← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

إلى رجل آخر هو "قيس بن امرئ القيس العجلي"، استأجرته قريش كذلك؛ ليكون لها دليلًا يهدي قوافلها الطريق١. وقد كانت قريش، كما كان غير قريش، ومنهم المسلمون يستعينون بالأدلاء لإرشادهم الطرق، ولا سيما في أيام الخطر. وأيام جزيرة العرب كلها خطر دائم بالنسبة للتجار, لما كانوا يحملونه معهم من أموال، تسيل لعاب الطامعين في المال، وتنسيهم كل عهد وموثق. لذلك كانوا يتحسسون جهدهم الطرق، ولا يسيرون إلا في الطرق الآمنة التي يوثق من ذمم أصحابها ومن قدرة سادتها على ضبطها وعلى إنزال أقصى العقوبة بالخلعاء وبالخارجين على الطاعة والعرف, ويستأجرون الأدلاء أصحاب العلم والدراية العملية بالطرق وبمخارجها وبكيفية الخروج من مآزقها ومهالكها وأخطارها، ينفقون معهم على إرشادهم، على أن يكون لهم أجر حسن إن نجت القافلة من الخطر ووصلت سالمة إلى مكانها المقصود. وقد استغل تجار مكة أموالهم في الخارج، وامتلكوا الضياع، فامتلك "أبو سفيان بن حرب" أيام تجارته إلى الشام في الجاهلية ضيعة بالبلقاء تدعى بقبش، فصارت لمعاوية وولده٢. ولم يبالِ رجال مكة من الاشتغال بالصناعات، فقد اشتغل قوم منهم بالبزازة، واشتغل بعض منهم بالخياطة، فكان "العوام أبو الزبير خياطًا" و"كان الزبير جزارًا، وكان عمرو بن العاص جزارًا، وكان عامر بن كريز جزارًا، وكان الوليد بن المغيرة جزارًا، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل حدادًا، وكان عقبة بن أبي معيط خمارًا، وكان عثمان بن أبي طلحة الذي دفع إليه رسول الله ﷺ مفتاح البيت خياطًا، وكان قيس بن مخرمة خياطًا، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم, وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجارًا، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسًا، له جوارٍ يساعين ويبيع أولادهن، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخيل والإبل, وكان النضر بن الحارث بن كلدة

стр. 2102

يضرب بالعود ويتغنى، وكان الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم حجامًا, وكذلك حريث بن عمرو"١. وإذا صح ما ذكرته من كلام نقلته من "الأعلاق النفيسة" لابن رستة, فإن ذلك ينفي ما يذكره أهل الأخبار من عدم وجود "نجار" في مكة كالذي ذكروه من عدم وجود نجار بها يوم جددوا بناء الكعبة، فحاروا في كيفية العثور على نجار يقوم بتسقيف البيت، وبقوا في حيرتهم حتى اهتدوا إلى رومي تحطمت سفينته عند الساحل، فجاءوا به وبخشب سفينته فسقف الرومي "باقوم" لهم عندئذ الكعبة. وتنفي رواية "ابن رستة" ما ذكره غيره من ترفع ذوي الأسر من قريش من الاشتغال بالحرف اليدوية؛ لأنها حرف لم تخلق للأشراف، ويكون ذلك دليلًا على أن بعض ما يذكره أهل الأخبار عن أهل مكة بعيد عن الواقع وتناقض فيما يروونه، لم يفطنوا إليه؛ لأنهم كانوا ينقلون الأخبار، ويأخذونها أنَّى جاءت، وغايتهم الجمع، وعلينا الآن واجب التمحيص بين تلك الروايات ونقدها وغربلتها، لاستخراج اللب من القشور. وعندي أن الإسلام هو الذي صير قريشًا, قريشًا المذكورة في الكتب, وهو الذي سودها على العرب, وجعل لها المكانة الأولى بين القبائل، والخلافة فيها، بفضل كون الرسول منها وظهور الإسلام في مكة. ولولا الإسلام، لكانت مكة قرية من القرى، لبعض أسرها ثراء حصلت عليه بفضل نشاطها وتقرب رجالها إلى سادات القبائل وحكام العراق وبلاد الشام واليمن، وبفضل دعوة رجال قريش القبائل المحيطة بمكة لحج البيت والتقرب إلى الأصنام التي كدسوها فيه وحوله, ومنها أصنام القبائل التي لها تعامل مع مكة، فحصلت على ربح هو "حق قريش" من الغرباء وحق تعشير التجار وتعاطي البيع والشراء معهم. ويبدو من أخبار الإخباريين عن البيت، أن العناية لم توجه إليه إلا قبيل الإسلام، وأن الإسلام هو الذي رفع قواعده، وعني بعمارته، وهو الذي فرش مسجده بالرخام، وجعل له أشياء كثيرة لم تكن موجودة في أيام الجاهلية. وقد صرف عليه الخلفاء أموالًا طائلة؛ وذلك قربة لله رب البيت. والواقع أن في كثير مما يذكره أهل الأخبار عن مكة, ما يناقض بعضه

стр. 2103

بعضًا، وما لا يلتئم مع ما يذكرونه عنها, وهو في حاجة إلى نقد وغربلة. والظاهر أن الرواة عندما وجهوا عنايتهم نحو تدوين تأريخ مكة, وعمدوا إلى الشيبة يسألونهم عن تأريخها، تكلم كل منهم بحسب ما بقي في ذهنه عنها، وبما سمعه من آبائه، فجاء متناقضًا، لا توافق ولا تناسق فيما بين تلك الروايات التي أخذت من الأفواه, وقد زوَّقها بعضهم بعض التزويق، أو هذَّب فيها وشذب، حتى وصلت إلى الشكل الذي بلغته إلينا. وإني أرجو أن يعثر في المستقبل على كتابات جاهلية قد تلقي بعض الضوء على تأريخ هذه المدينة المقدسة قبلة المسلمين، وأن يقوم العلماء بتخصيص وقت كافٍ لدراسة ما ورد في كتب التفسير والحديث والموارد الأخرى عن مكة؛ لتقديم تأريخ واضح عن مكة. هذا ما عندي عن تأريخ مكة, أما عن "الكعبة" وعن الحج وعن المسائل الأخرى المتعلقة بالدين أو بالتجارة أو بالحكم وبما شاكل ذلك، فسيكون الكلام عنها في المواضع المناسبة، فإليها المرجع إذن.

стр. 2104

الفصل الثالث والأربعون: يثرب والطائف يثرب ... الفصل الثالث والأربعون: يثرب والطائف وكان ليثرب مكان مهم عند ظهور الإسلام، وفيها وفي أطرافها سكنت جاليات من يهود, وهي من المواضع التي يرجع تأريخها إلى ما قبل الميلاد. وقد ذكرت في الكتابات المعينية، وكانت من المواضع التي سكنتها جاليات من معين، ثم صارت إلى السبئيين بعد زوال مملكة معين١. ولعل هذا السكن هو الذي حمل النسابين على إرجاع نسب أهل يثرب إلى اليمن، فقالوا: إنهم من الأزد، وإنهم من "قحطان". وللإخباريين كعادتهم آراء في الاسم، قالوا: إنها سميت "يثرب" نسبةً إلى "يثرب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح"، وكان أول من نزلها فدعيت باسمه. وقالوا: بل قيل لها "يثرب" من التثريب، وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل٢. وزعم أهل الأخبار أن الرسول لما نزلها كره أن يسميها "يثرب"، فدعاها "طيبة"، و"طابة", وذكروا لها تسعةً وعشرين اسمًا، منها "جابرة"

стр. 2105

و"مسكينة" و"محبورة" و"يندر الدار" و"دار الهجرة"١. ويذكر بعض أهل الأخبار أن أقدم من سكن "يثرب" في سالف الزمان قوم يقال لهم "صُعل" و"فالج"، فغزاهم النبي "داود" وأخذ منهم أسرى، وهلك أكثرهم وقبورهم بناحية "الجرف"، وسكنها "العماليق", فأرسل عليهم النبي "موسى" جيشًا انتصر عليهم، وعلى من كان ساكنًا منهم بـ"تيماء"، فقتلوهم، وكان ذلك في عهد ملكهم الملك "الأرقم بن أبي الأرقم", ولم يترك الإسرائيلون منهم أحدًا، وسكن اليهود في مواضعهم٢, ونزل عليهم بعض قبائل العرب، فكانوا معهم واتخذوا الأموال والآطام والمنازل. ومن هؤلاء "بنو أنيّف"، وهم حي من "بليّ"، ويقال: إنهم بقية من العماليق، و"بنو مُريد" مزيد "مرثد"، حي من "بلي"، وبنو معاوية بن الحارث بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجدمى "الجدماء" حي من اليمن، فعاشوا مع من كان بيثرب وأطرافها من اليهود، واتخذوا المنازل والآطام يتحصنون فيها من عدوهم إلى قدوم الأوس والخزرج إياها٣. وكان قدوم "الأوس" و"الخزرج" على أثر حادث "سيل العرم"، فأجمع "عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة"، الخروج عن بلاده وباع ما له بمأرب، وتفرق ولده، فنزلت الأوس والخزرج "يثرب" وارتحلت "غسان" إلى الشام، وذهبت "الأزد" إلى عمان, وخزاعة إلى تهامة. وأقامت الأوس والخزرج بالمدينة ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود, ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثوا معهم أمدًا وعقدوا معهم حلفًا وجوارًا يأمن به بعضهم بعضًا ويمتنعون به ممن سواهم، فلم يزالوا على ذلك زمانًا طويلًا، حتى نقضت اليهود عهد الحلف والجوار، وتسلطها على يثرب، فاستعان الأوس والخزرج

