خيولهم وعددهم وأموالهم حتى أتوا "الأبلة"، فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضرموت في موضع يقال له "مثوب"، فخرجوا من السفن فأمرهم "وهرز" أن يحرقوا السفن؛ ليعلموا أنه الموت. ثم ساروا من هناك برًّا حتى التقوا بـ"مسروق"١.
وذكر "المسعودي"، أن "كسرى أنو شروان"، اشترط على "معديكرب" شروطًا: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها، وخراج يحمله إليه. فتوج "وهرز" معديكرب بتاج كان معه وبدنه من الفضة ألبسه إياها، ورتبه بالملك على اليمن، وكتب إلى "أنو شروان" بالفتح٢.
قال "المسعودي" ولما ثبت "معديكرب" في ملك اليمن، أتته الوفود من العرب تهنِّيه بعود الملك إليه، وفيها وفد مكة وعليهم عبد المطلب، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العُزى، وأبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت، فدخلوا إليه، وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغمدان وهنئوه، وارتجل عبد المطلب خطابًا، ذكر المسعودي وغيره نصه، وأنشد "أبو زمعة" شعرًا، فيه ثناء على الملك وحمد للفرس "بنو الأحرار" الذين ساعدوا أهل اليمن، على "سود الكلاب"٣.
وإذا أخذنا برواية "المسعودي" عن وفد مكة، وبما يذكره أهل الأخبار عن مدة حكم الحبش على اليمن، وهي اثنتين وسبعين سنة، وجب أن يكون ذهاب الوفد إلى صنعاء بعد سنة "٥٩٧" للميلاد، وهذا مستحيل. فقد كانت وفاة "عبد المطلب" في السنة الثامنة من عام الفيل، والرسول في الثامنة إذ ذاك فتكون وفاة "عبد المطلب" إذن في حوالي السنة "٥٧٨" أو "٥٧٩" للميلاد، أي في أيام وجود الحبش في اليمن، وقبل طردهم من بلاد العرب، أما لو أخذنا برواية الباحثين المحدثين التي تجعل زمن طرد الحبش عن اليمن سنة "٥٧٥" للميلاد، أو قبلها بقليل، فيكون من الممكن القول باحتمال ذهاب "عبد المطلب" إلى اليمن، على نحو ما يرويه "المسعودي".
стр. 1962
لم يذكر أهل الأخبار السنة التي تولى فيها "سيف بن ذي يزن" الحكم على اليمن بعد طرد الحبش عنها، ويرى بعض الباحثين أنها كانت في حوالي السنة "٥٧٥" للميلاد. وأن حكمه لم يكن قد شمل كل اليمن، بل جزءًا منها. ويظهر أن الفرس استأثروا بحكم اليمن لأنفسهم؛ إذ نجد أن رجالًا منها تحكمها منذ حوالي السنة "٥٩٨" للميلاد تقريبًا، وكان أحدهم بدرجة "ستراب" "سطراب"١ Satrapie.
وذكر "ابن دريد" أن من ذرية "سيف بن ذي يزن"، "عُفير بن زرعة بن عفير بن الحارث بن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف". وكان سيد حمير بالشأم في أيام عبد الملك بن مروان٢.
ورووا أن "وهرز" كان يبعث العير إلى كسرى بالطيوب والأموال فتمر على طريق البحرين تارة وعلى طريق الحجاز أخرى. فعدا بنو تميم في بعض الأيام على عيرة بطريق البحرين، فكتب إلى عامله بالانتقام منهم، فسار عليهم وقتل منهم خلقًا، وذلك يوم "الصفقة"٣. وعدا بنو كنانة على عيره بطريق الحجاز حين مرت بهم، وكانت في جوار رجل من أشراف العرب من قيس، فكانت حرب الفجار بين قيس وكنانة٤.
وأمر كسرى بتولي ابن وهرز، وهو "المزربان بن وهرز" منصب أبيه، لما توفي والده. فكان عليها إلى أن هلك٥.
ثم أمر كسرى "البينجان بن المرزبان" أي حفيد "وهرز" بتولي منصب أبيه حين داهمته منيته. فأمر كسرى بعده "خُرخرة بن البينجان"، فكان عليها، ثم غضب كسرى عليه. واستدعاه إلى عاصمته، فذهب إليها، فخلعه كسرى وعين باذان "باذام" في مكانه، فلم يزل على اليمن حتى بعث الرسول٦، وذكر بعض أهل الأخبار أن "خذ خسرو بن السيحان بن المرزبان" هو الذي
стр. 1963
حكم بعد "المرزبان بن وهرز"، وهو الذي عزله كسرى، وولى "باذان" باذام" بعده على اليمن١.
لقد كانت السنة السادسة من الهجرة، سنة مهمة جدًّا من تاريخ اليمن. فيها دخل "باذان" "باذام" في الإسلام، وفيها قضى الإسلام على الوثنية واليهودية والنصرانية وعلى الحكم الأجنبي في البلاد، فلم يبق حكم حبشي ولا فارسي٢.
ويرى بعض المستشرقين أن دخول باذان في الإسلام كان بين سنة "٦٢٨ و"٦٣٠" للميلاد٣. ويذكر "الطبري"، أن إسلام "باذان"، كان بعد قتل "شيرويه" لأبيه "كسرى أبرويز"، وتوليه الحكم في موضع والده. فلما جاء كتاب شيرويه إليه يبلغه بالخبر، ويطلب من الطاعة، أعلن إسلامه، وأسلم من كان معه من الفرس والأبناء٤. وقد ولي "شيرويه" الحكم في سنة "٦٢٨" للميلاد، ولم يدم حكمه أكثر من ثمانية أشهر. وقد عرف بـ"قباذ"٥.
وقد ذكر أن "باذان" باذام" كان من "الأبناء"، أي من الفرس الذين ولدوا في اليمن، وأن الرسول استعمل ابنه "شهر بن باذان" مكانه، أي بعد وفاة والده٦.
ويذكر أهل الأخبار أن الفرس الذين عاشوا في اليمن وولدوا بها واختلطوا بأهلها، عرفوا بـ"الأبناء"، وبـ"بني الأحرار"٧.
ولما قتل "الأسود العنسي" "شهر بن باذام" "شهر بن باذان"، واستبد "العنسي" بأمر اليمن، خرج عمال الرسول عن اليمن. فلما قتل "العنسي" ورجع عمال النبي إلى اليمن، استبد بصنعاء "قيس بن عبد يغوث المرادي"، وتوفي الرسول والأمر على ذلك. ثم كانت خلافة أبي بكر، فولى على اليمن "فيروز الديلمي"٨.
стр. 1964
وقد تطرق "ابن قتيبة" إلى "ملوك الحبشة في اليمن"، فذكر اسم "أبرهة الأشرم"، ثم "يكسوم بن أبرهة"، ثم "سيف بن ذي يزن"، فقال عنه: أنه "أتى كسرى أنو شروان بن قباذ" في آخر أيام ملكه -هكذا تقول الأعاجم في سيرها، وأنا أحسبه هرمز بن أنو شروان على ما وجدت في التأريخ"١.
مما يدل على أنه نقل أخباره عن حملة الفرس على اليمن من كتب سير ملوك العجم، المؤلفة بلغتهم، كما نقل من موارد أخرى غير أعجمية. وقد ذكر أيضًا أن المؤرخين اختلفوا اختلافًا متفاوتًا في مكث الحبشة في اليمن٢
وكون الأبناء طبقة خاصة في اليمن، ولما قدم "وبر بن يحنس" على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام، نزل على بنات النعمان بن يزرج فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، وإلى "مركبود" وعطاء ابنه، ووهب بن منبه، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه٣.
ونجد عهد استيلاء الحبشة الأخير على اليمن عهدًا كريمًا من ناحيته التأريخية؛ إذ دون جملة نصوص، تحدثت عنها فيما سلف. أما عهد استيلاء الفرس على اليمن إلى دخولها في الإسلام، فلم يترك شيئًا مدونًا ولا أثرًا يمكن أن يفيدنا في الكشف عن اليمن في هذا العهد. لم يترك لنا كتابة ما، لا بالمسند ولا بقلم الساسانيين الرسمي بشرح الأوضاع السياسية أو أي وضع آخر في هذا العهد.
وحالنا في النصوص الكتابية في أول عهد دخول اليمن في الإسلام، مثل حالنا في استيلاء الفرس عليها، فنحن فيه معدمون لا نملك ولا نصًّا واحدًا مدونًا من ذلك العهد. وهو أمر مؤسف كثيرًا، وكيف لا وهو والعهد الذي قبله المتصل به، ومن أهم العهود الخطيرة في تأريخ اليمن وجزيرة العرب، ونص واحد من هذين العهدين ثروة لا تقدر بثمن لمن يريد الوقوف على التطورات التأريخية التي مرت بالعرب قبيل الإسلام وعند ظهوره.
