وجهاء مكة:
وكان أمر مكة إلى وجهاء أمرها، مثل: "بنو مخزوم"، و"بنو عبد شمس" و"بنو زهرة" و"بنو سهم" و"بنو المطلب"، و"بنو هاشم" و"بنو نوفل" و"بنو عدي" و"بنو كنانة" و"بنو أسد" و"بنو تَيْم" و"بنو جمح" و"بنو عبد الدار" و"بنو عامر بن لؤيّ" و"بنو محارب بن فهر". وذكر بعض أهل الأخبار، أن الشرف والرياسة في قريش في الجاهلية في "بني قصي"، لا ينازعونهم ولا يفخر عليهم فاخر, فلم يزالوا ينقاد لهم ويرأسون. وكان لقريش ست مآثر كلها لبني قصي دون سائر قريش؛ منها الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والرياسة. فلما هلك "حرب بن أمية"، وكان حرب رئيسًا بعد المطلب، تفرقت الرياسة والشرف في "بني عبد مناف". فكان في بني هاشم: الزبير وأبو طالب وحمزة والعباس بن عبد المطلب، وفي بني أمية: أبو أحيحة، وهو سعد بن العاص بن أمية، وهو "ذو العمامة"، كان لا يعتم أحد بمكة بلون عمامته إعظامًا له. وفي بني المطلب: عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، و"عبد يزيد" هو "المحض لا قذى فيه" وفي "بني نوفل": المطعم بن عدي بن نوفل، وفي بني أسد بن عبد العزى: خويلد بن أسد، وعثمان بن الحويرث بن أسد. وقد كانت النبوة والخلافة لبني عبد مناف، ويشركهم في الشورى: زهرة وتيم وعدي وأسد١.
وقد اختص "بنو كنانة" بالنسيء, فكان نسأة الشهور منهم, وهم "القلامسة", وكانوا فقهاء العرب والمفتين لهم في دينهم٢. فمكانتهم إذن بين الناس هي مكانة روحية، فبيدهم الفقه والإفتاء.
ومكة وإن كانت مجتمعا حضريا، أهله أهل مدر في الغالب، غير أنها لم تكن حضرية تامة الحضارة بالمعنى الذي نفهمه اليوم؛ لأن الحياة فيها كانت مبنية على أساس العصبية القبلية. المدينة مقسمة إلى شعاب، والشعاب هي وحدات اجتماعية مستقلة، تحكمها الأسر، وبين الأسر نزاع وتنافس على الجاه والنفوذ
стр. 2067
نزاع وإن لم يقلق الأمن ويعبث بسلام المدينة، إلا أنه أثر في حياتها الاجتماعية أثرًا خطيرًا، انتقلت عدواه إلى أيام الإسلام.
لقد حاول بعض رؤسائها ووجوهها التحكم بأمر مكة، وإعلان نفسه ملكا عليها, يحلي رأسه بالتاج شأن الملوك المتوجين، ولكنه لم يفلح ولم ينجح، حتى ذكر أن بعضهم التجأ إلى الغرباء؛ لمساعدتهم بنفوذهم السياسي والمادي والعسكري في تنصيب أنفسهم ملوكا عليها، فلم ينجحوا، كالذي ذكروه عن "عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى"، المعروف بـ"البطريق"، من أنه طمع في ملك مكة، فلما عجز عن ذلك خرج إلى قيصر، فسأله أن يملِّكه على قريش، وقال: أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عهدًا وختمه بالذهب، فهابت قريش "قيصر" وهموا أن يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة فصاح، والناس في الطواف: إن قريشا لقاح! لا تملك ولا تملك, وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى: ألا إن مكة حي لقاح، لا تدين لملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، ولم يتم له مراده، فمات عند ابن جفنة؛ فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله١, وابن جفنة هو عمرو بن جفنة الغساني٢.
ولم يكن عثمان بن الحويرث أول زعيم جاهلي فُتن بالملك وبلقب ملك, الحبيب إلى النفوس، حتى حمله ذلك على استجداء هذا اللقب والحصول عليه بأية طريقة كانت، ولو عن سبيل التودد إلى الأقوياء الغرباء والتوسل إليهم؛ لمساعدتهم في تنصيبهم ملوكًا على قومهم، ففي كتب أهل الأخبار والتواريخ أسماء نفر كانوا على شاكلته، فتنهم الملك وأعماهم الطمع وحملهم ضعف الشخصية وفقر النفس حتى على التوسل إلى الساسانيين والروم، لتنصيبهم على قومهم ومنحهم اللقب الحبيب، ووضع التاج على رأسهم، في مقابل وضع أنفسهم وقومهم في خدمة السادة المساعدين أصحاب المنة والفضل.
ولقد استمات عثمان بن الحويرث في سبيل الحصول على ملك مكة، حتى ذكر
стр. 2068
أنه تنصر وتقرب بذلك إلى الروم، وحسنت منزلته عندهم، ومن يدري؟ فلعله كان مدفوعًا مأمورًا حرضه الروم ودفعوه للحصول على المدينة المقدسة؛ ليتمكنوا بذلك من السيطرة على الحجاز والوصول إلى اليمن والسيطرة على العربية الغربية والعربية الجنوبية، وإخضاع جزيرة العرب بذلك لنفوذهم. ولقد جمع القوم ورغبهم وأنذرهم وحذرهم بغضب الروم عليهم إن عارضوا مشروعه وقاوموا تنصيبه ملكًا عليهم, قائلًا لهم: "يا قوم، إن قيصر قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه, وقد ملكني عليكم، وأنا ابن عمكم، وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والأوهاب، فأجمع ذلك ثم أذهب إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به وينقطع مرفقكم منه"١.
وإذا صح أن هذا الكلام هو كلام "عثمان بن الحويرث" حقًّا، وأنه خاطب به قومه لحثهم على الاعتراف به ملكا على مكة، فإنه يكون كلام رجل عرف من أين يكلم قومه، وكيف يأتيهم! فقد هددهم بأن الروم سيمنعونهم من الاتجار مع الشام إن خالفوه ولم يبايعوه ولم يسلموا له بالملك، وقد كلفه "قيصر" به؛ لأنه يعلم أن تجارة قريش مع بلاد الشام هي مصدر من أهم مصادر رزقهم, ولهذا ظن بأنهم سيخضعون له ويقبلون بما جاء به. ولكن أشراف مكة من أصحاب المال والنفوذ، لم يحملوا هذا التهديد محمل الجد، فالروم لا يهمهم أمر "عثمان" كثيرًا، ثم إن تهديدهم بقطع تجارة قريش مع الشام تهديد لا يمكن تحقيقه، وحدود الشام طويلة ومفتوحة، ولعلهم وجدوا أن كلام "عثمان" هو ادعاء لم يصدر عن الروم، تفوه به، من حيث لا يعلمون, فلم يقيموا له وزنًا.
ولم يذكر أهل الأخبار شيئا عن لقب "البطريق" الذي منحوه لـ"عثمان بن الحويرث"٢. ولا أظن أن الروم قد منحوه له؛ لأنهم لم يكونوا يمنحون هذا اللقب المهم إلا لكبار العاملين في خدمتهم، ممن أدى لهم خدمات جليلة، ولا أظن أنه يشير إلى درجة دينية؛ لأنه لم يشتهر بين النصارى شهرة كبيرة ولم ينل من العلم والمكانة ما يؤهله لأن يكون "بطريارخًا" على الكنيسة. وقد ذكر
стр. 2069
علماء اللغة أن "البطرق", القائد، معرب، وهو الحاذق بالحرب وأمورها، وهو ذو منصب عند الروم١. فلا يعقل أن يكون "عثمان" قد نال هذه المنزلة عند البيزنطيين, وهي منزلة لم ينلها إلا بعض ملوك الغساسنة مع صلتهم القوية بهم.
ومما يذكره أهل الأخبار عن "عثمان" هذا، أنه كان في رؤساء حرب الفجار من قريش, وأنه كان من "بني أسد بن عبد العزى"، وأنه كان أحد الهجائين٢.
ومن وجهاء مكة وساداتها المقدمين المعروفين: عبد الله بن جدعان، وكان ثريًّا واسع الثراء، كما كان كريمًا، أسرف في أواخر عمره في إكرام الناس وبالغ في إعطائهم حتى حجر رهطه عليه لما أسن، فكان إذا أعطى أحدًا شيئًا، رجعوا على المعطى فأخذوه منه. فكان إذا سأل سائل، قال: "كن مني قريبا إذا جلست، فإني سألطمك، فلا ترضَ إلا بأن تلطمني بلطمتك، أو تفتدي لطمتك بفداء رغيب ترضاه"٣. وإلى هذا الحادث أشار ابن قيس الرقيات:
والذي إن أشار نحوك لطمًا ... تبع اللطم نائل وعطاء٤
وينسبه النسابون إلى "بني تيم بن مُرَّة"، ويقولون في نسبه: إنه "عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة", وهو ابن عم والد الخليفة "أبي بكر"٥, ويذكرون "أنه كان في ابتداء أمره صعلوكًا ترب
стр. 2070
اليدين، وكان مع ذلك شريرًا فاتكًا، لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف ألا يؤويه أبدًا، فخرج في شعاب مكة حائرا مائرا يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم يجد شيئا، فدخل فيه"، فإذا به أمام غار هو مقبرة من مقابر ملوك "جرهم"، وفيه كنوز وأموال من أموالهم ثمينة, من بينها "ثعبان" مصنوع من ذهب، له
الكعبة الشريفة
عينان من ياقوت. ووجد جثث الملوك على أسرَّة، لم ير مثلها، وعليها ثياب من وشي، لا يُمَسُّ منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان، فأخذ من الغار حاجته ثم خرج، وعلَّم الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، فسادهم، وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس، ويفعل المعروف. وكان
стр. 2071
كلما احتاج إلى مال ذهب، فاستخرج ما يحتاج إليه من ذلك الكنز, حتى صار من أغنى أغنياء مكة١.
