في مهاجمة الفرس. فوافق أبرهة على ذلك، وأغار عليهم، غير أنه تراجع بسرعة١.
وأما "حرثم بن جبلت"، فهو الحارث بن جبلة ملك الغساسنة، وأما "أبكرب بن جبلت"، فإنه abochorabus المذكور في تأريخ "بروكوبيوس". وقد ذكر هذا المؤرخ أن القيصر "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" justinian كان عينه عاملًا "فيلارخا" phylarch على عرب السرسين saracens بفلسطين، وأنه كان رجلًا صاحب قابليات وكفاية، تمكن من تأمين الحدود ومن منع الأعراب من التعرض لها، وكان هو نفسه يحكم قسمًا منهم، كما كان شديدًا على المخالفين له. وذكر أيضًا أنه كان يحكم أرض غابات النخيل جنوب فلسطين، ويحاور عربها عرب آخرون يسمون "معديني" "معد" maddeni هم أتباع لـ"حمير" homeritae٢.
أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات نخل كثير عرفت عند الروم بـ phoinikon "واحة النخيل"، أو "غابة النخيل" وهي أرض بعيدة، لا تُبلغ إلا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القبيصر هذه الهدية الرمزية، إذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعين هذا الرئيس عاملًا "فيلارخًا" على عرب فلسطين٣.
وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسية بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" amorkesos الذي سبق أن تحدثت عنه في كلامي على علاقة العرب بالبيزنطيين.
و"غابة النخيل" التي ذكرناها، تجاور أرض قبيلة "معد" maddenoi، وكانت معد كما يظهر من أقوال المؤرخ "بروكوبيوس" خاضعة في عهده لحكم الحميريين. وقد ذكرت كيف أن القيصر توسط لدى "السميفع أشوع" ليوافق
стр. 1927
على تعيين "قيس" رئيسًا على معد. وقد تمردت هذه القبيلة على "أبرهة"، فسير إليها قوة لتأديبها، كما يظهر ذلك من كتابة أمر "أبرهة" بكتابتها لهذه المناسبة. أدبها بقوة سيرها إليها في شهر "ذو ثبتن" من شهور فصل الربيع، فانهزمت معد، وأنزلت القوة بها خسائر فادحة. وبعد أن تأدبت وخضعت، اعترف "أبرهة" بحكم "عمرو بن مذر" عليها، وتراجعت القوة عنها١.
و maddenoi، هي قبيلة ma'addaya التي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" john of ephesus مع "طياية" taiyaye في كتابه الذي وجهه إلى أسقف "بيت أرشام" beth arsham، ويظهر من هذا الكتاب أن عشائر منها كانت مقيمة في فلسطين.
وفي القرآن الكريم سورة، أشارت إلى سيل العرم، هي سورة سبأ، ورد فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ٢. ولم يحدد المفسرون الوقت الذي تهدم فيه السد٣.
ولـ"أبرهة" نص آخر، كتبه بعد النص المتقدم، لمناسبة غزوه "غزيو" "معدًا"، في شهر "ذ ثبتن" "ذي ثبت" "ذي الثبت" "ذي الثبات" من شهور سنة "٦٦٢" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "٥٤٧" أو "٥٣٥" للميلاد. وهذا النص عثرت عليه بعثة "ريكمنس" مدونًا على صخرة بالقرب من بئر "مريغان". فوسم بـryckmans ٥٠٦. وقد ترجمه "ريكمنس" g. Ryckmans إلى الفرنسية، ثم إلى لغات أخرى٤.
стр. 1928
وفي النص مواضع طمست فيها معالم بعض الحروف، عز بذهابها فهم المعنى وضبط الأعلام. كما أن فيها بعض تعابير معقدة، عقدت على من عالجه فهم المعنى فهمًا واضحًا. ثم هو نص قصير لا يتجاوز عشرة أسطر، واختصر وصف الحوادث حتى صيره وكأنه برقيه من برقيات "التلغراف"، ولكنه مع كل هذا ذو خطر بالغ؛ لأنه يتحدث عن حوادث لم نكن نعرف عنها شيئًا، ويصف الأوضاع السياسية في ذلك العهد، ويشير إلى اتصال ملوك الحيرة بالحبش وإلى سلطان حكام اليمن على القبائل العربية، مثل معد. مع أنها قبائل قوية وكثيرة العدد. وهو ما يؤيد رواية أهل الأخبار في أنه كان لليمن نفوذ على قبائل معد وأن تبايعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على تلك القبائل.
وقد تلقب "أبرهة" في هذا النص كما تلقب في نص سد مأرب بلقب الملك الذي كان يتلقب به ملوك اليمن، وهو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في النجاد "طودم"، وفي المنخفضات "تهمتم"، "تهامة"، كما افتتحه بجملة: "نخيل رحمنن ومسحهو"، أي "بحول الرحمن ومسيحه"، وقد سبق لـ"أبرهة" أن افتتح نصه الذي دونه على "سد مأرب" بجملة: "بخيل ودا ورحمت رحمن ومسحهو ورح قدس"، ومعناها: "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحة روح القدس"، والجملتان من الجمل التي ترد في نصوص اليمن لأول مرة، وذلك بسبب كون أبرهة نصرانيًّا، وقد صارت النصرانية في أيام احتلال الحبش لليمن ديانة رسمية للحكومة، باعتبار أنها ديانة الحاكمين، وعرف "أبرهة" في النصين بـ"أبره زيبمن"، أي "أبرهة زيبمان"، ولفظه "زي ب م ن" "زيبمن" من ألقاب الملك في لغة الأحباش١.
وإليك هذا النص كما دونه "ريكمنس" عن النص الأصيل:
"بخيل رحمنن ومسحهو ملكن أبره زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمت سطرو ذن سطرن كغزيو معدم غزوتن ربعتن بورخن ذ ثبتن كقسدو كل بنيعمرم وذكي ملكن أبجبر بعم كدت وعل وبشرم بنحصنم بعم سعدم وم. خ ض. ووضرو قدمي جيشن على بنيعمرم كدت وعلى ود. ع. ز. رن. مردم وسعدم بود بمنهج تربن وهرجو وأزروا ومنمو ذ عسم ومخض ملكن
стр. 1929
بحلبن ودنو كظل معدم ورهنو وبعدنهو وزعهمو عموم بن مذرن ورهنهمو بنهو وستخلفهو على معدم معدم وقفلو بن حلبن بخيل رحمنن ورخهو ذ لئي وسثي وست ماتم"١.
ونصه في عربيتنا:
"بحول الرحمن ومسيحه. الملك أبرهة زبيمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في الطود "الهضبة" وفي تهامة "المنخفضات" سطروا هذه الأسطر لما غزت معد: الغزوة الربيعية بشهر ذو الثبات "ذ ثبتن" "ذو الثبت". ولما غلظ "ثار" كل "بنو عامر". أرسل الملك "أبا جبر" بقبيلة "كدت" كندة وقبيلة "عل" و"بشر بن حصن" "بشرم بن حصنم" بقبيلة "سعد" لحرب "بني عامر" فتحركا بسرعة٢ وقدما جيشهما نحو العدو: فحاربت "كدت" كندة وقبيلة "عل" بني عامر ومرادًا، وحاربت "سعد" بواد "بمنهج" ينهج" يؤدي" إلى "تربن" "الترب". فقتلوا من بني عامر وأسروا وكسبوا غنائم٣. وأما الملك، فحارب بـ"حلبن" حلبان". وهزمت معد، فرهنت رهائن عنده.
وبعدئذ، فاوض "عمرو بن المنذر" "عمرو بن مذرن" وقدم رهائن من أبنائه. فاستخلفه "أقره" على معد. وقفل "أبرهة" راجعًا من "حلبن" "حلبان" بحول الرحمن. بتأريخ اثنين وستين وست مائة".
وقد درس بعض الباحثين هذا النص، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى حملة أبرهة على مكة في العام الذي عرف عند أهل الأخبار بـ"عام الفيل" وأشير إليها في القرآن الكريم٤. وذهب بعض آخر إلى أنه يشير إلى غزو قام به أبرهة تمهيدًا لحملة كان عزم القيام بها نحو أعالي جزيرة العرب، فتوقفت عند مكة٥.
стр. 1930
وذهب آخرون إلى أن ما جاء في هذا النص لا علاقة له بحملة الفيل، ذلك لأن هذه الحملة كانت في سنة "٥٤٧" للميلاد على تقديرهم، على حين كانت حملة الفيل سنة:٥٦٣" على تقديرهم أيضًا١.
وذهب "بيستن" إلى أن هذا النص يتحدث عن معركتين: معركة قام بها "أبرهة" في "حلبان": ومعركة كندة وسعد - مراد بموضع "تربن" "الترب" "تربة"، وقد حاربت فيها جماعة من القبائل٢.
ويظهر من النص أن "أبرهة" غزا بنفسه معدًا في شهر "ذي ثبتن" من ربيع سنة "٦٦٢ من التقويم السبئي، والتقى بها في موضع "حلبن" "حلبان"، فهزمها وانتصر عليها، فاضطرت عندئذ إلى الخضوع له ومهادنته، وإلى وضع رهائن عنده تكون ضمانًا لديه بعدم خروجها مرة ثانية عليه. فوافق على ذلك.
وفيما كان في "حلبان" بعد اتفاقه مع معد، جاءه "عمرو بن المنذر" "عمرم بن مذرن"، وكان أبوه "المنذر" عينه أميرًا على معد، ليفاوضه في أمر "معد" فقابله بـ"حلبان"، وأظهر له استعداد أبيه "المنذر" على وضع رهائن عنده لئلا يتكرر ما حدث، وبحصول اعترافه على تولي عمرو حكم "معد" فوافق أبرهة على ذلك، وقفل "وقفلو" أبرهة راجعًا إلى اليمن، وسوى بذلك خلافه مع معد. وصار "عمرو بن المنذر" رئيسًا على معد بتعيين أبيه له عليها وبتثبيت "أبرهة" هذا التعيين٣.
