له حكمًا كثيرة وأمثالًا، هي من الأمثال التي ينسبونها في العادة إلى الحكماء١.
وذكروا من أمثلة حلمه أنه كان قاعدًا يومًا بفناء داره, محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أُُتي بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فما قطع كلامه حتى انتهى، ثم كلم ابن أخيه وأنبه وعفا عنه، ثم قال لابن آخر له: وارِ أخاك وحل كتاف ابن عمك, وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها, فإنها غريبة. إلى قصص آخر من هذا القبيل٢.
стр. 2347
النسب:
النسب هو جرثومة العصبية وأساسها؛ ولهذا حرص العربي على حفظ نسبه، ولا يزال يحرص عليه، فيروي لك شجرة نسبه حفظًا ويرفعها إلى جملة أجداد.
وقد وجد السياح أعرابًا سردوا لهم نسبهم سردًا من غير كتاب مكتوب, إلى عشرات من الأجداد، وقد تأكدوا بعد فحوص واختبارات أن ما قيل لهم وسرد عليهم كان صحيحا في الغالب.
وأما أهل المدر، فإن حرصهم على حفظ نسبهم, وإن لم يكن حرص أهل الوبر، غير أن فيهم من يحفظ شجرة نسبه، وفيهم من يحتفظ بها مكتوبة, وقد شهد على صحتها جماعة من النسابين. وفي جملة من يعتني بنسبه اعتناءً كبيرًا، ويأبى الزواج من غير الأسر الكفوءة له, السادة المنتمون إلى الرسول من ذوي الجاه والحسب والنسب، والأشراف السادات من أهل الحضر والوبر.
وحفظ النسب هذا هو استمرار لما كان عليه الجاهليون من حرص على حفظ أنسابهم. وإذا كنا لا نملك اليوم جرائد جاهلية في النسب، فإن في بعض الكتابات الجاهلية تأييدًا لما نقول؛ فبين أيدينا في هذا اليوم كتابات جاهلية ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دونوا أسماءهم في تلك الكتابات، وقد دون على شاهد قبر "معنو" "معن"، اسم أبيه وجدين من أجداده١. كما عثر على
стр. 2348
أسماء عشرة أجداد في بعض الكتابات الصفوية١. وهنالك أمثلة أخرى من هذا القبيل، تثبت عناية العرب في الجاهلية بتدوين أنسابهم وحفظها, وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم.
ويبدأ النسب بالأب في الغالب، وبـ"الأم" في الأقل في حالات تتغلب فيها شهرة الأم على شهرة الأب، ويكون "البيت" إذن جرثومة النسب, وحين ينسب إنسان يقول: إنه "ابن فلان". ويشمل نسب البيت الأب والأولاد والبنات والزوجة أو الزوجات، وهم أكثر الناس التصاقًا بالأب، وقد يقال: إنه من "بيت فلان" تعبيرًا عن الانتساب إلى رئيس ذلك البيت. وقد عرف بعض علماء اللغة النسب: أنه القرابة، أو هو في الآباء خاصة، وأن النسب: أن تذكر الرجل فتقول: هو فلان ابن فلان، وذكر أنه يكون من قبل الأم والأب٢.
والبيت هو بيت أب. ولما كان المجتمع مجتمع بيوت، صار النظام فيه نظامًا أبويًّا, السلطة العليا فيه للأب، إليه يُنتسب وهو المسئول قانونًا عن العائلة, يتساوى في ذلك مجتمع الحضر ومجتمع أهل الوبر.
ويذكر أهل الأخبار أن العرب تنسب ولد المرأة إلى زوجها الذي يخلف عليها بعد أبيهم، وذلك عنى حسان بن ثابت بقوله:
ضربوًا عليًّا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار
أراد بني عليّ هؤلاء من كنانة، وهم بنو عبد مناة. وإنما قيل لهم: بنو على عزوة إلى علي بن مسعود الأزدي, وهو أخو عبد مناة لأمه، فخلف على أم ولد عبد مناة. وهم: بكر وعامر ومرة وأمهم: هند بنت بكر بن وائل النزارية, فرباهم في حجره فنسبوا إليه٣.
وإذا توفي والد وله مولود في بطن زوجته، أو كان طفلًا رضيعًا وكان له
стр. 2349
أعمام، تركه أعمامه عند أمه حتى يكبر، ثم يأخذه أعمامه، وقد تأتي أمه معه. ولكن العادة أن الأم تبع أهلها أي: عشيرتها، فإذا توفي زوجها وهي من عشيرة أخرى، تركت عشيرته لتعود إلى عشيرتها، فإذا كبر المولود خُيِّر بين البقاء مع أمه أو الالتحاق بأعمامه، أي: بعشيرة والده. والأغلب أن يختار الولد عشيرة الوالد؛ لأن نسب الولد من نسب والده، فيلتحق المولود بعشيرة الأب, وتقدم عشيرته على عشيرة الأم, إذ يشعر أن عشيرة أمه وإن كانت قريبة منه، إلا أن قربه منها ليس كقربه من عشيرة والده، وقد يعير باختياره عشيرة أمه عشيرة له. ولدينا أمثلة تشير إلى تعيير الأولاد أولادًا آخرين؛ لالتحاقهم بعشيرة أمهم وتركهم عشيرة والدهم، كالذي كان من أمر عبد المطلب يوم كان طفلًا, إذ عيره أطفال عشيرة أمه بلجوئه إلى عشيرتهم، إذ لا عشيرة له, ولو كانت له عشيرة للحق بها؛ مما حمله على ترك يثرب والرجوع إلى أعمامه بمكة. فالعم في نظرهم بمنزلة الوالد، وهو أقرب الناس إليه، وهو وريثه في العصبات. وبهذه الحجة احتج العباسيون على العلويين في تقدمهم عليهم بحق الخلافة.
ومن هنا نجد العرب يوصون بأولاد العم خيرًا، وألا يتهاتروا معهم ولا يختلفوا مهما وقع بينهم من خلاف. وفي هذا المعنى يقول أبو الطمحان:
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها١
وللخئولة مكانة كبيرة في العصبة عند العرب, قد تقوى على العمومة، فإذا هلك إنسان وكان إخوته على خلاف مع زوجته أو كان حالهم ضعيفًا قامت الخئولة مقام العمومة في رعاية الأولاد وحمايتهم ومدهم بالعصبية. بل قد نجد أن عصبية الخئولة أقوى عند العرب في الغالب من عصبية العمومة، وفي تأريخ الجاهلية والإسلام أمثلة كثيرة على ذلك.
ومن حسن حظ الإنسان في الجاهلية أن يكون له أعمام وأخوال كثيرون، خاصة إذا كانوا أصحاب جاه وسيادة؛ لأنه سيعتز بهم، ويفتخر بكثرتهم. وكان الجاهليون يقولون: رجل معم ورجل مخوِل وأخول، إذا كان له أعمام
стр. 2350
وأخوال, ويقال: كريم الأعمام والأخوال، على سبيل المدح والتقدير١. ومنه قول امرئ القيس: بجيد معم في العشيرة مخول. وقول الشاعر:
تروح بالعشي بكل خرق ... كريم الأعممين وكل خال٢
والنسب نسب أهل، ويقوم على الدم القريب، ونسب قبيلة، ويقوم على العصبية للدم الأبعد، دم جد القبيلة يجري في عروق المنتسبين إليه.
والعرب من حيث النسب صرحاء وحلفاء وجيران وموالٍ وشركاء يستلحقون بالنسب. أما الصريح، فهو المحض من كل شيء، والخالص النسب، ويقال: جاء بنو فلان صريحة إذا لم يخالطهم غيرهم٣.
والنسب إذن نسب آباء، وهو نسب الصرحاء الخلص من العرب المنحدرين من صلب جد القبيلة، على حد تعبير أهل الأنساب، ونسب حلف أو جوار، أي: نسب استلحاق. والغالب أن يتحول نسب الاستلحاق إلى نسب صريح، حين تطول إقامة الدخيل بين من دخل بينهم, فينسى أصله، ويأخذ أحفاده نسب من دخل جدهم فيهم, ويشمل ذلك نسب القبائل أيضًا. ونجد في كتب أهل الأخبار أمثلة كثيرة من أمثلة تحول الأنساب، حيث نجدها تنص على دخول نسب فلان في نسب بني فلان، ونسب قبيلة في نسب قبيلة أخرى.
ويقال للقوم الذين ينتسبون إلى من ليسوا منهم "الدخل", والدخيل هو الرجل الغريب الذي ينتسب إلى قوم ليس هو بواحد منهم. وذكر أيضًا أن "الدخل" بمعنى الخاصة، وأيضًا الحشوة الذين يدخلون في قوم وليسوا منهم, أي: في المعنى المتقدم٤.
