← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

القسم عند صنم. "وفي حديث الهجرة: وقد غمس حلفًا في آل العاص، أي: أخذ نصيبًا من عقدهم وحلفهم يأمن به. وكان عادتهم أن يحضروا في جفنة طيبًا أو دمًا أو رمادًا، فيدخلون فيه أيديهم عند التحالف ليتم عقدهم عليه باشتراكهم في شيء واحد"١. وحلفوا بالملح وبالماء, "قال ابن الأعرابي": "والعرب تحلف بالملح والماء تعظيما لهما"٢, ومن المجاز: "ملحه على ركبته"، بمعنى قليل الوفاء٣, وحلفوا بالخبز والملح. وعلى من يأكل خبز وملح شخص الوفاء لذلك الشخص، ولا يجوز الاعتداء على من أكل خبز وملح قبيلة، وعليها الدفاع عنه وأخذ حقه ممن ظلمه من أهل تلك القبيلة. وتدون الأحلاف أحيانا لتوكيدها وتثبيتها، وتحفظ عند المتعاقدين، وقد تودع في المعابد كالذي رُوي في خبر "صحيفة قريش" يوم تآمر المشركون وتحالفوا على مقاطعة "بني هاشم" في شِعْبهم، إذ كتبوا صحيفة بما اتفقوا عليه, ثم أودعوها -كما يقول أهل الأخبار- جوف الكعبة، وكالذي ورد من تحالف ذبيان وعبس وتدوينهم ما تحالفوا عليه في الكتاب، وتعاهدوا وأقسموا على اتباع ما كتب فيه، والعمل به. وإلى ذلك أشير في شعر قيس٤. ونجد في شعر "زهير": ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان: هل أقسمتم كل مقسم؟ إشارة إلى قسم أخذ من المتعاقدين ليلتزموا الوفاء بما تحالفوا عليه، وهم "الأحلاف". كما نجد في شعر الحارث بن حلزة اليشكري: واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكُفلاءُ حذر الجور والتعدي، وهل ينـ ... ـقض ما في المهارق الأهواءُ إشارة إلى العهود والرهائن التي أخذت من "بني تغلب" و"بني بكر" للوفاء بما توافقوا وتعاهدوا عليه ودونوه من شروط على "المهارق"،

стр. 2382

أي: القراطيس، توكيدًا لما اتفقوا عليه مشافهة. وكان الملك "عمرو بن هند"، قد أصلح بين الطرفين بحلف، سمي حلف ذي المجاز، فأخذ عليهم المواثيق والرهائن١. ويوثق ما اتفق عليه من عهود وأحلاف ومواثيق، رؤساء الأطراف المتعاقدة, بأن تدون أسماؤهم وتختم بخواتيمهم، لتكون شهادة بصحة ما اتفق عليه، كما يفعل المتعاهدون على صحة العقد، وعلى صحة الخواتيم، وبأن ما اتفق عليه كان بحضورهم، وبأنهم شهود على كل ذلك. وفي أخبار أهل الأخبار شواهد تشهد بتدوين الجاهليين لعقود الأحلاف. ورد في شرح "التبريزي" على المعلقات قوله في معرض شرحه لمعلقة "الحارث بن حلزة اليشكري": إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة بعد ما تحالفنا وتعاقدنا، فكيف تصنعون بما هو في الصحف مكتوب عليكم من العهود والمواثيق والبينات فيما علينا وعليكم٢؟. وورد أن أهل الجاهلية "كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيمًا للأمر، وتبعيدًا من النسيان"٣. وورد في شعر ينسب إلى "درهم بن زيد الأوسي"، ما يفيد وجود صحف مكتوبة بعهود عقدت بين الأوس والخزرج٤, ووردت إشارة إلى "الصحف": صحف العهود والمواثيق في شعر للشاعر قيس بن الخطيم٥. وروي أنه قد كان عند "عمر بن إبراهيم" من ولد "أبرهة بن الصباح" الحبشي المعروف، كتاب دون "الدينوري" صورته، فيه حلف اليمن وربيعة في حكم الملك "تبع بن ملكيكرب"، وقد دون بشهر رجب الأصم٦. وهو كتاب يظهر أنه دون في الإسلام، وأن واضعه لم يكن له علم بأحوال اليمن في

стр. 2383

ذلك العهد. على كل، فإنه يشير إلى وجود تدوين العهود عند الجاهليين. ولما تحالفت قريش على مقاطعة "بني هاشم" و"بني المطلب" كتبت كتابًا بما اتفقت عليه، كتبه "منصور بن عكرمة العبدري"، وذكر أنه حفظ عند "أم الجُلَّاس بنت مُخربة الحنظلية" خالة أبي جهل، وذكر أنه عُلِّق في جوف الكعبة١. وشهادات الشهود على صحة العقود أو الأوامر معروفة عند أهل اليمن، إذ وردت في الأوامر الملكية التي أصدرها ملوك اليمن وفي قوانينهم التي كانوا يصدرونها لأتباعهم. وقد عرفت عند أهل مكة، وهم قوم تجار وأصحاب مصالح، ولهم عقود ومواثيق ومعاهدات مع غيرهم من أهل القرى وسادات القبائل. وفي القرآن الكريم ألفاظ لها صلة بالشهادة والشهود, منها: "شهدتم" و"شهدوا"، و"أشهد"، و"تشهد", و"تشهدون"، و"شاهد", و"الشهادة", وقد أمر بوجوب المحافظة على الشهادة وعدم كتمانها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ٢. ولما كانت مراسيم الأحلاف من المراسيم المهمة ومن الأحداث الخطيرة، اقترنت من أجل ذلك بتقديم الطعام للمتحالفين. فيجلس المتحالفون من جميع الفرقاء على مائدة واحدة كالذي ذكرته من تقديم عبد الله بن جدعان الطعام للمتحالفين يوم عقدوا "حلف الفضول". وقد تكون الوليمة نفسها مظهرًا من مظاهر مراسيم عقد الأحلاف؛ لما للخبز والملح من أثر عند العرب، فعلى من يأكل خبز رجل وملحه أن يمر به ويوفي له؛ ولهذا يعنف الإنسان الإنسان الغادر ويوبخه، لأنه لم يراعِ حرمة الخبز والملح، وهي حرمة تكاد تصل إلى حرمة الدم والرحم. يتبين مما تقدم أن العرب كانت ترى توكيد الأحلاف بكسوتها بقدسية خاصة، وذلك بعقدها مراسيم ذات صبغة دينية. وقد راعت في تلك المراسيم جهد إمكانها إيلاج ما يوضع في تلك المراسيم إلى أجسام المتحالفين، وكأنهم أرادوا بذلك إدخال القسم وما حلف عليه في جسم المتحالفين؛ ولهذا كان الذين يغمسون إصبعهم في جفنة الدم أو في دم الجزور, يلطعون إصبعهم، وكان الذين يغمسون

стр. 2384

أصابعهم في الطيب يلطعون أصابعهم أيضًا، وكان الذين يقسمون على الماء المقدس يشربون من ذلك الماء، وكان الذين يجرحون أيديهم ويعقدون الحلف يضعون راحتي المتحالفين اليمنيين إحداهما فوق الأخرى، إلى آخر ذلك من مظاهر توحي أن المتحالفين لم يكونوا قد فعلوا ذلك عبثًا ومن غير هدف ولا قصد، بل أرادوا من كل ذلك التأثير في المتحالفين, وجعلهم يشعرون بأن حلفهم هذا -أي قسمهم- على التحالف لتنفيذ ما اتفق عليه, قد صار جزءًا من جسمهم، وقد حل في دمهم كما يحل الدم والخبز في دم الجسم. وتعقد الأحلاف الخطيرة المهمة أمام الأصنام وفي المعابد في الغالب؛ وذلك كي تكتسب قدسية خاصة. ويشرف على عقدها سادن الصنم، وقد يساعده مساعدون؛ ليقوموا بمساعدته في إتمام المراسيم. ويكون بين قبائل الحلف سلم وود؛ لذلك يستطيع أبناء القبائل المتحالفة المرور بمواطن هذه القبائل غير خائفين، وتمر قوافلهم بأمان لا يُتعرض لها، ولا تجبى إلا على وفق ما اتفق عليه وجرت عليه عادة المتحالفين. وعلى أبناء هذه القبائل حماية من يجتاز بأرضهم وتقديم المساعدات له وإضافته ودفع الأذى عنه، وإذا وقع عليه اعتداء من قبائل غريبة فعليه مساعدته والذب عنه واستصراخ قومه لنجدته؛ لأنهم من حلف واحد, وعلى الإنسان أن يتعصب للحلف تعصبه لقبيلته. ويلاحظ أن الأحلاف إذا طالت وتماسكت، أحدثت اندماجًا بين قبائل الحلف قد يتحول إلى النسب، بأن تربط القبائل والعشائر الضعيفة نسبها بنسب القبيلة البارزة المهيمنة على الحلف, وينتمي الأفراد إلى سيد تلك القبيلة البارزة, فتدخل أنسابها في نسب الأكبر. وفي كتب الأنساب والأدب أمثلة عديدة على تداخل الأنساب، وانتفاء قبائل من أنسابها القديمة ودخولها في أنساب جديدة. ويؤدي انحلال الحلف أو انحلال عقد عشائر القبيلة الذي هو في الواقع حلف سمي "قبيلة", إلى انحلال الأنساب وظهور أنساب جديدة، فإن القبائل المنحلة تنضم إلى حلف جديد، فيحدث ما ذكرته آنفًا من تولد أنساب جديدة، ومن تداخل قبائل في قبائل أخرى, وأخذها نسبها. ومن هنا قال "جولد زيهر": إنه لفهم الأنساب عند العرب، لا بد من معرفة الأحلاف والتحالف, فإنها تكوِّن القبائل؛ لأن أكثر أسماء أجداد القبائل هي أسماء أحلاف، ضمت عددًا