و"حلبان" موضع في اليمن في أرض "حضور"، وذكر أنه موضع في اليمن على مقربة من "نجران"، وأنه موضع ماء في أرض "بني قُشَير". وقد وعت ذاكرة أهل الأخبار على ما يظهر شيئًا عن المعركة التي نشبت في هذا الموضع إذ رووا شعرًا للمخبل السعدي بفخر بنصره قومه "أبرهة بن الصباح" ملك اليمن٤. وكانت "خندف" حاشيته. ذكروا أنه قال:
стр. 1931
صَرَموا لِأَبرَهَةَ الأُمورَ مَحَلَّها ... حَلبانُ فَاِنطَلَقوا مَعَ الأَقوالِ
وَمُحَرِّقٌ وَالحارِثانِ كِلاهُما ... شُرَكاؤُنا في الصِهرِ وَالأَموالِ١
وأورد "الهمداني" أبياتًا فيها اسم موضع "حلبان" واسم "أبي يكسوم"، وهي قوله:
وَيَومَ أَبي يَكسومَ وَالناسُ حُضَّرٌ ... عَلى جَلَبانٍ إِذ تَقَضّي مَحاِمله
فَتَحنا لَهُ بابَ الحَصيرِ وَرَبُّهُ ... عَزيرٌ تَمشي بِالسِّيوفِ أَراجِلُه
وقد روى هذان البيتان وهما من شعر "المخيل المعدي" في هذا الشكل:
وَيَومَ أَبي يَكسومَ وَالناسُ حُضَّرٌ ... عَلى جَلَبانٍ إِذ تَقَضّي مَحاِمله
طَوَينَا لَهُم بَابَ الحصينَ ودونَه ... عَزيزٍ يَمشي بالحرابِ مقاولُهُ٢.
ويظهر من هذا الشعر أن "أبرهة" لما جاء بجيشه إلى موضع "حلبان"، وجد مقاومة، ووجد أبواب الحصن مقفلة، وقد تحصن فيه المقاومون له ودافعوا عنه، فهجم قوم الشاعر عليه، ففتحوا باب الحصن، ودخلوه.
أما تأديب "بني عامر"، فلم يقم به"أبرهة" بنفسه، بل قام به قائد اسمه "أبجبر" "أبو جبر"، قاد قبيلتي "كدت"، أي "كندة" و"عل"، وقائد آخر اسمه "بشرم بن حصنم"، أي "بشر بن حصن"، قاد قبيلة "سعدم"، أي "سعد" بنو سعد". وسار القائدان بجيشهما وتقدما بهما إلى "بني عامر"، وحاربا على هذا النحو: حاربت "كندة" و"عل" قبائل سقطت بعض الحروف من اسم كل واحدة منها، فبقي من إحداهما "ود. ع" وبقي من الأخرى "زرن" "ز. رن" وقبيلة "مردم"، أي "مراد".
وحاربت "سعد" بوادٍ يؤدي إلى "تربن" "الترب"٣، فقتلوا وأسروا "أزروا" وأصابوا غنائم٤. ولم يسم النص الوادي الذي يؤدي إلى "الترب".
стр. 1932
ويظهر أن موضع "تربن" الذي يؤدي إليه الوادي الذي جرت فيه المعركة، هو موضع "تربة"، مكان في بلاد بني عامر، ومن مخاليف مكة النجدية، على مسافة ثمانين ميلًا تقريبًا إلى الجنوب الشرقي من الطائف١. وذكر أنه وادٍ بقرب مكة على يومين منها، يصب في بستان ابن عامر، حوله جبال السراة، وقيل إنه وادٍ ضخم، مسيرته عشرون يومًا أسفله بنجد وأعلاه بالسراة، وقيل: يأخذ من السراة ويفرغ في نجران، وقيل: موضع من بلاد بني عامر بن كلاب واسم موضع من بلاد بني عامر بن مالك٢.
و"عمرم بن مذرن"، هو "عمرو بن المنذر" ملك الحيرة، وكان أبوه "المنذر" حليفًا للساسانيين. فيكون قد عاصر "أبرهة" إذن، ويكون "عمرو" ابنه من المعاصرين له أيضًا.
وقصد بـ"بنيعمرم"، "بني عامر". وهم "بنو عامر بن صعصعة" من "هوازن"٣.
ومراد، هي قبيلة مراد التي بها "غطيف". وفي أيام الرسول وفد عليه "فروة بن مسيك المرادي" مفارقًا لملوك كندة. وقد كانت بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة ظفرت فيها همدان، وكثر فيها القتلى في مراد. وعرفت تلك الوقعة بيوم الروم. ورئيس همدان الأجدع بن مالك والد مسروق٤.
وأما "سعدم" أي قبيلة "سعد"، التي قادها "بشر بن حصن" في هذه المعركة، فلم يذكر النص هويتها. غير أننا إذا ما أخذنا بشعر "المخبل السعدي" الذي افتخر به بنصرة قومه لأبرهة في يوم "حلبان" وبانضمامهم إليه، ففي استطاعتنا أن نقول حينئذٍ: إن قومه هم "سعدم" أي "سعد" القبيلة المذكورة في النص.
و"أبجبر" اسم قد يقرأ "أبو جبر"، وقد يكون "أبو جابر" وقد
стр. 1933
يكون "أبجبر" وقد يكون "أبو جبار". وكل هذه الأسماء هي أسماء معروفة عند الجاهلين. وقد ذهب "كستر"m. J. Kister" إلى احتمال كونه "يزيد بن شرحبيل الكندي" أو "أبو الجبر بن عمرو"، وهو من كندة أيضًا١.
وهو من "آل الجون" من بطون كندة٢.
وقد أشير في كتب أهل الأخبار إلى أمير من أمراء كندة عرف بـ"أبي الجبر" وقد ذكر في مقصورة "ابن بريد"٣. وروي أنه زار "كسرى" ليساعده على قومه، فأعطاه جماعة من "الأساورة" أخذهم معه ليساعدوه، فلما وصل إلى "كاظمة" سئموا منه، وأرادوا التخلص منه فدسوا السم له في طعامه.
ولكنه لم يمت منه، بل شعر بألم منه، فأكرهه الأساورة على أن يكتب كتابًا لهم يحملونه معهم إلى "كسرى" يذكر فيه أنه سمح لهم بالعودة، فكتب لهم كتابًا ثم سافر إلى "الطائف"، فعالجه "الحارث بن كلدة الثقفي"، حتى شفي، فوهبه جارية كانت له اسمها "سمية" أهداها له "كسرى" ثم ذهب إلى اليمن، ولكن عاوده مرضه في طريقة إليها فمات. وقد رأى "كستر" أنه هو "أبو جبر" المذكور في النص٤.
وأما "بشرم بن حصنم" أي "بشر بن حصن"، أو "بشر بن حصين" أو "بشار بن حصن" أو "بشار بن حصين" أو "بشير بن حصن"، فقد ذهب "لندن" ludin، إلى أنه أحد سادات "كندة"٥.
لقد أشرت إلى رأي بعض الباحثين في هذه الحملة، وإلى ذهاب بعضهم إلى أنها كانت حملة الفيل، أي حملة أبرهة المذكورة في القرآن الكريم على مكة. كما أشرت إلى رأي آخر، ذكر أن هذه الحملة كانت مقدمة لحملة الفيل، أي حملة
стр. 1934
تجريبية سبقت تلك الحملة. وحجة الفريق الأول ما ورد في بعض الروايات من أن مولد الرسول كان بعد عام الفيل بثلاث وعشرين سنة١. أي في حوالي السنة "٥٤٧" للميلاد. وهو تأريخ ينطبق مع السنة المذكورة في النص، إذا أخذنا برأي من يجعل مبدأ التقويم الحميري سنة "١١٥" قبل الميلاد٢. ومن ورود رواية أخرى في حساب السنين عند قريش، تظهر بنتيجة حسابها وتحويلها أن عام الفيل كان في سنة "٥٥٢" بعد الميلاد، وهو تأريخ ينطبق مع تأريخ النص أيضًا إذا أخذنا برأي "ريكمنس" في مبدإ التقويم الحميري من أنه كان سنة "١٠٩" لا "١١٥" قبل الميلاد٣.
وأبرهة هذا هو "صاحب الفيل" الذي قصد بفيلته وجنده هدم الكعبة وإكراه الناس على الحج إلى "القُليس" الكنيسة التي بناها بمدينة "صنعاء" في روايات الأخباريين. وهي كنيسة قال عنها أهل الأخبار، إنها كانت عجيبة في عظمتها وضخامتها وتزويقها من الداخل والخارج، حتى إن "أبرهة" لما انتهى من بنائها كتب إلى النجاشي: "إني قد بنيت لك بصنعاء بيتًا لم تبن العرب ولا العجم مثله"٤. أو "إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك. كان قبلك"٥.
ويبالغ أهل الأخبار في وصفها فيذكر "الأزرق"، أنه بناها بجانب قصر غمدان، وأنه أقامها بحجارة قصر بلقيس بمأرب، نقلها العمال والفعلة والمسخرون من مأرب إلى صنعاء. فهدموا ذلك القصر وأخذوا حجره يصلح للبناء من مادة، ثم نقلوه إلى صنعاء لاستعماله في بناء تلك الكنيسة التي بنوها بناءً ضخمًا عاليًا، وجعلوا جدرانها من طبقات من حجر ذي ألوان مختلفة.
