وفي إقراض المال للمحتاج إليه، كما تمكنت من تنظيم أمورها الداخلية ومن تحسين شئون المدينة، واتخاذ بيوت مناسبة لائقة لأن تكون بيوت أغنياء زاروا العالم الخارجي, ورأوا ما في بيوت أغنيائه من ترف وبذخ وخدم وإسراف.
وقد ذكر "الثعالبي" أن قريشًا صاروا "أدهى العرب، وأعقل البرية, وأحسن الناس بيانًا" لاختلاطهم بغيرهم ولاتصالهم بكثير من القبائل, فأخذوا عن كل قوم شيئًا، ثم إنهم كانوا تجارًا "والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدفيق والتدقيق", وكانوا متشددين في دينهم حمسًا، "فتركوا الغزو كراهة السبي واستحلال الأموال" إلى غير ذلك من أمور جلبت لهم الشهرة والمكانة١. وقد أُشيد أيضا بصحة أجسامهم وبجمالهم حتى ضرب المثل بجمالهم فقيل: "جمال قريش"٢.
وقصى رئيس قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه, ونظم شئون المدينة وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام, كانت أمور مكة في يد قريش، ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة، حتى عرف سكانها بـ"آل قصي", فكان أحدهم إذا استغاث أو استنجد بأحد صاح: "يا لقصي"، كناية عن أنهم "آل قصي", جامع قريش٣.
وهو أول رئيس من رؤساء مكة يمكن أن نقول: إن حديثنا عنه, هو حديث عن شخص عاش حقا وعمل عملا في هذه المدينة التي صارت قبلة الملايين من البشر فيما بعد. فهو إذن من الممهدين العاملين المكونين لهذه القبلة، وهو أول رجل نتكلم عن بعض أعماله ونحن واثقون مما نكتبه عنه ونقوله. وهو أول شخص نقض البيوت المتنقلة التي لم تكن تقي أصحابها شيئًا من برد ولا حر، والتي كانت على أطراف الوادي وبين أشجار الحرم، وكأنها تريد حراسة البيت، وحوَّلها من خيام مهلهلة إلى بيوت مستقرة ثابتة ذات أعمدة من خشب شجر الحرم, وذات سقوف.
стр. 1997
ولم نعثر حتى الآن على اسم قريش أهل مكة في نص جاهلي, كذلك لم نعثر عليه أو على اسم مقارب له في كتب اليونان أو اللاتين أو قدماء السريان ممن عاشوا قبل الإسلام, فليس في إمكاننا ذكر زمن جاهلي نقول: إننا عثرنا فيه على اسم قريش، وإنها كانت معروفة يومئذٍ فيه.
وقد وردت لفظة "قريش" اسمًا لرجل عرف بـ"حَبْسل قريش". وذلك في نص حضرمي من أيام الملك "العز" ملك حضرموت١.
هذا، وإن لأهل الأخبار كلامًا في سبب تسمية قريش بقريش, فقيل: سُميت بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة؛ لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت، قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدرًا، واحتفر بدرًا, قالوا فيه: سميت البئر التي تدعى بدرًا, بدرًا، وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب, ليس بأب ولا بأم ولا حاضن ولا حاضنة, وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر من كنانة قريشًا؛ لأن النضر بن كنانة خرج يومًا على نادي قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جمل قريش.
وقيل: إنما سميت بدابَّةٍ تكون في البحر تأكل دوابَّ البحر, تدعى القرش, فشبه بنو النضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دواب البحر قوةً٢.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس، فيسدها بماله، والتقريش -فيما زعموا- التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم٣. "وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشًا، وقيل: بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب, فقيل لهم: قريش، من أجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش
стр. 1998
بنو النضر، أي: قد تجمعوا. وقيل: إنما قيل: قريش؛ من أجل أنها تقرشت عن الغارات"١.
وذكر أن قريشًا كانت تدعى "النضر بن كنانة"، وكانوا متفرقين في "بني كنانة", فجمعهم "قصي بن كلاب"، فسموا قريشًا, التقرش: التجمع, وسمي قصي مجمعًا. قال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي:
قصي أبوكم كان يدعى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهر٢
وذكر أن قريشًا إنما قيل لهم "قريش"؛ لتجمعهم في الحرم من حوالي الكعبة بعد تفرقهم في البلاد حين غلب عليها "قصي بن كلاب". يقال: تقرش القوم إذا اجتمعوا, وقالوا: وبه سمي قصي مجمعا، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرش، فغلب عليه اللقب، أو لأنه جاء إلى قومه يومًا، فقالوا: كأنه جمل قريش أي: شديد، فلُقب به، أو لأن قصيًّا كان يقال له القرشي، وهو الذي سماهم بهذا الاسم، أو لأنهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها، فمن كان محتاجًا أغنوه ومن كان عاريا كسوه ومن كان معدما كسوه ومن كان طريدا آووه، أو سموا بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش وخرجت عير قريش، فلقبوه به, أو نسبة إلى "قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر" والد "بدر", وكان دليلًا لبني "فهر بن مالك" في الجاهلية، فكانت عيرهم إذا وردت "بدرًا" يقال: قد جاءت عير قريش، يضيفونها إلى الرجل حتى مات, أو لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع, أو إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النضر, وكان دليل بني كنانة في تجارتهم, فكان يقال: قدمت عير قريش, فسميت قريش بذلك, وأبوه بدر بن يخلد، صاحب بدر، الموضع المعروف٣.
стр. 1999
ونعتت قريش بـ"آل الله" و"جيران الله" و"سكان حرم الله"١ وبـ"أهل الله"٢.
إلى غير ذلك من آراء حصرها بعضهم في عشرين قولًا في تفسير معنى لفظة "قريش"، ومن أين جاء أصلها, تجدها في بطون الكتب التي أشرت إليها في الحواشي، وفي موارد أخرى. وهي كلها تدل على أن أهل الأخبار كانوا حيارى في أمر هذه التسمية، ولما كان من شأنهم إيجاد أصل وفصل ونسب وسبب لكل اسم وتسمية، كما فعلوا مع التسميات القديمة، ومنها تسميات قديمة تعود إلى ما قبل الميلاد، أوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات والتفسيرات لمعنى "قريش". وقد نجد هذه التعليلات تُروَى وتُنسَب إلى شخص واحد كابن الكلبي مثلًا، وهو ينسب روايتها عادة إلى رواة تقدموا عليه أو عاصروه، وقد لا يرجعها إلى أحد، وربما كانت من وضعه وصنعته أو من اجتهاده الخاص في إيجاد علل للمسميات٣.
فهذا هو مجمل آراء أهل الأخبار في معنى اسم قريش.
أما رأيهم في أول زمن ظهرت فيه التسمية، فقد اختلف في ذلك وتباين أيضًا؛ فذكر قوم "أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متي سميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها, فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا, ولكن سمعت أن قصيًّا كان يقال له القرشي، ولم تسمّ قريش قبله"، وورد: "لما نزل قصي الحرم وغلب عليه، فعل أفعالًا جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سُمِّيَ به". وورد أيضا أن "النضر بن كنانة كان يسمى القرشي"٤.
وقد نسب إلى علي وابن عباس قولهما: إن قريشًا حي من النبط من أهل كوثى٥. وإذا صح أن هذا القول هو منهما حقًّا، فإن ذلك يدل على أنهما قصدا بالنبط "نبايوت" وهو "ابن إسماعيل" في التوراة. وأما "كوثى"
стр. 2000
فقصدا بذلك موطن إبراهيم، وهو من أهل العراق على رواية التوراة أيضا ولعلهما أخذا هذا الرأي من أهل الكتاب في يثرب.
ويذكر أن جِذْم قريش كلها "فهر بن مالك" فما دونه قريش وما فوقه عرب، مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر. وأما قبائل قريش, فإنما تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه١, ومن جاوز "فهرًا" فليس من قريش٢. ومعنى هذا أن جذم قريش من أيام "فهر بن مالك" فما فوقه، كانت متبدية تعيش عيشة أعرابية، فلما كانت أيام "فهر" أخذت تميل إلى الاستقرار والاستيطان، ولما استقرت وأقامت في مواضعها عرفت بـ"قريش".
وذكر أن قريشًا قبيلة، وأباهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد "النضر"، فهو "قرشي" دون ولد كنانة ومن فوقه. وورد كل من لم يلده "فهر" فليس بقرشي, وهو المرجوع إليه٣.
وقد صيرت رابطة النسب هذه قريشًا قبيلة تامة تقيم مجتمعة في أرض محدودة، وبصورة مستقرة في بيوت ثابتة فيها بيوت من حجر، بين أفرادها وأسرها وبطونها عصبية، وبينهم تعاون وتضامن. كما جعلت أهل مكة في تعاون وثيق فيما بينهم في التجارة, حتى كادوا يكونون وكأنهم شركاء مساهمون في شركة تجارية عامة. يساهم فيها كل من يجد عنده شيئًا من مال، وإن حصل عليه عن طريق الاقتراض والربا؛ ليكون له نصيب من الأرباح التي تأتي بها شركات مكة.
ويقسم أهل الأخبار قريشًا إلى: قريش البطاح، وقريش الظواهر, ويذكرون أن قريش البطاح بيوت، منهم: بنو عبد مناف, وبنو عبد الدار, وبنو عبد العزَّى, وبنو عبد بن قصي بن كلاب، وبنو زهرة بن كلاب, وبنو تيم بن مرة, وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم، وبنو جمح ابنا عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب، وبنو حسل بن عامر بن لؤي، وبنو هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وبنو هلال بن
стр. 2001
مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر, وبنو عتيك بن عامر بن لؤي١, و"قصي" هو الذي أدخل البطون المذكورة الأبطح, فسموا البطاح٢. ودخل "بنو حسل بن عامر" مكة بعد، فصاروا مع قريش البطاح، فأما من دخل في العرب من قريش فليسوا من هؤلاء, ولا من هؤلاء٣.