стр. 2106

بأقربائهم على اليهود، فغلبوهم، وصارت الغلبة للعرب على المدينة منذ ذلك العهد, على نحو ما سأتحدث عنه بعد قليل١. وأقدمُ مورد أشير فيه إلى "يثرب"، هو نص الملك "نبونيد" ملك بابل، الذي سكن "تيماء" أمدًا، وذكر فيه أنه بلغ هذه المدينة، كما سلف أن تحدثت عن ذلك في أثناء حديثي عن صلات العرب بالبابليين. وقد عرفت بـ"يثربة" "Jathripa" في جغرافيا "بطلميوس" وعند "إصطيفان البيزنطي"٢. وعرفت بـ"المدينة" كذلك من كلمة "Medinto" "Medinta" الإرمية، التي تعني "مدينة" في عربيتنا و"هكر" في العربية الجنوبية٣. وقد ورد اسمها في الكتابات المعينية٤. ويظهر أنها عرفت بـ"مدينة يثرب" على نحو ما وجدنا في كتاب "إصطفيان البيزنطي"، ثم اختصرت، فقيل لها "مدينتا"، أي: "المدينة". ولما نزل الرسول بها، عرفت بـ"مدينة الرسول" في الإسلام٥. ولقدم تأريخ "يثرب" ولورود اسمها في نص "نبونيد"، الذي يدل على أنها كانت معروفة إذ ذاك، لا يستبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على كتابات وآثار قد تكشف عن بعض تأريخ هذه المدينة في أيام ما قبل الإسلام. ولم يشر أهل الأخبار إلى وجود حرم أو بيت بيثرب، كما يتعبد فيه اليثربيون ويتقربون إليه بالنذور، مع أنهم أشاروا إلى بيت اللات في الطائف. ويثرب مدينة مثل الطائف ومثل مدن أخرى كانت ذات محجات ومعابد، وقد كان أهل يثرب -مثل غيرهم من العرب- مشركين يتقربون إلى الأصنام، وكانوا يحفظون

стр. 2107

أصنامًا لهم في بيوتهم يتقربون إليها، كما كانوا يحجون إلى محجَّات كانت على مسافة من يثرب؛ ولذلك يبدو غريبًا سكوت أهل الأخبار عن ذكر بيت في هذه المدينة، يحج له الأوس والخزرج ومن والاهم من قبائل وعشائر. وعثر في مواضع لا تبعد كثيرًا عن "يثرب" على كتابات جاهلية, لم تعرف هويتها الآن؛ لأن الباحثين لم يتمكنوا من فحص مواضعها ومن نقلها إلى العلماء المختصين لقراءتها, كما أنهم لم يتمكنوا من تصويرها ولا من التنقيب في تلك الأماكن تنقيبًا علميا. وقد أشار "عثمان ورستم" إلى وجود كتابات من هذا النوع على جبل "سلع"، وعند موضع "بئر عروة"، بوادي العقيق وفي أماكن أخرى١, أرجو أن يصل إليها الباحثون للتنقيب فيها ولحل رموز هذه الكتابات. وقد يعثر على كتابات أخرى مطمورة في تربة "يثرب" وفي الأماكن القريبة منها، تكشف للقادمين من بعدنا أسرار هذه المدينة المقدسة. ويثرب, مثل مكة من شعاب، تسكنها بطون الأوس والخزرج: الأوس في شعاب، والخزرج في شعاب, اليهود في شعاب. وفي الشعاب "حوائط" بساتين صغيرة، وفي الحوائط "آبار" يستقون منها للشرب وللسقي وللغسل٢, كما كانت فيها دور مبنية بالآجر ودور مبنية باللبن، وبعضها ذو طابقين. وقد احتفر اليهود آبارًا، كانوا يبيعون الماء منها بالدلاء، مثل "بئر أرومة"، وكانت ليهودي، وقد أمر الرسول بشرائها، فاشتراها عثمان٣. ومن آبار المدينة "بئر ذروان"، وهي البئر التي ذكر أن لبيد "ابن الأعصم" اليهودي سحر بها الرسول٤. ويثرب على شاكلة مكة, بغير سور ولا حائط يحيط بها، ولا خندق يقف حائلًا أمام من يريد بالمدينة سوءًا. وقد كان عماد دفاع أهلها بالتحصن في بيوتهم وبسد منافذ الطرق في أثناء الخطر, والأغنياء الموسرون يعتمدون على آطام هم

стр. 2108

وحصونهم وقصورهم، يلجئون إليها عند الشدة ومن معهم من أتباعهم يرمون أعداءهم من فوق السطوح بالسهام وبالحجارة، إذ لا حائط يحيط بها على نحو ما كان لمدينة الطائف. وقد تحارب الأوس والخزرج على الآطام، وأرخوا بتلك الحرب، وصاروا يؤرخون بـ"عام الآطام". وذكر أن أهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا يمتنعون بها، فأخربت في أيام عثمان١. ويظهر من وصف أهل الأخبار ليثرب، أنها كانت تشبه مدينة "الحيرة" بالعراق, من حيث خلوها من سور ومن تكونها من "قصور" هي بيوت السادة ومعاقل المدينة ومواضع دفاعها آناء الشدة وأوقات الحروب, وقد عرفت بـ"أطم" و"آطام" عند أهل يثرب. وذكر أن "الأطم" كل حصن بُني بحجارة، أو كل بيت مربع مسطح. وورد أن "الأُطوم": القصور والحصون لأهل المدينة والأبنية المرتفعة كالحصون٢. والمدينة عند "وادي إضم". يقال للقسم الذي هو عند المدينة منه "القناة", والذي هو أعلى منها عند السد: الشظاة، أما ما كان أسفل ذلك فيسمى أضمًا إلى البحر. وذكر أن أضم وادٍ يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر, وأعلى أضم القناة التي تمر دُوين المدينة٣, وأن المدينة هي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف, وما بين الماء الذي يقال له "ألبوا" إلى "زبالة"٤. وجو "يثرب" على العموم خير من جو مكة، فهو ألطف وأفرح. ولم يعانِ أهلها ما عانى أهل مكة من قحط في الماء ومن شدة الحصول عليه، حتى بعد حفر "بئر زمزم". فالماء متوفر بعض الشيء في المدينة، وهو غير بعيد عن سطح الأرض، ومن الممكن الحصول عليه بسهولة بحفر آبار في البيوت. ولهذا صار في إمكان أهلها زرع النخيل، وإنشاء البساتين والحدائق، والتفسح فيها، والخروج إلى أطراف المدينة للنزهة، فأثر ذلك في طباع أهلها فجعلهم ألين عريكةً وأشرح صدرًا من أهل البيت الحرام.

стр. 2109

وتأريخ المدينة مثل سائر تواريخ هذه الأماكن التي نتحدث عنها، مجهول لا نعرف من أمره شيئًا يذكر، وإنما ما يذكره الإخباريون عن وجود العماليق وجرهم بها١ فأمر وإن قالوه، لا يستند إلى دليل، وحكمه حكم الأخبار الأخرى التي يروونها والتي عرفنا نوع أكثرها وطبيعته, ولكن الشيء الذي نعرفه يقينًا أن أهل المدينة كانوا ينتسبون عند ظهور الإسلام إلى يمن، وكانوا يقسمون أنفسهم فرقتين: الأوس والخزرج، وبين الفرقتين صلة قربى على كل حال. ثم يذكرون أنه كان بينهم يهود، وهم على زعمهم من قدماء سكان يثرب. ويلاحظ أن الأوس والخزرج لا يدعون أنفسهم بأبناء حارثة، وإنما يدعون أنفسهم بـ"بني قيلة" وبـ"ابني قيلة", ويقصدون بها "قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة"، أو "قيلة بنت هالك بن عُذْرة" من قضاعة، أو "قيلة بنت كامل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة"٢. ولا بد أن يكون لهذه الامرأة التي ينتسبون إليها شهرة في الجاهلية حملتهم على الانتساب إليها. وقد ورد أن "قيلة" اسم أم الأوس والخزرج, وهي قديمة٣. وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن الأوس والخزرج ابني قيلة لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبع يدعوهم إلى طاعته، فغزاهم تبع أبو كرب، فكانوا يقاتلونه نهارًا ويخرجون إليه العشاء ليلًا، فلما طال مكوثه ورأى كرمهم رحل عنهم٤. ويرجع الإخباريون مجيء الأوس والخزرج إلى المدينة إلى حادث سيل العرم، ويقولون: إنهم لما جاءوا إلى يثرب وجدوا اليهود وقد تمكنوا منها، فنزلوا في ضنك وشدة، ودخلوا في حكم ملوك يهود إلى أيام ملكهم المسمى "الفيطوان"

стр. 2110

أو "الفيطون" أو "الفِطيون"، وكان رجلًا شديدًا فظًّا يعتدي على نساء الأوس والخزرج، فقتله رجل منهم اسمه "مالك بن العجلان" وفر إلى الشام إلى ملك من ملوك الغساسنة اسمه "أبو جبيلة", وفي رواية: أنه فر إلى "تبع الأصغر بن حسان". وتذكر الرواية أن أبا جبيلة سار إلى المدينة ونزل بذي حرض، ثم كتب إلى اليهود يتودد إليهم، فلما جاءوا إليه قتلهم، فتغلبت من يومئذ الأوس والخزرج، وصار لهم الأموال والآطام. ثم رجع "أبو جبيلة" إلى الشام, وصارت اليهود تلعن "مالك بن عجلان", وهم يروون في ذلك أبياتًا ينسبونها إلى شاعر اسمه "الرمق بن زيد الخزرجي"١. ويذكر الإخباريون أن اليهود صورت "مالك بن عجلان" في كنائسهم وبيعهم؛ ليراه الناس فيلعنوه٢. وذكر "ابن دريد" أن "الفِطيون" اسم "عبراني"، وكان تملك بيثرب، وكان هذا أول اسم في الجاهلية الأولى. وقد شهد بعض ولد الفطيون بدرًا، واستشهد بعضهم يوم اليمامة، فمن ولد "الفطيون": أبو المقشعر، واسمه أسيد بن عبد الله٣. ويذكر بعضهم أن اسم "الفطيون"، وهو "عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الحارث المحرق بن عمرو مزيقياء"٤, فهو من العرب على رأي هذا البعض، ومن اليمن، وليس من أصل عبراني. وأبو جبيلة عند بعض الإخباريين، هو "عبيد بن سالم بن مالك بن سالم"، أحد بني غضب بن جشم بن الخزرج. فهو على هذة الرواية رجل من الخزرج ذهب إلى ديار الشام، فملك على غسان، وذهب بعض آخر من الإخباريين إلى أنه لم يكن ملكًا, وإنما كان عظيمًا ومقربًا عند ملك غسان٥. ونسبه بعض

стр. 2111

أهل الأخبار إلى "بني زريق"، بطن من بطون الخزرج, ونعته بـ"أبي جبيلة الملك الغساني"١. ونحن إذا أخذنا بهذه الرواية، وجب علينا القول: إن أخذ الأوس والخزرج أمر المدينة بيدهم، وزحزحة اليهود عنها، يجب أن يكون قد وقع في النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، أي: في زمن لا يبعد كثيرًا عن الإسلام؛ لأننا نجد أن أحد أولاده وهو "عثمان بن مالك بن العجلان" في جملة من دخل في الإسلام وشهد بدرًا, كما نجد جملة رجال من "بني العجلان"، من أبناء إخوة "مالك" وقد شهدوا "بدرًا" ومشاهد أخرى٢, وهذا مما يجعل زمن "مالك" لا يمكن أن يكون بعيدًا عن الإسلام. ويظهر من دراسة هذه الأخبار المروية عن اليهود وملكهم "الفطيون" وعن الأوس والخزرج وما فعلوه باليهود، أن عنصر الخيال قد لعب دورًا في هذا المروي في كتب أهل الأخبار عن الموضوع. ونجد في القصص المروي عن ملوك اليمن وعن ولعهم بالنساء وعملهم المنكر بهن، ما يشبه هذا القصص الذي نسب إلى "الفطيون", ونجد للعلاقات الجنسية مكانة في هذا القصص الجاهلي الذي يرويه أهل الأخبار عن ملوك الجاهلية، وما قصة "الفطيون" إلا قصة واحدة من هذا القصص الذي نجد للغرائز الجنسية مكانة بارزة فيه. ويظهر أن كلمة "الأوس" هي اختصار لجملة "أوس مناة", و"مناة" كما نعلم صنم من أصنام الجاهلية، و"الأوس" هو جد الأوس، وهو في عرف النسابين "أوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد"٣.