لون كل طبقة يختلف عن الطبقة التي تحتها أو التي فوقها. وزينوا الجدران بأفاريز من الرخام والخشب المنقوش. وجعلوا الرخام ناتئًا عن البناء، وجعلوا فوق الرخام
стр. 1935
حجارة سودًا لها بريق، وفوقها حجارة بيضًا لها بريق، فكان هذا ظاهر حائط القليس. وكان عرضه ستة أذرع. وكان للقليس باب من نحاس عشرة أذرع طولًا في أربع أذرع عرضًا. وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه، طوله ثمانون ذراعًا في أربعين ذراعًا معلق العمد بالسياج المنقوش ومسامير الذهب والفضة، ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعًا، عن يمينه وعن يساره، وعقوده مضروبة بالفسيفساء مشجرة، بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، جدرها بالفسيفساء، فيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشر أذرع في عشر أذرع، تغشي عينَ من ينظر إليها من بطن القبة تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة، وكان تحت القبة منبر من خشب اللبخ، وهو عندهم الآبنوس، مفصد بالعاج الأبيض. ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبًا وفضة. وكان في القبة سلاسل فضة١. وفي القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعًا يقال لها كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب كانوا يتبركون بهما في الجاهلية. وكان يقال لكعيب الأحوزي، والأحوزي بلسانهم الحر٢.
وكان أبرهة قد أخذ العمال بالعمل أخذًا شديدًا، وأمر بالعمل في بناء الكنيسة ليل نهار. وإذا تراخى عامل أو تباطأ عن عمله أنزل وكلاؤه به عقابًا شديدًا، يصل إلى قطع اليد. وبقي هذا شأنه ودأبه حتى أكمل بناؤها وسر من رؤيتها، فأصبحت بهجة للناظرين.
ونجد في وصف "الأزرقي" ومن تقدم عليه من أهل الأخبار للقليس شيئًا من المبالغة، ولكنه على الإجمال وصف يظهر أنه أخذ من موارده وعته وشاهدته وأدركته. لذلك جاء وصفًا حيًّا نابضًا بالحياة، ينطبق على الكنائس الضخمة التي أنشئت في تلك الأيام في القسطنطينية أو في القدس أو في دمشق، أو في المدن الأخرى. والظاهر من هذا الوصف، أن فن العمارة اليماني القديم قد أثر في شكل بناء هذه الكنيسة، التي تأثرت بالفن البيزنطي النصراني في بناء الكنائس.
стр. 1936
ويذكر "الأزرقي" أن القليس بقي في صنعاء ما كان عليه حتى ولي أبو جعفر المنصور الخلافة، فولى "العباس بن الربيع بن عبيد الله الحارثي" "العباس بن الربيع بن عبد الله العامري" اليمن، فذكر له ما في القليس من ذخائر، وقيل له إنك تصيب فيه مالًا كثيرًا وكنزًا فتاقت نفسه إلى هدمه. ثم استشار أحد أبناء وهب بن منبه وأحد يهود صنعاء فألحا عليه بهدمه وبيَّن اليهودي له أنه إذا هدمه فإنه سيلي اليمن أربعين سنة، فأمر بهدمه، واستخرج ما فيه من أموال وذهب وفضة وخاف الناس من لمس الخشبة المنقوشة التي كانوا يتبركون بها، ثم اشتراها رجل من أهل العراق كان تاجرًا بصنعاء وقطعها لدار له١. وخرب القليس حتى عفي رسمه وانقطع خبره٢.
وإذا كان ما يقوله الأزرقي نقلًا عن رواة أدركوا تلك الكنيسة من أن أبرهة أقامها بأحجار قصر بلقيس باليمن، فإنه يكون بذلك قد قوض أثرًا مهمًّا من آثار مدينة مأرب، وأزال عملًا من الأعمال البنائية التي أقامها السبئيون في عاصمتهم قبله. وهو عمل مؤسف.
وفي صنعاء اليوم موضع يعرف بـ"غرفة القليس"، يظن أنه موضع تلك الكنيسة، وهو موضع حفير صغير ترمى فيه القمامات وعليه حائط ويقع أعلى صنعاء في حارة القطيع بقرب مسجد نصير٣.
وذكر "الهمداني" اسم قصر دعاه "القليس" نسب بناءه إلى "القليس بن عمرو"، وهو في زعمه من أبناء "شرحبيل بن عمرو بن ذي غمدان بن إلى شرح يحضب". وقال: إنه بناه بصنعاء، وهو بناء قديم، وذكر أيضًا أن "عمرو ينأر ذو غمدان ابن آلي شرح يحضب بن الصوار" هو أول من شرع في تشييد "غمدان" بعد بنائه القديم٤.
стр. 1937
وقد أمر "أبرهة" ببناء كنيسة في "مأرب" أشار إلى بنائها في نصه الشهير، أقامها في سنة "٥٤٢م"، ورتب لخدمتها جماعة من منتصرة سبأ، واحتفل هو نفسه بافتتاحها، ولعله استعان ببنائها بحجارة قصور مأرب ومعبدها الكبير، وذلك لأن حجارتها منحوتة نحتًا جيدًا، يجعل من السهل استعمالها في البناء على حين يتطلب الحجر الجديد وقتًا طويلًا وأموالًا باهظة. ولهذا السبب ذهب أهل الأخبار إلى أنه أمر بنقل حجارة قصر مأرب إلى صنعاء.
جدار معبد "أوم" "أوام" بمأرب، وهو معبد اله سبأ من كتاب (Qataban and Sheba)
لقد أصيب مشروع أبرهة الرامي إلى هدم الكعبة والاستيلاء على مكة بإخفاق ذريع، يذكرنا بذلك الإخفاق الذي مُني به مشروع "أوليوس غالوس". لقد كان في الواقع مشروعًا خطيرًا، لو تم إذن لاتصل ملك الروم بملك حلفائهم وأنصارهم الحبش في اليمن، ولتحقق حلم الإسكندر الأكبر وأغسطس ومن فكر في الاستيلاء على هذا الجزء الخطير من العالم من بعدها، ولتغير الوضع السياسي في الجزيرة من غير شك، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حدث أن مكة التي أريد هدمها هي التي هدمت ملك الحبشة في اليمن، وملك من جاء بعدهم لنجدة أهل اليمن، وملك البيزنطيين في بلاد الشأم وملك الفرس في العراق وفي
стр. 1938
كل مكان١.
ويظهر من الرواية العربية أن نهاية "أبرهة" كانت بعد عودته من مكة بقليل إذ لازمه الوباء الذي نزل برجال حملته أثناء محاصرتهم لها، ولم يتركه حتى بلغ صنعاء وهو مريض متعب، فهلك بها عند وصوله٢. ويجب أن يكون ذلك سنة "٥٧٠" أو "٥٧١" للميلاد. أما المصادر اليونانية، فلم تشر إلى سنة وفاته.
ويذكر الأخباريون أن الذي حكم بعد "أبرهة"، هو ابنه "يكسوم". وبه كان أبرهة يكنى. فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة، وعم أذاهم وقتلوا خلقًا من رجالهم، وأخذوا نساءهم، وأتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب٣. ويذكر "المسعودي" أن "يكسوم" كان سيئ السيرة في أهل اليمن فعم أذاه سائر الناس، إلى أن هلك بعد عشرين سنة من الحكم٤.
وذكر "أبو حنيفة الدينوري"، أن "النجاشي" أقر "أبرهة" على سلطان اليمن، فمكث على ذلك أربعين عامًا٥. أما ابنه "يكسوم"، فمكث على اليمن تسع عشرة سنة٦. وصير "حمزة" مدة حكم أبرهة ثلاثًا وعشرين سنة، مذ قتل "أرياطًا"، الذي حكم على زعمه عشرين سنة. جعل حكم "يكسوم" سبع عشرة سنة، وملك مسروق اثنتي عشرة سنة، ومدة حكم الحبشة، اثنتين وسبعين سنة٧.
ويرى "كلاسر" أن أبرهة كان قد عين ابنه "أكسوم" "يكسوم" على أرض "معاهر" "معهرن"، وكانت له "ذي معاهر"، فعرف "يكسوم" بـ"ذي معاهر". وفي معاهر "عر وعلن"، أي حصن وعلان٨.
стр. 1939
وانتقل الحكم من بعد هلاك "يكسوم" إلى شقيقه "مسروق" وهو من أم عربية هي "ريحانة بنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان" وهو "ذو جدن" وكانت تحت "أبا مرة القياض ذا يزن فانتزعها منه أبرهة، وأولدها مسروقًا.
ففر "ذو يزن" من اليمن، ولحق ببعض ملوك بني المنذر، ويظن "الطبري" بأنه "عمرو بن هند" وأقام هناك١. وقد كان أسوأ سيرة من "يكسوم"، ويذكر "المسعودي" أنه حكم ثلاث سنين٢. وقد قتل الفرس مسروقًا، وذلك حين دخولهم اليمن، وأخرجوا الحبشة عن اليمن٣.
وقد ذكر المؤرخ "ثيوفانس" ملكًا من ملوك حمير قال إن الفرس أسروه، وذلك في حوالي السنة "٥٧٠" للميلاد، دعاه باسم "سنطرق" "سنطرقس" sanaturces. وهو فيما يرى "كلاسر" تحريف "شناتر": والأصل "ذو شناتر". و"شناتر" اسم موضع، والمراد به "مسروق بن أبرهة"، وكان والده قد عينه على هذا الموضع فعرف به. وقد ذكر "ابن قتيبة" أن "ذا شناتر"، هو الابن الثاني لأبرهة، ولهذا يرى "كلاسر" أن sanaturces هو "مسروق"٤.
وبهلاك "مسروق" هلك حكم الحبش لليمن؛ إذ أخرجوا بعد انتصار الفرس وأهل اليمن عليهم. ويذكر الطبري، أن حكم الحبشة لليمن دام اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة٥.
