الري. ولكن هذا القرن لم يعدم مع ذلك حكامًا حاولوا جهد إمكانهم إصلاح الخطأ، وأناسًا كان لهم حسٌّ وشعورٌ بما وصلت إليه الحالة، فنادوا بإصلاح. ولكن صيحاتهم لم تكن ذات أثر خطير في قوم قلقين حائرين، وليس في أيديهم زمام أمورهم، وقد اعتراهم ذهول جعلهم لا يعرفون كيف يتصرفون. ثم إن الحمل كان ثقيلًا والأخطاء كثيرة، والأمراض عديدة، لا يقومها طبيب واحد أو أطباء معدودون.
لقد عزم "كسرى" الأول "٥٣١-٥٧٩م" المعروف بـ"كسرى أنوشروان"، على إصلاح الحال في مملكته، فأمر بوضع دستور جديد للجباية يخفف عن كاهل الدافعين بعض الثقل، وأمر بإصلاح الأرض وتوزيعها على شعبه بالعدل وبالإنصاف بين الناس حتى عرف لذلك بالعادل، واستعان بمستشارين حكماء كانوا يعظونه ويرشدونه بطريقة الحكم والأمثال والعظات إلى كيفية سياسة الرعية وتدبير أمورها، كما ولى النواحي الروحية عنايته كذلك، فأعاد الزردشتية القديمة، وقاوم الحركة المزدكية التي قام بها "مزدك" في عهد والده "قباذ الأول" "٤٨٣-٥٣١م" "٤٨٨-٥٣١م"١ وهي حركة تدعو إلى إلغاء الملكية، وإلى الإباحية، وإلى القضاء على امتيازات النبلاء ورجال الدين على ما تقوله الموارد التأريخية العربية المستندة إلى موارد "فهلوية" شجعها "قباذ" لما وجد فيها من مبادئ توافق سياسته الرامية إلى مقاومة تلك الطبقات المتنفذة التي عارضت في انتقال العرش إليه، والتي اجتمعت كلمتها برئاسة "موبذان موبذ" والعظماء على إنزاله من عرشه، لما بدا لهم من ازوراره عنهم، وانحرافه عن الزردشتية إلى تعاليم مزدك المناهضة للموابذة ولعظماء المملكة الذين كانوا يتمتعون في المملكة بنفوذ واسع حد من سلطان "شاهنشاه".
ورساله مزدك وتعاليمه غامضة، لا نعلم من حقيقتها شيئًا، فقد أبيدت كتبهم وطمست معالم دينهم في عهد "أنو شروان"، ولم يبق منها إلا هذه النتف المدونة في الكتب العربية عن موارد "فهلوية" دُونت في أيام محنة المزدكية وبعدها. ويظهر من هذه النتف أنها حركة دينية اجتماعية سياسية تدعو إلى توزيع الثروات بين الناس بالتساوي، وإلى انتزاع الأموال والأرضين من الأغنياء لإعطائها
стр. 2137
للمقلين، حتى من كان عنده جملة نساء تؤخذ منه لتعطى لغيره من المحتاجين، فهي على هذا التعريف فكرة اشتراكية متطرفة عارضت النظم الاجتماعية القائمة، وهددت الدين القائم، وجرَّأت العامة على تلك الطبقات، كان الملك في حاجة إليها للانتقام ممن عارضه فأيدها١.
هذا وحيث إننا قد تعلمنا من التجارب التي تجري في الوقت الحاضر, ومن دراستنا للموارد التأريخية القديمة، أن ما يكتب عن قوم غضب الحاكمون عليهم، لا يمكن أن يكون مرآة صافية يعبر عن وجه أولئك القوم وعن ملامحهم الحقيقية؛ لذا فإننا لا نستطيع أن نقول: إن ما وصل إلينا عن المزدكية يمثل رأيها وعقيدتها تمام التمثيل، إذ يجوز أن يكون منه ما هو مصنوع موضوع حمل عليهم، وأن رواة الأخبار قد غرفوا منه، ودونوه على نحو ما وصل إلينا في كتبهم. لذلك يجب الانتباه إلى هذه الملاحظة.
وحمل عدل الملك الساساني وحلمه وتسامحه مع رعيته ومساعدته للخارجين على الكنيسة الرومية الرسمية "من الفلاسفة والمثقفين بالثقافة الإغريقية القديمة ممن كانوا هدفًا لهجمات الكنيسة الأرثوذكسية في الإمبراطورية البيزنطية" على الهجرة إلى المملكة الساسانية، طامعين في عدل الملك وحمايته، وفي بيئة تكون فيها الحرية الفكرية مكفولة مضمونة، لا ضغط فيها ولا إكره. ولكنهم ما لبثوا أن وجدوا أن الزردشتية التي نصرها وأيدها "كسرى أنوشروان"، وهي ديانة المملكة غير ملائمة للفلسفة، وأنها ليست أرحب صدرًا من "الأرثوذكسية"، وأنهم لم يكونوا على صواب بمجيئهم إلى هذه الأرض, فرجوا من "ملك الملوك" الترفق بهم، بالسماح لهم بالعودة إلى بلادهم. فلما كانت الهدنة، طلب "كسرى" من قيصر في سنة ٥٤٩م إباحة العودة إلى ديارهم والتلطف بهم والعفو عما بدر منهم من الذهاب إلى مملكته٢.
стр. 2138
وكان مما فعله "كسرى أنوشروان" أن هاجم الإمبراطورية البيزنطية وقيصرها في عهد "يوسطفيان" "يسطنيانوس" "جستنيان" "٥٢٧-٥٦٥م" واشتبك معها في جملة حروب، ووسع حدوده في الشرق، وساعد الأحزاب المعارضة للروم، وأرسل حملة إلى اليمن بناء على طلب الأمراء المعارضين لحكم الحبشة عليها، ساعدتهم في وضع خطة لإزاحة الحبشة عنها١. والحبش هم حلفاء البيزنطيين، وإخوانهم في الدين وهم الذين حثوا النجاشي على فتح اليمن بعد أن يئسوا من الاستيلاء عليها, ومن الاستيلاء على الحجاز وبقية جزيرة العرب.
واتبع "كسرى الثاني" "٥٩٠-٦٢٨م" المعروف بـ"كسرى أبرويز"، وهو ابن "هرمز بن كسرى أنوشروان" خطوات جده وأسلافه الملوك الماضين في الحرب مع البيزنطيين، فبلغ "خلقيدونية" ثلاث مرات، واستولى على بلاد الشام، ودخلت جيوشه القدس في سنة "٦١٤م". ثم استولى على مصر في سنة "٦١٩م", ودوخ بفتوحاته الروم إلى أن عاجله ابنه بخلعه, فاستراح الروم منه، ثم لم يلبثوا أن استردوا من الفرس أكثر ما أخذوه منهم في تلك الحروب.
وقد أضعف هذه الحروب المتوالية الحكومة الساسانية وآذت الشعوب التي خضعت لحكمها وأفقرتها، وأثرت على الأمن الداخلي وعلى الأوضاع الاقتصادية والعمرانية تأثيرًا كبيرًا, ولا سيما في البلاد التي صارت ساحة تعبئة وتلاحم جيوش، وهي بلاد العراق. ولم يعد الإنسان يأمن على حياته وعلى ماله، وصار سواد الناس وكأنهم أبقار واجبها إعطاء الحليب وأداء الأعمال الأخرى للحكام، والذبح للاستفادة من لحومها ومن جلودها وعظامها, حينما تنتفي الحاجات الأخرى منها. وتأسد المرازبة وقادة الجيوش في الحكم، حتى صار الحكم حكم عواطف وأهواء ومصالح، "والشاهنشاه" عاجز عن عمل كل شيء؛ لأن "الشاهنشاهية" لم تعد متقيدة بالوراثة القديمة وبالآداب السلطانية، بل صارت لمن يستعين بأصحاب العضلات ويمثيري الفتن والاضطرابات. أضف إلى ذلك أن من بيده مفتاح الدفاع عن الدولة، وهم الجنود والضباط الصغار، شعروا أنهم يقاتلون لا في سبيل وطن ودين وعقيدة، بل يقاتلون لأنهم يساقون إلى القتال قسرًا، وهم في حالة سيئة ووراءهم عوائلهم لا تملك شيئًا، وقد جيء بهم إلى الجيش قسرًا وعلى
стр. 2139
طريقة "السخرة". وهم يحاربون ولا سلاح لهم؛ لأن الحكومة لا تملك سلاحًا, ولا نظام لهم؛ لأنهم لم يدربوا على القتال ولم يعلموا أصوله، أجسامهم تقاتل، وقلوبهم مشغولة في مصير أولادهم وزوجاتهم وبيوتهم، وهم المعيلون لهم، ليس لهم غيرهم من معين.
وحكومة هذا شأنها، لا يمكن لها أن تحافظ على حدود طويلة مفتوحة سهلة تقيم عليها قبائل غازية، تترقب الفرص لتجد فرصة تهتبلها لتغير فيها على الحضر، فتنتزع منهم ما قد تقع أيديهم عليه من أي شيء. فصار الأعراب يغيرون على الحدود من كل مكان فيه نفوذ وجنود للساسانيين، ولا سيما بعد معركة "ذي قار" التي منحتهم قوة معنوية عالية، وعلمتهم مواطن الضعف عند الساسانيين. فلما جاء الإسلام من جزيرة العرب صاروا عونًا له في تقويض تلك الدولة، ودالة ساعدته في تفهم مواطن الضعف فيها، ومنها نفذ الإسلام إلى ما وراء البحار، وقوض الحكومة الضخمة بسرعة عجيبة وبمحاربين لم يكونوا قد عرفوا من قبل أساليب القتال المنظم، ولا المعارك الضخمة التي صادفوها لأول مرة في حروبهم مع الساسانيين والبيزنطيين.
وقد طمعت القبائل في حكومة الحيرة أيضًا، هذه الحكومة التي ظهر عليها الوهن كذلك. فأخذت تغير عليها وتتعرض بحدودها، وتتحرش بقوافلها التي كان يرسلها ملوكها للاتجار في أسواق الحجاز واليمن، حتى صارت الطرق التي تسلكها خطرة غير آمنة، لا يتمكن رجالها من المرور بها بسلام. ولم يستطع الساسانيون من مساعدتها وحمايتها؛ لأن أوضاعهم الداخلية كانت كما ذكرتُ على غير ما يرام, وهذا مما زاد في تصميم القبائل على مهاجمة ملوك الحيرة وحدود الفرس في آن واحد. ولعل هذه الغارات كانت في جملة الأسباب التي حملت "كسرى" على القضاء على النعمان وعلى إنهاء حكم "آل نصر"، إما بسبب ما رآه "كسرى" من عدم تمكن الملك "النعمان" من تأديب القبائل ومن ضبط الطرق والأمن، فارتأى استبداله بعربي آخر أو برجل قوي من قادة الجيوش الفرس، وإما لظنه أو لما وصل إلى علمه من خبر يفيد بأن النعمان قد أخذ يفاوض سادة القبائل الكبار لإرضائهم وضمهم إليه، وفي هذا العمل تهديد لمصالح الفرس ومحاولة للابتعاد عنهم. فأراد لذلك القضاء عليه وعلى الأسرة الحاكمة، قبل أن
стр. 2140
يتمكن من الحصول على تأييد أولئك السادة الذين أدركوا نواحي الضعف في حكومة الساسانيين.