стр. 1965
بئر من آبار صنعاء
من كتاب: Jemem, das Verbotene Land
لمؤلفه: Gunther Pawelke
هذا ولا بد لي من الإشارة إلى أن حكم الفرس لليمن لم يكن حكمًا فعليًّا واقعيًّا، فلم يكن ولاتهم يحكمون اليمن كلها، وإنما كان حكمهم حكمًا اسميًّا صوريًّا، اقتصر على صنعاء وما والاها، أما المواضع الأخرى، فكان حكمها لأبناء الملوك من بقايا الأسر المالكة القديمة وللأقيال والأذواء. ذلك أن أهل كل
стр. 1966
ناحية ملكوا عليهم رجلًا من حمير، فكانوا "ملوك الطوائف"١ فكان على حمير عند مبعث رسول الله سادات نعتوا أنفسهم بنعوت الملوك، من بينهم "الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر وزرعة ذو يزن بن مالك بن مرة الرهاوي" وقد أرسلوا إلى الرسول مبعوثًا عنهم يخبره برغبتهم في الدخول في الإسلام، وصل إليه مقفلة من أرض الروم، ثم لقيه بالمدينة وأخبره بإسلامهم وبمفارقتهم الشرك، فكتب إليهم رسول الله كتابًا يشرح فيه ما لهم وما عليهم من واجبات وحقوق٢.
стр. 1967
همدان وصنعاء ومأرب:
وكانت همدان عند مبعث الرسول، مستقلة في إدارة شئونها، وقد أسلمت كلها في يوم واحد على يد علي بن أبي طالب١.
ولقد صارت "صنعاء" عاصمة لحكام اليمن منذ عهد الحبش حتى هذا اليوم، أما "مأرب" فقد صارت مدينة ثانوية، بل دون هذه الدرجة، وأفل كذلك شأن ظفار، وسائر المواضع التي كان لها شأن يذكر في عهد استقلال اليمن وفي عهد الوثنية، ويرجع بعض أهل الأخبار بناء صنعاء إلى "سام بن نوح"، وزعموا أنها أول مدينة بنيت باليمن، وأن قصر "غمدان" كان أحد البيوت السبعة التي بنيت على اسم الكواكب السبعة، بناه "الضحاك" على اسم الزهرة. وكان الناس يقصدونه إلى أيام "عثمان" فهدمه، فصار موضعه تلًّا عظيمًا٢.
стр. 1968
وقد ورد اسم "صنعاء" لأول مرة على ما نعلم في نص يعود عهده إلى أيام الملك "الشرح يحضب" "ملك سبأ وذي ريدان"، ودعيت فيه بـ"صنعو"١.
وذكر الأخباريون أنها كانت تعرف بـ"أزال" وبـ"أوال"٢. أخذوا ذلك على ما يظهر من "أزال" في التوراة بواسطة أهل الكتاب مثل "كعب الأحبار" ووهب بن منبه٣. وذكروا أن قصر غمدان الذي هو بها قصر "سام بن نوح"، أو قصر "الشرح يحضب" "ليشرح يحضب"٤. وذكروا أيضًا أنها أول مدينة اختطت باليمن بنتها "عاد"٥. ورووا قصصًا عن "غمدان"، فزعم بعضهم أن بانيه "سليمان" أمر الشياطين، فبنوا لبلقيس ثلاثة قصور: غمدان وسلحين وبينون. وزعم بعضهم أن بانيه هو: "ليشرح يحضب" أراد اتخاذ قصر بين صنعاء و"طيوة"، فانتخب موضع "غمدان"٦. وقد وصف "الهمداني" ما تبقى منه في أيامه، وأشار إلى ما كان يرويه أهل الأخبار عنه٧.
стр. 1969
نجران:
وأما "نجران"، فقد كانت مستقلة بشئونها، يديرها ساداتها وأشرافها، ولها نظام سياسي وإداري خاص تخضع له، ولم يكن للفرس عليها سلطان، وكان أهلها من "بني الحارث بن كعب"، وهم من "مذحج" و"كهلان"،
стр. 1970
وكانوا نصارى. ومن أشرافهم "بنو عبد المدان بن الديان"، أصحاب كعبة نجران١، وكان فيها أساقفة معتمون، وهم الذين جاءوا إلى النبي ودعاهم إلى المباهلة، مع وفد مؤلف من ستين أو سبعين رجلًا راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم. العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرن إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم "وهب"، وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مِدْراسهم٢.
ويذكر الأخباريون أن أبا حارثة كان قد شرف في أهل نجران ودرس الكتب حتى حسن علمه في دينهم، وصار مرجعهم الأكبر فيه. وكانت له حظوة عند ملك الروم، حتى إنه كان يرسل له الأموال والقلعة ليبنوا له الكنائس لما كانت له من منزلة في الدين وفي الدنيا عند قومه. وكان له أخ اسمه "كوز بن علقمة" وقد أسلما مع من أسلم من الناس بعد السنة العاشرة من الهجرة٣.
ويظهر من الحبر المتقدم أن ملوك الروم كانوا على اتصال بنصارى اليمن، وأنهم كانوا يساعدون أساقفتهم ويمولونهم، ويرسلون إليهم العطايا والهبات. وقد أمدوهم بالبنائين والفعلة وبالمواد اللازمة لبناء الكنائس في نجران وفي غيرها من مواضع اليمن، وقد كان من مصلحة الروم مساعدة النصرانية في اليمن وانتشارها؛ لأن في ذلك كسبًا عظيمًا لهم. فبانتشارها يستطيعون تحقيق ما عجز عنه "أوليوس غالوس" حينما كلفه إمبراطور روما اقتحام العربية السعيدة والاستيلاء عليها.
وذكر أهل الأخبار أيضًا، أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبًا عندهم، كلما مات رئيس منهم فأضيفت الرئاسة إلى غيره، انتقلت الكتب إليه، وقد عرفت
стр. 1971
تلك الكتب بـ"الوضائع". وكانوا يختمونها، فكلما تولى رئيس جديد ختم على تلك الكتب فزادت الخواتم السابقة ختمًا١، وذكر علماء اللغة أن الوضائع هي كتب يكتب فيها الحكمة. وفي الحديث: أنه نبي وأن اسمه وصورته في الوضائع٢.
ونجران أرض في نجد اليمن خصبة غنية، وفيها مدينة نجران من المدن اليمانية القديمة المعروفة قبل الميلاد. وقد ذكرها "سترابون" في جغرافيته، وسماها negrana = negrani في معرض كلامه على حملة "أوليوس غالوس" على العربية، كما ذكرها المؤرخ "بلينيوس" في جملة المدن التي أصابتها يد التخريب في هذه الحملة٣. كما ذكرها "بطلميوس"، فسماها negara metropolis = nagera mytropolis٤.
وفي ذكر "بطلميوس" لها على أنها "مدينة دلالة على أنها كانت معروفة أيضًا بعد الميلاد. وأن صيتها بلغ مسامع اليونان.
وبعد النص الموسوم بـglaser ٤١٨, ٤١٩، من أقدم النصوص التي ورد فيها اسم مدينة نجران؛ إذ يرتفع زمنه إلى أيام "المكربين". وقد ذكر كما سبق في أثناء كلامي على دور المكربين، في مناسبة تسجيل أعمال ذلك "المكرب" وتأريخ حروبه وما قام به من فتوح. وورد ذكرها في النص "glaser١٠٠٠"، الذي يرتقي زمنه إلى أيام المكرب والملك "كرب إيل وتر" آخر "مكربي" سبأ، وأول من تلقب بلقب "ملك سبأ"٥. فورود اسم "نجران" في النصين المذكورين يدل على أنها كانت من المدن القديمة العامرة قبل الميلاد، وأنها كانت من المواضع النابهة في أول أيام سبأ.
وورد اسمها في نصوص أخرى. كما ذكرت في جملة المواضع التي دخلها رجال
стр. 1972
حملة "أوليوس غالوس" على اليمن. وذكرها نص "النمارة" الذي يرتقي زمنه إلى سنة "٣٢٨" بعد الميلاد. وقد كانت في أيدي الملك "شمر يهرعش" إذ ذاك على رأي أكثر الباحثين. إذ كان قد وسع رقعة حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت" وأضاف إليها أرضين جديدة منها أرض "نجران"١، وأشار إلى تدمير ذلك الملك لـ "نبطو"، أي النبط٢.
وقد ذهب "ريتر" إلى أن negara mytropolis، هو الموضع المسمى بـ"القابل" على الضفة الغربية لوادي نجران٣. أما "هاليفي"، فذهب إلى أنها الخرائب المسماة "الأخدود"٤. وذهب "كلاسر" إلى أنها الأخدود أو "رجلة"، أو موضع آخر في "وادي الدواسر"٥.