وجاء في شعر للشاعر "لبيد بن ربيعة العامري" أنه دخل على ملك من ملوك الحبش، اسمه "خمير"، أتاه فكلمه في فداء قوم، فأجازه، وأحسن إليه، وحمله على خيل، "وبذوقه"٦، أي: أرسل معه من يحرسه، وأجازه، وأعطاه "طرسًا"، أي كتابًا، كتبه له لأن يعطي، وغلامًا أطلس أي حبشيًّا ٧. ولم يذكر كيف
стр. 1940
وصل إلى "خمير"، ولا في أي مكان، كان يحكم. وما علاقة ذلك الملك الحبشي بجزيرة العرب إن صح أنه ملك الحبش حقًّا؟ وإذا أخذنا بقول هذا الشاعر وصدقناه، فقد يكون ذهب ليتوسل إلى الحبش لفك أسر جماعة من قومه أو من أصحابه قد يكونون ذهبوا للإتجار أو لشراء الرقيق، فقبض عليهم لسبب من الأسباب واحتجزوا، فذهب لإلماسهم فنجح في وساطته وقد يكون "خمير" هذا أحد الحكام أو الإقطاعيين، لا النجاشي ملك الأحباش.
ويظهر من كتاب "الإشقاق" أنه كان لأبرهة حفيد اسمه "ابن شمر" إذ ذكر مؤلفه "ابن دريد" اسم رجل سماه "ابن شمر بن أبرهة بن الصباح"، قال: إنه قتل مع "علي بن أبي طالب" بصفين١. ومعنى هذا أنه كان لأبرهة ولد اسمه "شمر". ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء رجال كانوا من حفدة "أبرهة".
وقد سعى الأحباش، مدة مكثهم في اليمن، في نشر النصرانية بين الناس، وبناء الكنائس. ويحدثنا "قزما الرحالة" cosmas indicopleustes في نحو سنة "٥٣٥م"، أي بعد اندحار "ذي نواس"، عن كثرة الكنائس في العربية السعيدة، وعن كثرة الأساقفة والمبشرين الذين بشروا بين الحميريين والنبط وبني جرم٢. وقد اشتهرت كنيسة "نجران"، وكذلك كنيسة صنعاء، وكنيسة "ظفار" التي بناها الحبش، وقد أشرف عليها الأسقف "جرجنسيوس" صاحب "كتاب شرائع الحميريين"، وكان مقربًا لدى النجاشي ومستشاره ومساعده في تنصير الحميريين٣.
وورد أن القيصر "يوسطين" "جستين" كان قد أرسل "كريكنتيوس" gregentius of uippana من الإسكندرية إلى "ظفار" ليكون "أسقفًا" على نصاراها. وقد تناظر مع "حبر" من أحبار يهود فيها، فغلبه. وقدم قانون الشرعية إلى "أبرام" "abram" ملك حمير٤.
стр. 1941
حملة أبرهة:
وفي أيام عبد المطلب كانت حملة أبرهة على مكة، وهي حملة روعت قريشًا وأفزعتهم، لما عرفوه من قساوة أبرهة ومن شدته في أهل اليمن، ومن انفراده بالحكم، واستبداده في الأمور، حتى إنه لما مات وذهب مع الذاهبين لم تمت ذكراه كما ماتت ذكرى غيره من الحكام، بل تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة أهل اليمن، انتقل منهم إلى أهل الأخبار، فرووا عنه أقاصيص، ونسجوا حوله نسيجًا من أساطير وخرافات، على عادتهم عند تحدثهم عن الشخصيات الجاهلية القوية التي تركت أثرًا في أهل تلك الأيام، حتى إنهم لم يكتفوا بكل ما قالوه فيه، وكأنه لم يكن كافيًا، فجعلوا منه جملة رجال سموهم "أبرهة" نصبوهم ملوكًا وتبايعة على مملكة سبأ وحمير.
والرأي الغالب بين الناس أن حملة أبرهة على مكة، كانت قبل المبعث بزهاء أربعين سنة، وميلاد الرسول كان في عام هذه الحملة، وهو العام الذي عرف بـ"عام الفيل". وهو يوافق سنة "٥٧٠" أو "٥٧١م". وإنما عرف بعام الفيل؛ لأن الحبش كما يزعم أهل الأخبار جاءوا إلى مكة ومعهم فيل سموه "محمودًا"، وقد جاءوا به من الحبشة. وفي بعض الروايات أن عدد الفيلة كان ثلاثة عشر فيلًا، أو اثني عشر، أو دون ذلك، أو أكثر، وأوصلوا العدد إلى ألف فيل. ولوجود الفيل أو الفيلة في الحملة، عرفت بحملة الفيل، وعبر عن الحبش في القرآن الكريم بـ"أصحاب الفيل"١.
وقد ذهب بعض الرواة إلى أن عام الفيل إنما كان قبل مولد النبي بثلاث وعشرين سنة، وذكر بعضهم أنه كان في السنة الثانية عشرة من ملك "هرمز بن أنو شروان". ولما كان ابتداء حكم "هرمز بن أنو شروان" سنة "٥٧٩" فعام الفيل يكون في حوالي السنة "٥٨١" للميلاد لا سنة "٥٧٠" أو "٥٧١" للميلاد
стр. 1942
كما يذهب الأكثرون إلى ذلك. وأما إذا أخذنا برواية من قال من الرواة وأهل الأخبار من أن عام الفيل قد كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك "أنو شروان"، فيكون هذا العام قد وقع في حوالي السنة "٥٧٣" للميلاد١ وهو رقم قريب من الرقم الذي ذهب إليه أكثر المستشرقين حين حولوا ما ذكره أهل الأخبار عن سنة ولادة الرسول إلى التقويم الميلادي.
وقد ورد ذكر هذا الحديث في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ٢؟ وقد خاطبت هذه الآيات الرسول بأن قريشًا سوف تخيب وتحل بها الهزيمة، كما حلت بأصحاب الفيل، وأصحاب الفيل أعظم منهم قوة وأشد بطشًا، وهم لا شيء تجاههم، وفيها تذكير لقريش لما حل بالحبش، وما كان عهد الحبش عنهم ببعيد.
وينسب الأخباريون حملة أبرهة على مكة إلى تدنيس رجل من كنانة "القليس" التي بناها أبرهة في اليمن، لتكون محجة للناس. فلما بلغ أبرهة خبر التدنيس كما يقولون، عزم على السير إلى مكة لهدم الكعبة، فسار ومعه جيش كبير من الحبش وأهل اليمن، وهو مصمم على دكها دكًّا، وصرف الناس عن الحج إليها إلى الأبد. فلما وصل، هلك معظم جيشه، فاضطر إلى العودة إلى اليمن خائبًا مدحورًا٣.
ويذكر أهل الأخبار أن الرجل الذي دنس القليس، هو من النسأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك بن كنانة. وقد غضب لما رآه من شأن تلك الكنيسة، ومن عزم أبرهة على صرف حاج العرب إليها، ومن مبالغته في الدعاية لها، ففعل ما فعل٤.
стр. 1943
أحد القصور، وهو يمثل الطراز اليماني في البناء من كتاب: (Gunhther Pawelke) (JEMEN)
وقيل إن الرجل المذكور كان من النساك، من نساك بني فقيم، غاظه ما كان من عزم أبرهة على صرف العرب عن الحج إلى مكة، فأحدث في القليس للحط من شأنها في نظر العرب، ولطخ قبلتها بحدثه، فشاع خبره بين الناس، وهزئ القوم من "قليس" حدث به ما حدث. وغضب أبرهة من عمله المشين هذا الموجه إليه وإلى كل الحبش، فعزم على هدم البيت الذي يقدسه ذلك الكناني
стр. 1944
ومن يحج إليه١.
وينسب أخباريون آخرون عزم "أبرهة" على دك الكعبة وهدمها إلى عامل آخر، فهم يذكرون أن فتية من قريش دخلوا القليس فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه ريح شديدة، فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فغضب أبرهة، وأقسم لينتقم من قريش بهدم معبدهم، كما تسببوا في هدم معبده الذي باهى النجاشي به٢.
وذكر أن "أبرهة" بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانيًّا، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبنَ مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرف إليه حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة، فخرج حتى أتى الكنيسة، فأحدث فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، فغضب عند ذلك، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. وبعث رجلًا كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضبًا وحنقًا، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل٣.
وذكر "السيوطي" سببًا آخر في قرار أبرهة غزو مكة، زعم أن أبرهة الأشرم كان ملك اليمن، وأن ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجًّا، فلما انصرف من مكة، نزل في كنيسة بنجران، فعدا عليها ناس من أهل مكة، فأخذوا ما فيها من الحلي وأخذوا قناع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضبًا، فبعث رجلًا من أصحابه يقال له: "شهر بن معقود" على عشرين ألفًا من خولان
стр. 1945
والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتيمنت خثعم عن طريقهم. فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف، فقالوا: ما حاجتك إلى طائفنا، وإنها هي قرية صغيرة؟ ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد فيه، ثم له ملك العرب، فعليك به، ودعنا منك، فأتاه حتى إذا بلغ المغمس، وجد إبلًا لعبد المطلب مائة ناقة مقلدة، فأنهبها بين أصحابه. فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه، وكان له صديق من أهل اليمن يقال له: ذو عمرو، فسأله أن يرد عليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك، فقال عبد المطلب: افعل. فأدخله عليه، فقال له: إن لي إليك حاجة. قال قضيت كل حاجة تطلبها، ثم قص عليه قصة إبله التي انتهبها جيشه. فالتفت إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبًا، فقال: لو سألني كل شيء أحوزه، أعطيته إياه، ثم أمر بإرجاع إبله عليه. وأمر بالرحيل نحو مكة لهدمها. وتوجه ألف شهر وأصحاب الفيل، وقد أجمعوا ما أجمعوا نحو مكة، فلما بلغوها، خرجت عليهم طير من البحر لها خراطيم كأنها البلس، فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، فشدختهم، ونزل الهلاك بهم فانصرف شهر هاربًا وحده، ولكنه ما كاد يسير، حتى تساقطت أعضاء جسده فهلك في طريقه إلى اليمن وهم ينظرون إليه١.