وهناك روايات يُشْتَمُّ منها أن "النعمان" قال لسادات القبائل: "إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكتُ وعززتُ بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم.... ليعلم أن العرب على غير ما ظن وحدث"١, وروايات تفيد أن "كسرى" إنما قتل "النعمان"؛ لأنه وسائر أسرته سايروا سادات القبائل وتواطئوا معهم على الساسانيين٢. ولعل عجز ملوك الحيرة عن حماية قوافل الفرس الذاهبة إلى اليمن والآيبة منها، وعن حماية الطرق البرية المهمة التي توصل العراق باليمن، ثم عجز ملك الحيرة من منع الأعراب من الإغارة على حدود الساسانيين، ثم اضطرار الملك "النعمان" إلى الاتصال بسادات القبائل لترضيتهم ولضمهم إليه لتأييده ولتقوية ملكه الضعيف, الذي كان يهدده خصوم له. لعل هذه الأسباب وغيرها، كانت في جملة العوامل التي حملت "كسرى" على القضاء على "النعمان" وعلى استبدال الأسرة الحاكمة بأسرة أخرى، أو تسليم أمور الحيرة نهائيا إلى قائد فارسي, يحكمها حكمًا عسكريًّا٣.
وقد نصب الفرسُ حاكمًا منهم على الحيرة، لكنه لم يتمكن من سد أبواب الحدود الطويلة وغلقها، ومنع الأعراب من دخولها. لقد اجتازوها ثم جاوزوها إلى مسافات بعيدة في الإسلام، أوصلت العرب إلى الصين والهند وتركستان الصينية؛ ذلك لأن الفرس كانوا منهوكي القوى في الداخل وفي الخارج، وقد أتعبتهم الأوجاع, بينما جاء العرب بإيمان برسالة، وبعزم وتصميم، وباعتماد على النفس، من أن النصر سيكون لهم حتمًا. لقد بدأ هذا العزم قبل "ذي قار"، ثم تجسم في "ذي قار"، فكان نصر المعركة في هذا الموضع ناقوس النصر، و"الهرمون"
стр. 2141
الذي بعث الحيوية في جسم القبائل، فجعلها تشعر أن في استطاعتها أن تفعل شيئًا لو وحدت نفسها، وعلمت عملًا إيجابيًّا منتظمًا، بعد دراسة وتفكير, وباعدت نفسها عن الهياج والحماس والكلام الكثير، الذي يذهب بعد تكلمه مع الهواء.
ولم تكن مشكلات الروم أقل خطورة أو عددًا من مشكلات الساسانيين. لقد تمكنت النصرانية، بعد عنت واضطهاد ومقاومة, أن تكون ديانة رسمية للحكومة والشعب. وكان المأمول أن تتوحد بذلك صفوف الأمة، غير أن التصدع الذي أصاب هذه الديانة لم يحقق لها ذلك الأمل، فتدخلت المذهبية في السياسة؛ في المذهبيات. وتولدت من هذا التدخل مقاومة رسمية من الحكومة للمذاهب المعارضة، واضطهاد لكل من يعارض مذهب القيصر, وظهرت كنيسة شرقية وكنيسة غربية، وتجزأ النصارى الشرقيون إلى شِيَعٍ وفِرَقٍ عُدَّ بعضها خارجًا على تعاليم الحق والإيمان -هي في نظر "الأرثوذكسية" مذاهب إلحادية باطلة- فعُوملت كما عاملت وثنية روما النصرانية حين ظهورها، فحوربت بغير هوادة واضطر الكثير من المخالفين إلى التكتم أو الهرب إلى مواضع ليس للبيزنطيين عليها سلطان.
والحروب المتوالية التي شنها الفرس على البيزنطيين, والبيزنطيون على الفرس، وانقسام الإمبراطورية إلى حكومتين: حكومة روما وحكومة القسطنطينية، ثم مهاجمة الملوك والأقوام الساكنة في أوروبا لهاتين الحكومتين من الشمال والغرب، كل هذه أنتجت مشكلات خطيرة للعالم الغربي عامة وللروم خاصة. وقد كان إزعاج الروم وإقلاقهم، مما يفيد بالطبع منافسيهم الفرس ويسُرُّهم، فكانوا يشجعون الثائرين ويتحالفون معهم لأن في ذلك قوة لهم، كما كان الروم أنفسهم يشجعون الأحزاب المعارضة للفرس ويحرضونها على الثورة على الساسانيين والتمرد عليهم، وعلى مهاجمة حدودهم نكاية بأعدائهم وللانتقام منهم حتى صارت الحروب بين الإمبراطوريتين تقليدًا موروثًا، لا يتركها أحد الطرفين إلا اضطرارًا، ولا تعقد هدنة بينهما إلا بدفع جزية تكون مقبولة لدى الطرف الغالب تغنيه عن المكاسب التي يتأملها من وراء الحرب، يدفعها المغلوب صاغرًا بسبب الأحوال الحرجة التي هو فيها، آملًا تحسن الموقف للانتقام من الخصم. فتأريخ الساسانيين والروم, هو تأريخ هدن وحروب عادت إلى بلاد الطرفين بأفدح الأضرار, وما الذي يكسبه الإنسان من الحروب غير الضرر والدمار؟.
стр. 2142
لقد وجد "كسرى أنوشروان" "٥٣١-٥٧٩م" في انشغال "يوسطنيان" "جستنيان" "jUSTINIAN" "٥٢٧-٥٦٥م" بالحروب في الجبهات الغربية, فرصة مواتية للتوسع في المناطق الشرقية من الإمبراطورية البيزنطية، فتحلل من "الهدنة الأبدية" التي كانت قد عقدت بين الفرس والروم, وهاجم الإمبراطورية منتحلًا أعذارًا واهية، واشترك في قتال دموي مر بجيوش الروم. ولم يفلح مجيء القائد "بليزاريوس" "BELISARIUS" من الجبهات الإيطالية لإيقاف تقدم الفرس، فسقطت مدن الشام وبلغت جيوش الفرس سواحل البحر المتوسط، وبعد مفاوضات ومساومات طويلة تمكن الروم من شراء هدنة من الفرس أمدها خمس سنوات بشروط صعبة عسيرة، وبدفع أموال كثيرة. ثم مُدت هذه الهدنة على أثر مفاوضات شاقة مع الفرس خمسين عامًا, حيث عقد الصلح في سنة "٥٦١" أو "٥٦٢م", تعهد الروم لكسرى بدفع إتاوة سنوية عالية، وتعهد الفرس في مقابل ذلك بعدم اضطهاد النصارى، وبالسماح للروم في الاتجار في مملكتهم على شرط معاملة الروم لرعايا الفرس المعاملة التي يتلقاها تجار الروم في أرض الساسانيين١.
و"يوسطنيان" معاصر "كسرى أنوشروان" شخصية فذة مثل شخصية معاصره، ذو آراء في السياسة وفي الملك، من رأيه أن الملك يجب أن يكون دليلًا وقدوةً ونبراسًا للناس، وأنه لا يكون عظيمًا شهيرًا لحروبه ولكثرة ما يملكه من سلاح وجند، إنما يكون عظيمًا بقوته وبقدرته وبالقوانين التي يسنها لشعبه للسير عليها، تنظيما للحياة. فالملك في نظره قائد في الحروب ومرشد في السلم، حامٍ للقوانين، منتصر على أعدائه. وكان من رأيه أن الله قد جعل الأباطرة ولاته على الأرض، وأدلة للناس، قوامين على الشريعة، ولذلك فإن من واجب كل إمبراطور أن يقوم بأداء ما فرضه الله عليه, بسن القوانين وتشريع الشرائع، ليسير الناس عليها. ولما كانت القوانين التي سارت عليها الإمبراطورية الرومانية كثيرة جدًّا، حتى صعب جمعها وحفظها، تطرق إليها الخلل، وتناقضت
стр. 2143
الأحكام، لذلك رأى أن من واجبه جمعها وتنسيقها وتهذيبها وإصدارها في هيئة دستور إمبراطوري يسير عليه قضاة الإمبراطورية في تنفيذ الأحكام بين الناس. وعهد بهذا العمل الشاق إلى "تريبونيان" "TRIBONIAN" من المشرعين المعروفين في أيامه١. فجمع هذا المشرع البارع القوانين في مدونات، ورتبها في كتب وأبواب، وصان بتدوينه هذا بعض القوانين البيزنطية والرومانية من الضياع، وأورث المشرعين ذخيرة ثمينة من ذخائر البشرية في التشريع.
ويعد هذا العمل من الأعمال العظيمة في تأريخ التشريع، ولم يكن "يوسطنيان" أول من فكر في جميع القوانين السابقة في مدونة، ولكنه كان أول من أقدم على تنسيقها وجمع ما تشتت منها وتيسيرها للمشرعين، وقد وحد بذلك قوانين الإمبراطورية, فعُدَّ صنيعه هذا إصلاحًا كبيرًا يدل على شعور الملك وتقديره للعدالة في مملكته. وقد أدخل معاصره "كسرى أنوشروان" إصلاحات على قوانين الجباية، فعد القرن السادس من القرون المهمة في تأريخ التشريع. ولكن الذي يؤسفنا أننا لا نملك موارد تفصل إصلاحات "كسرى", وهل هي نتيجة شعور بضرورة ملحة وحاجة، أم هي صدى للعمل الذي قام به "يوسطنيان"؟ ثم أي مدى بلغته تلك الإصلاحات؟
وفكرة إخضاع الإمبراطورية لقانون واحد نابعة من أصل عام كان يدين به "يوسطنيان"، يتلخص في دولة واحدة وقانون واحد وكنيسة واحدة. كان يوسطنيان يرى أن الدولة المنظمة هي الدولة التي يخضع فيها كل أحد لأوامر القيصر، وأن الكنيسة إنما هي سلاح ماضٍ يعين الحكومة في تحقيق أهدافها؛ لذلك سعى لجعلها تحت نفوذ الحكومة وفي خدمة أغراضها، فتقرب إلى رجال الدين، وساعد على إنشاء كنائس جديدة، واستدعى إلى عاصمته رؤساء الكنيسة "المتوفيزيتية" "MONOPHYSITES" القائلين بالطبيعة الواحدة واليعاقبة وأتباع "آريوس" "ARIAUS" وغيرهم من المعارضين لمباحثتهم ولعقد مناظرات بينهم وبين الكنيسة الرسمية للتقريب فيما بينهم, وإيجاد نوع من الاتفاق يخدم أهداف الملك المذكور. ولكن هذه المحاولة لم تنجح، ومحاولات التوفيق لم تثمر، ولتحقيق نظريته في الكنيسة الواحدة اضطهد أصحاب المذاهب المعارضة، وكذلك اليهود.
стр. 2144
واضطر بعضهم إلى ترك الإمبراطورية والهجرة إلى مملكة الساسانيين وإلى المحلات التي ليس للحكومة عليها سلطان١.
وزادت نظريته المذكورة في الدولة وفي الكنيسة من حدة المشكلات التي ورثها من أسلافه وجاءت بنتائج معاكسة لما كان يريد منها. فمحاولة تقربه من "البابا" وتأييده له، اصطدمت بفكرة كانت مسيطرة عليه، هي أن علمه باللاهوت لا يقل عن علم رجال الدين به، وأن من حقه التدخل في أمور الكنائس وفي تسيير المجامع الكنيسية، لتوحيد الكنائس وإعادتها إلى أصلها، فأزعج بذلك "البابا"، وصار من أضداده، وأزعج أصدقاءه ومعارضيه من رجال المذاهب الأخرى؛ لأنه خالفهم، وجاء بتفسيرات لم ترضِ أي مذهب منها. واضطر أخيرًا إلى الخضوع لعقيدته المهيمنة على عقله، وهي أن ما يراه في الدين هو الصحيح، وهو الحل الوسط للنزاع الكنسي، وهو الأصلح للدولة, فخلق معارضين له, وأغلق "جامعة أثينا" ومدارس البحث، وأصدر أمرًا بمنع الوثنيين وكل من ليس نصرانيًّا من الاشتغال في الدولة. وهكذا ولدت نظريته في "أنا الدولة" مشكلات خطيرة لدولته, ولدولة من جاء بعده من قياصرة.