وفي كتب أهل الأخبار أمثلة عديدة على تنقل الأنساب وإثبات نسب قوم في قوم ليسوا منهم لغاية ومأرب، وقع ذلك في الجاهلية وفي الإسلام. قال "الكندي": "كان أبو رجب الخولاني وفلان وفلان يتحرشون أهل الحرس
стр. 2351
ويؤذونهم، فمشى أهل الحرس إلى زكريا بن يحيى كاتب العمري، فقالوا له: حتى متى نؤذَى ويطعَن في أنسابنا؟ فأشار عليهم زكريا بجمع مال يدفعونه إلى العمري ليسجل لهم سجلًا بإثبات أنسابهم، فجمعوا له ستة آلاف دينار، فلما صار المال إلى العمري لم يجسر على أن يسجل لهم، وقال: ارفعوا إلى الرشيد في ذلك، فخرج وفد منهم إلى العراق وأنفق مالًا عظيمًا هناك، وادعى الوفد أن المفضل بن فضالة قد كان حكم لهم بإثبات أنسابهم وأنهم بنو خوتكة بن إلحاف بن قضاعة، ثم عاد الوفد بكتاب محمد الأمين إلى العمري بالتسجيل لهم، فدعاهم العمري إلى إقامة البينة عنده على أنسابهم, فأتوا بأهل الجوف الشرقي وأهل الشرقية, وقدم جماعة من بادية الشام، فشهدوا أنهم عرب فسجل لهم العمري. ثم تجدد نظر القضية فيما بعد وفسخ حكم القاضي العمري، ورد أهل الحرس إلى أصلهم القبطي"١.
وأشار أهل الأخبار إلى قبائل كانت تتنقل من قوم إلى قوم، فتنتمي إليهم, قالوا لها: "النواقل". والنواقل: من انتقل من قبيلة إلى قبيلة أخرى فانتمى إليها٢, والتنقل دليل على أن النسب لم يكن من الصرامة والشدة على نحو ما يصوره لنا النسابون المتأخرون.
وفي الذي يذكره علماء النسب عن أنساب القبائل، أمور لا يمكن لنا قبولها، لا سيما ما يتعلق منها بالتعصب القبلي وبسرد الأنساب وتشجيرها وفي تفرعها. وأنساب القبائل موضوع لم يبحث بعد بحثًا علميًّا، وهو يحتاج إلى تفرغ وتتبع وإلى مقارنة ما جاء عند العرب فيه بما جاء عند غيرهم من الساميين وغيرهم عنه. فقد لعبت الأنساب دورًا خطيرًا عند البشرية؛ لأنها كانت الحماية والوقاية للإنسان، قبل أن تتولد الحكومات الكبيرة التي رعت الأمن وبسطت سلطانها، وبذلك خففت من غلواء النسب والانتساب.
стр. 2352
الاستلحاق:
والاستلحاق، هو أن يستلحق إنسان شخصًا فيلحقه بنسبه، ويجعله في حمايته
стр. 2353
ورعايته، أي في عصبيته. وقد يكون الرجل صريحًا معروف النسب، وقد يكون أسيرًا أو مولًى أو عبدًا، فيسميه مولاه وينسبه إليه.
ومن هذا القبيل ما كان يفعله أهل الجاهلية من استلحاق أبناء الإماء البغايا بهم, وذلك أنه كان لأهل الجاهلية إماء بغايا وكان سادتهن يلمون بهن، فإذا جاءت إحداهن بولد ربما ادعاه السيد والزاني، فيقع خلاف بينهما على الولد. وقد وقع مثل هذا الخلاف في أيام الرسول، في أول زمان الشريعة، فقضى الرسول بإلحاقه بالسيد؛ لأن الأمة فراش كالحرة، فإن مات السيد ولم يستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده, لحق بأبيه. وفي ورثته خلاف١.
стр. 2354
الدعيّ:
ويقال للمستلحق "الدعي", والدعي: المنسوب إلى غير أبيه، و"الدعوة"١ في النسب: أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته, وقد كانوا يفعلونه فنُهي عنه وجعل الولد للفراش. ومن هذا القبيل المتبنى الذي تبناه رجل فدعاه ابنه ونسبه إلى غيره، وكان النبي تبنى "زيد بن حارثة"، ثم ألحقه بنسبه، بعد أن نزل الوحي عليه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمِْ﴾ ٢, وقال: ﴿مَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ٣.
ويكون حكم الدعي من الناحية القانونية في حكم النسب الصحيح والبنوة الشرعية عند الجاهليين؛ لذلك كان الجاهليون يورثونه كما يورثون الأبناء٤.
ويقال للدعي ينتمي إلى قوم: منوط مذبذب, سمي مذبذبًا؛ لأنه لا يدري إلى من ينتمي٥. وقد يكون الرجل دعي أدعياء, فيكون هو دعيا في رهطه,
стр. 2355
ورهطه دعيا في قبيلة مثل "ابن هرمة"، فقد كان دعيًّا في الخلج وكان الخلج دعيًّا في قريش١. ويقال للدعي "ملصقا"، والملصق: هو المقيم في الحي وليس منهم بنسب٢.
وقد ورد في حديث "علي بن الحسين": المستلاط لا يرث، ويُدعى له ويدعى به. المستلاط: المستلحق في النسب، ويدعى له, أي: ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان، ويدعى به أي: يكنى فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث لأنه ليس بولد حقيقي٣. ومن ذلك قولهم: "لاط القاضي فلانًا بفلان: ألحقه به". وورد أن أناسًا في الجاهلية كانوا يليطون الأولاد بآبائهم، أي: يلحقونهم،٤. والظاهر أن استلحاق الأبناء بالآباء، كان معروفًا بين الجاهليين بسبب الاتصال بالإماء وببعض الأعراف الأخرى التي حرمت في الإسلام.
ويقال للدعي: المخضرم، وقيل: هو من لا يُعرف أبوه أو أبواه ورجل مخضرم أسود وأبوه ابيض، أو هو من ولدته السراري، وذلك ذم في الإنسان٥.
ويقال: رجل "خلط ملط"، بمعنى: مختلط النسب. وذكر أن الملط الذي لا يعرف له نسب ولا أب, وأما خلط، فإما بمعنى المختلط النسب، وإما بمعنى ولد الزنا, والخليط المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق ونحو ذلك. ومنه الحديث: "الشريك أولى من الخليط, والخليط أولى من الجار"، والشريك: المشارك في الشيوع, والخليط: القوم الذين أمرهم واحد٦.
و"الأهل" أهل الرجال وأهل الدار، وأهل الرجل أخص الناس به. وأهل الدار أهل البيت، و"آل الرجل"، أهله. ويقال في النسب: هو من آل فلان٧.
стр. 2356
وينتهي النسب بجد القبيلة الأكبر، فلكل قبيلة جد أكبر تنتمي إليه وتتسمى به، وله ابن ينتسب إليه أو أبناء ينتسبون إليهم، ويكون هذا الجد محور "النسب" و"العصبية" للقبيلة. ونجد هذا النوع من النسب معروفًا عند غير العرب أيضًا؛ عند العبرانيين والآراميين وعند الإغريق والرومان مثلًا.
стр. 2357
الجوار:
وللجوار صلة كبيرة بـ "النسب" وبالعصبية عند العرب، فقد يتوثق الجوار، وتتقوى أواصره فيصير نسبًا، فيدخل عندئذ نسب "المستجير" بنسب "المجير"، ويصير وكأنه نسب واحد, هو نسب "المجير". وقد اندمجت بـ"الجوار" أنساب كثيرة من القبائل الصغيرة، أو القبائل التي تشعر بخوف من قبيلة أخرى أكبر منها، فتضطر إلى طلب "جوار" قبيلة أكبر منها؛ لتدافع عنها، ولتكون بذلك قوة رادعة تحمي حياتها وتحافظ على نفسها ومالها بهذا الجوار.
وهو من السنن التي حافظ عليها الجاهليون، واعتدوها كالقوانين. فإذا استجار شخص بآخر، أو استجارت قبيلة بأخرى، اكتسب هذا الجوار صيغة قانونية، ووجب على المجير المحافظة على حق الجوار, وإلا نزلت السبة بالمجير، وازدراه الناس.
ويكتسب الجوار حكمه بإعلان الطرفين قبولهما له على الملأ، في أماكن الاجتماع في الغالب، في مثل المواسم من حج أو سوق. فإذا أعلن ذلك، وعلم الناس الخبر، صار المجار في ذمة المجير، وترتب على المجير أن يكون مسئولًا عن كل ما يقع على المجار وما يصدر منه.
وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِِ﴾ ١. والجار ذو القربى هو نسيبك النازل معك في الحواء, ويكون نازلًا في بلدة وأنت في أخرى، فله حرمة جوار القرابة. والجار الجنب ألا يكون له مناسب فيجيء إليه ويسأله أن يجيره، أي: يمنعه فينزل معه،
стр. 2358
فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره ومنعته وركونه إلى أمانه وعهده؛ لأنه جاوره وإن كان نسبه في قوم آخرين ولا قرابة له به.
وكان سيد العشيرة إذا أجار عليها إنسانًا لم يخفروه١, وإذا دخل قبته أو خباءه أو دار حول خيمته، ونادى بالجوار والأمان صار آمنًا. وقد وجب على صاحب القبة أو الخباء أو الخيمة حمايته، حتى وإن كان من سائر أبناء القبيلة.