ويذكر أهل الأخبار أن "قريش البطاح", الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها, أو هم الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة، وأخشبا مكة: جبلاها؛ أبو قبيس والذي يقابله، ويقال لهم: قريش الأباطح وقريش البطاح؛ لأنهم صبابة قريش وصميمها الذين اختطوا بطحاء مكة ونزلوها٤. وهم أشرف وأكرم من قريش الظواهر, ذكروا أن سادة قريش نزول ببطن مكة، ومن كان دونهم, فهم نزول بظواهر جبالها، أي: قريش الظواهر٥.
أما قريش الظواهر فهم: بنو معيص بن عامر بن لؤي، وتيم الأدرم بن غالب بن فهر، والحارث ابنا فهر، إلا بني هلال بن أهيب بن ضبة, وبني هلال بن مالك بن ضبة٦, وعامة بني عامر بن لؤي وغيره٧. عرفوا جميعًا بقريش الظواهر؛ لأنهم لم يهبطوا مع قصي الأبطح، إلا أن رهط "أبي عبيدة بن الجراح", وهم من "بني الحارث بن فهر" نزلوا الأبطح فهم مع المطيبين أهل البطاح٨. وورد أن "بني الأدرم من أعراب قريش ليس بمكة منهم أحد"٩.
стр. 2002
ويبدو من وصف أهل الأخبار لقريش البطاح، أنهم إنما سُموا بالبطاح لأنهم دخلوا مع قصي البطاح، فأقاموا هناك١. فهم مستقرون حضر، وقد أقاموا في بيوت مهما كانت فإنها مستقرة، وقد انصرفوا إلى التجارة وخدمة البيت، فصاروا أصحاب مال وغنًى، وملكوا الأملاك في خارج مكة، ولا سيما الطائف، كما ملكوا الإبل، وقد تركوا رعيها للأعراب. وعرفوا أيضا بقريش الضب؛ للزومهم الحرم٢.
وأما قريش الظواهر٣, فهم الساكنون خارج مكة في أطرافها، وكانوا على ما يبدو من وصف أهل الأخبار لهم أعرابًا، أي: إنهم لم يبلغوا مبلغ قريش البطاح في الاستقرار وفي اتخاذ بيوت من مدر. وكانوا يفخرون على قريش مكة بأنهم أصحاب قتال، وأنهم يقاتلون عنهم وعن البيت. ولكنهم كانوا دون "قريش البطاح" في التحضر وفي الغنى والسيادة والجاه؛ لأنهم أعراب فقراء، لم يكن لهم عمل يعتاشون منه غير الرعي, وكانوا دونهم في مستوى المعيشة بكثير وفي الوجاهة بين القبائل. ومع اشتراكهم وقريش البطاح في النسب، ودفاعهم عنهم أيام الشدة والخطر، إلا انهم كانوا يحقدون على ذوي أرحامهم على ما أُوتوا من غنى ومال وما نالوه من منزلة، ويحسدونهم على ما حصلوا عليه من مكانة دون أن يعملوا على رفع مستواهم، وترقية حالهم، والاقتداء بذوي رحمهم أهل الوادي في اتخاذ الوسائل التي ضمنت لهم التفوق عليهم وفي جلب الغنى والمال لهم. كان شأنهم في ذلك شأن الحساد الذين يعيشون على حسدهم، ولا يبحثون عن وسائل ترفعهم إلى مصافّ من يحسدونه، ولعل نظرتهم الجاهلة إلى أنفسهم من أنهم أعلى وأجل شأنًا ممن يحسدونهم, وإن كانوا دونهم في نظر الناس في المنزلة والمكانة، حالت دون تحسين حالهم والتفوق على المحسود بالجد والعمل، لا بالاكتفاء بالحسد وبالتشدق بالقول والمباهاة.
ويذكر أهل الأخبار أن قسما ثالثا من قريش، لم ينزل بمكة ولا بأطرافها،
стр. 2003
وإنما هبط أماكن أخرى، فاستقر بها، وتحالف مع القبائل التي نزل بينها. من هؤلاء: سامة بن لؤي وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان، والحارث بن لؤي وقع إلى عمان، فولده هناك حلفاء أزد عمان، والحارث بن لؤي، وقع إلى اليمامة، فهم في بني هزان من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار, والحارث، هو جُشَم, وخزيمة بن لؤي، وقعوا بالجزيرة إلى بني الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وسعد بن لؤي، وبنو عوف بن لؤي، وقعوا إلى غطفان ولحقوا بهم، ويقال لبني سعد بن لؤي بنانة، وبنانة أمهم، فأهل البادية منهم، وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش. ويقال لبني خزيمة بن لؤي: عائذة قريش، وكان عثمان بن عفان ألحق هذه القبائل، حين استخلف بقريش١.
ويلاحظ أن هذا الصنف من أصناف قريش، هو من نسل "لؤي"، أي: من نسل "لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر". وقد تباعدت مواطنهم عن قريش.
ومن قريش الظواهر: بنو الأدرم من نسل الأدرم، وهو تيم بن غالب, ومن رجالهم: عوف بن دهر بن تيم الشاعر، وهو أحد شعراء قريش، وهلال بن عبد الله بن عبد مناف، وهو صاحب القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي، وهو ابن الخطل الذي كان يؤذي النبي وارتد فأهدر النبي دمه يوم الفتح، قتله أبو برزة الأسلمي وهو متعلق بأستار الكعبة، أو سعد بن حريث المخزومي على رواية قريش٢. ومن قريش الظواهر أيضا: بنو محارب، والحارث بن فهر, وبنو هصيص بن عامر بن لؤي.
ولم يكن أهل مكة كلهم من قريش، بل ساكنهم أيضًا من كان بها قبلهم، مثل خزاعة وبني كنانة. وقريش وإن كانت من "كنانة"، إلا أنها ميزت نفسها عنها، وفرقت بينها وبين كنانة. ولكنانة إخوة, منهم: أسد وأسدة, ووالدهم هو "خزيمة" وهو جد من أجداد قريش، كما أن "كنانة" هو
стр. 2004
جد من أجدادهم, وللأخباريين رأي في معنى كنانة١.
وقد عرفت قريش بين أهل الحجاز بسخينة. والسخينة: طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق, وقيل: دقيق وتمر, وهو دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء. وإنما لقبت قريش بسخينة لاتخاذها إياه، أي: لأنهم كانوا يكثرون من أكلها؛ ولذا كانت تُعيَّر به٢.
стр. 2005
الأحابيش:
ومن أهل مكة جماعة عرفت بـ"الأحابيش", وذكر أهل الأخبار أنهم حلفاء قريش، وهم: بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو، وبنو الهون بن خزيمة، اجتمعوا بذنب حبشي -وهو جبل بأسفل مكة- فتحالفوا بالله: إنا ليَدٌ على غيرنا, ما سجا ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه, وقيل: إنما سموا بذلك لاجتماعهم. والتحابش: هو التجمع في كلام العرب١. وذكر أنهم اجتمعوا عند "حبشي" فحالفوا قريشًا. وقيل: أحياء من القارة انضموا إلى "بني ليث" في الحرب التي نشبت بينهم وبين قريش قبل الإسلام, فقال إبليس لقريش: إني جارٌ لكم من بني ليث فواقعوا دمًا، سموا بذلك لاسودادهم، قال:
ليث ودِيل وكعب والذي ظأرت ... جمع الأحابيش، لما احمرت الحدقُ
стр. 2006
فلما سميت تلك الأحياء "الأحابيش" من قبل تجمعها، صار التحبيش في الكلام كالتجميع١.
وورد أن "عبد مناف"، و"عمرو بن هلال بن معيط الكناني"، عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وكانوا مع قريش٢. وقيل أيضا: إن الأحابيش، هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل، والديش من بني الهون بن خزيمة، والمصطلق، والحيا من خزاعة٣.
وقد وصف "اليعقوبي" "حلف الأحابيش" بقوله: "ولما كبر عبد مناف بن قصي, جاءته خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، يسألونه الحلف ليعزوا به. فعقد بينهم الحلف الذي يقال له: حلف الأحابيش, وكان مُدبّر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف عمرو بن هلل "هلال" بن معيص بن عامر. وكان تحالف الأحابيش على الركن, يقوم رجل من قريش والآخر من الأحابيش فيضعان أيديهما على الركن، فيحلفان بالله القاتل وحرمة هذا البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وعلى التعاقد وعلى التعاون على كل من كادهم من الناس جميعا، ما بل بحر صوفة، وما قام حر أو ثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة, فسمي حلف الأحابيش"٤.
وقد ذكر أن "المطلب بن عبد مناف بن قصي"، قاد بني عبد مناف وأحلافها من الأحابيش, وهم من ذكرتُ يوم ذات نكيف، لحرب بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة٥. كما ورد أن "الأحابيش"، الذين ذكرت أسماءهم, كانوا يحضرون مع من يحضر من طوائف العرب مثل: قريش, وهوازن, وغطفان
стр. 2007
وأسلم، و"طوائف من العرب" سوق عكاظ، فيبيعون ويشترون١. كما ذكر أنهم كانوا مثل قريش يقدسون إسافًا ونائلة٢.
وورد في بعض أخبار الأخباريين، أن يوم "ذات نكيف"، وقع بين قريش وبني كنانة؛ فهزمت قريش بني كنانة، وعلى قريش عبد المطلب٣. وقد بقي "الأحابيش" بمكة، إلى أيام الأمويين، فذكر أن "عبد الله المتكبر", وكان من أشراف قريش في أيام "معاوية" ومن أغناها مالًا، لما وفد على "معاوية" وكان خليفة إذ ذاك، كلَّمه في "قريش" ووجوب الاعتماد عليهم ثم في "الأحابيش"، إذ قال له عنهم: "وحلفاؤك من الأحابيش" قد عرفت نصرهم ومؤازرتهم، فاخلطهم نفسك وقومك٤.