فثراء "عبد الله بن جدعان" هو من هذا الكنز, على زعم رواة هذه القصة التي يتصل سندها بـ"عبد الملك بن هشام" راوية "كتاب التيجان"، وهو كتاب مليء بالأقاصيص والأساطير، وقد تكون القصة صحيحة، فعثور الناس على كنوز ودفائن من الأمور المألوفة، وقد عثر غيره ممن جاءوا قبله أو جاءوا بعده على كنوز، بل ما زال الناس حتى اليوم يعثرون عليها مصادفة أو في أثناء الحفر والتنقيب. والشيء الغريب فيها هو هذا التزويق والنتميق، وهو أيضا شيء مألوف بالنسبة إلينا، وغير غريب وقد تعودنا قراءته، فمن عادة القصاصين ورواة الأساطير والأباطيل الإغراب في كلامهم والكذب فيه لأسباب لا مجال لذكرها هنا، وعلى رأس هذه الطائفة "وهب بن منبه" صاحب "كتاب التيجان".
وذكر أنه لثرائه كان لا يشرب ولا يأكل إلا بآنية من الذهب والفضة, فعرف لذلك بـ"حاسي الذهب"٢.
ويذكر أهل الأخبار أن "عبد الله بن جدعان" كان نخاسًا، له جوارٍ يساعين، ويبيع أولادهن. فكانت جواريه تؤجر للرجال، وما ينتج عن هذا السفاح من نسل يربى، فيبقي منه عبد الله ما يشاء ويبيع منه ما يشاء٣. ولكنه مع اتجاره بالرقيق، وعلى النحو المتقدم، كان -كما يقولون- يعتق الرقاب, ويعين على النوائب، ويساعد الناس, ويقضي الحاجات٤، ولا سيما بعد تقدمه في السن.
стр. 2072
ولا يستبعد أن يكون ما ذكره أهل الأخبار عن "عبد الله بن جدعان"، هو من صنع حساده ومبغضيه ممن حسدوه على ما بلغ إليه بمكة من مركز وجاه. ومثل هذا التشنيع على الناس شائع مألوف, لا سيما وقد كان في الأصل فقيرا غير موسر، فغني بجده واجتهاده, فتقوَّل عليه حساده من أهل زمانه تلك الأقوال.
وقد عرف "ابن جدعان" بإكرام الناس وبالإنفاق على أهل مدينته, وروى أهل الأخبار أمثلة عديدة على جوده وسخائه. من ذلك: ما رووه من أنه كان قد وضع جفنة كبيرة ملأها طعامًا ليأكل منها الناس، وكانت الجفنة على درجة كبيرة من السعة بحيث غرق فيها صبي كان قد سقط فيها. وذكروا أن الرسول قال: "لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكَّة عُمَيّ" أي: وقت الظهيرة١. ووصفوا الجفنة فقالوا: إنها "كانت لابن جدعان في الجاهلية، يطعم فيها الناس، وكان يأكل منها القائم والراكب لعظمها"٢. يأكل الراكب منها، وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها٣.
وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقي اللبن، حتى سمع قول أمية بن أبي الصلت:
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ... فرأيت أكرمهم بني الديَّان
البر يُلْبَك بالشهاد طعامهم ... لا ما يعللنا بنو جدعان
فبلغ ذلك عبد الله بن جدعان، فوجه إلى اليمن من جاءه بمن يعمل الفالوذج بالعسل، فكان أول من أدخله بمكة، وجعل مناديا ينادي كل ليلة بمكة على ظهر الكعبة: أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان. فقال أمية بن أبي الصلت:
له داعٍ بمكة مشمعل ... وآخر فوق كعبتها ينادي٤
إلى ردحٍ من الشيزي ملاءٍ ... لُباب البر يلبك بالشهاد٥
стр. 2073
ويذكر أهل الأخبار أن "أمية" كان قد أتى "بني الديان" فدخل على "عبد المدان بن الديان" من بني الحارث بن كعب بنجران، فإذا به على سريره وكأن وجهه قمر، وبنوه حوله، فدعا بالطعام، فأُتي بالفالوذج، فأكل طعامًا عجيبًا ثم انصرف فقال في ذلك الشعر المذكور، فلما بلغ شعره "ابن جدعان", أرسل ألفي بعير إلى الشام تحمل إليه البُرَّ والشهد والسمن، وجعل له مناديين يناديان: أحدهما بأسفل مكة والآخر بأعلاها، وكان أحدهما سفيان بن عبد الأسود، والآخر أبا قحافة، وكان أحدهما ينادي: ألا من أراد اللحم والشحم، فليأتِ دار ابن جدعان، وينادي الآخر: إن من أراد الفالوذج فليأتِ إلى دار ابن جدعان. وهو أول من أطعم الفالوذج بمكة١.
وذكر "الجاحظ" أن من أشرف ما عرفه أهل مكة من الطعام، هو "الفالوذ", ولم يطعم الناس منهم ذلك الطعام، إلا عبد الله بن جدعان٢.
ولبعض أهل الأخبار رواية أخرى في كيفية وقوف "ابن جدعان" على الفالوذ "الفالوذج" وإدخاله إلى مكة، وترجع هذه الرواية إلى الفرس، فيقول: وفد "ابن جدعان" على كسرى، فأكل عنده الفالوذ، فسأل عنه فقيل له: هذا الفالوذ، قال: وما الفالوذ؟ قالوا: لُباب البُرِّ يُلْبَكُ مع عسل النحل؛ فأعجبه، فابتاع غلامًا يعرف صنعه، ثم قدم به مكة معه، ثم أمره فصنع له الفالوذ بمكة، فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر، فحضر الناس. فكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت٣.
وذكر أنه كان يضع "الحَيْس" على أنطاع على الأرض ليأكل منها القاعد والراكب, والحيس: الأَقِطُ يخلط بالتمر والسمن. وقد يُجعل عوض الأقِط الدقيقُ والفتيت. وقيل: الحيس: التمر والأقط يُدقان ويعجنان بالسمن عجنا شديدا حتى يندر النوى منه نواةً نواةً، ثم يسوى كالثريد. وهو الوَطْبة أيضا، ألا أن الحيس ريما جعل فيه السويق، وإما الوطبة فلا٤.
стр. 2074
ويروي أهل الأخبار أن أهل مكة كانوا يفدون على مائدة "ابن جدعان", وأن رسول الله كان فيمن حضر طعامه١.
ورُوِيَ أن الرسول لما أمر بأن يستطلع خبر القتلى من قريش يوم بدر، وأن تلتمس جثة "أبي جهل" في القتلى، قال لهم: " انظروا إن خفي عليكم في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يومًا أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلامان، وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه، فخدشت ساقه وانهشمت ركبته، فأثرها باقٍ في ركبته ", فوجدوه كذلك٢.
ويذكر أهل الأخبار أن "عبد الله بن جدعان" كان قد مثل قومه "بني تيم" في الوقت الذي أرسلته قريش إلى "سيف بن ذي يزن"، واسمه "النعمان بن قيس"؛ لتهنئته بظفره بالحبشة، وإخراجهم من وطنه. وكان هذا الوفد في وفود من العرب جاءته لتهنئته، وفيها شعراء وأشراف وسادات قبائل. وقد كان في وفد قريش: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وخويلد بن أسد، ووهب بن عبد مناف. وقد قدمت تلك الوفود إلى صنعاء، ودخلت قصره: قصر غُمدان٣.
ويروى أن عبد الله بن جدعان كان عقيمًا، لم يولد له ولد٤, فتبنى رجلًا سماه "زهيرًا" وكناه "أبا مليكة"، فولده كلهم ينسبون إلى "أبي مليكة", وفقد "أبو مليكة" فلم يرجع٥.
وكانت له بئر بمكة تسمى "الثريا", وقد ذكر أن "بني تيم" حفروها٦.
стр. 2075
وذكر أن دار عبد الله بن جدعان كانت في "ربع بني تيم"، وكانت شارعة على الوادي.١ وكانت دارا فخمة، وبقيت مشهورة معروفة بمكة حتى بعد وفاته.
وبهذه الدار عقد "حلف الفضول"؛ وذلك لشرفه ومكانته بين أهل مكة إذ ذاك, ولثرائه الضخم دخل كبير في ذلك، ولا شك. وقد صنع للمدعوين طعاما كثيرا قدمه إليهم، ثم عقد الحلف. وكان الرسول ممن شهده، وهو ابن عشرين أو خمس وعشرين, وكان يتذكره ويقول: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أُحب أن لي به حمر النعم, ولو دعي به في الإسلام لأجبت "٢, أو " أما لو دعيت في الإسلام لأجبت، وأحب أن لي به حمر النعم، وإني نقصتُه وما يزيده الإسلام إلا شدة "٣.
وقد تكون حلف الفضول من هاشم، و"المطلب"، و"أسد"، و"زهرة"، و"تيم"، وربما من "بني الحارث بن فهر" أيضًا, وهم الذين كونوا حلف المطيبين. ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن حلف الفضول, هو استمرار للحلف المذكور, إذ تألف من الأسر التي كانت ألفت ذلك الحلف ما خلا "بني عبد شمس" و"بني نوفل". وكان قد وقع نزاع بين "نوفل" و"عبد المطلب بن هاشم"، فعلَّه كان السبب في عدم انضمام "نوفل" إلى هذا الحلف، وقد تعاون "نوفل"، و"عبد شمس"، ووجدا في استطاعتهما التعاون بينهما من غير حاجة إلى الدخول في حلف الفضول؛ ولهذا لم يكن حلف الفضول في نظر هؤلاء، غير حلف من أحلاف الأسر، ولم يكن على رأيهم لنصرة الضعيف وإنصاف المظلوم، على نحو ما جاء في روايات أهل الأخبار.٤
стр. 2076
وروي أنه لمكانة "عبد الله" التي بلغها عند قومه وعند العرب، كانت العرب إذا قدمت عكاظًا دفعت أسلحتها إليه حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا.