стр. 2112

وينقسم الأوس إلى بطون، منهم: عوف، والنبيت، وجشم، ومرة، وامرؤ القيس, وقد عرف "بنو مرة" بالجعادرة كذلك. واتفقت جشم ومرة وامرؤ القيس وكونت حلفًا عرف بـ"أوس اللات", وبـ"أوس" كذلك. وانقسمت هذه الكتلة إلى أربعة أقسام، هي: ختمة وهي "جشم" في الأصل، وأمية، ووائل وهي مرة، وواقف وهي امرؤ القيس. وانقسمت هذه البطون إلى أفخاذ عديدة، حدثت بينها منازعات وحروب١. ويرجع أهل الأخبار نسب أهل "قباء" إلى "عوف"، ونسب "النبيت" إلى "عمرو"، ونسب "الجعادرة" إلى "مرة", وقيل: إنهم سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يقولون للرجل إذا جاورهم: "جعدر حيث شئت، فأنت آمن، أي: اذهب حيث شئت". ومنهم بنو كلفة وبنو حنش وبنو ضبيعة٢. ومن الأوس "أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا"، سيد الأوس في الجاهلية شاعر, وكانت عنده "سلمى بنت عمرو التجارية"، وأولاده منها إخوة عبد المطلب، وهو من "بني جحجبا". ومن ولده "المنذر بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح"، شهد بدرًا وقتل يوم بئر معونة٣, وله أشعار ذكرها الرواة، منها أبيات في رثاء ابن له٤. وأما الخزرج، فإنهم إخوة الأوس في عرف النسابي,. فالخزرج، وهو جد الخزرج، هو شقيق أوس, وهو "الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد" وقد جاء نسله كما جاء نسل الأوس من اليمن بعد حادث سيل العرم، وسكنوا يثرب وإلى الشمال منها حتى "خيبر" و"تيماء". وتأريخهم مثل تأريخ الأوس في رأي الإخباريين بدأ بالاتصال باليهود وبالعيش معهم وبينهم إلى أن تمكنوا منهم بعد الحادث الذي ذكرته, وبعد مجيء أبي جبيلة لنصرتهم٥.

стр. 2113

ومن سادات الأوس عند ظهور الإسلام "سعد بن معاذ"، الذي قتل يوم "الخندق"، وأخوه "عمرو بن معاذ"، وقتل يوم أحد, و"سماك بن عتيك" فارسهم في الجاهلية، وابنه "حضير الكتائب"، وكان سيد الأوس ورئيسهم يوم بعاث, وابنه "أسيد بن حضير"، شهد بدرًا١. ومنهم "أبو الهيثم بن التيهان"، وكان نقيبًا، شهد العقبة وبدرًا، و"قيس بن الخطيم بن عدي" الشاعر٢, و"سعد بن خيثمة"، وكان نقيبًا، وقتل يوم بدر، وأبو قيس بن الأسلت الشاعر, و"شاس بن قيس بن عبادة"، وكان من أشراف الأوس في الجاهلية٣. والخزرج أيضًا بطون، أشهرها: بنو النجار وينتسبون إلى "تيم الله بن ثعلبة", والحارث، وجشم، وعوف، وكعب٤. ويلاحظ أن جشمًا وعوفًا هما اسما بطنين أيضًا من بطون الأوس. ومن الخزرج "أبو أيوب خالد بن زيد", نزل عليه النبي أيام قدم المدينة، و"نعيمان بن عمرو"، وكان النبي يستخف نعيمان، لم يلقَهُ قط إلا ضحك إليه, و"أسعد الخير بن زرارة بن عدس"، شهد العقبة وكان نقيبًا، و"أبو أنس بن صرمة" الشاعر، وهو جاهلي٥، و"ثابت بن قيس بن شاس"، خطيب رسول الله، وعمرو بن الأطنابة الشاعر، جاهلي وهو أحد فرسان الخزرج٦, و"سعد بن عبادة بن دليم"، وابنه "قيس بن سعد بن عبادة" وكان نقيبًا سيدًا جوادًا، وابنه قيس أجود أهل دهره في أيام معاوية، ومنهم "مالك بن العجلان" قاتل "الفطيون"، وابنه "عثمان بن مالك بن العجلان"، شهد "بدرًا"٧, و"خالد بن قيس بن العجلان"، شهد بدرًا، و"عمرو بن النعمان بن كلدة بن عمرو بن أمية بن عامر بن بياضة",

стр. 2114

رأس الخزرج يوم بُعاث١, و"رافع بن مالك بن العجلان"، وهو أول من أسلم من الأنصار، و"النعمان بن العجلان"٢, و"مرداس بن مروان"، شهد يوم الحديبية، وبايع تحت الشجرة، وكان أمين النبي على سُهمان خبير٣, و"خشرم بن الحباب"، وكان حارس النبي, و"البراء بن معرور"، عقبيّ وكان نقيبًا، وهو أول من أوصى بثلث ماله وأول من استقبل القبلة، وأول من دفن عليها٤, و"أبو قتادة بن ربعي" فارس النبي. ويذكر الإخباريون أنه كان للخزرج رئيس منهم، هو "عمرو بن الأطنابة"٥، وقد ملك الحجاز. وكان ملكه على رأيهم في أيام "النعمان بن المنذر"، قتله الحارث بن ظالم قاتل خالد بن جعفر بن كلاب٦, وكانت بينه وبين "عمرو" خصومة. وذكر أن "عمرًا" قال شعرًا يهزأ فيه بالحارث جاء فيه: أبلغ الحارث بن ظالم المُوعِدَ ... والناذر النذور عَلَيّا إنما تقتل النيام ولا تقتل ... يقظان ذا سلاحٍ كميّا وكان عمرو شاعرًا, ومن الفرسان٧. وبالرغم من صلة الرحم القريبة التي كانت بين الأوس والخزرج، فقد وقعت بينهما حروب هلك فيها من الطرفين خلق كثير. وأول حرب وقعت بين الأوس والخزرج هي على رواية الإخباريين حرب "سمير" "سميحة". و"سمير" في روايتهم رجل من الأوس من بني عمرو، شتم رجلًا اسمه كعب بن العجلان، وهو من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان، نزل على مالك بن العجلان رئيس الخزرج وحالفه وأقام معه، ثم قتله. فثارت الثائرة بين الأوس بسبب هذا القتل وبسبب دفع دية القتيل، ثم وقعت الحرب. ثم اتفقوا على أن يضعوا حكمًا بينهم يفصل في الأمر، فوقع اختيارهم على "المنذر بن حرام النجاري الخزرجي"، وهو

стр. 2115

جد حسان بن ثابت، فحكم بينهم بأن يؤدوا لكعب دية الصريح، ثم يعودوا إلى سنتهم القديمة، وهي دفع نصف الدية عن الحليف. فرضوا وتفرقوا، ولكن بعد أن تمكنت العداوة والبغضاء في نفوس الطرفين١. واشتعلت نيران حرب أخرى بين الأوس والخزرج بسبب امرأة من "بني سالم", وقد كانت الحرب في هذه المرة بين "بني جحجبا" من الأوس, و"بني مازن بن النجار" من الخزرج. وقد وقعت في موضع "الرحابة" انهزمت فيه "بنو جحجبا"٢. ثم تجددت الحرب بين "عمرو بن عوف" من الأوس وبني الحارث من الخزرج بسبب مقتل رجل من بني عمرو، وقد عرفت هذه الحرب باسم: "يوم السرارة". وقد كان على الأوس "حضير بن سماك"، وهو والد "أسيد بن حضير"، وكان على الخزرج "عبد الله بن سلول" "عبد الله بن أُبَيّ" المعروف في الإسلام بـ"رأس المنافقين". وقد انتهت بانصراف الأوس إلى دورها، فعدت الخزرج ذلك نصرًا لها٣. ووقعت حرب أخرى لأسباب تافهة كهذه الأسباب، وما كانت لتقع لولا هذه العصبية الضيقة, يثيرها في الغالب أفراد لا منازل كبيرة لهم في المجتمع, ومنهم من الصعاليك والمغمورين بأمور سخيفة، فإذا وقع على أحدهم اعتداء نادى قومه للأخذ بثأره، فتثور الحرب. ومن هذه الحروب، حرب بني وائل بن زيد الأوسيين وبني مازن بن النجار الخزرجيين، وحرب بني ظفر من الأوس وبني مالك من الخزرج، وحرب فارع، وحرب حاطب, ويوم الربيع, وحرب الفجار الأولى, وهي غير حرب الفجار التي وقعت بين قيس وكنانة، ثم حرب معبس ومضرس، وحرب الفجار الثانية، ثم يوم بعاث. وكان هذا