وكانت لدى الروم مثل هذه المشكلة التي كانت عند الفرس: مشكلة تهرب كبار الملاكين والمتنفذين من دفع الضرائب، وزيادة نفوذهم وسلطانهم في الدولة. فعزم "يوسطنيان" على الحد من سلطانهم، والتشديد في استيفاء الضرائب لمعالجة الوضع الحربي الناتج من قلة المال اللازم للإنفاق على جيش كبير، مما اضطر الحكومة إلى تقليص عدد الجنود. فأصدر أوامر عديدة بالتشديد في جمع الضرائب، وبإجراء الإصلاحات في الإدارة، غير أن إصلاحاته هذه لم تنفذ؛ إذ لم يكن في مقدور الحكومة تنفيذها لعدم وجود قوة لديها تمكنها من الحد من نفوذ المتنفذين ورجال أكفاء أقوياء يقومون بالتنفيذ.
واهتم "يوسطنيان" بأمر التجارة، والتجارة مورد رزق للدولة كبير، ولا سيما مع الأقطار الشرقية، فقد كانت بضائعها مرغوبًا فيها في أوروبا ومطلوبة, تجني الحكومة منها أرباحًا كثيرة، وفي مطلع قائمة هذه البضائع النفيسة الأموال
стр. 2145
التي ترد إلى الإمبراطورية من الصين والهند، فقد كانت تلاقي إقبالًا كبيرًا من أثرياء الإمبراطورية ومن أثرياء إمبراطورية روما الغربية وبقية أنحاء أوروبا.
وأثمن بضاعة في قائمة البضائع الواردة من الصين مادة الحرير، ولثمن الحرير الباهظ حرص الصينيون على ألا يسمحوا لأي غريب كان أن ينقل معه البيض أو الديدان التي تتولد منه إلى الخارج، خشية المزاحمة والمنافسة التي تلحق بهم أفدح الأضرار. وتلي هذه المادة البضائع النفيسة الأخرى مثل: العطور والقطن الوارد من الهند والتوابل وأمثالها من المواد التي كان يعجب بها أصحاب الذوق في ذلك الزمن. كل هذه يشتريها تجار الروم، وبعد أن تأخذ الدولة البيزنطية الضرائب المفروضة، تسمح للتجار بالتصرف فيها وبيعها على بقية الأوروبيين.
وأسعار هذه المواد عالية باهظة إلى درجة كبيرة صارت مشكلة من مشكلات الدولة البيزنطية؛ ولهذا كانت تتصل دومًا بالإمبراطورية الساسانية لمحاولة الاتفاق على تحديد الأسعار، وتعيين مقدار الضرائب، وذلك بسبب ورود أكثرها من هذه الإمبراطورية، إذ كان التجار يأتون بالأموال من أسواق الصين تنقلها القوافل التي تجتاز أرض الدولة الساسانية لتسلمها إلى حدود الإمبراطورية البيزنطية، ومنها إلى العاصمة لتوزع في الأسواق الأوروبية.
هذا طريق، وهناك طريق آخر هو طريق البحر، يحمل تجار الصين أموالهم على سفن توصلها إلى جزيرة "تبروبانة" "TAPROBANE" وهي جزيرة "سيلان" ثم تفرغ هناك، فتحمل في سفن تنقلها إلى خليج البصرة، ثم تحمل في سفن أخرى تمخر في دجلة والفرات إلى حدود الروم.
ولما كانت علاقات الروم بالساسانيين غير مستقرة، والحروب بين الإمبراطوريتين متوالية, صارت هذه التجارة معرضة للتوقف والانقطاع طوال أيام الحروب، وهي كثيرة، فترتفع أسعارها هناك، كما أن الساسانيين كانوا يزيدون في أسعار البيع وفي ضريبة المرور، فتزيد هذه في سعر التكليف؛ ولهذا فكَّر "يوسطنيان" في التحرر من تحكم الساسانيين في مورد مهم من موارد رزقهم، وذلك باستيراد
стр. 2146
بضائع عن طريق البحر الأحمر، وهو بعيد عن رقابة الساسانيين١.
والخطة التي اختطها "يوسطنيان" لتحرير التجارة البيزنطية من سيطرة الساسانيين عليها، هي الاتصال بالأسواق الرئيسية المصدرة، ونقل المشتريات إلى الإمبراطورية بالبحر الأحمر الذي كان يسيطر الروم على أعاليه. لقد كان ميناء "أيلة" في أيدي البيزنطيين، وكان هذا الميناء موضعًا لتفريغ السفن الموسقة بالبضائع المرسلة من الهند إلى فلسطين وبلاد الشام، كما كان ميناء "القلزم" "CIYSMA" في أيديهم كذلك، تقصده السفن التي تريد إرسال حمولتها إلى موانئ البحر المتوسط. أما جزيرة "أيوتابة" "IOTABE" وهي جزيرة "تاران" "تيران"، فقد كانت مركزًا مهمًّا لجباية الضرائب من السفن القادمة من الهند، وكانت في أيدي بعض سادات القبائل، فأمر "يوسطنيان" بإقامة موظفي الجباية البيزنطيين بها؛ ليقوموا بالجباية. وأما ما بعد هذه المنطقة حتى مضيق المندب والمحيط الهندي فلم يكن للبيزنطيين عليه نفوذ٢.
ولتحقيق هذه الخطة، كان عليه وجوب السيطرة على البحر الأحمر والدخول منه إلى المحيط الهندي، للوصول إلى الهند وجزيرة "سيلان". ولا يمكن تحقيق هذه الخطة إلا بعملين: عمل عسكري يعتمد على القوة، وعمل سياسي يعتمد على التقرب إلى الحبشة الذين كانوا قد استولوا على اليمن، فصار مدخل البحر الأحمر: "مضيق باب المندب" بذلك في أيديهم. ثم بالتودد إلى سادات القبائل العربية النازلة في العربية وفي بادية الشام؛ لضمهم إلى صفوف البيزنطيين، ولتحريضهم على الفرس، وبذلك يلحق البيزنطيون ضررًا بالغًا بالفرس ويكون في استطاعتهم نقل التجارة نحو الغرب عن جزيرة العرب والبحر الأحمر إلى أسواقهم بكل حرية وأمان.
أما العمل العسكري، فلم يكن في وسع البيزنطيين القيام به في ذلك الوقت؛ لعدم وجود قوات برية كبيرة كافية، لتتمكن من اجتياز العربية الغربية للوصول
стр. 2147
إلى اليمن، حيث الحبش هناك إخوان البيزنطيين في الدين. وقد علموا من التجارب السابقة, أن الجوع والعطش يفتكان بالجيش فتكًا، وأن القبائل لا يمكن الاطمئنان إليها والوثوق بها أبدًا؛ لذلك تركوا هذا المشروع, فلم يبقَ أمامهم غير تنفيذه من ناحية البحر، وقد وجدوا أن هذا التنفيذ غير ممكن أيضًا؛ لأن أسطولهم في البحر الأحمر لم يكن قويا، ولم يكن في استطاعته السيطرة عليه سيطرة تامة، فتركوه ولو إلى حين، مفضلين عليه العمل السياسي.
أما العمل السياسي، فقد تم بالاتصال بالحبش، وقد كان ملكهم على النصرانية، لذلك كان من الممكن جلبه إلى البيزنطيين بالتودد إليه باسم الأخوة في الدين. كما تم بالتقرب إلى سادات القبائل المنتصرين، والتودد إليهم باسم الدين أيضًا، وتم بإرسال المبشرين إلى جزيرة العرب، وبتشجيعهم على المعيشة بين الأعراب وفي البوادي لتنصير سادات القبائل، وللتأثير عليهم بذلك، وبإقامة الكنائس وإرسال المال وعمال البناء لبنائها بأسلوب يؤثر في عقول الوثنيين، فيجعلها تميل إلى النصرانية، ولتكون هذه المعابد معاهد تثقيف تثقف بالثقافة البيزنطية كما تفعل الدول الكبرى في هذه الأيام.
وأرسل "يوسطنيان" -كما سبق أن بينا ذلك١- رسولًا عنه يدعى "يوليانوس" "جوليانس" "julIANUS" إلى النجاشي وإلى "السميفع أشوع" "ESIMBHANUS" حاكم اليمن في ذلك العهد، ليتودد إليهما، وليطلب منهما باسم "العقيدة المشتركة" التي تجمعهم أن يكوِّنا مع الروم جبهة واحدة في محاربة الساسانيين، وأن يقوما مع من ينضم إليهم من قبائل العرب بمهاجمتهم، وحمل السفير إلى "السميفع أشوع" رجاء آخر، هو موافقته على تعيين رئيس عربي اسمه "KAISOS" أي "قيس" عاملًا "فيلارخ" "BHYLARCH" على قبيلة عربية تدعى "معديني" "MADDENI"، أي قبيلة "معد"، ليشترك معه ومع عدد كبير من أفراد هذه القبيلة بمهاجمة الساسانيين.
وقد رجع السفير فرحًا مستبشرًا بنجاح مهمته، معتمدًا على الوعود التي أخذها من العاهلين، غير أنهما لم يفعلا شيئًا، ولم ينفذا شيئًا ما مما تعهدا به
стр. 2148
للسفير، فلم يغزوا الفرس، ولم يعين "السميفع أشوع" "قيسًا" "فيلارخًا" عاملًا على قبيلة معدّ.
وورد أيضًا أن القيصر جدد في أيام "أبراموس" "ABRAMOS" الذي نصب نفسه في مكان "ESIMIBHAEUS"، طلبه ورجاءه في محاربة الفرس، فوافق على ذلك وأغار عليهم، غير أنه تراجع بسرعة١.
ويظهر أن اتصال البيزنطيين بـ"أبراموس" "ABRAMOS" كان بعد القضاء على "السميفع أشوع" الذي لم يتمكن من مهاجمة الفرس؛ إذ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق بعيدة تمر بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من رجاله على القتال٢. فلما تمكن "أبراموس" من التحكم في شئون اليمن ومن تنصيب نفسه حاكمًا عامًّا على اليمن وصارت الأمور بيديه تمامًا، فكر البيزنطيون في الاستفادة منه بتحريضه على الساسانيين، وذلك باسم الأخوة في الدين.
وقد تحرش "أبراموس" بالفرس، غير أنه لم يستمر في تحرشه بهم، فما لبث أن كف قواته عنهم٣. ولم يذكر المؤرخ "بروكوبيوس" كيف هاجم "أبراموس" الساسانيين، ومن أين هاجمهم ومتى هاجمهم. لذلك أبقانا في جهل بأخبار الهجوم.
و"أبراموس" هو "أبرهة" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي عن اليمن، أما ما أشار إليه "بروكوبيوس" من تحرشه بالفرس ومن تركه لهم بعد قليل, فقد قصد به حملته على "مكة" على الغالب، وهي حملة قصد بها "أبرهة" على ما يظهر الاتصال بالبيزنطيين عن طريق البر, وإخضاع العربية الغربية بذلك إلى حكمه وهو من المؤيدين البيزنطيين. وبذلك تؤمن حرية الملاحة في البحر الأحمر، ويكون في إمكان السفن البيزنطية السير به بكل حرية، ولعله كان يقصد بعد ذلك مهاجمة الفرس من البادية بتحريض القبائل المعادية للساسانيين عليهم، وبتأليف حلف من قبائل يؤثر عليها فيهاجم بها الفرس.
стр. 2149
أما "KAISOS" "CAISUS"، فكان كما وصفه المؤرخ "بروكوبيوس" شجاعًا ذا شخصية قوية مؤثرة, حازمًا, من أسرة سادت قبيلة "معد", وقتل أحد ذوي قرابة "السميفع أشوع" "ESIMABHAIOS""ESIMAPHAEUS" فتعادى بذلك معه، حتى اضطر إلى ترك دياره والهرب إلى مناطق صحراوية نائية١. فأراد القيصر الشفاعة له "ESIMAPHAIOS" والرجاء منه الموافقة على إقامته رئيسًا "PHYLARCH" على قبيلته قبيلة معد.
ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع، لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة عريقة، لها عند قومها مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة, ولشخصيته ومكانة أسرته أرسل رسوله إلى حاكم اليمن لإقناعه بالموافقة على إقامته رئيسًا على قومه. وبهذا يكتسب القيصر رئيسًا قويًّا وحليفًا شجاعًا يفيده في خططه السياسية الرامية إلى بسط نفوذ الروم على العرب، ومكافحة الساسانيين.
ونحن لا نعرف من أمر "قيس" هذا في روايات الإخباريين شيئًا غير أن هناك رواية لابن إسحاق جاء فيها أن أبرهة عين محمد بن خزاعى عاملًا له على مضر، وأن "قيسًا" كان يرافق أخاه حين كان في أرض كنانة. فلما قتل "محمد"، فر إلى "أبرهة"٢. وقد ورد نسب "محمد" على هذه الصورة: "محمد بن خزاعى بن علقمة بن محارب بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمي" في بعض الروايات، وذكر أنه كان في جيش أبرهة مع الفيل٣.
فهل قيس هذا هو قيس الذي ذكره "بروكوبيوس", اتصل مع أخيه محمد بأبرهة، وصار من المقربين لديه؟ أم هو رجل آخر لا علاقة له بـ"قيس" الذي ذكره "ابن إسحاق"؟
وقد زار والد "نونوسوس" "NONNOSOS" "قيسًا" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "٥٣٠م", وزاره "نونوسوس" نفسه في أثناء حكمه. وأرسل "قيس"
стр. 2150
ابنه "معاوية" إلى "يوسطنيان"، ثم أعطى أخاه ثم ابنه الإمارة، وعينه القيصر عاملًا "PHYLARCH" على فلسطين١.
وكانت للقيصر "يوسطنيان" صداقة مع رئيس آخر اسمه "أبو كرب" "ABOCHORABUS"، يقع ملكه في أعالي الحجاز وفي المناطق الجنوبية من فلسطين. عرف هذا الرئيس بالحزم والعزم فخافه الأعداء، واحترمه الأتباع، واتسع لذلك ملكه، وتوسع سلطانه حتى شمل مناطق واسعة، ودخلت في تبعيته قبائل عديدة أخرى على القانون الطبيعي في البادية الذي يحتم دخول القبائل طوعًا وكرهًا في تبعية الرئيس القوي.
أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقربه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات نخيل كثيرة، عرفت عند الروم بـ"فوينيكون" "PHOINIKON" "واحة النخيل"، أو "غابة النخيل". وهي أرض بعيدة، لا تُبلَغ إلا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة، فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، إذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس", عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعين هذا "الشيخ" عاملًا "فيلارخًا" على عرب فلسطين٢.
وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسنة بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" "AMORKESOS" وكان "AMORKESOS" في الأصل من عرب المناطق الخاضعة للفرس، ثم هجر دياره لسبب لا نعرفه إلى الأرضين الخاضعة لنفوذ الرومان، وأخذ يغزو الأعراب، حتى هابته القوافل، فتوسع نفوذه، وامتد إلى العربية الصخرية، واستولى على جزيرة "تاران" "IOTABA"، وترك رجاله فيها يجبون له الجباية من السفن القادمة من الهند، حتى حصل على ثروة كبيرة، وعزم في سنة "٤٧٣م" على إرسال الأسقف "بطرس" أسقف الأعراب التابعين له, إلى القسطنطينية؛ ليتصل بالقيصر، وليتوسط لديه هناك أن يوافق على تعيينه عاملًا "PHYLARCH" على الأعراب المقيمين في العربية الحجرية
стр. 2151
والخاضعين لنفوذ الروم مقابل دخوله في حلف معهم، فاستجاب القيصر "ليون" "LEO" إلى طلب "بطرس"، فأرسل دعوة إلى "امرئ القيس" لزيارة القسطنطينية، فذهب إليها بالرغم من وجود شرط في معاهدة الصلح التي كانت قد عقدت بين الفرس والروم لا يسمح بموجبه لعربي ما من سَكَنَة المناطق الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية الساسانية بالذهاب إلى مناطق الروم. ولما وصل إلى القسطنطينية، رحب به البيزنطيون ترحيبًا جميلًا واستقبلوه استقبالًا حسنًا, فأعلن هناك دخوله في النصرانية، وأغدق عليه القيصر الهدايا والألطاف, ومنحه لقب "فيلارخ" "PHYLARCH"، وثبته على المواضع التي أرادها، وعلى جزيرة "تاران"١ "IOTABA".
وكان دخل البيزنطيين كبيرًا من الضرائب التي يجبيها موظفو الجمارك المقيمون في جزيرة "تاران""IOTABA". وكان لهؤلاء الموظفين واجب آخر، هو واجب مكافحة التهريب، والقبض على كل مهرب يريد إدخال التجارة خلسة إلى بلاد الشام أو مصر، ومصادرة الأموال التي يحملها معه، ولهم حق مكافأة المخبرين الذين يرشدونهم للقبض على المهربين٢.
و"غابة النخيل" التي ذكرناها، تجاور أرض قبيلة "معد" "Maddenoi" وكانت معد خاضعة لحكم حمير، وقد رأينا كيف أن القيصر "يوسطنيان" توسط لدى "السميفع أشوع" ليوافق على تعيين "قيس" رئيسًا على معد، وقد تمردت هذه القبيلة على "أبرهة" فسير إليها قوة لتأديبها، كما يظهر ذلك من كتابة أمر "أبرهة" بكتابتها لهذه المناسبة: أدبها بقوة، سيرها إليها في شهر "ذو ثبتن" من شهور فصل الربيع، فانهزمت معد، وأنزلت القوة بها خسائر فادحة. وبعد أن تأدبت وخضعت، اعترف "أبرهة" بحكم "عمرم بن مذرن" عليها, وتراجعت القوة عنها٣.
و"عمرم بن مذرن", أي "عمرو بن المذر" هو "عمرو بن المنذر" ملك الحيرة. وقد كانت "معد" في حكم ملوك الحيرة، وعلى هذا تكون هذه الغزوة "غزوتن" التي قام بها "أبرهة" على قبيلة "معد" موجهة إلى "عمرو
стр. 2152
ابن المنذر" حليف الفرس، بمعني أنه تعرض لجماعة كانت في جانب الساسانيين. فهل الغزاة التي أشار إليها المؤرخ "بروكوبيوس" هي هذه الغزاة؟
و"Maddenoi" هي قبيلة "معداية" "Ma'addaye" التي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" "John Of Ephesus" مع "طياية" "طيايا" "طيايه" "Tayaye" "Taiyaya" في كتابه الذي وجهه إلى أسقف "بيت أرشام" "Beth Arsham" ويظهر من هذا الكتاب أنها كانت مقيمة في فلسطين.
وقد تحدثتُ سابقًا عن ورود اسم قبيلة "معد" في نص النمارة الذي يرجع عهده إلى سنة "٣٢٨م" حيث ورد أن "امرأ القيس بن عمرو" ملك العرب ملك على "معد" وعلى قبائل أخرى ذكرها النص، منها أسد ونزار ومذحج. ويربط الإخباريون في العادة بين ملوك الحيرة وقبيلة معد، وطالما ذكروا أن ملوك الحيرة غزوا بمعد، مما يدل على وجود صلة تأريخية متينة بين الحيرة وهذه القبيلة المتبدية التي كانت تمعن في سكنها مع البادية.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أنه قد كان للتبابعة شأن في تنصيب سادات على معد. فهي تذكر أنهم هم الذين كانوا يعينون أولئك السادة، فينصبونهم "ملوكًا" على معد. وذلك بسبب تنازع سادات معد فيما بينهم وتحاسدهم وعدم تسليم بعضهم لبعض بالزعامة. ولهذا كانوا يلجئون إلى التبابعة لتنصيب "ملوك" عليهم. يضاف إلى ذلك أن معدا كانت قبائل متبدية, منتشرة في أرضين واسعة تتصل باليمن، وقد كان أهل اليمن المتحضرون أرقى منهم، وجيوشهم أقوى وأنظم نسبيا من محاربي معد ومقاتليهم الذين كانوا يقاتلون قتال بدو، لا يعرفون تنظيمًا ولا تشكيلًا ولا توزيعًا للعمل. وكل ما عندهم هو كر وفر, إذا وجدوا خصمهم أشطر منهم وأقدر على القتال هربوا منه.
وقد مُنيت الإمبراطورية البيزنطية بانتكاسات عديدة بعد وفاة "يوسطنيان"، فاشتد الاضطهاد للمذاهب المخالفة للمذهب الأرثوذكسي، وعادت الفوضى إلى الحكومة بعد أن سعى القيصر الراحل في القضاء عليها، وتجددت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين، وعاد الناس يقاسون الشدائد بعد فترة من الراحة لم تدم طويلًا، وبعد حروب متتالية دخل الساسانيون بلاد الشام. وفي سنة "٦١٤م" احتل أتباع ديانة زرادشت عاصمة النصرانية القدس، فأصيبت المدينة بخسائر كبيرة
стр. 2153
في أبنيتها التأريخية وفي ثروتها الفنية التي لا تقدر بثمن، ثم أصيبت الإمبراطورية بنكبة عظيمة جدا هي استيلاء الفرس على مصر، وبلوغ جيوش الساسانيين في هذه الأثناء الساحل المقابل للقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية١.
لقد وقعت هذه الأحداث ونزلت هذه الهزائم بالروم في وقت كان أمر الله قد نزل فيه على الرسول بلزوم إبلاغ رسالته للناس, والرسول إذ ذاك بمكة، يدعو أهلها إلى دين الله. فلما جاء الخبر بظهور فارس على الروم، فرح المشركون، وكانوا يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. فلقي المشركون أصحاب النبي، فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون, وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب, وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله: ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ, فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العزيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. وفرح المسلمون بنزول هذه الآيات المقوية للعزيمة وأيقنوا أن النصر لا بد آتٍ, وأنهم سينتصرون على أهل مكة أيضًا ويغلبونهم بإذن الله، وخرج أبو بكر إلى الكفار "فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا, فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ﷺ ، فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضل. فقال له أبو بكر ﵁: أنت أكذب يا عدو الله. فقال: أناحبك على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره, فقال: "ما هكذا ذكرت, إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايدْه في الخطر وماده في الأجل". فخرج أبو بكر فلقي أبيًّا، فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا. فقال: أزايدك في الخطر وأمادك في
стр. 2154
الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين. قال: قد فعلت"١.
لقد وقعت هذه الهزائم الحربية الكبيرة في عهد القيصر "هرقل" "Heraclius" "٦١٠-٦٤١م". ففي عهده, اقتطعت بلاد الشام ومصر من جسم الإمبراطورية، وهي أعضاء رئيسية في ذلك الجسم. غير أن طالع هذا القيصر لم يلبث أن تحسن بعد سنين من النحس، فاستعاد تلك الأملاك في المعارك التي نشبت بين سنة ٦٢٢ وسنة ٦٢٨م. في هذه الفترة نال هرقل أعظم نصر له في ثلاث معارك كبيرة, ولكن نصره الأكبر جاءه يوم قتل "كسرى أبرويز" صاحب هذه الفتوحات بيد ابنه "شيرويه"٢, فورد طائر السعد على القيصر بهذا الخبر المفرح، ثم تحققت البشرى بالصلح الذي عقد بين القيصر وبين "شيرويه". وفيه نزل الفرس عن كل ما غنموه, ورضوا بالرجوع إلى حدودهم القديمة قبل الفتح. فعادت الشأم وفلسطين ومصر إلى البيزنطيين، وأعيد الصليب المقدس إلى موضعه في القدس, في موكب حافل عظيم٣.