وكان يحافظ على الأمانات محافظة شديدة، فلما جاءه "حرب بن أمية" صديقه، وهو من وجهاء مكة وأثريائها كذلك، قائلًا له: أحتبس قِبَلَكَ سلاحَ هوازن وذلك يوم نخلة من أيام الفجار الثاني، أجابه ابن جدعان: أبالغدر تأمرني، يا حرب؟ والله لو أعلم أنه لم يبقَ منها سيف إلا ضُربت به، ولا رمح إلا طعنت به، ما أمسكت منها شيئًا. ثم أبى إلا تسليم السلاح إليهم١.
وقد أسهم "ابن جدعان" في أيام الفجار، وكان على "بني تيم"٢, وأمد قومه بالسلاح والمال, فأعطى مائة رجل سلاحا تاما كاملا وذلك "يوم شمطة", غير ما ألبس من بني قومه والأحابيش٣, وحمل مائة رجل على مائة بعير، وقيل: ألف رجل على ألف بعير، وذلك يوم "يوم شرب"٤, أو يوم عكاظ٥, وله أخ اسمه "كلدة بن جدعان" قتل في الفجار٦.
وكان "ابن جدعان" يشرب الخمر على عادة الجاهليين في شربها، بقي يشربها حتى كبر فعافها، ودخل فيمن عاف الخمر على كِبَره من سادات قريش وأشرافها. وكان من عادتهم إذا كبروا ولعب بهم العمر، حرموا شرب الخمر على أنفسهم، "ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية إلا ترك الخمر استحياءً مما فيها من الدنس. ولقد عابها ابن جدعان قبل موته"٧.
ويروون في سبب تركه لها قصتين: قصة تقول: إنه عافها؛ لأنه سكر مرة
стр. 2077
ففقد رشده فاعتدى على أمية بأن لطم عينه، فندم على ما فعل حين سمع بالخبر، وقال: "وبَلَغَ مني الشراب ما أبلغ معه من جليس هذا المبلغ؟ فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليَّ حرام، ألا لا أذوقها أبدًا", ثم قال شعرًا في ذم الخمر وفي وصف حاله إذ ذاك١.
ومن الرقيق الذي كان في ملك "ابن جدعان" واكتسب شهرة في الإسلام "صهيب الرومي". بِيعَ في سوق النخاسة، ثم وضع في شراء "ابن جدعان"، وبقي في ملكه إلى أن هلك سيده، ويقال: إنه أعتقه وهو في حياته, وإنه لازمه حتى مماته٢.
وقد كان "ابن جدعان" يلتزم من يستجير به، ويحمي من يأوي إليه. وكان "الحارث بن ظالم" قاتل "خالد بن جعفر بن كلاب" وهو في جوار ملك الحيرة, في جملة من لجأ إلى "ابن جدعان" حين طلبه ملك الحيرة، وبقي في جواره وبمكة حتى أتاه ملك الحيرة. ويقال: إن "الحارث بن ظالم" قدم على عبد الله بن جدعان بعكاظ، وهم يريدون حرب قيس، فلذلك نكس رمحه، ثم رفعه حين عرفوه وأمن. وكانو إذا خافوا فوردوا على من يستجيرون به، أو جاءوا لصلح، نكسوا رماحهم, ويوم عكاظ من أيام الفجار٣.
ورجل ثري وجيه له مكانة ومنزلة عند بني قومه، لا بد أن يصير مرجعًا للناس، يرجعون إليه في المنازعات والخصومات، ليحكم بينهم بما لديه من رجاحة عقل وسلطان؛ لذلك كان في جملة حكام العرب الذين تُحُوكِمَ إليهم٤.
ولأمية بن أبي الصلت شعر في مدح "عبد الله بن جدعان"، نجده في ديوان أمية وفي كتب الأدب. وقد كان من المقربين عند "أبي زهير"٥, ومن المكرمين له بسخاء، وكان يعطيه دائمًا. ونجد لأمية شعرًا يطلب فيه من
стр. 2078
"ابن جدعان" إعطاءه مالًا١.
وكان هلاك "ابن جدعان" قبل سنوات من المبعث٢, وذكر "البلاذري" أن هلاكه كان قبل المبعث ببضع عشرة سنة٣, ولما مات دفن بمكة٤. وذكر في رواية أخرى أنه دفن بموضع "برك الغماد"، وراء مكة بخمس ليالٍ بينها وبين اليمن مما يلي البحر أو بين حلى وذهبان.
وفيه يقول الشاعر:
سقى الأمطار قبر أبي زهير ... إلى سقف إلى برك الغماد ٥
ومن رجال مكة الأغنياء "الأسود بن المطلب" المعروف بـ"أبي زمعة", و"زمعة" ابنه، قُتل يوم "بدر" في جملة من قُتل من رجال قريش, وكان يقال له: "زاد الركب"٦. وقد عرف ولده الأسود بـ"زاد الركب" كذلك٧. وكان الأسود ممن أدرك أيام الرسول وعارضه, وعده "ابن حبيب" في جملة المستهزئين من قريش بالرسول، وممن مات كافرا بعد أن أصابه العمر٨.
وكان "الأسود" نديمًا للأسود بن عبد يغوث الزهري, وكانا من أعز قريش في الجاهلية، وكانا يطوفان بالبيت متقلدين بسيفين سيفين, وكانا من المستهزئين بالرسول٩. وذكر أن "الأسود بن عبد يغوث" كان إذا رأى المسلمين، قال لأصحابه: "قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر. ويقول للنبي ﷺ : أما كلمت اليوم من السماء، يا محمد؟
стр. 2079
وما أشبه هذا القول". مات حين هاجر النبي, ودفن بالحجون١.
وكان "زمعة بن الأسود" تاجرًا، متجره إلى الشام. وعرف بالدقة في العمل وفي وضع خطط سفره وتجارته, "فكان إذا خرج من عند أبيه في سفر، قال: أسير كذا وكذا، وآتي البلد يوم كذا وكذا، ثم أخرج يوم كذا وكذا، فلا يخرم مما يقول شيئًا"٢.
ومن سادات قريش: "يزيد بن زمعة بن الأسود", وكانت إليه المشورة. وذلك أن رؤساء قريش لم يكونوا مجتمعين على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافقه ولاَّهم عليه، وإلا تخير، وكانوا له أعوانا. وقد أسلم، واستشهد مع الرسول بالطائف٣.
ويعد حرب بن أمية من وجهاء مكة وسيدًا من سادات كنانة، وكان أمر كنانة كلها إليه يوم شمطة٤. واشترك يوم عكاظ، وقيد نفسه ومعه سفيان وأبو سفيان بن أمية بن عبد شمس؛ وذلك كي يثبتوا في أماكنهم ويتقوى بذلك قومهم, فيثبتوا في القتال٥. وكان من أثرياء مكة المعروفين.
ومن سادات مكة: "هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم" وكان له ولبنيه صيت بمكة وذكر عالٍ٦. وذكر أنه كان سيد قريش في دهره، ولما مات صار يوم موته من أيام مكة المشهورة حتى إنهم أرخوا بموته٧, ونادى منادي مكة في أمثال هذه المناسبات: "اشهدوا جنازة ربكم", وكان سيدًا مطاعًا٨. وظل يوم وفاة "هشام" يومًا يؤرخ به سبع سنين إلى أن
стр. 2080
كانت السنة التي بنوا فيها الكعبة، فأرخوا بها١. وهو من الرجال الذين نعتوا بين قومهم بـ"زاد الركب"؛ لأنه كان يُقري المسافرين الذين يسافرون معه٢.
ومن أبناء "هشام بن المغيرة" المذكور "أبو جهل" و"الحارث بن هشام". أما "الحارث بن هشام" فقد عرف بالكرم والجود. ذكر أن داره كانت مفتوحة للضيوف يدخلون, وإذا جفانٍ مملوءة خبزًا ولحمًا, وهو جالس على سرير يحث الناس على الأكل. ويروى أن "أبا ذر" قدم مكة معتمرًا، فقال: "أما من مضيف؟ " قالوا: "بلى كثير, وأقربهم منزلًا الحارث بن هشام". فأتى بابه، فقال: "أما من قِرًى؟ " فقالت له جارية: "بلى". فأخرجت إليه زبيبًا في يدها. فقال: "ولِمَ لَمْ تجعليه في طبق؟ " فعُلم أنه ضيف, وقالت: "ادخل" فدخل, فإذا بالحارث على كرسي وبين يديه جفانٍ فيها خبز ولحم, وأنطاع عليها زبيب. فقال: "أصب" فأكل, ثم قال: "هذا لك". فأقام ثلاثًا ثم رجع إلى المدينة، فأخبر النبي خبره، فقال: "إنه لسري ابن سري, وددت أنه أسلم"٣. وكان نديمًا لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد٤.
وأما "أبو الحكم: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن مُرَّة"، فكان من رجال "بني مخزوم" المعدودين ومن المعادين للإسلام، بل كان على رأس أشد الناس عداوةً للرسول، وقد كناه الرسول بـ"أبي جهل" لأنه كان يكنى قبل ذلك بـ"أبي الحكم" فاشتهر بهذه الكنية، حتى لم يعد يعرف إلا بها في الإسلام٥. وكان من المقتسمين، وهم سبعة عشر رجلًا من قريش اقتسموا عقاب مكة, فكانوا إذا حضروا الموسم يصدون الناس عن رسول الله, وفيهم نزلت: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ٦.
стр. 2081
وكان من المطعمين لحرب يوم بدر, نحر عشرًا١. وكان نديمًا للحكم بن أبي العاص بن أمية, و"الحكم" هذا هو الطريد٢.