وقد ذكر "الهمداني" أن موضع "هجر نجران" أي مدينة نجران، هو الأخدود، ومدح خصب أرض نجران. ولم يكن "نجران" اسم مدينة في الأصل كما يتبين من النص cih ٣٦٣، بل كان اسم أرض بدليل ورود أسماء مواضع ذكر أنها في "نجرن" نجران. ويرى بعض الباحثين أن مدينة "رجمت" كانت من المدن الكبرى في هذه الأرض، ثم تخصص اسم نجران فصار علمًا على المدينة التي عرفت بنجران٦.
وذهب بعض الباحثين إلى أن "رجمت" "رجمة" هي "رعمة" المذكورة في التوراة. وقد تحدثت فيما سلف عن "رعمة" وعن إتجار أهلها وإتجار "شبا" sheba مع "صور" ٧tyrus.
стр. 1973
ويذكر الأخباريون أن قومًا من "جرهم" نزلوا بنجران، ثم غلبهم عليها بنو حمير، وصاروا ولاة للتبايعة، وكان كل من ملك منهم يلقب "الأفعى". ومنهم "أفعى نجران" واسمه "القلمس بن عمرو بن همدان بن مالك بن منتاب بن زيد بن وائل بن حمير"، وكان كاهنًا. وهو الذي حكم على حد قولهم بين أولاد نزأر. وكان واليًا على نجران لبلقيس، فبعثته إلى سليمان، وآمن، وبث دين اليهودية في قومه، وطال عمره، وزعموا أنه ملك البحرين والمشلل.
ثم استولى "بنو مذحج" على نجران. ثم "بنو الحارث بن كعب"، وانتهت رياسة بني الحارث فيها إلى بني الديَّان، ثم صارت إلى بني عبد المدان، وكان منهم "يزيد" على عهد الرسول١.
ويرى بعض أهل الأخبار أن "السيد" والعاقب أسقفي نجران الذين أرادا مباهلة رسول الله هما من ولد الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي، الذي حكم بين بني نزار بن معد في ميراثهم، وكان منزله بنجران٢.
وقد سميت "نجران" بنجران بن زيد بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قطحان على رأي بعض أهم الأخبار. وقد اشتهرت بالأدم٣.
وقد أرسل الرسول خالد بن الوليد إلى "بني الحارث بن كعب" بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فإن استجابوا إليه قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم. فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه، ورجع خالد مع وفد منهم إلى رسول الله، فأعلنوا إسلامهم أمامه، ثم رجعوا وقد عين الرسول "عمرو بن حزم" عاملًا على نجران. فبقي بنجران حتى توفي رسول الله٤.
ولما عاد خالد بن الوليد من نجران إلى المدينة، أقبل معه وفد الحارث بن
стр. 1974
كعب"، فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قريظ الزيادي، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي. فلما رآهم الرسول، قال: "من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ " ثم كلمهم، وأمر قيس بن الحصين عليهم، ورجعوا، وكان ذلك قبل وفاة الرسول بأربعة أشهر١.
وقد اشتهرت نجران بثيابها، ولما توفي الرسول، كفن في ثلاثة أثواب نجرانية٢.
وقد زار "فلبي" وادي نجران، وعثر على خرائب قديمة، يرجع عهدها إلى ما قبل الإسلام، كما تعرف على موضع "كعبة نجران" ووجد صورًا قديمة محفورة في الصخر على مقربة من "أم خرق"، وكتابات مدونة بالمسند. وعلى موضع يعرف بـ"قصر بن ثامر"، وضريح ينسب إلى ذلك القديس الشهيد الذي يرد اسمه في قصص الأخباريين عن شهداء نجران. ويرى "فلبي" أن مدينة "رجمت" "رجمة" هي "الأخدود"، وأن الخرائب التي لا تزال تشاهد فيها اليوم تعود إلى أيام المعينيين٣. ويقع "قصر الأخدود" الأثري بين "القابل" و"رجلة"، وهو من المواضع الغنية بالآثار٤. وقد تبسط "فلبي" في وصف موضع الأخدود، ووضع مخططًا بالمواضع الأثرية التي رآها في ذلك المكان٥.
ويتضح من مخطط "فلبي" لمدينة "نجران" أنها كانت مدينة كبيرة مفتوحة وعندها أبنية محصنة على هيئة مدينة مربعة الشكل، وذلك للدفاع عنها، وبها مساكن وملاجئ للاحتماء بها ولتمكين المدافعين من صد هجمات المهاجمين لها٦.
стр. 1975
أثر الحبش في أهل اليمن:
ولا بد أن يكون فتح الحبش لليمن قد ترك أثرًا في لهجات أهلها، ولا سيما بين النصارى منهم، ممن دخلوا في النصرانية بتأثير الحبش من ساسة وإداريين ومبشرين، فاستعملوا المصطلحات الدينية التي كان يستعملها الأحباش لعدم وجود ما يقابلها عندهم في لهجاتهم لوثنيتهم. ولكني مع ذلك لا أستطيع أن أقول إن تلك المصطلحات كانت كلها حبشية الأصل والأرومة؛ لأن الكثير منها لم يكن حبشيًّا في المنشإ والوطن، وإنما كان دخيلًا مستوردًا، جاءت به النصرانية من لغة بني إرم، أو من اللغات الأخرى المتنصرة، فأدخلتها إلى الحبشة، فاستعملها الأحباش وحرفوا بعضها على وفق لسانهم، ومنهم انتقلت بالفتوح وبالاتصال إلى اليمن.
وقد عرض علماء اللغة المسلمون والمستشرقون لعدد من الألفاظ العربية، ذكروا أنها من أصل حبشي، وهي من الألفاظ التي كانت مستعملة معروفة قبل الإسلام، وقد ورد بعضها في القرآن الكريم وفي الشعر المنسوب إلى الجاهليين. ومثل هذه الألفاظ تستحق أن تكون موضع درس وتمحيص لمعرفة صحة أصلها ونسبها ودرجة أرومتها في الحبشية، لمعرفة أثر الأحباش في العرب، وأثر العرب في الأحباش؛ لأن بعض ما نسب إلى الأحباش من كلم هو من أصل عربي جنوبي، هاجر من اليمن بطرق متعددة إلى إفريقية، واستعمل هناك، ظن أنه حبشي الأصل، وأن العرب أخذوه من الأحباش.
وقد أثر فتح الحبش لليمن على سحن الناس أيضًا. فظهر السواد على ألوانهم عند غلبة الحبشة على بلادهم. وقد تأثروا بأخلاق الحبش كذلك١.
стр. 1976
فهرس الجزء السادس
الفصل التاسع والثلاثون
مملكة كندة ٥
كندة تلحق بحضرموت ٤٧
امرؤ القيس الشاعر ٤٩
السموءل ٦٤
كندة في العربية الجنوبية ٦٩
فلسطين الثالثة ٧٣
الفصل الأربعون
الغساسنة ٧٧
ملوك الغساسنة ١٢١
أمراء غساسنة ١٣١
стр. 1977
قوائم ملوك الغساسنة ١٣٣
قائمة حمزة ١٣٦
العرب والحبش ١٣٩
حكم السميفع أشوع ١٦٢
أبرهة ١٧٠
حملة أبرهة ١٩٧
طرد الحبشة ٢١١
همدان وصنعاء ومأرب ٢٢١
نجران ٢٢٢
أثر الحبش في أهل اليمن ٢٢٨
стр. 1978
المجلد السابع
الفصل الثاني والأربعون: مكة المكرمة
مدخل
...
الفصل الثاني والأربعون: مكة المكرمة
ومكة بلد في وادٍ غير ذي زرع، تشرف عليها جبال جُرْد، فتزيد في قسوة مناخه, ليس بها ماء غير ماء زمزم، وهي بئر محفورة، وآبار أخرى مجة حفرها أصحاب البيوت. أما مياه جارية وعيون غزيرة، على ما نرى في أماكن أخرى، فليس لها وجود بهذا المعنى هناك. وكل ما كان يحدث نزول سيول، قد تكون ثقيلة قوية، تهبط عليها من شعاب الهضاب والجبال، فتنزل بها أضرارًا فادحة وخسائر كبيرة، وقد تصل إلى الحرم فتؤثر فيه، وقد تسقط البيوت، فتكون السيول نقمة، لا رحمة تسعف وتغيث أهل البيت الحرام١.
لذلك لم تصلح أرض مكة لأن تكون أرضًا ذات نخيل وزرع وحب؛ فاضطر سكانها إلى استيراد ما يحتاجون إليه من الأطراف والخارج، وأن يكتفوا في حياتهم بالتعيش مما يكسبونه من الحجاج، وأن يضيفوا إلى ذلك تجارة تسعفهم وتغنيهم، وتضمن لهم معاشهم، وأمانًا وسلمًا يحفظ لهم حياتهم، فلا يطمع فيهم طامع، ولا ينغص عيشهم منغص: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ... ﴾ ٢.