ويتفق خبر "السيوطي" هذا في جوهره وفي شكله مع الروايات الأخرى التي وصلت إلينا عن حملة "أبرهة" ولا يختلف عنها إلا في أمرين: في السبب الذي من أجله قرر أبرهة هدم الكعبة، وفي الشخص الذي سار على مكة. أما السبب الذي أورده السيوطي، فهو غير معقول، لسبب بسيط واضح، هو أن ابن أبرهة، وهو أكسوم بن الصباح الحميري، هو رجل نصراني، والنصارى لا تحج إلى مكة؛ لأنها محجة الوثنيين، وقد عزم جده أبرهة على صرف العرب من الحج إليها، فكيف يحج إليها ابن ابنته، وهو على دين جده؟ وأما ما زعمه من أن "شهر بن معقود" "مقصود" هو الذي سار على مكة لهدمها، وذلك بأمر من أبرهة، فإنه يخالف إجماع أهل الأخبار والمفسرين من أن أبرهة هو نفسه
стр. 1946
قاد تلك الحملة، وأنه هو الذي أخذ الفيل أو الفيلة معه، وسار على رأس جيش كبير من الحبش ومن قبائل من أهل اليمن كانت تخضع له. ثم إن السيوطي يشير إلى وجود "الملك" في الجيش، ولم يكن شهر بن معقود ملكًا ولم يلقبه أهل الأخبار بلقب "ملك"، وإنما أنعموا بهذا اللقب على أبرهة وحده. أضف إلى ذلك أن ما ذكره السيوطي من حوار وقع بين عبد المطلب وبين الملك هو حوار يذكر أهل الأخبار أنه جرى بين عبد المطلب وبين أبرهة. لذلك أرى أن الأمر قد التبس على السيوطي، فخلط بين أبرهة وبين شهر أحد قادته من العرب، وأنه قصد بالملك أبرهة لا القائد، وإن لم يشر إليه، بل جعل الفعل كل الفعل للقائد المذكور.
وأورد "القرطبي" رواية أخرى نسبها إلى مقاتل بن سليمان وابن الكلبي، خلاصتها: أن سبب الفيل هو ما روي أن فتية من قريش خرجوا تجارًا إلى أرض النجاشي، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى، تسميها النصارى: الهيكل، فأوقدوا نارًا لطعامهم، وتركوها وارتحلوا، فهبت ريح عاصفة على النار فأضرمت البيعة نارًا واحترقت، فأتى الصريخ إلى النجاشي، فأخبره، فاستشاط غضبًا، فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون وضمنوا له إحراق الكعبة. وكان النجاشي هو الملك، وأبرهة صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وقيل وزيره، وحجر بن شرحبيل من قواده. فساروا معهم الفيل، وقيل ثمانية فيلة، ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا سرح مكة١.
وتتفق هذه الرواية مع الروايات السابقة من حيث الجوهر، ولا تختلف عنها إلا في جعل الكنيسة المحترقة بيعة في أرض النجاشي، أي في ساحل الحبش، لا في أرض اليمن، وإلا في جعل الآمر بالحملة النجاشي، لا أبرهة نفسه، أما المنفذون لها، فهم أبرهة ومن معه.
وهناك سبب آخر سأتعرض له فيما بعد، يذكره أهل الأخبار في جملة الأسباب التي زعموا أنها حملت أبرهة على السير نحو مكة لتهديمها. وهو سبب أرجحه وأقدمه على السببين المذكورين، لما فيه من مساس بالسياسة؛ ولأنه مشروع سياسي خطير من المشروعات العالمية القديمة التي وضعها ساسة العالم للسيطرة على
стр. 1947
الطرق الموصلة إلى المياه الدافئة وإلى الأرضين المتجه لأهم المواد المطلوبة في ذلك العهد.
وتذكر روايات أهل الأخبار أن أبرهة لما رتب كل شيء وجهز نفسه للسير من اليمن نحو مكة، خرج له رجل من أشراف اليمن وملوكهم، يقال له: "ذو نفر" وعرض له فقاتله، فهزم "ذو نفر" وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرًا. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له "نفيل بن حبيب الخثعمي" في قبيلتي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نُفيل أسيرًا وخرج معه يدله على الطريق، حتى إذا مر بالطائف، خرج إليه "مسعود بن معتب" في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيننا هذا بالبيت الذي تريد -يعني اللات- إنما تريد البيت الذي بمكة، يعنون الكعبة، ونحن نبعث معك من يدلك، فتجاوز عنهم، وبعثوه معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس، فهلك أبو رغال به. فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس١.
وكان نفيل بن حبيب الخثعمي من سادات خثعم، ولما أخذه أبرهة أسيرًا واحتبسه عنده، جعله دليله إلى مكة، وهو الذي أوصله إلى الطائف، حيث تسلم أبرهة الدليل الآخر من ثقيف، وهو أبو رغال٢. وذكر بعضهم أن "نفيل بن حبيب" كان دليل أبرهة على الكعبة، وأنه عرف بـ"ذي اليدين"٣.
ولأهل الأخبار قصص عن "أبي رغال" صيره أسطورة، حتى صيره بعضهم من رجال ثمود ومن رجال "صالح" النبي. فزعموا أن النبي كان قد وجهه على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه "ثقيف" وهو قسي بن منبه، فقتله قتلة شنيعة. وهو خبر وضعه أناس من ثقيف ولا
стр. 1948
شك، للدفاع عن أنفسهم، إذ اتهموا بأن "أبا رغال" منهم، وقد جاءوا بشعر، زعموا أن "أمية بن أبي الصلت" قاله في حقه، منه:
وهم قتلوا الرئيس أبا رغالٍ ... بمكة إذ يسوق بها الوضينا١
فصيروا القاتل جد ثقيف، ونسبوا له فضل مساعدة نبي من أنبياء الله.
وقد أشار "جرير بن الخطفى" في شعر قاله في الفرزدق إلى رجم الناس قبر أبي رغال، إذ قال:
إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال٢.
وذكر "المسعودي"، أن العرب ترجم قبرًا آخر، يعرف بينهم بقبر العبادي في طريق العراق إلى مكة. بين الثعلبية والهبير نحو البطان. ولم يذكر شيئًا عن سببه، إذ أحال القارئ على مؤلفاته الأخرى٣.
وذكر "الهمداني" أن قبر أبي رغال عند "الزيمة". و"الزيمة" موضع معروف حتى هذا اليوم٤.
ولما نزل أبرهة المغمس، بعث رجلًا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة: فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به. فتركوا ذلك. ثم قرروا على أن يرسلوا سيدهم "عبد المطلب" لمواجهة أبرهة والتحدث إليه، فذهب وقابله، وتذكر رواية أهل الأخبار أن أبرهة لما سأله عن حاجته وعما معه من أنباء، قال له: حاجتي إلى الملك أن يرد عليَّ مائتي بعير أصابها لي، فعجب أبرهة من هذا القول وقال له: أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن
стр. 1949
للبيت ربًّا سيمنعه١.
وتذكر هذه الرواية أن أبرهة رد على عبد المطلب إبله، فرجع إلى قومه وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفًا عليهم من معرة الجيش. فلما وصل جيش الحبش. لم يجد أحدًا بمكة، وتفشى الوباء فيه، واضطر إلى التراجع بسرعة. فلما وصل أبرهة إلى اليمن، هلك فيها بعد مدة قليلة من هذا الحادث٢.
ويذكر "الطبري" أن الأسود بن مقصود لما ساق أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وفي ضمنها إبل عبد المطلب، وأوصلها إلى أبرهة، وأن قريشًا وكنانة وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس عزمت على ترك القتال؛ إذ تأكدوا أنهم لا طاقة لهم به. بعث أبرهة "حناطة الحميري" إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول لكم: إني لم آتِ لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يُرد حربي فائتني به، فلما دخل حناطة مكة، سأل عند سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب، فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فوالله ما عندنا له من دافع عنه. ثم انطلق معه إلى أبرهة. فلما وصل المعسكر سأل عن "ذي نفر"، وكان له صديقًا، فدل عليه، فجاءه وهو في محبسه، فكلمه، ثم توصل بوساطته إلى سائق فيل أبرهة وهو أنيس، وأوصاه خيرًا بعبد المطلب، وكلمه في إيصاله إلى أبرهة، وأن يتكلم فيه عند أبرهة بخير. ونفذ أنيس طلب "ذو نفر" وأدخله عليه، فكان ما كان من حديث٣.
وذكر الطبري: أن بعض أهل الأخبار زعموا أن نفرًا من سادات قريش رافقوا عبد المطلب في ذهابه مع حناطة إلى أبرهة، ذكروا منهم: يعمر "عمرو"
стр. 1950
ابن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن واثلة الهذلي، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم١.
ويذكر أهل الأخبار أن جيوش "أبرهة" حين دنت من مكة، توسل عبد المطلب إلى ربه وناجاه بأن ينصر بيته ويذل "آل الصليب" وأنه أخذ بحلقة باب الكعبة وقال:
يا رب أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
وقال:
لاهُمّ إن العبدَ يمنع رَحْله فامْنَعْ حِلالَكْ
لا يَغْلِبَنّ صليبُهم ومحالهم عَدْوًّا محالك
وانْصرْ عَلَى آل الصَّلِيبِ وعَابدِيهِ اليَومَ آلك٢
وقد بلغ أبرهة مكة، غير أنه لم يتمكن من دكها ومن هدمها، وخاب ظنه؛ إذ تفشى المرضى بجيشه وفتك الوباء به، فهلك أكثره، واضطر إلى الإسراع في العودة، وكان عسكره يتساقطون موتى على الطريق، وهم في عودتهم إلى اليمن. وذكرت بعض الروايات أن أبرهة نفسه أصيب هذا المرض. ولم يبلغ صنعاء إلا بعد جهد جهيد. فلما بلغها، مات إثر وصوله إليها٣.