وأخبر "ابن الكلبي" أن أخوين من "بني سليم"، دخلا مكة معتمرين, فما وجدا بها شراء ولا قرى، فبينا هما كذلك إذ رأيا قوما بمضون، فسألا: "أين هؤلاء القوم؟ " فقيل لهما: يريدان الطعام. فمضيا في جملتهم حتى أتوا دارًا فولجوها، فإذا رجل آدم، أحول، على سرير وعليه حلة سوداء, وإذا جفانٍ مملوءة خبزا ولحما. فقعدوا فأكلوا, فشبع أحد الأخوين وقال لأخيه: "كم تأكل؟ أما شبعت؟ ". فقال الجالس على السرير: "كُلْ, فإنما جعل الطعام ليؤكل". فلما فرغوا, خرجوا من باب الدار غير الذي دخلوا منه, فإذا هم بإبل موقوفة، فقالوا: "ما هذه الإبل؟ " قيل: للطعام الذي رأيتم. وكان الرجل الجالس على السرير صاحب الطعام, فإذا به أبو جهل بن هشام٣.
ويظهر أنه كان قاسيًا قسا حتى على النساء، فعذب عددًا منهن بنفسه عذابًا أليمًا. عذب "زنيرة"، وكانت لبني مخزوم حتى عميت، وعذب غيرها حتى هلكت، وممن هلكن "سمية" أم عمار بن ياسر٤. وكان يأتي من يسلم، فيكلمه ليفتنه عن دينه: يأتي الرجل الشريف، ويقول له: أتترك دينك ودين أبيك، وهو خير منك؟ ويقبح رأيه وفعله, ويسفه حلمه. وإن كان تاجرًا يقول له: ستكسد تجارتك، ويهلك مالك. وإن كان ضعيفًا, أوصى بمن يعذبه حتى يترك دينه. جاء مرة دار أبي بكر، فلما لم يجده لطم خد أسماء ابنته لطمة طرح قرطها. وكان فاحشًا بذيئًا٥.
ويذكر أهل الأخبار أنه كان لا يبالي في أكل حقوق الغرباء القادمين إلى
стр. 2082
مكة، فماطل مرة في أثمان إبل اشتراها من رجل من "أراش"، وماطل مرة أخرى في إبل أخذها من رجل من "زبيد"، ولم يدفع أثمانها ولم يعوض عنها إلا بالتجاء الرجلين إلى النبي، فأخذ حقهما منه، وانتصف منه. ويظهر أن "أبا جهل" وإن كان قاسيًا بغيضًا للرسول مؤذيًا له، غير أنه كان يخشاه إذا رآه ووقف أمامه، وأما إيذاؤه له, فكان بانتهاز غفلة يعتدي فيها على الرسول, أو بتحريض غيره للتحرش به١.
وعرف "عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية" بالجود، وذكر أنه كان معرقًا به. كان جوادًا ابن جواد ابن جواد ابن جواد٢.
وكان الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، من أشراف مكة وسادتها, وقد عرف بين قومه بـ"العدل". وذكر أنه إنما عرف بذلك؛ لأنه كان يعدل قريشًا كلها، فكانت قريش تكسو الكعبة جميعها، ويكسوها الوليد وحده، وذلك لثرائه وغناه. قيل: إنه كان له مال وزرع بالطائف، وكان يملك حديقة بها غرس فيها الأشجار والفواكه٣, وقد كان لذلك متعاليًا متغطرسًا. فلما أظهر الرسول الإسلام، كان مثل بقية سراة مكة وأغنيائها من المعادين له؛ لأنه أنف أن يتبع رجلًا هو دونه في المال والاسم والثراء, فكافح الإسلام, واستهزأ بالرسول وبالإسلام، وكان أحد "المستهزئين" الذين نزلت بحقهم آيات تعنفهم وتوبخهم وتصفهم بالكفر وبالغرور والاستكبار، وأنه كان يرى أن من الذلة الخضوع للرسول؛ لأنه دونه مالًا ونفرًا٤.
وقد كان "الوليد" من الحكام الذين تُحُوكِمَ إليهم, وإليه تحاكم بنو عبد مناف في موضوع قتل "خداش" إنسانًا منهم٥. وقد عرف بـ"ابن صخرة" نسبة إلى أمه٦, وذكر أنه كان في جملة من حرَّم في الجاهلية الخمر على نفسه
стр. 2083
وضرب فيها ابنه هشامًا على شربها١. وقد عده "ابن حبيب" في جملة زنادقة قريش، وذكر أنه وجماعته تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة٢، ولم يفسر قصده من الزندقة.
ويذكرون أن "الوليد" كان أسنَّ قريش يوم حكم في قضية "خداش"، وحكم فيها بـ"القَسامة"، فكان بذلك أول من سن "القسامة" في قريش٣.
ومات الوليد بعد الهجرة بثلاثة أشهر أو نحوها، ودفن بالحجون٤. وذكر "محمد بن حبيب" أن "أبا أحيحة" كان نديمًا للوليد بن المغيرة, على عادة القوم في اتخاذ الندماء٥.
وأبو "أحيحة" هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، المعروف بـ"ذي العمامة"؛ لأنه كان لا يعتم أحد بمكة بلون عمامته إعظامًا له٦, كما عرف بـ"ذي التاج" وذلك للسبب نفسه٧, وقد ذكره "أبو قبيس بن الأسلت" في شعر ينسب إليه٨. وكان مثل أكثر رجال تاجرًا, قدم مرة الشام في تجارة، فحبسه "عمرو بن جَفْنَةَ"؛ حبسه مع هشام بن سعد العامري، وبقي في محبسه حتى جاء بنو عبد شمس، فافتدوه بمال كثير٩.
وكان أبو أحيحة ممن أخذتهم العزة من أشراف مكة، فلم يقبلوا الدخول في الإسلام, وممن أظهر عداوته للرسول، خاصة بعد تحريض النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة له على معاداته. وقد كان مثل سائر أشراف مكة يرى أن الأمر العظيم يجب أن يكون في العظماء, وهو من العصبة التي أشير إليها في هذه
стр. 2084
الآية: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ, أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ١.
وقد مات أبو أحيحة بماله في الطائف في السنة الأولى، أو في السنة الثانية من الهجرة, مات كافرًا وقد بني له قبر مشرف. وقد رأى أبو بكر قبره فسبه، فسب ابناه أبا قحافة، فنهى النبي عن سب الأموات؛ لما يثير ذلك من عداوة بين الأحياء، ولما فيه من إهانة للأموات٢.
وقد ساهم "أبو أحيحة" بثلاثين ألف دينار في رأس مال القافلة التي تولى قيادتها أبو سفيان. ومبلغ مثل هذا ليس بشيء قليل بالنسبة إلى الوضع المالي في تلك الأيام.
ومن سادة قريش: الأسود بن عامر بن السبَّاق بن عبد الدار بن قصي٣.
ومن رجال بني فِهر: ضِرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب. وكان فارس قريش في الجاهلية، وأدرك الإسلام. وكان شاعرًا فارسيًّا, وقد أخذ مرباع بني فهر في الجاهلية٤.
ومن رجال بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبد ود بن أبي قيس، كان فارس قريش في الجاهلية، بل فارس كِنانة, قتله علي بن أبي طالب٥. ومن "بني عبد ود" سهيل بن عمرو، وكان من رجال قريش في الجاهلية، ثم أسلم، وهو الذي بعثته قريش يحكم الهدنة بينهم وبين النبي, يوم الحديبية٦.
ومن سادات قريش: قيس بن عدي بن سعد بن سهم. وقد ضرب به المثل في العز حتى قيل: "كأنه في العز قيس بن عدي", وكان يأتي الخمار وبيده مقرعة، فيعرض عليه خمره، فإن كانت جيدة، وإلا قال له: "أجد
стр. 2085
خمرك، ثم يقرع رأسه وينصرف"١. وذكر أنه كانت له قينتان يجتمع إليهما فتيان قريش: أبو لهب وأشباهه، وهو الذي أمرهم بسرقة الغزال من الكعبة، ففعلوا فقسمه على قيانه، وكان غزالًا من ذهب مدفونًا، فقطعت قريش رجالًا ممن سرقه، وأرادوا قطع يد أبي لهب، فحمته أخواله من خزاعه٢. وذكر أن "مقيس بن عبد قيس بن قيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم"، هو صاحب قصة الغزال٣.
وكان "الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم"، أحد المستهزئين المؤذين لرسول الله، وهو "ابن الغيطلة". وهو الذي نزلت فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ، وكان يأخذ حجرًا، فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الأحسن. وكان دهريا يقول: "لقد غر محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث"٤.
وممن اشتهر من بني عبد شمس: "عتبة بن ربيعة بن عبد شمس"٥، وكان نديمًا لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف٦.
أما أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن مناف، ويكنى أيضًا بأبي حنظلة، فكان مثل سائر رجال مكة تاجرًا صاحب أسفار، ثريًّا، جمع مالًا من تجارته. وكان صاحب "عير قريش"، فهو المؤتمن عليها وهو قائدها، وهو رجل جد خبير بالطرق والمسالك. وقد نجح في كل أسفاره، وأوصل تجارة مكة إلى أماكنها سالمة مضمونة، فلم يتمكن المسلمون من مفاجأته وأخذه مع أموال قريش وتجارتهم العظيمة التي تحت قيادته، حينما كان قافلًا من
стр. 2086
بلاد الشام يريد مكة، إذ أحس بالخطر، فغير طريقه وسلك طريق الساحل, وأفلت مع قافلته ورجالها، وعدتهم سبعون، ووصل إلى مكة سالمًا، فنشبت على أثر ذلك معركة بدر١.
وكانت قيادة قريش في الحرب إلى أبي سفيان أيضًا، ورثها من أبيه٢. ورجل له فضل قيادة عير قريش، وقيادة مكة في الحرب، لا بد أن يكون في مقدمة سادات مكة وعلى رأس طبقتها المحافظة ذات العنجهية، التي ترى أن لها حق الرئاسة والزعامة والكلمة والرأي.
وليس لأحد مكانة إلا إذا كان ذا مال وجاه وحَسَب، وعلى الباقين طاعة السادة، ومراعاة سنن الآباء والأجداد، والإخلاص لعبادة الآباء والأجداد، والدفاع عن آلهة الكعبة التي كانت السبب في إعطاء قريش منزلة خاصة عند العرب.