стр. 1979
ويعود الفضل في بقاء مكة وبقاء أهلها بها إلى موقعها الجغرافي، فهي عقدة تتجمع بها القوافل التي ترد من العربية الجنوبية تريد بلاد الشام، أو القادمة من بلاد الشام تريد العربية الجنوبية، والتي كان لا بد من أن تستريح في هذا المكان؛ لينفض رجالها عن أنفسهم غبار السفر, وليتزودوا ما فيه من رزق. ثم ما لبث أهلها أن اقتبسوا من رجال القوافل سر السفر وفائدته، فسافروا أنفسهم على هيئة قوافل، تتولى نقل التجارة لأهل مكة وللتجار الآخرين من
مكة المكرمة
أهل اليمن ومن أهل بلاد الشام. فلما كان القرن السادس للميلاد, احتكر تجار مكة التجارة في العربية الغربية، وسيطروا على حركة النقل في الطرق المهمة التي تربط اليمن ببلاد الشام وبالعراق١.
стр. 1980
وللبيت فضل كبير على أهل مكة، وبفضله يقصدها الناس من كل أنحاء العالم حتى اليوم للحج إليه. وقد عرف البيت بـ"الكعبة"؛ لأنه مكعب على خلقة الكعب, ويقال له: "البيت العتيق" و"قادس" و"بادر"، وعرفت الكعبة بـ"القرية القديمة" كذلك١.
وبمكة جبل يطل عليها, يقال له: جبل "أبي قبيس"، ذكر بعض أهل الأخبار أنه سُمِّيَ "أبا قبيس" برجل حداد؛ لأنه أول من بنى فيه، وكان يسمى "الأمين" لأن الركن كان مستودعًا فيه٢, وأمامه جبل آخر؛ وبين الجبلين وادٍ، فيه نمت مكة ونبتت, فصارت محصورة بين سلسلتين من مرتفعات.
وقد سكن الناس جبل "أبي قبيس" قبل سكنهم بطحاء مكة؛ وذلك لأنه موضع مرتفع ولا خطر على من يسكنه من إغراق السيول له، وقد سكنته "بنو جرهم"، ويذكر أهل الأخبار أنه إنما سمي "قبيسًا" بـ"قبيس بن شالخ" رجل من جرهم, كان في أيام "عمرو بن مضاض"٣.
стр. 1981
ويظهر أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين، فقد كان نُسَّاك مكة وزهادها ومن يتحنف ويتحنث ويترهب من أهلها في الجاهلية يصعده ويعتكف فيه. ولعله كان مقام الطبقة المترفة الغنية من أهل مكة قبل نزوح "قريش" إلى الوادي، وسكنها المسجد الحرام المحيط بالبيت.
ويظهر من سكوت أهل الأخبار عن الإشارة إلى وجود أُطم أو حصون في مكة للدفاع عنها، أن هذه المدينة الآمنة لم تكن ذات حصون وبروج ولا سور يقيها من احتمال غزو الأعراب أو أي عدو لها. ويظهر أن ذلك إنما كان بسبب أن مكة لم تكن قبل أيام "قصي" في هذا الوادي الذي يتمركزه "البيت"، بل كانت على المرتفعات المشرفة عليه.
أما الوادي، فكان حرمًا آمنًا يغطيه الشجر الذي أنبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها، ولم يكن ذا دور ولا سكن ثابت متصل بالأرض، بل كان سكن من يأوي إليه بيوت الخيام، وأما أهل المرتفعات فكانوا، إذا داهمهم عدو أو جاءهم غزو، اعتصموا برءوس المرتفعات المشرفة على الدروب، وقاوموا العدو والغزو منها, وبذلك يصير من الصعب على من يطمع فيهم الوصول إليهم, ويضطر عندئذ إلى التراجع عنهم، فحمتهم الطبيعة بنفسها ورعتهم بهذه الرءوس الجبلية التي أقامتها على مشارف الأودية والطرق. فلما أسكن "قصي" أهل الوادي في بيوت ثابتة مبنية، وجاء ببعض من كان يسكن الظواهر لنزول الوادي، بقي من فضل السكن في ظواهر مكة, أي: على المرتفعات، يقوم بمهمة
стр. 1982
حماية نفسه وحماية أهل البطحاء من تلك المرتفعات، وهم الذين عرفوا بقريش الظواهر، فلم تعد لأهل مكة سكان الوادي ثمة حاجة إلى اتخاذ الأطم والحصون، وبناء سور يحمي المدينة من الغزو، لا سيما والمدينة نفسها حرم آمن وفي حماية البيت ورعايته. وقد أكد "قصي" على أهلها لزوم إقراء الضيف ورعاية الغريب والابتعاد عن القتال وحل المشكلات حلًّا بالتي هي أحسن. كما نظم أمور الحج، وجعل الحجاج يفدون إلى مكة؛ للحج وللاتجار, ثم أكد من جاء بعده من سادة قريش هذه السياسة التي أفادت البلد الآمن، وأمنت له رزقه رغدًا.
ولم يرد اسم "مكة" في نص الملك "نبونيد" ملك بابل، ذلك النص الذي سرد الملك فيه أسماء المواضع التي خضعت لجيوشه ووصل هو إليها في الحجاز, فكانت "يثرب" آخر مكان وصل إليه حكمه في العربية الغربية على ما يبدو من النص.
ولم نتمكن من الحصول على اسم "مكة" من الكتابات الجاهلية حتى الآن, أما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دُعيت بـ"مكربة" "مكربا" "Macoraba"، واسم هذا الكتاب هو "جغرافيا" "جغرافية" "للعالم اليوناني المعروف "بطلميوس" "ptolemy" الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد, وقد ذهب الباحثون إلى أن المدينة المذكورة هي "مكة"١. وإذا كان هذا الرأي صحيحًا يكون "بطلميوس" أول من أشار إليها من المؤلفين وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا، ولا أستبعد مجيء يوم قد لا يكون بعيدًا، ربما يعثر فيه المنقبون على اسم المدينة مطمورًا تحت سطح الأرض، كما عثروا على أسماء مدن أخرى, وأسماء قرى وقبائل وشعوب.
ولفظة "مكربة" "Macoraba"، لفظة عربية أصابها بعض التحريف ليناسب النطق اليوناني، أصلها "مكربة" أي: "مقربة" من التقريب. وقد رأينا في أثناء كلامنا على حكومة "سبأ" القديمة، أن حكامها كانوا كهانًا
стр. 1983
أي: رجال دين، حكموا الناس باسم آلهتهم، وقد كان الواحد منهم يلقب نفسه بلقب "مكرب" أي: "مقرب" في لهجتنا. فهو أقرب الناس إلى الآلهة وهو مقرب الناس إلى آلهتهم، وهو مقدس لنطقه باسم الآلهة، وفي هذا المعنى جاء لفظة "مكربة"؛ لأنها "مقربة" من الآلهة، وهي تقرب الناس إليهم، وهي أيضا مقدسة و"حرام", فاللفظة ليست علمًا لمكة، وإنما هي نعت لها، كما في "بيت المقدس" و"القدس" إذ هما نعت لها في الأصل، ثم صار النعت علمًا للمدينة.
أما ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن المعبد الشهير الذي ذكره "ديودروس الصقلي" "Diodorus Siculus" في أرض قبيلة عربية دعاها "١Bizomeni"، وقال: إنه مكان مقدس له حرمة وشهرة بين جميع العرب، هو مكة -فهو رأي لا يستند إلى دليل مقبول معقول، فالموضع الذي يقع المعبد فيه، هو موضع بعيد عن مكة بعدًا كبيرًا وهو يقع في "حسمى" في المكان المسمى "روافة" "غوافة" على رأي "موسل". وقد كانت في هذه المنطقة وفي المحلات المجاورة لها معابد أخرى كثيرة أشار إليها الكتبة اليونان والرومان، ولا تزال آثارها باقية، وقد وصفها السياح الذين زاروا هذه الأمكنة٢.
وإذا صح رأينا في أن موضع "Macoraba" هو مكة، دل على أنها كانت قد اشتهرت بين العرب في القرن الثاني بعد الميلاد, وأنها كانت مدينة مقدسة يقصدها الناس من مواضع بعيدة من حضر ومن بادين، وبفضل هذه القدسية والمكانة بلغ اسمها مسامع هذا العالم الجغرافي اليوناني البعيد، ودل أيضا على أنها كانت موجودة ومعروفة قبل أيام "بطلميوس"؛ إذ لا يعقل أن يلمع اسمها وتنال هذه الشهرة بصورة مفاجئة بلغت مسامع ذلك العالم الساكن في موضع بعيد, ما لم يكن لها عهد سابق لهذا العهد.