والجار والمجير والمعيذ واحد، ومن عاذ بشخص استجار به٢, ومن هذا القبيل استجارة أهل الجاهلية بالجن. "قيل: إن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلت رفقة منهم في وادٍ، قالت: نعوذ بعزيز هذا الوادي من مردة الجن وسفهائهم, أي: نلوذ به ونستجير"٣.
وللجوار حرمة كبيرة عند الجاهليين, فإذا استجار شخص بشخص آخر, وقبل ذلك الشخص أن يجعله جارًا ومستجيرًا به، وجبت عليه حمايته، وحق على المجار الدفاع عن مجيره, والذب عنه, وإلا عد ناقضًا للعهد، ناكثًا للوعد، مخالفًا لحق الجوار. وعلى القبائل استجارة من يستجير بها, والدفاع عنه دفاعها عن أبنائها. ويقال للذي يستجير بك: "جار", والجار: الذي أجرته من أن يظلمه ظالم، وجارك: المستجير بك، والمجير: هو الذي يمنعك ويجيرك, وأجاره: أنقذه من شيء يقع عليه٤.
وقد أوصوا بالجار خيرًا، ورجوا من الجار أن يكون كذلك قدوة حسنة في جواره، فلا يسيء إلى جاره أو إلى جيرانه، وعلى الجار أن يغض نظره عن عيوب جاره، وأن يكون يقظًا في حفظ حقوق جاره، فطنًا في الدفاع عنه.
стр. 2359
ليس له أن يتملص من حقوق الجوار إذا استحقت ووجبت؛ لأن للجار حقًّا عليك١.
وكان يقال في الجاهلية للرجل إذا استجار بيثرب: قوقل في هذا الجبل ثم قد أمنت. فإذا فعل أحد ذلك، وجب على أهل يثرب قبول جواره والدفاع عنه. وذكر أن "قوقل" رجل من الخزرج، اسمه "غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج"، سمي به "لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب, قال له: قوقل في هذا الجبل، وقد أمنت, أي: ارتق". وقيل: "لأنهم كانوا إذا أجاروا أحدًا أعطوه سهمًا, وقالوا: قوقل به حيث شئت, أي: سر به حيث شئت"، وذكروا أيضًا أن "القوقل" اسم أبي بطن من الأنصار، اسمه ثعلبة بن دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج. وقالوا: هو النعمان بن مالك بن ثعلبة٢.
والغاية من الجوار طلب الحماية والمحافظة على النفس والأهل والمال؛ لذلك لا يطلبه في العادة إلا المحتاج إليه. ولا يشترط في الجوار نزول الجار قرب المجير، أو في جواره أي أن يكون بيته ملتصقًا ببيته, فقد يكون على البعد كذلك؛ لأن الجوار حماية ورعاية، وتكون الحماية حيث تصل سلطة المجير، وتراعى فيه حرمته وذمته. ويكون في إمكانه الدفاع عن جاره. ولهذا كان على الجار أن يعرف حدود "الجوار"، وقد يعلقانه بأجل احترازًا وتحفظًا من الجوار المطلق، الذي لا يعلق بزمن وإنما يكون عاما.
ولا يجير أحد إنسانًا إلا إذا أحس أن في إمكانه أداء أمانة الجوار, وإلا عرض نفسه وأهله وقبيلته للأذى والسبة، إن قبل شخص جوار أحد وهو في وضع لا يمكنه من الوفاء بحقوق الجوار, ولا يطلب رجل مجاورة رجل آخر إلا إذا شعر أن من سيستجير به هو كفؤ لأن يجيره, وإلا فما الفائدة من الاستجارة برجل ضعيف قد يكون هو نفسه في حاجة إلى الاستجارة بأحد.
ولا يشترط في الجوار أن يكون جوار أحياء, فقد يستجير إنسان بقبر, فيصير
стр. 2360
في جواره وفي حرمة ذلك القبر, وعلى أصحاب ذلك القبر الذب عن هذا الجار والدفاع عنه. ومن هذا القبيل استجارة الناس بقبر "عامر بن الطفيل", فقد ذكر أن قومه من "بني عامر"، وضعوا حول قبره أنصابًا على مسافة منه, إذا اجتازها اللاجئ ودخل "الحرم" المحيط بالقبر، صار آمنًا على ماله ونفسه، لا يخشى خشية أحد يريد إنزال سوء به. وقد منعوا دخول حيوان إليه أو مرور راكب به؛ احترامًا لحرمة صاحب هذا القبر١. وكالذي كان من أمر قبر "تميم بن مر" جد قبيلة تميم في عرف النسابين.
وقد يستجير الإنسان بمعبد أو بأي موضع مقدس، فيكون في جوار وحرمة ذلك المكان, وعلى أصحابه أداء حقوق الجوار. ومن هذا القبيل جوار مكة, فمن دخل حرم "البيت" صار في جواره، آمنًا مطمئنا لا يجوز الاعتداء عليه ولا إخافته؛ لأنه في حرمة "البيت" وعلى قريش الذب عنه.
وقد كان لآل "محلم بن ذهل" قبة بوادي "عوف" عرفت بـ"قبة المعاذة"، من لجأ إليها أعاذوه، و"آل عوف" من أشرافهم في الجاهلية ومن رجالهم "عوف" الذي يضرب به المثل: لا حرّ بوادي عوف٢. والعوذ: الالتجاء؛ ولهذا عرفت بتلك التسمية, وهو "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان". وقد ضرب به المثل في الوفاء, فورد: "هو أوفى من عوف", وذلك لأن عمرو بن هند طلب منه مروان القرظ, وكان قد أجاره فمنعه عوف وأبى أن يسلمه، فقال عمرو: لا حر بوادي عوف, أي: إنه يقهر من حل بواديه وكل من فيه كالعبيد له لطاعتهم إياه. وهو من أمثال العرب في الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز. وقيل: إن كل من صار في ناحيته خضع له, أو قيل ذلك لأنه كان يقتل الأسارى٣. ولما توفي "عوف" دفن بواديه، وأقاموا قبة على قبره صارت ملاذًا لمن يطلب الجوار.
ومن طرق الجوار، أن يأتي رجل إلى رجل ليستجير به فلا يجده، فيعقد
стр. 2361
طرف ثوبه إلى طنب البيت، فإذا فعل ذلك عد جارًا، ووجب على صاحب البيت أن يجيره١.
والجوار جواران: جوار جماعة كجوار بيت أو فخذ أو بطن أو ظهر أو عشيرة أو قبيلة، وجوار أفراد. وللجوارين حرمة وقدسية ليس أحدهما دون الآخر في الحرمة والوفاء.
وإذا نزل إنسان على إنسان آخر جارًا، فإن من المتعارف عليه أن تكون حرمة جواره ثلاثة أيام، "وكانت خفرة الجار ثلاثًا"٢, فاذا انتهت، انتهت مدة الجوار. وعلى الجار الارتحال، إلا إذا جدد "المجير" جواره له، وطلب منه البقاء في جواره, فيكون عندئذ لهذا الجوار حكم آخر، إذ يبقى الجوار قائمًا ما دام عقده باقيا. وقد استفاد من حق الجوار الغرباء والمسافرون والمحتاجون وأمثالهم, فقد أمنوا على راحتهم ورزقهم وهم في محيط صعب، كما أمنوا على حياتهم, حتى إن المجير ليغفر لجاره ما قد يبدر منه من سوء بسبب حكم الجوار, قال مجير لجاره: "لولا أنك جار لقتلناك"٣. ويشمل هذا الجوار المسافر والضيف.
ومن عادتهم في الجوار، أن أحدهم إذا خاف، فورد على من يريد الاستجارة به، نكس رمحه، فإذا عرفه المجير، رفع رمحه، فيصير في جواره. فلما هرب "الحارث بن ظالم المري" من ملك الحيرة، وأخذ يتنقل بين القبائل حتى وصل عكاظ وبها "عبد الله بن جدعان", نكس رمحه أمام مضرب "ابن جدعان" ثم رفعه حين عرفوه، وأمن. وأقام بمكة، حتى أتاه أمان ملك الحيرة٤.
وقد يحدد الجوار بحدوده, كأن يذكر من يطلب الاستجارة لمن يريد أن يستجير به، أن استجارته به من قبيلة كذا أو من القبائل الفلانية أو من الشخص
стр. 2362
الفلاني، فإذا قبل المجير ذلك حدد جواره بما حدد في عقد الجوار. فإذا اعتدت على المستجير قبيلة أخرى لم تذكر في نص الجوار، فلا ذمة للمستجير على المجير, وليس من حقه طلب مساعدته له. كما قد يحدد الجوار بزمن، كإقامة شخص في مكان، أو إيصاله من موضع إلى موضع، أو تعيين أمد له.
والخفارة الخفرة: الأمان، والخفير: المجير، والخفارة: الذمة. ويقال: خفرت الرجل: أجرته وحفظته، وتخفرت به: إذا استجرت به, وأخفرت الرجل: إذا نقضت عهده وذمامه١, بأن يعلن ذلك ليقف عليه الناس، وإلا بقيت التبعة في عنق الخفير.