وكان -فضلًا عن هذا وذاك- رجلًا صاحب لسان، ينظم الشعر ويجيد الهجاء, ويحسن النزول إلى أسوأ مستوًى يصل إليه السوقي والحوشة من الإقذاع في الكلام وإلحاق الأذى بالناس. وقد أظهر قابلياته في ذلك في عناده ضد الإسلام, وفي إيذائه الرسول وفي إلحاقه الأذى بالمسلمين, وقد هيأ كل ما عنده من مواهب وكفايات وقدرات مالية لمقاومة الإسلام ولمحاربة الرسول وللقضاء على الدعوة التي جاءت مقوضة لديانة الآباء والأجداد من عبادة الأصنام، ومن المحافظة على العرف، ومن تحطيم الزعامة، والخضوع لحكم الفقراء والرقيق. وفي القرآن الكريم آيات نزلت في حقه، وقد كان من المحرضين العاملين في معركة أحد٣. ويذكر أنه ذهب إلى الشام واتصل بـ"هرقل" وأخذ يحرضه على الرسول, ولكن الروم لم يبالوا بتحريضه, فعاد إلى مكة٤.
стр. 2087
ويُعد "عبد العزى بن عبد المطلب" من هذا الرعيل من وجهاء مكة الذين حاربوا الرسول، ونصبوا له العداوة. كان موسرًا جمع مالًا طائلًا، كما يفهم ذلك من "سورة المسد": ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ . وكان من التجار، له تجارة مع بلاد الشام١, وكان من هؤلاء الذين أبوا التنكر لدين آبائهم وأجدادهم وإطاعة رجل فقير، وهم أكثر منه مالًا وأكبر سنًّا. رُوي أن رسول الله كان بسوق ذي المجاز يقول: "أيها الناس, قولوا: لا إله إلا الله, تفلحوا" وإذا برجل يأتي من خلفه ويرميه بحجارة أدمت ساقيه وعرقوبيه، وهو يقول للناس: إنه كذاب لا تصدقوه٢.
ويعد "أبو لهب" وهو "عبد العزى" ويكنى أيضا بـ"أبي عتبة"، من هذه الطبقة الوجيهة المعروفة من قريش. وهو عم الرسول٣, وكان مع ذلك من الذين حملوا حقدًا شديدًا عليه. وكانت زوجته تحرضه على معاداته وإيذائه، وفي حقهما نزلت سورة "تبت", وهي السورة الحادية عشرة من السور التي نزلت بمكة على رأي أكثر العلماء.
وكان بيته في جوار بيت رسول الله, فذكر أن رسول الله قال: "كنت بين شر جارين: بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط, إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها في بابي". وكان النبي يقول: "يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ " ثم يميطه عن بابه٤.
ويذكر أهل الأخبار أن هنالك عشرة أبطن من بطون قريش انتهت إليها الشرف في الجاهلية، ووصل في الإسلام، وهم: أمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم٥.
стр. 2088
كسب مكة:
ومكة كما ذكرت بلد في وادٍ غير ذي زرع؛ لذلك كان عماد حياة أهلها التجارة, والأموال التي تجبى من القوافل القادمة من الشام إلى اليمن والصاعدة من اليمن إلى الشام، وما ينفقه الحجيج القادمون في المواسم المقدسة؛ للتقرب إلى الأصنام, وهناك مورد آخر درَّ على أثرياء هذه المدينة المقدسة ربحًا كبيرًا، هو الربا الذي كانوا يتقاضونه من إيداع أموالهم إلى المحتاجين إليها, من تجار ورجال قبائل.
ولقد استفادت مكة كثيرًا من التدهور السياسي الذي حل باليمن، ومن تقلص سلطان التبابعة، وظهور ملوك وأمراء متنافسين، إذ أبعد هذا الوضع خطر الحكومات اليمانية الكبيرة عنها، وكانت تطمع فيها وفي الحجاز؛ لأن الحجاز قنطرة بين بلاد الشام واليمن، ومن يستولي عليه يتصل ببلاد الشام وبموانئ البحر الأبيض المهمة. وأعطى تدهور الأوضاع في العربية الجنوبية أهل مكة فرصة ثمينة عرفوا الاستفادة منها, فصاروا الواسطة في نقل التجارة من العربية الجنوبية إلى بلاد الشام، وبالعكس، وسعى تجار مكة جهد إمكانهم لاتخاذ موقف حياد تجاه الروم والفرس والحبش، فلم يتحزبوا لأحد، ولم يتحاملوا على طرف، وقوَّوْا مركزهم بعقد أحلاف بينهم وبين سادات القبائل، وتوددوا إليهم بتقديم الألطاف والمال إليهم؛ ليشتروا بذلك قلوبهم. وقد نجحوا في ذلك، واستفادوا من هذه السياسة كثيرًا.
وفي القرآن إشارة إلى تجارة مكة، وإلى نشاط أهلها ومتاجرتهم مع الشام واليمن: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ١. قال المفسرون: إن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن، أما رحلة الصيف فكانت إلى بلاد الشام، وإنهم كانوا يجمعون ثروة طائلة من الرحلتين تدرُّ على قريش خيرًا كثيرًا، وتعوضهم عن فقر بلادهم.
ويظهر أن أهل هذه المدينة كانوا يسهمون جميعًا في الاتجار, فيقدم المكي
стр. 2089
المتمكن كل ما يتمكن تقديمه من مال ليستغله ويأتيه برزق يعيش عليه؛ ولذلك يعد رجوع القافلة آمنة مطمئنة بُشرى وسرورًا للجميع.
وقد أدى نشاط بعض أسر مكة في التجارة إلى حصولها على ثروات كبيرة طائلة، وقد أسهم رجل واحد من أهل هذه المدينة هو "أبو أحيحة", بثلاثين ألف دينار في رأس مال القافلة التي تولى قيادتها أبو سفيان. ومبلغ مثل هذا ليس بشيء قليل بالقياس إلى الوضع المالي في تلك الأيام, كذلك كان "عبد الله بن جدعان" و"الوليد بن المغيرة المخزومي" من أثرياء مكة، وقد اشتهر بنو مخزوم بالثروة والمال.
وكانت لأسر مكة تجارات خاصة مع العراق وبلاد الشام واليمن ومواضع من جزيرة العرب, تجارات لا علاقة لها برحلتي الشتاء والصيف، وكان لبعضها تجارة مع الأنبار والحيرة في العراق، وكان لبعض آخر تجارة مع "بصرى" و"غزة" وأذرعات في بلاد الشام, وكان لآخرين تجارة مع بلاد اليمن, وكان للأسر الغنية الثرية اتصال تجاري مع كل هذه المواضع, وتعاملت مع كل الأماكن المذكورة، ولها وكلاء يبيعون لها ويشترون, كما كانت هي تتوكل لتجار العراق وبلاد الشام واليمن، وتجني من هذا التعامل أرباحًا طيبة.
وقد تحدثت عن النزاع الذي كان قد نشب بين أهل مكة و"أبرهة"، وهو نزاع ذو طبيعة سياسية في الأغلب، وإن جعله أهل الأخبار ذا طبيعة دينية. والأغلب أن الروم حثوا أبرهة على السير إلى مكة والاتجاه منها نحو الشمال، للاتصال ببلاد الشام، والاستيلاء بذلك على العربية الغربية، وبذلك يكون لهم سلطان على القسم الغربي من جزيرة العرب، فيأمنون على مصالحهم الداخلية وينزلون بذلك ضربة كبيرة بأعدائهم الساسانيين, وبمن كان يساعدهم من سادات قبائل١. ولكن أخفق التدبير، ورجع "أبرهة" خائبًا لم يحقق شيئًا.
وأدى استيلاء الفرس على اليمن إلى حدوث تطور في علاقات أهل مكة بالفرس وبالروم. وقد أخذ الفرس يتدخلون في تجارة العربية الجنوبية، فصاروا يرسلون ببضائع من أسواق العراق إلى اليمن، ويأخذون في مقابلها بضائع من أسواق
стр. 2090
إفريقيا والعربية الجنوبية، كما أخذ ملوك الحيرة يرسلون بـ"لطائمهم" إلى اليمن للبيع والشراء.
وقد أثر هذا الوضع في تجارة أهل مكة أثرًا كبيرًا، إذ انتزع الفرس وملوك الحيرة من أيديهم قسطًا من أرباحهم، وربما لا يبعد أن يكون الهجوم الذي وقع على "لطيمة" "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، بتشجيع من أهل مكة، ذلك الهجوم الذي عرف بـ"الفجار"؛ وذلك للإضرار بالفرس وبملوك الحيرة, ولتخويف القوافل التي صارت تسلك طريق "الطائف"، ثم منها إلى مواضع في البادية إلى الحيرة متجنبة طريق مكة١.
وكانت "الشعيبة" ميناء مكة، إليها ترد السفن قبل جُدَّة، ثم أخذت جدة موضعها في أيام الخليفة عثمان بن عفان٢.
وقد قصدت ميناء "الشعيبة" سفن الروم وسفن الحبش، إذ كانت السفن القادمة من إفريقيا، لبيع تجارتها لأهل مكة، ترسو في هذا الميناء.
ويظهر من كتب أهل الأخبار أن تجار مكة لم يكونوا يملكون سفنًا خاصة بهم لنقل تجارتهم إلى موانئ إفريقيا، أو لنقل ما يشترونه من الموانئ الإفريقية لتصريفه في أسواق العراق أو أسواق بلاد الشام، فنحن لا نكاد نجد في هذه الكتب شيئًا يفيد أن أهل مكة كانوا يملكون سفنًا يسيرها بحارة منهم. بل نجد أنهم كانوا يركبون سفنًا حبشية عند ذهابهم إلى الحبشة، وهي سفن لم تكن شيئًا بالقياس إلى سفن الروم في ذلك العهد.