وعلى هذه الصورة أنهى أهل الأخبار أخبار حملة أبرهة، فقالوا إنها انتهت
стр. 1951
بإخفاق ذريع، انتهت بإصابة أبرهة بوباء خطير، وبإصابة عسكره بذلك المرض نفسه: مرض جلدي، أصاب جلود أكثر جيشه، فمزقها، وأصابها بقروح وقيوح في الأيدي خاصة، وفي الأفخاذ، أو بمرض وبائي هو الحصبة والجدري، فيذكر أهل الأخبار في تفسير سورة الفيل، وفي أثناء تحدثهم عن هذه الحملة وبعد شرحهم لمعنى "طير أبابيل": مباشرة، هذين المرضين ويقولون: "إن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام"١. وتفسير ذلك بعبارة أخرى أن ما أصاب الحبش، هو وباء من تلك الأوبئة التي كانت تكتسح البشرية فيما مضى، فلا تذهب حتى تكون قد أكلت آلافًا من الرءوس.
وكان لرجوع الأحباش إلى اليمن وهم على هذه الصورة من مرض يفتك بهم، وتعب ألمَّ بهم، أثر كبير أثر فيهم وفي قريش، ثم ما لبث أبرهة إن مات بعد مدة غير طويلة، فازداد اعتقاد قريش بـ"رب البيت" وبأصنامها، وهابت العرب مكة، فكانت نكسة الحبش نصرًا لقريش ولأهل مكة قوَّى من معنوياتها, ويتجلى ذلك في القرآن الكريم في سورة الفيل، وهي من السور المكية القديمة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ٢.
وقصة تدنيس "القليس"، قد تكون حقيقية وقعت وحدثت، وقد تكون أسطورة حيكت ووضعت، على كل حال، وفي كلتا الحالتين لا يعقل أن تكون هي السبب المباشر الذي دفع النجاشي إلى السير إلى مكة لهدم البيت ونقضه من أساسه ورفع أحجاره حجرًا حجرًا، على نحو ما يزعمه أهل الأخبار بل يجب أن يكون السبب أهم من التدنيس وأعظم، وأن يكون فتح مكة بموجب خطة تسمو على فكرة تهديم البيت وتخريبه، خطة ترمي إلى ربط اليمن ببلاد الشأم، لجعل العربية الغربية والعربية الجنوبية تحت حكم النصرانية، وبذلك يستفيد الروم والحبش
стр. 1952
وهم نصارى، وإن اختلفوا مذهبًا، ويحققون لهم بذلك نصرًا سياسيًّا واقتصاديًّا كبيرًا، فيتخلص الروم بذلك من الخضوع للأسعار العالية التي كان يفرضها الساسانيون على السلع التجارية النادرة المطلوبة التي احتكروا بيعها لمرورها ببلادهم؛ إذ سترد إليهم من سيلان والهند رأسًا عن طريق بلاد العرب، فتنخفض الأسعار ويكون في إمكان السفن البيزنطية السير بأمان في البحار العربية حتى سيلان والهند وما وراءهما من بحار.
وآية ذلك خبر يرويه أهل الأخبار يقولون فيه: إن "أبرهة" توَّج "محمد بن خزاعي بن خرابة الذكواني"، ثم السلمي، وكان قد جاءه في نفر من قومه، مع أخ له، يقال له: "قيس بن خزاعي"، يلتمسون فضله، وأمره على مضر، وأمره أن يسير في الناس، فيدعوهم في جملة ما يدعوهم إليه إلى حج "القليس"، فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض نبي كنانة، وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلًا من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فغضب وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت١.
فمقتل "محمد بن خزاعي"، هو الذي هاج أبرهة وحمله على ركوب ذلك المراكب الخشن. ولم يكن هياجه هذا بالطبع بسبب أن القتيل كان صاحبه وصديقه بل لأن من قتله عاكس رأيه وخالف سياسته ومراميه التوسعية القاضية بفرض إرادته وإرادة الحبش وحلفائهم على أهل مكة وبقية كنانة ومضر. وبتعيين ملك أو أمير عليهم، هو الشخص المقتول، فقتلوه. ومثل هذا الحادث يؤثر في السياسة وفي الساسة، ويدفع إلى اتخاذ إجراءات قاسية شديدة، مثل إرسال جيش للقضاء على المتجاسرين حتى لا يتجاسر غيرهم، فتفلت من السياسي الأمور.
ومن يدري؟ فلعل الروم كانوا هم المحرضين لأبرهة على فتح مكة وغير مكة حتى تكون العربية الغربية كلها تحت سلطان النصرانية، فتتحقق لهم مآربهم في طرد سلطان الفرس من بلاد العرب. وقد حاولوا مرارًا إقناع الحبش بتنفيذ
стр. 1953
هذه الخطة والاشتراك في محاربة الفرس، وهم الذين حرضوا الحبشة وساعدوهم بسفنهم وبمساعدات مادية أخرى في فتح اليمن. وهم الذين أرسلوا رسولًا اسمه "جوليانوس" julianus، وذلك في أيام القيصر "يوسطنيان" justnian لإقناع النجاشي hellestheaeus و"السميع أشوع" esimiphaeus بالتحالف مع الروم، وتكوين جبهة واحدة ضد الفرس والاشتراك مع الروم في إعلان الحرب على الفرس بسبب الرابطة التي تجمع بينهم، وهي رابطة الدين١. وكان في جملة ما رجاه القيصر من "السميفع أشوع"، هو أن يوافق على تنصيب "قيس" casius رئيسًا على "maddeni" معد٢.
وقد ذكر "المسكري"، أن "محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمي" كان في جيش أبرهة مع الفيل، أي أنه لم يقتل كما جاء في الرواية السابقة٣.
وقد ورد في بعض الأخبار أن عائشة أدركت قائد الفيل وسائسة، وكانا أعميين مقعدين يستطعمان. وقد رأتهما٤.
وقد كان من أشراف مكة في هذا العهد غير عبد المطلب، المطعم بن عدي. وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، ومسعود بن عمرو الثقفي، وقد صعدوا على حراء ينظرون ما سيفعل أبرهة بمكة٥.
وذكر بعض أهل الأخبار، أن فلالًا من الحبش من جيش أبرهة وعفاء وبعض من ضمه العسكر، أقاموا بمكة، فكانوا يعتملون ويرعون لأهل مكة٦.
وليس في كتب أهل الأخبار أسماء القبائل العربية التي جاءت مع "أبرهة" للاستيلاء على مكة بتفصيل. وكل ما نعرفه أنه كان قد ضم إلى حبشه قوات عربية قد يكون بينها قوم من كندة، وقد أشير إلى اشتراك خولان والأشعريين فيها، وذكر أن "خندقًا" كانوا ممن اشترك في جيش أبرهة، وكذلك "حميس بن أد"٧.
стр. 1954
وقد أشير إلى أبرهة الأشرم وإلى الفيل في شعر شعراء جاهليين ومخضرمين وإسلاميين. وقد ورد في شعر "عبد الله بن الزبعرى" أنه كان مع "أمير الحبش" ستون ألف مقاتل١. وورد في شعر "أمية بن أبي الصلت" أن الفيل ظل يحبو بـ"المغمس" ولم يتحرك، وحوله من ملوك كندة أبطال ملاويث في الحروب صقور٢. ومعنى هذا أن سادات كندة كانوا مع الحبش في زحفهم على مكة.
وذكر "عبد الله بن قيس الرقيات": أن "الأشرم" جاء بالفيل يريد الكيد للكعبة، فولى جيشه مهزومًا، فأمطرتهم الطير بالجندل، حتى صاروا وكأنهم مرجومون يمطرون بحصى الرجم٣.
وذكر أن "عمر بن الخطاب" كان في جملة من ذكر "أبا يكسوم أبرهة" في شعره، واتخذه مثلًا على من يحاول التطاول على بيت الله وعلى "آل الله" سكان مكة. وذكر أهل الأخبار أنه قال ذلك الشعر في هجاء "زنباع بن روح بن سلامة بن حداد بن حديدة" وكان عشارًا، أساء إلى "عمر بن الخطاب" وكان قد خرج في الجاهلية تاجرًا وذلك في اجتيازه وأخذ مكسه، فهجاه عمر، فبلغ ذلك الهجاء "زنباعًا" فجهز جيشًا لغزو مكة. فقال عمر شعرًا آخر يتحداه فيه بأن ينفذ تهديده إن كان صادقًا؛ لأن من يريد البيت بسوء يكون مصيره مصير أبرهة الأشرم، وقد كف زنباع عن تنفيذ ما عزم عليه ولم يقم به٤.
لقد تركت حملة "الفيل" أثرًا كبيرًا في أهل مكة، حتى اعتبرت مبدأ تقويم عندهم، فصار أهل مكة يؤرخون بعام الفيل "في كتبهم وديونهم من سنة الفيل". فلم تزل قريش والعرب بمكة جميعًا تؤرخ بعام الفيل، ثم أرخت بعام الفجار، ثم أرخت ببنيان الكعبة٥.
لقد كان لأهل مكة صلات باليمن متينة؛ إذ كانت لهم تجارة معها، تقصدها قوافلها في كل وقت، وخاصة في موسم الشتاء، حيث تجهز قريش قافلة كبيرة يساهم فيها أكثرهم، وإليها أشير في القرآن الكريم في سورة قريش:
стр. 1955
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ١. ولهذا فقد كان من سياستهم مدارة حكام اليمن وإرضاؤهم، ومنع من قد يعتدي منهم على أحد من أهل اليمن أو الحبش ممن قد يقصد مكة للإتجار أو للاستراحة بها في أثناء سيره إلى بلاد الشأم؛ خوفًا من منع تجارهم من دخول أسواق اليمن، فلما وثب أحدهم على تجار من اليمن كانوا قد دخلوا مكة، وانتهبوا ما كان معهم، مضت عدة من وجوه قريش إلى "أبي يكسوم"، أي أبرهة وصالحوه أن لا يقطع تجار أهل مكة عنهم. وضمانًا لوفائهم بما اتفقوا عليه وضعوا "الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار" وغيره رهينة، فكان "أبرهة" يكرمهم ويصلهم، وكانوا يبضعون البضائع إلى مكة لأنفسهم٢.