وعلى من أعطى خفارته لأحد، الوفاء بما أعطى، والوفاء بما ألزم نفسه به عليه، وإلا عد ناكثًا للعهد حقيرًا٢.
стр. 2363
المؤاخاة:
وتكون المؤاخاة بين الأفراد كما تكون بين الجماعات كالعشائر والقبائل. وهي تدعو إلى المناصرة والمؤازرة والمساعدة، وتؤدي إلى الموارثة. وخير مثل على المؤاخاة، ما فعله الرسول يوم مقدمه المدينة من مؤاخاته بين الأنصار والمهاجرين؛ لتوحيد الكلمة وليساعد بعضهم بعضًا١.
ولا يشترط في المؤاخاة أن تكون بين أعراب وأعراب، أو بين حضر وحضر، إذ يجوز أن تعقد أيضًا بين العرب والأعراب، أي: بين الحضر والبدو؛ لأن المؤاخاة عقد، والعقد يقع بين كل الناس. كما قد تقع بين عربي وأعجمي، فقد آخى الرسول بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء.
стр. 2364
الموالي:
والمولى: الولي والعصبة والحليف وابن العم والعم والأخ والابن وابن الأخت والعصبات كلهم والجار والشريك١. فللفظة إذن معانٍ عديدة، أهمها بالنسبة لنا أن المولى: العبد, أي: المملوك الذي يمن عليه صاحبه، بأن يفك رقبته فيعتقه، ويصير المملوك بذلك مولى لعاتقه. وسوف نرى أن الموالي أنواع, وهم الذين نبحث عنهم في هذا المكان.
و"الموالي: العصبة. هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسمًا، فقال الله ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ . فسموا الموالي.... والمولى اليوم موليان: مولى يرث ويورث, فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث, فهؤلاء العتاقة"٢.
والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر:
ومولى رمينا حوله وهو مدغل ... بأعراضنا والمندبات سروع
يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله. ومنه قول الفضل بن العباس:
مهلًا بني عمنا, مهلًا موالينا ... لا تظهرنّ لنا ما كان مدفونا٣
والموالي أنواع، موالي عتق وموالي عتاقة، وهو الرقيق أو الأسير الذي تفك رقبته بعتقه, كأن يشتري رجل مملوكًا فيشتريه فيعتقه٤. وفي جملة ما كان يفعله الجاهليون في مقابل فك رقبة المملوك اشتراطهم على المملوك عمل عمل يعيَّن له، فإن قام به وأتمه أعتقت رقبته, ويصير مولى لمعتقه إن شاء، وله الخيار في أن يختار غير سيده مولى له، إن اشترط ذلك على سيده، أو اشترط
стр. 2365
سيده عليه ذلك الشرط. وقد يقع الاختيار على ذلك بعد وقوع العتق.
ومن الموالي: موالي مكاتبة "موالي المكاتبة", وذلك بأن يشترط في عقد البيع، أن العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا سعى وأداه عتق. ذكر أيضًا أن المكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجَّمًا، فإذا أداه صار حرًّا، والعبد مكاتب. وقيل: المكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه في كل نجم كذا وكذا، فهو حر، فإذا أدى جميع ما كاتبه عليه، فقد عتق، وولاؤه لمولاه الذي كاتبه. وذلك أن مولاه سوغه كسبه الذي هو في الأصل لمولاه, فالسيد مكاتب، والعبد مكاتب إذا عقد عليه ما فارقه عليه من أداء المال. سميت مكاتبة لما يكتب للعبد عليه -على السيد- من العتق إذا أدى ما فُورق عليه, ولما يكتب للسيد على العبد من النجوم التي يؤديها في محلها، وأن له تعجيزه إذا عجز عن أداء نجم يحل عليه١.
والأصل في ولاء المكاتبة، أن من أعتق عبدًا كان ولاؤه له، فينسب إليه, وإذا مات كان هو وارثه. وقد لا يتحول الولاء للولي، إذا اشترطوا أولًا ألا يكون ولاؤه لمعتقه، بل لمن يؤدي ثمن المكاتبة مثلًا, وقد يعتق المملوك ولا يكون لأحد ولاء عليه, وتكون العتاقة عندئذ "سائبة". و"السائبة": العبد يعتق على ألا ولاء له، أي: عليه، ويحق عندئذ أن يضع ماله حيث يشاء٢.
ومن أسباب العتاقة: التدبير, وهو أن يعلق المالك عتق مملوكه على شرط, هو بعد وفاته، كأن يقول له: أنت حر بعد موتي, فلا يرثه أهله٣.
وأما مولى العقد, ويقال له: مولى حلف ومولى اصطناع، فيكون بانتماء رجل إلى رجل آخر بعقد، أو قبيلة إلى قبيلة أخرى بحلف. وذلك بأن يتعاقد ضعيف مع قوي على أن يساعده ويعاضده، ويقوم في مقابل ذلك بأداء ما اتفق عليه من شروط, وينتسب المولى عندئذ إلى سيده، أي: مولاه الذي قبل ولاءه. ومن هذا القبيل يهود يثرب، فقد كانوا في ولاية الأوس والخزرج، لجأ كل بطن
стр. 2366
منهم إلى بطن من الأوس أو الخزرج يتعززون بهم، وصاروا موالي لهم, إذا وقع عليهم ضيم لجئوا إلى من انتموا إليه بالولاء للدفاع عنهم. ولما ظهر الإسلام كان من دخل في ولاء "عبد الله بن أبي"، ومنهم من دخل في ولاء "سعد بن معاذ", ومنهم من كان في ولاء "عبادة بن الصامت". وكان عليهم في مقابل ذلك، العون والنصرة لمن دخلوا في ولائه أو ولائهم، والدفاع عنهم، وأن يكونوا بمثابة العون لهم.
وكان من موالي الحلف، قوم من اليهود والنصارى والمجوس. ولما ظهر الإسلام، أبطل عن تولي أهل الكتاب١, إذ جعلهم في ذمة المسلمين. ويدخل في هذا الولاء ولاء قبائل وعشائر صغيرة لقبائل أكبر منها, وذلك في سبيل الحصول على حمايتها لها ودفاعها عنها, فيتوجب عليها أداء ما شرط عليها من شروط عند طلبها الولاء, من العصبية والعقل وما شاكل ذلك من حقوق.
أما مولى الرحم، فيكتسب الولاء بالزواج من موالي بعض القبائل، فينسب إلى القبيلة التي تزوج من مواليها٢.
وذكر بعض أهل الأخبار أن الموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ابن العم والقرابة. وقد ذكرت هذه الأنواع في هذا البيت:
نبئت حيًّا على نعمان أفرادهم ... مولى اليمين ومولى الدار والنسب٣
وقد ذكر "الجاحظ" "أن الموالي أقرب إلى العرب في كثير من المعاني؛ لأنهم عرب في المدّعى، وفي العاقلة، وفي الوارثة. وهذا تأويل لقوله: مولى القوم منهم، ومولى القوم من أنفسهم. والولاء لحمة كلحمة النسب"٤. ولهذا عد الموالي في نسب من دخلوا في ولائه, وتعصبوا وتحزبوا لولاء المولى.
والموالي مهما كانوا عربًا أو عجمًا، كانوا أقل شأنًا في مجتمعهم من
стр. 2367
الأحرار. إذ نظر إليهم على أنهم دون العرب الأحرار في المكانة؛ ولهذا فقلما زوج الأحرار بناتهم للموالي, حتى ضرب بهم المثل في القلة والذلة, ولا سيما إذا كان الإنسان مولى موالٍ, فقيل: "مولى الموالي"، قيل ذلك في الإسلام أيضا. ورد في الشعر:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا١
وقد بقيت نظرة الازدراء المذكورة حتى في الإسلام, فمع مساواة الإسلام للعرب بغيرهم وإتيانه بمقياس جديد في تفضيل الخلق بعضهم على بعض هو مقياس العمل الصالح، المتجسم في قوله: "أيها الناس, إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى"٢, أو قوله: "الناس في الإسلام سواء، الناس طف الصاع لآدم وحواء, لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي إلا بتقوى الله"، "لا تأتوني بأنسابكم وأتوني بأعمالكم، فأقول للناس هكذا ولكم هكذا"٣ -نجد أن العرب بقيت في الإسلام أيضًا تأنف من تزويج بناتهم إلى الموالي بسبب شرط "الكفاءة" الذي كان سنة من سنن أهل الجاهلية في الزواج: كفاءة النسب والمنزلة والحرفة, وإذا تزوج مولى بنتًا عربية، عُيرت القبيلة به. وقد هجا الشاعر "أبو بجير" "عبد القيس"؛ لتزويجهم بناتهم للموالي٤، وذهب البعض إلى قاعدة: "الكفاءة في النسب والدين والصنعة والحرية, ولا تزوج عربية بأعجمي, ولا قرشية بغير قرشي، ولا هاشمية بغير هاشمي، ولا عفيفة بفاجر"٥, وأن "قريشًا بعضهم أكفاء لبعض, بطن ببطن، والعرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاء لبعض, رجل برجل"٦.