وقد بحث "لامانس" في موضوع الأحابيش، فرأى أنهم قوة عسكرية أُلفت من العبيد السود المستوردين من إفريقيا ومن عرب مرتزقة، كونتها مكة للدفاع عنها. وقد بحث مستشرقون آخرون في هذا الموضوع، فمنهم من أيده، ومنهم من توسط في رأيه، ومنهم من أيد الرواية العربية المتقدمة التي ذكرتها. وعندي رأي آخر، قد يفسر لنا سبب تسمية "بني الحارث بن عبد مناة" من "كنانة" ومن أيدها من "بني المصطلق"، و"بني الهون" بالأحابيش, هو أن من الممكن أن تكون هذه التسمية قد وردت إليهم من أجل خضوعهم لحكم الحبش، وذلك قبل الإسلام بزمن طويل، فقد سبق أن ذكرت في الجزء الثالث من كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام"، وفي أثناء كلامي على "جغرافيا بطلميوس"٥, أن الساحل الذي ذكره "بطلميوس" باسم: "Cinaedocolpitae" إنما هو ساحل "تهامة", وهو منازل "كنانة". وقد بقي الحبش به وقتا طويلا واختلطوا بسكانه، فيجوز أن تكون لفظة "الأحابيش" قد لحقت بعض "كنانة"
стр. 2008
من خضوعهم للحبش، حتى صارت اللفظة لقبًا لهم، أو علمًا لكنانة ومن حالفها. ويجوز أن تكون قد لحقتهم ولحقت الآخرين معهم لتميزهم عن بقية "كنانة" ومن انضم إليهم ممن سكن خارج تهامة، أو لتزوج قسم منهم من نساء حبشيات حتى ظهرت السمرة على سحنهم؛ ولهذا وصفوا بالأحابيش. فليس من اللازم إذن أن يكون "الأحابيش"، هم كلهم من حبش إفريقيا، بل كانوا عربًا وقومًا من العبيد والمرتزقة ممن امتلكهم أهل مكة. ومما يؤيد رأيي هذا هو ورود "من بني كنانة" مع أهل تهامة في أخبار معارك قريش مع الرسول. ففي معركة "أحد"، نجد "الطبري" يقول: "فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة"١. ونجد مثل ذلك في أخبار معارك أخرى, مما يشير إلى أن الأحابيش، ليسوا عبيد إفريقيا فحسب، بل هم عرب وحبش ومرتزقة، وأن أولئك الأحابيش هم من ساحل تهامة في الغالب من كنانة، أي: ممن أقام بذلك الساحل المستقر به من الحبش واندمج في العرب، فصار من المستعربة الذين نسوا أصولهم وضاعت أنسابهم، واتخذوا لهم نسبا عربيا.
وقد كان للأحابيش سادة يديرون أمورهم، منهم "ابن الدغنة" وهو "ربيعة بن رفيع بن حيَّان بن ثعلبة السلمي" الذي أجار "أبا بكر", وشهد معركة حنين٢.
ومن سادات الأحابيش "الحليس بن يزيد", ويظهر أنه كان يتمتع بمنزلة محترمة بمكة. وقد ذكر "محمد بن حبيب" "الحليس" على هذه الصورة: "الحليس بن يزيد", وذكر أنه من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة", وكان من رؤساء حرب الفجار من قريش٣. وذكره غيره على هذه الصورة: "وحليس بن علقمة الحارثي, سيد الأحابيش ورئيسهم يوم أحد, وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"٤.
وقد حارب الأحابيش مع قريش يوم أحد، وقد رأسهم "أبو عامر"
стр. 2009
المعروف بـ" الراهب"١, وقاتل بهم، مع أن رئيسهم وسيدهم إذ ذاك هو "الحليس بن زبان" أخو "بني الحارث بن عبد مناة", وهو يومئذٍ "سيد الأحابيش". وقد مر بـ"أبي سفيان"، وهو يضرب في شدق "حمزة" بزج الرمح، فلامه على فعله وأنبه٢. ولعل هذا الحليس هو الحليس المتقدم, كتب اسم والده بصور مختلفة بحذف اسم والده, وإضافة جده أو غيره إليه، فصار وكأنه إنسان آخر.
وقد ورد ذكر "الحليس" في خبر "الحديبية"؛ فقد ذكر الطبري أن قريشًا أوفدت "الحليس بن علقمة" أو "ابن زبان", وكان يومئذ سيد الأحابيش, وهو أحد "بلحارث بن عبد مناة بن كنانة", إلى رسول الله، فلما رآه الرسول, قال: "إن هذا من قوم يتألهون"، فلما رأى الحليس هدْيَ المسلمين في قلائده، وأحسن أن الرسول إنما جاء معتمرًا لا يريد سوءًا لقريش، قص عليهم ما رأى، فقالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك، فغضب "الحليس" عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظمًا له، والذي نفس الحليس بيده, لتخلُّن بين محمد وبين ما جاء له, أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نوصي به٣.
وقد ساهم "الأحابيش" في الدفاع عن مكة عام الفتح، وكانوا قد تجمعوا مع "بني بكر" و"بني الحارث بن عبد مناة" ومن كان من الأحابيش أسفل مكة, كما أمرتهم قريش بذلك. فأمر رسول الله خالد بن الوليد أن يسير إليهم، فقاتلهم حتى هزموا, ولم يكن بمكة قتال غير ذلك٤. ولم يذكر "الطبري" اسم سيد الأحابيش في هذا اليوم.
ويتبين من دراسة أخبار أهل الأخبار عن الأحابيش، ومن نقدها وغربلتها، أن الأحابيش كانوا جماعة قائمة بذاتها، مستقلة في إدارة شئونها، يدبر أمورها رؤساء منهم، يعرف أحدهم بـ"سيد الأحابيش". وقد ذكرت أسماء
стр. 2010
بعض منهم قبل قليل. وقد عاشوا عيشة أعرابية، خارج مكة على ما يظهر من الروايات, وذلك بدليل قول قريش للحليس: "اجلس، فإنما أنت رجل أعرابي، لا علم لك"١, أي: إنهم كانوا أعرابا ويعيشون عيشة أعرابية. ويظهر من هذه الأخبار أيضا أن "الحليس" "سيد الأحابيش"، كان من "بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة"، وأن "ابن الدغنة" كان من "بني سليم". ولم ينص أهل الأخبار فيما إذا كانا عربيين صريحين أو أنهما كانا من "بني الحارث" ومن "بني سليم" بالولاء، فنسبهما إلى القبيلتين، هو نسب ولاء.
ويظهر من خبر "الحديبية" ومن قول النبي لما رأى "الحليس" قادمًا إليه: "إن هذا من قوم يتألهون" , أن الأحابيش لم يكونوا على دين مكة أي: من عباد الأصنام, بل كانوا مؤلهة، يدينون بوجود إله. وقد يشير الرسول بذلك إلى أنهم كانوا نصارى، أخذوا نصرانيتهم من الحبش؛ ولذلك كانوا من المؤلهة بالنسبة لقريش. وأنا لا أستبعد أيضا أن تكون تلك التسمية قد غلبت على هؤلاء؛ لأنهم كانوا من الساحل الإفريقي المقابل لجزيرة العرب. جاءوا إليها بالفتوح وبالنخاسة، وأقاموا في تهامة إلى مكة، وعاشوا عيشة أعرابية متبدية، وتحالفوا مع القبائل العربية المذكورة، وتخلقوا بأخلاق عربية حتى صاروا أعرابًا في كل شيء. وقد لازمتهم التسمية التي تشير إلى أصلهم، وإنما تحالفوا مع "بني الحارث" وبقية المذكورين، عرف حلفهم بـ"حلف الأحابيش"، ثم عرف المتحالفون بـ"الأحابيش". وقد نسي الأصل وهو الأحابيش, أي: اسم الحبش الذين تحالفوا مع "بني الحارث" و"عضل" و"الديش" و"المصطلق" و"الحيا"؛ لسبب لا نعرفه, قد يكون بسبب كونهم عبيدًا سودًا، وأطلق الحلف على المذكورين. غير أن روايات أهل الأخبار تشير إلى كثير من الأحابيش في مثل قولها: "وخرجت قريش بأحابيشها" إلى أن الأحابيش المذكورين كانوا في حكم قريش, أي: جماعة من الحبش من أهل إفريقيا, كانت كما ذكرت تكوّن وحدة قائمة بذاتها، ولكنها تدين بولائها لقريش، ولها حلف مع بعض كنانة ومع قبائل أخرى. ولما كان عام الفتح أمرتها قريش بالتعاون مع "بني بكر" و"بني الحارث بن عبد مناة"؛ للدفاع عن مكة من جهة الجنوب, فامتثلت لأمر قريش، وأخذت مواضعها هنالك، حتى زلزلها "خالد بن الوليد".
стр. 2011
وقد منح "لامانس" الأحابيش درجة مهمة في الدفاع عن قريش, حتى زعم أن قريشا ركنت إليهم في دفاعهم عن مكة، وعهدت إليهم دورا خطيرا في حروبها مع الرسول. وقد استند في رأيه هذا إلى ما رواه أهل الأخبار من اشتراكهم مع قريش في تلك الحروب، غير أننا نجد من دراسة أخبار الحروب المذكورة، أن الأحابيش وإن ساهموا فيها، إلا أنهم لم يلعبوا دورا خطيرا فيها, وأنهم لم يكونوا في تلك الحروب سوى فرقة من الفرق التي ساعدت قريشًا، مقابل مال ورزق ووعود. ولم يكن الأحباش وحدهم قد ساعدوا أهل مكة في حروبهم مع غيرهم, فقد ساعدهم أيضا طوئف من الأعراب أي: من البدو الفقراء الذين كانوا يقاتلون ويؤدون مختلف الخدمات في سبيل الحصول على خبز يعيشون عليه.