وسُر المسلمون وهم بالمدينة بانتصار الروم على الفرس، وزاد أملهم في قرب مجيء اليوم الذي ينتصر فيه المسلمون على المشركين، وقويت عزيمتهم في التغلب على قريش، "وأسلم عند ذاك ناس كثير"٤, وتضعضعت معنويات قريش، وغلب "أبو بكر" أبيا على الرهان، وكسبه، أخذه من ورثته، لأنه كان قد توفي من جرح أصيب به، فلم يدرك زمن طرد من تعصب له من بلاد الشام وخسارته الإبل التي تراهن عليها.
وشاء ربك ألا يكون النصر في هذه المرة لا للروم ولا للفرس، بل للمسلمين، وشاء ألا يبقى الروم في بلاد الشام إلا قليلًا، إلا سنين، إذ تهاوت مدن بلاد الشام ثم مصر فشمال إفريقيا، الواحدة بعد الأخرى، في أيدي أناس لم يخطر ببال الروم أبدًا أنهم سيكونون شيئًا ذا خطر في هذا العالم، أعني بهم أبناء مكة ويثرب ومن تبعهم من أهل جزيرة العرب. تهاوت بسرعة عجيبة لا تكاد
стр. 2155
تصدق، وبطريقة تشبه المعجزات. وقد بدأ هذا الانهيار بكتاب يذكر أهل السير والأخبار أن الرسول أرسله إلى "هرقل عظيم الروم"، يدعوه فيه إلى الإسلام, فإن أبى وبقي على دينه فعليه تبعته، فلما لم يسلم، جاءه الإنذار، قوات صغيرة لا تكاد تكون شيئًا بالنسبة إلى جيوش الروم الضخمة، أخذت تمهد الطريق لنشر الإيمان في بلاد رفض حكامها الدخول فيه. طهرت الأرض الموصلة إلى الحدود من المخالفين، ثم أحذت تتحرش ببلاد الشام، ولم يأخذ الروم ذلك التحرش مأخذًا جديًّا، إذ تصوروه غزوًا من غزو العرب المألوف يمكن القضاء عليه بتحريك عرب بلاد الشام من الغساسنة ومن لف لفهم عليهم، أو بإشارة رؤسائهم بالهدايا والمال وتنصيبهم ملوكًا على عرب بلاد الشام في موضع الغساسنة كما كانوا يفعلون مع القبائل القوية الكبيرة التي كانت تتحرش بالحدود، وينتهي بذلك الغزو وتصفو الأمور.
ولم يعلم البيزنطيون أن المسلمين يختلفون عن الجاهليين، يختلفون عنهم في أن لهم عقيدة ورسالة، وأن من يسقط منهم يسقط في سبيل إعلاء كلمة ربه، وله الجنة، وأن من يعيش منهم وينجو فلن يركن إلى الدعة والحياة الهادئة والرجوع إلى البادية بل لا بد له من أحد أمرين: إما نصر حاسم، وإما موت شريف في سبيل الله ورسوله. وبقوا في جهلهم هذا إلى أن نبهتهم الضربات العنيفة التي وقعت بينهم وبين العرب في "أجنادين" "Gabatha" وفي "اليرموك" "Hieromax" بأن المعارك التي وقعت ليست غزوًا من الغزو المألوف، بل خطة مهيأة لطرد الروم الذين لا يؤمنون برسالة الرسول من كل بلاد الشام وما وراءها من أرضين، وعندئذ جمعوا جموعهم، وألفوا قلوب العرب المستعربة، أي: العرب النصارى القاطنين في بلاد الشام، بالمال وباسم الدين، وجعلوهم معهم وتحت قيادتهم في جيوشهم الضخمة لمقابلة المسلمين الذين لم يعرفوا الحروب الكبيرة، ذات العدد الضخم من المحاربين، والأسلحة المتنوعة الحديثة، بالنسبة إلى أسلحتهم المكونة من سيوف وسهام ورماح وحجارة وخناجر. وهنا وقعت غلطة فنية حربية أخرى من الروم، إذ قابلوا المسلمين بجيوش ضخمة، يسيرها قواد كبار تعودوا الحرب بأساليبها النظامية وبالطرق المدرسية الموروثة عن الرومان وتزودوا بالخبرة الفنية العالية التي كسبوها من حروبهم مع الفرس ومع الأوروبيين، فظنوا أن الحرب مع
стр. 2156
المسلمين شيئًا بسيطًا، بل أبسط من البسيط, حتى إن كبار القادة وجدوا أن من المهانة الاهتمام بأمر أولئك البدو الغزاة, فتركوا الأمر لمن دونهم في الدرجات يديرونها مع العرب الذين أظهروا ذكاء فطريا عظيما في هذه الحروب، بتجنبهم الالتحام بالجيوش، إذ لا قبل لهم بمقاتلتها، وباتخاذهم خطة المناوشات والكر والفر بقوات غير كبيرة العدد، وبذلك تتوفر لهم السرعة في العمل ومباغتة الجيوش الضخمة من ورائها ومن مجنباتها، وبغزو خاطف كالبرق يلقي الفزع في القلوب، وبذلك أفسدوا على الروم خطتهم بالهجوم على العرب، بجيوش نظامية كبيرة مدربة على القتال يكون في حكم المحال بالنسبة للعرب الوقوف أمامها لو أنهم حاربوهم حربهم، ووقفوا أمامهم وجهًا لوجه. وبركون العرب إلى هذه الخطة المبتكرة، وبمعاملتهم من خضع لهم واستسلم لأمرهم معاملة حسنة، وبتحريض "العرب المستعربة"، "العرب المتنصرة"، وسكان بلاد الشام من غير الروم، بل ومن الروم على الانضمام إليهم، غلبوا البيزنطيين، وحصلوا ما حصلوا عليه من أرضين.
وعند ظهور الإسلام كانت اليمن في حكم الساسانيين كما رأينا، غير أن حكمهم لم يكن في الواقع حكمًا تامًّا فعليًّا، بل كان حكما شكليا اسميا، محصورًا في صنعاء وما والاها. أما الأطراف والمدن الأخرى, فكان الحكم فيها لسادات اليمن من حضر ومن أهل وبر, وهو حكم نسميه حكم "أصحاب الجاه والنفوذ". وقد شاء بعض منهم أن يظهر نفسه بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب "ملك" وحملوه افتخارًا واعتزازًا، ولم يكن أولئك الملوك ملوكًا بالمعنى المفهوم، إنما كانوا سادات أرض وقبائل، جملوا أنفسهم بألقاب الملك.
فقد نعتت كتب التواريخ والسير سادات حمير في أيام الرسول: الحارث بن عبد كلال، وشريح بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، و"النعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر"، و"زرعة ذو يزن" "زرعة بن ذي يزن" بـ"ملوك حمير"، وذكرت أنهم أرسلوا إلى الرسول رسولًا يحمل إليه كتابًا منهم يخبرونه فيه بإسلامهم، وقد وصل إليه مقفله من تبوك، ولقيه بالمدينة، فكتب الرسول إليهم جوابه، شرح لهم فيه ما لهم وما عليهم، وما يجب عليه
стр. 2157
مراعاته من أحكام١. ويذكر "ابن سعد" أن هذا الرسول هو "مالك بن مُرارة الرهاوي" "مالك بن مرة الرهاوي"، وقد وصل المدينة في شهر رمضان سنة تسع، وذلك بعد رجوعه من أرض الروم٢.
ودون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول أرسله إلى "الحارث" و"مسروح" و"نعيم" أبناء "عبد كلال" من حمير, حمله إليهم "عياش بن أبي ربيعة المخزومي". وأوصاه بوصايا ليوصي بها أبناء "عبد كلال" إن أسلموا, منها أنهم إذا رطنوا "فقل ترجموا"، حتى يفقه كلامهم, وإذا أسلموا، فليأخذ قضبهم الثلاثة التي إذا حضروا بها سجدوا, وهي من الأثل قضيب ملمع ببياض وصفرة، وقضيب ذو عجر كأنه خيزران، والأسود البهيم كأنه من ساسم، ثم أخرجها فحَرِّقها بسوقهم. فذهب إليهم ووجدهم في دار ذات ستور عظام على أبواب دور ثلاثة. فكشف الستر ودخل الباب الأوسط، وانتهى إلى قوم في قاعة الدار. ففعل بمثل ما أمره به الرسول٣.
ويظهر من قوله: "فإذا رطنوا فقل ترجموا"، أنهم لم يكونوا يحسنون عربية أهل مكة، وأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بلهجاتهم الخاصة بهم, وأن معنى تحريق القضب الثلاثة، هدم ما كان لهم من عزة وسلطان وتكبر على الرعية؛ لأن الإسلام قد أمر باجتثات ذلك، وبأن يكون الحكم للرسول وحده، ولما كانت تلك القضب رمزًا للحكم والسلطان، وقد جعل الإسلام الحكم للرسول وحده، لهذا أمر الرسول بكسر تلك القضب، وفي كسرها إشعار لهم بأن حكمهم القديم قد زال عنهم، وأن الحكم الآن للرسول.
ويظهر من نص الكتاب الذي وجهه الرسول إلى "زرعة بن ذي يزن"، وفيه: "أما بعد، فإن محمدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير, وقتلت
стр. 2158
المشركين....إلخ"١، أن "زرعة" هذا كان رأس حمير، والمطاع فيها، ولهذا أرسل إليه رسولًا خاصًّا به هو "مالك بن مرة الرهاوي"، واستلم جوابًا خاصًّا من الرسول كتب باسمه، ولم يذكر اسمه في الجواب الذي أرسله إلى الباقين بصورة مشتركة.
وذكر "ابن سعد" أن رسول الله كتب كتابًا إلى "بني عمرو" من حمير، ولم يذكر من هم "بنو عمرو"، وأشار إلى أن في الكتاب: "وكتب خالد بن سعيد بن العاصي"٢, ما يدل على أنه كان كاتب ذلك الكتاب. ويشير "ابن سعد" أيضًا إلى أن الرسول أرسل "جرير بن عبد الله البجلي" إلى "ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع" وإلى "ذي عمرو" يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلمت "ضريبة بنت أبرهة بن الصباح" امرأة "ذي الكلاع"، وتوفي رسول الله، وجرير عندهم، فأخبره "ذو عمرو" بوفاته٣.
ويشير نسب "ذي الكلاع" المذكور إلى أنه من الأسرة التي كانت تحكم اليمن قبيل غزو الحبش لها. فهو من الأسر الشريفة الحميرية في اليمن، وقد عرف بـ"ذي الكلاع الأصغر" عند أهل الأخبار تمييزًا له عن "ذي الكلاع الأكبر" الذي هو في عرفهم "يزيد بن النعمان الحميري" من ولد "شهال بن وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبأ الأصغر".
وأما صاحبنا "ذو الكلاع" الأصغر الذي راسله الرسول وأسلم، فهو أبو "شراحيل سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر". قال أهل الأخبار: التكلع: الحلف "وبه سمي ذو الكلاع الأصغر؛ لأن حمير تكلعوا على يده، أي: تجمعوا، إلا قبيلتين: هوازن وحراز، فإنهما تكلعتا على ذي الكلاع الأكبر: يزيد بن النعمان"٤.
وذكر نسب "ذي الكلاع الأصغر" على هذا الشكل: "سميع بن ناكور
стр. 2159
ابن عمرو بن يعفر بن يزيد بن النعمان الحميري", و"يزيد" هذا هو "ذو الكلاع الأكبر". وذكر أن "أبا شراحيل" هو الرئيس في قومه المطاع المتبوع، أسلم في حياة النبي، فكتب إليه النبي على يد جرير بن عبد الله البجلي كتابًا في التعاون على الأسود ومسيلمة وطليحة. وكان القائم بأمر معاوية في حرب صفين، وقتل قبل انقضاء الحرب، ففرح معاوية بموته، وذلك أنه بلغه أن "ذا الكلاع" ثبت عنده أن عليا بريء من دم عثمان، وأن معاوية لبس عليهم ذلك، فأراد التشتيت عليه فعاجلته منيته بصفين وذلك سنة سبع وثلاثين١.