стр. 1984
وقد عرفنا من الكتابات الثمودية أسماء رجال عرفوا بـ"مكي", ولم تشر تلك الكتابات إلى سبب تسمية أولئك الرجال بـ"مكي". فلا ندري اليوم إذا كان أولئك الرجال من "مكة", أو من موضع آخر، أو من عشيرة عرفت بـ"مكت" "مكة"؛ لذلك لا نستطيع أن نقول: إن لهذه التسمية صلة بمكة.
ولم يشر الأخباريون ولا من كتب في تأريخ مكة إلى هذا الاسم الذي ذكره "بطلميوس"، ولا إلى اسم آخر قريب منه, وإنما أشار إلى اسم آخر هو "بكة", وقد ذكر هذا الاسم في القرآن١, قالوا: إنه اسم مكة، أبدلت فيه الميم باءً، وقال بعض الأخباريين: إنه بطن مكة، وتشدد بعضهم وتزمت، فقال: بكة موضع البيت، ومكة ما وراءه، وقال آخرون: لا, والصحيح البيت مكة, وما والاه بكة، واحتاجوا إلى إيجاد أجوبة في معنى اسم مكة وبكة، فأوجدوا للاسمين معاني وتفاسير عديدة تجدها في كتب اللغة والبلدان وأخبار مكة٢.
وذكر أهل الأخبار أن مكة عرفت بأسماء أخرى, منها: صلاح؛ لأمنها, ورووا في ذلك شعرًا لأبي سفيان بن حرب بن أمتة٣, ومنها أم رخم، والياسّة، والناسة٤, والحاطمة, و"كوثي"٥, وذكرت في القرآن الكريم
стр. 1985
بـ"أم القرى"١.
ولعلماء اللغة بعد، تفاسير عديدة لمعنى "مكة"٢, يظهر من غربلتها أنها من هذا النوع المألوف الوارد عنهم في تفسير الأسماء القديمة التي ليس لهم علم بها، فلجئوا من ثم إلى هذا التفسير والتأويل. ولا أستبعد وجود صلة بين لفظة مكة ولفظة "مكربة" التي عرفنا معناها, ولا أستبعد أن يكون سكان مكة القدامى هم من أصل يماني في القديم، فقد أسس أهل اليمن مستوطنات على الطريق الممتد من اليمن إلى أعالي الحجاز، حيث حكموا أعالي الحجاز وذلك قبل الميلاد. وقد سبق أن تحدثت عن ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فلا يستبعد أن تكون مكة إحداها، ثم انضم إليهم العرب العدنانيون، ولأهل الأخبار روايات تؤيد هذا الرأي.
وقد ذهب "دوزي" إلى أن تأريخ مكة يرتقي إلى أيام "داود" ففي أيامه -على رأيه- أنشأ "الشمعونيون" "السمعونيون" الكعبة, وهو "بنو جرهم" عند أهل الأخبار٣. وهو يخالف بذلك رأي "كيين" "GIBBON"، ورأي جماعة من المستشرقين رأت أن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الأول قبل الميلاد، مستدلة على ذلك بما ورد في تأريخ "ديودورس الصقلي" من وجود معبد ذكر عنه أنه كان محجة لجميع العرب، وأن الناس كانوا يحجون إليه من أماكن مختلفة. ولم يذكر "ديودورس" اسم المعبد، ولكن هذه الجماعة من المستشرقين رأت أن هذا الوصف ينطبق على الكعبة كل الانطباق، وأن "ديودورس" قصدها بالذات٤.
وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن "العماليق" كانوا قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز، وعتوا عتوًّا كبيرًا، فبعث إليهم موسى جندًا
стр. 1986
فقتلوهم بالحجاز, وجاء اليهود فاستوطنوا الحجاز بعد العماليق١. ويظهر أنهم أخذوا أخبارهم هذه من اليهود، ففي التوراة أن العماليق "العمالقة" هم أول الشعوب التي حاربت العبرانيين, لما هموا بدخول فلسطين، وقد حاربهم موسى, فوسع يهود الحجاز هذه القصة ونقلوا حرب موسى مع العمالقة إلى الحجاز؛ ليرجعوا زمان استيطانهم في الحجاز إلى ذلك العهد.
ثم جاءت "جرهم" فنزلت على قطورا، وكان على "قطورا" يومئذٍ "السميدع بن هوثر"، ثم لحق بجرهم بقية من قومهم باليمن وعليهم "مضاض بن عمر بن الرقيب بن هاني بن نبت بن برهم" فنزلوا بـ"قعيقعان", وكانت قطورا بأسفل مكة, وكان "مضاض" يعشر من دخل مكة من أعلاها، و"السميدع" من أسفلها. ثم حدث تنافس بين الزعيمين فاقتتلا، فتغلب "المضاض" وغلب "السميدع".
وجرهم قوم من اليمن، فهم قحطانيون إذن، جدهم هو ابن "يقطن بن عابر بن شالخ", وهم بنو عم "يعرب", كانوا باليمن وتكلموا بالعربية, ثم غادروها فجاءوا مكة٢.
والعمالقة من الشعوب المذكورة في "التوراة", وقد عدهم "بلعام" "أول الشعوب"٣. وقد كانوا يقيمون بين كنعان ومصر وفي "طور سيناء", أيام الخروج، وبقوا في أماكنهم هذه إلى أيام "شاءول" "٤Saul". وقد تحدثت عنهم في الجزء الأول من هذا الكتاب٥.
ومن جرهم تزوج "إسماعيل بن إبراهيم" على رواية الأخباريين، وبلغتهم تكلم. وكانت "هاجر" قد جاءت به إلى "مكة", فلما شب وكبر، تعلم لغة جرهم، وتكلم بها. وهم من "اليمن" في الأصل، وكانت لغتهم هي اللغة العربية٦. تزوج امرأة أولى قالوا: إن اسمها "حرا" وهي بنت "سعد بن
стр. 1987
عوف بن هنئ بن نبت بن جرهم" ثم طلقها بناءً على وصية أبيه إبراهيم له, فتزوج امراة أخرى هي السيدة بنت "الحارث بن مضاض بن عمرو بن جرهم", وعاش نسله في جرهم، والأمر على البيت لجرهم إلى أن تغلبت عليهم "بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر" وهم خزاعة في رأي بعض أهل الأخبار١.
وطبقت خزاعة على جرهم قانون الغالب, فانتزعت منها الملك، وزحزحتها من مكة, وأقامت عمرو بن لحي -وهو منها- ملكًا عليها، وكان دخول خزاعة مكة على أثر خروجها من اليمن؛ بسبب تنبؤ الكاهن بقرب انفجار السد, في قصة يذكرها الأخباريون. وظلت خزاعة صاحبة مكة، إلى أن كانت أيام عمرو بن الحارث وهو "أبو غبشان" "غبشان" فانتزع قصي منه الملك, وأخذه من خزاعة لقريش٢.
وكان "عمرو بن لحي" أول من نصب الأوثان, وأدخل عبادة الأصنام إلى العرب، وغير دين التوحيد على زعم أهل الأخبار. ويظهر مما يرويه الأخباريون عنه أنه كان كاهنًا، حكم قومه ووضع لهم سنن دينهم على طريقة حكم الكهان، واستبدَّ بأمر "مكة" وثبت ملك خزاعة بها, فهو مثل "قصي" الذي جاء بعده، فأقام ملك "قريش" في هذه المدينة. ويظهر من بقاء خبره في ذاكرة أهل الأخبار أن أيامه لم تكن بعيدة عن الإسلام، وأن حكمه لمكة لم يكن بعيد عهد عن حكم "قصي" وأن إليه يعود فضل تنحية "جرهم" عن مكة, وانتزاع الحكم منه ونقله إلى قومه من "خزاعة", وذلك بمساعدة "بني إسماعيل" أسلاف "قريش" من "بني كنانة"٣.
وهو أول رجل يصل إلينا خبره من الرجال الذين كان لهم أثر في تكوين مكة وفي إنشاء معبدها وتوسيع عبادته بين القبائل المجاورة لمكة، حتى صير لهذه
стр. 1988
المدينة شأن عند القبائل المجاورة, وذلك بإتيانه بأصنام نحتت نحتًا جيدًا بأيدٍ فنية قديرة، وعلى رأسها الصنم "هبل" ووضعها في البيت، فجلب بذلك أنظار أهل مكة وأنظار القبائل المجاورة نحوها، فصارت تقبل عليها، وبذلك كوّن للبيت شهرة بين الأعراب، فصاروا يقدمون عليه للتقرب إلى "هبل" وإلى بقية الأصنام التي جاء بها من الخارج فوضعها حوله وفي جوفه.
