وبقوا في حصنهم هذا إلى أن دخل الحبش أرض اليمن، فتفاهم معهم٢. وقد أشرت إلى ملخص ما جاء في التواريخ الإسلامية عن ذي نواس وعن حادث تعذيب نصارى نجران، وهو حادث لم يكن بعيد العهد عن الإسلام. فقد أشير إليه بإيجاز في القرآن الكريم: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ٣ فجمع المفسرون والأخباريون على ما علق بالأذهان من هذا الحادث ورووا أخبارًا متناقضة متباينة في أصحاب الأخدود. أما رأي اليهود -وهم طرف من أطراف هذا النزاع- عن حادث نجران فلا علم لنا برأي رجاله المعاصرين في الحادث؛ إذ لم يصل إلينا شيء مدون بقلم مؤلف يهودي معاصر له. وقد أخذ الأخباريون -كما قلت- ما كان علق عن ذلك الحادث بأذهان يهود اليمن ويثرب، على لسان وهب من منبه، وأضرابه، أخذوه عن طريق "الرواية والحفظ، فهذا المدون في كتب أهل الأخبار والمنصوص على سنده هو كل ما نعرفه من رأي اليهود المتأخرين في حادث نجران. وأما ما رواه النصارى عنه، وهم الطرف الثاني في النزاع، فإنه أطيب جدًّا وأوضح مما ورد في الموارد الإسلامية وفي الرواية اليهودية الشفوية إذا اعتمدت

стр. 1893

المواد الإسلامية واليهودية على منابع شفوية، هي السماع والرواية، فجاء وصفها للحادث مزوقًا. أما الموارد النصرانية فقد اعتمدت على السماع والمشافهة أيضًا، ولكنها أخذت من موارد ووثائق مسجلة دون بعضها بعد وقوع الحادث بقليل، وكان لتدوينها الحادث أهمية كبيرة بالنسبة لمن يريد تأريخه والوقوف على كيفية حدوثه، وإن كانت لا تخلو أيضًا من المبالغات والتهويل، والعواطف؛ لأنها كتبت في ظروف عاطفية حماسية. ونقلت من محيط للمبالغة فيه مكانه كبيرة ومن أفواه أناس ليس لهم علم بمنطق المحافظة على صدق الواقع. وقد دونت لبعث حمية النصارى على إنقاذ أبناء دينهم المضطهدين في اليمن. وقد أدرك بعضها زمن الحادث وأخذ سماعًا من رجال شهدوه، أو من رجال نقلوا رواياتهم من شهود العيان. فلهذه الوثائق إذن شأن عظيم في نظر المؤرخ. ومن هؤلاء الرحالة: "قزما"، والمؤرخ "بروكوبيوس" المتوفى في حوالي السنة "٥٦٠" للميلاد١. ومن المتأخرين: المؤرخ "ملالا"٢ johannes malala. وقد نقل من كتابة بعض المؤرخرين المتأخرين عنه، مثل "ثيوفانس"٣ "theophanes" "٧٥٨-٨١٨" و"سدرينس" georg cedrenus، و"نيقيفورس كالستي"٤ nicephorus callissti. وكان "قزما" المعروف بـ cosmas indicopleutes أي "قزما بحار البحر الهندي"، وصاحب كتاب "الطبوغرافية النصرانية" christian cosmography وكتاب "البحار الهندية" "بحار البحر الهندي" indicopleutes في مدينة "أدولس" adulis، الواقعة على ساحل الحبشة على المحيط الهندي ينقل كتابة "بطلميوس" ptolemaeus اليونانية بأمر النجاشي "elesboas" "elesboan" في العهد الذي كان فيه النجاشي يتهيأ لغزو أرض حمير٥. فكتب في جملة ما كتبه

стр. 1894

قصة غزو الحبشة لليمن بعد ٢٥ عامًا من وقوعه١. فلروايته عن الحملة شأن كبير لأنها غير بعيدة عهد عن الحادث، ثم إن صاحبها نفسه كان قد أدركها وقد سمع أخبارها من شهود عيان، ولعله كان نفسه من جملة أولئك الشهود، شاهد السفن وهي تحمل الجنود لنقلهم إلى اليمن، واتصل بالرسميين الحبش واستفسر منهم عن الحملة. ويفهم من رواية "قزما"، أن الحملة كانت في أوائل أيام حكم القيصر "يسطينوس" justinus "٥١٨-٥٢٧م"٢. أما "ثيوفانس" theophanes و"سدرينوس" cedrenus ومن اعتمد عليهما، فقد جعلوا الحملة في السنة الخامسة من حكم هذا القيصر، وذكروا أن الذي حمل النجاشي على هذا الغزو هو تعذيب ملك حمير لنصارى نجران، وقد قتل هذا الملك٣. ويحدثنا "ثيوفانس" و"سدرينوس" عن غزو ثان قام به الحبش على حمير لاعتداءاتهم على تجار الروم، وذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم "يوسطنيانوس" justinianus "٥٢٧-٥٦٥م"، وفي عهد النجاشي "أدد" adad.أما ملك حمير، فاسمه "دميانوس"damianus. وقد ذكر "ملالا" هذا الحديث محرفًا بعض التحريف، فجعل اسم النجاشي "أندس" andas بدلًا من أدد، وصير اسم ملك حمير "دمنوس" damnus عرضًا عن "دميانوس" damianus، وذكر حملة "أندس" هذه قبل جملة elesbaas. وأشار إلى أن النصرانية كانت قد انتشرت في الحبشة قبل أيام "أندس". وذكر المؤرخان الآخران أن "أدد" تنصر على أثر إحرازه النصر على الحميريين٤. وتحدثنا رواية سريانية أن النجاشي المسمى "أيدوك" aidog حارب الملك "أكسينودون xenedon ملك الهنود. ثم حارب "دميون" dimion ملك حمير لاعتدائه على التجار الروم واستيلائه على أموالهم. فانتصر "أيدوك" على ملك حمير، ثم تنصر، وعين على حمير ملكًا نصرانيًّا. فلما مات هذا الملك،

стр. 1895

عذَّب خلفه نصارى نجران، فغزا "أيدوك" حمير وانتصر عليها. وأقام عليها "إبراهام" "إبراهيم"١ abraham. ولا يشك المستشرق "فيل" fell في أن المراد بـ"adad" "andas" "aidog" رجل واحد هو النجاشي "كالب"، وهو elesbaas "كلب إلا أصبحه" "كالب إلا أصبحه". وأما dimion و dimianus و xenodon، فيراد بها "ذو نواس". وقد تحدث "فل" fell بإطناب عن مختلف الروايات الواردة عن النجاشي "كالب" "كلب إلا أصبحه" و"الأعاميدة" "عيلاميده" وعن انتشار النصرانية في الحبشة، وأمثال ذلك، فإليه يرجع من يطلب المزيد٢. وفي المرويات اليونانية عن الشهداء أن الذي قام بتعذيب نصارى نجران هو الملك "ذو نواس" dunaas ملك حمير، وأن ذلك كان في السنة الخامسة من حكم "يوسطينوس" justinus، أن الذي غزا اليمن هو النجاشي ela atzbeha elesbas. فلما دخلت جيوشه أرض حمير، فر dunaas إلى الجبال فتحصن فيها، حتى إذا سنحت له الفرصة خرج فقتل من بقي من جيش النجاشي في اليمن واحتل مدينة "نجران" فقام عندئذ elesbas بحملة ثانية فانتصر بها على "dunaas" وعين abrames في مكانه٣. وفي جملة ما لحق بقصص الشهداء الحميريين، المناظرة التي جرت بين أسقف "ظفار" المسمى "كريكنتيوس" gregentius وبين herban اليهودي، والظاهر أنها من القصص الذي وضع في السريانية وليست لها قيمة تأريخية بالطبع٤. وقد دون "يوحنا الأفسي" john of ephesus المتوفى في حوالي سنة "٥٨٥" للميلاد في تأريخه الكنسي وثيقة مهمة جدًّا عن حادث تعذيب نصارى نجران، هي رسالة وجهها "مار شمعون" أسقف "بيت أرشام" simon of beth arsham المعاصر لهذا الحادث إلى "رئيس دير جبلة" abt von gabula يصف فيها ما سمعه وما قصَّه عليه شهود عيان من أهل اليمن عن تعذيب نصارى نجران

стр. 1896

وما لاقوه هناك من أصناف العذاب١. ومنه أخذها البطريق "ديونيسيوس" patriarch dionysius، فأدخلها في تأريخه المؤلف بالسريانية. وقد نشرها "السمعاني" في مؤلفه "المكتبة الشرقية". وتجد هذه الرسالة أيضًا في تأريخ "زكريا" zacharias von mitylene المتوفى في حوالي سنة "٥٦٨" للميلاد، وهو بالسريانية أيضًا٢. وفي الرسالة اختلافات على نسخ الرسالة الأخرى، ولكنها غير مهمة على كل حال ولا تغير من جوهرها شيئًا٣. وقد ذكر "شمعون" في رسالته أنه كان قد رافق "إبراهيم" "إبراهام" abraham والد "نونوسوس" nonnosus الشهير في رسالة خاصة أمر بها القيصر "يوسطينوس" justinus الأول إلى ملك الحيرة "المنذر الثالث". وكان ذلك في العشرين من كانون الثاني من سنة "٨٣٥" من التأريخ السلوقي، وتقابل هذه السنة سنة "٥٢٤" للميلاد. فلما بلغا قصر الملك، سمعا بأخبار استشهاد نصارى نجران. وعلم به "شمعون" من كتاب وجهه ملك حمير إلى ملك الحيرة، يطلب منه أن يفعل بنصارى مملكته ما فعله هو بنصارى نجران. وقد قرئ الكتاب أمامه، فوقف على ما جاء فيه، وعلم به أيضًا من رسول أرسله في الحال إلى نجران ليأتيه بالخبر اليقين عن هذه الأعمال المحزنة التي حلت بالمؤمنين٤. وقد وجه شمعون في نهاية الرسالة نداء إلى الأساقفة خاصة أساقفة الروم ليعلمهم بهذه الفاجعة التي نزلت بإخوانهم في الدين، وإلى بطريق الإسكندرية ليتوسط لدى