стр. 2385

من القبائل توحدت مصالحها, فاتفقت على عقد حلف فيما بينها على نحو ما مر١. وفي كتب الأنساب والأدب أدلة عديدة معروفة على أسماء أحلاف, مشت بين الناس وفشت وشاعت حتى صارت كأنها نسب من الأنساب, ومن ذلك "الأحلاف" و"المطيبون". جاء "ابن صفوان" إلى "عبد الله بن عباس", فقال له: "نعم الإمارة إمارة الأحلاف، كانت لكم", فقال "ابن عباس": "الذي كان قبلها خير منا. كان رسول الله ﷺ من المطيبين، وكان عمر من الأحلاف" يعني: "إمارة عمر"٢, وقيل لعمر: أحلافي؛ لأنه عَدَوِي. والأحلاف صار اسمًا لهم كما صار الأنصار اسمًا للأوس والخزرج٣. وقد أشرت سابقًا إلى اسم "تنوخ". و"الأحابيش" حلف عُقد عند جبل حبش بأسفل مكة، فعرف المتحالفون به. وهم "بنو المصطلق، والحيا بن سعد بن عمرو، بنو الهون بن خزيمة"، وذلك على حد قول أكثر أهل الأخبار٤. و"الرباب" حلف أيضًا ضم خمس قبائل، هي: تيم، وعدي, وعكل، ومزينة, وضبة، ولكنه سار بين الناس ومشى وكأنه اسم جماعة ترجع إلى نسب واحد٥. وأما "الأحلاف" الذين ورد اسمهم في شعر "زهير بن أبي سلمى"، فهم "أسد" و"غطفان"، ويقال لحلفهما المذكور أيضًا: "الحليفان"٦. و"الأحلاف" كذلك: قوم من "ثقيف"٧. لقد تركت الأحلاف أثرًا مهمًّا في الحياة السياسية والاجتماعية عند العرب قبل

стр. 2386

الإسلام وعند العرب في الإسلام كذلك، على الرغم من الحديث المنسوب إلى الرسول الذي يناهض الحلف: "لا حلف في الإسلام"١. وقد أدرك الرسول, ولا شك، ضررها بالمجتمع العربي إذ كانت من أسباب التفريق، فحل الأحلاف وأحل الدولة مكانها، وحتم على القبائل إطاعة الرسول أو من يقوم مقامه من المسلمين. وأما ما رواه "قيس بن عاصم" من أن الرسول قال: "لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية"، فالظاهر أنه قصد بذلك الجوار٢. وقد أكد الإسلام احترام الجار، ووجوب الدفاع عنه، كما أيد الأحلاف الجاهلية التي تدعو إلى الخير ونصرة الحق. أما الممنوع، فما خالف حكم الإسلام، ودعا إلى الهلاك والضرر والفتن والقتال، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام٣. واستعمل الجاهليون لفظة "حبل"، و"حبال" للعهود والمواثيق؛ فـ"الحبل" هو العهد والذمة والأمان، وهو مثل الجوار. وكان من عادة العرب في الجاهلية أن يخيف بعضهم بعضًا، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة، فيأمن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك أيضًا، يريد به الأمان. فهذا حبل الجوار، أي: ما دام مجاورًا أرضه. وفي هذا المعنى جاء قول الأعشى: وإذا تجوَّزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها وجاء في الحديث: "بيننا وبين القوم حبال"، أي: عهود ومواثيق. وفي هذا المعنى، أي: العهد والذمة والأمان، جاء: وما زلت معتصمًا بحبل منكُمُ ... من حَلّ ساحتكم بأسباب, نجا٤

стр. 2387

وقد استفادت قريش من "الحبال" التي عقدتها بينها وبين القبائل؛ إذ أمنت بذلك على تجارتها، وقد كانت واسعة تشمل كل جزيرة العرب، وتتصل بالعراق وببلاد الشام، فصارت قوافلها العامة والخاصة تمر بأمن وسلام من كل مكان, بفضل حنكة سادة مكة وذكائهم في تأليف قلوب سادات القبائل وربطهم بهم بعهود ومواثيق، جعلت التحرش بقوافلهم من الأمور الصعبة، وإذا طمع بها طامع أدبه سيد قبيلته الذي يخضع له. ولقريش ولغيرها أحلاف مع أسر وأفراد. فقد كان لـ"بني دارم" من تميم حلف مع "بني عبد مناف" من قريش, وكان لـ"عكاشة بن محصن" حلف مع رجال من مكة. رُوي أن رسول الله قال: "منا خير فارس في العرب: عكاشة بن محصن", فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجل منا يا رسول الله, قال: "بل هو منا بالحلف", فجعل حليف القوم منهم كما جعل ابن أخت القوم منهم١. وكان للأخنس بن شريق، وهو رجل من ثقيف، وكذلك "يعلى بن منبه"، وهو رجل من "بلعدويَّة"، وكذلك "خالد بن عرفطة"، وهو رجل من عذرة -حلف مع قريش، فصاروا منها بالحلف؛ ذلك لأن "حليف القوم منهم، وحكمه حكمهم"٢. وقد يقع أسير في أسر آسر، فلا يتمكن من فداء نفسه، ثم يطلب من آسره أن يكون حليفًا له، فإذا قبل آسره منه ذلك، صار في حلفه وفي حلف قبيلته, أي: يكون ذلك الشخص حليفًا لقبيلة آسره، ويكون حكمه بالنسبة للإرث، أنه يرث من القبيلة كما يرث الصريح من أبنائها. أما إذا قتل، فديته نصف دية الصريح٣. وكان "معيقيب بن أبي فاطمة" حليفًا لبني أسد, وكان يكتب مغانم الرسول٤.

стр. 2388

التخالع: وإذا أراد المتحالفون إنهاء حلفهم وعهدهم الذي تعاهدوا عليه بينهم، أعلنوا

стр. 2389

عن ذلك، وكتبوا به كتابًا؛ ليكون مشعرًا بتخالعهم، وأنهم نقضوا الحلف الذي كان بينهم، فتسقط بذلك كل مسئولية تولدت عن الوفاء بذلك الحلف أو العهد، فلا يطالب طرف الطرف الثاني بالوفاء به. ورد في كتب اللغة: وتخالعوا: نقضوا الحلف والعهد بينهم وتناكثوا١. ويكون التخالع باتفاق الطرفين عليه, وبرضائهما عنه. وأما إذا نكل طرف واحد بتنفيذ ما جاء في الحلف، أو أعلن عن انسحابه منه ساعة الحاجة إليه، كأن يتبرأ منه في وقت يكون فيه حليفه في شدة وضيق، عُدَّ ذلك غدرًا وخيانة؛ لتلكئه عن تنفيذ ما اتفق عليه, وليس الغدر من سجايا إنسان شريف. وقد كان للحلف أثر مهم في تلاحم الأنساب وفي انفكاكها وتجزئها، وطالما نقرأ في الكتب عبارات تشير إلى تلاحم الأنساب وتداخلها بسبب العوامل المتقدمة, مثل: "ومنهم سليم بن عباد, كان حليفًا لأبي طالب, وولده اليوم يدعون في آل أبي طالب"٢. والأحلاف بنوعيها: أحلاف القبائل, وأحلاف الأفراد قد لا تدوم أمدًا طويلًا, ولا سيما أحلاف القبائل؛ فالقبائل في تنقل وحركة، ومصالحها وضرورات الحياة عندها متغيرة غير ثابتة، وهي قلقة غير مستقرة. وأحلاف تقوم على مثل هذه الأسس لا يمكن أن تدوم وتعمر, ولا سيما إذا ما تشتت شمل الحلف، وتنقلت قبائله، وتحولت إلى أماكن بعيدة؛ فتضعف الروابط والصلات التي تجمع بين شملها، ثم ترخى وتزول ولا يبقى من الحلف غير الاسم. تزول بغير تخالع ولا تقاتل أو تباغض، تزول لأن الظروف التي دعت إلى عقدها تكون قد زالت وتغيرت, ولأن التباعد قد برَّد من نار الحب التي كانت قد قاربت بين القلوب, فجعلها تنسى ذلك الحب، ولا تذكره إلا عندما تتذكره.