стр. 2116

اليوم آخر الأيام المشهورة التي وقعت بين الأوس والخزرج١. وكان رئيس الخزرج في يوم بعاث "عمر بن النعمان بن صلاءة بن عمرو بن أمية بن عامر بن بياضة", أما رئيس الأوس، فكان "حضير الكتائب بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل", وقد ساعد الخزرج في هذا اليوم أشجع من غطفان، وجهينة من قضاعة، وساعد الأوس مزينة من أحياء طلحة بن إياس, وقريضة, والنضير. وقد قتل فيه "عمرو بن النعمان" رئيس الخزرج, فانهزم الخزرج، وانتصرت الأوس٢. وكان "حضير الكتائب بن سماك" سيد الأوس ورئيسهم يوم بعاث، ركز الرمح في قدمه وقال: ترون أفر؟! فقتل يومئذ, وابنه "أسيد بن حضير" من الصحابة الذين شهدوا العقبة وبدرًا٣. وقد تخلل أخبار هذه الأيام كالعادة شعر، ذكر أن شعراء الطرفين المتخاصمين قالوه على الطريقة المألوفة في الفخر، وفي انتقاص الخصم، وفي إثارة النخوة لتصطلم الحرب ويستميت أصحاب الشاعر في القتال. وقد كان المحلّق في هذه الأيام حسان بن ثابت الشاعر المخضرم الشهير، شاعر الرسول, وهو لسان الخزرج والمدافع عنهم، و"قيس بن الخطيم" وهو من الأوس، ثم جماعة ممن اشتركوا في المعارك مثل عامر بن الأطنابة، والربيع بن أبي الحقيق اليهودي، وعبد الله بن رواحة, وآخرين. ويظهر من روايات أهل الأخبار عن يثرب أن الأوس والخزرج، لم يكونوا كأهل مكة من حيث الميل إلى الهدوء والاستقرار، بل كانوا أميل من أهل مكة إلى حياة البداوة القائمة على الخصومة والتقاتل. وقد بقي الحيان يتخاصمان حتى جاء الرسول إليهما، فأمرهما بالكف عنه، ووجههما وجهة أخرى أنستهما الخصومة العنيفة التي كانت فيما بينهما. ويظهر من رواياتهم أيضا أن الأوس والخزرج، وإن

стр. 2117

كانوا قد تحضروا واستقروا، غير أنهم لم يتمكنوا من التخلص من الروح الأعرابية تخلصًا تامًّا، بل بقوا محافظين على أكثر سجاياها، ومنها النزعة إلى التخاصم والتقاتل، فألهتهم هذه النزعة عن الانصراف إلى غرس الأرض والاشتغال بالزراعة كما فعل اليهود، وعن الاشتغال بالتجارة بمقياس كبير على نحو ما فعل أهل مكة. ونظرًا لمساعدة أهل يثرب للرسول ومناصرتهم له وللمهاجرين، عرف الأوس والخزرج بـ"الأنصار" في الإسلام. وصاروا يفتخرون بهذه التسمية، حتى غلبت عليهم، وصارت في منزلة النسب. وكان أهل "يثرب" مثل غيرهم تجارًا، يخرجون إلى أسواق الشام فيتجرون بها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال منها تاجروا مع بلاد الشام، وكان "يهود" يثرب يتاجرون أيضًا، ويأتون إلى أهل "يثرب" بما يحتاجون إليه من تجارات. كما "كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدُمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش، وما يكون في الشام"١, وكانوا يتسقطون الأخبار وينقلونها إلى الروم عند ظهور الإسلام. فقدم بعض الساقطة المدينة، وأبو بكر ينفذ الجيوش، وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص، وهو يقول: عليك بفلسطين وإيليا، "فساروا بالخبر إلى الملك هرقل"٢, وتهيأ لملاقاة المسلمين. ولم يذكر الرواة جنس هؤلاء "الساقطة"، الذين كانوا يأتون بالتجارة من بلاد الشام إلى المدينة، هل كانوا رومًا, أم عربًا، أم يهودًا، أم كانوا خليطًا من كل هؤلاء؟. على كلٍّ, كانوا تجارًا يأتون يثرب في الجاهلية لبيع ما يحملونه من تجارة، ولشراء ما يجدونه هناك، وبقوا شأنهم هذا إلى الإسلام، كما نرى من الخبر المتقدم. هذا هو مجمل ما نعرفه عن تأريخ "يثرب" وهو شيء قليل، لا يكفي المتعطش لمعرفة تأريخ هذه المدينة التي تعد من المواضع المقدسة في الإسلام, ولا بد وأن يأتي يوم سنكتشف فيه الأقنعة عن تأريخ المدينة قبل الإسلام، وذلك حين يقوم المنقبون المتخصصون بالبحث في تربتها عن الماضي المستور الدفين.

стр. 2118

الطائف: والطائف على مسافة خمسة وسبعين ميلًا تقريبًا إلى الجنوب الشرقي من مكة، وهي على عكس مكة أرض مرتفعة ذات جو طيب في الصيف, فيه زرع وضرع، وغنى جادت الطبيعة به على أهله. وقد كان وما زال مصيفًا طيبًا يقصده أهل مكة فرارًا من وهج الشمس. وتقع الطائف على ظهر جبل غزوان، وهو أبرد مكان في الحجاز، وربما جمد الماء في ذروته في الشتاء، وليس بالحجاز موضع يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع, وبينها وبين مكة وادٍ اسمه نعمان الأراك. وهي كثيرة الشجر والثمر، وأكثر ثمارها الزبيب والرمان والموز والأعناب، ولا سيما الصديفي، وفواكه أخرى عديدة. وهي تمون مكة بالفواكه والبقول١, وتحيط بها الأودية. ومن مواضعها "الوهط"، وهو واد، أو مكان مطمئن من الأرض مستوٍ، تنبت فيه العضاه والسمر والطلح والعرفط، وقد اتخذ بستانًا، صار لـ"عمرو بن العاص"، ثم لابنه، وقد عرف بكثرة كرمه وأنواع أعنابه٢. وإلى الشرق من الطائف وادٍ يقال له "لِيَّة"، ذكر بعض أهل الأخبار أن أعلاه لثقيف, وأسفله لـ"بني نصر بن معاوية" من هوازن٣. وتأريخ مدينة الطائف تأريخ غامض، لا نعرف من أمره شيئًا؛ إذ لم تمس تربتها أيدي علماء الآثار بعد، كما أن السياح لم يجدوا في الطائف كتابات قديمة بعد. ولكن مكانًا مثل الطائف لا بد أن يكون له تأريخ قديم، ولا يعقل أن يكون من الأمكنة التي ظهرت ونشأت قبيل الإسلام, وليس لنا من أمل في

стр. 2119

الحصول على شيء من تأريخ الطائف إلا بقيام العلماء بمناجاة تربتها واستدراجها لتبوح لم بما تكنه من كتابات مسجلة في الألواح تتحدث عن تأريخ هذا المكان المهم. وقد عثر الباحثون فعلًا على كتابات مدونة على الصخور المحيطة بمدينة الطائف الحديثة وفي مواضع غير بعيدة عنها. وقد تبين أن بعضًا منها بالنبطية وبعضًا آخر بالثمودية، وأن بعضًا بأبجدية أخرى، وأن بعضًا بأبجدية القرآن الكريم، أي بقلم إسلامي. ولا يستبعد عثور العلماء في المستقبل على كتابات ستكشف عن تأريخ هذه البقعة، وعن تأريخ من سكنها قبل الإسلام وقبل ثقيف. وذُكر أن بعض كتابات يشبه شكلها شكل الأبجدية اليونانية، وكتابات أخرى يشبه خطها الخط الكوفي, عثر عليها في "بستان شهار" على مسافة كيلومترين إلى الجنوب من الطائف١, غير أنها لم تدرس حتى الآن. ومكان مهم بالنسبة للطرق التجارية ولموقعه المعتدل الجميل، لا بد وأن يكون قد لفت أنظار سكان العربية الغربية قبل الميلاد فسكنوه، ولا أستبعد إمكانية تدوين تأريخ صحيح لهذه المدينة إذا ما قام المنقبون بالبحث فيها وفي الأماكن القريبة منها لاستنطاقها، لتتحدث لهم عما عرفته من أخبار تلك الشعوب التي سكنت هذا الموضع قبل ثقيف. ويزعم أهل الأخبار أن الطائف إنما سيمت طائفًا، بحائطها المطيف بها, أما اسمها القديم فهو "وج". ولهم روايات عن كيفية قيام ذلك الحائط، وقد حاول بعض أهل الأخبار إعطاء الطائف مسحة دينية، فزعموا بأنها من دعوات إبراهيم، وأنها قطعة من أرض ذات شجر كانت حول الكعبة، ثم انتقلت من مكانها بدعوة إبراهيم، فطافت حول البيت، ثم استقرت في مكانها، فسميت الطائف، وزعمت أن جبريل اقتطعها من فلسطين، وسار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حول الطائف٢. وهكذا أكسبت هذه الروايات الطائف

стр. 2120

قدسية، وجعلت لها مكانة دينية، وهي روايات يظهر أنها وضعت بتأثير من سادات ثقيف المتعصبين لمدينتهم، والذين كانوا يرون أن مدينتهم ليست بأقل شأنًا من مكة أو يثرب. وقد كان بها سادات وأشراف كانوا أصحاب مال وثراء. وقد زعم بعض أهل الأخبار أن الذي أقام حائط الطائف رجل من الصدف، يقال له "الدمون بن عبد الملك"، قتل ابن عم له يقال له "عمرو" بحضرموت، ثم فر هاربًا، ثم جاء إلى "مسعود بن متعب الثقفي" ومعه مال كثير، وكان تاجرًا، فقال: أريد أن أحالفكم على أن تزوجوني وأزوجكم

стр. 2121

وأبني لكم طوفًا عليكم مثل الحائط لا يصل إليكم أحد من العرب. فوافقوا على ذلك، وبنى لهم طوفًا عليهم، فسميت الطائف, فزوجوه١. وقد كان لأهل الطائف معبد يحجون إليه، هو معبد "اللات"، وكانوا يعظمونه ويتبركون به. ويذكر أهل الأخبار أن اللات كان صخرة مربعة يلتّ يهودي عندها السَّوِيق، وكان سدنتَه "بنو عتاب بن مالك" وهم من ثقيف, وقد بنو له بناء ضخمًا. وكانت العرب، ومنها قريش، تعظمه وتحج إليه وتطوف به, وقد هُدم في الإسلام عند فتح الطائف ودخول أهلها فيه. وقد هدم الصنم: المغيرةُ بن شعبة، وأحرقه بالنار, ويقع موضعه تحت منارة المسجد، الذي بني على أنقاض ذلك المعبد، وهو مسجد المدينة. فمسجد الطائف إذن هو معبد اللات القديم، وهو في الطائف نفسها٢. ويرجع أهل الأخبار زمان الطائف إلى العمالقة، ويقولون: إنها إنما سميت "وَجًّا" بوج بن عبد الحي، من العماليق، وهو أخو "أجأ" الذي سمي به جبل "طي", ثم غلب عليها "بنو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر"، ثم غلبهم "بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن"، وذلك بعد قتال شديد. ثم استغلت ثقيف الظروف، فاستولت عليها، وأخذتها من "بني عامر"، فارتحل "بنو عامر" عنها، ونزحوا إلى تهامة، وتحكم بها بنو ثقيف٣.