стр. 1897

نجاشي الحبشة في مساعدة نصارى اليمن، كما وجه نداءه إلى أخبار "طبرية" للتأثير على ملك حمير، والتوسط لديه بالكف عن الاضطهاد والتعذيب١. وقد درس عدد من الباحثين هذه الرسالة، ونقدوها، وهي في الجملة صحيحة ووثيقة مهمة لا شك في ذلك بالنسبة إلى من يريد الوقوف على موضوع استشهاد نصارى نجران أما ما جاء فيها على لسان ملك حمير من جمل وعبارات استخلصت على حد قول "شمعون" من الرسالة التي وجهها ملك حمير إلى المنذر، فمسألة فيها نظر، وقضية لا يمكن التسليم بها، فلا يعقل أن يكون ما قيل فيها على لسانه قد صدر منه. وما دون فيها من عبارات بحق الشهيد "حارثة" الحارث" arethas ونصارى نجران لا يعقل أن يكون قد صدر من ملك يهودي. ولكننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أمر الرسالة التي أرسلها الملك إلى المنذر لحثه على اضطهاد نصارى مملكته مقابل مبلغ يقدمه ملك حمير إليه. ولا داعي يدعو إلى نكرانها والشك فيها. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الرسالة صحيحة، ولكن ما دونه شمعون من جمل وعبارات على أنها من كلام ملك حمير، هو من إنشائه وكلامه، لا ترجمة حرفية للكتاب. وخلاصة ما يقال في الرسالة أنها وثيقة مهمة، ولها قيمة تأريخية في الجملة بغض النظر عن التفصيلات الواردة فيها وعن عواطف كاتبها وعن المبالغات التي وردت فيها. وفي مركز صاحبها والمكانة التي كان فيها ما يسوغ صدور مثل هذه الأمور منه ووقفه عليها٢. ومن الوثائق التأريخية التي تتعلق بشهداء نجران كتاب ينسب إلى "يعقوب السروجي" في السريانية في نصارى نجران، وقصيدة في رثاء الشهداء لـ"بولس" paulus bishop of eddessa أسقف "الرها" eddassa = edessa ومدحه إياهم، ونشيد كنسي سرياني لـ"يوحنا بسالطس" johannes psaltes رئيس دير قنسرين المتوفى سنة "٦٠٠" للميلاد٣، وميمر ليعقوب الرهاوي٤.

стр. 1898

ويظهر مما ورد في "كتاب الشهداء الحميرين"١ وفي رسالة "شمعون الأرشامي" أن "يعقوب السروجي" أسقف "سرجيوبولس" sergiopolis، أي "الرصافة" كان من رجال البعثة المذكورة التي أوفدها القيصر "يوسطين الأول" "يسطينوس" justin I إلى الملك "المنذر". و"الرصافة" sergiopolis هي "متروبولية منطقة الفرات" metropolis of euphratensis بالنسبة إلى نصارى العرب. ويذكر مؤلف الكتاب المذكور أنه عمد وهو في "حيرة النعمان" "حيرتا دي نعمانا" hirtha dhe' na 'mana أحد سادات حمير، واسمه "أفعو"u ' af، وكان أحد الوثنيين الذين جاءوا من اليمن إلى الحيرة، وقد شاهد بنفسه تعذيب نصارى "نجران"٢. وقد كلفه ملكه، أي ملك حمير، السفارة عند ملك الحيرة، ولكنه كان رقيق القلب، فرق قلبه وهو في الحيرة على النصرانية، فتنصر على يديه٣. وقد نقل مؤلف كتاب الشهداء الحميريين صورة الكتاب الذي أرسله ملك حمير، وقد دعاه "مسروقًا" masruq، إلى "المنذر بن الشقيقة" "منذر بر شقيقة" mundhar bar zaqiqa وهو يحرضه فيه على النصارى٤. ولا بد من الإشارة إلى الأثر المهم المنشور باليونانية لـ"يوحنا بولند" johann bolland وجماعته في عشرات المجلدات، وإلى أثر آخر نشره "بويسونا" boissona في اليونانية كذلك في خمسة مجلدات٥. فقد دونت في الكتاب الأول قصة الشهد القديس "الحارث" arethas وبقية شهداء نجران، وقصة الحرب التي وقعت بين النجاشي وذي نواس، ودونت في الأثر الثاني مضامين رسالة "مار شمعون". وقد بين "فينند فل" winand fell رأيه فيما جاء في مجموعة "بولند"٦ bolland

стр. 1899

وللنصوص الحبشية ولا شك أهمية عظيمة عند من يريد تدوين غزو الأحباش لليمن وتأريخ شهداء نجران إذ كانوا الطرف الرئيسي في هذا الحادث، وهم الذين أغاروا على اليمن فقتلوا ملك حمير. لذا وجه الباحثون أنظارهم نحوها وفتشوا عنها، غير أنهم لم يعثروا على نصوص فيها أمور جديدة عن الحادث تنفرد بها. وما عثر عليه ليس بكثير. ومن ذلك كتابة عثر عليها "يوسف سابيتو" j. sapeto أشير فيها باختصار إلى القديس الحارث "حيروت" herut وبقية الشهداء، وجملة مخطوطات حبشية محفوظة في المتحف البريطاني وردت فيها أخبار الشهداء وغزو الحبشة لليمن، وأمر "ذو نواس" المسمى فيها بـ"فنحاس"، وهي لا تختلف في الجملة اختلافًا كبيرًا عما جاء في أعمال "البولنديين" وأعمال القديس "أزقير" التي نشرها "روسيني"، وهو الذي استشهد بأمر ملك حمير "شرحبيل بن ينكف" مع "٣٨" آخرين١. يتبين من بعض الموارد الإغريقية والحبشية أن الأحباش كانوا قد نزلوا بأرض حمير قبل قيام ذي نواس بتعذيب نصارى حمير بسنين، وأنهم انتصروا على٥ ذي نواس، فاضطر إلى التقهقر إلى الجبال للاحتماء بها، وأنهم تركوا في اليمن جيشًا لحماية النصارى والدفاع عنهم. فلما مات قائد الجيش ونائب الملك، انتهز ذو نواس هذه الفرصة فأغار على الحبش فتمكن منهم، وعذب من وجد في بلاده من النصارى واضطهدهم، وأغار على نجران، وحاضرها مدة طويلة بلغت سبعة أشهر على زعم الرواية الحبشية. فلما طال الحصار، عمد ذو نواس إلى الخداع والغش، ففاوض النجرانيين على التسليم له، وتعهد إن فتحوا له المدينة، ألا يتعرض لهم بسوء. فلما صدقوه وفتحوا المدينة له، أعمل فيهم السيف، فحمل ذلك الجيش على غزو اليمن٢. وورد في كتاب الشهداء الحميرين، ما يفيد بأن الحبش بعد أن نزلوا أرض حمير، عارضهم رجل اسمه "مسروق" وحاربهم وقاومهم، وهاجم مدينة

стр. 1900

"ظفار" عاصمة حمير، وكان الحبش قد استولوا عليها وتحصنوا بها، ولما رأى "مسروق" أنه لا يتمكن من التغلب على الحبش الذين كانوا يحاربونه في مدينة "ظفار"، أوفد إليهم كهانًا ويهودًا من طبرية ورجلين من الحيرة كانا نصرانيين في الاسم، يحملون معهم كتابًا يعدهم فيه أنهم إن سلموا له "ظفار" فلن يؤذيهم، بل يعيدهم إلى الحبشة سالمين. فوثقوا بكلامه وصدقوه، وخرجوا إليه وكانوا ثلاث مائة محارب على رأسهم القائد "أبابوت"، فقبض عليهم وغدر بهم، إذ سلمهم إلى اليهود فقتلوهم. ثم أرسل من حرق بيعة ظفار بمن كان فيها من الحبش. عددهم مائتان وثمانون رجلًا، وكتب إلى الحميريين آمرًا بقتل النصارى قاطبة إن لم يكفروا بالمسيح ويتهودوا. وكتب إلى الحارث من أشراف مدينة نجران أن يأتيه مع من عنده من حملة السلاح لحاجته الشديدة إليهم. فلما بلغ الحارث مدينة ظفار، وسمع بما حدث، رجع إلى نجران، فحاصر مسروق المدينة، وطال الحصار، فراسل أهلها على الأمان. فلما فتحوا له مدينتهم، غدر بهم، وأحرق بيعتهم وأحرق خلقًا منهم بالنار رجالًا ونساءً وأطفالًا. وكان بعض قسيسيهم من حيرة النعمان ومن الروم والفرس والحبشة١. فلما تمادى مسروق في غيه وفي قتل النصارى في نجران وغير نجران من مدن اليمن وقراها، سار سيد من سادات القوم اسمه "أمية" إلى الحبشة فأخبر مطرانها "أوبروبيوس" و"كالب" النجاشي بما حل بنصارى اليمن، فأمر "كالب" جيوشه بغزو حمير، فغزتها وقضى على "مسروق" اليهودي، وهو "ذو نواس" في كتب الإسلاميين٢. هذه رواية في السبب المباشر لغزو اليمن. وفي رواية أخرى أن الملك "دميون" dimion "دميانوس" dimianos، ملك حمير homeritae، كان قد أمر بقتل التجار الروم الذين كانوا في بلاده وبنهب أموالهم انتقامًا من الروم الذين أساءوا في بلادهم معاملة اليهود واضطهدوهم، فتجنب التجار الروم الذهاب إلى اليمن أو إلى الحبشة وإلى المناطق القريبة من حمير، فتأثرت التجارة مع الحبشة، وتضرر الأحباش، فعرض النجاشي على ملك حمير عروضًا لم يوفق عليها، فوقعت