ولمركز مكة ونشاطها في التجارة، توافد عليها أيضًا تجار من الخارج من بلاد الشام ومن العراق ومن بلاد الروم والفرس وغيرهم. ساكنوا المكيين، وتحالفوا مع أثريائهم، ومنهم من أقام فيها في مقابل دفع جزية لحمايته ولحفظ أمواله وتجارته. وكان تجار بلاد الشام خاصة يجلبون القمح والزيوت والخمور الجيدة إلى تجار مكة, وقد اتخذوا مستودعات فيها لخزن بضاعتهم هذه ولتصريفها.
стр. 2091
ولا يستبعد "أوليري" أن يكون من بين تجار الروم في مكة من كان عينًا للبيزنطيين على العرب، يتجسس لهم، ويتسقط أخبارهم، ويكتب لهم عن صلاتهم بالفرس، وعن أنباء الفرس في جزيرة العرب واتصالهم بالقبائل, لشدة حاجة الروم إلى تلك الأخبار، لإفساد خطط الفرس وإبعادهم عن بلاد العرب وعن البحار، والعالم يومئذ معسكران متخاصمان: معسكر للروم، ومعسكر للفرس١.
وقوم هم أصحاب تجارة واتصال بالعالم الخارجي بحكم اتجارهم معه، وذهابهم إليه، لا بد أن يكون لهم اهتمام بما كان يجري ويقع في السياسة الدولية. وكان لهم علم بما يحدث بين الفرس والروم، وبين الحبش وأهل اليمن؛ لأن لما يحدث علاقة كبيرة بتجارتهم وبالأسواق التي كانوا يخرجون إليها للبيع والشراء.
ونجد في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك, فلما وقعت الحرب بين الفرس والروم، هذه الحرب التي استولى فيها الفرس على القدس، وعلى "الصليب" المقدس عند النصارى، كان اهتمام مكة بها كبيرًا, وانقسم أهل مكة فريقين: مؤيد للروم، ومؤيد للفرس، مما يدل على وقوف أهل مكة على ما كان يقع في الخارج، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة "الروم".
وقد كان المكيون يهتمون اهتمامًا خاصًّا بما كان يقع في بلاد الشام وفي اليمن من أحداث، إذ كانت تجارتهم مرتبطة بهذه البلاد بالدرجة الأولى، فما يقع فيها يؤثر تأثيرًا مباشرًا في تجارتهم، ولذلك حاولوا جهد إمكانهم إنشاء صلات حسنة مع الحاكم على بلاد الشام والحاكم على اليمن, كما كان من مصلحة الروم مصالحة حكام العربية الغربية وترضيتهم؛ ليأمنوا بذلك على سلامة تجارتهم في البحر الأحمر، وعلى وصول بضائع إفريقيا والبلاد العربية الجنوبية والهند إليهم عند تعسف الفرس بالتجارة البرية التي كانت تأتي من الهند ومن الصين لتباع في بلاد الروم، وعند نشوب الحرب، وهي متوالية كثيرة فيما بينهما، فتنقطع التجارة عندئذ بينهما، وترتفع الأسعار. أما التجارة عن طريق العربية الغربية، فلم تكن تصاب بأذى الحروب وبالنزاع بين الفرس والروم؛ لأنها كانت بعيدة عن ساحة الحروب، وهي في مأمن من الغارات.
стр. 2092
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن سادات مكة والمواضع الأخرى من الحجاز كانوا يتوددون إلى الروم وإلى حكام اليمن ليمكِّنوهم من التحكم في شئون مواطنيهم وللسيادة عليهم, وقد روى "ابن قتيبة" أن قصيًّا" استعان بـ"قيصر" في نزاعه مع خزاعة١. وقد تكون مساعدة قيصر له، بإشارته على الغساسنة حلفاء الروم لتقديم العون إليه، ويجوز أن يكون "بنو عذرة" وهم من العرب النصارى النازلين في أطراف بلاد الشام قد ساعدوه بطلب من الروم٢.
ولا يستبعد أن يكون تجار اليمن في أيام قصي وبعد موته كانوا يأتون بتجارتهم إلى "مكة"، ثم يقوم تجار مكة بنقلها إلى بلاد الشام، أو بشرائها من تجار اليمن، ثم يقومون هم ببيعها على حسابهم في "بُصْرَى" أو غزة من بلاد الشام. وقد كان يقع اختلاف في بعض الأحيان بين تجار اليمن وتجار مكة، وقد يقع اعتداء على تجار اليمن فيصادر بعض أهل مكة أموالهم ويغتصبونها، كالذي حدث لتاجر من تجار اليمن، مما حداه بالاستجارة بأشراف مكة وسادتها لإنصافه، وأدى الحال إلى عقد حلف الفضول٣.
ولطبيعة أهل مكة المستقرين التجار، لزم الابتعاد عن الحروب وعن خلق المشكلات، وحل كل معضلة بالمفاوضات أولًا وبالسلم, كما سعت للاتفاق مع القبائل المجاورة على محالفتها ومهادنتها. وقد أفادت هذه السياسة قريشًا كثيرًا، فظهرت زعامة مكه على القبائل بعد تدهور ملك حمير في السياسة وفي الدين والاقتصاد, ولارتفاع مستوى مكة الثقافي بالنسبة إلى الأعراب، ولزعامتها الدينية على القبائل المجاورة لها، ولاتصال سادتها بالعالم الخارجي، ولوجود جاليات أجنبية فيها طورت حياتها الاقتصادية والصناعية مما جعل القبائل تعترف لها بالتفوق عليها، وتسير في ركابها، وتتبع تقويمها، وتحضر في مواسمها، حتى صارت مكة عند ظهور الإسلام القاعدة للغربية العربية والزعيمة لها، ولذلك كانت رمز مقاومة الإسلام، والحصن العتيد المقاوم له. فلما دك هذا الحصن، دكت المقاومة دكا، واستسلمت المواضع والقبائل للإسلام دون مقاومة تذكر٤.
стр. 2093
وبلد مثل مكة فيها تجار وتجارة ورقيق وغنى وفقر وراحة وأصنام وعبادة وحجاج يأتون للتقرب إلى الأصنام، لا بد أن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين لتنظيم الحياة، وتأمين الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى؛ لدوام مجيء الحاج إليه على الأقل.
فالكعبة، وهي بيت الأصنام، أرض حرام لا يجوز البغي فيها، ولا المعاصي واقتراف الآثام. والمدينة, وهي في جوار البيت ذات حرمة وقدسية، ودار الندوة دار مشورة وحكم وزعامة. وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره، ولا بد من إنصافهم وإحقاق حقهم. ولإنصافهم ودفع الأذى عن فقيرهم، عقد حلف الفضول، وتعهد سادات مكة بالدفاع عمن يستجير بهم، وبتأديب من يتجاسر منهم على العرف والسنة؛ وبذلك جعلوا مكة بلدًا آمنًا مستقرًّا في محيط تتعارك فيه الأمواج.
ولسياسة أهل مكة القائمة على المسالمة وحل الخلاف بالتشاور والتفاوض، رميت قريش البواطن، وهم غالبية أهل المدينة, بعدم القدرة على القتال وبالاتكال على غيرهم في الدفاع عن بلدهم، وباعتمادهم على الأحابيش وعلى قريش الظواهر وعلى القبائل المحالفة لهم في الدفاع عن مكة. ولم تكن مكة وحدها بدعًا في هذا الأمر، إذ كان أهل يثرب وأهل الطائف وسائر أهل القرى والمدر مثل أهل مكة، غير ميالين إلى الغزو والقتال، ولهم حبال وأحلاف مع القبائل الساكنة بجوارهم، لمنع تعدياتهم عليهم، ولمنع من يطمع فيهم من تنفيذ ما يريد.
стр. 2094
الرقيق:
وقد كانت بمكة جالية كبيرة من أصل إفريقي عرفت بـ"الأحابيش"، وهم سود البشرة، اشتراهم أثرياء مكة للعمل لهم في مختلف الأعمال ولخدمتهم. وقد كان هذا الرقيق ضرورة لازمة لاقتصاد مكة ولنظامها الاجتماعي في ذلك الزمن, فقد كان يقوم مقام الآلة في خدمة التاجر وصاحب العمل، فكان مصدرًا من مصادر الثروة، وآلة مسخرة تخدم سيدها بأكل بطنها، كما كان سلاحًا يستخدم
стр. 2095
للدفاع عن السادة في أيام السلم, وفي أيام الحرب١.
وقد سبق أن أشرتُ إلى وجود "أحابيش" بين أهل مكة، زعم الإخباريون أنهم عرب، وأنهم إنما عرفوا بالأحابيش؛ لأنهم تحابشوا, أي: تحالفوا وتعاهدوا على التناصر والتآزر عند جبل "حبشي"، فهم على زعم هؤلاء الإخباريين أحابيش آخرون لا صلة لهم بالأحابيش الذين أتحدث عنهم.
وقد أشار أهل الأخبار إلى أن قومًا من أشراف مكة تزوجوا حبشيات, فأولدن لهم أولادًا. ذكروا منهم "نضلة بن هاشم بن عبد مناف" و"نفيل بن عبد العزى" و"عمرو بن ربيعة" و"الخطاب بن نفيل" والد "عمر بن الخطاب", ويذكر أن "ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري" عيَّر "عمر بن الخطاب" فقال له: يابن السوداء, فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ٢, و"عمرو بن العاص" وجماعة آخرين٣.
وقامت بخدمة قريش طائفة أخرى من الآلات الحية، هي أدق عملًا وأحسن خدمةً وأرقى في الإنتاج من الطائفة الأولى: الأحابيش، استوردت من الشمال من بلاد الشام والعراق، هي الأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الروم أو الفرس أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة, ومنها ينقلون إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب للقيام بمختلف الأعمال. يضاف إلى هؤلاء، الرقيق المستورد من أسواق أوروبا، لبيعه في أسواق الشرق، وأسعار هذه البضاعة وإن كانت أغلى ثمنًا من أسعار البضاعة المستوردة من إفريقيا، إلا أن الجودة في الإنتاج والتفنن فيه، والبراعة في الصناعات التي لا تعرفها بضاعة الجنوب تعوِّض عن هذا الفرق.