стр. 2390

إخاء القبائل: وإخاء القبائل هو إخاء اصطناعي، وإن عده أهل الأنساب والأخبار إخاء

стр. 2391

حقيقيًّا من اقتران والد بأم. فنحن نعلم في هذا اليوم ومن قراءاتنا للكتابات الجاهلية، ومن نقدنا وغربلتنا لأخبار أهل الأخبار ولروايات أهل الأنساب، أن التآخي هو في الواقع جوار، ونزول قبيلة بجوار قبيلة أخرى، أو نتيجة حلف تآخت قبائله واتحدت، فعد تآخيًا بالمعنى المفهوم من الأخوة, أو حاصل تضخم قبيلة لم تعد أرضها يتسع صدرها لها، فاضطرت عشائرها وبطونها إلى التنقل والارتحال إلى مواطن جديدة، وعدت نفسها لذلك من نسل تلك القبيلة التي كانت تعيش معها، فعد ذلك أهل الأنساب نسبًا حقيقيًّا بالمعنى المفهوم من النسب عندنا. وقد تضطر بعض القبائل إلى ترك مواطنها والارتحال عنها؛ بسبب غزو قبيلة أقوى منها لها، فتنزل بين قبيلة جديدة وتتحالف معها، أو تقهرها على النزول بأرضها. وفي كتب أهل الأنساب والأخبار أمثلة عديدة على ذلك, فتتداخل أنسابها، ويتولد من ذلك نسب جديد. من ذلك، ما يرويه أهل الأنساب عن "عك" وهو أخو "معد" على زعم أهل النسب، فلما حارب "بختنصر" "عدنان", والد "معد" و"عك"، هاجر أبناء "عك" نحو الجنوب فرارًا من "بختنصر" وأقاموا في اليمن، فدخل نسبهم في اليمن، وعدهم بعض أهل الأنساب من قحطان. ومن ذلك قضاعة وقبائل عديدة.

стр. 2392

الهجن: وتزوج العرب من الإماء, وذلك أن من الإماء من كانت جميلة الصورة حلوة المنظر والكلام؛ ولهذا تزوج ساداتهن منهن، فوُلد لهم نسل، قيل للواحد منه: الهجين. والهجين: ولد العربي من غير العربية، وقيل له ذلك؛ لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة١. ويقال للزواج الذي يقع بين عربي وأعجمية: "مهاجنة", وقد عابته العرب وعدت الهجين دون العربي الصريح، لوجود دم أعجمي فيه. والأعاجم هم، مهما كانوا عليه من منزلة، دون العرب في نظر العرب٢. ويظهر من تعريف علماء اللغة للفظة "الهجين"، أنها خصصت بمن يولد

стр. 2393

من أم أعجمية بيضاء، كأن تكون الأم رومية أو فارسية. فقد ذكروا أن العرب أطلقت على أولادها من العجميات اللائي يغلب على ألوانهن البياض، الهجن والهجناء؛ لغلبة البياض على ألوانهم وإشباههم أمهاتهم، فيجب أن تكون الأمهات الأعجميات إذن من ذوات البشرة البيضاء؛ تمييزًا لهن عن ذوات البشرة السوداء من الرقيق المستورد من إفريقيا. ويذكر علماء اللغة أيضًا أن العرب قالت للعجم: "الحمراء" و"رقاب المزاود"؛ لغلبة البياض على ألوانهم، ويقولون لمن علا لونه البياض: أحمر١. وقد هجا "حسان بن ثابت" "سعد بن أبي سرح" بأن اتهمه بأنه عبد هجين، أحمر اللون فاقع، موتر علباء القفا، قَطَط، جعد٢. والهجنة من الكلام: ما يعيبك٣. وقد جاء هذا المعنى من الفساد الذي قد يظهر في كلام الهجن؛ بسبب عجمة الأمهات وعدم إتقانهن العربية. ولما كان الخطأ في اللغة عيبًا، عدت الهجنة من الأمور المعيبة. ويطلق العرب لفظة "رجل مولَّد" على الرجل إذا كان عربيا غير محض. و"المولدة": الجارية المولودة بين العرب, وقيل: تُولد بين العرب وتنشأ مع أولادهم ويغذونها غذاء الولد ويعلمونها من الأدب مثل ما يعلمون أولادهم. و"التليد" التي ولدت ببلاد العجم وحُملت فنشأت ببلاد العرب، وقيل: هي التي تولد في ملك قوم وعندهم أبوها٤.

стр. 2394

الجوار: وللجوار حرمة كبيرة عند الجاهليين. فإذا استجار شخص بشخص آخر، وقبل ذلك الشخص أن يجعله جارًا ومستجيرًا به، وجبت عليه حمايته، وحق على المجار الدفاع عن مجيره، والذب عنه, وإلا عد ناقضًا للعهد، ناكثًا للوعد، مخالفًا

стр. 2395

لحق الجوار. وعلى القبائل استجارة من يستجير بها, والدفاع عنه دفاعها عن أبنائها. ويقال للذي يستجير بك: "جار"، والجار: الذي أجرته من أن يظلمه ظالم, وجارك المستجير بك, والمجير: هو الذي يمنعك ويجيرك, وأجاره: أنقذه من شيء يقع عليه١.

стр. 2396

العصبية: وأساس النظام القبلي هو العصبية، العصبية للأهل والعشيرة وسائر متفرعات الشعب أو الجذم أو القبيلة أو العشيرة. ومن شروطها أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين، وليس له أن يتساءل: أهو ظالم أم مظلوم؟ ١. وهي ضرورية للقبائل؛ لأنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها إلا إذا كانت ذات عصبية ونسب، وبذلك تشتد شوكتها، ويخشى جانبها، كما أنه لا يمكن وقوع العدوان على أحد مع وجود العصبية. وتقوم العصبية على النسب، وهي تختلف لذلك باختلاف درجات تقارب الأنساب؛ ولذلك نجد عصبيات مختلفة٢. وتشمل العصبية الصرحاء والموالي والجيران. وتشمل العصبية أهل المدر كذلك، فأهل المدر وإن تحضروا واستقروا وأقاموا في بيوت ثابتة، إلا أن نظامهم الاجتماعي والسياسي بني على العصبية أيضًا، فتألفت المدن والقرى من "شعاب", وتكونت الشعاب من جماعات بينها روابط دم ووشائج قرابة. والشِّعْب هو وحدة، وهو الذي يأخذ بحق المظلوم من الظالم، وبظلامة من تقع عليه ظلامة. وغالبًا ما تكون بين الشعاب المتجاورة قرابة وصلة رحم، وإذا حدث حادث لهذه الشعاب، هبت للنظر فيه واتخاذ ما ينبغي اتخاذه من موقف، ثم تكون عصبية الشعاب للمدينة أو للقرية, ثم إن سكان هذه المدن وإن تحضروا واستقروا كانوا يُرجعون أنفسهم كأهل الوبر إلى

стр. 2397

قبائل وعشائر. فهم إذن أعراب من حيث التعصب والأخذ بالعصبية، واختلافهم عن الأعراب هو في استقرارهم وفي عيشهم في محيط ضيق محدود وفي خطط مثبتة مرسومة. وفي المعنى المتقدم عن العصبية، ورد قول الشاعر: إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم ... على القوم، لم أنصر أخي حين يُظلَم فالعصبية: أن يدعو الرجل عصبته إلى نصرته, وهي: "النصرة على ذوي القربى وأهل الأرحام، أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة"١. وفي هذا المعنى أيضًا ورد قول الشاعر، قريط بن أنيف، حيث يقول: قوم إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زُرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا٢ فهو يهبُّ إذا سمع نداء العصبية, حاملًا سيفه أو رمحه أو أي سلاح يملكه وبغير سلاح، لينصر أخاه، لا يسأله: لِمَ؟ فليس من العصبية والأخوة القبلية أن تسأل أخاك عما وقع له، بل عليك تلبية ندائه وتقديم العون له، معتديًا كان أو معتدًى عليه. وللعصبية صلة كبيرة بالمسئولية وبالعقوبات, فعلى درجة العصبية تقع المسئولية. فأقرب الناس إلى الجاني، يكون أول من يتناوله الأخذ بالثأر، ثم الأبعد فالأبعد. ومن هنا كان الطالبون للثأر يبدءون بالجاني أولًا، فإن فاتهم أخذوا أقرب الناس رحمًا به, فإن فاتهم أخذوا الذي يليه أو من هو في درجته وهكذا. وكلما بعدت العصبية عن دم الأبوين، خفت حدتها، وطبيعي ألا تكون العصبية إلى القبيلة مثل العصبية إلى الأهل في الشدة؛ ولهذا فإن العصبية ترتبط بدرجة الدم والتحام النسب ارتباطًا طرديًّا. وهذا شيء طبيعي، وهو حاصل هذه الحياة. ولا تمنع العصبية بطون القبيلة من مخاصمة بعضها بعضًا ومن التقاتل فيما بينها؛ بسبب تغلب المصالح الشخصية على عاطفة "العصبية". ومتى اصطدمت المصالح