стр. 1901

الحرب. وتزعم الرواية أن النجاشي لم يكن نصرانيًّا، فقيل له: إن كتب لك النصر فأدخل في دين المسيح. فوافق على ذلك. فلما انتصر، تنصَّر، وانتقم من حمير. ثم أرسل رجلين من ذوي قرابته إلى القيصر يلتمس منه إرسال أسقف وعدد من رجال الدين. وبعد بحث واستقصاء وقع الاختيار على johannes paramonaris من كنيسة القديس يوحنا، فذهب مع عدد من الكهان، فعمد النجاشي وأتباعه، وأقام الكنائس، وأرشد الناس إلى الدين الصحيح١. وقد عرف ذو نواس في النصوص النصرانية باسم dimnus = damian و damnus = dimianos و"مسروق"٢. ونرى تشابهًا كبيرًا بين dimnus و damian و damnus وكلمة "ذو نواس" العربية. فالظاهر أنها تحريف نشأ عن هذا الأصل. وأما النصوص الحبشية فقد دعته "فنحاس" phin 'has، وهو اسم من أسماء يهود٣. أما النجاشي الذي حارب حمير وغزا أرضها، فقد دعاه "بروكوبيوس" باسم ٤hellestheaeus. ودعاه غيره بأسماء قريبة منه مثل elisbahaz = elesbowan و elesboas = elesbaas = ela - atzbeha. ويظهر أنها أخذت من "إيلا أصباح" ela - asbah أو "إيلاصباح" ela - sebah في الحبشية٥. ودعي أيضًا باسم آخر، هو aidug، دعاه به "يوحنا الأفسي"٦ johannes von ephesus و"أندس" andas وقد دعاه "ملالا" بذلك٧. و adad ودعاه به "ثيوفانس" و"سدرينوس" edrenus٨. أما في الروايات الحبشية، فقد سمي "كالب"

стр. 1902

١kaleb. فهو إذن "إلا أصبحة كالب" elle ' asbeha kaleb وتعني "إلا" elle = ells "ذو" أو من "آل". وأما "أصبحة"، فاسم أجداده وعشيرته التي انحدر منها. كما أن "ذا نواس"، لا يعني اسم الملك، بل لقب أسرته، فاسمه هو "يوسف". ويكون النجاشي، أي ملك الحبشة الذي جهز الجيش وفتح اليمن هو "كالب" من "آل أصبحة" أو "إلا أصبحة كالب". كما عرف بذلك٢. وقد تحول اسم النجاشي ela sebah = elesboass إلى "أصحمة" في العربية. فقد ذكر بعض العلماء أن "أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي"٣ فـ"أصحمة" إذن هو النجاشي المذكور. والنجاشي ela atybeba = elesboas، وهو ابن النجاشي tayena الذي كان على النصرانية. وقد خلف هذا النجاشي، النجاشي andas الذي كان قد أقسم أنه إذا انتصر في الحرب يتنصر. فانتصر، فدخل في النصرانية. وصارت النصرانية ديانة رسمية للحبشة. وقد لقب tayena بلقب "ملك أكسوم وحمير homer وريدان وسبأ وسلحين" في كتابة من كتاباته، مما يدل على أنه كان قد حكم اليمن٤. وقد عثر في خرائب مدينة "مأرب" القديمة، على نص مصاب بتلف في مواضع عديدة منه، تبين من دراسة ما بقي منه أنه مدون بلغة أهل الحبشة، وأنه يتحدث عن غزو بحري لميناء لم يذكر اسمه في النص، وقد يكون ذلك بسبب التلف الذي أصاب النص، قام بذلك الغزو مدون النص، وقد كان في سفينة تبعتها إحدى عشرة سفينة أخرى، فنزل بذلك الميناء وتغلب عليه ونزل المحاربون من سفنهم ودخلوا الميناء، فأخذوا غنائم وأسرى. ثم تلت هذه السفن دفعة ثانية من سفن جاءت محملة بالمحاربين، نزلوا في موضع يقع جنوب الموضع الذي نزل هو فيه. لم يذكر اسمه في النص كذلك. وقد انتصر الغزاة على الأماكن

стр. 1903

التي هاجموها؛ لأنهم كانوا مع الحق والشرع، فكان الله معهم، وكان أهل الميناء على الباطل وضد الشريعة الحقة فعوقبوا بالهزيمة١. والنص المذكور -وإن كان خلوًا من كل إشارة إلى "ذي نواس"، أو إلى اسم "نجاشي" الحبشة، أو إلى زمن وقوع الغزو والأماكن التي وقع عليها- يشير إلى غزو الحبش لليمن في حكم "ذي نواس"، وإلى تغلب الحبش عليه. ويظهر منه القافلة الأولى تركت ساحل الحبشة من موضع "أدولس" "عدولس" "عدولي" adulis على ما يظهر وكانت بإمرة "إلا أصيحة"، فعبرت باب المندب، حتى وصلت إلى ساحل اليمن. وقد اختارت ميناء "مخا" موضعًا للنزول، فنزلت به وتغلبت على أصحابه. ثم جاءت قافلة أخرى نزلت في موضع يقع جنوب هذا الميناء، وتغلبت على أصحابه كذلك. وبذلك تم النصر للحبش. ولم يشر النص إلى أسماء الموانئ التي تحرك منها الجيش، أو الموانئ التي نزل بها في ساحل اليمن. وقد عالج الباحثون هذه الأسماء. فرأى قسم منهم أنها تعني شخصًا واحدًا هو ملك الحبشة الذي حارب ذا نواس. ورأى آخرون أن المراد بـaidug و adad و andas شخص واحد هو نجاشي حكم قبل هذا العهد، أي في القرن الرابع للميلاد، وهو "إلا عاميدة" "علا عاميدة" ela amida، المعاصر للقيصر قسطنطين، وكان أول من تنصر من ملوك الحبشة على بعض الروايات. وذلك لعدم انسجام هذه الرواية التي تنص على تنصر aidug بعد انتصاره على حمير، كما أشرت إلى ذلك، مع روايات أخرى تشير إلى تنصر ملوك الحبشة قبل غزو اليمن هذا بكثير٢. وترى الروايات العربية أن ذا نواس لما غُلب على أمره ورأى مصيره السيئ، ركب فرسه وسار إلى البحر فدخله فغرق فيه، أما الروايات الحبشية والإغريقية، فإنها ترى أنه سقط حيًّا في أيدي الأحباش فقتلوه٣.

стр. 1904

وهناك شعر نسب إلى علقمة ذي جدن زعم أنه قائله، هو: أو ما سمعت بقتل حمير يوسفًا ... أكل الثعالب لحمة لم يقتبر؟ وقد استدل منه "فون كريمر" على أن ذا نواس لم يغرق في البحر كما في الروايات العربية الأخرى، بل قتل قتلًا كما ورد في روايات الروم١.

стр. 1905

حكم السميفع أشوع: وذكر "بروكوبيوس" أن الذي حكم حمير بعد مقتل ملكهم هو رجل اسمه esimiphaios = esimiphaeus اختاره النجاشي من نصارى حمير ليكون ملكًا على أن يدفع إلى الأحباش جزية سنوية فرضي بذلك وحكم. غير أن من تبقى من جنود الحبشة في أرض حمير ثاروا عليه وحصروه في قلعة، وعينوا مكانه عبدًا نصرانيًّا اسمه "إبراهام" abraham كان مملوكًا في مدينة "أدولس" "عدول" adulis لتاجر يوناني، فغضب النجاشي وأرسل قوة قوامها ثلاثة آلاف رجل لتأديبه وتأديب من انضم إليه. فلما وصلت إلى اليمن، التحقت بالثوار، وقتلت قائدها وهو من ذوي قرابة النجاشي، فغضب hellestheaeus عندئذ غضبًا شديدًا، وسير إليه قوة جديدة لم تتمكن من الوقوف أمام أتباع abram فأنهزمت ولم يفكر النجاشي بعد هذه الهزيمة في إرسال قوة أخرى. فلما مات، صالح abraham خليفته على دفع جزية سنوية، على أن يعترف به نائبًا عن الملك على اليمن، فعين نائبًا عنه١. وذكر "بروكوبيوس" أيضًا أن القيصر "يوسطنيانوس" أرسل رسولًا عنه إلى النجاشي ela atzbeha hellestheaeus وإلى esimiphaeus اسمه "جوليانوس" julianus ليرجو منها إعلان الحرب على الفرس وقطع العلاقات التجارية معهم؛ لأنهما والقيصر على دين واحد، فعليهما مساعدة أبناء دينهم الروم والاشتراك معهم في قضيتهم، وهي قضية عامة مشتركة، على النصارى جميعًا الدفاع عنها

стр. 1906

وطلب من ملك حمير homeritae خاصة أن يوافق على تعيين "قيس" kaisos = caisus "phylarch" سيدًا على قبيلة معد maddeni، وأن يجهز جيشًا كبيرًا يشترك مع قبيلة معد في غزو أرض الفرس، وكان قيس كما يقول "بروكوبيوس" من أبناء سادات القبائل، وكان شجاعًا قديرًا وكفئًا جدًّا وحازمًا، قتل بعض ذوي قرابة esimiphaeus فانهزم إلى البادية هائمًا. وقد وعد الملك خيرًا، غير أنه لم ينجز وعده، وإذ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق طويلة تمر بصحاري وقفار لمحاربة أناس أقدر من قومه في الحرب١. وقد وصل رسول "جستنيان" "يوسطنيان" justinian سنة "٥٣١م" إلى ميناء "أدولس" من البحر، ثم ذهب منه إلى "أكسوم" حيث وجد النجاشي ela atybeba واقفًا على عربة ذات أربع عجلات، وقد ربطت بها أربعة فيلة، وكان عاربيا إلا من مئزر كتان مربوط بذهب، وقد ربط على بطنه وذراعيه حليًا من ذهب، وبعد أداء هذا الرسول رسالته، ثار "إبرام" abram على esimiphios، وقضى على حكمه٢. وقد رجع السفير فرحًا مستبشرًا بنجاح مهمته، معتمدًا على الوعود التي أخذها من الملكين. غير أنهما لم يفعلا شيئًا، ولم ينفذا شيئًا مما تعهدا به للسفير. فلم يغزوا الفرس، ولم يعين "السميفع أشوع" "قيسًا" "فيلارخًا" على قبيلة معد. وقد تحرش abramos = abram بالفرس، غير أنه لم يستمر في تحرشه بهم، فما لبث أن كف قواته عنهم٣. ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة عريقة، له عند قومه مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة، ولشخصيته ولمكانة أسرته، أرسل رسوله إلى "السميفع" لإقناعه بالموافقة على إقامته رئيسًا على قومه. وبهذا يكتسب القيصر رئيسًا قويًّا وحليفًا شجاعًا يفيده في خططه السياسية الرامية إلى بسط سلطان الروم على العرب، ومكافحة الساسانيين. وقد زار "إبرام" abram والد "نونوسوس" nonnosus الذي أرسله