стр. 2122

ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من ملك الطائف "عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر". فلما كثر "بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن"، غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد١. وقد كانت مواطن "بني عامر" بنجد, وكانوا يصيفون بالطائف، حتى غلبتهم ثقيف, فخرجوا إلى تهامة. وكان منهم "عامر بن الظرب العدواني" أحد الحكماء العرب٢. وقد ورد في بعض الأخبار أن قوم ثمود هم الذين نزلوا بالطائف بعد العماليق، فأخذوها منهم، وذلك قبل ارتحالهم عنها إلى وادي القرى، بسبب منازعة القبائل لهم، ومن ثم ربط رواة هذه الأخبار نسب ثقيف بثمود، وقد صير بعض أهل الأخبار ثقيفًا مولى من موالي هوازن، ونسبهم آخرون إلى إياد٣. وجاء في رواية أخرى أن أقدم سكان الطائف هم بنو مهلائيل بن قينان, وهم الذين عمروها وغرسوها وأحيوا مواتها, وقد سكنوها قبل الطوفان، فلما وقع الطوفان, كانوا في جملة من هلك فيه من الأمم الباغية. فخلت الطائف منهم، وسكنها بعدهم بنو هانئ بن هذلول بن هوذلة بن ثمود، فأعادوا بناءها وعمروها حتى جاءهم قوم من الأزد على عهد "عمرو بن عامر"، فأخرجوهم عنها، وأقاموا بها وأخذوا أماكنهم، ثم توالى عليها العرب حتى صارت في أيدي ثقيف٤. وصير بعض أهل الأخبار ثقيفًا رجلًا متشردًا، اتفق مع ابن خاله النخع على الهجرة في طلب الرزق والعيش، فذهب النخع إلى اليمن، فنزل بها، وذهب "ثقيف" إلى وادي القرى، فنزل على عجوز يهودية لا ولد لها، واتخذها ثقيف أمًّا له. فلما حضرها الموت، أوصت له بما كان عندها من دنانير وقضبان، ثم دفنها وذهب نحو الطائف، فلما كان على مقربة منها، وجد أمة

стр. 2123

حبشية ترعى غنمًا, فأراد قتلها ليستولي على ماشيتها، فارتابت منه، وأخبرته بأن يصعد إلى الجبل، فيستجير بـ"عامر بن الظرب العدواني" فإنه سيجيره ويغنيه، ويربح أكثر من ربحه من استيلائه على هذه الغنم، فذهب إليه، وأجاره، وأغناه، وأنزله عنده، وزوجه ابنة له، وبقي مقيمًا في الطائف، وتكاثر ولده، حتى زاحموا بني عامر، وتلاحيا ثم اقتتلا، فتغلبت ثقيف على بني عامر، واستولت على الطائف١. ويذكر هؤلاء الرواة أن ثقيفًا اتفقوا مع "بني عامر" على أن يأخذوا الطائف لهم ويرحل بنو عامر عنها، فيدفعوا لهم نصف ما يحصلون عليه من غلات. وقد بقوا على ذلك أمدًا، حتى ثبتت ثقيف نفسها في الطائف وقوت دفاعها وأحكمت مواضعها، ثم امتنعت عن دفع أي شيء كان لبني عامر، فوقع قتال بين الطرفين انتهى بانتصار ثقيف. وصارت بذلك سيدة الطائف بلا نزاع. وقد حسدهم طوائف من العرب، وقصدوهم لما صار لهم من مركز ومن رزق رغد وأثمار وجنان، ولكنهم لم يتمكنوا من الظفر بطائل، وتركوهم على حالهم٢. وذكر بعض أهل الأخبار أن "عبد ضخم" كانوا فيمن سكن الطائف, وقد كانوا من عاد الأولى، وهلكوا فيمن هلك من عاد ومن أقوام بائدة. وذكر أنه كان بالطائف قوم من يهود، طُردوا من اليمن ومن يثرب, فجاءوا إلى الطائف، وسكنوا فيها، ودفعوا الجزية لساداتها، ومن بعضهم ابتاع "معاوية" أمواله بالطائف٣. وقد كان لوقوع الطائف على مرتفع، ولحائطها المزود بأبراج واستحكامات

стр. 2124

الفضل بالطبع في صد الأعراب ومنعهم من نهبها وغزوها. والظاهر أن أهل الطائف كانوا قد اقتفوا أثر اليمن في الدفاع عن مدنهم وقراهم, حيث كانوا يبنونها على المرتفعات في الغالب، ثم يحيطون ما يبنونه بأسوار ذات أبراج لمنع العدو من الدنو منها, ولا سيما الأعراب الذين لم يكونوا بحكم طبيعة معيشتهم في أرض منبسطة مكشوفة، ولفقرهم وعدم وجود أسلحة حسنة لديهم يستطيعون مهاجمة مثل هذه التحصينات، وأخذها على غِرَّة حيث تقفل أبواب الأسوار وتغلق ليلًا، وفي أوقات الخطر, فلا يكون في استطاعة أحد ولوجها؛ لذلك صارت هذه التحصينات من أثقل الأعداء على قلوب الأعراب. ولما هم "أبرهة" بالسير إلى مكة، كانت الطائف في جملة المواضع التي نزل بها في طريقه إليها. وقد خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فأتوه بالطاعة، وبعثوا معه "أبا رغال" دليلًا، فأنزله المغمس بين الطائف ومكة، فهلك "أبو رغال" هناك وقبره في ذلك الموضع. وعند ظهور الإسلام كان أغلب سكان هذا الموضع ينتسبون إلى قبيلة ثقيف. وترجع هذه القبيلة نسبها مثل القبائل الأخرى إلى جد أعلى، يقولون: إن اسمه "قسي بن منبه"، ويقول الإخباريون: إنما دعي قسيًّا؛ لأنه قتل رجلًا، فقيل: قسا عليه، وكان غليظًا قاسيًا١. والنسابون يختلفون في نسبه، فمنهم من ينسبه إلى إياد، فيجعله قسي بن نبت بن منبه بن منصور بن مقدم بن أفصى بن دُعْمِيّ بن إياد بن معد، ومنهم من يجعله من هوازن، فيقول: قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان٢. ونحن إذا درسنا ما رواه أهل الأخبار عن نسب ثقيف، وعن القبائل التي اتصلت بها، نجد أنها كانت ذات صلة وثيقة بقبائل "قيس عيلان" من مجموعة مضر. ومعنى هذا أنها كانت على مقربة منها، وأنها كانت من قبائل مضر, كما نجد في الوقت نفسه أنها كانت على صلات وثيقة مع بعض قبائل اليمن. وقد

стр. 2125

فسرت هذه الصلات بوجود نسب لثقيف باليمن، وهذا النسب المزدوج، هو كناية عن الصلات التي كانت تربط بين "ثقيف" ومجموعة "مضر", وبينها وبين قبائل اليمن. وهو تعبير عن موضع الطائف المهم الوسط، الذي يربط بين اليمن والحجاز والطرق المارة إلى نجد، مما جعله وسطًا وموضعًا للاحتكاك بين قبائل هذه الأرضين. وصيروا ثقيفًا في رواية أخرى ابنًا لأبي رغال, ثم رفعوا نسب الابن والأب إلى قوم ثمود، وجعله حماد الراوية ملكًا ظالمًا على الطائف، لا يرحم أحدًا، مر في سنة مجدبة بامرأة ترضع صبيا يتيما بلبن عنز لها، فأخذها منها فبقي الصبي بلا مرضعة، فمات، فرماه الله بقارعة فأهلكه، فرجمت العرب قبره، وصار رجم قبره سنة للناس١. فهل تجد رجلًا ألأم من هذا الرجل على هذا الوصف؟. وقد قيل في "أبي رغال": إنه كانت رجلًا عشَّارًا في الزمن الأول, جائرًا, وقيل: كان عبدًا لشعيب، وقيل: اسمه "زيد بن مخلف" عبدٌ كان لصالحٍ النبي، وأنه أرسله إلى قوم ليس لهم لبن إلا شاة واحدة، ولهم صبي قد ماتت أمه يغذونه بلبن تلك الشاة، فأبى أن يأخذ غيرها، فقالوا: دعها نحايي بها هذا الصبي، فأبى "فيقال: إنه نزلت به قارعة من السماء, ويقال: بل قتله رب الشاة. فلما فقده صالح، قام في الموسم ينشد الناس، فأخبر بصنيعه فلعنه، فقبره بين مكة والطائف يرجمه الناس"٢.

стр. 2126

وفي رأيي أن معظم هذه الروايات التي يرويها الإخباريون عن ثقيف إنما وضعت في الإسلام، بغضًا للحَجَّاج الذي عرف بقسوته وبشدته، فصيروا ثقيفًا عبدًا لأبي رغال, وجعلوا أصله من قوم نجوا من ثمود. وأبو رغال نفسه جاسوس خائن في نظر الإخباريين، حاول إرشاد أبرهة إلى مكة، فكيف يكون إذن حال رجل من قوم فَسَقَة كَفَرَة, ثم صار عبدًا لجاسوس لئيم! وقد رأيت أن من أهل الأخبار من صير "ثقيفًا" رجلًا مهاجرًا، هاجر في البلاد يلتمس العيش حتى جاء وادي القُرَى، فتبنته عجوز يهودية، وعطفت عليه، حتى إذا ما ماتت أخذ مالها، وهاجر إلى الطائف، وكان لئيما فطمع في غنم لأمة حبشية، وكاد يقتلها لولا إشارتها عليه باللجوء إلى "عامر بن الظَّرِب"، الجواد الكريم، وصاحب الطائف، فأعطاه وحباه، ولكن أبى لؤم ثقيف إلا أن ينتقل إلى ولده، فتنكروا لبني عامر وأخرجوهم عن الطائف، واستبدوا وحدهم بها. وبنو ثقيف حزبان: الأحلاف ومنهم: "غيلان بن سلمة" و"كنانة بن عبد ياليل" و"الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب"، و"ربيعة بن عبد ياليل" و"شرحبيل بن غيلان بن سلمة" و"عثمان بن أبي العاص" و"أوس بن عوف" و"نمير بن خرشة بن ربيعة"، وقد ذهب هؤلاء إلى الرسول وأسلموا، فاستعمل عليهم "عثمان بن أبي العاص". وأما القسم الثاني، فعُرف بـ"بني مالك"، وقد ذهب نفر منهم مع هذا الوفد إلى الرسول، فضرب لهم قبة في المسجد, وأما الأحلاف فنزلوا ضيوفًا على "المغيرة بن شعبة" وهو من ثقيف١.