ومن بطون خزاعة: "بنو سلول", و"بنو حُبْشية بن كعب"، و"بنو حليل", و"بنو ضاطر", وكان "حُلَيْل" سادن الكعبة, فزوج ابنته "حبى" بقصي، و"بنو قمير" ومن "بني قمير" "الحجاج بن عامر بن أقوم" شريف، و"حلحة بن عمرو بن كليب" شريف، و"قيس بن عمرو بن منقذ" الذي يقال له: "ابن الحدادية" شاعر جاهلي١, و"المحترش"، وهو "أبو غُبشان" الذي يزعمون أنه باع البيت من "قصي"٢. ومن خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"، شريف, كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام, وكان له قدر في الجاهلية بمكة٣.
"وكنانة" التي استعان بها "عمرو بن لحيّ" في تثبيت حكمه بمكة، هي من القبائل العدنانية في عرف أهل الأنساب، ومن مجموعة "مضر". ولما استبد "عمرو بن لحي" ومن جاء بعده بأمر مكة، وأخذوا بأيديهم أمر مكة، تركوا إلى "كنانة" أمورًا تخص مناسك الحج وشعائره، وهي الإجازة بالناس يوم "عرفة" والإضافة والنسيّ, وهي أمور سأتحدث عنها في أثناء كلامي عن الحج.
ويذكر أهل الأخبار أن "الإسكندر" الأكبر دخل مكة، وذلك أنه بعد أن خرج من السودان قطع البحر فانتهى إلى ساحل "عدن" فخرج إليه "تبع الأقرن" ملك اليمن، فأذعن له بالطاعة, وأقر بالإتاوة, وأدخله مدينة "صنعاء", فأنزله وألطف له من ألطاف اليمن، فأقام شهرًا، ثم سار إلى "تهامة" وسكان مكة يومئذ خزاعة, وقد غلبوا عليها, فدخل عليه "النضر بن كنانة",
стр. 1989
فعجب الإسكندر به وساعده، فأخرج "خزاعة" عن مكة، وأخلصها للنضر ولبني أبيه، وحج الإسكندر، وفرق في ولد معد بن عدنان صلات وجوائز ثم قطع البحر يؤم الغرب١.
وإذا كان أهل الأخبار قد أدخلوا "الإسكندر" مكة، وصيروه رجلًا مؤمنًا، حاجًّا من حجاج البيت الحرام، فلا غرابة إذن أن جعلوا أسلاف الفرس فيمن قصد البيت وطاف به وعظمه وأهدى له, بعد أن صيروا "إبراهيم" جدًّا من أجدادهم وربطوا نسب الفرس بالعرب العدنانيين, فقالوا: وكان آخر من حج منهم "ساسان بن بابك"، وهو جد "أردشير", فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم لزمزمته عليها هو وغيره من فارس. واستدلوا على ذلك بشعر، قالوا عنه: إنه من الشعر القديم، وبه افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام، وقالوا: وقد كان "ساسان بن بابك" هذا، أهدى غزالين من ذهب وجوهرًا وسيوفًا وذهبًا كثيرًا، فقذفه، فدفن في زمزم. وقد أنكروا أن يكون بنو جرهم قد دفنوا ذلك المال في بئر زمزم؛ لأن جرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها٢.
ويزعم الإخباريون أن "حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري"، "أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن؛ ليجعل حج الناس عنده ببلاده, فأقبل حتى نزل بنخلة فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكة. فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا شديدا, فهزمت حمير, وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة -فيمن قتل من الناس- ابن ابنة قيس بن غالب بن فهر، وكان حسان عندهم بمكة أسيرًا ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به، فمات بين مكة واليمن"٣.
ويشير هذا الحادث إن صح وقوعه وصدق ما رواه أهل الأخبار عنه, إلى
стр. 1990
طمع الملك "حسان", وإلى خطة وضعها للاستيلاء عليها. وهو شيء مألوف، فقد كانت قبائل اليمن تتجه دومًا نحو الشمال، غير أن أهل مكة قاوموا الملك وتمكنوا من الصمود تجاهه، بل من التمكن من جيشه, ومن إلحاق هزيمة به.
ويذكر أهل الأخبار حادثًا آخر مشابهًا لهذا الحادث، بل يظهر أنه الحادث نفسه وقد صِيغ في صيغة أخرى، خلاصته: أن "الملوك الأربعة" الذين لعنهم النبي، ولعن أختهم "أبضعة"، ولم يذكروا أسماءهم، لما هموا بنقل "الحجر الأسود" إلى صنعاء ليقطعوا حج العرب عن البيت الحرام إلى صنعاء، وتوجهوا لذلك إلى مكة، فاجتمعت "كنانة" إلى "فهر بن مالك بن النضر"، فلقيهم, فقاتلهم، فقتل ابن لفهر يسمى الحارثة، وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، وأسر الرابع، فلم يزل مأسورًا عند "فهر بن مالك" حتى مات.
وأما "أبضعة"، فهي التي يقال لها "العنققير"، ملكت بعد إخوتها على زعم أهل الأخبار١.
ويشير الإخباريون إلى احترام التبابعة لمكة، فيذكرون مثلا أن التبع "أسعد أبا كرب" الحميري وضع الكسوة على البيت الحرام، وصنع له بابًا، ومنذ ذلك الحين جرت العادة بكسوة البيت٢, ويذكرون غير ذلك من أخبار تشير إلى اهتمام التبابعة بمكة. أما نحن، فلم يصل إلى علمنا شيء من هذا الذي يرويه الإخباريون مدونًا بالمسند، كما أننا لا نعلم أن أصنام أهل اليمن كانت في مكة حتى يتعبد لها التبابعة. ولسنا الآن في وضع نتمكن فيه من إثبات هذا القصص الذي يرويه الإخباريون والذي قد يكون أُوجد؛ ليوحي أن ملوك اليمن كانوا يقدسون الكعبة، وأن الكعبة هي كعبة جميع العرب قبل الإسلام.
ولا نملك اليوم أثرًا جاهليًّا استنبط منه علماء الآثار شيئًا عن تأريخ مكة قبل الإسلام؛ ولذلك فكل ما ذكروه عنها هو من أخبار أهل الأخبار، وأخبارهم عنها متناقضة متضاربة، لعبت العواطف دورا بارزا في ظهورها, ولا يمكن لأحد أن يكتب في هذا اليوم شيئا موثوقا معقولا ومقبولا عن تأريخ هذه المدينة المقدسة في أيام الجاهلية القديمة؛ لأنه لا يملك نصوصًا أثرية تعينه في التحدث عن ماضيها
стр. 1991
القديم، وأملنا الوحيد هو في المستقبل، فلعل المستقبل يكون خيرًا من الحاضر والماضي، فيجود على الباحثين بآثار تمكنهم من تدوين تأريخ تلك المدينة, تدوينا علميا يفرح نفوس الملايين من الناس الذين يحجون إليها من مختلف أنحاء العالم، ولكنهم لا يعرفون عن تأريخها القديم، غير هذا المدون عنها في كتب أهل الأخبار.
وإذا كنا في جهل من أمر تأريخ مكة قبل أيام "قصي" وقبل تمركز قريش في مكة، فإن جهلنا هذا لا يجوِّز لنا القول بأن تأريخها لم يبدأ إلا بظهور قريش فيها وبتزعم قصي لها، وأن ما يروى من تأريخها عن قبل هذه المدة هو قصص لا يعبأ به؛ لأن ما يورده أهل الأخبار من روايات تفيد عثور أهل مكة قبل أيام الرسول على قبور قديمة وعلى حلي وكنوز مطمورة وكتابات غريبة عليهم، يدل كل ذلك على أن المدينة كانت مأهولة قبل أيام قصي بزمن طويل، وأن مكة كانت موجودة قبل هذا التأريخ، وأن تأريخها لذلك لم يبدأ بابتداء ظهور أمر قصي، ونزول قريش مكة في عهده.
وتأريخ مكة حتى في أيام قصي، وما بعدها إلى ظهور الإسلام لا يخلو مع ذلك من غموض ومن لبس وتناقض, شأنه في ذلك شأن أي تأريخ اعتمد على الروايات الشفوية, واستمد مادته من أقوال الناس ومن ذكرياتهم عن الماضي البعيد؛ لذلك نجد الرواة يناقضون أنفسهم تناقضًا بينًا في أمر واحد، ما كان في الإمكان الاختلاف فيه لو كانوا قد أخذوه من منبع قديم مكتوب. وسنرى في مواضع من هذا الكتاب وفي الأجزاء التي قد تتلوه عن تأريخ العرب في الإسلام نماذج وأمثلة تشير إلى تباين روايات أهل الأخبار في أخبارهم عن مكة في تلك الأيام.