стр. 2096
ومن جملة ما وُكل إلى رقيق العراق وبلاد الشام والروم وغيرهم من ذوي البشرة البيضاء من أعمال, إدارة المبيعات، والقيام بالحرف التي تحتاج إلى خبرة ومهارة وفن، وهي من اختصاص أهل المدن والمستقرين, مثل: أعمال البناء والتجارة والأعمال الدقيقة.
وهذه البضاعة التي استوردتها قريش إلى مكة -وإن كانت تابعة، تُؤْمَرُ فتفعل، وتُكَلَّفُ فتستجيب- كانت بضاعة حية، لها قلب نابض، ودماغ يعمل، ولحم ودم، ولبعضها علم وفهم ومعرفة تفوق معرفة أصحابها المالكين لها. فبضاعة هذا شأنها لا بد أن تترك أثرًا في البيئة التي استوردت إليها. والإخباريون الذين هم مرجعنا الوحيد في رواية أيام الجاهلية قبيل الإسلام، وإن لم يحدثونا عن أمر هؤلاء القوم في نفوس ساداتهم والذين اختلطوا بهم، نستطيع بالاعتماد على نقد بعض النتف من رواياتهم أن نصل إلى هذه النتيجة التي هي شيء طبيعي وأمر ليس بغريب؛ نتيجة تقول: إن هذه البضاعة تركت في نفوس أهل مكة وفي نفوس العرب الآخرين ممن كان لهم رقيق، أثرًا ليس إلى إنكاره من سيبل، وإن بعض المصطلحات الفارسية والرومية والحبشية التي كانت معروفة عند العرب قبيل الإسلام، والتي أكدوا هم أنفسهم أنها لم تكن عربية، ولا سيما ما كان يتعلق منها بالصناعات والأعمال التي يأنف العربي من الاشتغال بها، إنما دخلت لغتهم وشاعت بينهم من طريق هؤلاء١.
وقد كان أغلب الرقيق الأبيض على النصرانية، وقد ذكر الإخباريون أسماء لبعضهم من نزلاء مكة تشير بوضوح إلى تنصرهم. وقد كان فيهم من يتقن العربية، ويعبر عن أفكاره بها تعبيرًا صحيحًا واضحًا, وفيهم من لا يفقه هذه اللغة؛ لأنه حديث عهد بها، فكان يتكلم بلسان أعجمي أو بعربية ركيكة، ومنهم من كان يتباحث في أمور الدين ويشرح لمن يجالسه ما جاء في ديانته وفي كتبه المقدسة. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في الآيات: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ
стр. 2097
مُبِينٌ﴾ ١. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا, وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.
وقال "ابن هشام" في تفسير الآية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ : "وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني، كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني، يقال له جبر، عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: والله ما يعلِّم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بني الحضرمي، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ....﴾ "٣. وهناك أشخاص آخرون كانوا موالي لا يحسنون العربية ولا يجيدون النطق بها٤.
وروي عن "عبد الله بن مسلم الحضرمي" أنه "قال: كان لنا عبدان أحدهما يقال له يسار، والآخر يقال له جبر، وكانا صيقلين, فكانا يقرآن كتابهما ويعملان عملهما, وكان رسول الله يمر بهما فيسمع قراءتهما, فقالوا: إنما يتعلم منهما, فنزلت: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُون﴾ "٥.
وأشير إلى غلام آخر كان بمكة، اسمه "بلعام"، وكان قينًا، ذكر أن الرسول كان يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنه كان يتعلم منه، وقيل: إن ذلك الرجل الذي قال أهل مكة: إن الرسول كان يتعلم منه، اسمه "أبو اليسر"، وكان نصرانيًّا٦.
وفي جملة من أشار إليهم أهل اليسر من النصارى الذين كانوا بمكة, رجل اسمه "نسطاس"، وكان من موالي "صفوان بن أمية"٧, ونسطور الرومي،
стр. 2098
ويوحنا مولى صهيب الرومي، وصهيب الرومي نفسه، وهو من الصحابة، جاء من بلاد الشام، ونزل بمكة، وتشارك مع مثري قريش عبد الله بن جدعان, ثم استقل عنه، وصار ثريا من أثرياء مكة. ثم دخل في الإسلام١, ومنهم مولى يوناني تزوج سمية أم بلال٢. وقد بقي نفر من النصارى محتفظين بدينهم بمكة في أيام الرسول٣.
وفي حديث الإخباريين عن بناء الكعبة أن قريشًا استعانت بعامل من الروم، أو من الأقباط اسمه باقوم، كان نجارًا مقيمًا بمكة، في تسقيف البيت. وفي حديث آخر لهم: إن هذا الرجل كان في سفينة جهزها قيصر الروم لبناء كنيسة, وقد شحنها بالرخام والخشب والحديد، فجنحت عند "الشعيبة" فاستعانت قريش بما تبقى من أخشابها وبخبرة هذا الرومي في تسقيف البيت٤. وقد دعى بـ"بلقوم الرومي" أيضًا٥.
وفي كتب السير وكتب تراجم الصحابة أسماء جوارٍ يونانيات أو من بلاد الشام أو من العراق، وقد تزوجن في مكة ونسلن ذرية كانوا فيها قبل الإسلام, وقد كان منهن في مواضع أخرى من جزيرة العرب بالطبع.
ويعود قسط كبير من وجود الكلمات الحبشية والرومية والفارسية في العربية إلى الرقيق الأسود والأبيض. وهذه الكلمات هي مسميات لأمور غريبة عن العربية لم يكن لأهل مكة ولا لغيرهم علم بها، فاستعملوها كما وردت وأخذت، أو صقلت حتى لاءمت اللسان العربي، كما حدث ويحدث في اللغات الأخرى، وعربت وصارت من ألفاظ العربية، وقد لاحق قسمًا منها علماء اللغة، فوضعوا فيها كتبًا بحثت في تلك المعربات، وفي القرآن الكريم طائفة منها لم يغفل عنها أرباب اللغة والمفسرون٦.
стр. 2099
أغنياء ومعدومون:
كان أهل مكة بين غني مُتْخَم وفقير معدم, وبين الجماعتين طبقة نستطيع أن نقول: إنها كانت متوسطة. وأغنياء مكة، هم أصحاب المال، وقد تمكنوا من تكثيره بإعمال ما عندهم من مال بالاتجار وبإقراضه للمحتاج إليه، وبإعماله بالزراعة، واستغلاله بكل الطرق المربحة التي يرون أنها تنفحهم بالأرباح.
وقد تمكن هؤلاء الأغنياء من بسط سلطانهم على قبائل الحجاز، ومن تكوين صلات وثيقة مع أصحاب المال في العربية الجنوبية وفي العراق وبلاد الشام، بحيث كانوا يتصافقون في التجارة ويشاركونهم في الأعمال، حتى صاروا من أشهر تجار جزيرة العرب في القرن السادس للميلاد.
ويظهر مما جاء في القرآن الكريم أن بعض هؤلاء الأغنياء كان قاسيًا، لم تدخل الرحمة ولا الشفقة قلبه. فكان يقسو على المحتاج، فلا يقرضه المال إلا بربا فاحش وكان يشتط عليه. وكان بعضهم لا يتورعون من أكل أموال اليتيم والضعيف، طمعًا في زيادة ثرائه، وكان يستغل رقيقه استغلالًا شنيعًا، حتى إنه كان يكره فتياته على البغاء ليستولي على ما يأتين به من مال. وفي ذلك نزل النهي عنه في الإسلام: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١. قال "الطبري": "كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا, يأخذون أجورهن. فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا, ومن يكرههن, فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن, يعني: إذا أكرهن" وقال: "كانوا يأمرون ولائدهم يباغين، يفعلن ذلك، فيصبن فيأتينهم بكسبهن". وروي أن هذه الآية نزلت في حق "عبد الله بن أبي سلول"٢.
стр. 2100
وكان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف من ذهب وفضة، ويشرب بآنية من ذهب وفضة ومن بلور، ويأكل على طريقة الروم والفرس بسكاكين وشوكات مصنوعة من ذهب أو من فضة, على حين كان أكثر أهل مكة فقراء لا يملكون شيئًا, وكانوا يلبسون الحرير، ويتحلون بالخواتم المصنوعة من الذهب، تزينها أحجار كريمة. ولعل هذا الإسراف والتبذير كانا في جملة العوامل التي أدت إلى منع المسلمين من استعمال الأواني المصنوعة من الذهب والفضة للأكل والشرب، ومن صدور النهي من استعمال الحرير للرجال١.
وقد حرص هؤلاء الأغنياء على إكثار أموالهم, وعلى توسيع تجارتهم، لذلك كانت هجرة الرسول إلى يثرب وتحرش المسلمين بقوافلهم الذاهبة الآيبة بين بلاد الشام ومكة لطمة كبيرة أصابتهم. لقد اجتمع ملؤهم بعد وقعة بدر للتداول في أمرهم. فقال قائل منهم: "قد عور علينا محمد مَتْجَرنا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رءوس أموالنا. قال زمعة بن الأسود: فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية، لو سلكها مغمض العينين لاهتدى. قال صفوان: من هو, فحاجتنا إلى الماء قليل, إنما نحن شاتون؟ قال: فرات بن حيان، فدعواه فاستأجراه، فخرج بهم في الشتاء، فسلك بهم على ذات عرق، ثم خرج بهم على "غمرة"، وانتهى إلى النبي ﷺ خبر العير وفيها مال كثير, وآنية من فضة حملها صفوان بن أميه، فخرج زيد بن حارثة فاعترضها، فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم، فكان الخمس عشرين ألفًا، فأخذه رسول الله ﷺ وقسم أربعة الأخماس على السرية، وأتى بفرات بن حيان العجلي أسيرًا، فقيل: إن أسلمت لم يقتلك رسول الله ﷺ أسلم، فأرسله"٢. وقد عرفت هذه الغزوة بـ"غزوة القردة", وقد كانت في السنة الثالثة من الهجرة.