стр. 1907

"جستنيان" justinian إلى النجاشي وإلى اليمن وإلى معد kaisos = caisos "قيسًا" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "٥٣٠م"، وزاره "نونوسوس" نفسه في أثناء حكمه، فأرسل "قيس" ابنه "معاوية" معه إلى القسطنطينية إلى "يوسطنيان" ثم استقال "قيس"، وصار أخوه رئيسًا على معد، وزار القسطنطينية، فعين "فيلارخا" على فلسطين١. ويظهر من دراسة خبر المؤرخ "بروكوبيوس" أن قيصر الروم المذكور كان قد أرسل رسولًا عنه إلى "النجاشي" وإلى السميفع"، إبان حكم السميفع لليمن، أي قبل ثورة "أبرام" "أبرهة" عليه. ولهذا كلمه الرسول في أمر "قيس"، ولكنه أخفق في إقناعه بالعفو عنه وبالاعتراف به رئيسًا على معد، فلم يعترف به إلى مقتله. فلما توفي، جاء رسول القيصر ثانية إلى النجاشي وإلى أبرهة وإلى "قيس" بمهمة تحريضهم لمعارضة الفرس، وتوحيد كلمتهم. وكان "أبرهة" على عكس "السميفع" على علاقة طيبة بـ"قيس"، وقد قرر تنصيبه رئيسًا على معد. وقد أشار المؤرخ "ملالا" إلى خبر الرسول الذي أرسله القيصر إلى النجاشي لإقناعة بالاشتراك مع الروم في محاربة الفرس، غير أنه لم يذكر اسم الرسول الذي أوفده القيصر إلى بلاط "أكسوم". وقد ذكر أن النجاشي بعد أن تغلب على ملك حمير عين أحد ذوي قرابته ويدعي aggan = anganes على الحميريين٢. وأما "يوحنا الأفسي"، فقد دعاه abramios، ودعاه "ثيوفانس" "الحارث"٣ arethas. و esimiphaeus الذي نصبه النجاشي ملكًا على حمير بعد مقتل ملكهم اليهودي،

стр. 1908

هو "السميفع أشوع"، صاحب النص الموسوم بـcih ٦٢١ بين العلماء. وقد دونه مع أولاده: "شرحبيل" "يكمل" و"معديكرب يعفر"، وجماعة من سادات القبائل منهم: أبناء ملحم "ملحهم"، وكبراء "كبور" قبائل محرج سيبان ذو نف. وقد كان السميفع أشوع من "بني لحيعت يرخم"، وكان هو وأولاده سادة "الهت" على: "كلعن" "كلعان" أي الكلاع , "ذ يزن" "ذي يزان" "ذي يزأن" و"ذي جدن" و"مثلن" "مثلان" "مطلحن" "مطلحان" و"شرفن" "شرفان" "شرقان" و"حب" "حبم" ويثعن "يثعان" و"يشر" يشرم ويزر ومكرب "مكربم" و"عقهت" "عقهة" و"بزاي" "بزايان" ويلجب "يلجبم" وغيمن "غيمان" "جيمان" ويسب وجبح وجدوى "جدويان" و"كزر" "كزران" و"رخيت" وجردان "الجرد" وقبيل "قبلان" وشرجي "شرجا"١. أما أبناء ملحهم، فقد كانوا على وحظت "وحظة" و"الهان" "الهن" و"سلفن" "سلفان" "السلف"، و"ضيفتن" "ضيفت" "الضيفة" و"ريان" "رثاج" و"رياح" و"ريحن" و"ركب" "ركبن" و"مطلن" "مطلان" و"مطلفن" "مطلفان" و"ساكلن" "ساكلان"، و"زكرد"٢. وقد دونوا النص المذكور، لمناسبة ترميمهم وإصلاحهم أسوار ودروب ومنافذ وصهاريج حصن "مويت" "عرمويت"، "ماويت" ماوية" وتحصنهم فيه بعد أن جاء الحبش على أرض حمير ففتحوها، وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين، وذلك في شهر "ذو حجت" "ذي الحجة" من سنة "٦٤٠" من

стр. 1909

التأريخ الحميري الموافق لسنة "٥٢٥" للميلاد١. ويظهر أن "السميفع أشوع"، كان من أهل "نصاب"، وكان قد هاجر لسبب لا نعرفه هو وأولاده إلى الحبشة. فأقام بها، ثم عاد فاستقر في "عر مويت" أي في "حصن ماوية"، وأخذ يوسع من هذا الحصن أرضه ويفتح أرضين جديدة ويتقدم نحو الأرضين التي حكمها "ذو نواس" فلما جاهر "ذو نواس" بمناصبة النصرانية والحبش والروم العداء، كلفه الحبش والروم بمهاجمة "ذي نواس" وقدموا له المساعدات المادية من عون عسكري ومالي؛ ليستعين بها في تنفيذ مشروعه هذا. وأخذ يشتري القبائل ويفرض نفوذه عليها بالقوة وبالمال حتى انتهى الأمر بزوال ملك "ذي نواس"، فعين "السميفع" حاكمًا على اليمن ونائبًا عن ملك الحبشة عليها، إلا أن ثورة وقعت فيها، قضت على حكمه، فولى الأحباش شخصًا آخر في مكانه، وذلك بعد السنة "٥٣١" للميلاد٢. و"شرحب آل لحمى عت يرخم" شرحبيل لحيعت يرخم"، وهو والد "السميفع أشوع"، ولم يكن ملكًا، غير أنه لم يكن من العامة، بل كان من "أقول" الأقيال. وذلك لعدم ذكر لقب الملك بعد اسمه. وعدم نص ابنه "السميفع" على أن والده كان ملكًا. ويجوز أن يكون للمسيفع أشوع أبناء آخرون غير الولدين: "شرحب آل يكمل" "شرحبيل يكمل" و"معديكرب يعفر" المذكورين في النص٣. وفي متحف إستانبول نص اسم بـosma. mus. no: ٢٨١ نشره وترجمه العالم

стр. 1910

البلجيكي "ريكمنس" g.ryckmans في مجلة le museon، وردت في مطلعه جملة: "نفس قدس سميفع أشوع ملك سبا"، وفي آخره عبارة: بسم رحمنن وبنهو كرشتش غلبن" ومعناها "بسم الرحمن وابنه المسيح الغالب"١. وفي هاتين الجملتين دلالة صريحة على أن السميفع أشوع كان ملكًا على سبأ وأنه كان على دين النصارى. وقد استعمل النص كلمة "كرشتس" بمعنى المسيح ويستعملها أهل الحبشة كذلك. وقد أخذوها، ولا شك من الروم. ويؤيد كون "السميفع أشوع" نصرانيًّا، ما ذكره المؤرخ "بروكوبيوس" من أن الحبشة عينت رجلًا نصرانيًّا من حمير اسمه esimiphaeus ملكًا على حمير، وذلك بعد قتل الملك الحميري الذي عذب النصارى في بلاده، ويقصد به ذو نواس. ولم يكن "السميفع أشوع" ملكًا مستقلًّا كل الاستقلال يتصرف بملكه كيف يشاء، بل كان في الواقع تابعًا لحكومة "أكسوم". يُفهم ذلك صراحة من هذا النص الذي أتحدث عنه. جاء في السطر الثالث منه: "أمراهموا نجشت أكسمن برو وهوثرن"، أي "في أيام أميرهم نجاشي أكسوم بنوا وأسسوا". وجاء في السطر السادس: "أملكن الأبحه ملك حبشت"، أي "ملك الأبخة ملك الحبشة"، ويقصد بـ"الأبخه" نجاشي الحبشة "إلا أصبحة" elle ' asbeha الذي كان ملك الحبشة في ذلك العهد. وعاصمته مدينة "أكسوم"٢. وتعني كلمة "نجشت" الواردة في النص ملكًا أو أميرًا في العربية، وقد أخذها العرب من الحبش، وأطلقوها على ملوك الحبشة، وهي "نجاشي" و"النجاشي" في عربيتنا، كما أطلقوا كلمة "قيصر على أباطرة الروم٣. وقد ذكرت في النص أسماء "ذويزان" "ذو يزن" و"حسن" "حسان" و"شرحبال" "شرحبيل" قيل "ذو معفرن"، أي قيل المعافر. و"أسودن" أي الأسود "وسميفع" قيل "دو بعدان" "ذ بعدن"، وزرعة قيل مرحبم، أي مرحب "المراحب" و"حارث" و"مرثد" أمراء "ثعبان" و"شرحبيل"

стр. 1911

يكمل"١ وجاء بعض هذه الأسماء في نصوص أخرى، ومنها نص "حصن غراب" المتقدم وقد اشتهر بعض هذه القبائل في الإسلام. ولدينا نص غفل من التأريخ وسمه العلماء بـ rep. Epig. ٤٠٦٩، وردت فيه جملة أسماء، هي: "شرحب آل يكمل" "شرحبيل يكمل" و"شرحب آل يقبل" "شرحبيل يقبل"، و"مرثد علن أحسن" "مرثد علن أحسن" "مرثد علان أحسن"، و"سميفع أشوع" أبناء "شرحب آل لحي عت يرخم" "شرحبيل لحيعت يرخم" أقيال "أقول" "ذو يزان" "ذو يزن" و"جدنم" "ذو جدن" و"يلجب" و"يصبر"٢. ويظن أن "السميفع أشوع" المذكور هنا هو الملك الذي نتحدث عنه٣. ولم يلقب في هذا النص بلقب ملك، كما لم يلقب به والده كذلك. والظاهر أنه كتب قبل عهد توليه الملك، وأنه لم يكن من الأسرة المالكة، ولكن من أبناء الذوات والأعيان. ووردت في نهاية النص جملة "الرحمن رب السماء والأرض"، وهي عبارة تختلف عن العبارات المألوفة التي نعهدها في النصوص الوثنية القديمة، تظهر منها عقيدة التوحيد والابتعاد عن الآلهة القديمة بكل جلاء٤. غير أننا لا نستطيع أن نستخرج منها أن صاحبها كان يهوديًّا كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، أو أنه كان نصرانيًّا٥، إنما نستطيع أن نقول إن أصحاب هذا النص كانوا على دين التوحيد وكفى. ومن الأسماء الواردة في هذا النص: "ضيفتن" "ضيفت" "ضيفة" و"ريحم" "ريح" "رياح" و"مهرت" "مهرة" وقبيلة "سيبن" "سيبان"٦. وقد تكون مهرت "مهرة"، هي مهرة التي تنسب إلى "مهرة بن حيدان بن عمرو بن ألحاف بن قضاعة" في اصطلاح النسابين٧. ويقع "عرمويت"، أي حصن "مويت" "ماوية "في جزيرة بركانية