وقريش جماعة استقرت وتحضرت، واشتغلت بالتجارة، وحصلت منها على غنائم طيبة. ومن طبع التاجر الابتعاد عن الخصومات والمعارك والحروب؛ لأن التجارة لا يمكن أن تزدهر وتثمر إلا في محيط هادئ مستقر. لذلك، صار من سياستها استرضاء الأعراب وعقد "حبال" مع ساداتهم؛ لتأمين جانبهم، ليسمحوا لقوافلها بالمرور بسلام. كما صار من اللازم عليها عقد أحلاف مع المجاورين لهم من الأعراب مثل "قريش الظواهر" و"الأحابيش" وأمثالهم للاستعانة بهم في الدفاع عن مكة والاشتراك معهم في حروبهم التي قد يجبرون على خوضها مع غيرهم. بالإضافة إلى عبيدهم "الحبش" الذين اشتروهم لتمشية أمورهم, وليكونوا حرسًا وقوة أمن لهم.
ولم تكن قريش تعتمد على القوة في تمشية مصالحها التجارية، بقدر اعتمادها على سياسة الحلم واللين والقول المعسول والكلام المرضي في الوصول إلى غايتها, وأهدافها ومصالحها التجارية. وبهذه السياسة: سياسة اللين والمفاوضة والمسالمة, كانت تبدأ بحل ما يقع لها من صعوبات مع الناس. ولم يكن من السهل عليها في الواقع إرضاء الأعراب وإسكاتهم لولا هذه السياسة الحكيمة التي اختاروها لأنفسهم, وهي سياسة أكثر سكان القرى العامرة الواقعة في البوادي بين أعراب جائعين، سياسة الاسترضاء بالحكمة واللسان الجميل, وأداء المال رشوة لهم بأقل مقدار ممكن؛ لأن الإكثار من السخاء يثير في الأعرابي شهوة طلب المزيد, وشهوته هذه متى ظهرت، فسوف لا تنتهي عند حد. وأهل مكة بخبرتهم الطويلة في تجولهم بمختلف أنحاء جزيرة العرب أعرف من غيرهم بنفسية الأعراب.
стр. 2012
وكان لأشرافها أحلاف مع سادات القبائل، تحالفوا معهم لتمشية مصالحهم ولحماية تجارتهم, فكان "زرارة" التميمي مثلًا حليفًا لـ"بني عبد الدار", وكان عامر بن هاشم بن عبد مناف قد تزوج "بنت النباش بن زرارة", وأولد منها "عكرمة بن عامر بن هاشم" الشاعر, و"بغيض بن عامر" الذي كتب الصحيفة على "بني هاشم" في أمر مقاطعة قريش لبني هاشم١.
وقد عيرت قريش بأنها لا تحسن القتال, وأنها تجاري وتساير من غلب, وأنها لا تخرج إلا بخفارة خفير, وبحلف حليف، وبحبل من هذه الحبال التي عقدتها مع سادات القبائل. فلما سمع "النعمان بن قبيصة بن حيَّة الطائي" ابن عم "قبيصة بن إياس بن حية الطائي" صاحب الحيرة, بـ"سعد بن أبي وقاص"، سأل عنه، فقيل: "رجل من قريش، فقال: أما إذا كان قرشيًّا فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال. إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيرًا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير"٢. ونجد أمثلة أخرى من هذا القبيل تشير إلى ميل قريش إلى السلم، وعدم قدرتها على القتال.
وذكر الإخباريون أنه كان لكنانة جملة أولاد، ذكر ابن الكلبي منهم: النضر، والنضير، ومالكًا, وملكان، وعامرًا وعمرًا، والحارث، وعروان "غزوان"، وسعدًا، وعوفًا، وغنمًا، ومخرمة، وجرولًا, وهم من زوجته "برة بنت مرّ" أخت "تميم بن مرّ"؛ ولهذا رأى النسابون وجود صلة بين أبناء هؤلاء الأولاد وقبيلة "تميم". وأما "عبد مناة"، فإنه ابن كنانة من زوجته الأخرى، وهي "الذفراء بنت هانئ بن بليّ" من قضاعة؛ ولذلك عد أبناؤه من قضاعة.
ويذكر أهل الأخبار أن من أجداد "قصي"، رجلًا كانت له منزلة في قومه اسمه "كعب بن لؤي", كان يخطب للناس في الحج، وكان رئيسًا في "قريش", فلما توفي أرخت قريش بموته إعظامًا له، إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به٣. وذكر بعض أهل الأخبار أن أم "كعب" هي من "القين بن
стр. 2013
جسر" من قضاعة، وأن كعبًا هذا أول من سمى يوم الجمعة الجمعة, وكانت العرب تسمي يوم الجمعة: العروبة, وأول من قال: "أما بعد"، فكان يقول: "أما بعد، فاستمعوا وافهموا", وأن بين موته والفيل خمسمائة سنة وعشرين سنة١.
وفي قول أهل الأخبار عن وقت موت كعب مبالغة شديدة بالطبع، فإن كعبًا هو والد "مرة" و"مرة" هو والد "كلاب" و"كلاب" هو والد "قصي". فلا يعقل إذن أن يكون بين موت "كعب" وبين الفيل هذا المقدار من السنين.
وهم يذكرون أيضا أن والد "قصي" وهو "كلاب" كان قد نزوج "فاطمة بنت سعد بن سيل", فأنجبت له "قصيا". وهي من الأزد, من نسل "عامر الجادر", وقد عرف بـ"الجادر" لأنه بنى جدار الكعبة بعد أن وهن من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر. وذكر أيضا أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركًا بذلك، وأن عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ما شعت من جدرها فسمي الجادر. وذكر أن "سعد بن سيل" كان أول من حلَّى السيوف بالفضة والذهب, وكان أهدى٢ إلى "كلاب" مع ابنته "فاطمة" سيفين محليين, فجعلا في خزانة الكعبة. وذكر أن "كلابًا" هو أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة٣. وجاء أيضا أنه أول من جدر الكعبة٤.
و"قصي" رئيس قريش، هو الذي ثبت الملك في عقبه، ونظم شئون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله. فلما أشرق الإسلام، كانت أمور مكة في يد قريش، ولم يكن لغير قريش نفوذ يذكر على مكة. فهو الذي بعث الحياة إلى قومه من قريش، وجعل لهم مكانة في هذه القرية ونفوذًا وشهرة في الحجاز، وهو الذي أوجد لمكة مكانة، وخلق
стр. 2014
لها نوعًا من التنظيم والإدارة. ومن عهده فما بعد, نجد في أخبار مكة ما يمكن أن يركن ويطمأن إليه من أخبار.
وقد روى "ابن قتيبة" خبرًا مفاده: أن "قيصر" أعان "قصيًّا" على "خزاعة"١. وإذا صح هذا الخبر، فإن مساعدة "قيصر" له قد تكون عن طريق معاونة الغساسنة له، وهم حلفاء الروم. وقد تكون قبيلة "بني عذرة" وهي من القبائل المتنصرة التي عاشت على مقربة من حدود بلاد الشام، هي التي توسطت فيما بين قصي والروم, وقد كانت خاضعة لنفوذهم، فأعانه أحد الحكام الروم -وقد يكون من ضباط الحدود، أو من حكام المقاطعات الجنوبية, مثل "بصري" بأن أمده بمساعدة مالية أو بإيعاز منه إلى الأعراب المحالفين للروم بمساعدته في التغلب على خزاعة٢. ولا أهمية كبيرة في هذا الخبر لكلمة "قيصر", فقد جرت عادة أهل الأخبار على الإسراف في استعمالهم لهذه اللفظة. وقد ورثوا هذا الإسراف من الجاهليين، فقد كان من عادتهم تسمية أي موظف بارز من موظفي الحدود الروم, أو من حكام المقاطعات بـ" قيصر". وفي روايات أهل الأخبار أمثلة عديدة من هذا القبيل.
ويذكر أن "عثمان بن الحويرث"، وكان من الهجائين في قريش ومن العالمين بأخبار رجالها، قد توسط فيما بعد لدى البيزنطيين لتنصيب نفسه ملكًا على مكة، وهو من "بني أسد بن عبد العزى". ويظهر أنه أدرك المرارة التي أصيب بها البيزنطيون من خروج الحبش عن اليمن ومن دخول الفرس إليها, وسيطرتهم بذلك على باب المندب، ومفتاح البحر الأحمر، فتقرب إلى الروم وتوسل إليهم لمساعدته بكل ما عندهم من وسائل لتنصيب نفسه ملكًا على مكة, علمًا منه أن هذا الطلب سيجد قبولًا لديهم، وأن في إمكانهم في حالة عدم رغبتهم بمساعدته مساعدة عسكرية أو مالية, الضغط على سادات مكة ضغطًا اقتصاديًّا، بعرقلة تجارتهم مع بلاد الشام، أو بمنع الاتجار مع مكة، أو برفع مقدار الضرائب التي تؤخذ عن تجارتهم، وبذلك يوافقون على الاعتراف به ملكًا
стр. 2015
عليه، على نحو ما كان عليه الملوك الغساسنة, وكما سأتحدث عن هذا الموضوع فيما بعد.
والظاهر أن مشروعه هذا لم يلاقِ نجاحًا؛ لأن سادات مكة وفي جملتهم رجال من "بني أسد بن عبد العزى"، مثل "الأسود بن المطلب" و"أبي زمعة"، والأثرياء من الأسرة الأخرى عارضوه؛ لأنهم كانوا تجارًا يتاجرون مع الفرس والروم، وانحيازهم إلى الروم معناه خروج مكة عن سياسة الحياد التي اتبعوها تجاه المعسكرين: الفرس والروم، وسيؤدي هذا الانحياز إلى عرقلة اتجارهم مع الفرس ومع الأرضين الخاضعة لنفوذهم, وتؤدي هذه العرقلة إلى خسارة فادحة تقع بتجارتهم، لا سيما وأن الفرس كانوا قد استولوا على اليمن, ولأهل مكة تجارة واسعة معها. ثم إن بين أهل مكة رجالًا لهم شأن ومكانة في قومهم، وكانوا أرفع منزلة من "عثمان بن الحويرث"؛ لذلك لم يكن من الممكن بالنسبة لهم الانصياع له, حتى وإن أرسل الروم جيشًا قويًّا منظمًا على مكة؛ لذلك لم يتحقق حلم "عثمان" في الرياسة ولو بمساعدة قوات أجنبية.