وقد أشير في ديوان "حسان بن ثابت" إلى "فرات" هذا, كما أشير
стр. 2101
إلى رجل آخر هو "قيس بن امرئ القيس العجلي"، استأجرته قريش كذلك؛ ليكون لها دليلًا يهدي قوافلها الطريق١.
وقد كانت قريش، كما كان غير قريش، ومنهم المسلمون يستعينون بالأدلاء لإرشادهم الطرق، ولا سيما في أيام الخطر. وأيام جزيرة العرب كلها خطر دائم بالنسبة للتجار, لما كانوا يحملونه معهم من أموال، تسيل لعاب الطامعين في المال، وتنسيهم كل عهد وموثق. لذلك كانوا يتحسسون جهدهم الطرق، ولا يسيرون إلا في الطرق الآمنة التي يوثق من ذمم أصحابها ومن قدرة سادتها على ضبطها وعلى إنزال أقصى العقوبة بالخلعاء وبالخارجين على الطاعة والعرف, ويستأجرون الأدلاء أصحاب العلم والدراية العملية بالطرق وبمخارجها وبكيفية الخروج من مآزقها ومهالكها وأخطارها، ينفقون معهم على إرشادهم، على أن يكون لهم أجر حسن إن نجت القافلة من الخطر ووصلت سالمة إلى مكانها المقصود.
وقد استغل تجار مكة أموالهم في الخارج، وامتلكوا الضياع، فامتلك "أبو سفيان بن حرب" أيام تجارته إلى الشام في الجاهلية ضيعة بالبلقاء تدعى بقبش، فصارت لمعاوية وولده٢.
ولم يبالِ رجال مكة من الاشتغال بالصناعات، فقد اشتغل قوم منهم بالبزازة، واشتغل بعض منهم بالخياطة، فكان "العوام أبو الزبير خياطًا" و"كان الزبير جزارًا، وكان عمرو بن العاص جزارًا، وكان عامر بن كريز جزارًا، وكان الوليد بن المغيرة جزارًا، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل حدادًا، وكان عقبة بن أبي معيط خمارًا، وكان عثمان بن أبي طلحة الذي دفع إليه رسول الله ﷺ مفتاح البيت خياطًا، وكان قيس بن مخرمة خياطًا، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم, وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجارًا، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسًا، له جوارٍ يساعين ويبيع أولادهن، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخيل والإبل, وكان النضر بن الحارث بن كلدة
стр. 2102
يضرب بالعود ويتغنى، وكان الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم حجامًا, وكذلك حريث بن عمرو"١.
وإذا صح ما ذكرته من كلام نقلته من "الأعلاق النفيسة" لابن رستة, فإن ذلك ينفي ما يذكره أهل الأخبار من عدم وجود "نجار" في مكة كالذي ذكروه من عدم وجود نجار بها يوم جددوا بناء الكعبة، فحاروا في كيفية العثور على نجار يقوم بتسقيف البيت، وبقوا في حيرتهم حتى اهتدوا إلى رومي تحطمت سفينته عند الساحل، فجاءوا به وبخشب سفينته فسقف الرومي "باقوم" لهم عندئذ الكعبة. وتنفي رواية "ابن رستة" ما ذكره غيره من ترفع ذوي الأسر من قريش من الاشتغال بالحرف اليدوية؛ لأنها حرف لم تخلق للأشراف، ويكون ذلك دليلًا على أن بعض ما يذكره أهل الأخبار عن أهل مكة بعيد عن الواقع وتناقض فيما يروونه، لم يفطنوا إليه؛ لأنهم كانوا ينقلون الأخبار، ويأخذونها أنَّى جاءت، وغايتهم الجمع، وعلينا الآن واجب التمحيص بين تلك الروايات ونقدها وغربلتها، لاستخراج اللب من القشور.
وعندي أن الإسلام هو الذي صير قريشًا, قريشًا المذكورة في الكتب, وهو الذي سودها على العرب, وجعل لها المكانة الأولى بين القبائل، والخلافة فيها، بفضل كون الرسول منها وظهور الإسلام في مكة. ولولا الإسلام، لكانت مكة قرية من القرى، لبعض أسرها ثراء حصلت عليه بفضل نشاطها وتقرب رجالها إلى سادات القبائل وحكام العراق وبلاد الشام واليمن، وبفضل دعوة رجال قريش القبائل المحيطة بمكة لحج البيت والتقرب إلى الأصنام التي كدسوها فيه وحوله, ومنها أصنام القبائل التي لها تعامل مع مكة، فحصلت على ربح هو "حق قريش" من الغرباء وحق تعشير التجار وتعاطي البيع والشراء معهم.
ويبدو من أخبار الإخباريين عن البيت، أن العناية لم توجه إليه إلا قبيل الإسلام، وأن الإسلام هو الذي رفع قواعده، وعني بعمارته، وهو الذي فرش مسجده بالرخام، وجعل له أشياء كثيرة لم تكن موجودة في أيام الجاهلية. وقد صرف عليه الخلفاء أموالًا طائلة؛ وذلك قربة لله رب البيت.
والواقع أن في كثير مما يذكره أهل الأخبار عن مكة, ما يناقض بعضه
стр. 2103
بعضًا، وما لا يلتئم مع ما يذكرونه عنها, وهو في حاجة إلى نقد وغربلة. والظاهر أن الرواة عندما وجهوا عنايتهم نحو تدوين تأريخ مكة, وعمدوا إلى الشيبة يسألونهم عن تأريخها، تكلم كل منهم بحسب ما بقي في ذهنه عنها، وبما سمعه من آبائه، فجاء متناقضًا، لا توافق ولا تناسق فيما بين تلك الروايات التي أخذت من الأفواه, وقد زوَّقها بعضهم بعض التزويق، أو هذَّب فيها وشذب، حتى وصلت إلى الشكل الذي بلغته إلينا. وإني أرجو أن يعثر في المستقبل على كتابات جاهلية قد تلقي بعض الضوء على تأريخ هذه المدينة المقدسة قبلة المسلمين، وأن يقوم العلماء بتخصيص وقت كافٍ لدراسة ما ورد في كتب التفسير والحديث والموارد الأخرى عن مكة؛ لتقديم تأريخ واضح عن مكة.
هذا ما عندي عن تأريخ مكة, أما عن "الكعبة" وعن الحج وعن المسائل الأخرى المتعلقة بالدين أو بالتجارة أو بالحكم وبما شاكل ذلك، فسيكون الكلام عنها في المواضع المناسبة، فإليها المرجع إذن.
стр. 2104
الفصل الثالث والأربعون: يثرب والطائف
يثرب
...
الفصل الثالث والأربعون: يثرب والطائف
وكان ليثرب مكان مهم عند ظهور الإسلام، وفيها وفي أطرافها سكنت جاليات من يهود, وهي من المواضع التي يرجع تأريخها إلى ما قبل الميلاد. وقد ذكرت في الكتابات المعينية، وكانت من المواضع التي سكنتها جاليات من معين، ثم صارت إلى السبئيين بعد زوال مملكة معين١. ولعل هذا السكن هو الذي حمل النسابين على إرجاع نسب أهل يثرب إلى اليمن، فقالوا: إنهم من الأزد، وإنهم من "قحطان".
وللإخباريين كعادتهم آراء في الاسم، قالوا: إنها سميت "يثرب" نسبةً إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح"، وكان أول من نزلها فدعيت باسمه. وقالوا: بل قيل لها "يثرب" من التثريب، وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل٢.
وزعم أهل الأخبار أن الرسول لما نزلها كره أن يسميها "يثرب"، فدعاها "طيبة"، و"طابة", وذكروا لها تسعةً وعشرين اسمًا، منها "جابرة"
стр. 2105
و"مسكينة" و"محبورة" و"يندر الدار" و"دار الهجرة"١.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن أقدم من سكن "يثرب" في سالف الزمان قوم يقال لهم "صُعل" و"فالج"، فغزاهم النبي "داود" وأخذ منهم أسرى، وهلك أكثرهم وقبورهم بناحية "الجرف"، وسكنها "العماليق", فأرسل عليهم النبي "موسى" جيشًا انتصر عليهم، وعلى من كان ساكنًا منهم بـ"تيماء"، فقتلوهم، وكان ذلك في عهد ملكهم الملك "الأرقم بن أبي الأرقم", ولم يترك الإسرائيلون منهم أحدًا، وسكن اليهود في مواضعهم٢, ونزل عليهم بعض قبائل العرب، فكانوا معهم واتخذوا الأموال والآطام والمنازل. ومن هؤلاء "بنو أنيّف"، وهم حي من "بليّ"، ويقال: إنهم بقية من العماليق، و"بنو مُريد" مزيد "مرثد"، حي من "بلي"، وبنو معاوية بن الحارث بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجدمى "الجدماء" حي من اليمن، فعاشوا مع من كان بيثرب وأطرافها من اليهود، واتخذوا المنازل والآطام يتحصنون فيها من عدوهم إلى قدوم الأوس والخزرج إياها٣.
وكان قدوم "الأوس" و"الخزرج" على أثر حادث "سيل العرم"، فأجمع "عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة"، الخروج عن بلاده وباع ما له بمأرب، وتفرق ولده، فنزلت الأوس والخزرج "يثرب" وارتحلت "غسان" إلى الشام، وذهبت "الأزد" إلى عمان, وخزاعة إلى تهامة. وأقامت الأوس والخزرج بالمدينة ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود, ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثوا معهم أمدًا وعقدوا معهم حلفًا وجوارًا يأمن به بعضهم بعضًا ويمتنعون به ممن سواهم، فلم يزالوا على ذلك زمانًا طويلًا، حتى نقضت اليهود عهد الحلف والجوار، وتسلطها على يثرب، فاستعان الأوس والخزرج