وقد وضع أهل الطائف رهائن عند أبي يكسوم كذلك، ضمانًا لحن معاملتهم للحبش ولمن يقصد الطائف للإتجار من الحبش أو من أهل اليمن٣.
стр. 1956
طرد الحبشة:
لقد عجل الحبش في نهايتهم في اليمن، وعملوا بأيديهم في هدم ما أقاموه بأنفسهم من حكومة، باعتدائهم على أعراض الناس وأموالهم، وأخذهم عنوة كل ما كانوا يجدونه أمامهم، حتى ضج أهل اليمن وضجروا، فهبوا يريدون تغيير الحال، وطرد الحبشة عن أرضهم، وإن أدى الأمر إلى تبديلهم بأناس أعاجم أيضًا مثل الروم أو الفرس، إذا عجزوا هم عن طردهم، فلعل من الحكام الجدد من قد يكون أهون شرًّا من الحبش، وإن كان كلاهما شرًّا، ولكن إذا كان لا بد من أحد الشرين فإن أهونهما هو الخيار ولا شك.
وهب اليمانون على الحبش، وثار عليهم ساداتهم في مواضع متعددة غير أن ثوراتهم لم تفدهم شيئًا؛ إذ أخمدت، وقتل القائمون بها. ومن أهم أسباب إخفاقها أنها لم تكن ثورة عارمة عامة مادتها كل الجماهير والسادات، بل كانت ثورات سادات، مادة كل ثورة مؤججها ومن وراءه من تبع. هنا ثورة وهناك
стр. 1957
ثورة، ولم تكن بقيادة واحدة، أو بإمرة قائد خبير أو قادة متكاتفين خبراء بأمور الحرب والقتال، فصار من السهل على الحبش، الانقضاض عليها وإخمادها، أضف إلى ذلك أنها لم تؤقت بصورة تجعلها ثورات جماعية، وكأنها نيران تلتهب في وقت واحد، يعسر على مخمدي النيران إخمادها، أو إخمادها على الأقل بسهولة.
ولتحاسد الأقيال وتنافسهم على السيادة والزعامة نصيب كبير في هذا الإخفاق، لذلك وجه بعض السادة أنظارهم نحو الخارج في أمل الحصول على معونة عسكرية أجنبية خارجية، تأتيهم من وراء الحدود، لتكره الحبش على ترك اليمن. وكان صاحب هذا الرأي والمفكر فيه "سيف بن ذي يزن"، من أبناء الأذواء ومن أسرة شهيرة. وقد نجح في مشروعه، فاكتسب صفة البطولة وانتشر اسمه بين اليمانيين، حتى صير أسطورة من الأساطير، وصارت حياته قصة من القصص أمثال قصة أبي زيد الهلالي وعنترة وغيرهما ممن تحولوا إلى أبطال تقص حياتهم على الناس في المجالس وفي المقاهي وحفلات السمر والترفيه، أو تقرأ للتسلية واللهو.
و"سيف بن ذي يزن"، هو "معديكرب بن أبي مرة"، وقد عرف أبوه أيضًا بـ"أبي مرة القياض"، وكان من أشراف حمير، ومن الأذواء١.
وأمه "ريحانة بنة علقمة"، وهي من نسل "ذي جدن" على نحو ما ذكرت يقال إن أبرهة لما انتزع ريحانة من بعلها "أبي مرة"، فر زوجها إلى العراق فالتجأ إلى ملك الحيرة "عمرو بن هند" على ما يظن، وبقي "معديكرب" مع أمه في بيت "أبرهة" على ذلك مدة، حتى وقع شجار بينه وبين شقيقه من أمه "مسروق" الذي ولي الملك بعد موت أخيه "يكسوب" فأثر ذلك في نفسه وحقد على "مسروق" فلما مات يكسوم، خرج من اليمن، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما هم فيه، وطلب إليه أن يخرجهم عنه، ويليهم هو ويبعث إليهم من يشاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئًا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر، فأسكنه عنده ثم أوصله بكسرى، وحدثه في شأنه وفي خاطره في قومه، فأمده بثماني مائة محارب، وبـ "وهرز" أمره عليهم، وبثماني سفن جعل في كل سفينة مائة
стр. 1958
رجل وما يصلحهم في البحر، فخرجوا، حتى إذا لجوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيها، فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن فيهن ستمائة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذي يزن، نزلوا أرض اليمن، فلما سمع بهم مسروق بن أبرهة، جمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم، فلما التقوا رمى "وهرز" مسروقًا بسهم، فقتله، وانهزمت الحبشة، فقتلوا، وهرب شريدهم، ودخل "وهرز" مدينة صنعاء، وملك اليمن ونفى عنها الحبشة، وكتب بذلك إلى كسرى، فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وأن يرجع وهرز إلى بلاده، فرجع إليها. ورضي سيف بدفع جزية وخرج يؤديه في كل عام١.
وذكر "الطبري" في رواية له أخرى عن "سيف بن ذي يزن" وعن مساعدة الفرس له، فقال: "فخرج ابن ذي يزن قاصدًا إلى ملك الروم، وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين، فانكفأ راجعًا إلى كسرى"٢. فقابله وحياه وقال لكسرى: "أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، والذي وعدته أن تنصره فما ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه.
فرقَّ له كسرى، وأمر له بمال. فخرج، فجعل ينشر الدراهم، فانتهبها الناس. فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت: قال: إني لم آتك للمال، إنما جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل، فأعجب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقم حتى انظر في أمرك. ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموبذان: إن لهذا الغلام حقًّا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدم من عدته إياه، وفي سجون الملك رجال ذو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجههم معه، فإن أصابوا ظفرًا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد الصواب. قال كسرى: هذا الرأي. وعمل به"٣.
стр. 1959
ويظهر من هذه الرواية، أن "أبا مرة"، والد "معديكرب"، كان قد فر من اليمن إلى العراق، وقد حاول عبثًا حث كسرى على تقديم العون العسكري له لطرد أبرهة وقومه الحبش عن اليمن، وبقي يسعى ويحاول حتى مات بالعراق، مات بالمدائن على حد زعم هذه الرواية، ويظهر منها أيضًا، أن سيف بن ذي يزن، أي ولد أبي مرة، كان قد أيس هو من كسرى بعد أن رأى ما رأى من موقفه مع أبيه، فذهب أولًا إلى ملك الروم، على أمل مساعدته ومعاونته في طرد الحبش عن بلاده، حتى وإن أدى الأمر إلى استيلاء الروم على اليمن، فلما خاب ظنه ذهب إلى الفرس، فساعدوه.
وذكر "الطبري" أن وهرز لما انصرف إلى كسرى، ملَّك سيفًا على اليمن، فـ"عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها، حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خولًا، واتخذ منهم جمَّازين يسعون بين يديه بحرابهم، حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم "وهرز" في أربعة آلاف من الفرس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله، صغيرًا كان أو كبيرًا، فأقبل وهرز، حتى دخل اليمن ففعل ذلك. ثم كتب إلى كسرى بذلك. فأمره كسرى عليها. فكان عليها، وكان يجبيها إلى كسرى حتى هلك"١.
لقد كان استيلاء الحبشة على اليمن بأسرها سنة "٥٢٥" للميلاد. أما القضاء على حكمهم فكان قريبًا من سنة "٥٧٥" للميلاد٢. ولكن الحبش كانوا في اليمن قبل هذا العهد؛ إذ كانوا احتلوا بعض الأرضين قبل السنة "٥٢٥" للميلاد، وكانوا يحكمونها باسم ملك الحبشة.
وجاء في تأريخ الطبري وفي موارد أخرى أن حكم الحبشة لليمن دام اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة٣. وهو رقم فيه زيادة، إذا اعتبرنا أن نهاية
стр. 1960
حكم الحبش في اليمن، كانت في حوالي السنة "٥٧٥م" أما أخذنا برواية أهل الأخبار مثل حمزة، الذي ذكر كما سبق أن بينت أن حكم "أرياط" دام عشرين سنة، وأن حكم أبرهة ثلاثًا وعشرين سنة، وأن حكم "يكسوم" سبع عشرة، وأن حكم مسروق اثنتي عشرة سنة، فيكون ما ذكره "الطبري" وحمزة صحيحًا من حيث المجموع؛ لأن مجموعه "٧٢" سنة. ولكني أشك في أن حكم "أرياط" كان "٢٠" سنة؛ إذ يعني هذا أن حكمه استمر إلى سنة "٥٤٥" للميلاد، والمعروف من نص "أبرهة" المدون على جدار سد مأرب، أن أبرهة رمم السد وقوَّى جدرانه سنة "٥٤٢" للميلاد. ومعنى هذا أنه كان قد استبد بأمر اليمن قبل هذا الزمن.
وقد تعرض "حمزة" لهذا البحث، ولفت النظر إلى تفاوت الرواة في مدة لبث الحبشة باليمن وفي تأريخ اليمن كله. فقال: "وليس في جميع التواريخ تأريخ أسقم ولا أخل من تأريخ الأقيال ملوك حمير، لما قد ذكر فيه من كثرة عدد سني من ملك منهم، مع قلة عدد ملوكهم"، و"قد اختلف رواة الأخبار في مدة لبث الحبشة باليمن اختلافًا متفاوتًا"١. والواقع أننا نجد اختلافًا كبيرًا بين أهل الأخبار في تأريخ اليمن، حتى في المتأخر منه القريب من الإسلام.
ويذكر "أبو حنيفة الدينوري"، أن "وهرز" كان شيخًا كبيرًا، وقد أناف على المائة، وكان من فرسان العجم وأبطالها، ومن أهل البيوتات والشرف، وكان أخاف السبيل، فحبسه كسرى. ويقال له "وهرز بن الكاسجار"، فسار بأصحابه إلى "الأبلة" فركب منها البحر. وذكر أن "كسرى" لما رده إلى اليمن، بعد وثوب الحبش بـ"سيف بن ذي يزن"، وبقي هناك إلى أن وافاه أجله، قُبر في مكان سمي "مقبرة وهرز"، وراء الكنيسة، ولم يشر إلى اسم الكنيسة٢، ولعله قصد موضع "القليس".