стр. 2127

ومن الأحلاف في الإسلام: المختار بن أبي عبيد، والحجاج بن يوسف. ومن زعماء الأحلاف عند ظهور الإسلام: أمية بن أبي الصلت، والحارث بن كلدة، ومعتب، وعتاب، وأبو عتبة، وعتبان١. ويذكر أهل الأخبار أن حربًا وقعت بين "مالك" والأحلاف، فخرجت الأحلاف تطلب الحلف من أهل يثرب على "بني مالك"، وعلى رأسها "مسعود بن معتب" رأس الأحلاف. فقدم على "أحيحة بن الحلاج"، أحد بني عمرو بن عوف من "الأوس", فطلب منه الحلف، فأشار عليه "أحيحة"، أن عليه أن يعود إلى الطائف ويصالح إخوانه، فإن أحدًا لن يبر له إذا حالفهم, فانصرف "مسعود" عن "عتبة" بعد أن زوده بسلاح وزاد وأعطاه غلامًا يبني الأسوار، فلما وصل، أمر الغلام ببناء سور حول الطائف، فبناه له، وأحيطت الطائف بسور قوي حصين، وآمنت بذلك على نفسها من غارات الأعراب٢. ويختلف أهل الطائف عن أهل مكة، وعن الأعراب من حيث ميلهم إلى الزراعة واشتغالهم بها وعنايتهم بغرس الأشجار. وقد عرفت الطائف بكثرة زبيبها وأعنابها واشتهرت بأثمارها، وقد كان أهلها يُعنون بزراعة الأشجار المثمرة, ويسعون إلى تحسين أنواعها وجلب أنواع جديدة لها، فقد استوردوا أشجارًا من بلاد الشام ومن أماكن أخرى وغرسوها، حتى صارت الطائف تمون مكة وغيرها بالأثمار والخضر. وثقيف حضر مستقرون متقدمون بالقياس إلى بقية أهل الحجاز, فاقوا غيرهم في الزراعة إذ عنوا بها كما ذكرت، واستفادوا من الماء فائدة كبيرة، وأحاطوا المدينة ببساتين مثمرة، كما فاقوا في البناء فبيوتهم جيدة منظمة، وكان لهم حذق ومهارة في الأمور العسكرية. وقد تجلى ذلك في دفاعهم عن مدينتهم يوم حاصرها الرسول وتحصنهم بسورهم، ورميهم المسلمين بالسهام وبالنار من فوق سورهم، يوم لم يكن لمكة ولا للمدينة سور ولا خنادق. كذلك اختلف أهل الطائف عن غيرهم من أهل الحجاز في ميلهم إلى الحرف

стр. 2128

اليدوية مثل الدباغة والنجارة والحدادة، وهي حرف مستهجنة في نظر العربي، يأنف من الاشتغال بها. ولكن أهل الطائف احترفوها، وربحوا منها، وشغَّلوا رقيقهم بها. وقد استفادوا من خبرة الرقيق, فتعلموا منهم ما لم يكن معروفًا عندهم من أساليب الزراعة وأعمال الحرف، فجددوا وأضافوا إلى خبرتهم خبرة جديدة. وقد عاش أهل الطائف في مستوى هو أرفع من مستوى عامة أهل الحجاز، فقد رزقوا فواكه أكلوا منها، وجففوا بعضًا منها مثل "الزبيب"، وأكلوا وصدروا منه ما زاد عن حاجتهم، كما اقتاتوا بالحبوب واللحوم, حتى حظ فقراء الطائف هو أرفع وأحسن درجة من حظ فقراء المواضع الأخرى من الحجاز. وقد ذهب المفسرون إلى أن كلمة القريتين الواردة في القرآن الكريم، تعني مكة والطائف. ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١. وكان رؤساؤها من المثرين الكبار، لهم حصون يدافعون بها عن أنفسهم وعن أموالهم، ولهم علم بالحرب. ولحماية مدينتهم أقاموا حصونًا على مسافات منها، وحوطوا مدينتهم بسور حصين عالٍ، يرد من يحاول دخولها، وجمعوا عندهم كل وسائل المقاومة الممكنة التي كانت معروفة في ذلك العهد، مثل أوتاد الحديد التي تحمى بالنار لتلقى على الجنود المختفين بالدبابات، وغير ذلك من وسائل المقاومة والدفاع، كما كانوا قد تعلموا من أهل اليمن مثل مدينة "جرش" صناعة العرادات والمنجنيق والدبابات٢. وكان أغنياء "الطائف" كأغنياء مكة وأغنياء المواضع الأخرى من جزيرة العرب, أصحاب ربا. ولما أسلموا اشترط عليهم الرسول ألا يرابوا، ولا يشربوا الخمر، وكتب لهم كتابًا٣. وكانت لهم تجارة مع اليمن، ولكننا لا نسمع

стр. 2129

شيئًا عن قوافل كبيرة كقوافل أهل مكة، كانت تتاجر مع بلاد الشام أو العراق، ولعلهم كانوا يساهمون مع تجار مكة في اتجارهم مع تلك الديار. وقد اشتهرت الطائف بدباغة الجلود، وذكر أن مدابغها كانت كثيرة، وأن مياهها كانت تنساب إلى الوادي، فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية١, واشتهرت بفواكهها وبعسلها٢. وقد استغل أثرياء قريش أموالهم في الطائف، فاشتروا فيها الأرضين وغرسوها واستثمروها، واشتروا بعض المياه، وبنوا لهم منازل في الطائف ليتخذوها مساكن لهم في الصيف، وأسهموا مع رؤساء ثقيف في أعمال تجارية رابحة، وربطوا حبالهم بحبالهم، وحاولوا جهد إمكانهم ربط الطائف بمكة في كل شيء٣. ولما فتحت مكة وأسلم أهلها, طمعت ثقيف فيها، حتى إذا فتحت الطائف أقرت في أيدي المكيين، وصارت أرض الطائف مخلافًا من مخاليف مكة٤. وقد كان بين أهل مكة وأهل الطائف تنافس وتحاسد، وقد حاول أهل الطائف جلب القوافل إليهم، وجعل مدينتهم مركزًا للتجار يستريحون فيه، وقد نجحوا في مشروعهم هذا بعض النجاح يوم استولى الفرس على اليمن، وتمكنوا فيه من طرد الحبش عن العربية الجنوبية, فصارت قوافل "كسرى" التجارية و"لَطائم" ملوك الحيرة تذهب إلى اليمن وتعود منها من طريق الطائف, ونغصت بذلك عيش أهل مكة, غير أن أهل مكة تمكنوا من التغلغل إلى الطائف ومن بسط سلطانهم عليها، بإقراض سادتها الأموال، وبشراء الأرضين, فبسطوا بذلك سلطانهم عليها، وأقاموا بها أعمالًا اقتصادية خاصة ومشتركة، وهكذا استغل أذكياء مكة هذا الموضع المهم، وحولوه إلى مكان صار في حكم التابع لسادات قريش. ومن سادات الطائف: "عبد ياليل" وإخوته "حبيب" و"مسعود" و"ربيعة" و"كنانة" وهم "بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن

стр. 2130

غيرة الثقفي"، وكانوا أثرياء أجوادًا يطعمون بالرياح١. وأمهم "قلابة بنت الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج" الثقفي٢, وبيت "بني علاج" من البيوت القديمة المعروفة بالطائف٣. ولقد لقي الرسول مقاومة عنيفة من أهل الطائف حين حاصرها وأحاط بها، فقد تحصن أهلها بحائطهم وبحصونهم, وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وصنعوا الصنائع للقتال. أما من كان حول الطائف من الناس, فقد أسلموا كلهم، ولما ضيق المسلمون الحصار عليها، وقربوا من الحائط، دخل نفر من أصحاب رسول الله تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالا، فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف؛ كي يحملهم على فتح أبواب مدينتهم ومهادنة الرسول، للإبقاء على أموالهم، غير أنهم لم يبالوا بما رأوا من قطع أعنابهم وتخريب بساتينهم، وبقوا على عنادهم، مما حمل الرسول على ترك حصارهم والرحيل عنهم انتظارًا لفرصة أخرى٤. ويذكر أهل الأخبار، أن "سلمان الفارسي" اتخذ منجنيقًا نصبه المسلمون على الطائف، وأن المسلمين كانت لهم دبابة، جاء بها "خالد بن سعيد بن العاص" من "جرش"٥. ويذكر الطبري أن عروة بن مسعود، وهو من وجوه الطائف، كان قد تعلم مع غيلان بن سلمة صنعة الدبابات والضبور والمجانيق من أهل جرش٦. وقد اشتهرت هذه المدينة بصنع آلات الحرب. ولما انصرف الرسول عن الطائف، اتبع أثره "عروة بن مسعود بن متعب" حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم. فلما رجع إلى الطائف على أمل

стр. 2131

إقناع أهلها بالدخول في الإسلام، لمكانته فيهم، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. ثم أقامت ثقيف بعد مقتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب, فأرسلوا وفدًا إلى المدينة لمفاوضة الرسول على الدخول في الإسلام. فلما دخلوا عليه أبوا أن يحيوه إلا بتحية الجاهلية، ثم سألوه أن يدع لهم "الطاغية" وهي اللات لا يهدمها, إلى أجل؛ لأنهم أرادوا بذلك "فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله ﷺ ذلك إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: "أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه. وأما الصلاة، فلا خير في دين لا صلاة فيه". فقالوا: يا محمد، أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة"١. فلما وصل الوفد ومعه أبو سفيان والمغيرة بن شعبة إلى الطائف، وأرادا هدم الصنم، "أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم٢, فلما دخل المغيرة بن شعبة، علاها يضربها بالمعول، وقام قوم دونه -بنو معتب- خشية أن يرمى أو يصاب.... وخرجن نساء ثقيف حسَّرًا يبكين" "ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لك، فلما هدمها المغيرة، أخذ مالها وحُليَّها، وأرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموع، ومالها من الذهب والجزع، وكان رسول الله ﷺ أمر أبا سفيان أن يقضي من مال اللات دين عروة والأسود ابني مسعود، فقضى منه دينهما"٣. وذكر عن "عروة بن مسعود الثقفي" أنه كان من الرجال الذين كان عندهم عشر نسوة عند مجيء الإسلام٤, وأنه نادى على سطحه بالطائف بالأذان