стр. 2368
أما كفاءة النسب، فيراد بها النسب العربي، أي: إن الرجل لا يزوج بنتًا عربية إلا إذا كان عربيًّا. وأما المنزلة، فيراعى فيها الكفاءة في المكانة، كأن يراعى في اختيار الزوجة أن تكون من عائلة ليست منزلتها دون منزلة الزوج، وإلا عير بزواجه, وأما الحرفة، فأن يتزوج الرجل بنتًا من بنات حرفته، فلا يتزوج الرجل ابنة صائغ مثلًا وإلا عير ابنها به، كالذي كان من أمر "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، فقد عيره الناس بأمه؛ لأنها ابنة صائغ، ثم لأنها يهودية. وكان هذا العرف صارمًا في اليمن، فحصروا الزواج بأصحاب الحرف على نحو ما سأتحدث عنه في باب الزواج.
ونظرًا إلى ازدراء العرب لشأن الموالي، وما كان يجلبه الولاء من ازدراء العرب بعضهم بعضًا لهذا السبب، بسبب ولاء العتق أو ولاء الموالاة، فقد أمر الخليفة "عمر" بإبطال الولاء بين العرب، وجوز بقاءه فيما بين العرب وغير العرب١, فاقتصر الولاء على هذا النوع وحده في الإسلام.
стр. 2369
الأحلاف:
وكان للأحلاف شأن خطير في حياة الجاهليين. والحلف في اصطلاح علماء اللغة: العهدُ بين القوم، والحلف والمحالفة: المعاهدة، وأصله اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعض بها العهد، ثم عُبر به عن كل يمين, والمحالفة: أن يحلف كل للآخر١. فمعنى الحلف في الأصل المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وتحالفوا بمعنى تعاهدوا وعقدوا اتفاقًا وعهدًا، وتآخوا على العمل يدًا واحدة، وقد حالف الرسول بين المهاجرين والأنصار, أي: آخى بينهم٢.
وفي كلمة الحلف شيء من الدلالة على الشعائر والأيمان والمعاني الدينية؛ ولذلك قيل للحلف اليمين، لأن من عادتهم عند عقد الحلف بسط أيمانهم إذا حلفوا
стр. 2370
وتحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا١. وكانوا ينظرون إليها على أن لها قداسة خاصة وحرمة، والحانث بيمينه ينظر إليه بأشد أنواع التحقير والازدراء. ويعد الحنث باليمين من الموبقات ومن الكبائر التي لا يُغتفر صدورها من شخص في شريعة الجاهليين, وقد أمر الإسلام بالوفاء بالعهد٢.
و"العهد" بمعنى الحلف أيضًا, وقيل: العهد: كل ما عُوهد عليه، وكل ما بين الناس من المواثيق. وهو أيضًا الموثق واليمين؛ ولذلك ورد: "على عهد الله" و"أخذت عليه عهد الله"، و"ولي العهد"؛ لأنه ولي الميثاق الذي يؤخذ على من بايع الخليفة, وعلى من يعطي العهد الوفاء به: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٣, ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٤, أي: من وفاء٥. ووردت لفظة "عاهدتم" بمعنى التحالف والتعاقد في مواضع من كتاب الله٦.
ويرد "الميثاق" بمعنى العهد, والمواثقة: المعاهدة، وأما "التواثق"، فالتحالف والتعاهد. وفي القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ٧, ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٨، ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ٩. وقد قال العلماء: إنه عقد مؤكد بيمين
стр. 2371
وعهد١. والحلف الذي نتحدث عنه هو "ميثاق"؛ لأنه عهد يؤخذ بحلف مؤكد بيمين.
وتكون بين المتحالفين مواثيق على الوفاء بالالتزامات التي نص عليها، واتفق الطرفان المتعاقدان أو الأطراف المتعاقدة على الوفاء بها كاملة غير منقوصة.
ويكون الحلف بين الأفراد، كما يكون بين الجماعات والحكومات، فيتحالف الأفراد بعضهم مع بعض، ويعلن ذلك الحلف ليكون معلومًا بين الناس, وتتحالف القبائل بعضها مع بعض, ويعلن حلفها هذا ليكون معلومًا عند أفرادها وعند القبائل الأخرى، وتتحالف الحكومات: حكومات عربية مع حكومات عربية، أو حكومات عربية مع حكومات أعجمية. وفي المسند أمثلة عديدة على محالفات الحكومات العربية بعضها مع بعض، أو محالفتها لحكومة أجنبية مثل: الحبشة، كما في الكتابات الآشورية وفي مؤلفات اليونان واللاتين، وفي كتب أهل الأخبار أمثلة من محالفات العرب مع غيرهم، أو محالفاتهم بعضهم مع بعض.
والفكرة التي حملت العرب على عقد الأحلاف، هي نفس الفكرة التي تدفعهم اليوم على عقد الأحلاف بينهم أو مع غيرهم. وهي الضرورة والدفاع عن مصالح خاصة أو عامة، أي: نفس الفكرة التي تدفع الدول على التكتل والتحزب وعقد الأحلاف الدولية في هذا اليوم، أو في المستقبل. وهناك أحلاف عقدت لأغراض هجومية، وأحلاف عقدت لمصالح اقتصادية، مثل أكثر أحلاف قريش مع القبائل, وأحلاف لتثبيت نظم وإقرار قوانين وأخذ حقوق وردع ظالم وإنصاف مظلوم.
وقد تعقد الأحلاف لأغراض معينة، فتكون لها آجال محددة، كأن تسعى قبيلة لعقد حلف مع قبيلة أخرى لمساعدتها في صد غزو سيقع عليها, أو لمساعدتها في غزو قبيلة أخرى، أو الوقوف موقف حياد تجاه الغزو، أو مساعدة قبيلة قبيلة أخرى للأخذ بثأر من قبيلة لها ثأر معها. ومثل هذه الأحلاف لا تعمر طويلًا، إذ ينتهي أجلها بانتهاء الغاية التي من أجلها عقد الحلف.
стр. 2372
والغالب أن الضعيف هو الذي يبحث عن حليف يحالفه؛ ليقوي بهذا التحالف نفسه، ويعز به مكانه. قال البكري: "فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوي للضعيف -انضم الذليل منهم إلى العزيز, وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالِّهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم"١.
لقد دفعت الضرورات قبائل جزيرة العرب إلى تكوين الأحلاف؛ للمحافظة على الأمن وللدفاع عن مصالحها المشتركة كما تفعل الدول. وإذا دام الحلف أمدًا, وبقيت هذه الرابطة التي جمعت شمل تلك القبائل متينة، فإن هذه الرابطة تنتهي إلى نسب يشعر معه أفراد الحلف أنهم من أسرة واحدة, تسلسلت من جد واحد. وقد يحدث ما يفسد هذه الرابطة، أو ما يدعو إلى انفصال بعض قبائل الحلف، فتنضم القبائل المنفصلة إلى أحلاف أخرى، وهكذا نجد في الجزيرة أحلافًا تتكون، وأحلافا قديمة تنحل أو تضعف٢.
لم يكن في مقدور القبائل أو العشائر الصغيرة المحافظة على نفسها من غير حليف قوي يشد أزرها إذا هاجمتها قبيلة أخرى، أو أرادت الأخذ بالثأر منها. لقد كانت معظم القبائل داخلة في هذه الأحلاف، إلا عددًا قليلًا من القبائل القوية الكثيرة العدد، وكانت تتفاخر بنفسها؛ لأنها لا تعتمد على حليف يدافع عنها، بل كانت تأخذ بثأرها وتنال حقها بالسيف. ويشترك المتحالفون في الغالب في المواطن، وقد تنزل القبائل على حلفائها، وتكون الهيمنة بالطبع في هذه للقبائل الكبيرة٣.
وقد عرفت مثل هذه الأحلاف عند سائر الشعوب السامية كالعبرانيين مثلًا، وطالما انتهت تلك الأحلاف كما انتهت عند العرب إلى نسب، فيشعر المتحالفون أنهم من أسرة واحدة يجمع بينهم نسب واحد٤. ويقال للحلف "تكلع"
стр. 2373
عند اليمانيين١, "وبه سمي ذو الكلاع, وهو ملك حميري من ملوك اليمن من الأذواء، وسمي ذا الكلاع؛ لأنهم تكلعوا على يديه أي تجمعوا، وإذا اجتمعت القبائل وتناصرت فقد تكلعت"٢.
ولما كانت المصالح الخاصة هي العامل المؤثر في تأليف الأحلاف، كان أمد الحلف يتوقف في الغالب على دوام تلك المصالح. وقد تعقد الأحلاف لتنفيذ شروط اتفق عليها، كأن تعقد لغزو قبيلة، أو للوقوف أمام غزو محتمل، أو لأجل معين. ومتى نفذت أو تلكأ أحد الطرفين في التنفيذ، انحل الحلف، وتعد هذه الناحية من النواحي الضعيفة في التأريخ العربي، فإن تفكير القبائل لم يكن يتجاوز عند عقدهم هذه الأحلاف مصالح العشائر أو القبائل الخاصة؛ لذلك نجدها تتألف للمسائل الداخلية التي تخص قبائل جزيرة العرب, ولم تكن موجهة للدفاع عن بلاد العرب ولمقاومة أعداء العرب. ولا يمكن أن نطلب من نظام يقوم على العصبية القبلية أن يفعل غير ذلك، فإن وطن القبيلة ضيق بضيق الأرض التي تنزل فيها, فإذا ارتحلت عنها، ونزلت بأرض جديدة، كانت الأرض الجديدة هي المواطن الجديد الذي تبالغ القبيلة في الدفاع عنه. ولما كانت هذه النزعة الفردية هي هدف سياسة سادات القبائل، أصبحت حتى اليوم من أهم العوائق في تكوين الحكومات الكبيرة في جزيرة العرب، ومن أبرز مظاهر الحياة السياسية للأعراب.