وزعم بعض أهل الأخبار أن "الحارث بن ظالم المري"، ذكر "آل قصي" في شعره، ودعاهم بـ"قرابين الإله", إذ قال:
وإن تعصب بهم نسبي فمنهم ... قرابين الإله بنو قصيّ١
وهو في عرف بعض النسابين: "قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن فهر"٢, و"قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضَر بن نزار بن معد بن عدنان"، في شجرة نسبه التي توصله إلى جده الأعلى "عدنان"٣. فأبوه هو كلاب, أما أمه فهي "فاطمة بنت سعد بن
стр. 2016
سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر" من أزد شنوءة حلفاء في "بني الدِّيل"١. توفي أبوه وهو صغير، وتزوجت أمه بعد وفاة "كلاب" أبيه من رجل من بني عذرة، هو ربيعة بن حرام. ولصغر سن قصي، أخذته أمه معها إلى أرض زوجها في بني عذرة، على مقربة من تبوك، وتركت أخاه الأكبر "زهرة" في أهله بمكة. ولما شب قصي وترعرع، وعرف من أمه أصله وعشيرته، رجع إلى قومه، فنزل بمكة وأقام بها, ونظم أمر قريش٢.
ولم يكن اسم قصي قصيًّا يوم سُمي، بل كان "زيدًا" وإنما سمي قصيا بعد ذلك، سمي قصيا على ما يذكر أهل الأخبار؛ لأنه قصيٌّ عن قومه، فكان في بني عذرة، فسمي قصيا لبعد داره عن دار قومه٣. وبينا قصي بأرض قضاعة لا ينتمي إلا إلى ربيعة بن حرام, زوج أمه، وهو من أشراف قومه، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء، فأنبه القضاعي بالغربة, فرجع قصي إلى أمه, وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي, فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت، والله، يا بني أكرم منه نفسًا وولدًا. فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، فقالت له أمه: يا بني, لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإنني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج، أقام بها واتخذها له مستقرًّا ومقامًا٤.
وتعرف قصي وهو بمكة على "حليل بن حبشية الخزاعي" وكان يلي الكعبة وأمر مكة، ثم خطب إليه ابنته، وهي "حبى" فزوجه إياها، وولدت
стр. 2017
له ولده: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزَّى، وعبد قصي. وكثر ماله، وعظم شرفه، فلما توفي "حليل" رأى قصي أنه أولى من خزاعة بولاية البيت, وأن قريشًا فرعة إسماعيل وإبراهيم، واستنفر رجال قريش، ودعاهم إلى إخراج خزاعة من مكة. وكتب إلى أخيه من أمه، وهو "رزاح بن ربيعة بن حرام العذري" يستنصره، فأجابه ومعه قومه من بني عذرة من قضاعة، ووصلوا مكة ونصروه؛ وغلبت قضاعة وبنو النضر خزاعة، وزال ملكهم عن مكة, وصار الأمر إلى قصي وقريش١.
وفي رواية أنه اشترى ولاية البيت من "أبي غَبْشان" بزق خمر وبعود. وكان "حليل" كما يقول أصحاب هذه الرواية قد جعل ولاية البيت إلى ابنته "حُبى", فقالت: قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه, قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى "أبي غبشان", وهو "سليم بن عمرو بن بويّ بن ملكان بن أفصى", فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود. فلما سمعت خزاعة ذلك، تجمعت على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة وأصيب خزاعة بوباء العدسة، حتى كادت تفنيهم, فلما رأت ذلك، جلت عن مكة. ويذكرون أن العرب لما سمعت بقصة "أبي غبشان" قالت: "أخسر صفقة من أبي غبشان", فذهب القول مثلًا٢.
وأبو غبشان، هو "المحترش"٣, وقد ورد اسم رجل عرف بالحارث, قيل عنه: إنه غبشان بن عبد عمرو, وإنه كان قد حجب البيت٤, فلعل له علاقة بأبي غبشان المذكور، كأن يكون ابنه.
وفي رواية: أن القتال حينما اشتدَّ بين قصي وخزاعة، تداعوا إلى الصلح؛ على
стр. 2018
أن يحكم بينهم "عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة" "يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث" فوافق. فكان حكمه أن قصيًّا أولى بالبيت ومكة من خزاعة, وأن كل دمٍ أصابه من خزاعة موضوع، فيشدخه تحت قدميه، وأن كل دمٍ أصابت خزاعة وبنو بكر حلفاؤهم من قريش وبني كنانة، ففي ذلك الدية مؤداة؛ وبذلك انتصر قصي على خصومه. ويقولون: إن "عمرًا" سمي منذ الحين الشداخ، بما شدخ من الدماء١.
ولم يشر بعض أهل الأخبار إلى أن شدخ الشداخ الدماء بين قريش وخزاعة كان في عهد قصي، فأغفلوا اسم "قصي", بل اكتفوا بالإشارة إلى شدخه الدماء وإصلاح ما بين قريش وخزاعة، وذكر بعضهم أنه حكم في جملة ما حكم به, على ألا يخرج خزاعة من مكة٢. وأكثر الرواة على أن اسمه "يعمر بن عوف"، لا "عمرو بن عوف" كما جاء في الرواية المتقدمة٣.
ولم تشر رواية أخرى ذكرها "ابن دريد" إلى وقوع نزاع بين قصي وبين خزاعة، بل قالت: إن حليلًا سادن الكعبة، كان قد أوصى إليها أمر الكعبة وأعطاها مفتاحها، فأعطته زوجها قصيًّا، فتحولت الحجابة من خزاعة إلى بني قصي٤.
وترجع بعض الروايات نزاع خزاعة مع قصي إلى عامل آخر غير ولاية البيت، فتذكر أن خزاعة كانت قد سلمت لقصي بحقه في ولاية البيت، وأنها زعمت أن "حليلًا" أوصى بذلك قصيًّا، وبقيت على ولائها له، إلى أن اختلف "قصي" مع "صوفة". وكانت "صوفة" وهي من "جرهم" تتولى أمر الإجازة
стр. 2019
بالناس من عَرَفَة, فتجيزهم إذا نفروا من "مِنى", تولت ذلك من عهد جرهم وخزاعة. فلما كان قصي, أتاهم مع قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه، فانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، فوقع من ثَمَّ ما وقع على نحو ما مر١.
غير أن الرواة يذكرون في مكان آخر أن قصيا أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينًا في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت, فصار ذلك من أمرهم إلى "آل صفوان بن الحارث بن شجنة" وراثةً٢. فهذه الرواية تنافي ما ذكرته آنفًا من قولهم بقتال قصي لهم, وغلبته عليهم. وبقي أمر "عدوان" والنسأة، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم به ذلك كله٣.
ويذكر الإخباريون أن قصيًّا بعد أن تمت له الغلبة، جمع قومه من الشعاب والأودية والجبال إلى مكة، فسُمِّي لذلك مجمّعًا، وأنه حكم منذ ذلك الحين فيهم، وملك عليهم، فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكًا، وأطاعه قومه به، وأنه قسم مكة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن، وأن قريشًا هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده, وأعانوه, وأنها تيمنت به, فكانت لا تعقد أمرًا، ولا تفعل فعلًا إلا في داره، فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدها لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها، فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمنًا بأمره ومعرفة
стр. 2020
بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها١.
ويذكر الإخباريون أيضا، أن قريشا كانوا إذا أرادوا إرسال عيرهم، فلا تخرج ولا يرحلون بها إلا من دار الندوة, ولا يقدمون إلا نزلوا فيها تشريفًا له وتيمنًا برأيه ومعرفةً بفضله، ولا يعذر لهم غلام إلا في دار الندوة. وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة، وكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها٢.
وقد وردت في الشعر لفظة "مجمع":
أبونا قصي كان يدعى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فهرِ٣
فيظهر من هذا البيت أنه جمع قبائل فهر، ووحَّدها.
ويذكر الرواة أن "بني بكر بن عبد مناة" صاروا يبغضون قريشا لما كان من "قصي" حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة, حين قسمها رباعًا وخططًا بين قريش. فلما كانوا على عهد "المطلب"، وهموا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه، وعدت "بنو بكر" على نعم لبني الهون فأطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش واستعدت, وعقد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش، فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم وعلى الناس "المطلب"، فاقتتلوا بـ"ذات نكيف", فانهزم بنو بكر، وقتلوا قتلًا ذريعًا، فلم يعودوا لحرب قريش.
وقتل يومئذٍ "عبيد بن السفاح القاري" من القارة, قتادة بن قيس أخا
стр. 2021
" بلعاء بن قيس", والقارة من ولد "الهون بن خزيمة"١.
ويظهر من هذه الروايات أن أرض حرم مكة كانت مشجرة، وأن تلك الأشجار كانت مقدسة، وأن بعض بيوت مكة كانت ذات أشجار, ويظهر أنها انتزعت من أرض الحرم؛ ولذلك كانوا يهابون قطعها ولا يتجاسرون على إلحاق سوء بها. فلما جاء قصي، خالف عقيدة القوم فيها، فقطعها, ولما وجد أهل مكة أن قطعها لم يلحق أي سوء بقصي، وأنه بقي سالمًا معافًى، تجاسروا هم وفعلوا فعله في قطع الشجر٢.
وذكر العلماء: أن "الحرم"، أي: حرم مكة، ما أطاف بمكة من جوانبها، وحدُّه من طريق المدينة دون "التنعيم" عند بيوت "بني نفار" على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على ثنيَّة جبل بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجِعرانة بشِعْب "آل عبد الله بن خالد" على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن "نمرة" على سبعة أميال، ومن طريق "جُدَّة" منقطع العشائر, على عشرة أميال٣.