стр. 2398

بالعواطف، تغلبت المصلحة عليها. فالمصلحة حاجة وواقع عملي، والعصبية شعور, والحاجة أقوى منها؛ ولهذا نجد المصلحة تدفع بطون القبيلة المتخاصمة على الاستعانة ببطون غربية عنها، أو بقبائل بعيدة عنها في النسب لمقارعتها أخواتها وللتغلب عليها، مدفوعة إلى ذلك بدافع المصلحة وغريزة المحافظة على الحياة. فتقاتلت بطون من طيء وتحاربت فيما بينها، وتقاتلت قبائل بكر ووائل مع وجود النسب والدم، وتقاتل بنو جعفر والضباب١. تقاتلت لظهور مصالح تغلبت على العصبية وعلى الشعور بالأخوة. ومتى ظهرت المصالح المادية عجزت عاطفة النسب والعصبية عن التغلب عليها. وجرثومة العصبية، العصبية للدم، وأقرب دم إلى إنسان هو دم أسرته، وعلى رأسها الأبوان والإخوة والأخوات ثم الأبعد فالأبعد, حتى تصل إلى العصبية للقبيلة. ولهذا تكون شدة العصبية وقوتها تابعة لدرجة قرب الدم والنسب وبعدهما, فإذا ما حل حادث بإنسان، فعلى أقرب الناس دمًا إليه أن يهب لإسعافه والأخذ بالثأر ممن ألحق الأذى بقريبه؛ ولهذا صارت درجات العصبية متفاوتة بحسب تفاوت الدم ومنازل النسب. وآخر مرحلة من مراحل العصبية، العصبية للقبيلة، والعصبية للحلف، أو العصبية للنسب الأكبر، وذلك في حالة تكتل القبائل وتخاصمها كتلًا. وتكون العصبية للقبيلة أقوى من العصبية للحلف أو النسب الأكبر مثل معد أو نزار أو حمير أو ما شاكل ذلك؛ وذلك لشعور أبناء القبيلة بأن الرابطة التي تربطهم هي رابطة الدم، والدم أبرز وأظهر في القبيلة من رابطة الحلف أو رابطة النسب الأكبر, ولا سيما رابطة الحلف، فإنها رابطة مصلحة في الغالب لا رابطة دم، والشعور بروابط المصالح لا يكون مثل الشعور بروابط الدم. وتدفع العصبية للحلف، قبائل الحلف على التناصر والتآزر والتكتل والوفاء بالعهد، وإلا لم تكن للمتحالفين فائدة ما من الحلف، وعلى أفراد الحلف أن ينصر بعضهم بعضًا، وعلى قبائل الحلف أن يتآزروا في دفع الديات أيضًا, وبالمطالبة بديات من يُقتل من قبائل الحلف، إذا عجز أهل القتيل أو قبيلة القاتل عن الأخذ بحقه.

стр. 2399

وتشمل العصبية كل منتمٍ إلى القبيلة، تشمل أحرارها، أي: أبناءها الخلص الصرحاء، وتشمل الموالي أي: الرقيق وكل مملوك تابع لحر، كما تشمل أهل الولاء والجوار. فالعصبية لا تعرف تفريقًا في هذه الناحية، فعلى كل من ينتمي إلى قبيلة ويحمل اسمها أن يتعصب لقبيلته ويذود عنها، وإن كان عبدًا مملوكًا، ذلك قانون وأمر محتوم، لا جدال فيه ولا نقاش، من حيث وجود حقوق أو عدم وجودها، ومن حيث إن أصل هذا حر وأصل هذا عبد؛ لأن ما يصيب الحر يصيب المولى والجار، وما يصيب المولى والجار يؤثر على الحر؛ لأنه مسئول عن مولاه وعن جاره بحكم التملك والجوار، وعلى الرقيق والجار تبعة الدفاع عن الصريح وعن القبيلة التي ينتمي إليها الصريح. وتلزم العصبية أبناء القبيلة بوجوب تحمل التبعة والقيام بواجبها وتلبية ندائها وإجابة الصارخ بالعصبية، ليس له أن يسأل عن السبب، ولا أن يعتذر عن تلبية النداء، وإنما عليه أن يعمل بقول الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا١ وإذا قتل قتيل لزم الأخذ بثأره، وإذا كان القتيل سيد قبيلة وجب على القبيلة الأخذ بثأر سيدها، وهيهات أن تسكت عن قتله، وعلى كل فرد من أفراد تلك القبيلة واجب الأخذ بثأره ممن قتله. ويفرض قانون العصبية على القبيلة تحمل التبعة، إذ جعلها تبعة جماعية. فإذا جنى رجل جناية قتل، تكون قبيلته مسئولة عن جنايته، وعليها تقع تبعة قتل القاتل إذا تعذر الأخذ بالثأر منه أو تعذر تسليم القبيلة له, كما يقع على القبيلة دفع الدية إذا عجز القاتل أو آله عن دفعها، وذلك لتوزيعها على المتمكنين من أفرادها، أو بقيام ساداتها أو سيدها بدفعها كاملة أو بدفع ما تبقى منها. ومن هنا خضعت فردية الأعرابي المتطرفة لقانون الجماعة، أي: لسلطان العصبية فصار واجبًا عليه أن يضع نفسه تحت إمرة القبيلة, وذلك بتلبية ندائها حين يبلغه ذلك النداء، وتقديم نفسه طائعًا مختارًا لإمرة القبيلة ليدافع عنها أو ليشترك معها في الغزو، ليس له أن يفر أو يعتزل أو يتلكأ، فهذا واجب مفروض عليه، إذا خالفه خالف جماعته وخسر حمايتها له، وصار مسبوبًا من الناس.

стр. 2400

الحَمِيَّة: ومن مظاهر العصبية: "الحميَّة", وهي الأنفة والغيرة والغضب، وذلك أن الشخص كان يأنف من عمل قبيح، وتأخذه حميته من أن يفعل شيئًا يعاب ويعار عليه١. وهو يغضب وتأخذه حميته من أن يترك سنة آبائه وأجداده, وقد نهى الإسلام عن الحمية, واعتبرها من أخلاق أهل الجاهلية والكفر. ونزل الوحي يندد بها ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ٢, وذلك حين جعل "سهيل بن عمرو" في قلبه الحمية فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي كتب بين الرسول والمشركين: بسم الله الرحمن الرحيم، وأن يكتب فيه: محمد رسول الله, وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله مكة عامه ذلك٣, فوضع الإسلام "السكينة" في موضع حمية الجاهلية. و"النعرة"، وهي الصياح ومناداة القوم بشعارهم طلبًا للغوث والاستعانة، أو لإهاجتهم ولتجمعهم في الحرب. ومن هنا ورد في الحديث: "ما كانت فتنة إلا نعر فيها فلان", أي: نهض فيها. وفي حديث الحسن: كلما نعر بهم ناعر اتبعوه، أي: ناهض يدعوهم إلى الفتنة ويصيح بهم إليها٤. ولما كان العرب أصحاب حس مرهف، وعاطفة ذات حساسية شديدة؛ لذلك لعبت النعرات فيهم دورًا خطيرًا في إثارة الفتن بينهم، وكانت سببًا لحدوث حوادث مؤسفة عند الحضر وعند الأعراب. وإذا أصيب شخص بضيم، أو نزلت به إهانة أو نازلة، نادى قومه بشعائر العصبية، وعلى قومه تلبيته ونصرته. وقد ينادي الإنسان شخصًا طالبًا منه العون والنصرة، فتلزمه مساعدته كأن ينادي: "يا لَفلان"، وهو شعار يستعمل عند التحزب والتعصب، ينادي به بصوت عالٍ مسموع، عند بيت المنادى أو في موضع عام أو في مكان مرتفع؛ ليصل الصوت إلى أبعد مكان٥.

стр. 2401

وللقبائل شعار ينادون به عند العصبية، فإذا وقع على أحد من أهل يثرب اعتداء وأراد المؤازرة والنصرة، نادى: يا لَآل قَيْلة، وإذا كان من تميم نادى: يا لَتميم، وهكذا, فيهرع من يكون حاضرًا ساعة النداء لينصر صاحبه الذي هو من قومه، وليؤازره. وتعد التلبية من أهم مفاخر الرجال والقبائل وواجبًا من الواجبات١. ويتداعى الناس إلى العصبية في القتال, وإذا أرادوا إهاجة قومهم نادوا بالعصبية. وقد وقع خلاف بين المهاجرين والأنصار في المدينة والرسول فيها, فقال قوم: يا للأنصار, وقال قوم: يا للمهاجرين. فسمع النبي تداعيهم وصراخهم، فقال لهم: "دعوها؛ فإنها منتة"، ودعاها بـ"دعوى الجاهلية"، وفي الحديث: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " هو قولهم: يا لفلان, كانوا يدعون بعضهم بعضًا عند الأمر الشديد٢.