وخير مثال للقبائل التي اقتضت مصالحها التكتل والتحالف بينها، هو الحلف الذي قيل له "تنوخ". فقد اجتمع بالبحرين قبائل من العرب، وتحالفوا وتعاقدوا على التناصر والتساعد والتآزر فصاروا يدًا واحدة، وضمهم اسم "تنوخ"٣, وحلف "فرسان" وهو حلف آخر قديم تكون من انضمام قبائل عديدة بعضها إلى بعض للتناصر والتآزر٤. ولما لم يعرف أهل الأخبار واللغة شيئًا من تلك الأمور العادية، أوجدوا تلك القصص والأخبار والأنساب المدونة
стр. 2374
عن تنوخ وأمثال تنوخ١.
ومن هذا القبيل، الحلف الذي قيل له: "البراجم", وهو من عمرو وظليم وقيس وكلفة وغالب. زعم أهل الأخبار أن "حارثة بن عمرو بن حنظلة"، قال لهم: أيتها القبائل التي قد ذهب عددها، تعالوا فلنجتمع ولنكن كبراجم يدي هذه, فقبلوا، فقيل لهم: البراجم, وهم يد مع عبد الله بن دارم. فنحن أمام حلف من أحياء قل عددها وذهب أمرها، وخافت على نفسها، فلم تجد أمامها من وسيلة للمحافظة على حياتها سوى التحالف، فكان من ذلك حلف البراجم٢.
ونجد لفظة "الحليفان" للدلالة على تحالف قبيلتين، أو "الأحلاف" تعبيرًا عن حلف عُقد بين قبيلتين أو أكثر -تتردد في كتب أهل الأنساب والأخبار, وقد قصد بها أحلاف عديدة. فقد قيل لأسد وغطفان: "الحليفان"؛ لأنهما تحالفا وتعاقدا وعقدا حلفًا بينهما على التناصر والتآزر، كما قيل لهما "الأحلاف", والأحلاف أسد وغطفان٣, وقيل لقوم من ثقيف: "الأحلاف". والظاهر أنهم كانوا في الأصل طوائف لم تتمكن من البقاء وحدها في وسط عالم لا يعيش فيه إلا القوي، فتحالفت للدفاع عن نفسها، ويقال لأسد وطيء: "الحليفان", ولفِزَارة وأسد: "حليفان"؛ لأن خزاعة لما أجلت بني أسد عن الحرم، خرجت فحالفت طيئًا، ثم حالفت بني فزارة٤.
ولما تحالفت غطفان وبنو أسد وطيء، قيل لهم: الأحاليف؛ لعقدهم حلفًا على التناصر والتآزر٥.
стр. 2375
وقد ورد في معلقة "الحارث بن حلزة اليشكري" اسم "حلف ذي المجاز", الذي عُقد بين بكر وتغلب بوساطة "عمرو بن هند"، وقد أخذ فيه عمرو بن هند العهود والمواثيق والكفلاء من الطرفين حذر الجور والتعدي١.
وتكون الهيمنة في الأحلاف التي تعقد بين قبائل غير متكافئة للقبائل القوية، أي: للقبائل التي لجأت إليها القبائل الضعيفة لعقد حلف معها. فتكون الكلمة عندئذ لسادات القبائل البارزة في هذا الحلف, وعلى القبائل الضعيفة دفع شيء للقبائل القوية في مقابل حمايتها لها وبسط سلطانها عليها, ومنع ما قد يقع من اعتداء من قبائل أخرى عليها.
وقد كانت هذه الأحلاف تدوم ما دامت المصالح متشابهة، فإذا اختل التوازن بين المتحالفين، أو وجد أحد الطرفين أن مصالحه تقتضي الانضمام إلى حلف آخر, فسخ ذلك العقد وعقد حلفا آخر، وحالف قبائل أخرى قد تكون معادية لقبائل الحلف السابق، ويقال لفسخ الأحلاف: "الخلع"٢.
وهكذا كانت الحياة السياسية في الجاهلية: أحلاف تتكون وأخرى قديمة تنحل, ولا سيما إذا كانت قد تكونت من قبائل لا رابطة دموية بينها ولا اشتراك في المواطن، وإنما كانت عوامل مؤقتة وأحوال طارئة اقتضت تكتلها, ثم اقتضت انحلالها لزوال تلك الأسباب.
وتعقد الأحلاف أحيانا بين عشائر وبطون قبيلة واحدة، تعقد على نمط الأحلاف التي تعقد بين القبائل. وقد يعقد الحلف بين عشائر وبطون قبيلة، وبين عشائر وبطون قبائل غريبة؛ وذلك بسبب حدوث مشاحنات ومنافسات بين عشائر وبطون القبيلة، فتتكتل العشائر والبطون وتتحزب وقد تتقاتل, وتضطر عندئذٍ إلى تأليف أحلاف بينها لتتغلب بها على العشائر والبطون المنافسة. ومثل هذه الأحلاف تضعف القبيلة وتؤدي إلى تصدعها ما لم يتدارك أمرها أصحاب الرأي والسداد فيتولوا
стр. 2376
إصلاح ما قد وقع بين رجال القبيلة من فساد, وتهدئة الحال حفظًا لمصلحة القبيلة. ونجد أمثلة من هذا القبيل عند أهل الأخبار.
ولم يكن من الواجب على كل أحياء قبيلة، الاشتراك في الأحلاف التي تعقدها غالبية أحياء تلك القبيلة، فقد اعتزلت "حنيفة" الحلف الذي عقدته قبائل "بكر" في الجاهلية؛ لأنها كانت من أهل المدر، وكان الحلف في أهل الوبر, فلما جاء الإسلام دخلت في "عجل"، وصارت لهزمة١.
وكان في العرف الجاهلي أن الأحياء التي تتحضر من قبيلة ما، لا تدخل في الأحلاف التي تعقدها الأحياء المتبدية؛ لاختلاف الحالة، لا سيما إذا كانت المواطن بعيدة. فالحضارة تبعد الأعراب عمن يتحضر منهم, إلا إذا وجدت مصالح خاصة، والمصالح أساس التعامل.
ونظرًا إلى ما للحلف من قدسية في النفوس، أصبح من المعتاد عقده في مراسيم مؤثرة ورد وصف بعضها في الأخبار، مثل حلف "المطيبين" الذي عقد في مكة بعد اختلاف بني عبد مناف وهاشم والمطلب ونوفل مع بني عبد الدار بن قصي، وإجماعهم على أخذ ما في أيدي بني عبد الدار مما كان قصي قد جعله فيهم من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، فعقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا, على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضًا "ما بَلَّ بحرٌ صوفةُ"، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا, فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجنها لهم، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسكوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم، فسُموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفًا مؤكدًا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضًا، فسُموا الأحلاف٢.
стр. 2377
"والأحلاف ست قبائل: عبد الدار، وجمح، ومخزوم، وبنو عدي, وكعب، وسهم"١.
ومن هذا القبيل حلف الفضول، إذ تداعت قبائل من قريش إلى حلف وتعاهدوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها ومن غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عنه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول٢, وهو من الأحلاف التي ظل الناس يحترمون أحكامها حتى الإسلام. وقد عقد على هذه الصورة: اجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعامًا كثيرًا, ثم "عمدوا إلى ماء من ماء زمزم فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت به أركانه، ثم أتوا به فشربوه"٣.
وأضيف إلى هذه الأحلاف، حلف "الرباب". وهو حلف عقد بين المتحالفين بإدخال أيديهم في "رُبّ" وتحالفوا عليه، أو لأنهم جاءوا برب فأكلوا منه، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا عليه, فصاروا يدًا واحدة، وقيل: لأنهم اجتمعوا كاجتماع الربابة، وهم: تيم وعدي وعُكْل ومُزَينة وضَبَّة أو: ضبة, وثور، وعكل، وتيم، وعدي٤.
ومن تلك الأحلاف، حلف لَعَقة الدم, وقد عقد على أثر تخاصم القبائل من
стр. 2378
قريش في وضع الحجر الأسود في موضعه. فلما استعدت للقتال قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هو وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا "لعقة الدم"١. ويظهر أن عقد الحلف بإدخال الأيدي في الدم من المراسيم المعروفة. وقد عرف قوم من بني عامر بن عبد مناة بن كنانة بلعقة الدم, وكانوا ذوي بأس شديد٢, وجاء أن خَثْعَمًا إنما سموا خثعمًا؛ لأنهم غمسوا أيديهم في دم جَزُور٣.