стр. 1912

تسمى "حصن الغراب" وهو الآن خرابز وقد عثر الباحثون في أنقاضه على كتابة وسمت بـ cih ٧٢٨ دونها" صيد أبرد من مشن" "صيد أبرد بن مشان"، أحد أقيال "بدش" "باداش". وورد فيها اسم "قنا". وقد كان لهذا الحصن شأن كبير في تلك الأيام لحماية الجزيرة والميناء من الأعداء المهاجمين ومن لصوص البحر. وللدفاع عن التجار الذين كانوا يتاجرون مع إفريقيا والهند. ولهذا اهتم "السميفع أشوع" وأولاده بترميمه وبإصلاحه وتقويته١. وأما ميناء "قنا" الذي ذكرته في مواضع من هذا الكتاب، وهو في الموضع المسمى بـ"بير علي" في الوقت الحاضر على رأي بعض الباحثين، فقد كان من الموانئ المهمة على البحر العربي. وقد كان مرفأ للتجارة الآتية من الشمال، أو من البحر لإرسالها إلى "شبوة" ومواضع أخرى في شمال هذا الميناء٢. ومما يلاحظ أن المواضع الآثارية التي على الساحل الجنوبي لجزيرة العرب قليلة معدودة. وتكاد تنحصر في أرض عدن وأبين وحصن الغراب وفي مواضع من أطراف "ظفار" وحول "المكلا" و"الشحر" وساحل مهرة. مع أن السواحل هي من المواضع التي يجب أن تكون في العادة عامرة بالمدن والمرافئ بسبب سهولة اتصالها بالعالم الخارجي. ووقوعها على طرق مائية تجلب إليهن السفن والناس. والظاهر أن وخامة الجو في هذه السواحل وصعوبة حماية الساحل من لصوص البحر، وتفشي الأمراض، وملوحة المياه الجوفية، وأسبابًا أخرى، كانت في جملة ما حال بين الناس وبين بناء المدن على هذه السواحل٣. وقد اشتهرت "ظفار" بأنها المرفأ المعد لتصدير اللبان والمر وحاصلات البلاد العربية الجنوبية الأخرى. وكان محاطًا بسور. أما المواضع الأخرى، فلم تكن مسورة في الغالب، وقد أشار "كرب أيل وتر" في أخباره عن حروبه في السواحل الجنوبية أنه خرب مدينة "تفض" في "أبين"، وأحرق مواضع أخرى على البحر، يظهر أنها لم تكن مسورة، ويظهر أن هذه السواحل لم تكن مأهولة مثل الأرضين الشمالية العالية، فلم يعثر الباحثون على كتابات كثيرة فيها

стр. 1913

حتى الآن. وصارت مدينة "عدن" ومدينة "قنا" من أهم المرافئ على الساحل الجنوبي١. هذا ولا بد لي هنا من الإشارة إلى كتابة حبشية ناقصة عثر عليها "أحمد فخري" سنة "١٩٤٧م" بمأرب، فيها إشارة إلى دخول الحبشة إلى اليمن وإن لم ينص على ذلك نصًّا. ويظن أنها تشير إلى استيلاء "إلا أصبحة" النجاشي على اليمن سنة "٥٢٥" للميلاد. وانتصاره على "ذي نواس"٢. ويظهر من هذه الكتابة أن حملة الحبش على اليمن نقلت في قافلتين من السفن: تحركت القافلة الأولى بقيادة النجاشي الذي كان قد احتجز سفينة خاصة به، فعبرت به باب المندب ورست عند ساحل اليمن. وكانت سفينة النجاشي أول سفينة بلغته، ثم تلتها بقية السفن. وقد سقط من الكتابة اسم الموضع الذي رست السفن فيه، ولعله "مخا". فوقعت معارك بين الحبش وبين الحميريين، انتصر فيها الأحباش فأخذوا أسرى وغنائم. ولما كان النص ناقصًا وقد طمست من الكتابة الباقية منه كلمات، فقد صار غامضًا مقتضبًا، لا يفهم منه إلا إشارات٣.

стр. 1914

أبرهة: و abraham و abramios، هما اسمان لمسمى واحد، أريد به "أبرهة" المشهور عند أهل الأخبار الذي اغتصب الملك باليمن، ونصب نفسه حاكمًا عليها، ولقب نفسه بألقاب الملوك، وإن اعترف اسميًّا بأنه "عزلي ملكن أجعزين"، أي "نائب ملك الأجاعزة" على اليمن١. وحكم اليمن أمدًا. وترك في نفوس اليمانيين أثرًا قويًّا. ويرى بعض الباحثين أن "كالب أيلا أصبحة"، كان قد أرسل حملة سنة "٥٢٣" للميلاد على اليمن، حملتها إليها سفن بيزنطية، نزلت في البلاد وتغلبت على "ذي نواس" فهرب "ذو نواس" من "ظفار"، ثم عاد فباغت

стр. 1915

الحبش وأنزل بهم خسائر كبيرة، واضطهد النصارى وعذبهم. فحمل النجاشي على إرسال حملة جديدة عليه نزلت اليمن سنة "٥٢٥" للميلاد. وصارت في أيدي الحبش حتى سنة "٥٣٠" للميلاد. إذ قامت ثورة على الحبشة، وانتهز "أبرهة" الفرصة، فأخذ الأمر بيديه، وبقي حاكمًا على اليمن منذ هذا الوقت تقريبًا حتى سنة "٥٧٥" للميلاد. وكان قد انتزع الحكم من "السميفع أشوع"، الذي نصبه الحبش ملكًا على اليمن حين دخولهم إليها وعينوا رجلين من الحبش يحكمان معه ويراقبان أعماله لئلا يقوم بعمل يضر مصالحهم١. ولأهل الأخبار روايات عن كيفية استئثار "أبرهة" بالحكم واغتصابه له. لهم رواية تقول: إنه جاء إلى اليمن جنديًّا من جنود القائد الحبش "أرياط" الذي كلفه نجاشي الحبشة بفتح اليمن، فلما أقام باليمن سنين، نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، حتى تفرقت الحبشة، وخرج أبرهة على طاعة قائده، ثم غدر به وأخذ مكانه٢. ورواية أخرى، تقول إن النجاشي أرسل جيشًا قوامه سبعون ألفًا، جعل عليه قائدين، أحدهما: أبرهة الأشرم٣. فلما ركب ذو نواس فرسه واعترض البحر فاقتحمه وهلك به، نصب أبرهة نفسه ملكًا على اليمن، ولم يرسل له شيئًا، فغضب النجاشي ووجه إليه جيشًا عليه رجل من أصحابه، يقال له أرياط، فلما حل بساحته، بعث إليه أبرهة: "أنه يجمعني وإياك البلاد والدين، والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا". فرضي بذلك أرياط، وأجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعًا يلتقيان به، وأكمن أبرهة لأرياط عبدًا يقال له: "أرنجده، في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه، فسمي الأشرم، ونهض أرنجده من الحفرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله"٤. وأخذ أبرهة الحكم لنفسه، واستأثر به.

стр. 1916

وتذكر رواية أخرى، أن النجاشي كان قد وجه أرياط أباصحم "ضخم" في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها. فأعطى الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته. فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن١. وتذكر رواية أن "أرياط" أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان، حصونًا لم يكن في الناس مثلها. ونسبوا في ذلك شعرًا إلى "ذي جدن"، زعموا أنه قاله في هذه المناسبة٢. ويظهر من روايات أخرى أن تلك الحصون بقيت إلى ما بعد أيامه، وذكر أن "أرياط" كان فوق أبرهة، أقام باليمن سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك٣. وتجمع روايات أهل الأخبار على أن النجاشي غضب على أبرهة لما فعله باليمن ولا أقدم عليه من قتل أرياط، وأنه حلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته، ويهرق دمه. فلما بلغ ذلك أبرهة، كتب إلى النجاشي كتابًا فيه تودد واعتذار وتوسل واسترضاء. فرضي النجاشي عنه، وثبته على عمله بأرض اليمن٤. ولما استقام الأمر لأبرهة باليمن، بعث إلى "أبي مرة بن ذي يزن"، فنزع منه امرأته "ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان"، و"علقمة" هو ذو جدن. وكانت ولدت لأبي مرة معديكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة. وهرب منه أبو مرة٥. ولأبرهة ذكر وشهرة في كتب أهل الأخبار والتأريخ. وقد ورد اسمه في الشعر الجاهلي، وضرب به المثل في القوة والصيت والسلطان، حتى لنجد أهل الأخبار يذكرون أسماء جملة أشخاص دعوهم "أبرهة" ذكروا أنهم حكموا اليمن.