стр. 2402

الإسلام والعصبية: وقد تركت "العصبية" أثرا مهما في الحياة السياسية والاجتماعية عند العرب قبل الإسلام. وقد كانت إذ ذاك ضرورة من الضرورات اللازمة بالنسبة إلى الحياة في الجاهلية؛ لأنها الحائل الذي يحول بين الفرد وبين الاعتداء عليه، والرادع الذي يمنع الصعاليك والخلعاء والمستهترين بالسنن من التطاول على حقوق الناس، إذ لا حكومة قوية رادعة ولا هيئة حاكمة في استطاعتها الهيمنة على البوادي وعلى الأعراب المتنقلين. بل هنالك قبائل متناحرة وإمارات متنافرة، إذا ارتكب إنسان جريمة في أرضها، وفر إلى رض أخرى، نجا بنفسه وأمن على حياته هناك, ولكنه كان يخشى من شيء واحد، لم يكن لأحد فيه عليه سلطان، وهو "العصبية" وسنة "الأخذ بالثأر"، وهي العصبية في ثوبها العملي. كان يخشى من سلطان الأخذ بالثأر، حيث يتعقبه أهل الثأر، فلا يتركون الجاني يهنأ بالحياة ولو بعد مضي عشرات من السنين، حتى يُقتل أو يقتل أقرب الناس إليه. وبذلك صارت العصبية ضرورة من ضرورات الحياة، بالنسبة لسكان جزيرة العرب؛ لحمايتهم وصيانتهم من عبث العابثين.

стр. 2403

وقد أدرك الإسلام ما في العصبية من أخطار على المجتمع، ولما في الأخذ بالثأر من ضرر على الأمة، إذ يحول المجتمع إلى مجتمع ذئاب، يأخذ كل ذئب بحقه من غريمه، فنهى عنها، وحول العصبية الجاهلية إلى عصبية إسلامية، بأن يتعصب المسلم لأهل عصبيته، ولدينه، فيدافع عنه ويقاتل في سبيله وفي سبيل رفع الظلم عمن وقع عليه بمساعدة من بيدهم الأمور على إحقاق الحق وإظهار حق المظلوم لديهم, وحرم العصبية الجاهلية المعروفة، فورد في الحديث: "ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية"١, ومنع الأخذ بالثأر، إذ جعل حقه من حقوق أولي الأمر، ومن بيده سلطان المسلمين، ومن ينيبونه عنهم للقضاء بين الناس.

стр. 2404

من أعراف العرب: وللأعراب بصورة خاصة أعراف أوجبت الطبيعة عليهم إطاعتها والعمل بها؛ لأن في تنفيذها مصلحة الجميع، وفي الخروج عليها ضررًا بالغًا. من ذلك وجوب الأخذ بالثأر، والبحث عن القاتل لقتله مهما طال من الزمن؛ لأن "الدم لا يغسل إلا بالدم". وقد أملت طبيعة المحيط الذي يعيش فيه العرب عليهم هذا العرف, فليس في البادية من يحول بين قتل الناس بعضهم بعضًا إلا الأخذ بالثأر، وقيام أهل القتيل والعصبية بالأخذ بدمه. ولولا الخوف من الأخذ بالثأر لَعَمَّ القتل الحياة, فالحياة في البوادي وفي أكثر أنحاء جزيرة العرب شدة ومحنة وفقر وقسوة, وليس في البادية أي خير كان مما يستمتع به أهل الحواضر، ولا سيما تلك التي امتازت بوفرة الماء فيها وبحسن جوها واعتداله. لذلك صارت حياة الأعراب ضنكًا في العيش وفقرًا مُرًّا، وصار كل شيء تقع عليه عين الأعرابي ذا قيمة وفائدة عنده مهما كان تافهًا، فيريد الاستيلاء عليه وسلبه من صاحبه؛ لأنه محتاج إليه وفقير، ويرى أن من حقه أن يستولي على كل ما يراه عند من هو أضعف منه، وإن أدى ذلك إلى إزهاق حياته. ولكن الطبيعة التي علمت

стр. 2405

الأعرابي هذا المنطق ودرَّسته هذا الدرس, درَّسته في الوقت نفسه أن الاستهتار بالسلب والنهب والقتل يؤذيه ويهلكه، وأنه لا بد له من الحد من غلوائه ومن اعتدائه على غيره, ووضعت له حدودا وقيودا من طبيعة هذه الحياة التي يحياها. منها عرف "العصبية"، والأخذ بالثأر, وغير ذلك من أعراف أملتها الطبيعة على سكان هذه البوادي، وصارت سننًا متبعة بعضها يتعلق بالأعراف التي تخص داخل القبيلة، وبعضها يتعلق بالأعراف التي تتعلق بالقبائل المتحالفة, ومنها ما يتعلق بالأعراف التي تكون بين القبائل المتعادية. والقاعدة عند العرب: أن الدم -كما سبق أن قلت- لا يغسل إلا بالدم، وأن تعويض الدم بمال يرضى عنه "آل" القتيل، منقصة وذلة لا يقبل بها إلا ضعاف النفوس. أما أهل البيوت والحمولة، فلا يقبلون إلا بالقِصاص وبأخذ الثأر, وبقتل رجل كفء يكافئ المقتول في المنزلة والدرجة والمكانة، فإذا كان القتيل سيد قبيلة والقاتل من عامة الناس أو من عبيدهم، أبوا الاكتفاء بقتله به اقتصاصًا منه، إذ إنه دون القتيل في المنزلة والشرف والمكانة، بل لا بد عندهم من قتل سيد من سادات القبيلة التي يكون منها القاتل، على أن يكون مكافئًا للقتيل حتى يغسل الدم, وإن كان ذلك السيد بعيدًا عن القاتل ولا صلة له به, فالسيد سيد ولا يغسل دمه إلا بدم سيد مثله. ولعل الطبيعة وضعت لهم هذه السنة لتأديب سادات القبيلة, أو غيرهم ممن قد يحرضون العبيد أو غيرهم من السوقة على قتل خصومهم وأعدائهم, فإذا عرفوا أن أهل القتيل سينتقمون منهم بقتلهم، حاربوا سَفَكَة الدماء من أتباعهم ولاحقوهم, وبذلك ينظفون المجتمع منهم، ويخلصون الناس من سفاكي الدماء. والأصل في القتل: القِصَاص وقتل القاتل بدل القتيل, فيطالب أهل المقتول بالقَوَد وهو قتل النفس بالنفس, وقد ورد ذكره في الحديث، إذ جاء: "من قتل عمدًا، فهو قود" ١. وإذا لم يتم القود، أو لم يحدث التراضي على الدية، أو إذا فر القاتل، فلا بد من الأخذ بالثأر, ولا يستقر لأهل القتيل قرار إلا بعد الأخذ بثأر القتيل. وقد يتركون الخمر والطيبات ولا يقربون النساء طيلة طلبهم للثأر. وقد يلبسون ألبسة الحزن ويجزُّون شعورهم، ولا يأكلون لحمًا،

стр. 2406

ولا يميلون إلى ضحك ولا سماع دعابة ولا إلى الاستراحة، حتى ينالوا منالهم من الأخذ بثأر القتيل, كالذي روي في قصة طلب امرئ القيس الكندي ثأر أبيه من بني أسد, وقد آلى على نفسه ألا يمس رأسه غسل ولا يشرب خمرًا حتى يثأر بأبيه. فلما ظفر ببني أسد قتلته وأدرك ثأره حل له ما حرم على نفسه١. وكالذي روي في قصة طلب قيس بن الخطيم ثأر أبيه٢, أو عن "يوم الأقطانيين"، إذ أقسموا ألا يغسلوا أجسامهم حتى يأخذوا بثأرهم٣. وقد يستغرق طلب الأخذ بالثأر عشرات السنين، لا يكلّ خلال هذه المدة أصحاب القتيل عن إدراك الثأر. وينظر إلى الذين يتوانون عن إدراك الثأر نظرة ازدراء واحتقار، وقد يلحق بهم وبنسلهم العار من هذا الإهمال، وقد يلحق ذلك العشيرة أو القبيلة برمتها ويكون لها سُبَّة, إذا كان القتيل من أشرافها أو من سادتها. لهذا لا يتهاون أهل القتيل عن تتبع آثار القاتل أو أقربائه أو أفراد قبيلته التي ينتمي إليها لغسل هذا العار، فإن الدم لا يغسل إلا بالدم. ومتى أدرك أهل الثأر ثأرهم, ووجدوا المقتول كفؤًا لدم القتيل ورضوا عن ذلك، قالوا لهذا النوع من الثأر: "الثأر المنيم"٤. وقد عرفه بعضهم: أنه الذي إذا أصابه الطالب رضي به فنام بعده, وقيل: هو الذي يكون كفؤًا لدم وليك. ويقال: أدرك فلان ثأرًا منيّمًا، إذا قتل نبيلًا فيه وفاءٌ لطلبته، وكذلك: أصاب الثأر المنيم. قال أبو جندب الهذلي: دعوا مولى نفاثة ثم قالوا: ... لعلك لست بالثأر المنيم أي: لست بالذي ينيم صاحبه، أي: إن قتلتك لم أنم حتى أقتل غيرك، أي: لست بالكفؤ فأنام بعد قتلك٥. ومتى أخذ بثأر القتيل بكته النساء؛ لأن من عادة نساء الجاهليين ألا يبكين المقتول