ويكون "ذو الكلاع" الأصغر، قد تزوج بنتًا من بنات أبرهة هي "ضريبة"٢.
ونسب إلى النابغة قوله:
أتانا بالنجاشة مجلبوها ... وكندة تحت راية ذي الكلاع
يريد تميمًا وأسدًا وطيًّا أجلبوا الجيش على بني عامر مع أبي يكسوم وذو الكلاع كان معه أيضًا٣.
وذكر أن رسول الله كتب إلى "معد يكرب بن أبرهة" أن له ما أسلم عليه من أرض خولان٤. ولم يشر "ابن سعد" إلى بقية اسم أبرهة أو إلى شهرته؛ لذلك لا ندري إذا كان قصد "أبرهة" المعروف, أو شخصًا آخر اسمه أبرهة. ولكننا نعرف اسم قيل عرف بـ"معد يكرب" اسم والده "أبو مرة الفياض" ذو يزن، كان متزوجًا من "ريحانة" ابنة "ذي جدن" فولدت له "معد يكرب" المذكور. ثم انتزعها منه "الأشرم"، ونشأ "معد يكرب" مع أمه "ريحانة" في حجر "أبرهة"٥, فلعله نسب إليه، لذلك قال له "ابن سعد" "معد يكرب بن أبرهة".
وكان للفرس وللجيل الجديد الذي ظهر في اليمن من تزاوجهم باليمانيين، وهو
стр. 2160
الجيل الذي عرف بـ"الأبناء" نفوذ كبير في اليمن، وقد تحدثت عنه في الجزء السابق من هذا الكتاب، وإلى هذا الجيل أرسل الرسول "وبر بن يحنس"، يدعوه إلى الإسلام، فنزل على بنات "النعمان بن بزرج" فأسلمن، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم، وإلى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبه. وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه١.
وقد كان الفرس الذين أقاموا باليمن مثل سائر الفرس على المجوسية، ولما دخل أهل اليمن في الإسلام، دخل بعض هؤلاء فيه, وأقام بعض آخر على دينه، وفرض الرسول على من بقي على دينه جزية٢. وقد نفر منهم بعض سادات اليمن من الأسر القديمة، بسبب أنهم غرباء عن اليمن، جاءوا إلى اليمن فحكموها، ولهذا انضم بعض منهم إلى "الأسود" في ردته؛ لأن "الأسود العنسي" كان كارهًا للأبناء، حاقدًا عليهم, يرى أنهم عصابة دخيلة، استأثرت بحكم اليمن٣. وقد شاءت الأقدار أن تكون نهايته بأيديهم؛ إذ كان قاتله منهم فكأن قلبه كان يعلم بما سيفعلونه به، ولهذا كرههم.
وكانت الأزد من القبائل المعروفة في اليمن، وقد جاء وفد منهم إلى الرسول, على رأسه "صرد بن عبد الله" في بضعة عشر، فأسلم، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، وكان أول ما فعله أنه حاصر "جرش", وكانت قد تحصنت وضوت إليها خثعم, فلما وجد أن من العسير عليه فتحها بالقوة آوى إلى جبل "كشر"، فظن أهل جرش، أنه إنما ولى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلًا, ثم أسلم من نجا منهم. وحمى الرسول لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس، وللراحلة، وللمثيرة تثير الحرث، فمن رعاها من الناس سوى ذلك فماله سحت٤.
وكتب الرسول كتابًا إلى "خالد بن ضباد الأزدي" أن له ما أسلم عليه من
стр. 2161
أرضه، وكان كاتب كتابه "أبي"١, وكتب مثل ذلك لجنادة الأزدي وقومه, وكان كاتب هذا الكتاب "أبي" كذلك٢. وكتب الرسول إلى "أبي ظبيان الأزدي" من "غامد" يدعوه ويدعو قومه إلى الإسلام, فأجابه في نفر من قومه بمكة, وكانت لأبي ظبيان صحبة، وأدرك عمر بن الخطاب٣.
وذكر أن "ضماد بن ثعلبة" الأزدي، كان صديقًا للرسول في الجاهلية، وكان يتطبب ويرقي من هذه الرياح، ويطلب العلم، فقدم مكة قبل الهجرة، واجتمع بالرسول وكلمه، ثم أسلم، وهو من "أزد شنوءة"٤.
ونجد "ابن سعد" يدون صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لبارق من الأزد. نظم فيه حقوقهم مثل ألا تُجذ ثمارهم وألا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، وغير ذلك. وكتب الكتاب "أبي بن كعب"، وشهد عليه أبو عبيدة الجراح وحذيفة بن اليمان٥.
ويجاور الأزد من الشرق "خثعم" و"مذحج" و"مراد" و"همدان" و"بلحارث"، ويجاورهم في غربهم "بنو كنانة" و"بنو عك". أما من الجنوب، فتتصل ديارهم بديار "همدان" و"حمير".
وتجمع بعد وفاة النبي قوم من الأزد وبجيلة وخثعم، عليهم حميضة بن النعمان وذلك بـ"شنوءة"، وعلى أهل الطائف "عثمان بن ربيعة"، فبعث إليهم "عثمان بن أبي العاص" عامل النبي على الطائف, بعثًا التقى بهم بشنوءة، فهزموا تلك الجُمَّاع، وتفرقوا عن "حميضة"، وهرب وفسدت ثورة هؤلاء المرتدين٦.
وتمرد قوم من "خثعم" على "أبي بكر" حينما بلغهم نبأ وفاة الرسول وخرجوا غضبًا إلى "ذي الخلصة" يريدون إعادته، فأمر "أبو بكر" جرير
стр. 2162
ابن عبد الله" أن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله، وأن يستنفر "مُقويهم"، فيقاتل بهم خثعم, فنفذ أمره فتبعهم وقتلهم وعاد إلى الإسلام من تاب١. وكان الرسول قد بعث سنة تسع للهجرة "قطبة بن عامر بن حدية" إلى خثعم بناحية "تبالة"، فتغلب عليهم٢.
وبقيت "همدان" قبيلة قوية من قبائل اليمن، وقد أسلمت كلها في يوم واحد، أسلمت يوم مقدم "علي بن أبي طالب" إلى اليمن على رأس سرية أمر الرسول بإرسالها إلى هناك. وقد فرح الرسول بإسلامها، وتتابع أهل اليمن على الإسلام٣.
وقد كانت همدان بطونًا عديدة؛ من بطونها "بنو ناعط"، ومن رجالهم "حمرة ذو المشعار بن أيفع"، وكان شريفًا في الجاهلية، والظاهر أنه كان صاحب موضع "المشعار"٤, وهو "أبو ثور". وقد وفد على الرسول, ووفد معه "مالك بن نمط"، و"مالك بن أيفع"، و"ضمام بن مالك السماني"، و"عميرة بن مالك الحارفي"، فلقوا رسول الله بعد مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم المعدنية، برحال اللبس على المهرية والأرحبية٥.
ويذكر أهل الأخبار، أن الوفد لما وصل المدينة، ارتجز "مالك بن نمط" رجزًا، ثم خطب بين يدي الرسول ذاكرًا له أن نصية، أي: أخيارًا أشرافًا من همدان، يريد رجال الوفد، قدمت إلى الرسول، وهي "من كل حاضر وبادٍ"، أي: من أهل الحضر ومن أهل البادية، ومن أهل مخلاف خارف ويام وشاكر، ومن أهل الإبل والخيل، قدموا إليه، بعد أن عافوا الأصنام واعتنقوا الإسلام، فأثنى الرسول عليهم وشكرهم وكتب لهم كتابًا وجهه "لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل مع وافدها, ذي المشعار: مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه", ثم بين لهم ما عليهم وما لهم٦.
стр. 2163
وورد أن "قيس بن مالك بن سعد بن لأي الأرحبي" قدم على رسول الله وهو بمكة، فعرض رسول الله عليه الإسلام فأسلم، ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فكتب له عهدًا على قومه "همدان". وذكر أن رجلًا مر بالرسول، وهو من "أرحب" من "همدان"، اسمه "عبد الله بن قيس ابن أم غزال" فعرض عليه الرسول الإسلام، فأسلم، فلما عاد إلى قومه قتله رجل من "بني زُبَيْد"١، وجاء وفد آخر من "همدان" إلى الرسول فأسلم على يديه، وكان فيه "حمزة بن مالك" من "ذي شعار"، وكان على الوفد مقطعات الحبرة مكففة بالديباج، فكتب الرسول لهم كتابًا، وأوصاهم بقومهم من بقية بطون همدان٢.
وورد أن الرسول كتب لـ"قيس بن مالك بن سعد الأرحبي" عهدًا ثبته فيه على قومه "همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا"٣. وذكر أن الأحمور: قدم، وآل ذي مران، وآل ذي لعوة، وأذواء همدان, وقيل: حمورها: أهل القرى. وأرى أن المراد بالأحمور هم بقايا حمير الناطقون بالحميرية وهم سكان القرى والمدن، ذُكروا وخُصوا بالذكر؛ لأنهم اختلفوا عن غيرهم ممن كان يتكلم بلهجات أخرى, ولهذا ميزوا عن "عربها"، أي عرب همدان وهم الأعراب، وعن الخلائط وهم الذين يكونون أخلاط الناس وعن الموالي. وذهب بعض الباحثين إلى أن "عربها" بالغين، أي: "غربها", ويراد بهم: أرحب، ونهم وشاكر ووداعة ويام وموهبة ودالان وخارف وعذر وحجور٤.
وأما "بنو زبيد" فكان على رأسهم "عمرو بن معد يكرب الزبيدي"، وكان قد قدم على الرسول في أناس من قومه، ليعرض عليه الإسلام، فأسلم وأسلم من كان معه٥. وقد نعت بالشجاعة فدعي بـ"فارس العرب"٦، وهو
стр. 2164
لقب يلقب به الشجعان الفرسان, وأقام في قومه من بني زبيد، وعليهم "فروة بن مسيك المرادي"، الذي كان قد استعمله الرسول على مراد وزبيد ومذحج كلها. فلما توفي رسول الله ارتد عمرو بن معد يكرب, ووثب "قيس بن عبد يغوث" على "فروة بن مسيك"، وهو على مراد، فأجلاه ونزل منزله١.
وكان "عمرو بن معد يكرب" قد لقي "قيس بن مكشوح المرادي" حين انتهى إليه أمر رسول الله، فعرض عليه أن يذهب معه إلى رسول الله حتى يعلم علمه، فإن كان نبيا، فإنه لا يخفى أمره عليهم، وإن كان غير ذلك علم علمه أيضا وتركه، فلم يأخذ "قيس" برأيه وسفه فكرته، ثم أوعد "قيس" "عمرو بن معد يكرب" يوم سمع بذهابه إلى الرسول وباعتناقه الإسلام، وقال: "خالفني وترك رأيي"٢.
وكان "فروة بن مسيك المرادي" من "بني مراد"٣. وقد عده "ابن حبيب" في جملة الجرارين، أي: الذين قادوا ألفًا٤. وقد كان مفارقًا لملوك كندة، ومعاندًا لهم, وقد شهد يوم الرزم، وهو يوم كان بين مراد قوم فروة وبين همدان، انتصرت فيه همدان على مراد. وقد نسبوا شعرًا لفروة ذكروا أنه قاله يعتذر فيه عن الهزيمة التي أصابت مرادًا في ذلك اليوم، وكان الذي قاد همدان فيه "مراد الأجدع بن مالك"٥.
