تترافد به قريش في الجاهلية، فيستخرج فيما بينها كل إنسان مالًا بقدر طاقته وتشتري به للحاج طعامًا وزبيبًا للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج١.
وكانت إلى قصي أيضا: الحجابة، والسقاية, واللواء؛ فحاز شرف قريش كله٢, وصار رئيسها الوحيد المطاع، الناطق باسمها, الآمر والناهي، إذ لا أحد أحكم وأعقل وأحسن إدارةً للملك منه.
وذكر أن قصيا أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، وذلك في أيام المنذر بن النعمان ملك الحيرة، وملك الفرس الساسانيين "بهرام جور"٣. وقد كان حكم "بهرام جور" من سنة "٤٢٠م" حتى سنة "٤٣٨م"٤، أي: في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وإذا أخذنا برواية من جعل قصيًّا من المعاصرين لهذا الملك، يكون حكم قصي إذن في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد.
وقد نسب أهل الأخبار إلى قصي أقوالا وأمثالا وحكما وجعلوه غاية في الحكمة والمنطق. ورُوي: "إن أمر قصي عند قريش دين يعملون به, ولا يخالفونه"٥.
وقد ترك قصي أثرا كبيرا في أهل مكة، وعدوه المؤسس الحقيقي لكيان قريش, وكانوا يذكرون اسمه دائما بخير، وكانوا لا يطيقون سماع أحد يستهين بشأنه, فلما تطاول الشاعر "عبد الله بن الزِّبَعْرَى"، على ما جاء في بعض الروايات، وتجاوز حده بذكر قصي بسوء في شعر له، كتبه كما يقولون في أستار الكعبة، غضب بنو عبد مناف، واستعدوا عليه "بني سهم"؛ لأنه كان من "بني سهم"، فأسلموه إليهم، فضربوه وحلقوه شعره وربطوه إلى
стр. 2032
صخرة، فاستغاث قومه، فلم يغيثوه، فجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فأطلقه بنو عبد مناف وأكرموه، فمدحهم بأشعار كثيرة١.
ولم نعثر في نصوص المسند على اسم رجل يدعى قصيًّا، وإنما ورد في النصوص النبطية اسم علم لأشخاص, وهذا الاسم هو اسم صنم في الأصل، بدليل ورود عبد قصي. أما حديث الإخباريين عن أصله وفصله، فهو مما لا قيمة له, وقد ابتدعته مخيلتهم على الطريقة المألوفة في اختراع تفاسير لأسباب التسميات. والظاهر أن هذا الاسم من الأسماء التي كان يستعملها العرب النازلون في أعالي الحجاز، وربما في بلاد الشام.
وفي جملة النصوص النبطية التي عُثر عليها في "صلخد" اسم رجل عرف بـ"روحو بن قصيو" "روح بن قصي"، كما عثر على نص جاء فيه اسم "مليكو بن قصيو" "مالك بن قصي" وورد اسم "قصيو بن أكلبو" أي: "قصي بن كلاب". وقد تبين من هذه الكتابات أن المذكورين هم من أسرة واحدة، وقد كانوا كهانًا أو سدنةً لمعبد من معابد "صلخد"٢, فقصي إذن من الأسماء الواردة عند النبط. والغريب أننا نرى بين قصي صلخد وقصي مكة اشتراكًا لا في الاسم وحده، بل في المكانة أيضا، فلقصي صلخد مكانة دينية، ولقصي مكة هذه المكانة أيضا في مكة.
ويلاحظ أن الاسم الذي زعم الإخباريون أنه اسم قصي الأصلي الذي سمي به يوم وُلِدَ بمكة، وهو "زيد"، هو أيضا اسم صنم، فقد نص أهل الأخبار على أن "زيدًا" هو صنم من أصنام العرب٣.
ويذكر الإخباريون أنه كان لقصي أربعة أولاد، ورووا قولًا زعموا أنه قاله. فقد ذكروا أنه قال: "وُلد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي". وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه المغيرة, وكانت أمه "حُبَّى" دفعته إلى مناف، وكان أعظم أصنام مكة، تدينًا
стр. 2033
بذلك، فغلب عليه عبد مناف١. وأولاده هم: "عبد مناف"، واسمه "المغيرة"، وعبد الله وهو "عبد الدار", و"عبد العزى"، و"عبد قصي"، و"هند" بنت قصي، تزوجها "عبد الله بن عمَّار الحضرمي"٢.
ولما مات قصي، دفن بالحَجُون، وقد كانوا يزورون قبره ويعظمونه٣. والحجون جبل بأعلى مكة كان أهل مكة يدفنون موتاهم فيه٤, فعليه مقبرة جاهلية من مقابر مكة القديمة, وقد ذكر في شعر جاهلي٥.
وقد أنكر بعض المستشرقين وجود "قصي", وعدوه شخصية خرافية من شخصيات الأساطير، واستدلوا على ذلك بالأقاويل التي رواها ابن الكلبي وابن جريج عنه، وهي ذات طابع قصصي٦. غير أن هذه المرويات لا يمكن أن تكون دليلًا قويًّا وسندًا يستند إليه في إنكار وجود رجل اسمه قصي، وإذا كان ما قيل عنه خرافة، فلن تكون هذه الخرافة سببًا لإنكار وجود شخص قِيلت عنه.
وقد ترك "قصي" جملة أولاد, هم: عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف وعبد بن قصي. وقد تكتل أبناء هؤلاء الأولاد وتحزبوا، ونافسوا بعضهم بعضا، فنافس بنو عبد مناف بني عبد الدار، وكونوا حلفًا فيما بينهم كان جماعته وأنصاره بنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم والحارث بن فهر. وتراص بنو عبد الدار وجمعوا شملهم وشمل من انضم إليهم، وكونوا جماعة معارضة تألفت من بني مخزوم وبني سهم وبني جمح وبني عدي بن عامر بن لؤي ومحارب, وهم من "قريش الظواهر". وقد عرف حلف "بني عبد مناف" بـ"حلف المطيبين"
стр. 2034
وبـ" المطيبون"، وعرف بنو عبد الدار بـ"الأحلاف".
ولما ظهر الإسلام, كان هذا النزاع العائلي على رئاسة مكة قائمًا، وقد تمثل في تنافس الأسر على الرئاسة, اشتهر بعضها بالثراء والغنى، واشتهر بعضها بالوجاهة الدينية أو بالمكانة الاجتماعية.
ويلاحظ أن هذا النزاع لم يكن نزاعا عائليا تماما، قام على النسب إلى الأب والجد, بل كان نزاعا على الرئاسة والسيادة في الغالب، فنجد جماعة من عائلة تنضم إلى العائلة الأخرى المنافسة، وتترك عشيرتها؛ لأن مصلحتها الخاصة وتخاصمها مع أحد أقربائها, دفعاها على اتخاذ ذلك الموقف.
ولما أسن قصي، جعل لابنه "عبد الدار" -على حد رواية أهل الأخبار- دار الندوة والحجابة, أي: حجابة الكعبة، واللواء, فكان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية وهي سقاية الحاج، و"الرفادة" وهي خَرْجٌ تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي ليصنع به طعاما للحاج يأكله الفقراء، وكان قصي قد قال لقومه: "إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام الحج، حتى يصدروا عنكم", ففعلوا، فكانوا يخرجون من أموالهم، فيصنع به الطعام أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام١.
ويذكر الإخباريون في تعليل إعطاء عبد الدار هذه الامتيازات أن عبد الدار كان ضعيفًا، وأن عبد مناف شقيقه كان قد ساد في حياة أبيه، وكثر ماله، فأراد قصي بذلك تقويته بهذه الامتيازات٢.
وقد توارث بنو عبد الدار اللواء، فلا يعقد لقريش لواء الحرب إلا هم, وهي وظيفة مهمة جدا؛ لما للواء من أثر خطير في الحروب والمعارك في تلك الأيام. ولهذا كانوا يتدافعون في الذب عن اللواء، حتى لا يسقط على الأرض بسقوط حامله، وسقوطه معناه نكسة معنوية كبيرة تصيب المحاربين تحت ظل
стр. 2035
ذلك اللواء. ولما أسلم "بنو عبد الدار" قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا, فقال النبي: "الإسلام أوسع من ذلك"؛ فبطل اللواء١.
ويذكر الإخباريون أن قصيًّا لما هلك، قام "عبد مناف بن قصي" على أمر قصي بعده، وأمر قريش إليه، واختط بمكة رباعًا بعد الذي كان قصي قطع لقومه٢.
ويذكر أهل الأخبار أن بني عبد مناف أجمعوا على أن يأخذوا من بني عبد الدار "الرفادة" و"السقاية", فأبى بنو عبد الدار ترك ما في أيديهم وأصروا على الاحتفاظ به، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد الدار، وطائفة مع بني عبد مناف، وتحالف كل قوم مؤكدًا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا، فوضعوها عند الكعبة، وتحالفوا، وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم, وتحالفوا, فسموا الأحلاف، وتعبئوا للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة, فرضوا بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، واقترعوا عليهما فصارتا لهاشم بن عبد مناف٣.
وأما الذين كونوا حلف الأحلاف ولعقة الدم، فهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب٤.
وقد خرجت من ذلك "بنو عامر بن لؤي" و"بنو محارب بن فهر", فلم يكونوا مع واحد من الفريقين٥.
стр. 2036
وتذكر بعض الروايات أن "آل عبد مناف" قد كثروا، وقلَّ "آل عبد الدار"، فأرادوا انتزاع الحجابة من "بني عبد الدار", فاختلفت في ذلك قريش، فكانت طائفة مع "بني عبد الدار" وطائفة مع "بني عبد مناف"، فأخرجت "أم حكيم البيضاء" توءمة أبي رسول الله، جفنة فيها طيب، فوضعتها في الحجر، فقالت: من كان منا فليدخل يده في هذا الطيب, فأدخلت عبد مناف أيديها, وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، فسموا المطيبين. فعمدت بنو سهم بن عمرو فنحرت جزورًا، وقالوا: من كان منا، فليدخل يده في هذه الجزور، فأدخلت أيديها عبد الدار, وسهم، وجمح، ومخزوم، وعدي، فسُميت الأحلاف، وقام الأسود بن حارثة بن نضلة، فأدخل يده في الدم، ثم لعقها، فلعقت بنو عدي كلها بأيديها، فسموا لعقة الدم١.