стр. 2407

إلا أن يدرَك بثأره، وإذا أدرك بثأره بكينه١. ويشبه الثأر أن يكون عقيدة من العقائد الدينية عند العرب؛ لما يكتنفه أحيانًا من "حلف" و"قسم" بوجوب الأخذ بالثأر, ولما تحوط به من شعائر يحافظ عليها من أخذ على نفسه القسم بوجوب الأخذ بالثأر. وهي من شعائر الدين عند الجاهليين، ولا يتركها حتى يبرَّ بقسمه٢. وإذا عجز الإنسان عن أخذ ثأره بنفسه, استغاث بغيره لينجده على ثأره. وعلى من قبل نداء الاستغاثة ووافق على النجدة، مساعدة المستغيث في الأخذ بالثأر, وعدم تركه حتى يأخذ بثأره من طلبته. وقد لعب الأخذ بالثأر دورًا خطيرًا في الإسلام كذلك, ولا سيما في الأحداث السياسية. فلما قُتِلَ "عثمان" ارتفع نداء: يا لثارات عثمان. قال حسان: لتسمعن وشيكًا في ديارهم ... الله أكبر, يا ثارات عثمانا ومن ذلك قولهم: "يا لثارات الحسين"، و"يا لثارات زيد" إلى غير ذلك٣. وهو لا يزال يلعب دورًا خطيرًا في الحياة العربية إلى اليوم. وقد عيَّر أحد الشعراء "بني وهب"؛ لأنهم أخذوا دية قتيل فاشتروا بها نخلًا، فقال لهم: ألا أبلغْ بني وهب رسولًا ... بأن التمرَ حلو في الشتاء أي: اقعدوا وكلوا التمر, ولا تطلبوا بثأركم٤. وهناك رجال ضُرب بهم المثل في إدراكهم الثأر, ويقال للواحد من هؤلاء: البيهس٥.

стр. 2408

الاستغاثة: ومن مظاهر العصبية: الاستغاثة, وهي أن يصيح الإنسان: وا غوثاه؛ طلبًا للعون والنصرة١, وعلى من يسمع نداء الاستغاثة من أهل المستغيث أو من رجال قبيلته أو الحلف الذي تكون قبيلته, فيد مد يد العون له ونصرته، ويعاب من يسمع الاستغاثة فلا يعمل على مساعدة المستغيث. وقد يهجو المستغيث قومه إذا تباطئوا في إغاثة المستغيث أو لم يستجيبوا لندائه، وقد يتبرأ منهم ويتركهم ليلحق بقوم آخرين. ومن أخلاق الجاهلية المناداة بالنصرة٢, وقد ذكرت معناها في العصبية فهي أيضًا وجه من وجوهها. ذكر أن الرسول قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، وتفسيره: أن يمنعه من الظلم إن وجده ظالمًا، وإن كان مظلومًا أعانه على ظالمه, والتناصر: التعاون. وقد حول الإسلام نصرة الجاهلية إلى تناصر، أي: تعاون وتعاضد لأن المسلمين إخوة, ويكون بالانتصار من الظالم وبالانتصاف حتى يؤخذ بحق المظلوم من الظالم٣.

стр. 2409

الوفاء: وعلى الإنسان الوفاء لأهل عصبيته, ليس له مخالفتهم ولا معاكستهم مهما كانت درجه الخلاف بينه وبينهم؛ لأنه واحد وهم جماعة, إن أصابه ضيم فلا بد لجماعته من مواساته ومن الانتصار له مهما كانت أسباب الفرقة. وما يصيب جماعته سيصيبه، وما سيصيبه سيؤثر في جماعته حتمًا، فيجعلها إلى جانبه في الأخير. وهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غوت ... غَوَيْت وإن تَرْشُد غزيةُ أرشد١ وهي في الأخير كما يقول الشاعر "المتلمِّس" لشخص ظن أنه منتقل عنهم

стр. 2410

لحلاف وقع بينه وبينهم: أمنتقلًا من نصر بهثة خِلتي ... ألا إنني منهم, وإن كنت أينما ألا إنني منهم وعرضيَ عرضهم ... كذي الأنف يحمي أنفه أن يصلّما١ فإذا أعطى رجل رجلًا عهدًا، فلا يسعه أن يغدر به، ولا بد له من المحافظة على العهد وما برح العرب يحافظون على عهودهم حتى اليوم. وقد يضحي الإنسان بنفسه على أن يخدش سمعته فيوسم بالغدر, وكانوا في الجاهلية إذا غدر الرجل رفعوا له في سوق عكاظ لواء ليعرفوه الناس٢. وقد ورد: "إن لكل غدرة لواء", ونصبُ اللواء في المواضع العامة وفي المواسم للإشارة إلى غدر شخص بشخص آخر, من أشهر الأشياء عند العرب٣. وإلى هذا اللواء أشار "الحادرة"، "قطبة بن أوس" إذ قال: أسميَّ, ويحك هل سمعت بغدرةٍ ... رفع اللواء لنا بها في مجمع٤ وإذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا النار بمنى أيام الحج على أحد الأخشبين، ثم صاحوا: "هذه غدرة فلان" ليحذره الناس٥. وقد قيل لهذه النار: نار الغدر٦. وربما جعلوا للغادر تمثالًا من طين، ينصبونه ليراه الناس، وكانوا يقولون: ألا إن فلانًا قد غدر فالعنوه. جاء في الشعر: فلنقتلن بخالد سَرَوَاتكم ... ولنجعلن لظالمٍ تمثالَا فهذا التمثال هو تمثال الغدر والخيانة، نصب ليقف الناس على خبر غدر الشخص الذي نصب له٧. وقد عاب الناس الغادر وعيروا به, فإذا شتموا شخصًا قالوا: يا غُدَر! وقد جعلوا الذئب من الحيوانات الغادرة، فقالوا: الذئب غادر، أي: لا عهد له, كما قالوا: الذئب فاجر٨.

стр. 2411

أهل الغدر: وقد حفظ أهل الأخبار أسماء رجال عرفوا بالغدر. وقد قال بعضهم: أعرف الناس بالغدر "آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب", وذكر أن الغدر إرث فيهم انتقل بهم إلى الإسلام١. وضربوا المثل بغدر الضيزن بأبيها صاحب الحصن٢. ومن الوفاء: الوفاء بالعهود والمواثيق, فلا يجوز لمن أعطى عهدًا وميثاقًا الغدر بهما والتنصل من الوفاء بهما. والوفاء من أنبل الخصال التي يتخلق بها إنسان, وهو من المثل العليا عند العرب ومن أخلاق "الإنسان الفاضل" عندهم. وقد أوفى "حنظلة الطائي" بعهده الذي أعطاه للملك "النعمان" يوم بؤسه بأن يعود إليه؛ ليرى الملك رأيه في قتله. فعاد وهو يعلم أن الملك سيقتله؛ لأنه أعطاه قولًا بالعودة، وجعل "شريكًا" نديم الملك ضامنًا له بالعودة. فلما عاد واستمع الملك إلى قصة وفائه, أبطل عادته في قتل أول من كان يظهر أمامه يوم بؤسه؛ إكرامًا لعمله٣. ورأى "السموءل"، ابنه وهو في أيدي أحد ملوك الغساسنة أو ملوك كندة، وهو يناديه بوجوب دفع ما عنده من دروع وأسلحة مودعة عنده، من دروع وأسلحة "امرئ القيس", فقال له: "ما كنت لأخفر ذمامي وأبطل وفائي, فاصنع ما شئت". فذبح ولده واحتسب السموءل ذبح ولده وصبر محافظة على وفائه، ولم يسلم الوديعة إلا إلى ورثة امرئ القيس٤. وقد دون أهل الأخبار أسماء أناس عرفوا بالوفاء, منهم "أوفى بن