والحرم المذكور، هو الأرض الحرام التي كانت مقدسة عند الجاهليين أيضا, وهي مكة وأطرافها إلى حدودها التي اصطلح عليها. وأما الحرم الذي أحاط بالكعبة فقد عرف بـ"المسجد" وبـ"المسجد الحرام" وبـ"الحرم". ولا نعرف حدوده في الجاهلية على وجه واضح معلوم. وقد كان الجاهليون قد وضعوا أنصابًا على الحدود ليعلم الناس مكان الحرم، ولم يكن له جدار محيط به. وذكر أنه كان في عهد الرسول وأبي بكر فناء حول الكعبة للطائفين، ولم يكن له على عهدهما جدار يحيط به. فلما استخلف "عمر" وكثر الناس، وسع المسجد، واشترى دورًا هدمها وزادها فيه، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، فكان عمر أول من اتخذ جدارا للمسجد.
стр. 2022
ثم وسَّع المسجد "عثمان" ومن جاء بعده، ثم صار كل من ولي من الخلفاء والسلاطين يزيد في اتساع الحي، حتى صار على ما هو عليه الآن١.
ودار الندوة إذن هي دار مشورة في أمور السلم والحرب، ومجلس المدينة التي عرف رؤساؤها كيف يحصلون على الثروة كيف يستعيضون عن فقر أرضهم بتجارة تدرُّ عليهم أرباحًا عظيمة وبخدمة يقدمونها إلى عابدي الأصنام، جاءت إليهم بأموال وافرة من الحجيج. في هذه الدار يجتمع الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور في الأمور والبتِّ فيها. وفي هذه الدار أيضا تجري عقود الزواج، وتعقد المعاملات, فهي دار مشورة ودار حكومة في آنٍ واحدٍ, يديرها "الملأ"، وهم مثل أعضاء مجلس الشيوخ "أثينا" الذين كانوا يجتمعون في "المجلس" "Ekklesia" للنظر في الأمور٢. يمثلون زعماء الأسر، ورؤساء الأحياء, وأصحاب الرأي والمشورة للبت فيما يعرض عليهم من مشكلات٣.
وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن دار الندوة لم يكن يدخلها إلا ابن أربعين أو ما زاد، فدخلها أبو جهل وهو ابن ثلاثين؛ لجودة رأيه٤, ودخلها غيره للسبب نفسه. فيظهر من ذلك أن المراد من دخول الدار، هو حضورها للإسهام في إبداء رأي وتقديم مشورة.
ولما كانت سن الأربعين في نظر العرب هي سن النضج والكمال، أخذوا بمبدأ تحديده باعتباره الحد الأصغر لسن من يسمح له بالاشتراك في الاجتماعات وإبداء الرأي، إلا إذا وجدوا في رجل أصغر سنًّا جودة في الرأي, وحدة في الذكاء, فيسمح له عندئذٍ بالاشتراك وبإبداء الرأي بصورة خاصة.
وذكر أيضا، أنه لم يكن يدخل دار الندوة أحد من قريش لمشورة حتى يبلغ أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام، فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان ولد في الكعبة، وذلك أن أمه دخلت الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل به، فضربها المخاض في الكعبة، وأعجلها عن الخروج، فوضعت به بها، وجاء
стр. 2023
الإسلام ودار الندوة بيد حكيم، فباعها بعد من معاوية بمائة ألف درهم١.
فدار الندوة إذن، هي دار "ملأ" مكة, وهم سادتها ووجوهها وأشرافها وأولو الأمر فيها, ولم تكن "برلمانًا" أو "مجلس شيوخ" على النحو المفهوم من اللفظتين في المصطلح السياسي, وإنما كانت دار "أولي المشورة" و"الرأي", تتخذ رأيًا عند ظهور حاجة أو أخذ "الرأي", وعند وجوب حصول زعماء الملأ على قرار في أمر مهم. ولم تكن قراراتها ملزمة، بل قد يخالفها سيد ذو رأي ومكانة، فينفرد برأيه, ولا يحصل الإجماع إلا باتفاق, والغالب ألا يحصل هذا الاتفاق. ويتوقف تنفيذ رأي "الملأ" على شخصية المقررين وعلى كفاءتهم وعلى ما يتخذونه من إجراء بحق المخالفين المعاندين من مقاطعة ومن مساومة ومن إقناع. والغالب أن الملأ لا يتخذون رأيًا إلا بعد دراسة وتفكير, ومفاوضات يراعى فيها جانب المروءة والحلم والمرونة، حتى لا يقع في البلد انشقاق قد يعرِّض الأمن إلى الاهتزاز.
وربما قام وجوه "الشعب" وهم سادة الأسر, بدور هو أكثر فعاليةً من دور "دار الندوة" في فضِّ الخصومات. والعادة عندهم أن الخصومات الداخلية للأسر, تفض داخل الأسرة؛ لأن "آل" الأسرة أقدر على حل خلافاتهم من تدخل غيرهم في شئونهم، ثم إنهم لا يقبلون بتدخل غريب عن الأسرة في شأن من شئون تلك الأسرة؛ لذلك كان "الملأ" لا ينظرون إلا في الأمور التي هي فوق مستوى الأسر و"الشعاب", والتي تخص أمور المدينة كلها، والتي قد تعرض أمنها إلى الخطر، أو التي يتوقف على قراراتهم بصددها مستقبل المدينة.
والإنسان بمكة بأسرته وبمقدرته وقابلياته وكفاءته, وقد يرفع الأشخاص من مستوى أسرهم، وقد يهبط مستوى الأسر ومكانتها بسبب هبوط مستوى رجالها وعدم ظهور رجال أغنياء أقوياء فيها. ولما كانت مكة مدينة عمل وتجارة ومال, والمال يتنقل بين الناس حسب اجتهاد الأفراد وجدهم في السعي وراءه؛ لذلك تجد من بين رجالها من يخمل ذكره بسبب خمول أولاده وتبذيرهم لما ورثوه من مال، وعدم سعيهم لإضافة مال جديد إليه، ويستتبع ذلك تنقل النفوذ من بيت إلى بيت.
فالحكم في مكة إذن حكم لا مركزي، حكم رؤساء وأصحاب جاه ونفوذ ومنزلة
стр. 2024
تطاع فيها الأحكام، وتنفذ الأوامر، لا لوجود حكومة قوية مركزية مهيمنة لها سلطة على أهل مكة، بل لأن الأحكام والأوامر هي أحكام ذوي الوجه والسن والرئاسة والشرف، وأحكام هؤلاء مطاعة في عرف أهل مكة وفي عرف غيرهم من أهل جزيرة العرب، حكمت بذلك العادة وجرى عليه العرف, ولا مخالفة للعرف والعادة. فالعرف قانون أهل جزيرة العرب حتى اليوم, وانتهاك أحكامهما معناه انتهاك سيادة القانون، وتمرد على الهيئة والنظام، وتحقير الحاكمين وإهانة لهم ولأتباعهم، ليس لأحد الخروج على أوامر سادات القوم وذوي الحسب والشرف والسن والعقل.
ولم تكن في مكة حكومة مركزية بالمعنى المفهوم المعروف من الحكومة، فلم يكن فيها ملك له تاج وعرش، ولا رئيس واحد يحكمها على أنه رئيس جمهورية أو رئيس مدينة، ولا مجلس رئاسة يحكم المدينة حكمًا مشتركًا أو حكمًا بالتناوب، ولا حاكم مدني عام أو حاكم عسكري. ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الأمن, أو مدير له سجن يزج فيه الخارجين عن الأنظمة والقوانين أو ما شابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات, وكل أمرها أنها قرية تتألف من شعاب، كل شِعْب لعشيرة, وأمر كل شعب لرؤسائه، هم وحدهم أصحاب الحل والعقد والنهي والتأديب فيه. وليس في استطاعة متمرد مخالفة أحكامهم, وإلا أدبه حيه، وملؤه أي: أشرافه. هولاء الرؤساء هم الحكام الناصحون وهم عقلاء الشعب.
وقد أشير إلى رؤساء مكة في القرآن الكريم في آية: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١. فرؤساء مكة هم علماؤها وساداتها, وهم أعلى الناس منزلة ودرجة ومكانة فيها, و"عظماء" مكة أو "عظماء الطائف" هم الطبقة "المختارة" والصفوة المتزعمة في الناس, وإليها وحدها تكون الزعامة والرئاسة والرجاحة في الرأي.
وقانون القوم ودستورهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢. فهم محافظون حريصون على كل ما وصل إليهم، لا يريدون له تغييرا ولا تبديلا, مهما بدا لهم في الجديد من منطق وحق. ﴿قَالَ أَوَلَوْ
стр. 2025
جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١. وفي القرآن الكريم آيات أخرى ترينا تمسك نخبة مكة ورجال الملأ بحقوقهم وبما ورثوه من عرف مكنهم من الملأ، وفي تمسكهم بها محافظة على حقوقهم الموروثة وعلى مصالحهم وعلى زعامتهم في الناس.
فملأ مكة أناس محافظون لا يقبلون تجديدًا ولا تطويرًا، سنتهم التعلق بالماضي، وكره الثورة والخروج عن العرف والعادة مهما كانت. فالعرف جرى الناس عليه, فلا خروج على العادة والعرف. أما المستهين بالعرف المخالف لسنة الآباء والأجداد، فيعاقب حتى يعود إلى رشده وصوابه. وهم باستماتتهم في التمسك بالماضي كيف كان، وبتطرفهم في المحافظة على العرف، إنما يراعون بذلك حقوقهم الموروثة ومكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية، فالعرف جعلهم الطبقة الحاكمة بالتقاليد، المحافظة على مصالحها، استنادًا إلى العادات. هم يحكمون بهذا القانون الموروث غير المسجل، وعلى الناس الطاعة والانقياد. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقد توارث بنو عبد الدار الندوة، حتى باعها "عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار" من معاوية، فجعلها دار الإمارة بمكة، ثم أدخلت في الحرم٣. وورد في رواية أخرى أن "حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسلمي" وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد، كان هو الذي باعها من معاوية وكانت بيده، باعها بمائة ألف درهم٤, وكان قد اشتراها من منصور بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار٥.