стр. 1917

والظاهر أن الشهرة التي بلغها في أيامه وغزوه القبائل العربية واستعماله القسوة معها، أحاطته بهالة في أيامه تضخمت فيما بعد، فأحيط بقصص وأساطير وصير من اسمه جملة حكام حكموا باسم "أبرهة". فقد ذكروا اسم "أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ" وكان يقال له "الرائد"١. وجعلوا لأبرهة هذا ولدين، هما: إفريقس، والعبد ذو الأذعار. وأولد إفريقس شمر يرعش٢. وذكروا "أبرهة" آخر، قالوا له: "أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة" وسمي "الهمداني" جملة رجال "أبرهة"، وأدخلهم في "الأصابح"٣. ويظهر من دراسة اسم "أبرهة" ونعته في الحبشية أن الأخباريين أخذوا فصيروا منها أسماء عربية ربطوا بينها وبين تأريخ اليمن كما فعلوا مع أشخاص آخرين. وقد ضرب "لبيد بن ربيعة العامري" المثل بـ"أبي يكسوم" وهو أبرهة في وجوب الاتعاظ بهذه الدنيا الفانية التي لا تدوم لأحد، فقال: لو كان حي في الحياة مخلدًا ... في الدهر ألقاه أبو يكسوم٤. والتبعان كلاهما ومحرق ... وأبو قيس فارس اليحموم٥. وقد ترك أبرهة وثيقة مهمة على جانب خطير من الأهمية، وهي النص الذي وسم بـglaser ٦١٨ وبـcih ٥٤١ عند الباحثين في العربيات الجنوبية٦. وهي ثاني نص طويل يصل إلينا من اليمن، يتألف من "١٣٦" سطرًا ومن حوالي "٤٧٠" كلمة٧ وتبحث عن ترميم سد مأرب ذي المكانة الخالدة في القصص

стр. 1918

العربي وتجديده مرتين، وذلك في أيام أبرهة. المرة الأولى في شهر "ذو المدرح" من سنة "٦٥٧" من التأريخ الحميري المقابلة لسنة "٥٤٢" للميلاد، والثانية في شهر "ذو معان" "ذ معن" من سنة "٦٥٨" من التأريخ الحميري، أي في سنة "٥٤٣" من الميلاد١. وقد افتتح النص بالعبارة الآتية: "بخيل وردا ورحمت رحمنن ومسحو ورح قدس سطر ذن مزندن، إن أبره عزلي ملكن أجعزين رمحز زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت وأعربهموا طودم وتهمت"٢ أي "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس سطروا هذا الكتابة. إن أبرهة نائب ملك الجعزيين رمحز زبيمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في النجاد وفي تهامة". ويلاحظ أن أبرهة قد لقب نفسه في هذا النص باللقب الرسمي الذي كان يتلقب به ملوك حمير قبل سقوط دولتهم، مع أنه كان "عزلي ملكن أجعزين"، أي نائب ملك الجعزين. والواقع أنه كان قد استأثر بالحكم في اليمن، وحصر السلطة في يديه، وصار الحاكم المطلق، ولم يترك لنجاشي أكسوم غير الاسم، حتى إنه دعاه في هذا النص بـ"ملك الجعز" حسب٣. وفي النص حديث عن ثورة قام بها "يزد بن كبشت" "يزيد بن كبشة" من السادات البارزين في اليمن. وكان أبرهة قد أنابه عنه، وجعله خليفته على قبيلتي "كدت" و"دا"٤، غير أنه ثار عليه لسبب لم يذكر في النص، وأعلن العصيان. وانضم إليه أقيال "أقول" سبأ و"أسحرن"، وهم: "ذو سحر" و"مرة" و"ثممت" "ثمامة" و"حنش" "حنشم" و"مرثد" و"حنف" "حنفم" "حنيف" و"ذخلل" "ذو خليل" و"أزانن" الأزان" والقيل "معديكرب بن سميفع"، و"هعن" "هعان" وإخوته أبناء أسلم. فلما بلغ نبأ هذه الثورة مسامع "أبرهة"، سير إليه جيشًا بقيادة "جرح ذزبنر" "جراح ذو زبنور"، فلم يتمكن أن يفعل شيئًا، وهزمه

стр. 1919

"يزيد"، واستولى على حصن "كدر" "كدار"، وجميع من أطاعه من "كدت" "كدة" ومن "حريب" حضرموت وهاجم "هجن أذمرين" "هجان الذماري" وهزمه واستولى على أملاكه، وحاصر موضع "عبرن" "عبران" "العبر". عندئذ قرر أبرهة معالجة الموقف بإرسال قوات كبيرة لرتق الحرق قبل اتساعه، فجهز في شهر "ذ قيضن" "ذو القيض" "ذو قيضان" من سنة "٦٥٧" من التقويم الحميري أي سنة "٥٤٢" للميلاد جيشًا لجبًا من الأحباش والحميريين، وجهة نحو أودية "سبأ" و"صرواح" ثم "نبط" على مقربة من "الوادي" "عبرن" "عبران" "العبر". وفي "نبط" جعل أهل "ألو" "ألوي" و"لمد" والحميريين في المقدمة. أما القيادة، فكانت بأيدي القائدين: "وطح" "وطاح" و"عوده" "ذو جدن". وبينما كان الجيش في طريقه لحرب "يزيد بن كبشة" إذا به يظهر مع عدد من أتباعه أمام "أبرهة" يطلب منه العفو والصفح. أما الباقون، قد تحصنوا في مواضعهم، وأبو الخضوع والاستسلام. وبينما كان أبرهة يفكر في أمر بقية الثائرين إذا به يسمع بخبر سيئ جدًّا، هو تصدع سد "مأرب" وتهدم بعض توابعه، وذلك في شهر "ذ مذرن" "ذو مذران" "ذو المذري" من سنة "٦٥٧" من تقوم حمير، أي سنة "٥٤٢" للميلاد. فأمر مسرعًا بتحضير مواد البناء والحجارة، وحدد أجل ذلك بشهر "ذ صربن" "ذو الصرب" من السنة نفسها. وفي أثناء مدة التحضير هذه، افتتح أبرهة كنيسة في مدينة مأرب يظهر أنه هو الذي أمر ببنائها، ورتب لخدمتها جماعة من متنصرة سبأ. ولما انتهى من ذلك عاد إلى موضع السد لوضع أسسه وإقامته مستعينًا بحمير وبجنوده الحبش، ولكنه اضطر بعد مدة إلى السماح لهم بإجازة، ليهيئوا لأنفسهم الطعام وما يحتاجون إليه، وليريحهم مدة من هذا العمل المضني الذي تبرموا منه، وليقضي بذلك على تذمر العشائر التي لم تتعود مثل هذه الأعمال الطويلة الشاقة. ورجع أبرهة في أثنائها إلى مأرب، فعقد معاهدة مع أقيال سبأ وتحسنت الأحوال، وأرسلت إليه الغلات والموارد اللازمة للنباء، ووصلت إليه جموع من الفعلة وأبناء العشائر، فعاد إلى العمل بهمة وجد، فأنجزه على نحو ما أراد، فبلغ طوله خمسة وأربعين "أممًا"، أي ذراعًا، وبلغ ارتفاعه خمسة وثلاثين "أممًا". أما عرضه. فكان أربع عشرة ذراعًا، بني بحجارة حمر من "البلق". وأنجزت أعمال قنواته وأحواضه والمشروعات الفرعية

стр. 1920

المتعلقة به في "خبشم" "خبش" وفي "مفلم" "مفلل" "مفلول". وقد دون أبرهة في نهاية النص ما أنفقه على بناء هذا السد من أموال، وما قدمه إلى العمال والجيش الذي اشترك في العمل من طعام وإعاشة من اليوم الذي بدئ فيه بالإنشاء حتى يوم الانتهاء منه في شهر "ذو معن" "ذو معان" من سنة "٦٥٨" الموافقة لسنة "٥٤٣" للميلاد. مدينة مأرب، وتقع على أنقاض مأرب القديمة من كتاب: (Gataban and Sheba) ويظهر من النص أن ثورة "يزيد بن كبشة" "يزد بن كبشت" كانت ثورة عنيفة قوية، وأنها شملت حضرموت و"حريب" و"ذو جدن" و"حباب" عند "صرواح". ولكنها فشلت وتغلب أبرهة عليها بمساعدة قبائل يمانية ذكرها في النص١. أما "يزيد بن كبشة" فلا نعرف من أمره في الزمن الحاضر إلا شيئًا يسيرًا، وهو ما ذكره أبرهة في نصه عنه، من أنه عينه عاملًا، ووكيلًا عنه على قبيلة "كدت" "كدة". وهي كندة على رأي أكثر العلماء٢.

стр. 1921

وأما الأقيال الذين انضموا إليه وساعدوه، وهم: "ذو سحر" و"مرة" وثمامة" و"حنش" و"مرثد" و"حنيف" وآل ذو خليل وذو يزان "ذ يزن" "ذو يزن"، و"معديكرب بن سميفع" و"هعن" "هعان" وإخوته أبناء أسلم. فهم يمثلون على الجملة الطبقات الأرستقراطية القديمة في سبأ. فآل ذو خليل وذو سحر، من الأسر التي ذكرت أسماؤها في النصوص المدونة قبل الميلاد. وقد أرخ بأسره "ذي خليل" في نصوص المسند، وذكروا في كتابات السبئيين العتيقة التي تعود إلى أيام المكربين. وكان لهم في أيامهم شأن يذكر في تأريخ سبأ، إذ كان منهم المكربون١. وذكر "الهمداني" اسم جماعة يقال لهم "البحريون"، قال: إنهم من ولد ذي خليل من حمير٢. وليس من السهل تشخيص "مرة" و"ثمامة"، فهما من الأسماء المتعددة المذكورة في الكتب العربية. وقد أشير إلى "ثمامة بن حجر" ملك "قصر الهدهاد" في "عمران"٣. وذكر الهمداني "بني ثمامة" وقال: إن جبأ مدينة المعافر، وهي لآل الكرندي من بني ثمامة آل حمير الأصغر٤، فهل يكون لهؤلاء صلة بـ"ثمامة" النص؟ وذكر بعض الأخباريين اسم ملك من ملوك اليمن سموه "مرثدًا زعموا أنه كان آخر الملوك، وزعم قسم منهم أنه حكم مدة قصيرة بعد "ذي نواس"، فهل صاحب هذا الاسم هو "مرثد" المذكور في النص؟ ولا عبرة بالطبع بما ذكر من أنه كان ملكًا، فقد كان من عادة الأقيال والأذواء التلقب بلقب ملك٥. وورد "ذو مراثد بن ذو سحر"، في الموارد العربية٦، فجمعت بين "مراثد" و"سحر، وورد اسم "سحر" واسم مرثد في النص، فهل هناك صلة بين هذه الأسماء؟ ويرى "كلاسر" أن "أزان"، هم "يزن"، ومنهم "سيف بن