стр. 2412

مطر المازني"، جاوره رجل ومعه امرأة له، فأعجبت قيسًا أخاه، فقتل زوجها غيلة، فبلغ ذلك "أوفى" فقتل قيسًا بجاره١, و"الحارث بن عباد"، وكان من وفائه أنه أسر يوم "قضة" "عدي بن ربيعة" أخا مهلهل وهو لا يعرفه, فقال له: دلني على عدي, فقال له عدي: إن دللتك عليه فأنا آمن؟ فأعطاه ذلك. فقال له: فأنا عدي, فخلى سبيله٢. ومن أوفياء العرب "عوف بن محلم الشيباني"، وهو من مشاهير سادات العرب. وكان من وفائه أن "مروان بن زنباع العبسي" كان قد وتر "عمرو بن هند" فجعل على نفسه ألا يؤمنه حتى يضع يده في يده. وإن "مروان" غزا "بكر بن وائل" فأسر، ولم يكن آسره منيعًا، فطلب من أم آسره أن توصله إلى "عوف بن محلم"، ولها منه مائة بعير، فحمل إلى "عوف"، ولاذ بقبته، وبلغ "عمرو بن هند" مكانه، فبعث يطلبه، فأبى عوف أن يسلمه إلأ أن يؤمنه. ثم أخذه عوف إلى "عمرو بن هند"، وجعل يده بين يد عمرو ويد مروان، وأصلح بينهما, فعفا "عمرو" عنه وآمن مروان. فقال عمرو: "لا حر بوادي عوف"، فذهبت مثلًا٣. وعد "مروان بن زنباع" من أوفياء العرب؛ لأنه وفى بعهده الذي أعطاه لأم آسره، وكان قد أعطاه عودًا التقطه من الأرض ليكون رمز وفائه، على أن توصله إلى "محلم". فلما أوصلته دفع إليها المائة بعير، كما تعهد لها بذلك٤. وضرب المثل بوفاء "عمير بن سلمى الحنفي"، وله قصة في الوفاء تشبه قصة "أوفى بن مطر المازني". وذكروا أن من وفائه أن رجلًا من "بني عامر بن كلاب" استجار بعمير وكانت معه امرأة جملية, فرآها "قرين بن سلمى الحنفي" أخو عمير، وصار يتحدث إليها حتى بلغ ذلك زوجها، فنهاها فخافته فانتهت. فلما رأى "قرين" ذلك وثب على زوجها فقتله, وعمير غائب, فأتى أخو المقتول قبر "سلمى" فعاذ به. فقدم "عمير بن سلمى"،

стр. 2413

فأخذ أخاه. وبلغ وجوه "بني حنيفة" الخبر، فأتوه فكلموه، فأبى إلا أن يقتله أو يعفو عنه جاره، وأبى أخو المقتول أخذ دية أخيه القتيل ولو ضُوعفت, فأخذ عندئذ "عمير" أخاه وقتله لغدره بجاره١. ومن الأوفياء "أبو حنبل: جارية بن مر الطائي ثم الحنبلي". وكان من وفائه أن "امرأ القيس بن حجر الكندي" كان جارًا "لعامر بن جوين الطائي", فقبَّل "عامر" امرأة "امرئ القيس"، فأعلمته ذلك فارتحل إلى "جارية" ليستجير به. فلم يجده, ووجد ابنًا له أجاره، فلما جاء "جارية" ورأى كثرة أموال "امرئ القيس" طمع فيها، وعزم على الغدر بـ"امرئ القيس" ثم فكر في أمره ورأى أن الغدر عار، فعقد له جواره، ثم أخذه إلى "عامر بن جوين"، فقال لامرئ القيس: قبل امرأته كما قبل امرأتك, ففعل٢. ومنهم "المعلى الطائي"، أحد "بني تيم" من جديلة، وهم "مصابيح الظلام". وكان "المنذر" يطلب امرأ القيس، فلجأ إلى "المعلى" فأجاره، وبلغ المنذر مكان "امرئ القيس" فركب حتى أتى منزل المعلى، ولم يكن المعلى موجودًا، وأبى ابنه تسليم امرئ القيس إلى المنذر ومنعوه٣. ومن الأوفياء "عصيمة بن خالد بن سنان بن منقر"، وكان "النعمان" قد غضب على "بني عامر بن صعصعة"، فقتل منهم ناسًا وشردهم، فألجأهم "عصيمة" وأجارهم، فبعث إليه النعمان: "ابعث إليَّ بعبيدي" فأبى ونادى في قومه شعاره "كوثر"، وأقبل "النعمان" فأهوى "عصيمة" بالرمح إلى معرفة فرسه، ورجع الملك خائبًا. ثم كسا "عصيمة" "بني عامر" وبلغهم مأمنهم٤. وقد عد الوفاء محمدة وواجبًا، ولأجل توكيد الوفاء وترسيخه كانوا يضعون رهنًا، قد يكون ثمينًا مثل أبناء سادات القبائل، يقدمونهم رهينة لدى

стр. 2414

الملوك ضمانًا لهم في مقابل وفائهم بما تعهدوا للملك, وبما عاهدوه عليه من شروط. وقد يكون شيئًا لا قيمة كبيرة له من الوجهة المادية، مثل رهن قوس أو سهم أو التقاط عود من الأرض وإيداعها رهنًا بالوفاء، كما مر معنا في قصة "مروان بن زنباع العبسي" مع "عوف بن محلم الشيباني"١، أو في مقابل إعطاء كلمة بالوفاء، كما في قصة "الحارث بن عباد"٢، أو الوفاء بسبب استجارة إنسان بقبر، كما في قصة وفاء "عمير بن سلمى الحنفي"٣.

стр. 2415

العرض: وعرض الرجل نفسه وبدنه، وقيل العرض: موضع المدح والذم من الإنسان, سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل أيضًا: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وذكر أيضًا أن العرض: عرض الإنسان، ذم أو مدح١, ويحرص الجاهلي على ألا يمس بسوء، وإذا تحرش أحدهم به، أو شعر أن شخصًا أراد الانتقاص منه، ولو بتلميح أو بإشارة أو بغمز, ثار وهاج مدافعًا عن نفسه وعرضه؛ لأن عرض الإنسان أشرف شيء بالنسبة له في هذه الحياة. ومن العرض صيانة أعراض الناس؛ لأن من ينتهك عرض غيره، ينتهك الناس عرضه ويعرض نفسه وماله وأهله للتهلكة. فقد لا يصبر شخص أهينت كرامته على هذه الإهانة فينتقم ممن تعرض به شر انتقام. إن لم يتمكن هو بنفسه، ساعده في أخذ حقه أهل عصبته ورجال قبيلته، حتى يثأر لنفسه ممن تعرض لعرضه بسوء. ونجد في الشعر الجاهلي تبجحًا بالنفس وإشادة في الدفاع عن العرض وتهديدًا ووعيدًا لمن يحاول النيل منه بأي سوء. وهو كلام يحمل حساد المتبجح بنفسه على الرد عليه وعلى الطعن فيما قاله. وبذلك تتولد خصومة قد تطول وتكبر وتؤدي إلى سقوط قتلى كانوا في غنى عنها, لولا هذه الحمية الجاهلية القائمة على التفاخر والتباهي والزهو والحمق.

стр. 2416

الحرية: والعربي مجبول على الحرية، وهو لا يطيق الخضوع لأحد غير قبيلته, على ألا يؤثر ذلك في حريته الشخصية. وقد أعجب "هيرودوتس" وغيره من كتبة اليونان والرومان بحب العرب للحرية ولمقاومتهم للاسترقاق، فذكروا أنهم كانوا الشعب الوحيد من بين الشعوب الآسيوية الذي لم يخضع لحكم الفرس، فلم يتمكن ملوك الفرس من استعبادهم، وإنما اضطروا إلى معاملتهم معاملة أصدقاء حلفاء، فقاموا لهم بخدمات جليلة سهلت لهم فتح مصر، ولو كان العرب حربًا على الفرس لما تمكنوا قط من حملتهم على مصر. والعربي من هذه الناحية شديد التعلق بالحرية، والأعرابي يشعر, وهو في الحضر بين سكان القرى أو المدن، أنه في سجن لا يطاق؛ لكثرة القيود التي تقتضيها عادات المتحضرين، ويسعى للعودة إلى وطنه حيث ينطلق حرًّا كما يشاء. والقبائل تشعر هذا الشعور نفسه، فهي تعيش متمتعة بأعظم قسط من الحرية، لا تضحي بها، إلا لمقتضيات المحافظة على الحياة, حيث ترتبط بواجبات التحالف مع القبائل الأخرى للدفاع عن النفس وضمان ضروريات الحياة. ولما كان لكل شيء حد ونهاية، غدت هذه الحرية أنانية شديدة، وفردية مطلقة حالت دون تعاون الأفراد, ومنعت من مساعدة القبائل بعضها بعضًا مع وجود خطر أجنبي داهم، وحالت دون تكون المجتمعات الكبرى وهي الحكومات، واقتصرت التنظيمات السياسية على القبائل، وأصبحت العصبية للقبيلة تعني القومية. وزاد في حدة هذه الأنانية القبلية اعتقادهم بالرابطة الدموية التي تربط الأسر بالعشائر، والعشائر بالقبائل، وإرجاع ذلك إلى الأنساب فلا تتعصب القبائل إلا لتلك القبائل التي تعتقد أنها وإياها من شجرة واحدة وأصل واحد. وإن الحياة الصحراوية التي طبعت أصحابها بطابع الإفراط في حب الحرية الفردية، قد أثرت كثيرًا في الحياة السياسية والتفكير السياسي في بلاد العرب، فاقتصرت