ولما وصل "فروة" المدينة، نزل على "سعد بن عبادة"، وقد أكرمه الرسول، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه "خالد بن سعيد بن العاص" على الصدقات٦.
وإلى بني الحارث بن كعب أرسل الرسول خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام,
стр. 2165
أو البقاء على دينهم وهو النصرانية مع دفع الجزية. فأسلم أكثرهم، وذهب وفد منهم فيه "قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة"، و"يزيد بن عبد المدان"، و"يزيد بن المحجل"، و"عبد الله بن قريظ الزيادي"، و"شداد بن عبد الله القناني"، و"عمرو بن عبد الله الضبابي"، فقابل الرسول، وكان السواد غالبًا على لونهم، فقال الرسول لما رآهم: "من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال من الهند؟ ". قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب١. وأمر رسول الله "قيس بن الحصين" على "بني الحارث بن كعب", كما زار الرسول "عبدة بن مسهر الحارثي" في المدينة، وأسلم على يديه٢.
وكتب الرسول لبني الضباب من "بني الحارث بن كعب" أن لهم ساربة ورافعها، لا يُحاقّهم فيها أحد ما داموا مسلمين، وكتب كتابهم هذا المغيرة٣. وكتب لبني قنان بن وعلة من بني الحارث كتابًا أن لهم محبسًا وأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، كتبه له المغيرة أيضا. وأمر الرسول كاتبه: الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، أن يكتب لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، أن له ما أسلم عليه من أرضها وأشيائها، أي نخلها ما دام يقوم بما يفرضه الإسلام عليه من واجبات, وكتب له "علي بن أبي طالب" أن لبني زياد بن الحارث جماء وأذنبة. وأمر رسول الله المغيرة بن شعبة أن يكتب ليزيد بن المحجل الحارثي، أن له ولقومه نمرة ومساقيها ووادي الرحمان من بين غابتها، وأنه على قومه من "بني مالك" و"عقبة" لا يغزون ولا يحشرون٤.
وأمر الرسول أن يكتب كتابًا لـ"قيس بن الحصين ذي الغصة" أمانة لبني أبيه بني الحارث ولبني نهد حلفاء بني الحارث، يؤمنهم على أموالهم ما داموا مسلمين، وكتب كتابًا يشهد بإسلام "بني قنان بن يزيد" الحارثيين، ويؤمنهم فيه أيضا أن لهم مذودًا وسواقيه. وكتب مثل ذلك لعاصم بن الحارث الحارثي،
стр. 2166
أن له نجمة من راكس لا يحاقه فيها أحد١.
وكان "عوز بن سُرير الغافقي" في جملة من وفد من "غافق" على الرسول، كما كان فيهم "جليحة بن شجار بن صُحار الغافقي"٢.
وقد آلم -ولا شك- خروج الحبش من اليمن البيزنطيين كثيرًا, وأصيبوا بخروجهم منها بخسارة من الوجهة العسكرية والاقتصادية، غير أن مما خفف من هذه المصيبة أن الفرس لم يكن لديهم آنذاك أسطول قوي يستطيع الهيمنة على مضيق المندب، مدخل البحر الأحمر، بل ولا سفن كافية يكون في وسعها حماية سواحل اليمن والعربية الجنوبية. لذلك لم يهدد دخولهم اليمن السواحلَ الإفريقية المقابلة لسواحل جزيرة العرب، وهي مهمة بالنسبة للروم، ثم إنهم عوضوا عن خسارتهم الكبيرة الفادحة التي نزلت بهم باحتلال الفرس لبلاد الشام، بطردهم الفرس وإجلائهم عن كل الأرضين التي استولوا عليها, وبإعادتهم "الصليب المقدس" إلى مكانه. فرفعوا بذلك من معنوياتهم في الشرق الأوسط وفي إفريقيا.
وقد سُرَّ اليهود من خروج الحبش من اليمن ومن استيلاء الفرس عليها، إذ صاروا في حكم حكومة لا تحقد عليهم، حكومة لا يهمها أمر اليهود لعدم وجود علاقة لها بها. بل ربما ساعدتها لأنها تناهض الروم على عكس النصرانية التي كانت قد وجدت في الحبشة نصيرًا ومساعدًا؛ لذلك قل أتباعها وانحسروا تدريجيا وبقيت متمركزة بمدينة نجران.
ولنجران وضع خاص, فقد تمتعت باستقلال ذاتي في الغالب, وقد تحرشتُ بتأريخها في مواضع متعددة من هذا الكتاب وبحسب المناسبات. ولما استولى الفرس على اليمن لم تدخل في طاعتهم ولم تخضع لحكم "عاملهم"، بل أخذت تدير شئونها بنفسها وبمجلس تنفيذي حصر أمور البلد في أيدي سادات ثلاثة اختص أحدهم بالحكم المدني، واختص ثانيهم بالنظر في أمور الدين، واختص الثالث في شئون الأمن والدفاع عن المدينة، وقد عرفوا بالعاقب والسيد والأسقف، وقد قدموا على الرسول وباهلوه، وكتب لهم كتاب الصلح وذلك سنة عشر للهجرة,
стр. 2167
واشترط عليهم في جملة ما اشترطه فيه، ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به١, وكتب الكتاب: المغيرة٢.
وذكر أن الوفد الذي خرج إلى الرسول من نجران كان مؤلفًا من أربعة عشر رجلًا من أشرافهم نصارى، فيهم: العاقب، وهو عبد المسيح، رجل من كندة، وأبو الحارث بن علقمة، رجل من بني ربيعة، والسيد وأوس ابنا الحارث، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وخالد، وعمرو، وعبيد الله، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم، والعاقب، وهو أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، والسيد، وهو صاحب رحلهم. فتقدمهم "كرز" أخو "أبي الحارث"، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، ثم كلموا الرسول، وصالحهم على شروط، ثم عادوا إلى ديارهم، ثم عاد السيد والعاقب إلى المدينة فأسلما، وبقي الآخرون على دينهم إلى زمن "عمر" فأجلاهم؛ لأنهم أصابوا "الربا" وكثر بينهم، واشترى عقاراتهم وأموالهم، فتفرقوا، فنزل بعضهم الشام ونزل بعضهم "النجرانية" بناحية الكوفة٣.
وكان الحكم في نجران لـ"بني الأفعى"، ثم تحول إلى "بني الحارث بن كعب"، فلما ظهر الإسلام كان حكامها من بني الحارث بن كعب. أما بنو الأفعى فكانوا كثرة فيها, غير أن الحكم لم يكن في أيديهم٤.
ولما توفي رسول الله، كان عامله "عمرو بن حزم" بنجران٥. ولما قام "ذو الخمار عبهلة بن كعب" وهو "الأسود"، بعامة مذحج على الإسلام في حياة الرسول وكان كاهنًا شعباذًا، يُرِي الناس الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، أخرج "عمرو بن حزم" من نجران، واستولى عليها ثم سار
стр. 2168
"عبهلة" إلى صنعاء فأخذها، وأخذ يدعو الناس إليه، حتى قضى عليه١.
وأرسل الرسول قبل وفاته بقليل "وبر بن يُحنس" إلى "فيروز" و"جُشيش الديلمي"، و"داذوية الإصطخري"، و"جرير بن عبد الله" إلى "ذي الكلاع" و"ذي ظليم"، و"الأقرع بن عبد الله الحميري" إلى "ذي زود" و"ذي مران"؛ وذلك للقضاء على "الأسود" وعلى من استجاب إليه، فقتل. قتله "فيروز الديلمي" و"قيس بن مكشوح المرادي"، وعاد من ارتد واتبعه إلى الإسلام، ولم يكن الرسول قد فارق الدنيا بعد٢.
وكان النبي حين وفاته قد نصب عمالًا على عمالات تمتد من مكة إلى اليمن، فكان على مكة وأرضها "عتاب بن أُسَيْد" و"الطاهر بن أبي هالة"؛ عتاب على بني كنانة والطاهر على عك, وعلى "الطائف" وأرضها "عثمان بن أبي العاص" و"مالك بن عوف النصري"؛ "عثمان" على أهل المدر ومالك على أهل الوبر أعجاز هوازن, وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سفيان بن حرب؛ عمرو بن حزم على الصلاة، وأبو سفيان بن حرب على الصدقات, وعلى ما بين "رمع" و"زبيد" إلى حد "نجران" خالد بن سعيد بن العاص، وعلى همدان كلها "عامر بن شهر"، وعلى "صنعاء" فيروز الديلمي يسانده داذوية وقيس بن المكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين مع عك الطاهر بن أبي هالة، ومعاذ بن جبل يعلم القوم، يتنقل في عمل كل عامل. بقي الحال على هذا المنوال حتى نزا بهم الأسود الكذاب٣.
وورد في رواية أخرى، أن رسول الله وجه "خالد بن سعد بن العاص" أميرًا على صنعاء وأرضها، وذكر أنه ولى "المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي" صنعاء، فقبض وهو عليها. وقال آخرون: إنما ولى "المهاجر" "أبو بكر"، وولى "خالد بن سعيد" مخاليف أعلى اليمن. وذكر أيضا أن رسول الله ولى "المهاجر" كندة والصدف، فلما قبض رسول الله، كتب
стр. 2169
أبو بكر إلى "زياد بن لبيد البياضي" من الأنصار بولاية كندة والصدف إلى ما كان يتولى من حضرموت, وولى المهاجر "صنعاء". والذي عليه الإجماع أن رسول الله ولى "زياد بن لبيد" حضرموت١.
ولما ارتد "قيس بن عبد يغوث المكشوح" ردته الثانية، وعمل في قتل فيروز وداذوية وجشيش، وكتب إلى "ذي الكلاع" وأصحابه: "إن الأبناء نُزَّاع في بلادكم، وثقلاء فيكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن اقتل رءوسهم، وأخرجهم من بلادنا"، كتب "أبو بكر" إلى "عمير ذي مران" وإلى "سعيد ذي زود" وإلى "سميفع ذي الكلاع" وإلى "حوشب ذي ظلم"، وإلى "شهر ذي يناف"، يأمرهم بالتمسك بالإسلام، وبمقاومة "قيس" والمرتدين. فكاتب "قيس" "تلك الفالة السيارة اللحجية، وهم يصعدون في البلاد ويصوبون, محاربين لجميع من خالفهم" "وأمرهم أن يتعجلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحدًا، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن"؛ فاستجابوا له، ودنوا من صنعاء. وعمد إلى الحيلة لقتل "فيروز"، و"داذوية" و"جشيش", وتمكن من "داذوية"، فقتله. فأحس "فيروز" و"جشيش" بالمكيدة، فهربا إلى "خولان"، وهم أخوال "فيروز"، وامتنع "فيروز" بأخواله، فثار "قيس" بصنعاء، وجمع "فيروز" من تمكن جمعه من الأبناء، وكتب إلى "بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" وإلى "عك" يستنصرهم ويستمدهم على "قيس". فساروا إليه ووثبت "عك" وعليهم "مسروق"، وسار "فيروز" بهم نحو "قيس", فهرب في قومه والتحق بفلول "العنسي" التي تذبذبت بعد مقتله، وسار فيما بين صنعاء ونجران، وانضم إلى "عمرو بن معد يكرب". وكان "عمرو" قد فارق قومه "سعد العشيرة" في "بني زبيد" وأحلافها وانضم إلى "العنسي".
ولما أرسل "أبو بكر" مددًا إلى من أرسله إلى اليمن، انضم إليه قوم من "مهرة" وسعد زيد والأزد وناجية وعبد القيس وحُدبان من بني مالك، وقوم من العنبر, والنخع، وحمير، واختلف "قيس" مع "عمرو بن معد يكرب"،
стр. 2170
وانفلَّ من كان معهما وأُخذا أسيريْنِ إلى أبي بكر، فعفا عنهما, وانتهت بذلك ردة هذين المرتدين١.