وتذكر رواية أن "بني عبد مناف" اقترعوا على الرفادة والسقاية فصارتا إلى "هاشم بن عبد مناف"، ثم صارتا بعده إلى "المطلب بن عبد مناف" بوصية, ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب, ولم يكن له مال، فاستدان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم، فأنفقها، فلما لم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى "العباس", وأبرأ أبا طالب مما له عليه٢.
وتذكر رواية أخرى، أن هاشمًا وعبد شمس والمطلب ونوفلًا بني عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي "بني عبد الدار" مما كان قصي جعل إلى "عبد الدار" من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة، ورأوا أنهم أحق بها منهم، فأبت "بنو عبد الدار"، فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا. وعرف حلف "بني عبد مناف" بحلف المطيبين, وعرف حلف "بني عبد الدار" بحلف الأحلاف ولعقة الدم. ثم تداعوا إلى الصلح، على أن تكون الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة٣. وولي هاشم بن عبد مناف السقاية
стр. 2037
والرفادة١. وتصرح بعض الروايات, أن هاشمًا هو الذي قام بأمر بني عبد مناف، ثم عامر بن هاشم٢.
ومعنى هذا أن الحلفين المذكورين: حلف المطيبين وحلف "الأحلاف", إنما عقدا في حياة "هاشم بن عبد مناف", أي: قبل ميلاد الرسول، وأن حلف "لعقة الدم" هو نفسه حلف الأحلاف، أو من حلف الأحلاف, عرف بهذه التسمية؛ لأن بني عدي بن كعب، الذين حالفوا عبد الدار وانضموا إليهم, لعقوا الدم، فقيل لهم: لعقة الدم؛ تمييزًا لهم عن الذين لم يلعقوا الدم، وهم الأحلاف٣. وذُكر أن "بني عبد الدار" و"بني عدي", أدخلوا جميعًا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا كلهم "لعقة الدم" بذلك٤.
ولكننا نصطدم بروايات أخرى، ترجع تأريخ حلف "لعقة الدم" إلى أيام بنيان الكعبة، الذي كان قبل المبعث بخمس سنين، وعمر الرسول يومئذ خمس وثلاثون سنة. فهي تذكر أن أهل مكة لما وصلوا إلى موضع الركن اختصموا في وضع الحجر الأسود، حتى تجاوزوا وتحالفوا وتواعدوا على القتال، "فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماء, ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في الجفنة، فسموا لعقة الدم بذلك"٥, ثم اتفقوا على أن يجعلوا بينهم حكمًا، يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون، على أن يكون أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول من دخل عليهم رسول الله, فحكم على نحو ما هو معروف.
كما نصطدم بروايات أخرى تذكر أن حلف المطيبين إنما عرف بذلك؛ لأن خمس قبائل هي: بنو عبد مناف، وبنو أسد، وبنو تيم، وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي بني عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية, وأبت بنو عبد الدار تسليمها إياهم -اجتمع المذكورون في دار عبد الله بن جدعان، وعقد كل قوم على أمرهم حلفًا
стр. 2038
مؤكدًا على التناصر وألَّا يتخاذلوا، ثم أخرج لهم بنو عبد مناف جفنة ثم خلطوا فيها أطيابًا وغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا, ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا فسُمُّوا المطيبين. وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها, وهم ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم, حلفًا آخر مؤكدًا، فسموا بذلك الأحلاف١.
وقيل: بل قدم رجل من بني زيد لمكة معتمرًا ومعه تجارة اشتراها منه رجل سهمي, فأبى أن يقضيه حقه فناداهم من أعلى أبي قبيس، فقاموا وتحالفوا على إنصافه، وكان النبي من المطيبين لحضوره فيه، وهو ابن خمس وعشرين سنة, وكذلك أبو بكر، وكان عمر أحلافيا لحضوره معهم٢.
وقد وهم بعض أهل الأخبار فجعلوا حلف المطيبين هو حلف الفضول، ويظهر أنهم وقعوا في الخطأ من كون الذين دعوا إلى عقد حلف الفضول وشهدوه هم من "المطيبين"، فاشتبه الأمر عليهم، وظنوا أن الحلفين حلف واحد. وقد رد عليهم بعض أهل الأخبار أيضا, إذ ذكروا أن الرسول لم يدرك حلف المطيبين؛ لأنه كان وقع بين بني عبد مناف، وهم هاشم وإخوته ومن انضم إليهم, وبين بني عمهم عبد الدار وأحلافهم، فقيل لهم الأحلاف، قبل أن يولد الرسول٣.
أما أن الحلفين قد عقدا في أيام "عبد الله بن جدعان" فخطأ، فقد أجمع أهل الأخبار على أن بني عبد مناف كانوا يَلُونَ الرفادة والسقاية قبل هذا العهد، وأن "هاشمًا" كان يليهما في حياته، وأما أنهما وقعا في أيام "هاشم" أو في أيام أبنائه، فإن ذلك أقرب إلى المنطق، وذلك فيما إذا أخذنا برواية من يقول: إن "قصيًّا" أوصى بالرفادة والسقاية واللواء والحجابة ودار الندوة إلى ابنه "عبد الدار", وحرم بذلك ابنه "عبد مناف" من كل شيء, بحجة أنه كان غنيا وجيها, وقد ساد في حياة أبيه, فلا حاجة له به إليها، فتأثر هاشم أو أبناؤه من ذلك, فأجمعوا على انتزاعها من أيدي "بني عبد الدار" وحدث ما حدث، وتولى هاشم الرفادة والسقاية على النحو المذكور٤.
стр. 2039
وهناك رواية أخرى رواها "اليعقوبي", تفيد أن قصيًّا كان قد قسم السقاية والرفادة والرئاسة والدار بين ولده؛ فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد العزى, وحافة الوادي لعبد قصي١, وأخذ كل ابن ما أعطاه والده له.
ويتبين من دراسة الروايات المختلفة الواردة عن الحلفين المذكورين, أنهما قد عقدا لأغراض أخرى لا صلة لها بالسقاية والرفادة، وربما كانا قد عقدا قبل أيام هاشم؛ بسبب نزاع وقع بين بطون قريش على الزعامة، فتحزبت تلك البطون وانقسمت على نفسها إلى "مطيبين" و"أحلاف"، وربما كان حلف لعقة الدم حلفًا آخر عقده "بنو عدي" فيما بينهم، وهم الذين انحازوا إلى الأحلاف، ودخلوا معهم في حلف، خاصة ونجد "اليعقوبي" يشير إلى حلف عقده "عبد مناف"، بعد وفاة والده "قصي" مع "خزاعة" و"بني عبد مناة بن كنانة"، عرف بحلف "الأحابيش", وكان مدبّر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف "عمرو بن هلل بن معيص"٢. مما يشير إذا صح هذا الخبر إلى أن "بني مناف" أو الذين انضموا إليهم، كما يقول ذلك "اليعقوبي" أرادوا تقوية أنفسهم وتكوين قوة مهابة بتأليف ذلك الحلف. وربما كان هذا الحلف موجهًا ضد "بني عبد الدار" مما دفع "بني عبد الدار" إلى جمع صفوفهم وتأليف حلف بهم؛ للدفاع عن مصالحهم.
واسم هاشم على رواية الإخباريين "عمرو" وهو أكبر أولاد عبد مناف, وإنما قيل له هاشم؛ لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه. ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزورًا، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك٣. ويذكرون أن شاعرًا من الشعراء، هو مطرود بن كعب الحزاعي,
стр. 2040
أو ابن الزبعرى، ذكر ذلك في شعره, حيث قال:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مُسْنِتُونَ عجافُ١
ويظهر من وصف الإخباريين لهاشم أنه كان تاجرًا، له تجارة مع بلاد الشام, وأنه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا أنه هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف٢.
ويذكر أهل الأخبار أن هاشمًا كان يحث أهل مكة على إكرام الحجاج وإضافتهم وتقديم كل معونة لهم؛ لأنهم يأتون يعظمون بيت الله، ويزورونه، وهم جيران بيت الله، وقد أُكرموا به، وشرفوا بالبيت على سائر العرب، فعليهم تقديم كل معونة لحجاج البيت. وكان يطلب منهم مساعدته بإخراج ما يتمكنون من إخراجه من أموالهم يضعونه في دار الندوة, ليخدم به الحجاج؛ لأنه لا يتمكن وحده من إكرامهم وتقديم الطعام من ماله وحده إليهم٣. فكان هاشم يخرج في كل عام مالا كثيرا، وكان قوم من قريش أهل يسار يترافدون، وكان كل إنسان يرسل بمائة مثقال هرقلية، فيجمع هاشم ما يتجمع ويصنع به طعامًا للحجاج٤.
ولشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جلبه من أماكن بعيدة، فعل "هاشم" ما فعله قصي حين حفر بئرًا على نحو ما ذكرت، فحفر بئرًا عرفت بـ"بذَّر" وهي البئر التي في حق "المقوم بن عبد المطلب" في ظهر دار الطلوب مولاة زبيدة بالبطحاء في أصل المستنذر, وحفر بئرًا أخرى, وهي البئر التي يقال لها بئر "جبير بن معطم", ودخلت في دار القوارير٥. فيسَّر بذلك لمكة الماء، وساعد على إكثاره عندهم.
стр. 2041
وأخذ "هاشم" عهدًا على نفسه بأن يسقي الحجاج ويكفيهم بالماء، قُرْبَةً إلى رب "البيت" ما دام حيًّا. فكان إذا حضر الحج، يأمر بحياض من أدم، فتجعل في موضع "زمزم", ثم تملأ بالماء من الآبار التي بمكة, فيشرب منها الحاج. وكان يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة، وبمنى وعرفة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء, فيستقون بمنى، والماء يومئذ قليل في حياض الأدم إلى أن يصدروا من "منى", ثم تنقطع الضيافة، ويتفرق الناس إلى بلادهم١.