وتعقد الأحلاف على النار كذلك، وقد وصف "هيرودوتس" طريقة من طرق التحالف والمؤاخاة والمحافظة على العهود عند العرب، فذكر أن العرب يحافظون على العهود والمواثيق محافظة شديدة، لا يشاركهم في ذلك أحد من الأمم، ولها قداسة خاصة عندهم، حتى تكاد تكون من الأمور الدينية المقدسة. وإذا ما أراد أحدهم عقد حلف مع آخر، أوقفا شخصًا ثالثًا بينهما ليقوم بإجراء المراسيم المطلوبة في عقد الحلف؛ ليكتسب حكما شرعيًّا، فيأخذ ذلك الشخص حجرًا له حافة حادة كالسكين يخدش به راحتي الشخصين قرب الإصبع الوسطى، ثم يقطع قطعة من ملابسهما فيغمسهما في دمي الراحتين، ويلوث بهما سبعة أحجار. ويكون مكان هذا الشخص الذي يقوم بإجراء هذه الشعائر في الوسط، يتلو أدعية وصلاة للإلهين "باخوس" "Bachus" و"أورانيا" "Urania"، حتى إذا انتهو منها قاد الحلف حليفه إلى أهله وعشيرته لإخبارهم بذلك وللإعلان عنه، فيصبح الحليف أخًا له وحليفًا، أمرهما واحد بالوفاء٤.
وما ذكره "هيرودوتس" عن عقد العرب أحلافهم على النار، هو صحيح على وجه عام. يؤيده ما ذكره أهل الأخبار عن "نار التحالف", وقولهم: كان أهل الجاهلية إذا أرادوا أن يعقدوا حلفًا، أوقدا نارًا وعقدوا حلفهم
стр. 2379
عندها، ودعوا بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد ويحل العقد، وكانوا يطرحون فيها الملح والكبريت، فإذا استشاطت قالوا للحالف: هذه النار تهددتك، يخوفونه بها حتى يحافظ على العهد والوعد، ولا يحلف كذبًا ويضمر غير ما يظهر؛ ولذلك عرفت هذه النار بنار التحالف. وهي نار يقسم المتخاصمون عليها كذلك، فإن كان الحالف مبطلًا نكل، وإن بريئًا حلف ولهذا سموها أيضًا "نار المهوّل" و"الهولة"١, وذكر أنهم كانوا لا يعقدون حلفًا إلا عليها. وقد أشار إلى هذه النار "أوس بن حجر"، إذ قال:
إذا استقبلته الشمس، صد بوجهه ... كما صد عن نار المهوّل حالف
كما أشار إليها الكميت:
هُمُو خوَّفوني بالعمى هُوَّة الردى ... كما شب نار الحالفين المهوّل٢
وقد ذكر أهل الأخبار حلفًا سموه: "حلف المحرقين"، وزعموا أن المتحالفين تحالفوا عند نار حتى أمحشوا أي: احترقوا, وأن يزيد بن أبي حارثة بن سنان, وهو أخو هرم بن سنان الذي مدحه زهير، يمحش المحاش، وهم بنو خصيلة بن مرة وبنو نشبة بن غيظ بن مرة على بني يربوع بن غيظ بن مرة رهط النابغة، فتحالفوا على بني يربوع على النار، فسموا المحاشّ بتحالفهم على النار٣. وزعموا أن المحاش القوم يجتمعون من قبائل شتى، فيتحالفون عند النار٤.
وذكر علماء اللغة أن "المحاشن": القوم يجتمعون من قبائل يحالفون غيرهم من الحلف عند النار, وكانوا يوقدون نارًا لدى الحلف ليكون أوكد. وقد أشير إلى ذلك في شعر للنابغة، إذ يقول:
جمع محاشك يا يزيد، فإنني ... أعددت يربوعًا لكم، وتميما
قيل: يعني صرمة وسهمًا ومالكًا, بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وضبة بن سعد؛ لأنهم تحالفوا بالنار، فسموا المحاش٥.
стр. 2380
وقريب من هذا ما كانت تفعله قريش حين تعقد حلفًا، فيأخذ الحليف حليفه إلى الكعبة، ثم يطوفان بالأصنام لإشهادها على ذلك، ثم يعود الحليف بحليفه لإشهاد قريش ومن يكون في الكعبة آنئذ على صحة هذا الحلف، وقبوله محالفة الحليف، إذ أصبح وله ما له وعليه ما عليه، وعلى قومه حمايته حمايتهم له. وقد ذكرت كتب السيرة والأخبار والأدب طرفًا من أخبار المحالفات التي كانت تعقد بمكة وكيفيتها وبعض المراسيم التي تمت فيها.
ولا تعرف صيغة واحدة معينة للقسم الذي يقسم به المحالفون. فمنهم من أقسم بالأصنام التي يعبدونها ويقفون عندها حين يعقدون الحلف, ومنهم، وهم أغلب أهل مكة، من كانوا يحلفون عند الركن من الكعبة، فيضع المتحالفون أيديهم عليه، فيحلفون. وقد ذكر أن قَسَم قريش والأحابيش عند الركن يوم تحالفوا وتعاقدوا، حلفوا "بالله القاتل وحرمة البيت والمقام والركن والشهر الحرام على مصر, على الخلق جميعًا, حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى التعاقد والتساعد على من عاداهم من الناس ما بل بحر صوفة، وما قام حراء وثبير، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة"١.
ومنهم من أقسم بالآباء والأجداد، لما لهم من مكانة ومقام في نفوسهم. ومنهم من حلف وعقد الحلف عند المشاهد العظيمة، أو في معابد الأصنام، أو عند قبور سادات القبائل المحترمين، فيحلفون بصاحب هذا القبر ويذكرون اسمه على التعاقد والتآزر أو على ما يتفق المتحالفون عليه، وعلى الوفاء بالعهد. وقد رُوي أن النبي أدرك "عمر" في ركب وهو يحلف بأبيه، فنادى رسول الله: "أما أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. من كان حالفًا، فليحلف بالله أو يصمت"٢.
وفي كتب أهل الأخبار والأدب أسماء قبائل يظهر أنها كانت أسماء أحلاف, عقدت في مراسيم خاصة، يمكن الوقوف عليها وتعيينها من دراستها والوقوف على معانيها، مثل الرباب والمحاش وما شاكل ذلك من أسماء.
ومن عاداتهم في عقد الأحلاف ما ذكرته من التحالف على الطيب أو النار أو
стр. 2381
القسم عند صنم. "وفي حديث الهجرة: وقد غمس حلفًا في آل العاص، أي: أخذ نصيبًا من عقدهم وحلفهم يأمن به. وكان عادتهم أن يحضروا في جفنة طيبًا أو دمًا أو رمادًا، فيدخلون فيه أيديهم عند التحالف ليتم عقدهم عليه باشتراكهم في شيء واحد"١. وحلفوا بالملح وبالماء, "قال ابن الأعرابي": "والعرب تحلف بالملح والماء تعظيما لهما"٢, ومن المجاز: "ملحه على ركبته"، بمعنى قليل الوفاء٣, وحلفوا بالخبز والملح. وعلى من يأكل خبز وملح شخص الوفاء لذلك الشخص، ولا يجوز الاعتداء على من أكل خبز وملح قبيلة، وعليها الدفاع عنه وأخذ حقه ممن ظلمه من أهل تلك القبيلة.
وتدون الأحلاف أحيانا لتوكيدها وتثبيتها، وتحفظ عند المتعاقدين، وقد تودع في المعابد كالذي رُوي في خبر "صحيفة قريش" يوم تآمر المشركون وتحالفوا على مقاطعة "بني هاشم" في شِعْبهم، إذ كتبوا صحيفة بما اتفقوا عليه, ثم أودعوها -كما يقول أهل الأخبار- جوف الكعبة، وكالذي ورد من تحالف ذبيان وعبس وتدوينهم ما تحالفوا عليه في الكتاب، وتعاهدوا وأقسموا على اتباع ما كتب فيه، والعمل به. وإلى ذلك أشير في شعر قيس٤.
ونجد في شعر "زهير":
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان: هل أقسمتم كل مقسم؟
إشارة إلى قسم أخذ من المتعاقدين ليلتزموا الوفاء بما تحالفوا عليه، وهم "الأحلاف". كما نجد في شعر الحارث بن حلزة اليشكري:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكُفلاءُ
حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواءُ
إشارة إلى العهود والرهائن التي أخذت من "بني تغلب" و"بني بكر" للوفاء بما توافقوا وتعاهدوا عليه ودونوه من شروط على "المهارق"،
стр. 2382
أي: القراطيس، توكيدًا لما اتفقوا عليه مشافهة. وكان الملك "عمرو بن هند"، قد أصلح بين الطرفين بحلف، سمي حلف ذي المجاز، فأخذ عليهم المواثيق والرهائن١.