стр. 1992
قريش:
و"قصي" من "قريش", و"قريش" كلها من نسل رجل اسمه "فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان", فهي من القبائل العدنانية، أي: من مجموعة العرب المستعربة في اصطلاح علماء النسب. ومن "فهر" فما بعده عرف اسم "قريش" في رأي أهل الأخبار, أما ما قبل "فهر" من آباء فلم يعرفوا بقريش. فقريش إذن هم "فهر".
стр. 1993
وأبناؤه, من سكان مكة أو من سكان ظواهرها، أي: كل من انحدر من صلبه من أبناء١, وما كان فوق "فهر" فليس يقال له "قرشي", وإنما يقال له كناني٢.
ومعارفنا عن "قريش" لا بأس بها بالنسبة إلى معارفنا عن خزاعة وعمَّن تقدم عليها من قبائل ذكر أهل الأخبار أنها سكنت هذه المدينة, وتبدأ هذه المعرفة بها, ابتداء من "قصي" زعيم قريش ومجمعها، والذي أخذ أمر مكة فوضعه في يديه، ثم في أيدي أولاده من بعده، فصارت "قريش" بذلك صاحبة مكة.
وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل وتمكن رجالها بفضل ذكائهم وحذقهم بأسلوب التعامل من الاتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد: الفرس والروم والحبشة، وبحكومة الحيرة والغساسنة, وبسادات القبائل، ومن تكوين علاقات طيبة معها، مع تنافر هذه الدول وتباغضها. كما تمكنوا من عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت لهم السير طوال أيام السنة بهدوء وطمأنينة في كل أنحاء جزيرة العرب, والطمأنينة أهم أمنية من أماني التاجر. وبذلك أمنوا على تجارتهم، ونشروا تجارتهم في كل أنحاء جزيرة العرب, حتى عرفوا بـ"قريش التجار", جاء على لسان كاهنة من كهان اليمن قولها: "لله در الديار، لقريش التجار"٣.
وليس لنا علم بتأريخ بدء اشتغال قريش بالتجارة واشتهارها بها. وروايات أهل الأخبار، متضاربة في ذلك, فبينما هي ترجع ظهور "قريش" بمكة إلى أيام قصي, ومعنى ذلك أن تجارة قريش إنما بدأت منذ ذلك الحين، نراها ترجع تجارتها إلى أيام النبي "هود" وتزعم أنه لما كان زمن "عمرو ذي الأذعار الحميري"، كشفت الريح عن قبر هذا النبي، فوجدوا صخرة على قبره كتب عليها بالمسند: "لمن ملك زمار؟ لحمير الأخيار. لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار. لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار. لمن ملك ذمار؟ لقريش التجار"٤.
والرواية أسطورة موضوعة، ولكنها تشير إلى أن اشتغال قريش بالتجارة يرجع
стр. 1994
إلى عهد قديم، عجز أصحاب هذه الرواية عن إدراك وقته، فوضعوه في أيام هود.
ثم نرى روايات أخرى ترجع بدء اشتهار قريش بالتجارة إلى أيام "هاشم"، وهي تزعم أن تجارة قريش كانت منحصرة في مكة، يتاجر أهلها بعضهم مع بعض, فتُقْدِم العجم عليهم بالسلع، فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها لمن حولهم من العرب, فكانوا كذلك حتى ركب "هاشم بن عبد مناف" فنزل بقيصر، وتعاقد معه على أن يسمح له ولتجار قريش بالاتجار مع بلاد الشام, فوافق على ذلك, وأعطاه كتابا بذلك. فلما عاد, جعل كلما مر بحي من العرب بطريق الشام، أخذ من أشرافهم إيلافًا، أي: عقد أمان، فضمن بذلك لقومه حرية الاتجار بأمن وسلام، واشتهرت قريش بالتجارة منذ ذلك العهد١.
وقد علَّمت الأسفار سادة قريش أمورًا كثيرة من أمور الحضارة والثقافة، فقد أرتهم بلادًا غريبة ذات تقدم وحضارة، وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام، فتعلموا من "الحيرة" أصول كتابتهم، وهذَّبوا لسانهم, ودونوا به أمورهم. وذكر أنهم كانوا من أفصح العرب لسانًا, وقد شهد العرب لهم بفصاحة اللسان، حتى إن الشعراء كانوا يعرضون عليهم شعرهم، وذكر أن الشاعر "علقمة الفحل" عرض عليهم شعره، فوصفوه بـ"سمط الدهر"٢.
وقد علمت الطبيعة أهل مكة أنهم لا يتمكنون من كسب المال ومن تأمين رزقهم في هذا الوادي الجاف، إلا إذا عاشوا هادئين مسالمين، يدفعون الإساءة بالحسنة، والشر بالصبر والحلم، والكلام السيئ اليذيء بالكلام الحسن المقنع المخجل. فتغلب حلمهم على جهل الجاهلية، وجاءت نجدتهم في نصرة الغريب والذب عن المظلوم والدفاع عن حق المستجير بهم، بأحسن النتائج لهم، فصار التاجر والبائع والمشتري يفد على سوق مكة، يبيع ويشتري بكل حرية؛ لأنه في بلد آمن، أخذ سادته على أنفسهم عهدًا بألا يتعدى أحد منهم على غريب؛ لأن الإضرار به يبعد الغرباء عنهم، وإذا ابتعد الغرباء عن مكة، خسروا جميعًا موردًا من موارد رزقهم, يعيش عليه كل واحد منهم بلا استثناء. لذلك
стр. 1995
كان الغريب إذا ظُلِمَ، نادى: يا آل قريش، أو يا آل مكة, أو يا آل فلان، ثم يذكر ظلامته، فيقوم سادة مكة أو من نُودي باسمه بأخذ حقه من الظالم له.
وقد اصطلحت قريش على أن تأخذ ممن ينزل عليها في الجاهلية حقًّا, دعته: "حق قريش". وفي جملة ما كانوا يأخذونه من الغريب القادم إليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ويأتي أهل الأخبار بمثل على ذلك هو مثل: "ظويلم ويلقب مانع الحريم، وإنما سمي بذلك؛ لأنه خرج في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية, وذلك سمي: الحريم, وكانوا يأخذون بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، فامتنع عليه ظويلم"١. وظويلم منع عمرو بن صرمة الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان٢.
وقد جعلت طبيعة هذا الوادي أهل مكة يميلون إلى السلم، ولا يركنون إلى الحرب والغزو إلا دفاعًا عن نفس، وهو شيء منطقي محترم، فأهل مكة في وادٍ ضيق بين جبلين متقابلين، وفي استطاعة الأعداء إنزال ضربات موجعة بهم من المرتفعات المسيطرة عليه، وبسد منفذيه، يحصر أهله فتنقطع عنهم كل وسائل المعيشة من ماء وطعام. لذلك لم يجدوا أمامهم من سبيل سوى التجمل بالحلم والصبر واتباع خطة الدفاع عن النفس، بالاعتماد على أنفسهم وعلى غيرهم من أحلافهم كالأحابيش حلفائهم وقريش الظواهر. وقد أدت هذه الخطة إلى اتهام قريش أنها لا تحسن القتال، وأنها إن حاربت خسرت، وأنها كانت تخسر في الحروب؛ فخسرت ثلاث حروب من حروب الفجار الأربعة، إلى غير ذلك من تهم. ولكن ذلك لا يعني أن في طبع رجال قريش جبنًا، وأن من سجية قريش الخوف، وإنما هو حاصل طبيعة مكان، وإملاء ضرورات الحياة لتأمين الرزق. ولو أن أهل مكة عاشوا في موضع آخر، لما صاروا أقل شجاعةً وأقل إقبالًا في الاندفاع نحو الحرب والغزو من القبائل الأخرى.
وقد تمكنت مكة في نهاية القرن السادس وبفضل نشاط قريش المذكور من القيام بأعمال مهمة، صيرتها من أهم المراكز المرموقة في العربية الغربية, في التجارة
стр. 1996
وفي إقراض المال للمحتاج إليه، كما تمكنت من تنظيم أمورها الداخلية ومن تحسين شئون المدينة، واتخاذ بيوت مناسبة لائقة لأن تكون بيوت أغنياء زاروا العالم الخارجي, ورأوا ما في بيوت أغنيائه من ترف وبذخ وخدم وإسراف.
وقد ذكر "الثعالبي" أن قريشًا صاروا "أدهى العرب، وأعقل البرية, وأحسن الناس بيانًا" لاختلاطهم بغيرهم ولاتصالهم بكثير من القبائل, فأخذوا عن كل قوم شيئًا، ثم إنهم كانوا تجارًا "والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدفيق والتدقيق", وكانوا متشددين في دينهم حمسًا، "فتركوا الغزو كراهة السبي واستحلال الأموال" إلى غير ذلك من أمور جلبت لهم الشهرة والمكانة١. وقد أُشيد أيضا بصحة أجسامهم وبجمالهم حتى ضرب المثل بجمالهم فقيل: "جمال قريش"٢.