стр. 1922

ذي يزن" الذي ثار على الحبش واستعان بالفرس لإنقاذ بلاده من أيدي الأحباش١. وأما معديكرب بن سميفع، فيرى الباحثون أنه ابن "السميفع أشوع"٢. وقد جاء اسمه بين أسماء الأقيال الذين ثاروا على أبرهة، وانضموا إلى ثورة "يزيد بن كبشة". فهم من الأقيال الحاقدين على أبرهة لاغتصاب أبرهة الملك من والده. ولهذا انضم إلى "يزين بن كبشة" سيد "كدت" "كندة" وحارب معه الحبش٣. وفي أثناء وجود أبرهة في مأرب قضى على عصيان الأقيال الذين انضموا إلى ثورة "يزيد"، وأبوا الخضوع لحكم أبرهة بعد استسلام يزيد وخضوعه. وكذلك استسلمت قبيلة كدار "كيدار" "كدر"٤. وتحسن موقفه بذلك كثيرًا، وأصبح سيد اليمن وصاحب الأمر، أما الذين ساعدوه وآزروه وعاونوه والتفوا حوله، فهم: ذو معاهر٥ و"بن ملكن" ابن الملك٦ ومرجزف وذو ذرنح٧ وعدل "عادل" وذو فيش، وذو شولمان "ذو الشولم"٨ و"ذو شعبان"٩ "ذو الشعب" وذو رعين "ذرعن"، و"ذو همدان"١٠ و"ذو الكلاع"١١، و"ذ مهدم" "ذو مهد" و"ذ ثت" "ذو ثت" "ذو ثات" و"علسم" و"ذو يزان" "ذ يزن" "ذو يزن"، و"ذو ذبين" "ذو ذبيان" و"كبر حضرموت" كبير حضرموت، وذو فرنة "ذ فرنة". وقد ذكر النص أنهم كانوا إلى جانب الملك، وأنهم كانوا عسل ود وصداقة معه. وهم بالطبع من أسر عريقة، ومن كبراء القوم، وقد وردت أسماء بعض أسرهم في النصوص المدونة قبل الميلاد.

стр. 1923

ولم يذكر في النص اسم "كبر حضرموت"، أي كبير حضرموت الذي كان يحكم حضرموت في أيام أبرهة، ويظهر من ذكره مع الرجال الذين حضروا إلى مأرب أنه كان تابعًا لأبرهة، أو أنه كان حليفًا له١. وتدل جملة "بن ملكن"، على أن المراد بها "ابن الملك"، أي "ابن أبرهة"، ولم يشر النص إلى اسمه، فلعله قصد أكبر أولاده. ويرى البعض أنه كان يحكم "وعلان" "ذو ردمان"، وأنه كان يلقب بـ"ذ معهر" "ذو معاهر" "ذو معهر". وقد أشار "الهمداني" إلى "ذي المعاهر". وذكر أنه قصر "وعلان" بـ"ردمان"٢. وفي أثناء وجود أبرهة في مأرب، وفدت إليه وفود من النجاشي ومن ملك الروم "ملك رمن" ومن ملك الفرس "ملك فرسن"، ورسل من "المنذر" "رسل مذرن" ومن "الحارث بن جبلة" "رسل حرثم بن جبلت" ومن "أب كرب بن جبلة" "أبكرب بن جبلة" "رسل أبكرب بن جبلت" ومن رؤساء القبائل٣. ويلاحظ أن النص قد قدم النجاشي على ملك الروم، كما قدم ملك الروم على ملك الفرس، ثم ذكر من بعد ملك الفرس اسم المنذر والحارث بن جبلة وأبي كرب بن جبلة "أبكرب من جبلت". أما تقديم النجاشي على غيره فأمر لابد منه، وذلك لسيادة الحبشة ولو بالاسم على اليمن، واعتراف أبرهة بسيادة مملكة أكسوم عليه. وفي إرسال مندوب عن النجاشي إلى أبرهة في مهمة سياسية، ودليل ضمني على انفراد أبرهة بالحكم، واستقلاله في إدارة اليمن حتى صار في حكم ملك مستقل، يستقبل وفود الدول ورسلهم ومن بينهم وفد من ملك قامت حكومته بغزو اليمن والاستيلاء عليها. وأما تقديم ملك الروم على ملك الفرس، فلصلة الدين والسياسة بين الحبشة والروم واليمن، فللروم الأسبقية والأفضلية إذن على الفرس. ويلاحظ أيضًا أن النص قد استعمل كلمة "محشكت" للوفد أو الرسل الذين جاءوا إلى أبرهة من النجاشي ومن ملك الروم، فكتب "محشكت نجشين"

стр. 1924

و"محشكت ملك رمن" أي "رسل النجاشي "سفراء النجاشي" "سفير النجاشي" و"رسل ملك الروم". وتعني كلمة "محشكت" في اللغة السبئية "الزوجة"، فعبر في هذا النص بهذه الكلمة عن معنى "سفير" "سفراء" و"رسل حكومة صديقة مقربة"، فلها إذن. هنا معنى دبلوماسي خاص١. أما بالنسبة إلى رسل "ملك الفرس"، فقد أطلق عليهم كلمة "تنبلت"، فكتب "تنبلت ملك فرس"، أي "وفد ملك الفرس" وذلك يشير إلى أن لهذه الكلمة معنى خاصًّا في العرف السياسي يختلف عن معنى "محشكت"، وأن الوفد لم يكن في منزلة وفدي الحبشة والروم ودرجتهما. ولقد أحدث مجيء مندوب النجاشي "رمحيز زبيمن" ومندوب ملك الروم ومبعوث ملك الفرس، ورسل المنذر ملك الحيرة، والحارث بن جبلة وأبي كرب بن جبلة، أثرًا كبيرًا ولا شك في نفوس العرب الجنوبيين، وفي نفوس الأقيال وقبائلهم، فمجيء هؤلاء إلى اليمن، وقطعهم المسافات الشاسعة، ليس بأمر يسير، وفيه أهمية سياسية كبيرة. وفيه تقدير لأبرهة ولمكانته في هذه البقعة الخطيرة المسيطرة على البحر الأحمر وفمه عند باب المندب، وعلى المحيط الهندي. كما أحدثت الأبهة التي اصطنعها أبرهة لنفسه في اليمن. والقوة التي جمعها في يديه أثرًا كبيرًا ولا شك أيضًا في نفوس المبعوثين الذين قطعوا تلك المسافات للوصول إلى عاصمة سبأ ذات الأثر الخالد في النفوس٢. ولم يكن مجيء هؤلاء المبعوثين إلى أبرهة لمجرد التهنئة أو التسلية أو المجاملة أو ما شاكل ذلك من كلمات مكتوبة في معجمات السياسة. ولكن لأمور أخرى أبعد من هذه وأهم، هي جر أبرهة إلى هذا لمعسكر أو ذلك، وترجيح كفة على أخرى، وخنق التجارة في البحر الأحمر، أو توسيعها، ومن وراء ذلك إما نكبة تحل بمؤسسات الروم وتجاراتهم، وإما ربح وافر يصيبهم بما لا يقدر. لقد كان العالم إذ ذاك كما هو الآن، جبهتين: جبهة غربية، وجبهة أخرى شرقية: الروم والفرس. ولكل طبالون ومزمرون من الممالك الصغيرة وسادات القبائل يطلبون ويزمرون، ويرضون أو يغضبون، ويثيبون أو يعاقبون إرضال

стр. 1925

للجبهة التي هم فيها. وزلفى إليها وتقربًا. لقد سخر الروم كل قواهم السياسية للهيمنة على جزيرة العرب. أو إبعادها عن الفرس وعن الميالين إليهم على الأقل. وعمل الفرس من جهتهم على تحطيم كل جبهة تميل إلى الروم وتؤيد وجهة نظرهم وعلى منع سفنهم من الدخول إلى البحر الهندي، والإتجار مع بلاد العرب. وعمل المعسكران بكل جد وحزم على نشر وسائل الدعاية واكتساب معركة الدعاية والفكر، ومن ذلك التأثير على العقول. فسعى الروم لنشر النصرانية في الجزيرة، فأرسلوا المبشرين وساعدوهم، وحرضوا الحبشة على نصرها ونشرها، وسعى الفرس لنشر المذاهب النصرانية المعارضة لمذهب الروم والحبشة ولتأييد اليهودية أيضًا. وهي معارضة لسياسة الروم أيضًا. ولم يكن دين الفرس كما نعلم نصرانيًّا ولا يهوديًّا، وإنما هو دين بغيض إلى أصحاب الديانتين. ولم يكن غرض الروم من بث النصرانية أيضًا خالصًا لوجه الله بريئًا من كل شائبة. أما النجاشي الذي أرسل الوفد إلى أبرهة فاسمه "رمحيز زبيمن" "رمحيز زبيمان" كما ذكر ذلك أبرهة نفسه. ولا يعرف من أمر هذا النجاشي شيء كثير، ولا يعرف كذلك أكان قد خلف النجاشي "كالب إيلا أصبحة" kaleb ela asbeha الذي بأمره كان الفتح أم كان خلفًا لخليفته١. وقد أشرت من قبل إلى ما ذكره "بروكوبيوس" وأهل الأخبار عن التوتر الذي كان بين نجاشي الحبشة وأبرهة، وعن امتناع أبرهة عن دفع جزية سنوية إليه، ويظهر أن أبرهة رأى أن من الخير له مصالحة النجاشي والاعتراف بسلطانه اسميًّا، وفي ذلك كسب سياسي عظيم، كما هو كسب للنجاشي ولو صوريًّا، فدفع الجزية له، وتحسنت العلاقات. وأما "ملك رمن" ملك الروم، فلم يذكر "أبرهة" اسمه في نصه. ولكن يجب أن يكون هو القيصر "يوسطنيانوس" justinian الذي حكم من سنة "٥٢٧" حتى سنة "٥٦٦" للميلاد، وكان حكمه بعد حكم "يسطين" الذي ولي الحكم من سنة "٥١٨" حتى سنة "٥٢٧" للميلاد. وكان "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" قد وضع خطة للتحالف مع الحبش ومع حمير للإضرار بالفرس. وراسل "السميفع أشوع" esimiphaeus للاتحاد معه ولمحاربة الفرس، فلما تولى "أبرهة" الحكم عاد القيصر فاتصل به، وتودد إليه لتنفيذ ما عرضه على "السميفع أشوع"