ويوثق ما اتفق عليه من عهود وأحلاف ومواثيق، رؤساء الأطراف المتعاقدة, بأن تدون أسماؤهم وتختم بخواتيمهم، لتكون شهادة بصحة ما اتفق عليه، كما يفعل المتعاهدون على صحة العقد، وعلى صحة الخواتيم، وبأن ما اتفق عليه كان بحضورهم، وبأنهم شهود على كل ذلك.
وفي أخبار أهل الأخبار شواهد تشهد بتدوين الجاهليين لعقود الأحلاف. ورد في شرح "التبريزي" على المعلقات قوله في معرض شرحه لمعلقة "الحارث بن حلزة اليشكري": إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة بعد ما تحالفنا وتعاقدنا، فكيف تصنعون بما هو في الصحف مكتوب عليكم من العهود والمواثيق والبينات فيما علينا وعليكم٢؟. وورد أن أهل الجاهلية "كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان"٣. وورد في شعر ينسب إلى "درهم بن زيد الأوسي"، ما يفيد وجود صحف مكتوبة بعهود عقدت بين الأوس والخزرج٤, ووردت إشارة إلى "الصحف": صحف العهود والمواثيق في شعر للشاعر قيس بن الخطيم٥.
وروي أنه قد كان عند "عمر بن إبراهيم" من ولد "أبرهة بن الصباح" الحبشي المعروف، كتاب دون "الدينوري" صورته، فيه حلف اليمن وربيعة في حكم الملك "تبع بن ملكيكرب"، وقد دون بشهر رجب الأصم٦. وهو كتاب يظهر أنه دون في الإسلام، وأن واضعه لم يكن له علم بأحوال اليمن في
стр. 2383
ذلك العهد. على كل، فإنه يشير إلى وجود تدوين العهود عند الجاهليين. ولما تحالفت قريش على مقاطعة "بني هاشم" و"بني المطلب" كتبت كتابًا بما اتفقت عليه، كتبه "منصور بن عكرمة العبدري"، وذكر أنه حفظ عند "أم الجُلَّاس بنت مُخربة الحنظلية" خالة أبي جهل، وذكر أنه عُلِّق في جوف الكعبة١.
وشهادات الشهود على صحة العقود أو الأوامر معروفة عند أهل اليمن، إذ وردت في الأوامر الملكية التي أصدرها ملوك اليمن وفي قوانينهم التي كانوا يصدرونها لأتباعهم. وقد عرفت عند أهل مكة، وهم قوم تجار وأصحاب مصالح، ولهم عقود ومواثيق ومعاهدات مع غيرهم من أهل القرى وسادات القبائل. وفي القرآن الكريم ألفاظ لها صلة بالشهادة والشهود, منها: "شهدتم" و"شهدوا"، و"أشهد"، و"تشهد", و"تشهدون"، و"شاهد", و"الشهادة", وقد أمر بوجوب المحافظة على الشهادة وعدم كتمانها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ٢.
ولما كانت مراسيم الأحلاف من المراسيم المهمة ومن الأحداث الخطيرة، اقترنت من أجل ذلك بتقديم الطعام للمتحالفين. فيجلس المتحالفون من جميع الفرقاء على مائدة واحدة كالذي ذكرته من تقديم عبد الله بن جدعان الطعام للمتحالفين يوم عقدوا "حلف الفضول". وقد تكون الوليمة نفسها مظهرًا من مظاهر مراسيم عقد الأحلاف؛ لما للخبز والملح من أثر عند العرب، فعلى من يأكل خبز رجل وملحه أن يمر به ويوفي له؛ ولهذا يعنف الإنسان الإنسان الغادر ويوبخه، لأنه لم يراعِ حرمة الخبز والملح، وهي حرمة تكاد تصل إلى حرمة الدم والرحم.
يتبين مما تقدم أن العرب كانت ترى توكيد الأحلاف بكسوتها بقدسية خاصة، وذلك بعقدها مراسيم ذات صبغة دينية. وقد راعت في تلك المراسيم جهد إمكانها إيلاج ما يوضع في تلك المراسيم إلى أجسام المتحالفين، وكأنهم أرادوا بذلك إدخال القسم وما حلف عليه في جسم المتحالفين؛ ولهذا كان الذين يغمسون إصبعهم في جفنة الدم أو في دم الجزور, يلطعون إصبعهم، وكان الذين يغمسون
стр. 2384
أصابعهم في الطيب يلطعون أصابعهم أيضًا، وكان الذين يقسمون على الماء المقدس يشربون من ذلك الماء، وكان الذين يجرحون أيديهم ويعقدون الحلف يضعون راحتي المتحالفين اليمنيين إحداهما فوق الأخرى، إلى آخر ذلك من مظاهر توحي أن المتحالفين لم يكونوا قد فعلوا ذلك عبثًا ومن غير هدف ولا قصد، بل أرادوا من كل ذلك التأثير في المتحالفين, وجعلهم يشعرون بأن حلفهم هذا -أي قسمهم- على التحالف لتنفيذ ما اتفق عليه, قد صار جزءًا من جسمهم، وقد حل في دمهم كما يحل الدم والخبز في دم الجسم.
وتعقد الأحلاف الخطيرة المهمة أمام الأصنام وفي المعابد في الغالب؛ وذلك كي تكتسب قدسية خاصة. ويشرف على عقدها سادن الصنم، وقد يساعده مساعدون؛ ليقوموا بمساعدته في إتمام المراسيم.
ويكون بين قبائل الحلف سلم وود؛ لذلك يستطيع أبناء القبائل المتحالفة المرور بمواطن هذه القبائل غير خائفين، وتمر قوافلهم بأمان لا يُتعرض لها، ولا تجبى إلا على وفق ما اتفق عليه وجرت عليه عادة المتحالفين. وعلى أبناء هذه القبائل حماية من يجتاز بأرضهم وتقديم المساعدات له وإضافته ودفع الأذى عنه، وإذا وقع عليه اعتداء من قبائل غريبة فعليه مساعدته والذب عنه واستصراخ قومه لنجدته؛ لأنهم من حلف واحد, وعلى الإنسان أن يتعصب للحلف تعصبه لقبيلته.
ويلاحظ أن الأحلاف إذا طالت وتماسكت، أحدثت اندماجًا بين قبائل الحلف قد يتحول إلى النسب، بأن تربط القبائل والعشائر الضعيفة نسبها بنسب القبيلة البارزة المهيمنة على الحلف, وينتمي الأفراد إلى سيد تلك القبيلة البارزة, فتدخل أنسابها في نسب الأكبر. وفي كتب الأنساب والأدب أمثلة عديدة على تداخل الأنساب، وانتفاء قبائل من أنسابها القديمة ودخولها في أنساب جديدة.
ويؤدي انحلال الحلف أو انحلال عقد عشائر القبيلة الذي هو في الواقع حلف سمي "قبيلة", إلى انحلال الأنساب وظهور أنساب جديدة، فإن القبائل المنحلة تنضم إلى حلف جديد، فيحدث ما ذكرته آنفًا من تولد أنساب جديدة، ومن تداخل قبائل في قبائل أخرى, وأخذها نسبها. ومن هنا قال "جولد زيهر": إنه لفهم الأنساب عند العرب، لا بد من معرفة الأحلاف والتحالف, فإنها تكوِّن القبائل؛ لأن أكثر أسماء أجداد القبائل هي أسماء أحلاف، ضمت عددًا
стр. 2385
من القبائل توحدت مصالحها, فاتفقت على عقد حلف فيما بينها على نحو ما مر١.
وفي كتب الأنساب والأدب أدلة عديدة معروفة على أسماء أحلاف, مشت بين الناس وفشت وشاعت حتى صارت كأنها نسب من الأنساب, ومن ذلك "الأحلاف" و"المطيبون". جاء "ابن صفوان" إلى "عبد الله بن عباس", فقال له: "نعم الإمارة إمارة الأحلاف، كانت لكم", فقال "ابن عباس": "الذي كان قبلها خير منا. كان رسول الله ﷺ من المطيبين، وكان عمر من الأحلاف" يعني: "إمارة عمر"٢, وقيل لعمر: أحلافي؛ لأنه عَدَوِي. والأحلاف صار اسمًا لهم كما صار الأنصار اسمًا للأوس والخزرج٣.
وقد أشرت سابقًا إلى اسم "تنوخ". و"الأحابيش" حلف عُقد عند جبل حبش بأسفل مكة، فعرف المتحالفون به. وهم "بنو المصطلق، والحيا بن سعد بن عمرو، بنو الهون بن خزيمة"، وذلك على حد قول أكثر أهل الأخبار٤.
و"الرباب" حلف أيضًا ضم خمس قبائل، هي: تيم، وعدي, وعكل، ومزينة, وضبة، ولكنه سار بين الناس ومشى وكأنه اسم جماعة ترجع إلى نسب واحد٥. وأما "الأحلاف" الذين ورد اسمهم في شعر "زهير بن أبي سلمى"، فهم "أسد" و"غطفان"، ويقال لحلفهما المذكور أيضًا: "الحليفان"٦. و"الأحلاف" كذلك: قوم من "ثقيف"٧.
لقد تركت الأحلاف أثرًا مهمًّا في الحياة السياسية والاجتماعية عند العرب قبل