وموضوع السقاية موضوع غامض؛ فبينما نجد أهل الأخبار يفسرون السقاية بإسقاء المحتاجين من الحجاج بالماء مجانا، نجدهم يتحدثون عن السقاية على أنها إسقاء الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء، وذكر أن العباس كان يليها في الجاهلية والإسلام٢.
وتحدث أهل الأخبار عن "سقاية" عرفت بـ"سقاية عدي"، زعموا أنها كانت بالمشعرين بين الصفا والمروة، وأن مطرودًا الخزاعي ذكرها حين قال:
وما النيل يأتي بالسفين يكفّه ... بأجود سيبًا من عدي بن نوفل
وأنبطت بين المشعرين سقاية ... لحجاج بيت الله أفضل منهل
وذكر أن هذه السقاية، كانت بسقاية اللبن والعسل٣.
ويظهر من وصف الإخباريين لهاشم أنه كان تاجرًا، له تجارة مع بلاد الشام، وأنه جمع ثروة من تجارته هذه، حتى زعموا أنه هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف٤, وأنه كان صاحب "إيلاف قريش"٥.
стр. 2042
وذلك أن قريشًا كانوا تجارًا, ولكن تجارتهم -كما يقول أهل الأخبار- لم تكن تتجاوز مكة، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم، ويبيعونها على من حولهم من العرب. فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة, ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون. وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر، فدعا به فلما رآه وكلمه، أعجب به, فكان يبعث إليه في كل يوم، فيدخل عليه ويحادثه, فلما رأى نفسه تمكن عنده، قال له: أيها الملك, إن قومي تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابًا تؤمن تجارتهم, فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم، فهو أرخص عليكم, فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم. فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مر بحي من العرب بطريقه إلى مكة، عقد معهم عقدًا على أن تقدم قريش إليهم ما يرضيهم من بضائع وهدايا تؤلف بينهم وبين قريش، فكان الإيلاف. فلما وصل إلى مكة, كان هذا الإيلاف أعظم ما جاء به هاشم إلى قريش، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم, يوفيهم إيلافهم الذي أخذ من العرب, حتى أوردهم الشام، وأحلهم قراها، فكان ذلك بدء إيلاف قريش١.
وذكر أن متجر "هاشم" كان إلى بلاد الشام٢, ويصل بتجارته إلى "غزة" وناحيتها، وربما توغل نحو الشمال، حتى زعم بعض أهل الأخبار أنه كان ربما بلغ "أنقرة" "فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه"٣. ويجب علينا ألا نتصور دائما أن أي "قيصر" يرد ذكره في أخبار أهل الأخبار، هو قيصر الروم حقا، بل هو أحد عماله في الغالب، وأحد الموظفين الروم في بلاد الشام. وربما أخذوا اسم "أنقرة" من قصة للشاعر امرئ القيس، فأدخلوها في قصة "هاشم", فلم تكن "أنقرة" مقرًّا
стр. 2043
للقياصرة إذ ذاك حتى يذهب هاشم إليها ليدخل على قيصر ويزوره فيها، بل كانت "القسطنطينية" هي عاصمة البيزنطيين.
وقد فسر "الجاحظ" "الإيلاف"، أنه جُعْلٌ فرضه هاشم على القبائل لحماية مكة من الصعاليك ومن المتطاولين، إذ قال: "وقد فسره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشما جعل على رءوس القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة, فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الطوائل، كانوا لا يؤمَنون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا, مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب"١. فيفهم من ذلك إذن أن الإيلاف، هو نوع من تأليف قلوب سادات القبائل؛ لصدهم عن التحرش بأهل مكة ومن التعرض بقوافلهم، فألفهم هاشم وصاروا له مثل "المؤلفة قلوبهم" في الإسلام, ولا سيما وأن بين الإيلاف و"ألف" "ألف بينهم" و"المؤلفة" صلة, وأن فيما قاله "الجاحظ" عن "هاشم" من قوله: "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ... وجعل لهم معه ربحًا"٢,
وبين تأليف القبائل صلة تامة، تجعل تفسير الإيلاف على أنه عهود ومواثيق مع سادات القبائل في مقابل إسهامهم بأموالهم وبحمايتهم لقوافل قريش, في مقابل ضرائب معينة تدفع لهم، وسهام من الأرباح تؤدى لهم، مع إعطائهم رءوس أموالهم وما ربحته في الأسواق هو تفسير منطقي معقول, وبذلك كسبت قريش حياد هذه القبائل ودفاعها عن مصالحها.
وقد تعرض "الثعالبي" لموضوع "إيلاف قريش" فقال: إيلاف قريش: كانت قريش لا تتاجر إلا مع من ورد عليها من مكة في المواسم وبذي المجاز وسوق عكاظ، وفي الأشهر الحرام لا تبرح دارها، ولا تجاوز حرمها؛ للتحمس في دينهم، والحب لحرمهم، والإلف لبيتهم، ولقيامهم لجميع من دخل مكة بما يصلحهم، وكانوا بوادٍ غير ذي زرع ... فكان أول من خرج إلى الشام ووفد إلى الملوك وأبعد في السفر ومر بالأعداء وأخذ منهم الإيلاف الذي ذكره الله, هاشم بن عبد مناف، وكانت له رحلتان: رحلة في الشتاء نحو العباهلة من
стр. 2044
ملوك اليمن ونحو اليكسوم من الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. وكان يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين: إحداهما أن ذؤبان العرب وصعاليك الأعراب وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا يؤمَنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى أن أناسًا من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدرًا، كبني طيء وخثعم وقضاعة، وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له. ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويحمل لهم متاعًا مع متاعه، ويسوق إليهم إبلًا مع إبله؛ ليكفيهم مؤنة الأسفار, ويكفي قريشًا مؤنة الأعداء، فكان ذلك صلاحًا للفريقين، إذ كان المقيم رابحًا، والمسافر محفوظًا, فأخصبت قريش، وأتاها خير الشام واليمن والحبشة، وحسن حالها، وطاب عيشها. ولما مات هاشم قام بذلك المطلب، فلما مات المطلب قام بذلك عبد شمس، فلما مات عبد شمس قام به نوفل، وكان أصغرهم١.
وإلى هذا الإيلاف, أشير في شعر "مطرود الخزاعي" بقوله:
يأيها الرجل المحول رحله ... هلا حللت بآل عبد مناف
الآخدين العهد في إيلافهم ... والراحلين برحلة الإيلاف٢
وعمل قريش هذا هو عمل حكيم، بدَّل وغيَّر أسلوب تجارة مكة، بأن جعل لها قوافل ضخمة تمر بأمن وبسلام في مختلف أنحاء الجزيرة جاءت إليها نتيجة لذلك بأرباح كبيرة، ما كان في إمكانها الحصول عليها، لو بقيت تتاجر وفقا لطريقتها القديمة، من إرسالها قوافل صغيرة للمتاجرة مع مختلف الأسواق, فكانت القافلة منها إذا سلبت، عادت بأفدح الأضرار المادية على صاحبها أو على الأسرة التي أرسلتها، وربما أنزلت الإفلاس والفقر بأصحابها، بينما توسعت القافلة وفقًا للطريقة الجديدة بأن ساهم بأموالها كل من أراد المساهمة، من غني أو صعلوك أو متوسط حال، ومن سادات قبائل. وبذلك توسع الربح، وعمت فائدته عددًا كبيرًا من أهل مكة، فرفع بذلك من مستواها الاجتماعي، كما ضمن لقوافلها الأمن والسلامة، وصيَّر مكة مكانا مقصودا للأعراب.
стр. 2045
ويذكر أهل الأخبار أنه كان المطلب وهاشم وعبد شمس، ولد عبد مناف من أمهم: "عاتكة بنت مرة السُّليمة"، و"نوفل" من "واقدة"، قد سادوا بعد أبيهم عبد مناف جميعًا، وكان يقال لهم: "المجبرون"، وصار لهم شأن وسلطان، فكانوا أول من أخذ لقريش "العِصَم"١, أي "الحبال"، ويراد بها العهود. أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجُبرت بهم قريش، فسموا المجبرين٢, حتى ضرب بهم المثل، فقيل: أقرش من المجبرين. والقرش: الجمع والتجارة، والتقرش: التجمع, والمجبرون هم الأربعة المذكورون٣.
وفي رواية أخرى أن "المطلب" هو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها إلى أرضه، وأن هاشمًا، هو الذي عقد الحلف لقريش من "هرقل" لأن تختلف إلى الشام آمنة. ولو أخذنا بهذه الرواية وجب أن يكون هاشم قد أدرك أيام "هرقل" "٦١٠-٦٤١" "Heracleous l"، وهو أمر غير ممكن؛ لأن معنى ذلك أنه عاش في أيام الرسول وأدرك رسالته، ولا يهم ورود اسم "هرقل" في هذه الرواية؛ فأهل الأخبار لا يميزون بين ملوك الروم، ويذكرون اسم "هرقل"؛ لأنه حكم في أيام الرسول وفي أيام الخلفاء الراشدين الأُوَل.
وإذا صحت الرواية، يكون "آل عبد مناف" قد احتكروا التجارة وصاروا من أعظم تجار مكة. وقد وزعوا التجارة فيما بينهم، وخصوا كل بيت من بيوتهم الكبيرة بالاتجار مع مكان من أمكنة الاتجار المشهورة في ذلك العهد، وأنهم تمكنوا بهذه السياسة من عقد عقود تجارية ومواثيق مع السلطات الأجنبية التي تاجروا معها لنيل حظوة عندها، ولتسهيل معاملاتها التجارية؛ فجنوا
стр. 2046
من هذه التجارة أرباحًا كبيرة.