стр. 1926

في مهاجمة الفرس. فوافق أبرهة على ذلك، وأغار عليهم، غير أنه تراجع بسرعة١. وأما "حرثم بن جبلت"، فهو الحارث بن جبلة ملك الغساسنة، وأما "أبكرب بن جبلت"، فإنه abochorabus المذكور في تأريخ "بروكوبيوس". وقد ذكر هذا المؤرخ أن القيصر "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" justinian كان عينه عاملًا "فيلارخا" phylarch على عرب السرسين saracens بفلسطين، وأنه كان رجلًا صاحب قابليات وكفاية، تمكن من تأمين الحدود ومن منع الأعراب من التعرض لها، وكان هو نفسه يحكم قسمًا منهم، كما كان شديدًا على المخالفين له. وذكر أيضًا أنه كان يحكم أرض غابات النخيل جنوب فلسطين، ويحاور عربها عرب آخرون يسمون "معديني" "معد" maddeni هم أتباع لـ"حمير" homeritae٢. أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات نخل كثير عرفت عند الروم بـ phoinikon "واحة النخيل"، أو "غابة النخيل" وهي أرض بعيدة، لا تُبلغ إلا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القبيصر هذه الهدية الرمزية، إذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعين هذا الرئيس عاملًا "فيلارخًا" على عرب فلسطين٣. وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسية بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" amorkesos الذي سبق أن تحدثت عنه في كلامي على علاقة العرب بالبيزنطيين. و"غابة النخيل" التي ذكرناها، تجاور أرض قبيلة "معد" maddenoi، وكانت معد كما يظهر من أقوال المؤرخ "بروكوبيوس" خاضعة في عهده لحكم الحميريين. وقد ذكرت كيف أن القيصر توسط لدى "السميفع أشوع" ليوافق

стр. 1927

على تعيين "قيس" رئيسًا على معد. وقد تمردت هذه القبيلة على "أبرهة"، فسير إليها قوة لتأديبها، كما يظهر ذلك من كتابة أمر "أبرهة" بكتابتها لهذه المناسبة. أدبها بقوة سيرها إليها في شهر "ذو ثبتن" من شهور فصل الربيع، فانهزمت معد، وأنزلت القوة بها خسائر فادحة. وبعد أن تأدبت وخضعت، اعترف "أبرهة" بحكم "عمرو بن مذر" عليها، وتراجعت القوة عنها١. و maddenoi، هي قبيلة ma'addaya التي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" john of ephesus مع "طياية" taiyaye في كتابه الذي وجهه إلى أسقف "بيت أرشام" beth arsham، ويظهر من هذا الكتاب أن عشائر منها كانت مقيمة في فلسطين. وفي القرآن الكريم سورة، أشارت إلى سيل العرم، هي سورة سبأ، ورد فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ٢. ولم يحدد المفسرون الوقت الذي تهدم فيه السد٣. ولـ"أبرهة" نص آخر، كتبه بعد النص المتقدم، لمناسبة غزوه "غزيو" "معدًا"، في شهر "ذ ثبتن" "ذي ثبت" "ذي الثبت" "ذي الثبات" من شهور سنة "٦٦٢" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥٤٧" أو "٥٣٥" للميلاد. وهذا النص عثرت عليه بعثة "ريكمنس" مدونًا على صخرة بالقرب من بئر "مريغان". فوسم بـryckmans ٥٠٦. وقد ترجمه "ريكمنس" g. Ryckmans إلى الفرنسية، ثم إلى لغات أخرى٤.

стр. 1928

وفي النص مواضع طمست فيها معالم بعض الحروف، عز بذهابها فهم المعنى وضبط الأعلام. كما أن فيها بعض تعابير معقدة، عقدت على من عالجه فهم المعنى فهمًا واضحًا. ثم هو نص قصير لا يتجاوز عشرة أسطر، واختصر وصف الحوادث حتى صيره وكأنه برقيه من برقيات "التلغراف"، ولكنه مع كل هذا ذو خطر بالغ؛ لأنه يتحدث عن حوادث لم نكن نعرف عنها شيئًا، ويصف الأوضاع السياسية في ذلك العهد، ويشير إلى اتصال ملوك الحيرة بالحبش وإلى سلطان حكام اليمن على القبائل العربية، مثل معد. مع أنها قبائل قوية وكثيرة العدد. وهو ما يؤيد رواية أهل الأخبار في أنه كان لليمن نفوذ على قبائل معد وأن تبايعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على تلك القبائل. وقد تلقب "أبرهة" في هذا النص كما تلقب في نص سد مأرب بلقب الملك الذي كان يتلقب به ملوك اليمن، وهو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في النجاد "طودم"، وفي المنخفضات "تهمتم"، "تهامة"، كما افتتحه بجملة: "نخيل رحمنن ومسحهو"، أي "بحول الرحمن ومسيحه"، وقد سبق لـ"أبرهة" أن افتتح نصه الذي دونه على "سد مأرب" بجملة: "بخيل ودا ورحمت رحمن ومسحهو ورح قدس"، ومعناها: "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحة روح القدس"، والجملتان من الجمل التي ترد في نصوص اليمن لأول مرة، وذلك بسبب كون أبرهة نصرانيًّا، وقد صارت النصرانية في أيام احتلال الحبش لليمن ديانة رسمية للحكومة، باعتبار أنها ديانة الحاكمين، وعرف "أبرهة" في النصين بـ"أبره زيبمن"، أي "أبرهة زيبمان"، ولفظه "زي ب م ن" "زيبمن" من ألقاب الملك في لغة الأحباش١. وإليك هذا النص كما دونه "ريكمنس" عن النص الأصيل: "بخيل رحمنن ومسحهو ملكن أبره زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمت سطرو ذن سطرن كغزيو معدم غزوتن ربعتن بورخن ذ ثبتن كقسدو كل بنيعمرم وذكي ملكن أبجبر بعم كدت وعل وبشرم بنحصنم بعم سعدم وم. خ ض. ووضرو قدمي جيشن على بنيعمرم كدت وعلى ود. ع. ز. رن. مردم وسعدم بود بمنهج تربن وهرجو وأزروا ومنمو ذ عسم ومخض ملكن

стр. 1929

بحلبن ودنو كظل معدم ورهنو وبعدنهو وزعهمو عموم بن مذرن ورهنهمو بنهو وستخلفهو على معدم معدم وقفلو بن حلبن بخيل رحمنن ورخهو ذ لئي وسثي وست ماتم"١. ونصه في عربيتنا: "بحول الرحمن ومسيحه. الملك أبرهة زبيمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في الطود "الهضبة" وفي تهامة "المنخفضات" سطروا هذه الأسطر لما غزت معد: الغزوة الربيعية بشهر ذو الثبات "ذ ثبتن" "ذو الثبت". ولما غلظ "ثار" كل "بنو عامر". أرسل الملك "أبا جبر" بقبيلة "كدت" كندة وقبيلة "عل" و"بشر بن حصن" "بشرم بن حصنم" بقبيلة "سعد" لحرب "بني عامر" فتحركا بسرعة٢ وقدما جيشهما نحو العدو: فحاربت "كدت" كندة وقبيلة "عل" بني عامر ومرادًا، وحاربت "سعد" بواد "بمنهج" ينهج" يؤدي" إلى "تربن" "الترب". فقتلوا من بني عامر وأسروا وكسبوا غنائم٣. وأما الملك، فحارب بـ"حلبن" حلبان". وهزمت معد، فرهنت رهائن عنده. وبعدئذ، فاوض "عمرو بن المنذر" "عمرو بن مذرن" وقدم رهائن من أبنائه. فاستخلفه "أقره" على معد. وقفل "أبرهة" راجعًا من "حلبن" "حلبان" بحول الرحمن. بتأريخ اثنين وستين وست مائة". وقد درس بعض الباحثين هذا النص، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى حملة أبرهة على مكة في العام الذي عرف عند أهل الأخبار بـ"عام الفيل" وأشير إليها في القرآن الكريم٤. وذهب بعض آخر إلى أنه يشير إلى غزو قام به أبرهة تمهيدًا لحملة كان عزم القيام بها نحو أعالي جزيرة العرب، فتوقفت عند مكة٥.

стр. 1930

وذهب آخرون إلى أن ما جاء في هذا النص لا علاقة له بحملة الفيل، ذلك لأن هذه الحملة كانت في سنة "٥٤٧" للميلاد على تقديرهم، على حين كانت حملة الفيل سنة:٥٦٣" على تقديرهم أيضًا١. وذهب "بيستن" إلى أن هذا النص يتحدث عن معركتين: معركة قام بها "أبرهة" في "حلبان": ومعركة كندة وسعد - مراد بموضع "تربن" "الترب" "تربة"، وقد حاربت فيها جماعة من القبائل٢. ويظهر من النص أن "أبرهة" غزا بنفسه معدًا في شهر "ذي ثبتن" من ربيع سنة "٦٦٢ من التقويم السبئي، والتقى بها في موضع "حلبن" "حلبان"، فهزمها وانتصر عليها، فاضطرت عندئذ إلى الخضوع له ومهادنته، وإلى وضع رهائن عنده تكون ضمانًا لديه بعدم خروجها مرة ثانية عليه. فوافق على ذلك. وفيما كان في "حلبان" بعد اتفاقه مع معد، جاءه "عمرو بن المنذر" "عمرم بن مذرن"، وكان أبوه "المنذر" عينه أميرًا على معد، ليفاوضه في أمر "معد" فقابله بـ"حلبان"، وأظهر له استعداد أبيه "المنذر" على وضع رهائن عنده لئلا يتكرر ما حدث، وبحصول اعترافه على تولي عمرو حكم "معد" فوافق أبرهة على ذلك، وقفل "وقفلو" أبرهة راجعًا إلى اليمن، وسوى بذلك خلافه مع معد. وصار "عمرو بن المنذر" رئيسًا على معد بتعيين أبيه له عليها وبتثبيت "أبرهة" هذا التعيين٣. و"حلبان" موضع في اليمن في أرض "حضور"، وذكر أنه موضع في اليمن على مقربة من "نجران"، وأنه موضع ماء في أرض "بني قُشَير". وقد وعت ذاكرة أهل الأخبار على ما يظهر شيئًا عن المعركة التي نشبت في هذا الموضع إذ رووا شعرًا للمخبل السعدي بفخر بنصره قومه "أبرهة بن الصباح" ملك اليمن٤. وكانت "خندف" حاشيته. ذكروا أنه قال:
следующие страницы →