أما "المسعودي، فصير "وهرز" موظفًا كبيرًا بدرجة "أصبهبذ"، ودعاه بـ"وهرز أصبهبذ الديلم". أي أنه كان أصبهبذًا على الديلم إذ ذاك.
وذكر أنه ركب ومن كان معه من أهل السجون البحر في السفن في دجلة ومعهم
стр. 1961
خيولهم وعددهم وأموالهم حتى أتوا "الأبلة"، فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضرموت في موضع يقال له "مثوب"، فخرجوا من السفن فأمرهم "وهرز" أن يحرقوا السفن؛ ليعلموا أنه الموت. ثم ساروا من هناك برًّا حتى التقوا بـ"مسروق"١.
وذكر "المسعودي"، أن "كسرى أنو شروان"، اشترط على "معديكرب" شروطًا: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها، وخراج يحمله إليه. فتوج "وهرز" معديكرب بتاج كان معه وبدنه من الفضة ألبسه إياها، ورتبه بالملك على اليمن، وكتب إلى "أنو شروان" بالفتح٢.
قال "المسعودي" ولما ثبت "معديكرب" في ملك اليمن، أتته الوفود من العرب تهنِّيه بعود الملك إليه، وفيها وفد مكة وعليهم عبد المطلب، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العُزى، وأبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت، فدخلوا إليه، وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغمدان وهنئوه، وارتجل عبد المطلب خطابًا، ذكر المسعودي وغيره نصه، وأنشد "أبو زمعة" شعرًا، فيه ثناء على الملك وحمد للفرس "بنو الأحرار" الذين ساعدوا أهل اليمن، على "سود الكلاب"٣.
وإذا أخذنا برواية "المسعودي" عن وفد مكة، وبما يذكره أهل الأخبار عن مدة حكم الحبش على اليمن، وهي اثنتين وسبعين سنة، وجب أن يكون ذهاب الوفد إلى صنعاء بعد سنة "٥٩٧" للميلاد، وهذا مستحيل. فقد كانت وفاة "عبد المطلب" في السنة الثامنة من عام الفيل، والرسول في الثامنة إذ ذاك فتكون وفاة "عبد المطلب" إذن في حوالي السنة "٥٧٨" أو "٥٧٩" للميلاد، أي في أيام وجود الحبش في اليمن، وقبل طردهم من بلاد العرب، أما لو أخذنا برواية الباحثين المحدثين التي تجعل زمن طرد الحبش عن اليمن سنة "٥٧٥" للميلاد، أو قبلها بقليل، فيكون من الممكن القول باحتمال ذهاب "عبد المطلب" إلى اليمن، على نحو ما يرويه "المسعودي".
стр. 1962
لم يذكر أهل الأخبار السنة التي تولى فيها "سيف بن ذي يزن" الحكم على اليمن بعد طرد الحبش عنها، ويرى بعض الباحثين أنها كانت في حوالي السنة "٥٧٥" للميلاد. وأن حكمه لم يكن قد شمل كل اليمن، بل جزءًا منها. ويظهر أن الفرس استأثروا بحكم اليمن لأنفسهم؛ إذ نجد أن رجالًا منها تحكمها منذ حوالي السنة "٥٩٨" للميلاد تقريبًا، وكان أحدهم بدرجة "ستراب" "سطراب"١ Satrapie.
وذكر "ابن دريد" أن من ذرية "سيف بن ذي يزن"، "عُفير بن زرعة بن عفير بن الحارث بن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف". وكان سيد حمير بالشأم في أيام عبد الملك بن مروان٢.
ورووا أن "وهرز" كان يبعث العير إلى كسرى بالطيوب والأموال فتمر على طريق البحرين تارة وعلى طريق الحجاز أخرى. فعدا بنو تميم في بعض الأيام على عيرة بطريق البحرين، فكتب إلى عامله بالانتقام منهم، فسار عليهم وقتل منهم خلقًا، وذلك يوم "الصفقة"٣. وعدا بنو كنانة على عيره بطريق الحجاز حين مرت بهم، وكانت في جوار رجل من أشراف العرب من قيس، فكانت حرب الفجار بين قيس وكنانة٤.
وأمر كسرى بتولي ابن وهرز، وهو "المزربان بن وهرز" منصب أبيه، لما توفي والده. فكان عليها إلى أن هلك٥.
ثم أمر كسرى "البينجان بن المرزبان" أي حفيد "وهرز" بتولي منصب أبيه حين داهمته منيته. فأمر كسرى بعده "خُرخرة بن البينجان"، فكان عليها، ثم غضب كسرى عليه. واستدعاه إلى عاصمته، فذهب إليها، فخلعه كسرى وعين باذان "باذام" في مكانه، فلم يزل على اليمن حتى بعث الرسول٦، وذكر بعض أهل الأخبار أن "خذ خسرو بن السيحان بن المرزبان" هو الذي
стр. 1963
حكم بعد "المرزبان بن وهرز"، وهو الذي عزله كسرى، وولى "باذان" باذام" بعده على اليمن١.
لقد كانت السنة السادسة من الهجرة، سنة مهمة جدًّا من تاريخ اليمن. فيها دخل "باذان" "باذام" في الإسلام، وفيها قضى الإسلام على الوثنية واليهودية والنصرانية وعلى الحكم الأجنبي في البلاد، فلم يبق حكم حبشي ولا فارسي٢.
ويرى بعض المستشرقين أن دخول باذان في الإسلام كان بين سنة "٦٢٨ و"٦٣٠" للميلاد٣. ويذكر "الطبري"، أن إسلام "باذان"، كان بعد قتل "شيرويه" لأبيه "كسرى أبرويز"، وتوليه الحكم في موضع والده. فلما جاء كتاب شيرويه إليه يبلغه بالخبر، ويطلب من الطاعة، أعلن إسلامه، وأسلم من كان معه من الفرس والأبناء٤. وقد ولي "شيرويه" الحكم في سنة "٦٢٨" للميلاد، ولم يدم حكمه أكثر من ثمانية أشهر. وقد عرف بـ"قباذ"٥.
وقد ذكر أن "باذان" باذام" كان من "الأبناء"، أي من الفرس الذين ولدوا في اليمن، وأن الرسول استعمل ابنه "شهر بن باذان" مكانه، أي بعد وفاة والده٦.
ويذكر أهل الأخبار أن الفرس الذين عاشوا في اليمن وولدوا بها واختلطوا بأهلها، عرفوا بـ"الأبناء"، وبـ"بني الأحرار"٧.
ولما قتل "الأسود العنسي" "شهر بن باذام" "شهر بن باذان"، واستبد "العنسي" بأمر اليمن، خرج عمال الرسول عن اليمن. فلما قتل "العنسي" ورجع عمال النبي إلى اليمن، استبد بصنعاء "قيس بن عبد يغوث المرادي"، وتوفي الرسول والأمر على ذلك. ثم كانت خلافة أبي بكر، فولى على اليمن "فيروز الديلمي"٨.
стр. 1964
وقد تطرق "ابن قتيبة" إلى "ملوك الحبشة في اليمن"، فذكر اسم "أبرهة الأشرم"، ثم "يكسوم بن أبرهة"، ثم "سيف بن ذي يزن"، فقال عنه: أنه "أتى كسرى أنو شروان بن قباذ" في آخر أيام ملكه -هكذا تقول الأعاجم في سيرها، وأنا أحسبه هرمز بن أنو شروان على ما وجدت في التأريخ"١.
مما يدل على أنه نقل أخباره عن حملة الفرس على اليمن من كتب سير ملوك العجم، المؤلفة بلغتهم، كما نقل من موارد أخرى غير أعجمية. وقد ذكر أيضًا أن المؤرخين اختلفوا اختلافًا متفاوتًا في مكث الحبشة في اليمن٢
وكون الأبناء طبقة خاصة في اليمن، ولما قدم "وبر بن يحنس" على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام، نزل على بنات النعمان بن يزرج فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، وإلى "مركبود" وعطاء ابنه، ووهب بن منبه، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه٣.
ونجد عهد استيلاء الحبشة الأخير على اليمن عهدًا كريمًا من ناحيته التأريخية؛ إذ دون جملة نصوص، تحدثت عنها فيما سلف. أما عهد استيلاء الفرس على اليمن إلى دخولها في الإسلام، فلم يترك شيئًا مدونًا ولا أثرًا يمكن أن يفيدنا في الكشف عن اليمن في هذا العهد. لم يترك لنا كتابة ما، لا بالمسند ولا بقلم الساسانيين الرسمي بشرح الأوضاع السياسية أو أي وضع آخر في هذا العهد.
وحالنا في النصوص الكتابية في أول عهد دخول اليمن في الإسلام، مثل حالنا في استيلاء الفرس عليها، فنحن فيه معدمون لا نملك ولا نصًّا واحدًا مدونًا من ذلك العهد. وهو أمر مؤسف كثيرًا، وكيف لا وهو والعهد الذي قبله المتصل به، ومن أهم العهود الخطيرة في تأريخ اليمن وجزيرة العرب، ونص واحد من هذين العهدين ثروة لا تقدر بثمن لمن يريد الوقوف على التطورات التأريخية التي مرت بالعرب قبيل الإسلام وعند ظهوره.
стр. 1965
بئر من آبار صنعاء
من كتاب: Jemem, das Verbotene Land
لمؤلفه: Gunther Pawelke
هذا ولا بد لي من الإشارة إلى أن حكم الفرس لليمن لم يكن حكمًا فعليًّا واقعيًّا، فلم يكن ولاتهم يحكمون اليمن كلها، وإنما كان حكمهم حكمًا اسميًّا صوريًّا، اقتصر على صنعاء وما والاها، أما المواضع الأخرى، فكان حكمها لأبناء الملوك من بقايا الأسر المالكة القديمة وللأقيال والأذواء. ذلك أن أهل كل