فما كان في استطاعة "قريش" إرسال "عيرها" إلى بلاد الشام أو العراق أو اليمن أو العربية الجنوبية، بغير رضاء وموافقة سادات القبائل التي تمر قوافل قريش بأرضها، ورضاء هؤلاء السادات بالنسبة لقريش هو أهم جدًّا من رضاء حكومات بلاد الشام أو العراق أو اليمن عن مجيء تجار مكة إلى بلادها للاتجار في أسواقها, فما الفائدة من موافقة حكومات تلك البلاد على مجيء تجار مكة للبيع والشراء في أسواقها, إن لم يكن في وسع أولئك التجار تأمين وصول تجارتهم إليها، أو تأمين سلامة ما يشرونه من أسواقها لإيصاله إلى مكة أو إلى الأسواق الأخرى؟!. لهذا كان من أهم ما فعله تجار مكة في هذا الباب، هو عقدهم "حبالًا" و"عصمًا" وعهودًا مع رؤساء القبائل؛ لترضيتهم بدفع جعالات معينة لهم أو تقديم هدايا وألطاف مناسبة مغرية لهم، أو اشتراكهم معهم في تجارتهم, يقول الجاحظ في باب "فضل هاشم على عبد شمس": "وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب...... وجُعل لهم معه ربح"١. وبهذه العقود المتنوعة سيطر تجار قريش على الأعراب، وحافظوا على أموالهم، وحَدُّوا من شره فقراء أبناء البادية إلى الغنائم, وصار في إمكانهم الخروج بكل حرية من مكة ومن الأسواق القريبة منها بتجارتهم نحو الأماكن المذكورة بكل أمن وسلام.
ولما كان البحث في هذا الموضع، هو في تأريخ مكة بصورة عامة؛ لذلك فسأترك الكلام عن "الإيلاف" إلى الموضع المناسب الخاص به، وهو التجارة والاتجار، وعندئذ سأتكلم عنه بما يتمم هذا الكلام العام.
ويذكر أهل الأخبار أن عبد شمس وهاشمًا توءمان، وقد وقع بينهما تحاسد، وانتقل هذا التحاسد إلى ولد الأخوين، حتى في الإسلام.
وذكروا أن "أمية بن عبد شمس" حسد عمه هاشمًا، وكان أمية ذا مال, فدعا عمه إلى المنافرة, فرضي عمه بذلك مكرهًا، على أن يتحاكما إلى الكاهن "الخزاعي"، فنفَّر هاشمًا عليه، فأخذ هاشم الإبل التي نافر عليها من أمية، فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، بحسب حُكم الكاهن، وكان هاشم قد نافر على الجلاء عن مكة عشر سنين.
стр. 2047
فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية١.
ويذكر أهل الأخبار أن أمية بن عبد شمس كان من جملة من ذهب من رجال مكة إلى "سيف بن ذي يزن" لتهنئته بانتصار اليمن على الحبش وطردهم لهم، وقد دخل عليه مع وفد مكة في "قصر غمدان", وكان مثل أبيه عبد شمس حامل لواء قريش، أي: إنه كان يحملها في الحرب٢.
وكان هاشم أول من مات من ولد عبد مناف، مات بغزة فعرفت بـ"غزة هاشم"، وكان قد وفد بتجارة إليها فمات بها، ومات عبد شمس بمكة، فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن٣. ويتبين من ذلك أن جميع هؤلاء الإخوة، ما خلا عبدَ شمس, ماتوا في أرض غريبة، ماتوا تجارًا في تلك الديار.
وورد في رواية أخرى، أن هاشمًا خرج هو وعبد شمس إلى الشام، فماتا جميعًا بغزة في عام واحد، وبقي مالهما إلى أن جاء الإسلام٤.
وأجياد: جبل مكة على رأي، وموضع مرتفع في الذرا غربيّ "الصفا" كما ورد ذلك في شعر للأعشى؛ ذكر أن "مضاضًا" ضرب في ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة، فسمي الموضع بذلك "أجياد"٥.
ويذكر الإخباريون: أن هاشمًا كان قد خرج في عير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة، فنزلوا بـ"سوق النبط", فصادفوا سوقًا مقامة، فباعوا واشتروا، ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق تأمر بما يشترى ويباع لها, وهي حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها: أَأَيِّم هي، أم
стр. 2048
ذات زوج؟ فقيل له: أيم، كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها: فإذا كرهت رجلًا، فارقته، وهي "سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنيم بن عدي بن النجار"، وهو "تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج"، فخطبها، فزوجته نفسها ودخل بها، وصنع طعامًا، دعا إليه من كان معه من أهل مكة، ودعا من الخزرج رجالا، وأقام بأصحابه أيامًا، وعلقت "سلمى" بعبد المطلب١. وكانت "سلمى"، قد تزوجت من "أُحَيْحَة بن الجُلَّاح بن الحريش بن جَحْجَبَا الأوسي"، وهو من المعروفين في قومه كذلك٢.
ويذكر أهل الأخبار، أن عمر هاشم لما توفي، كان عشرين سنة، ويقال: خمسًا وعشرين ٣. وهو عمر قصير إذا قِيسَ بما يذكره أهل الأخبار ويوردونه عنه من اتجار وأعمال, أعمال لا تتناسب مع تلك السن.
ومن سادات مكة في هذه الأيام "قيس بن عدي بن سهم" من بني هصيص بن كعب، قد تكاثروا بمكة، حتى كادوا يعدلون بعبد مناف. وهو الذي منع "عدي بن كعب" و"زهرة بن كلاب" من "بني عبد مناف"، ومنع "بني عدي" أيضا من "بني جمح". وكان "عبد المطلب بن هاشم" ينفر ابنه "عبد المطلب" وهو صغير، ويقول:
كأنه في العز قيس بن عديّ ... في دار قيس ينتدى أهل الندى٤
مما يدل إن صح أن هذا الشعر هو من شعر "عبد المطلب" حقا، على أن "عديا" كان أعز رجال قريش في أيامه، حتى ضربوا به المثل في العز، وأنه كان سيد قومه, بني سهم بن هصيص بن كعب.
ومن ولد هاشم "عبد المطلب"، وأمه من أهل يثرب من بني النجار, فهي
стр. 2049
خزرجية تدعى "سلمى بنت عمرو بن زيد" على نحو ما ذكرت قبل قليل, تزوجها هاشم في أثناء رحلة من رحلاته التي كان يقوم بها إلى الشام للاتجار. ولما مات هاشم بغزة ولدت سلمى "عبد المطلب"، ومكث عند أخواله سبع سنين، ثم عاد إلى قومه بمكة، عاد به عمه "المطلب". ولما كبر تولى السقاية والرفادة وتزعم قومه.
ويذكر أهل الأخبار، أن هاشمًا كان قد أوصى إلى أخيه "المطلب"، فبنو هاشم وبنو المطلب يد واحدة, وبنو عبد شمس وبنو نوفل يد١. ومعنى هذا أن نزاعًا كان قد وقع بين أبناء هاشم وأبناء إخوته، جعلهم ينقسمون إلى فرقتين.
ويذكر أهل الأخبار أن اسم عبد المطلب هو "شيبة", وقد عرف بين الناس بعبد المطلب؛ لأن عمه "المطلب" لما حمله من يثرب إلى مكة، كان يقول للناس: هذا عبدي، أو عبد لي، فسمي من ثم بعبد المطلب، وشاعت بين قومه أهل مكة حتى طغت على اسمه، وقيل: إنه عرف بين أهل مكة بـ"شيبة الحمد" لكثرة حمد الناس له، وكان يقال له "الفياض" لجوده، و"مطعم طير السماء" و"مطعم الطير" لأنه كان يرفع من مائدته، للطير والوحوش في رءوس الجبال٢.
وقد كان "المطلب" عم "عبد المطلب" مثل سائر أفراد أسرته وأهل مكة تاجرًا، فخرج إلى أرض اليمن تاجرا، فهلك بـ"ردمان" من اليمن٣.
وهم يروون أنه كان مَفزَع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وأنه كان من حلماء قريش وحكمائها، وممن حرم الخمر على نفسه، وهو أول من
стр. 2050
تحنث بغار حراء, والتحنث: التعبد الليالي ذوات العدد. وكان إذا دخل شهر رمضان، صعده وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلي من الناس؛ ليتفكر في جلال الله وعظمته١. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر الطواف بالبيت٢.
وذكر أنه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق, وينهاهم عن دنيات الأمور، وكان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه، وإن وراء هذه الدار دارًا, يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحد الله. وروي: أنه وضع سننًا جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنة بها، منها: الوفاء بالنذر, وتحريم الخمر والزنا، وألا يطوف بالبيت عُريان٣. وذكر أنه كان أول من سن دية النفس مائة من الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشرًا من الإبل, فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل, وأقرها رسول الله على ما كانت عليه٤.
ويذكرون أن قريشًا كانت إذا أصابها قحط شديد، تأخذ بيد عبد المطلب، فتخرج به إلى جبل ثَبِير، تستسقي المطر٥.
وقد وقع خلافٌ بين عبد المطلب وعمه "نوفل"، كان سببه أن نوفل بن عبد مناف، وكان آخر من بقي من بني عبد مناف، ظلم عبد المطلب على أركاح له، وهي الساحات، فلما أصر نوفل على إنكاره حق عبد المطلب, تدخل عقلاء قريش في الأمر على رواية أهل مكة, أو أخوال عبد المطلب, وهم من أهل يثرب، فأكره "نوفل" على إنصاف عبد المطلب حتى عاد إليه حقه٦.
ومن أهم أعمال "عبد المطلب" الخالدة إلى اليوم "بئر زمزم" في المسجد الحرام، على مقربة من البيت. وهي بئر يذكرون أنها بئر إسماعيل، وأن جرهمًا
стр. 2051
دفنتها، وأنها تقع بين إساف ونائلة في موضع كانت قريش تنحر فيه. فلما حفرها "عبد المطلب"، أقبل عليها الحجاج وتركوا سائر الآبار١.
ويذكر أهل الأخبار أن عبد المطلب لما كشف عن بئر زمزم، وجد فيها دفائن، من ذلك: غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما، وأسياف قلعية, وأدراع سوابغ، فجعل الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب أحد الغزالين صفائح من ذهب، وجعل المفتاح والقفل من ذهب, فكان أول ذهب حُلِّيَتْهُ الكعبة٢. وجعل الغزال الآخر في الجب الذي كان في الكعبة أمام هبل. وذكر أن قريشًا أرادت منعه من الحفر، ولكنه أصر على أن يحفر حتى يصل إلى موضع الماء, وذلك بسبب رؤيا رآها، عينت له المكان، وأوحت إليه أنه موضع بئر قديمة طمرت وعليه إعادة حفرها٣.