وقصى رئيس قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه, ونظم شئون المدينة وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام, كانت أمور مكة في يد قريش، ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة، حتى عرف سكانها بـ"آل قصي", فكان أحدهم إذا استغاث أو استنجد بأحد صاح: "يا لقصي"، كناية عن أنهم "آل قصي", جامع قريش٣.
وهو أول رئيس من رؤساء مكة يمكن أن نقول: إن حديثنا عنه, هو حديث عن شخص عاش حقا وعمل عملا في هذه المدينة التي صارت قبلة الملايين من البشر فيما بعد. فهو إذن من الممهدين العاملين المكونين لهذه القبلة، وهو أول رجل نتكلم عن بعض أعماله ونحن واثقون مما نكتبه عنه ونقوله. وهو أول شخص نقض البيوت المتنقلة التي لم تكن تقي أصحابها شيئًا من برد ولا حر، والتي كانت على أطراف الوادي وبين أشجار الحرم، وكأنها تريد حراسة البيت، وحوَّلها من خيام مهلهلة إلى بيوت مستقرة ثابتة ذات أعمدة من خشب شجر الحرم, وذات سقوف.
стр. 1997
ولم نعثر حتى الآن على اسم قريش أهل مكة في نص جاهلي, كذلك لم نعثر عليه أو على اسم مقارب له في كتب اليونان أو اللاتين أو قدماء السريان ممن عاشوا قبل الإسلام, فليس في إمكاننا ذكر زمن جاهلي نقول: إننا عثرنا فيه على اسم قريش، وإنها كانت معروفة يومئذٍ فيه.
وقد وردت لفظة "قريش" اسمًا لرجل عرف بـ"حَبْسل قريش". وذلك في نص حضرمي من أيام الملك "العز" ملك حضرموت١.
هذا، وإن لأهل الأخبار كلامًا في سبب تسمية قريش بقريش, فقيل: سُميت بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة؛ لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت، قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدرًا، واحتفر بدرًا, قالوا فيه: سميت البئر التي تدعى بدرًا, بدرًا، وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب, ليس بأب ولا بأم ولا حاضن ولا حاضنة, وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر من كنانة قريشًا؛ لأن النضر بن كنانة خرج يومًا على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.
وقيل: إنما سميت بدابَّةٍ تكون في البحر تأكل دوابَّ البحر, تدعى القرش, فشبه بنو النضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دواب البحر قوةً٢.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس، فيسدها بماله، والتقريش -فيما زعموا- التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم٣. "وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشًا، وقيل: بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب, فقيل لهم: قريش، من أجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش
стр. 1998
بنو النضر، أي: قد تجمعوا. وقيل: إنما قيل: قريش؛ من أجل أنها تقرشت عن الغارات"١.
وذكر أن قريشًا كانت تدعى "النضر بن كنانة"، وكانوا متفرقين في "بني كنانة", فجمعهم "قصي بن كلاب"، فسموا قريشًا, التقرش: التجمع, وسمي قصي مجمعًا. قال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي:
قصي أبوكم كان يدعى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر٢
وذكر أن قريشًا إنما قيل لهم "قريش"؛ لتجمعهم في الحرم من حوالي الكعبة بعد تفرقهم في البلاد حين غلب عليها "قصي بن كلاب". يقال: تقرش القوم إذا اجتمعوا, وقالوا: وبه سمي قصي مجمعا، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرش، فغلب عليه اللقب، أو لأنه جاء إلى قومه يومًا، فقالوا: كأنه جمل قريش أي: شديد، فلُقب به، أو لأن قصيًّا كان يقال له القرشي، وهو الذي سماهم بهذا الاسم، أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها، فمن كان محتاجًا أغنوه ومن كان عاريا كسوه ومن كان معدما كسوه ومن كان طريدا آووه، أو سموا بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، فلقبوه به, أو نسبة إلى "قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر" والد "بدر", وكان دليلًا لبني "فهر بن مالك" في الجاهلية، فكانت عيرهم إذا وردت "بدرًا" يقال: قد جاءت عير قريش، يضيفونها إلى الرجل حتى مات, أو لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع, أو إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النضر, وكان دليل بني كنانة في تجارتهم, فكان يقال: قدمت عير قريش, فسميت قريش بذلك, وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع المعروف٣.
стр. 1999
ونعتت قريش بـ"آل الله" و"جيران الله" و"سكان حرم الله"١ وبـ"أهل الله"٢.
إلى غير ذلك من آراء حصرها بعضهم في عشرين قولًا في تفسير معنى لفظة "قريش"، ومن أين جاء أصلها, تجدها في بطون الكتب التي أشرت إليها في الحواشي، وفي موارد أخرى. وهي كلها تدل على أن أهل الأخبار كانوا حيارى في أمر هذه التسمية، ولما كان من شأنهم إيجاد أصل وفصل ونسب وسبب لكل اسم وتسمية، كما فعلوا مع التسميات القديمة، ومنها تسميات قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد، أوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات والتفسيرات لمعنى "قريش". وقد نجد هذه التعليلات تُروَى وتُنسَب إلى شخص واحد كابن الكلبي مثلًا، وهو ينسب روايتها عادة إلى رواة تقدموا عليه أو عاصروه، وقد لا يرجعها إلى أحد، وربما كانت من وضعه وصنعته أو من اجتهاده الخاص في إيجاد علل للمسميات٣.
فهذا هو مجمل آراء أهل الأخبار في معنى اسم قريش.
أما رأيهم في أول زمن ظهرت فيه التسمية، فقد اختلف في ذلك وتباين أيضًا؛ فذكر قوم "أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متي سميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها, فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا, ولكن سمعت أن قصيًّا كان يقال له القرشي، ولم تسمّ قريش قبله"، وورد: "لما نزل قصي الحرم وغلب عليه، فعل أفعالًا جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سُمِّيَ به". وورد أيضا أن "النضر بن كنانة كان يسمى القرشي"٤.
وقد نسب إلى علي وابن عباس قولهما: إن قريشًا حي من النبط من أهل كوثى٥. وإذا صح أن هذا القول هو منهما حقًّا، فإن ذلك يدل على أنهما قصدا بالنبط "نبايوت" وهو "ابن إسماعيل" في التوراة. وأما "كوثى"
стр. 2000
فقصدا بذلك موطن إبراهيم، وهو من أهل العراق على رواية التوراة أيضا ولعلهما أخذا هذا الرأي من أهل الكتاب في يثرب.
ويذكر أن جِذْم قريش كلها "فهر بن مالك" فما دونه قريش وما فوقه عرب، مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر. وأما قبائل قريش, فإنما تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه١, ومن جاوز "فهرًا" فليس من قريش٢. ومعنى هذا أن جذم قريش من أيام "فهر بن مالك" فما فوقه، كانت متبدية تعيش عيشة أعرابية، فلما كانت أيام "فهر" أخذت تميل إلى الاستقرار والاستيطان، ولما استقرت وأقامت في مواضعها عرفت بـ"قريش".
وذكر أن قريشًا قبيلة، وأباهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد "النضر"، فهو "قرشي" دون ولد كنانة ومن فوقه. وورد كل من لم يلده "فهر" فليس بقرشي, وهو المرجوع إليه٣.
وقد صيرت رابطة النسب هذه قريشًا قبيلة تامة تقيم مجتمعة في أرض محدودة، وبصورة مستقرة في بيوت ثابتة فيها بيوت من حجر، بين أفرادها وأسرها وبطونها عصبية، وبينهم تعاون وتضامن. كما جعلت أهل مكة في تعاون وثيق فيما بينهم في التجارة, حتى كادوا يكونون وكأنهم شركاء مساهمون في شركة تجارية عامة. يساهم فيها كل من يجد عنده شيئًا من مال، وإن حصل عليه عن طريق الاقتراض والربا؛ ليكون له نصيب من الأرباح التي تأتي بها شركات مكة.
ويقسم أهل الأخبار قريشًا إلى: قريش البطاح، وقريش الظواهر, ويذكرون أن قريش البطاح بيوت، منهم: بنو عبد مناف, وبنو عبد الدار, وبنو عبد العزَّى, وبنو عبد بن قصي بن كلاب، وبنو زهرة بن كلاب, وبنو تيم بن مرة, وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم، وبنو جمح ابنا عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب، وبنو حسل بن عامر بن لؤي، وبنو هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وبنو هلال بن