стр. 2132

أو التوحيد، فرماه رجل من أهل الطائف فقتله، وأن الرسول قال فيه: "مثله مثل صاحب ياسين" ١. "ويقال: إنه الذي ذكره الله في التنزيل: ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ ، وذكر بعض أهل العلم أن أربعة سؤددهم في الجاهلية والإسلام: عروة بن مسعود، والجارود واسمه: بشر بن المعلى، وجرير بن عبد الله، وسراقة بن جعشم المدلجي"٢. وثقيف أقرب في الواقع إلى اليمن منهم إلى أهل الحجاز، وتكاد تكون ثقافتهم ثقافة يمانية، وحياتهم الاجتماعية حياة اجتماعية من النوع المألوف في اليمن, حتى في الوثنية نجد لهم معبدًا خاصًّا بهم، يتقربون إليه ويحجون له. ولعل هذه الاختلافات وغيرها هي من جملة العوامل التي صيرت ثقيفًا مجتمعًا خاصًّا معارضًا لمجتمع مكة, وجعلت أهل الطائف يكرهون أهل مكة الذين امتلكوا أملاكًا في الطائف، وكانوا يأتون إليها في الصيف هربًا من جو مكة المحرق. ومن بطون ثقيف: "بنو الحطيط" و"بنو غاضرة"، ومن بني الحطيط "مالك بن حطيط"، وكان من ساداتهم في الجاهلية، ومن ثقيف الشاعر أمية بن أبي الصلت، وكان بعض العلماء يقول: لولا النبي ﷺ لادعت ثقيف أن أمية نبي؛ لأنه قد دارس النصارى وقرأ معهم ودارس اليهود وكل الكتب قرأ, ولم يسلم ورثى قتلى بدر٣. ومن رجالهم "أبو محجن"، كان شاعرًا فارسًا شجاعًا شهد يوم القادسية، وكان له فيها بلاء عظيم، وقد شهد يومئذ "عمرو بن معد يكرب" وغيره من فرسان العرب, فلم يبل أحد بلاءه, و"الأخنس بن شريق", وتزعم ثقيف أنه أحد الرجلين اللذين ورد ذكرهما في القرآن, ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيم﴾ : الأخنس بن شريق والوليد بن المغيرة, وقد كان حليفًا لبني زهرة. وقد خنس ببني زهرة يوم بدر٤. ومن ثقيف "بنو علاج"، ومنهم "الحارث بن كلدة", "كان طبيب

стр. 2133

العرب في زمانه وأسلم ومات في خلافة عمر"١, والمغيرة بن شعبة٢. ومن بني ثقيف عثمان والحكم ابنا أبي العاص بن بشر بن دهمان الثقفي، كانا شريفين عظيمي القدر، ولى "عمر" عثمان عمان والبحرين وأقطعه الموضع المعروف بالبصرة بـ"شط عثمان". ومنهم "تميم بن خَرشة بن ربيعة"، أحد وفد ثقيف إلى رسول الله، ومن فرسانهم في الجاهلية: "أوس بن حذيفة" وأدرك الإسلام، و"ضبيس بن أبي عمرو"، و"همام بن الأعقل", وآخرون٣.

стр. 2134

الفصل الرابع والأربعون: مجمل الحالة السياسية في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام استعرضنا في الفصول المتقدمة من هذا الكتاب حالة العرب السياسية قبل الإسلام, على قدر ما أدى إليه بحثنا، وساعفتنا عليه الموارد. أما في هذا الفصل وهو خاتمة فصول القسم السياسي، فنستعرض حالة العرب السياسية في القرن السادس للميلاد بوجه عام. والقرن السادس للميلاد فترة من الفترات المهمة في تأريخ البشرية، فيه ظهرت أمارات الشيخوخة على الإمبراطورية الساسانية التي شيدها "أردشير الأول" على أثر الثورة التي اندلعت عام "٢٢٤م" أو "٢٢٦م"، ثم لم تلبث أن انهارت في القرن السابع للميلاد بسرعة عجيبة، وبأيدٍ لم يحسب لوجودها حساب، ومن مكان لم يكن له قبل ظهور الإسلام أثر ما فعال في السياسة العالمية. وفي هذا القرن أيضًا برزت الأمراض العديدة التي ألمت بالقيصرية، والأملاك التي كانت خاضعة لها، وهي أمراض لم تنجُ منها إلا ببتر بعض أطرافها في القرن التالي له, فخرجت من ردهة العمليات تئن من فاجعة الألم الذي حل بها، ومن هول ما أصيب به بذلك البتر. وفي النصف الثاني من هذا القرن وُلِدَ الرسول، وبميلاد الرسول ظهر حدث تأريخي خطير للبشرية في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، يكفي أن أثره

стр. 2135

قائم حتى الآن، وأنه سيقوم إلى ما شاء الله، وأنه أوجد مفاهيم خلقية جديدة للبشرية، وأنه بشَّر برسالة قائمة على أن الدين لله، وأن الناس أمامه سواء, لا فرق بين فرد وآخر وجنس وجنس، ولا تمييز للون على آخر، ثم لم يلبث أن انتشر بسرعة عجيبة لم ينتشر بمثلها دين من الأديان، فقضى على إحدى الإمبراطوريتين العظيمتين في عالم ذلك العهد, واستأصل الأعضاء الثمينة من الإمبراطورية الأخرى، وأوجد من أشتات سكان جزيرة العرب أمة، ومن قبائلها المتنازعة حكومة ذات سلطان، وفاض على سداد الجزيرة، وسقى ما وراءها من أرضين، ثم وحد بين أقوام عديدين وجمعهم في صعيد دين الله. وقد ابتُلِيَ هذا القرن والنصف الأول من القرن التالي له بأوبئة وبآفات وبمجاعات زادت في مشكلاته الكثيرة التي ورثها من القرون السابقة له، ففيه انتشرت أوبئة ابتلعت بضع مئات من البشر في كل يوم من أيام انتشارها، كانت كالعواصف تنتقل من مكان إلى مكان مكتسحة من تجده أمامها من مساكين، وتعود بين الحين والحين لتبتلع ما يسد حاجتها من البشر والحيوانات. وفيه مُنِيَ العالم بزلازل وبنقص كبير في الغلات أوجد قحطًا ومجاعةً وفقرًا في كثير من الأقطار، حتى اضطر كثير من الناس إلى هجر الأماكن المنكوبة والارتحال عنها إلى أماكن أخرى فيها النجاة والسلامة. ولا ريب أن ظروفًا هذه حالتها، لا بد أن تتولد منها مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية للحكومات وللرعية، فاختل الأمن خاصة في المناطق الواقعة تحت أقدام الجيوش، فيومًا تكتسحها جيوش الفرس فتهدم كل ما تجده أمامها من حاصلات زراعية ومن أموال. وفي ظروف هذه شأنها لا بد أن يجد الخارجون على النظام والطامعون في الربح السهل الحرام فرصًا مواتية, لا يفرَّط فيها, للكسب والظفر بما يرغبون فيه، فتأثرت بذلك حالة سكان هذه الأرضين، كما تعرضت التجارة للأخطار، واضطر التجار إلى سلوك طرق نائية ليكونوا بمأمن من شر قطاع الطرق وفسادهم، وترك أكثر الناس مزارعهم وقراهم فرارًا من هذا الوضع إلى المدن الكبيرة البعيدة عن مواطن الغزو والأخطار، فتحولت خيرة الأرضين الخصبة إلى أرضين مجدبة؛ نتيجة لهذه الهجرة, ولتراكم الأتربة في شبكات

стр. 2136

الري. ولكن هذا القرن لم يعدم مع ذلك حكامًا حاولوا جهد إمكانهم إصلاح الخطأ، وأناسًا كان لهم حسٌّ وشعورٌ بما وصلت إليه الحالة، فنادوا بإصلاح. ولكن صيحاتهم لم تكن ذات أثر خطير في قوم قلقين حائرين، وليس في أيديهم زمام أمورهم، وقد اعتراهم ذهول جعلهم لا يعرفون كيف يتصرفون. ثم إن الحمل كان ثقيلًا والأخطاء كثيرة، والأمراض عديدة، لا يقومها طبيب واحد أو أطباء معدودون. لقد عزم "كسرى" الأول "٥٣١-٥٧٩م" المعروف بـ"كسرى أنوشروان"، على إصلاح الحال في مملكته، فأمر بوضع دستور جديد للجباية يخفف عن كاهل الدافعين بعض الثقل، وأمر بإصلاح الأرض وتوزيعها على شعبه بالعدل وبالإنصاف بين الناس حتى عرف لذلك بالعادل، واستعان بمستشارين حكماء كانوا يعظونه ويرشدونه بطريقة الحكم والأمثال والعظات إلى كيفية سياسة الرعية وتدبير أمورها، كما ولى النواحي الروحية عنايته كذلك، فأعاد الزردشتية القديمة، وقاوم الحركة المزدكية التي قام بها "مزدك" في عهد والده "قباذ الأول" "٤٨٣-٥٣١م" "٤٨٨-٥٣١م"١ وهي حركة تدعو إلى إلغاء الملكية، وإلى الإباحية، وإلى القضاء على امتيازات النبلاء ورجال الدين على ما تقوله الموارد التأريخية العربية المستندة إلى موارد "فهلوية" شجعها "قباذ" لما وجد فيها من مبادئ توافق سياسته الرامية إلى مقاومة تلك الطبقات المتنفذة التي عارضت في انتقال العرش إليه، والتي اجتمعت كلمتها برئاسة "موبذان موبذ" والعظماء على إنزاله من عرشه، لما بدا لهم من ازوراره عنهم، وانحرافه عن الزردشتية إلى تعاليم مزدك المناهضة للموابذة ولعظماء المملكة الذين كانوا يتمتعون في المملكة بنفوذ واسع حد من سلطان "شاهنشاه". ورساله مزدك وتعاليمه غامضة، لا نعلم من حقيقتها شيئًا، فقد أبيدت كتبهم وطمست معالم دينهم في عهد "أنو شروان"، ولم يبق منها إلا هذه النتف المدونة في الكتب العربية عن موارد "فهلوية" دُونت في أيام محنة المزدكية وبعدها. ويظهر من هذه النتف أنها حركة دينية اجتماعية سياسية تدعو إلى توزيع الثروات بين الناس بالتساوي، وإلى انتزاع الأموال والأرضين من الأغنياء لإعطائها