ويذكر الإخباريون, أن عبد المطلب لما حلى بالمال الذي خرج من بئر زمزم الكعبة، جعله صفائح من ذهب على باب الكعبة، فكان أول ذهب حليته الكعبة٤. وتذكر بعض الروايات أن ثلاثة نفر من قريش عدَوْا على هذا الذهب وسرقوه٥, وتذكر رواياتهم أنه ضرب الأسياف التي عثر عليها في البئر بابًا للكعبة، وضرب بالباب الغزالين من ذهب٦.
ويظهر من وصف أهل الأخبار لما فعله "عبد المطلب" من ضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة، ومن جعل المفتاح والقفل من ذهب، أو من ضرب أحد الغزالين صفائح على الباب، وجعل الغزال الآخر في الجب الذي كان أمام "هُبَل" أي: الغبغب، أن الكعبة لم تكن على نحو ما يصفها أهل الأخبار من البساطة والسذاجة؛ بغير سقف وذات جدر ضمة بقدر قامة إنسان, إذ لا يعقل
стр. 2052
أن يضرب وجه باب الكعبة بالذهب وتوضع في داخلها تلك النفائس وهي على تلك الحالة، اللهم إلا إذا شككنا في أمر هذه الروايات وذهبنا إلى أنها من نوع القصص الذي وضعه أهل الأخبار.
وقد طغى ماء "بئر زمزم" على مياه آبار مكة الأخرى؛ فهو أولًا ماء مقدس، لأنه في أرض مقدسة، وفي المسجد الحرام، ثم هو أغزر وأكثر كميةً من مياه الآبار الأخرى, وهو لا ينضب مهما استقى أصحاب الدلاء منه, ثم إنه ألطف مذاقًا من مياه آبار مكة الأخرى. وقد استفاد "عبد المطلب" من هذه البئر، ماديا وأدبيا، وصارت ملكًا خالصة له، على الرغم من محاولات زعماء مكة والمنافسين له مساهمتهم له في حق هذه البئر؛ لأنها في أرض الحرم، والحرم حرم الله، وهو مشاع بين كل أهل مكة. وصار يسقي الحجاج من هذه البئر، وترك السقي من حياض الأدم التي كانت بمكة عند موضع بئر زمزم، وصار يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقي الحاج١.
وكان أبناء "قصي" قبل حفر بئر "زمزم" يأتون بالماء من خارج مكة -كما يقول أهل الأخبار- ثم يملئون بها حياضًا من أدم ويسقون الحجاج، جروا بذلك على سنة "قصي". فلما حفرت بئر زمزم, تركوا السقي بالحياض من المياه المستوردة من خارج مكة، وأخذو يسقونهم من ماء زمزم٢.
وقد كان عبد المطلب يزور اليمن بين الحين والحين، فكان إذا وردها نزل على عظيم من عظماء حمير. ويذكر أهل الأخبار أن أحد هؤلاء عَلَّم عبد المطلب صبغ الشَّعر، وذلك بأن أمر به فخضب بحناء، ثم عُلِيَ بالوسمة، وصار يصبغ شعره بمكة، وخضب أهل مكة بالسواد٣. ويذكر أهل الأخبار أيضا أنه اتصل بملوك اليمن، وأخذ منهم إيلافًا لقومه، بالاتجار مع اليمن, وكانت قريش تنظم عيرًا إلى اليمن في كل سنة٤.
стр. 2053
وبذكر "المسعودي" أن "معديكرب" حينما ولي الملك باليمن، أتته الوفود لتهنئه بالملك, وكان فيمن وفد عليه من زعماء العرب، "عبد المطلب", و"خويلد بن أسد بن عبد العزى", وجد أمية بن أبي الصلت، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا عليه في قصره بمدينة صنعاء: قصر غمدان. ويذكر له كلامًا, قاله عبد المطلب له، وجواب "معديكرب" عليه. ويذكر أيضا أن "عبد المطلب" كان فيمن وفد على "سيف بن ذي يَزَن" ليهنئه بطرد الحبش١.
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع كما كان قصي، إذ كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالًا وسلطانًا. إنما كان وجيه قومه؛ لأنه كان يتولى السقاية والرفادة وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت. وقد تكون صلته هذه، هي التي جعلته يذهب إلى أبرهة لمحادثته في شئون مكة والبيت.
ويروي أهل الأخبار أن عبد المطلب كان قد نذر: لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم. فلما تكاملوا عشرة، همَّ بذبح أحدهم، فضرب بالقداح فخرج القداح على عبد الله، ولكن القوم منعوه، ثم أشاروا عليه بأن يرضي الله بنحر إبل فدية عنه، وكان كلما ضرب القداح يخرج على عبد الله حتى بلغ العدد مائة, فخرج على الإبل، فنحرها بين الصفا والمروة, وخلى بينها وبين كل من يريد لحمها, من إنسيّ أو سبع أو طائر، لا يذب عنها أحدًا، ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئًا٢. وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين٣, إذن فيكون ذلك حوالي سنة "٥٦٥" للميلاد.
وكان لعبد المطلب ماء بالطائف، يقال له: "ذو الهرم", وكان في أيدي ثقيف ردحًا، ثم طلبه عبد المطلب منهم، فأبوا عليه. وكان صاحب أمر
стр. 2054
ثقيف: "جندب بن الحارث" فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن "العذري"، وكان يقال له: "عزى سلمة"، وكان ببلاد الشام، وتنافرا على إبل، وأتيا الكاهن، فنفر عبد المطلب عليه، فأخذ عبد المطلب الإبل فنحرها١.
وقد نادم "عبد المطلب" على عادة أهل مكة جماعة من أقرانه، لقد كانت عادتهم أن يجتمعوا مساءً فيتحادثوا, أو يشربوا ويأكلوا, أو يستمعوا إلى غناء، حتى يحل وقت النوم، وكان ممن نادمهم عبد المطلب "حرب بن أمية"، ثم اختلف معه، ونافره عند "نفيل بن عبد العزى" جد "عمر بن الخطاب"، فنفره على "حرب"، فافترقا٢. وكان سبب افتراقه عنه، إغلاظ "حرب" القول على يهودي كان جوار عبد المطلب٣. وتذكر رواية أخرى أن عبد المطلب و"حربًا"، تنافرا أولًا إلى النجاشي الحبشي، ولكنه أبى أن ينفر بينهما، فذهبا إلى نفيل, وأن "حرب بن أمية" غضب حين نفر عبد المطلب عليه، وقال له: إن من انتكاس الزمان أن جعلناك حكمًا، وصار نديمًا لعبد الله بن جدعان٤.
وذكر "ابن الأثير" أن سبب افتراق "عبد المطلب" عن "حرب" كان بسبب جار عبد المطلب اليهودي، واسمه "أُذَيْنَة"، وكان تاجرا وله مال كثير، فغاظ ذلك "حرب بن أمية"، فأغرى به فتيانًا من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله، فقتله "عامر بن عبد مناف"، و"صخر بن عمرو بن كعب التيمي"، فلم يعرف عبد المطلب قاتله، فلم يزل يبحث حتى عرفهما، وإذا هما قد استجار بحرب بن أمية، فأتى حربًا ولامه وطلبهما منه, فأخفاهما، فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة، فلم يدخل بينهما، وذهبا إلى نفيل. وترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان، وأخذ من
стр. 2055
حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئًا هلك, فغرمه من ماله١.
وقد صاهر عبد المطلب, رجال من أسر معروفة بمكة، فصاهره "كُريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"، وكانت عنده "أم حكيم"، وهي "البيضاء بنت عبد المطلب", وصاهره "أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، وكانت عنده "عاتكة بنت عبد المطلب"، و"عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم", وكانت عنده "برة بنت عبد المطلب". وناسبه "أبو رُهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي"، خلف على "برة" بعد عبد الأسد، وصاهره "جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة", وكانت عنده "أميمة بنت عبد المطلب"، و"العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى", خلف على "صفية بعد عمير بن وهب"٢.
ويذكر أن "عبد المطلب" كان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده؛ إجلالًا له٣. وكانت عادة سادة مكة تمضية أوقاتهم في مسجد الكعبة، حيث يجلسون في ظل الكعبة أو في فنائها يتحدثون ويتسامرون، ثم يذهبون إلى بيوتهم.
وفي أيام عبد المطلب كانت حملة "أبرهة" على مكة، وقد أرخت قريش بوقوعها، وصيرت الحملة مبدأ لتأريخ؛ لأهميتها بالنسبة لمكة. وقد تركت أثرا كبيرا في نفوس قريش، بدليل تذكير القرآن لهم بما حل بـ"أصحاب الفيل"٤, وعلى نحو ما تحدثت عنه في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.
وقد رأينا أن "عبد المطلب" وقد أشار على قومه بالتحرز بشعاب الجبال,
стр. 2056
وبترك البيت وشأنه؛ لأن للبيت ربًّا يحميه، وبعدم التحرش بالحبش وتركهم وشأنهم. والظاهر أنه وجد أن عدد الأحباش كان كبيرًا وأن من غير الممكن مقاومتهم والذب عن مكة في الوادي. ثم إنها حرم آمن، لا يجوز القتال فيه، وليس فيها حصون وآطام يُتحصَّن بها؛ لهذا رأى الرحيل عن الوادي والاحتماء برءوس الجبال، والإشراف منها على الدروب والطرق، فذلك أنفع وأحمى للمال وللنفس. ثم إن من الممكن مباغتة الحبش منها ومهاجمتهم وإنزال خسائر بهم حين يشاءون ويقررون، على حين تكون القوة والمنعة في أيدي الأحباش لو حصروا أنفسهم بمكة، إذ يكونون في منخفض بينما العدو على شُرف يشرف عليهم، وليس في إمكانهم مقاومته، وليس لهم حصون ولا مواضع دفاع؛ فتكون الغلبة لأبرهة حتما، وقد نجحت فكرة عبد المطلب، ولم يصب أهل مكة بسوء.