ودار الندوة، هي أول دار بنيت بمكة على حد قول الرواة، وكانت أشهر
стр. 2026
دار بمكة وأنشرها في الناس خبرًا١, ثم تتابع الناس فبنوا من الدور ما استوطنوه. ويذكر أهل الأخبار: أن مكة لم تكن ذات منازل، وكانت قريش بعد جرهم والعمالقة ينلجعون جبالها وأوديتها ولا يخرجون من حرمها انتسابًا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها وتخصصًا بالحرم لحلولهم فيه. ولما كان "كعب بن لؤي بن غالب" جمع قريشًا صار يخطب فيها في كل "جمعة"، وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية "عروبة" فسماه كعب "الجمعة". وبذلك ألف بين قريش حتى جاء "قصي" ففعل ما فعل٢.
ولدينا خبر آخر، يذكر أنه قد كان حول الحرم شجر ذو شوك، نبت من قديم الزمن وكون غوطة، فقطعها "عبد مناف بن قصي" وهو أول من بني دارا بمكة، ولم تُبْنَ دار قبلها، بل كان بها مضارب للعرب من الشعر الأسود٣.
وزعم بعض أهل الأخبار أن أهل مكة كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيمًا للكعبة, وأول من بنى بيتا مربعا "حُمَيْد بن زهير" فقالت قريش: "رَبَّعَ حميد بن زهير بيتًا, إما حياةً وإما موتًا"٤, و"الربع": المنزل ودار الإقامة والمحلة٥, وهو أحد "بني أسد بن عبد العزى", وأن العرب تسمي كل بيت مربع كعبة، ومنه كعبة نجران٦. وذُكر أيضا أن "حميد بن زبير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى" هو أول من خالف سنة قريش وخرج على عرف أهل مكة فبنى بيتًا مربعًا، وجعل له سقفًا. وفي عمله هذا قال الراجز:
اليوم يبنى لحُمَيْدٍ بيته ... إما حياته, وإما موته٧
وورد في رواية أخرى، أن ثاني دار بنيت بمكة بعد دار الندوة، هي "دار
стр. 2027
العجلة" وهي دار سعيد بن سعد بن سهم, وزعم "بنو سهم" أنها بنيت قبل "دار الندوة"١.
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن بيوت مكة أن بيوتها، وهي بيوت أثريائها وساداتها، بيوت كانت مقامة بالحجر، وبها عدد من الغرف، ولها بابان متقابلان؛ باب يدخل منها الداخل وباب تقابلها يخرج منها الخارج، ولعلها بنيت على هذا الوضع ليتمكن النساء من الخروج من الباب الآخر عند وجود ضيوف في رحبة الدار عند الباب المقابلة. ومعنى هذا أن أمثال هذه الدور كانت واسعة تشرف على زقاقين. ولبعض الدور "حجر" عند باب البيت، يجلس تحته ليستظل به من أشعة الشمس، وكان منزل "خديجة" ذو حجر من هذا الطراز٢.
ولو أخذنا بالرواية المتقدمة عن التغيير الذي طرأ على طراز العمارة في مكة، فإن ذلك يحملنا على القول: إنه يجب أن يكون قد حدث في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، في وقت ليس ببعيد عهد عن أيام النبي؛ لأننا نجد أن أحد أبناء "حميد" وهو عبد الله، كان قد حارب في معركة "أحد"٣.
ويتبين من غربلة روايات الإخباريين المتقدمة عن مدى سعة الحرم وعن زمان بناء الدور بمكة، أن بطن مكة لم يعمر ولم تبن البيوت المستقرة فيه إلا منذ أيام "قصي". أما ما قبل ذلك، فقد كان الناس يسكنون "الظواهر": ظواهر مكة، أي أطرافها, وهي مواضع مرتفعة تكون سفوح الجبال والمرتفعات المحيطة بالمدينة. أما باطن مكة, وهو الوادي الذي فيه البيت, فقد كان حرما آمنا, لا بيوت فيه، أو أن بيوته كانت قليلة حصرت بسدنة البيت وبمن كانت له علاقة بخدمته. لذلك نبت فيه الشجر حتى غطى سطح الوادي، من السيول التي كانت تسيل إليه من الجبال، ولم يكن في وسع أحد التطاول على ذلك الشجر؛ لأنه شجر حرم آمن، وبقي هذا شأنه يغطي الوادي ويكسو وجهه بغوطة، حتى جاء "قصي", فتجاسر عليه بقطعه كما ذكرنا، وخاف الناس من فعله، خشية
стр. 2028
غضب رب البيت، ونزول الأذى بهم إن قطعوه. فلما وجدوا أن الله لم يغضب عليهم، وأنه لم ينزل سوءًا بهم، اقتفوا أثره، فقطعوا الشجر، واستحوذوا على الأرض الحرام, وظهرت البيوت فيه، وأخذت تتجه نحو البيت حتى أحاطت به، وصغرت مسجده، ولم يكن له يومئذ جدار. وظلت البيوت تتقرب إليه حتى ضايقته وصغرت فناءه، مما اضطر الخليفة "عمر" ومن جاء بعده إلى هدم البيوت التي لاصقته لتوسيع مسجده، ثم إلى بناء جدار ليحيط به حتى صار على نحو ما هو عليه في هذا اليوم.
ويتبين من خطبة الرسول عام الفتح ويوم دخوله البيت الحرام وقوله: "لا يُختلى خلا مكة, ولا يعضد شجرها" ١، أن حرم مكة كان لا يزال ذا شجر, ولم يكن قد قطع تمامًا منه في أيام الرسول.
وتذكر بعض الموارد أن قصيًّا أول من بنى الكعبة بعد بناء تبع، وكان سمكها قصيرا، فنقضه ورفعها٢, وإذا صحت الرواية، يكون قصي من بناة الكعبة ومن مجدديها. وذكر أنه كان أول من جدد بناء الكعبة من قريش، وأنه سقفها بخشب الدوم وجريد النخل، وقد أشير إلى هذا البناء في شعر ينسب إلى الأعشى٣. وهذه الرواية تناقض بالطبع مما يرويه الإخباريون من أن الكعبة لم تكن مسقفة، وأنها سقفت لأول مرة عندما جدد بناؤها في أيام شباب الرسول, وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة٤.
والظاهر من روايات الإخباريين، أن البيت كان في الأصل بيتا مسقفا، غير أنه أصيب بكوارث عديدة، فتساقط وتساقط سقفه مرارًا بسبب السيول، وبسبب حريق أصيب به، فصار من غير سقف في أيام شباب الرسول, حتى إذا ما نقضت قريش البيت وأعادت بناءه سقفته, وزوقت جدره الداخلية والخارجية بالأصنام والصور, وأعادت إليه خزائنه حتى كان يوم الفتح، إذ أمر الرسول
стр. 2029
بتحطيم الأصنام وبطمس الصور على نحو ما سأتحدث عنه في تأريخ الكعبة, وذلك في القسم الخاص بأديان الجاهليين.
وفي روايات أهل الأخبار عن البيت -كما سنرى فيما بعد حين أتكلم عنه في هذا القسم الخاص بأديان أهل الجاهلية- غموض وتناقض، يجعل من الصعب تكوين رأي واضح عنه. فبينما هو يقولون: إنه كان من غير سقف وإن الطيور كانت تقف عليه، وإن الأتربة المحملة بالأهوية كانت تتساقط في أرض البيت، نراهم يذكرون أنه كان مسقفًا، وأنه سقف بالخشب في أيام قصي وأنه احترق، ثم يقولون: إنه كان في داخله أصنام قريش، مع أن الوصف الذي يقدمونه لنا عن الكعبة من أنها "كانت ضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة"١, لا يمكن أن يجعل البيت سوى غرفة بسيطة ساذجة من أحجار رصت بعضها فوق بعض.
وفي رواية: أن قصيًّا هو أول من أظهر "الحجر الأسود"، وكانت "إياد" دفنته في جبال مكة، فرأتهم امرأة حين دفنوه، فلم يزل "قصي" يتلطف بتلك المرأة حتى دلته على مكانه، فأخرجه من الجبل، واستمر عند جماعة من قريش يتوارثون حتى بنت قريش الكعبة فوضعوه بركن البيت، بإزاء باب الكعبة في آخر الركن الشرقي٢.
ويذكر أن قصيًّا بعد أن تمكن من مكة، حفر بها بئرًا سماها "العجول" وهي أول بئر حفرتها قريش٣. وكانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة تدعى "اليسيرة" ومن حياض ومصانع على رءوس الجبال, ومن بئر حفرها "مرة بن كعب" مما يلى عرفة, تدعى "الروى"، ومن آبار حفرها "كلاب بن مرة"، هي "خم" و"رم" و"الجفر"
стр. 2030
بظاهر مكة١. فكانت "بئر العجول" أول بئر حفرتها قريش في مكة٢.
وازدادت حاجة أهل مكة بعد قصي, وقد تزايد عددهم, إلى الماء، ولم تعد "العجول" تكفي لتموينهم به، فاقتفى أولاده أثره في حفر الآبار، واعتبروا حفرها منقبة ومحمدة؛ لما للماء من أهمية لأهل هذا الوادي الجاف. وقد حازت بئر زمزم على المقام الأول بين آبار مكة، فهي بئر البيت وبئر الحجاج, تمونهم مما يحتاجون إليه من ماء٣.
وذكر أهل الأخبار أن في جملة ما أحدثه قصي في أيامه وصار سنة لأهل الجاهلية، أنه أحدث وقود النار بالمزدلفة؛ حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية٤. ويظهر أن قريشا حافظت على هذه السنة أمدًا في الإسلام, وكانت تلك النار توقد على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان٥.