стр. 2137

للمقلين، حتى من كان عنده جملة نساء تؤخذ منه لتعطى لغيره من المحتاجين، فهي على هذا التعريف فكرة اشتراكية متطرفة عارضت النظم الاجتماعية القائمة، وهددت الدين القائم، وجرَّأت العامة على تلك الطبقات، كان الملك في حاجة إليها للانتقام ممن عارضه فأيدها١. هذا وحيث إننا قد تعلمنا من التجارب التي تجري في الوقت الحاضر, ومن دراستنا للموارد التأريخية القديمة، أن ما يكتب عن قوم غضب الحاكمون عليهم، لا يمكن أن يكون مرآة صافية يعبر عن وجه أولئك القوم وعن ملامحهم الحقيقية؛ لذا فإننا لا نستطيع أن نقول: إن ما وصل إلينا عن المزدكية يمثل رأيها وعقيدتها تمام التمثيل، إذ يجوز أن يكون منه ما هو مصنوع موضوع حمل عليهم، وأن رواة الأخبار قد غرفوا منه، ودونوه على نحو ما وصل إلينا في كتبهم. لذلك يجب الانتباه إلى هذه الملاحظة. وحمل عدل الملك الساساني وحلمه وتسامحه مع رعيته ومساعدته للخارجين على الكنيسة الرومية الرسمية "من الفلاسفة والمثقفين بالثقافة الإغريقية القديمة ممن كانوا هدفًا لهجمات الكنيسة الأرثوذكسية في الإمبراطورية البيزنطية" على الهجرة إلى المملكة الساسانية، طامعين في عدل الملك وحمايته، وفي بيئة تكون فيها الحرية الفكرية مكفولة مضمونة، لا ضغط فيها ولا إكره. ولكنهم ما لبثوا أن وجدوا أن الزردشتية التي نصرها وأيدها "كسرى أنوشروان"، وهي ديانة المملكة غير ملائمة للفلسفة، وأنها ليست أرحب صدرًا من "الأرثوذكسية"، وأنهم لم يكونوا على صواب بمجيئهم إلى هذه الأرض, فرجوا من "ملك الملوك" الترفق بهم، بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم. فلما كانت الهدنة، طلب "كسرى" من قيصر في سنة ٥٤٩م إباحة العودة إلى ديارهم والتلطف بهم والعفو عما بدر منهم من الذهاب إلى مملكته٢.

стр. 2138

وكان مما فعله "كسرى أنوشروان" أن هاجم الإمبراطورية البيزنطية وقيصرها في عهد "يوسطفيان" "يسطنيانوس" "جستنيان" "٥٢٧-٥٦٥م" واشتبك معها في جملة حروب، ووسع حدوده في الشرق، وساعد الأحزاب المعارضة للروم، وأرسل حملة إلى اليمن بناء على طلب الأمراء المعارضين لحكم الحبشة عليها، ساعدتهم في وضع خطة لإزاحة الحبشة عنها١. والحبش هم حلفاء البيزنطيين، وإخوانهم في الدين وهم الذين حثوا النجاشي على فتح اليمن بعد أن يئسوا من الاستيلاء عليها, ومن الاستيلاء على الحجاز وبقية جزيرة العرب. واتبع "كسرى الثاني" "٥٩٠-٦٢٨م" المعروف بـ"كسرى أبرويز"، وهو ابن "هرمز بن كسرى أنوشروان" خطوات جده وأسلافه الملوك الماضين في الحرب مع البيزنطيين، فبلغ "خلقيدونية" ثلاث مرات، واستولى على بلاد الشام، ودخلت جيوشه القدس في سنة "٦١٤م". ثم استولى على مصر في سنة "٦١٩م", ودوخ بفتوحاته الروم إلى أن عاجله ابنه بخلعه, فاستراح الروم منه، ثم لم يلبثوا أن استردوا من الفرس أكثر ما أخذوه منهم في تلك الحروب. وقد أضعف هذه الحروب المتوالية الحكومة الساسانية وآذت الشعوب التي خضعت لحكمها وأفقرتها، وأثرت على الأمن الداخلي وعلى الأوضاع الاقتصادية والعمرانية تأثيرًا كبيرًا, ولا سيما في البلاد التي صارت ساحة تعبئة وتلاحم جيوش، وهي بلاد العراق. ولم يعد الإنسان يأمن على حياته وعلى ماله، وصار سواد الناس وكأنهم أبقار واجبها إعطاء الحليب وأداء الأعمال الأخرى للحكام، والذبح للاستفادة من لحومها ومن جلودها وعظامها, حينما تنتفي الحاجات الأخرى منها. وتأسد المرازبة وقادة الجيوش في الحكم، حتى صار الحكم حكم عواطف وأهواء ومصالح، "والشاهنشاه" عاجز عن عمل كل شيء؛ لأن "الشاهنشاهية" لم تعد متقيدة بالوراثة القديمة وبالآداب السلطانية، بل صارت لمن يستعين بأصحاب العضلات ويمثيري الفتن والاضطرابات. أضف إلى ذلك أن من بيده مفتاح الدفاع عن الدولة، وهم الجنود والضباط الصغار، شعروا أنهم يقاتلون لا في سبيل وطن ودين وعقيدة، بل يقاتلون لأنهم يساقون إلى القتال قسرًا، وهم في حالة سيئة ووراءهم عوائلهم لا تملك شيئًا، وقد جيء بهم إلى الجيش قسرًا وعلى

стр. 2139

طريقة "السخرة". وهم يحاربون ولا سلاح لهم؛ لأن الحكومة لا تملك سلاحًا, ولا نظام لهم؛ لأنهم لم يدربوا على القتال ولم يعلموا أصوله، أجسامهم تقاتل، وقلوبهم مشغولة في مصير أولادهم وزوجاتهم وبيوتهم، وهم المعيلون لهم، ليس لهم غيرهم من معين. وحكومة هذا شأنها، لا يمكن لها أن تحافظ على حدود طويلة مفتوحة سهلة تقيم عليها قبائل غازية، تترقب الفرص لتجد فرصة تهتبلها لتغير فيها على الحضر، فتنتزع منهم ما قد تقع أيديهم عليه من أي شيء. فصار الأعراب يغيرون على الحدود من كل مكان فيه نفوذ وجنود للساسانيين، ولا سيما بعد معركة "ذي قار" التي منحتهم قوة معنوية عالية، وعلمتهم مواطن الضعف عند الساسانيين. فلما جاء الإسلام من جزيرة العرب صاروا عونًا له في تقويض تلك الدولة، ودالة ساعدته في تفهم مواطن الضعف فيها، ومنها نفذ الإسلام إلى ما وراء البحار، وقوض الحكومة الضخمة بسرعة عجيبة وبمحاربين لم يكونوا قد عرفوا من قبل أساليب القتال المنظم، ولا المعارك الضخمة التي صادفوها لأول مرة في حروبهم مع الساسانيين والبيزنطيين. وقد طمعت القبائل في حكومة الحيرة أيضًا، هذه الحكومة التي ظهر عليها الوهن كذلك. فأخذت تغير عليها وتتعرض بحدودها، وتتحرش بقوافلها التي كان يرسلها ملوكها للاتجار في أسواق الحجاز واليمن، حتى صارت الطرق التي تسلكها خطرة غير آمنة، لا يتمكن رجالها من المرور بها بسلام. ولم يستطع الساسانيون من مساعدتها وحمايتها؛ لأن أوضاعهم الداخلية كانت كما ذكرتُ على غير ما يرام, وهذا مما زاد في تصميم القبائل على مهاجمة ملوك الحيرة وحدود الفرس في آن واحد. ولعل هذه الغارات كانت في جملة الأسباب التي حملت "كسرى" على القضاء على النعمان وعلى إنهاء حكم "آل نصر"، إما بسبب ما رآه "كسرى" من عدم تمكن الملك "النعمان" من تأديب القبائل ومن ضبط الطرق والأمن، فارتأى استبداله بعربي آخر أو برجل قوي من قادة الجيوش الفرس، وإما لظنه أو لما وصل إلى علمه من خبر يفيد بأن النعمان قد أخذ يفاوض سادة القبائل الكبار لإرضائهم وضمهم إليه، وفي هذا العمل تهديد لمصالح الفرس ومحاولة للابتعاد عنهم. فأراد لذلك القضاء عليه وعلى الأسرة الحاكمة، قبل أن

стр. 2140

يتمكن من الحصول على تأييد أولئك السادة الذين أدركوا نواحي الضعف في حكومة الساسانيين. وهناك روايات يُشْتَمُّ منها أن "النعمان" قال لسادات القبائل: "إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكتُ وعززتُ بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم.... ليعلم أن العرب على غير ما ظن وحدث"١, وروايات تفيد أن "كسرى" إنما قتل "النعمان"؛ لأنه وسائر أسرته سايروا سادات القبائل وتواطئوا معهم على الساسانيين٢. ولعل عجز ملوك الحيرة عن حماية قوافل الفرس الذاهبة إلى اليمن والآيبة منها، وعن حماية الطرق البرية المهمة التي توصل العراق باليمن، ثم عجز ملك الحيرة من منع الأعراب من الإغارة على حدود الساسانيين، ثم اضطرار الملك "النعمان" إلى الاتصال بسادات القبائل لترضيتهم ولضمهم إليه لتأييده ولتقوية ملكه الضعيف, الذي كان يهدده خصوم له. لعل هذه الأسباب وغيرها، كانت في جملة العوامل التي حملت "كسرى" على القضاء على "النعمان" وعلى استبدال الأسرة الحاكمة بأسرة أخرى، أو تسليم أمور الحيرة نهائيا إلى قائد فارسي, يحكمها حكمًا عسكريًّا٣. وقد نصب الفرسُ حاكمًا منهم على الحيرة، لكنه لم يتمكن من سد أبواب الحدود الطويلة وغلقها، ومنع الأعراب من دخولها. لقد اجتازوها ثم جاوزوها إلى مسافات بعيدة في الإسلام، أوصلت العرب إلى الصين والهند وتركستان الصينية؛ ذلك لأن الفرس كانوا منهوكي القوى في الداخل وفي الخارج، وقد أتعبتهم الأوجاع, بينما جاء العرب بإيمان برسالة، وبعزم وتصميم، وباعتماد على النفس، من أن النصر سيكون لهم حتمًا. لقد بدأ هذا العزم قبل "ذي قار"، ثم تجسم في "ذي قار"، فكان نصر المعركة في هذا الموضع ناقوس النصر، و"الهرمون"
следующие страницы →