وقد كان من عادة أهل مكة، أنهم إذا داهمهم الخطر توقَّلُوا الجبال واعتصموا بها، ولما حاصرهم الرسول عام الفتح، هرب أكثرهم واعتصموا برءوس الجبال؛ إذ ليس في إمكانهم الحرب والصمود في البطحاء١.
ومات "عبد المطلب" بعد أن جاوز الثمانين. مات في ملك "هرمز بن أنوشروان"، وعلى الحيرة قابوس بن المنذر, أخو "عمرو بن المنذر" على رواية, وعمر الرسول ثماني سنين, ومعنى ذلك أنه توفي في حوالي السنة "٥٧٨" للميلاد. ولما حمل على سريره، جزت نساء "بني عبد مناف" شعورهن، وشق بعض الأولاد قمصانهم، حزنًا على وفاته, ودفن بالحجون٢. وذكر أنه لم يقم بمكة سوق أيامًا كثيرة لوفاة عبد المطلب٣.
وذكر أن عبد المطلب كان أول من تحنث بحراء، وكان إذا أهلَّ هلال شهر رمضان دخل بحراء، فلم يخرج حتى ينسلخ الشهر، ويطعم المساكين، وكان يعظم الظلم بمكة ويكثر الطواف بالبيت٤.
ومن ولد عبد المطلب: عبد الله وهو والد الرسول، وأبو طالب واسمه
стр. 2057
عبد مناف، والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبَرَّة, وأميمة١. وعدة ولده اثنا عشر رجلًا وست نسوة٢.
ولم يكن ولد عبد المطلب من رجال مكة الأثرياء، وكل ما كان عندهم ثراء روحي، استمدوه من اسم "قصي" وهاشم، فكانوا من وجهاء مكة من هذه الناحية, أما من ناحية المادة والمال، فلم يكونوا من السباقين فيه. لقد كانوا وسطًا، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة؛ مات "عبد الله" ولم يخلف لأهله شيئًا، ومات أبو طالب وحالته المالية ليست على ما يرام. لقد كانوا تجارًا يخرجون بتجارتهم على عادة فيهم إلى بلاد الشام، أو إلى اليمن فيبيعون ويشترون، ولكنهم على ما يبدو من الأخبار لم يتمكنوا من جمع ثروة تغنيهم وتجعلهم من أغنياء مكة. وقد توفي "عبد الله" وهو في طريقه من "غزة" إلى مكة، وكان قد أقبل بتجارة له، فنزل بالمدينة وهو مريض، وتوفي هناك٣, وإن "عبد المطلب" بعث إليه "الزبير بن عبد المطلب" أخاه، ودفن في دار النابغة٤, وإنه ترك عند وفاته "أم أيمن" حاضنة الرسول، وكان يسميها: "أُمّي"، فأعتقها وخمسة أجمال أوراك، وقطعة غنم، وسيفا مأثورا، وورقا٥.
وخرج "أبو طالب" بتجارة له في "عير قريش" ولكنه لم يتمكن من كسب شيء يريحه ويسعده من كل تجاراته، وآية ذلك أن الرسول أخذ منه ابنه "عليًّا"؛ ليخفف عنه مشقة الإنفاق على ولده، وأخذ "العباس" "جعفرًا" منه لينفق عليه. ووضعٌ مثل هذا لا يدل على يسر٦, وكانت له مع فقره هذا وجاهة عند أهله وقومه. قيل: "لم يسد من قريش ممق إلا عتبة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال"٧. وقال "علي" في والده: "أبي ساد فقيرًا وما
стр. 2058
ساد فقيرٌ غيره"١. وذكر أن عياله كانوا في ضيقة وخدة، لا يكادون يشبعون لقلة ما عندهم٢.
وعتبة بن ربيعة، هو أبو هند زوج "أبي سفيان"، وهي أم معاوية. ويذكر أهل الأخبار أيضا: "ساد عتبة بن أبي ربيعة وأبو طالب، وكانا أفلس من أبي المزلق، وهو رجل من بني عبد شمس، لم يكن يجد مؤنة ليلته، وكذا أبوه وجده وجد جده كلهم يعرفون بالإفلاس"٣.
ويظهر أن "عبد شمس" و"نوفلًا" و"مخزومًا"، كانوا قد تمكنوا من منافسة "عبد المطلب" و"آل هاشم" على التجارة، ومن انتزاع تجارة بلاد الشام منهم، ومن مزاحمتهم في الاتجار مع اليمن والعراق، حتى حصلوا على ثراء طائل، صيرهم من أغنى رجال مكة، وجعل لهم التفوق على البلد، حتى صار رجال من "بني مخزوم" من أغنى رجال مكة, وكذلك رجال من "عبد شمس".
وتعد "أيام الفجار" من الحوادث المؤثرة في تأريخ مكة, وهي أفجرة. وإنما سميت بذلك؛ لأنها كانت في الأشهر الحرم، ومن أهمها "فجار البراض"، نسبت إلى "البراض بن قيس" الذي قتل "عروة الرحال" "عروة بن عتبة الرحال"، إلى جانب "فدك" بأرض يقال لها "أوارة"، فأهاج مقتله الحرب بين "قريش" ومن معها من "كنانة" وبين "قيس عيلان"، وكانت الدبرة على "قيس"٤. وذكر في رواية أخرى، أن الفجارات الأربعة: فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر الغفاري، وهو الفجار الأول، وفجار القرد، وفجار المرأة، والفجار الرابع هو فجار البراض٥, وأن يوم "البراض" أو يوم نخلة, هو أعظم أيام الفجار, وكان البراض قد قدم باللطيمة إلى مكة فأكلها, وهي لطيمة "النعمان بن المنذر"، التي وضع "النعمان" زمامها بيد "عروة بن عتبة الرحال"، وكان سُمي الرحال لرحلته إلى الملوك، فكان ذلك مما أهاج
стр. 2059
الحرب. وقد رأس قريشًا: حرب بن أمية، وكان موضعه في القلب، وعبد الله بن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى، فالتقوا بـ"نخلة"، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل, فكان اليوم لهوازن١.
وذكر أن هذا اليوم قد وقع بعد عشرين سنة من عام الفيل, وقد شهده الرسول, وعمره عشرون سنة.
ثم إن قريشًا وبني كنانة لقوا هوازن بشمطة, وعلى بني هاشم: الزبير بن عبد المطلب، وعلى بني عبد شمس وأحلافها: حرب بن أمية، وعلى بني عبد الدار وحلفائها: عكرمة بن هاشم، وعلى بني أسد بن عبد العزى: خويلد بن أسد، وعلى بني زهرة: مخرمة بن نوفل، وعلى بني تيم: عبد الله بن جدعان، وعلى بني مخزوم: هاشم بن المغيرة, وعلى بني سهم: العاص بن وائل, وعلى بني جمح: أمية بن خلف، وعلى بني عدي: زيد بن عمرو بن نفيل، وعلى بني عامر بن لؤي: عمرو بن شمس، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجراح، وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس، وعلى الأحابيش: الحليس الكناني، فالتقوا أول النهار على هوازن، فصبروا, ثم استحرَّ القتل في قريش، وانهزم الناس٢.
ورُوي أن "البراض بن قيس" لقي "بشر بن أبي خازم" الأسدي الشاعر، فأخبره الخبر، وأمر أن يعلم ذلك "عبد الله بن جدعان" و"هشام بن المغيرة"، و"حرب بن أمية"، و"نوفل بن معاوية الديلي"، و"بلعاء بن قيس"، فوافى "عكاظًا"، فأخبرهم فخرجوا إلى الحرم، وبلغ "قيسًا" الخبر، فخرجوا في آثارهم فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، ولم تقم في تلك السنة "عكاظ". ومكثت "قريش" وغيرها من "كنانة" و"أسد" بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش، وهم الحارث بن عبد مناة وعضل والقارة وديش والمصطلق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد مناة، سنة يتأهبون للحرب، لإنذار "قيس" لها. وتأهبت "قيس عيلان" وسارت على "قريش"، وكان فيها "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر", و"سُبَيْع بن ربيعة بن معاوية
стр. 2060
النصري" و"دريد بن الصمة"، و"مسعود بن معتب الثقفي" و"أبو عروة بن مسعود" و"عوف بن أبي حارثة المري" و"عباس بن رعل السلمي". واستعدت "قريش" ورؤساؤها "عبد الله بن جدعان"، و"هشام بن المغيرة"، و"حرب بن أمية" و"أبو أحيحة سعيد بن العاص"، و"عتبة بن ربيعة"، و"العاص بن وائل"، و"معمر بن حبيب الجمحي"، و"عكرمة بن هاشم"، وخرجوا متساندين, ويقال: بل أمرهم إلى عبد الله بن جدعان. فالتقوا فكانت الدبرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس، فقتلوهم قتلا ذريعا, فاصطلحوا على أن عدوا القتلى، وردت قريش لقيس ما قتلت فضلًا عن قتلاهم، وانتهت الحرب. وقد شهد الرسول هذه الفجار، ورمى فيها بسهم، فكان يوم حضر ابن عشرين سنة، وكان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة١.
وأغلب حروب الفجار معارك ومناوشات، ولم تكن حروبًا بالمعنى المفهوم من كلمة "حرب". أما أهميتها وسبب اشتهارها فلوقوعها في شهور حرم, ولخروج المتحاربين فيها على سنة قريش ودينهم في تحريم القتال في هذه الشهور, ولهذا السبب حفظ ذكرها وجاء خبرها في كتب أهل الأخبار. وقد كان النصر فيها على كنانة وقريش في الغالب, وهو شيء مفهوم معقول؛ فقد كانت "قيس عيلان" كما كانت "هوازن" قبائل محاربة تعيش على الغزو والقتال، بينما كانت "قريش" قبيلة مستقرة اتخذت التجارة لها رزقًا، كما عاشت على الأرباح التي تجنيها من مجيء الأعراب إليها في مواسم الحج أو أيام العمرة ومن الامتيار من أسواقها. وقوم هذا شأنهم في حياتهم وفي تعاملهم, لا يمكن أن يميلوا إلى الغزو والقتال، بل كانوا يحبون حياة السلم والاستقرار؛ يشترون السلم ولو عن طريق ترضية الأعراب بتقديم الأموال لهم والهدايا والهبات؛ لذلك لم يصر رجالها رجال حروب وقتال، بل صاروا رجال سياسة ومساومة ومفاوضات تنتهي بنتائج طيبة بالنسبة لهم، لا يمكن أن يحصلوا عليها من القتال.