ومن "بني خُشَين" "أبو ثعلبة الخشي"، وقد وفد على الرسول وأسلم, ووفد عليه نفر من "خشين", فنزلوا عليه وأسلموا وبايعوه ورجعوا إلى قومهم٢.
وكان من جملة وفود أهل اليمن إلى الرسول، وفد "بهراء", جاءوا إلى المدينة فأسلموا، وقد نزلوا على "المقداد بن عمرو"٣.
ومن قبائل اليمن قبائل "مذحج"، وتقع منازلها جنوب منازل "خثعم" وفي شمال ديار "فهد". ومن بطونها "الرهاويون"، وهم حي من مذحج، قدم وفد منهم على الرسول سنة "عشر" للهجرة فأسلموا, وقدم رجل منهم اسمه "عمرو بن سبيع" على الرسول فأسلم، فعقد له رسول الله لواء٤.
وأرسل "النخع" رجلين منهم إلى النبي: "أرطاة بن شراحيل بن كعب" من "بني حارثة بن مالك بن النخع" و"الجهيش"، واسمه "الأرقم" من "بني بكر بن عوف بن النخع" فأسلما، وعقد لأرطاة لواء على قومه، وجاء وفد آخر من وفد النخع من اليمن سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، وكان فيهم "زرارة بن عمرو" وقيل: هو "زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء"، وكان نصرانيا، فأسلموا، وبايعوا الرسول، وكانوا قد بايعوا "معاذ بن جبل" باليمن٥.
وقدم "جرير بن عبد الله البجلي" سنة عشر المدينة على رأس وفد من قومه "بجيلة", فأسلموا وبايعوا الرسول. وقدم وفد آخر منهم فيه "قيس بن عزرة الأحمسي" فأسلموا وعادوا إلى ديارهم٦.
стр. 2171
وجاء وفد "خثعم" وفيه "عثعث بن زحر" و"أنس بن مدرك", فأسلموا، وكتب النبي لهم كتابا١. وقد دون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر أن الرسول كتبه لـ"خثعم" "من حاضر بيشة وباديتها"، وأن الذي كتبه له وشهد عليه "جرير بن عبد الله" ومن حضر٢. ودون "ابن سعد" صورة كتاب آخر، أمر الرسول بكتابته لـ"مطرف بن الكاهن الباهلي", جاء فيه: "هذا كتاب من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن, ولمن سكن بيشة من باهلة"٣. ويظهر منه أن "مطرفًا" المذكور وقومه من باهلة كانوا يقيمون إذ ذاك بـ"بيشة", ودون "ابن سعد" صورة كتاب آخر كتبه الرسول إلى "نهشل بن مالك الوائلي" من "باهلة"٤, ولم يذكر الكتاب مواضع منازلهم.
وكان من رجال "جُعْفى" الذين وفدوا على الرسول: "قيس بن سلمة بن شراحيل" و"سلمة بن يزيد"، فأسلما واستأذنا الرسول بالعودة إلى منازلهما. فلما كانا في الطريق، لقيا رجلًا من أصحاب رسول الله، معه إبل من إبل الصدقة، فطردا الإبل، وأوثقا الراعي. ومن "جعفي" "أبو سيرة", وهو "يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي" وابناه "سبرة" و"عزيز"، قدم بهما أبوهما على الرسول، وأسلموا٥.
وأما "تهامة"، فكان بها عك والأشعرون، وكانوا قد ارتدوا بعد سماعهم خبر وفاة الرسول، ولكنهم غُلبوا على أمرهم، وعادوا إلى الإسلام٦.
ولما توفي الرسول، كان أول منتقض بعد النبي بتهامة عك والأشعرون, وذلك أنهم حين بلغهم موت النبي تجمعوا وأقاموا على الأعلاب طريق الساحل, فسار إليهم "الطاهر بن أبي هالة" ومعه "مسروق المكي" فهزمهم وقتلهم كل قتلة, وعرفت الجموع من عك ومن تأشب إليهم: الأخابث, وسُمِّي
стр. 2172
الطريق الذي تجمعوا به "طريق الأخابث"١.
وجاء وفد من الأشعريين، فيه "أبو موسى الأشعري" ومعه رجلان من "عك", قدم في سفن في البحر، ثم نزلوا الساحل وذهبوا برًّا إلى المدينة, فرأوا الرسول وبايعوه٢.
وأرسلت "جبشان" نفرًا إلى المدينة فيهم "أبو وهب الجشاني"، فأسلموا٣.
وكان الحكم في حضرموت إلى الأقيال كذلك. وفي أيام الرسول قدم عليه "وائل بن حجر" راغبًا في الإسلام، وكانت له مكانة كبيرة في بلده، وقد نعته كتاب الرسول الذي كتبه إليه بـ"قيل حضرموت"٤. وقد كان لكندة والسكاسك والسكون والصدف أثر كبير في تأريخ حضرموت في هذا العهد الذي نتحدث عنه.
وذكر "ابن سعد" أن الرسول كتب إلى أقيال حضرموت وعظمائهم؛ كتب إلى "زرعة" و"فهد" و"البسّي" و"البحيري" و"عبد كلال" و"ربيعة" و"حجر"٥.
وكانت كندة هي القبيلة المتنفذة بحضرموت. كان "الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي" من رؤساء هذه القبيلة البارزين, وقد مدح الأعشى "قيس بن معد يكرب" بقوله:
وجُلُنداء في عُمان مُقيمًا ... ثم قيسًا في حضرموت المُنيف٦
وكان "الأشعث بن قيس" على رأس وفد كندة الذي وفد على الرسول سنة عشر، فأسلم مع قومه على يديه٧. وقد كان رجال الوفد قد رَجَّلوا جمعهم واكتحلوا، ولبسوا جباب الحبرة قد كَفّوها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فأمرهم الرسول بترك ذلك، فألقوه٨.
стр. 2173
وذكر "أبو عبيدة"، أن "الأشعث بن قيس" لم يكن كِنديًّا، وإنما صار في كندة بالولاء. وزعم أن والد "قيس" وهو "معد يكرب" كان علجًا من أهل فارس إسكافًا اسمه "سيبخت بن ذكر", قطع البحر من توج إلى حضرموت, وللفرزدق شعر في ذلك قاله في حق "عبد الرحمن" حين خالف عبد الملك بن مروان. كما زعم أن "وردة بنت معد يكرب" عمة الأشعث كانت عند رجل من اليهود، فماتت ولم تخلف ولدًا، فأتى الأشعث "عمر بن الخطاب" يطلب ميراثها، فقال له عمر: لا ميراث لأهل ملتين١.
وقد عرف ملوك كندة الذين راسلهم الرسول بـ"بني معاوية"٢، وهم الذين عرفوا بـ"بني معاوية الأكرمين" في شعر مُدحوا به.
وكان مخوص "مخوس" ومشرح وجمد "حمدة" وأبضعة, بنو معد يكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية من الرؤساء الملقبين بلقب ملك؛ لأن كل واحد منهم قد اختص بوادٍ ملكه، ولقب نفسه بلقب ملك٣. وقد نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، وقد عرف هؤلاء بالملوك الأربعة من بني عمرو بن معاوية وقد لعنهم النبي٤. وعرفوا بـ"بني وليعة" ملوك حضرموت وقد جاءوا إلى الرسول مع وفد كندة فأسلموا٥.
ووفد رئيس آخر من رؤساء حضرموت على الرسول اسمه "وائل بن حجر"، ويظهر أنه كان ذا منزلة كبيرة عند قومه، فلما وصل المدينة أمر الرسول "معاوية بن أبي سفيان" باستقباله وبإنزاله منزلا خاصا بـ"الحرة", وأمر بأن ينادى ليجتمع الناس: الصلاة جامعة، سرورًا بقدومه، ولما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له الرسول كتابًا دعاه فيه بـ"قيل حضرموت"، وذكر فيه أنه جعل له في يديه من الأرضين والحصون. ولما أمر الرسول معاوية بأن ينزل "وائلًا" بالحرة، مشى معاوية معه ووائل راكب, فقال معاوية: الق إليَّ
стр. 2174
نعليك أتوقَّ بهما من الحر، فقال له: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك، ولما قال له: فأردفني، قال: لستَ من أرداف الملوك، ولكن إن شئتَ قصرت عليك ناقتي فسرتَ في ظلها، فأتى معاوية النبي، فأنبأه بقوله، فقال رسول الله: "إن فيه لعُبَيّة من عُبَيّة الجاهلية"١.
وكان "الأشعث الكندي" وغيره من "كندة" نازعوا "وائل بن حجر" على وادٍ بحضرموت فادعوه عند رسول الله، فكتب به رسول الله لوائل بن حجر, بعد أن شهد له أقيال حمير وأقيال حضرموت. فكتب له بذلك، وأقره على ما في يده من الأرضين٢.
ومن قرى حضرموت: تريم ومشطة والنجير وتنعة وشبوة وذمار٣.
وكان الرسول قد استعمل "المهاجر بن أبي أمية" على كندة والصدف, و"زياد بن لبيد البياضي" من "بني بياضة" على حضرموت، و"عكاشة بن محصن" على "السكاسك" و"السكون"٤. ولما توفي الرسول, خرج "بنو عمرو بن معاوية" إلى محاجرهم، ونزل "الأشعث بن قيس الكندي" محجرًا، و"السمط بن الأسود" محجرًا، وطابقت "معاوية" كلها على منع الصدقة وأجمعوا على الردة، إلا ما كان من "شرحبيل بن السمط" وابنه، فإنهما خالفاهم في رأيهم، فهجم المسلمون على المحاجر، وقتلوا الملوك الأربعة, وساروا على "الأشعث" ومن انضم إليه من "كندة", والتقوا بمحجر الزرقان، فهزمت كندة وعليهم الأشعث, فالتجأت إلى حصن النجير، ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، فلحقتهم جيوش المسلمين ومنعت المدد عنهم، وأخضعت من بقرى "بني هند" إلى "برهوت"، وأهل الساحل وأهل "محا"، فخاف من بالحصن على نفسه، واستسلم الأشعث وانتهت
стр. 2175
فتنته١. وأُخذ إلى المدينة، فحقن "أبو بكر" دمه، وزوَّجه أخته، ثم سار إلى الشام والعراق غازيًا ومات بالكوفة٢.
وكان "شرحبيل بن السمط" الكندي مقاومًا للأشعث بن قيس الكندي في الرئاسة، وانتقل العداء إلى الأولاد٣.
وينسب "الصدف" إلى الصدف بن مالك بن مرتع بن معاوية بن كندة, فهم إذن من كندة.
وذكر أن من سادات حضرموت في هذا العهد: "ربيعة بن ذي مرحب الحضرمي", وقد كتب إليه الرسول كتابًا أقره فيه وأقر أعمامه وإخوته وكل "آل ذي مرحب" على أرضهم وأموالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم ونخلهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم وأن "أموالهم وأنفسهم وزافرًا حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس" هو لهم. وكتب الكتاب للرسول معاوية بن أبي سفيان٤.
وكان يتنازع على رئاسة مهرة رجلان منهم عند ظهور الإسلام، أحدهما "شخريت" وهو من "بني شخراة"، وكان بمكان من أرض مهرة يقال له: "جَيْروت" إلى "نضون"، وأما الآخر فبالنجد. وقد انقادت مهرة جميعًا لصاحب هذا الجمع, عليهم "المصبح" أحد بني محارب, والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه. وقد قتل "المصبح" في أثناء ردة مهرة، أما شخريت الذي كان قد أسلم ثم ارتد، فقد سلم على نفسه بعودته إلى الإسلام، وأرسل مع الأخماس إلى "أبي بكر"٥.
ويذكر أهل الأخبار أن بعض رجال "مهرة" وفدوا على الرسول، منهم "مَهْري بن الأبيض", وقد كتب له الرسول كتابًا, و"زهير بن قِرْضم