ويذكرون أيضا أن في جملة ما أحدثه: "الرفادة"، وهي إطعام الحجاج في أيام موسم الحج حتى يرجعوا إلى بلادهم. وقد فرضها على قريش إذ قال لهم: "يا معشر قريش, إنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق بالضيافة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم". ففعلت قريش ذلك، فكانوا يخرجون في كل عام من أموالهم خرجًا, فيدفعونه إلى قصي؛ لكي يصنعه طعاما للناس أيام منى وبمكة, وقد بقيت هذه السنة في الإسلام٦. وذكر أن الرفادة شيء كانت
стр. 2031
تترافد به قريش في الجاهلية، فيستخرج فيما بينها كل إنسان مالًا بقدر طاقته وتشتري به للحاج طعامًا وزبيبًا للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج١.
وكانت إلى قصي أيضا: الحجابة، والسقاية, واللواء؛ فحاز شرف قريش كله٢, وصار رئيسها الوحيد المطاع، الناطق باسمها, الآمر والناهي، إذ لا أحد أحكم وأعقل وأحسن إدارةً للملك منه.
وذكر أن قصيا أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، وذلك في أيام المنذر بن النعمان ملك الحيرة، وملك الفرس الساسانيين "بهرام جور"٣. وقد كان حكم "بهرام جور" من سنة "٤٢٠م" حتى سنة "٤٣٨م"٤، أي: في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وإذا أخذنا برواية من جعل قصيًّا من المعاصرين لهذا الملك، يكون حكم قصي إذن في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد.
وقد نسب أهل الأخبار إلى قصي أقوالا وأمثالا وحكما وجعلوه غاية في الحكمة والمنطق. ورُوي: "إن أمر قصي عند قريش دين يعملون به, ولا يخالفونه"٥.
وقد ترك قصي أثرا كبيرا في أهل مكة، وعدوه المؤسس الحقيقي لكيان قريش, وكانوا يذكرون اسمه دائما بخير، وكانوا لا يطيقون سماع أحد يستهين بشأنه, فلما تطاول الشاعر "عبد الله بن الزِّبَعْرَى"، على ما جاء في بعض الروايات، وتجاوز حده بذكر قصي بسوء في شعر له، كتبه كما يقولون في أستار الكعبة، غضب بنو عبد مناف، واستعدوا عليه "بني سهم"؛ لأنه كان من "بني سهم"، فأسلموه إليهم، فضربوه وحلقوه شعره وربطوه إلى
стр. 2032
صخرة، فاستغاث قومه، فلم يغيثوه، فجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فأطلقه بنو عبد مناف وأكرموه، فمدحهم بأشعار كثيرة١.
ولم نعثر في نصوص المسند على اسم رجل يدعى قصيًّا، وإنما ورد في النصوص النبطية اسم علم لأشخاص, وهذا الاسم هو اسم صنم في الأصل، بدليل ورود عبد قصي. أما حديث الإخباريين عن أصله وفصله، فهو مما لا قيمة له, وقد ابتدعته مخيلتهم على الطريقة المألوفة في اختراع تفاسير لأسباب التسميات. والظاهر أن هذا الاسم من الأسماء التي كان يستعملها العرب النازلون في أعالي الحجاز، وربما في بلاد الشام.
وفي جملة النصوص النبطية التي عُثر عليها في "صلخد" اسم رجل عرف بـ"روحو بن قصيو" "روح بن قصي"، كما عثر على نص جاء فيه اسم "مليكو بن قصيو" "مالك بن قصي" وورد اسم "قصيو بن أكلبو" أي: "قصي بن كلاب". وقد تبين من هذه الكتابات أن المذكورين هم من أسرة واحدة، وقد كانوا كهانًا أو سدنةً لمعبد من معابد "صلخد"٢, فقصي إذن من الأسماء الواردة عند النبط. والغريب أننا نرى بين قصي صلخد وقصي مكة اشتراكًا لا في الاسم وحده، بل في المكانة أيضا، فلقصي صلخد مكانة دينية، ولقصي مكة هذه المكانة أيضا في مكة.
ويلاحظ أن الاسم الذي زعم الإخباريون أنه اسم قصي الأصلي الذي سمي به يوم وُلِدَ بمكة، وهو "زيد"، هو أيضا اسم صنم، فقد نص أهل الأخبار على أن "زيدًا" هو صنم من أصنام العرب٣.
ويذكر الإخباريون أنه كان لقصي أربعة أولاد، ورووا قولًا زعموا أنه قاله. فقد ذكروا أنه قال: "وُلد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي". وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه المغيرة, وكانت أمه "حُبَّى" دفعته إلى مناف، وكان أعظم أصنام مكة، تدينًا
стр. 2033
بذلك، فغلب عليه عبد مناف١. وأولاده هم: "عبد مناف"، واسمه "المغيرة"، وعبد الله وهو "عبد الدار", و"عبد العزى"، و"عبد قصي"، و"هند" بنت قصي، تزوجها "عبد الله بن عمَّار الحضرمي"٢.
ولما مات قصي، دفن بالحَجُون، وقد كانوا يزورون قبره ويعظمونه٣. والحجون جبل بأعلى مكة كان أهل مكة يدفنون موتاهم فيه٤, فعليه مقبرة جاهلية من مقابر مكة القديمة, وقد ذكر في شعر جاهلي٥.
وقد أنكر بعض المستشرقين وجود "قصي", وعدوه شخصية خرافية من شخصيات الأساطير، واستدلوا على ذلك بالأقاويل التي رواها ابن الكلبي وابن جريج عنه، وهي ذات طابع قصصي٦. غير أن هذه المرويات لا يمكن أن تكون دليلًا قويًّا وسندًا يستند إليه في إنكار وجود رجل اسمه قصي، وإذا كان ما قيل عنه خرافة، فلن تكون هذه الخرافة سببًا لإنكار وجود شخص قِيلت عنه.
وقد ترك "قصي" جملة أولاد, هم: عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف وعبد بن قصي. وقد تكتل أبناء هؤلاء الأولاد وتحزبوا، ونافسوا بعضهم بعضا، فنافس بنو عبد مناف بني عبد الدار، وكونوا حلفًا فيما بينهم كان جماعته وأنصاره بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم والحارث بن فهر. وتراص بنو عبد الدار وجمعوا شملهم وشمل من انضم إليهم، وكونوا جماعة معارضة تألفت من بني مخزوم وبني سهم وبني جمح وبني عدي بن عامر بن لؤي ومحارب, وهم من "قريش الظواهر". وقد عرف حلف "بني عبد مناف" بـ"حلف المطيبين"
стр. 2034
وبـ" المطيبون"، وعرف بنو عبد الدار بـ"الأحلاف".
ولما ظهر الإسلام, كان هذا النزاع العائلي على رئاسة مكة قائمًا، وقد تمثل في تنافس الأسر على الرئاسة, اشتهر بعضها بالثراء والغنى، واشتهر بعضها بالوجاهة الدينية أو بالمكانة الاجتماعية.
ويلاحظ أن هذا النزاع لم يكن نزاعا عائليا تماما، قام على النسب إلى الأب والجد, بل كان نزاعا على الرئاسة والسيادة في الغالب، فنجد جماعة من عائلة تنضم إلى العائلة الأخرى المنافسة، وتترك عشيرتها؛ لأن مصلحتها الخاصة وتخاصمها مع أحد أقربائها, دفعاها على اتخاذ ذلك الموقف.
ولما أسن قصي، جعل لابنه "عبد الدار" -على حد رواية أهل الأخبار- دار الندوة والحجابة, أي: حجابة الكعبة، واللواء, فكان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية وهي سقاية الحاج، و"الرفادة" وهي خَرْجٌ تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي ليصنع به طعاما للحاج يأكله الفقراء، وكان قصي قد قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام الحج، حتى يصدروا عنكم", ففعلوا، فكانوا يخرجون من أموالهم، فيصنع به الطعام أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام١.
ويذكر الإخباريون في تعليل إعطاء عبد الدار هذه الامتيازات أن عبد الدار كان ضعيفًا، وأن عبد مناف شقيقه كان قد ساد في حياة أبيه، وكثر ماله، فأراد قصي بذلك تقويته بهذه الامتيازات٢.
وقد توارث بنو عبد الدار اللواء، فلا يعقد لقريش لواء الحرب إلا هم, وهي وظيفة مهمة جدا؛ لما للواء من أثر خطير في الحروب والمعارك في تلك الأيام. ولهذا كانوا يتدافعون في الذب عن اللواء، حتى لا يسقط على الأرض بسقوط حامله، وسقوطه معناه نكسة معنوية كبيرة تصيب المحاربين تحت ظل
стр. 2035
ذلك اللواء. ولما أسلم "بنو عبد الدار" قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا, فقال النبي: "الإسلام أوسع من ذلك"؛ فبطل اللواء١.
ويذكر الإخباريون أن قصيًّا لما هلك، قام "عبد مناف بن قصي" على أمر قصي بعده، وأمر قريش إليه، واختط بمكة رباعًا بعد الذي كان قصي قطع لقومه٢.
ويذكر أهل الأخبار أن بني عبد مناف أجمعوا على أن يأخذوا من بني عبد الدار "الرفادة" و"السقاية", فأبى بنو عبد الدار ترك ما في أيديهم وأصروا على الاحتفاظ به، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد الدار، وطائفة مع بني عبد مناف، وتحالف كل قوم مؤكدًا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا، فوضعوها عند الكعبة، وتحالفوا، وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم, وتحالفوا, فسموا الأحلاف، وتعبئوا للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة, فرضوا بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، واقترعوا عليهما فصارتا لهاشم بن عبد مناف٣.
وأما الذين كونوا حلف الأحلاف ولعقة الدم، فهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب٤.
وقد خرجت من ذلك "بنو عامر بن لؤي" و"بنو محارب بن فهر", فلم يكونوا مع واحد من الفريقين٥.