وقد رأس "الزبير بن عبد المطلب" بني هاشم، غير أن رئاسته هذه
стр. 2061
لم تكن متينة, وقد كان في جملة من شهد "حلف الفضول" في دار "عبد الله بن جدعان"١, كما رأس "بني هاشم" في حرب الفجار٢. وذكر أنه كان نديمًا لمالك بن عُميلة بن السباق بن عبد الدار٣, وقد تاجر الزبير مع بلاد الشام إلا أنه لم ينجح في تجارته على ما ظهر، بدليل أنه لم يكن موسرًا، وذكر أنه كان أحد حُكام العرب الذين يتحاكمون إليهم٤.
وحلف الفضول من الأحداث المهمة التي يذكرها أهل السير والأخبار في تأريخ مكة, وإذا صح ما يذكرونه من أنه عقد بعد الفجار بشهور، وفي السنة التي وقع فيها الفجار الذي حضره الرسول، ومن أن الرسول حضره وهو ابن عشرين سنة، فيجب أن يكون عقد هذا الحلف قد تم في حوالي السنة "٥٩٠" للميلاد٥. ويذكر أن الذي دعا إليه هو الزبير بن عبد المطلب٦.
وقد شهد حلف الفضول بنو هاشم وبنو زهرة وبنو تيم, وذكر أنهم تعاهدوا على أن يكونوا مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه، وفي التآسي في المعاش, وقد عقد منصرف قريش من الفجار وكان الفجار في شوال, وعقد الحلف في ذي القعدة٧. وذكر أيضا أنهم "تحالفوا ألا يُظلم أحد بمكة إلا قاموا معه حتى ترد ظلامته", وقد ذكره الشاعر "نبيه بن الحجاج السهمي"٨. وليس لأهل الأخبار رأي ثابت عن سبب تسمية هذا الحلف بحلف الفضول؛ فذكر بعضهم أنه سمي بذلك لأنهم تحالفوا أن يتركوا عند أحد فضلًا يظلمه أحدًا إلا أخذوه له منه. وقيل: سمي به تشبيهًا بحلف كان قديمًا بمكة أيام جرهم, على التناصف والأخذ للضعيف من القوي والغريب من القاطن. وسمي حلف الفضول؛ لأنه قام به رجال
стр. 2062
من جرهم كلهم يسمى الفضل، فقيل: حلف الفضول جميعًا لأسماء هؤلاء١. وذكر أنه سمي حلف الفضول؛ لأن قريشًا قالت: هذا فضول من الحلف، فسمي حلف الفضول٢. وقيل: لأن قريشًا تعاقدوا فيما بينهم على "مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم"٣, وهو في بعض الروايات تحالف ثلاثة من الفضليين على ألا يروا ظلمًا بمكة إلا غيَّروه. وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن نصاعة، فسمي من ثم باسمهم: حلف الفضول٤.
وذكر أكثر أهل الأخبار, أن الغاية التي أريد بها منه، هي إنصاف المظلومين من أهل مكة، من الضعفاء والمساكين ومن لا يجد له عونًا ليحميه ويدافع عن حقوقه، وإنصاف الغرباء الوافدين على مكة من حجاج أو تجار، ممن يعتدي عليهم فيأخذ أموالهم أخذًا ويأكلها ولا يدفع لأصحابها عنها شيئًا. فذكر أن رجلًا من "زبيد" من اليمن، وكان باع سلعة له "العاصَ بن وائل السهمي"، فمطله الثمن حتى يئس، فعلا جبل "أبي قبيس"، وقريش في مجالسها حول الكعبة، فنادى رافعًا صوته يشكو ظلامته، ويطلب إنصافه مستجيرًا بقريش، فمشت قريش بعضها إلى بعض، وكان أول من سعى في ذلك "الزبير بن عبد المطلب"، واجتمعت في "دار الندوة"، وكان ممن اجتمع بها من "قريش" "بنو هاشم" و"بنو المطلب" و"زهرة" و"تيم" و"بنو الحارث"، فاتفقوا على أنهم ينصفون المظلوم من الظالم، فساروا إلى دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا هنالك٥.
وذكر أن رجلًا من "بني أسد بن خزيمة" جاء بتجارة, فاشتراها رجل من "بني سهم"، فأخذها السهمي وأبى أن يعطيه الثمن، فكلم قريشًا وسألها إعانته على أخذ حقه، فلم يأخذ له أحد بحقه، فصعد الأسدي "أبا قبيس",
стр. 2063
وصرخ بشعر يشكو فيه ظلامته، فتداعيت قريش، وعقدت حلف الفضول.
وقيل: لم يكن من "بني أسد"، ولكنه "قيس بن شيبة السلمي"، باع متاعًا من "أبي خلف الجمحي" وذهب بحقه، فاستجار بـ"آل قصي"، فأجاروه، فكان ذلك سبب عقد حلف الفضول١. وقيل: بل كان الرجل من "بارق"، فلما يئس من أخذ حقه من "أبي"، صعد في الجبل ورفع عقيرته بقوله:
يا للرجال لمظلومٍ بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فلما سمعه "الزبير بن عبد المطلب", أجابه:
حلفتُ لنعقدن حِلْفًا عليهم ... وإن كنا جميعًا أهل دارِ
نُسميه الفضول إذا عقدنا ... يقربه الغريب لذي الجوارِ
ثم قام وعبد الله بن جدعان، فدعوا قريشًا إلى التحالف والتناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابوهما، وتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان، فهذا حلف الفضول٢.
وذكر أن رجلًا من "خثعم" قدم مكة ومعه بنت وضيئة، فاغتصبها منه "نبيه بن الحجاج"، فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول، فاجتمعوا حوله، واستردوا الجارية من نبيه, وقالوا له: "ويحك, فقد علمت من نحن وما تعدهدنا عليه" فأعادها إليه٣.
ويظهر من هذا الخبر أن حلف الفضول كان قد عقد قبل هذه الحادثة، وأن جماعته كانت شديدة متراصة في دفع الحق إلى أهله واسترجاعه ممن اغتصبه كائنًا ما كان.
ويظهر أن هذا الحلف استمر قائمًا إلى وقت ما في الإسلام، ثم فقد
стр. 2064
قيمته، فمات. فورد أنه كان بين "الحسين بن علي بن أبي طالب" وبين "الوليد بن عتبة بن أبي سفيان" منازعة في مال متعلق بالحسين، فماطله الوليد. "فقال الحسين للوليد: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لأدعون لحلف الفضول، فلما بلغ ذاك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه"١.
وقد تفسر دعوة "الحسين" المذكورة, بأن الحسين لم يقصد بقوله: "لأدعون لحلف الفضول"، الحلف القديم المعروف، وإنما قصد: لأدعون لحلف كحلف الفضول، وهو نصرة المظلوم على ظالمه، وقد أيده على حقه جماعة، منهم عبد الله بن الزبير، مما دفع الوليد إلى إرجاع حق الحسين؛ خشية وقوع فتنة وتدخُّل في هذه الخصومة٢. ومعنى هذا أننا لا نستطيع أن نستنتج من الخبر المتقدم، أن حلف الفضول كان قد بقي إلى ذلك العهد.
ويرجع حلف الفضول إلى أحلاف سابقة على ما يتبين من أخبار أهل الأخبار، إلى عهد "هاشم" وإلى ما قبل أيام هاشم. والظاهر أن أهل مكة، بعد أن اجتمعوا وتكتلوا في وادٍ ضيق وفي أرض فقيرة، وجدوا أن من العسير عليهم رؤية حفنة منهم وقد استأثرت بالمال والغنى، بينما عاش الكثير بينهم في فقر وفاقة، وأنهم إن أصموا آذانهم عن سماع نداء الإغاثة، فإن حالة من الذعر ستسود مدينتهم؛ لذلك تواصوا فيما بينهم على مواساة أهل الفاقة وجبر خاطر المحتاج، وعلى تراحمهم فيما بينهم وتواصلهم. وكان مما فعلوه لرفع مستوى الفقير، وللقضاء على الفوارق الكبيرة التي صارت فيما بين سادات مكة وسوادها، أن حثوا كل مكي على المساهمة في أموال القوافل، حتى إذا ما عادت رابحة، وُزِّعت أرباحها على هؤلاء أيضا، كل حسب مقدار ما ساهم به من مال في القافلة. وبذلك خفف أهل مكة من حدة التضاد الذي كان بين النقيضين, وأمنوا من تطاول الشباب الفقراء على الأغنياء، بأن فتح بعض الأغنياء أبواب بيوتهم
стр. 2065
للجياع، فآووهم وساعدوهم على نحو ما جاء في شعر لمطرود بن كعب الخزاعي, إذ يقول:
هبلتك أمك لو حللت بدارهم ... ضمنوك من جوع ومن إقراف١
وقوله:
والخالطين غنيهم بفقيرهم ... حتى يصير فقيرهم كالكافي٢
والعطف على الفقراء ومواساة الضعفاء وذوي الحاجة من خلال الأشراف السادات؛ لأنهم إن لم يغثيوا الغائث ويرحموا المسكين فمن يرحمهم إذن على وجه هذه الأرض! وقد مدح من يخلط الفقير بالغني فيساوي بينهما، وذم من يبيت شبعان وجاره يبيت خامصًا لا شيء عنده يعتمد عليه٣.
وكان من أهم الأحداث التي وقعت في أيام الرسول، يوم كان في الخامسة والثلاثين، بناء الكعبة؛ بسبب سيل ملأ ما بين الجبلين، ودخل الكعبة حتى تصدعت، أو بسبب حريق أصاب أستار الكعبة، فتصدعت، فعزمت قريش على بنائها، فهدمتها وأعادت بناءها. وذكر أن قريشًا كانت قد أفردت ببناء كل ربع من أرباع البيت قومًا، وكان ذلك بقرعة بينهم. فلما انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يضعه وتشاحّوا عليه، فرضوا بأول من يدخل من الباب, فكان أول من دخل رسول الله، فوضعه بيده، بعد أن قال: "ليأتِ من كل ربع من قريش رجل"، وبذلك فضَّ النزاع٤. ويجب أن يكون حادث بناء البيت إذن في حوالي السنة "٦٠٥" للميلاد.
стр. 2066
وجهاء مكة:
وكان أمر مكة إلى وجهاء أمرها، مثل: "بنو مخزوم"، و"بنو عبد شمس" و"بنو زهرة" و"بنو سهم" و"بنو المطلب"، و"بنو هاشم" و"بنو نوفل" و"بنو عدي" و"بنو كنانة" و"بنو أسد" و"بنو تَيْم" و"بنو جمح" و"بنو عبد الدار" و"بنو عامر بن لؤيّ" و"بنو محارب بن فهر". وذكر بعض أهل الأخبار، أن الشرف والرياسة في قريش في الجاهلية في "بني قصي"، لا ينازعونهم ولا يفخر عليهم فاخر, فلم يزالوا ينقاد لهم ويرأسون. وكان لقريش ست مآثر كلها لبني قصي دون سائر قريش؛ منها الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والرياسة. فلما هلك "حرب بن أمية"، وكان حرب رئيسًا بعد المطلب، تفرقت الرياسة والشرف في "بني عبد مناف". فكان في بني هاشم: الزبير وأبو طالب وحمزة والعباس بن عبد المطلب، وفي بني أمية: أبو أحيحة، وهو سعد بن العاص بن أمية، وهو "ذو العمامة"، كان لا يعتم أحد بمكة بلون عمامته إعظامًا له. وفي بني المطلب: عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، و"عبد يزيد" هو "المحض لا قذى فيه" وفي "بني نوفل": المطعم بن عدي بن نوفل، وفي بني أسد بن عبد العزى: خويلد بن أسد، وعثمان بن الحويرث بن أسد. وقد كانت النبوة والخلافة لبني عبد مناف، ويشركهم في الشورى: زهرة وتيم وعدي وأسد١.
وقد اختص "بنو كنانة" بالنسيء, فكان نسأة الشهور منهم, وهم "القلامسة", وكانوا فقهاء العرب والمفتين لهم في دينهم٢. فمكانتهم إذن بين الناس هي مكانة روحية، فبيدهم الفقه والإفتاء.
ومكة وإن كانت مجتمعا حضريا، أهله أهل مدر في الغالب، غير أنها لم تكن حضرية تامة الحضارة بالمعنى الذي نفهمه اليوم؛ لأن الحياة فيها كانت مبنية على أساس العصبية القبلية. المدينة مقسمة إلى شعاب، والشعاب هي وحدات اجتماعية مستقلة، تحكمها الأسر، وبين الأسر نزاع وتنافس على الجاه والنفوذ
стр. 2067
نزاع وإن لم يقلق الأمن ويعبث بسلام المدينة، إلا أنه أثر في حياتها الاجتماعية أثرًا خطيرًا، انتقلت عدواه إلى أيام الإسلام.
لقد حاول بعض رؤسائها ووجوهها التحكم بأمر مكة، وإعلان نفسه ملكا عليها, يحلي رأسه بالتاج شأن الملوك المتوجين، ولكنه لم يفلح ولم ينجح، حتى ذكر أن بعضهم التجأ إلى الغرباء؛ لمساعدتهم بنفوذهم السياسي والمادي والعسكري في تنصيب أنفسهم ملوكا عليها، فلم ينجحوا، كالذي ذكروه عن "عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى"، المعروف بـ"البطريق"، من أنه طمع في ملك مكة، فلما عجز عن ذلك خرج إلى قيصر، فسأله أن يملِّكه على قريش، وقال: أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عهدًا وختمه بالذهب، فهابت قريش "قيصر" وهموا أن يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة فصاح، والناس في الطواف: إن قريشا لقاح! لا تملك ولا تملك, وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى: ألا إن مكة حي لقاح، لا تدين لملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، ولم يتم له مراده، فمات عند ابن جفنة؛ فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله١, وابن جفنة هو عمرو بن جفنة الغساني٢.
ولم يكن عثمان بن الحويرث أول زعيم جاهلي فُتن بالملك وبلقب ملك, الحبيب إلى النفوس، حتى حمله ذلك على استجداء هذا اللقب والحصول عليه بأية طريقة كانت، ولو عن سبيل التودد إلى الأقوياء الغرباء والتوسل إليهم؛ لمساعدتهم في تنصيبهم ملوكًا على قومهم، ففي كتب أهل الأخبار والتواريخ أسماء نفر كانوا على شاكلته، فتنهم الملك وأعماهم الطمع وحملهم ضعف الشخصية وفقر النفس حتى على التوسل إلى الساسانيين والروم، لتنصيبهم على قومهم ومنحهم اللقب الحبيب، ووضع التاج على رأسهم، في مقابل وضع أنفسهم وقومهم في خدمة السادة المساعدين أصحاب المنة والفضل.
ولقد استمات عثمان بن الحويرث في سبيل الحصول على ملك مكة، حتى ذكر
стр. 2068
أنه تنصر وتقرب بذلك إلى الروم، وحسنت منزلته عندهم، ومن يدري؟ فلعله كان مدفوعًا مأمورًا حرضه الروم ودفعوه للحصول على المدينة المقدسة؛ ليتمكنوا بذلك من السيطرة على الحجاز والوصول إلى اليمن والسيطرة على العربية الغربية والعربية الجنوبية، وإخضاع جزيرة العرب بذلك لنفوذهم. ولقد جمع القوم ورغبهم وأنذرهم وحذرهم بغضب الروم عليهم إن عارضوا مشروعه وقاوموا تنصيبه ملكًا عليهم, قائلًا لهم: "يا قوم، إن قيصر قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه, وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم، وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والأوهاب، فأجمع ذلك ثم أذهب إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه"١.
وإذا صح أن هذا الكلام هو كلام "عثمان بن الحويرث" حقًّا، وأنه خاطب به قومه لحثهم على الاعتراف به ملكا على مكة، فإنه يكون كلام رجل عرف من أين يكلم قومه، وكيف يأتيهم! فقد هددهم بأن الروم سيمنعونهم من الاتجار مع الشام إن خالفوه ولم يبايعوه ولم يسلموا له بالملك، وقد كلفه "قيصر" به؛ لأنه يعلم أن تجارة قريش مع بلاد الشام هي مصدر من أهم مصادر رزقهم, ولهذا ظن بأنهم سيخضعون له ويقبلون بما جاء به. ولكن أشراف مكة من أصحاب المال والنفوذ، لم يحملوا هذا التهديد محمل الجد، فالروم لا يهمهم أمر "عثمان" كثيرًا، ثم إن تهديدهم بقطع تجارة قريش مع الشام تهديد لا يمكن تحقيقه، وحدود الشام طويلة ومفتوحة، ولعلهم وجدوا أن كلام "عثمان" هو ادعاء لم يصدر عن الروم، تفوه به، من حيث لا يعلمون, فلم يقيموا له وزنًا.
ولم يذكر أهل الأخبار شيئا عن لقب "البطريق" الذي منحوه لـ"عثمان بن الحويرث"٢. ولا أظن أن الروم قد منحوه له؛ لأنهم لم يكونوا يمنحون هذا اللقب المهم إلا لكبار العاملين في خدمتهم، ممن أدى لهم خدمات جليلة، ولا أظن أنه يشير إلى درجة دينية؛ لأنه لم يشتهر بين النصارى شهرة كبيرة ولم ينل من العلم والمكانة ما يؤهله لأن يكون "بطريارخًا" على الكنيسة. وقد ذكر
стр. 2069
علماء اللغة أن "البطرق", القائد، معرب، وهو الحاذق بالحرب وأمورها، وهو ذو منصب عند الروم١. فلا يعقل أن يكون "عثمان" قد نال هذه المنزلة عند البيزنطيين, وهي منزلة لم ينلها إلا بعض ملوك الغساسنة مع صلتهم القوية بهم.
ومما يذكره أهل الأخبار عن "عثمان" هذا، أنه كان في رؤساء حرب الفجار من قريش, وأنه كان من "بني أسد بن عبد العزى"، وأنه كان أحد الهجائين٢.
ومن وجهاء مكة وساداتها المقدمين المعروفين: عبد الله بن جدعان، وكان ثريًّا واسع الثراء، كما كان كريمًا، أسرف في أواخر عمره في إكرام الناس وبالغ في إعطائهم حتى حجر رهطه عليه لما أسن، فكان إذا أعطى أحدًا شيئًا، رجعوا على المعطى فأخذوه منه. فكان إذا سأل سائل، قال: "كن مني قريبا إذا جلست، فإني سألطمك، فلا ترضَ إلا بأن تلطمني بلطمتك، أو تفتدي لطمتك بفداء رغيب ترضاه"٣. وإلى هذا الحادث أشار ابن قيس الرقيات:
والذي إن أشار نحوك لطمًا ... تبع اللطم نائل وعطاء٤
وينسبه النسابون إلى "بني تيم بن مُرَّة"، ويقولون في نسبه: إنه "عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة", وهو ابن عم والد الخليفة "أبي بكر"٥, ويذكرون "أنه كان في ابتداء أمره صعلوكًا ترب
стр. 2070
اليدين، وكان مع ذلك شريرًا فاتكًا، لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف ألا يؤويه أبدًا، فخرج في شعاب مكة حائرا مائرا يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم يجد شيئا، فدخل فيه"، فإذا به أمام غار هو مقبرة من مقابر ملوك "جرهم"، وفيه كنوز وأموال من أموالهم ثمينة, من بينها "ثعبان" مصنوع من ذهب، له
الكعبة الشريفة
عينان من ياقوت. ووجد جثث الملوك على أسرَّة، لم ير مثلها، وعليها ثياب من وشي، لا يُمَسُّ منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان، فأخذ من الغار حاجته ثم خرج، وعلَّم الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، فسادهم، وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس، ويفعل المعروف. وكان