стр. 2417

الأفعال السياسية على أفعال القبيلة، وتراجع الفرد بل الأهل والعشيرة تجاه القبيلة، وأثرت في أِشكال الحكومات التي تكونت في الأماكن الخصبة وبين المتحضرين، فجعلت منها اتحادًا مع قبائل جمعت بينها مصالح متشابهة ومنافع مشتركة. فإذا ما شعرت بزوال مصلحتها أو أن من مصلحتها الانفصال عن هذا الاتحاد, فلا تتوانى عن تنفيذ رغباتها وتحقيقها بالقوة؛ ولهذا نجد القبائل تهيج وتثور على الحكومات التي تخضع لها، وتدين بالولاء لها؛ لأسباب تافهة منبعها ومبعثها هذه الأنانية الضيقة التي تدفع سادات القبائل إلى الانفصال والخروج من عبودية الخضوع لحاكم، عليهم تقديم واجب الإخلاص والطاعة له. حاكم يرون أنه لا يمتاز عنهم بشيء، بل يرى كل واحد منهم لأنانيته أنه أولى منه بالحكم وبتسلم القيادة، وأن من حقه الخروج عن طاعته إن وجد ظروفًا ملائمة متهيئة للانفصال عنه. فلما وجدت القبائل التي خضعت لحكم "ملوك كندة" ضعفًا في الأسرة الكندية الحاكمة، ثارت عليها وقتلت منهم من قتلت، وطردت من طردت، وكوَّن سادات القبائل إمارات عديدة حلت محل مملكة كندة. ولما كان سادات القبائل يجدون ضعفًا في العلاقات بين ملوك الحيرة والفرس، وبين ملوك الغساسنة والروم, كان يسارعون إلى الاتصال بالفرس وبالروم لتنصيبهم مكان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة، لا يرون في هذا العمل أي شين أو بأس. ويصعب في الحقيقة التوفيق بين الفكرة القبلية الضيقة والفكرة القومية التي تسمو فوق القبائل، فالفكرة القبلية لا تعترف بوجود قومية غير قومية القبيلة، ولا ترى وجود وطن غير الوطن الذي تنزل فيه القبيلة. فإذا ارتحلت عنه وحلت في أرض أخرى, أصبحت هذه الأرض وطن القبيلة الجديد، الذي يجب أن يدافع عنه, وأما الأوطان الأخرى ومنها وطن القبيلة السابق، فليست بأوطانها. ومن هنا كان بون شاسع بين هذه الفكرة الوطنية الضيقة، وبين الفكرة القومية التي تدين بعقيدة الإيمان بالقوم, أي: الجنس الذي هو فوق القبائل والأمكنة، وبالوطن العام الذي يشمل كل الأرضين التي يستوطنها ذلك الجنس. وقد جابهت الحكومات العربية في الجاهلية ثم في الإسلام متاعب كثيرة من الروح القبلية العنيفة، ومن الفردية المتطرفة. فكانت هذه من أهم عوامل هد المجتمعات السياسية الكبرى في بلاد العرب، وكانت من أعنف أعداء القومية العربية, لا في الجاهلية فحسب, بل في الجاهلية وفي الإسلام كذلك.

стр. 2418

وأهم ما يعوز العرب في الجاهلية الشعور بفكرة "الأمة"، التي تسمو فوق القوميات القبلية وفوق الإقليميات الضيقة التي هي أيضًا صفحة من صفحات الأنانية، والشعور بلزوم الحد من الفردية الجامحة التي لا تعترف بحريات الآخرين، وبضرورة إطاعة المجتمع في سبيل المصلحة العامة، وإخضاع إرادة الحاكمين لمصلحة حكم الجماعة، والحد من أنانيتهم المفرطة ومن البت في أمور الرعية، وكأن الرعية سواد من ماشية، عليها إطاعة سوط الحاكم وأوامره، دون أن يكون لها حق في إبداء الرأي. فإن غلطة الاستبداد بالرأي تؤدي إلى أسوأ العواقب، غير أن الحرية المفرطة أو الأنانية الشديدة بتعبير أصح، التي كادت تجعل المجتمع فوضى -ضبطتها من ناحية أخرى قوة كبحت جماحها، وحدت من حريتها، وأجبرتها على التقيد بقيود، وعدم التحرك إلا بحد وحدود. هي سنة وجوب إطاعة أوامر المجتمع، والاستجابة لنداء الجماعة, ولأحكام رؤساء الأحياء والبطون والأفخاذ، والصيحات التي تصرخها القبيلة أو فروعها لتنادي بنداء "العصبية", وإلا عد الخارج على نداء الجماعة والمخالف لقرار رؤساء الأسرة أو الحي أو القبيلة خارجًا على القانون وعلى العصبية, فاستحق بذلك واجب خلعه من عصبية القبيلة له, وطرده من قومه. وهو أشد عقاب يفرض على مخالف ما, عقاب الخلع.

стр. 2419

الخلع: ويبقى الفرد متمتعًا بعطف قبيلته عليه وبحمايتها له, ما دام قائمًا بواجباته المترتبة عليه، شاعرًا بعظم التبعة. فإذا أجرم، أو عمل عملًا ينافي شرفه أو شرف قبيلته، واستمر في غيه لا يسمع نصائح أهله وعشيرته، كاسرًا أعراف آله وقبيلته -فقد عصبية أهله وقبيلته له، وهام على وجهه طريدًا يلتمس مجاورة رجل من عشيرة أو قبيلة أخرى قريبة من موطنه أو بعيدة عنه. وتكون هذه الفترة من حياة الإنسان شرَّ فترة في حياته، ولا يهدأ للطريد بال إلا إذا وجد له حليفًا أو جارًا يتعهد له بحمايته وببذل "العصبية" له وبالدفاع عنه. ويقال للرجل الذي تغضب عليه قبيلته وتحرمه عطفها وعصبيتها له: "الخليع", ويقال ذلك لمن يخلعه أهله أيضًا. وقد يقال له: "الرجل اللعين"، و"اللعين", واللعين هو المطرود؛ ولذلك يقال له: "الطريد", إلى غيرها من مصطلحات.

стр. 2420

وربما خلعوا الرجل من القبيلة ولو كان من صميمها، ويسقط عن أهله وقبيلته كل واجب يترتب عليهم أو عليها إذا عمل عملًا يستوجب خلعه، كما تسقط عن القبائل التي قد تتعرض للخليع بشر كل تبعة تقع عليها من الاعتداء عليه، لخلع أهله أو قبيلته له، وتبرئهم أو تبرئها منه، فلا يطالبون بثأر. ولا بد من إعلان خلع أهل "الخليع" أو خلع قبيلته له وتبرئها منه؛ ليكون ذلك معلومًا عند أفراد قبيلته أو القبائل الأخرى، فتسقط العصبية عندئذ عن "الخليع" عند إعلان قرار الخلع، وإلا بقيت في رقبة أولياء أمره وقبيلته، وذلك كأن يعلن الأب في المواضع العامة وفي المواسم أنه خلع ابنه، بأن يقول: ألا إني قد خلعت ابني هذا، فإن جَرَّ لم أضمن، وأن جُر عليه لم أطلب، أو يعلن قومه: إنما خلعنا فلانًا، فلا نأخذ أحدًا بجناية تجنى عليه، ولا نؤخذ بجناياته التي يجنيها. وقد كان الحج من المواسم المناسبة لإعلان خلع الخلعاء، وكذلك كانت مواسم الأسواق كسوق عكاظ. فهي مواسم تجمُّع, ينادي فيها المنادي بخلع من يراد خلعه، وكان أهل مكة يكلفون مناديًا بالطواف بالأحياء، ينادي بأعلى صوته عن خلع الخليع. وقد يكتبون كتابًا يحفظونه عندهم أو يعلقونه في محل عام ليقف عليه الناس١. وقد عاش الخلعاء عيشة صعبة، لا أحد يساعدهم أو يئويهم خشية أن ينزل بهم أذى، أو يترتب على قبول جوارهم تبعة تجاه من يقتص آثارهم طلبًا للثأر منهم؛ ولذلك تكتل الصعاليك أحيانًا وكونوا عصابات تغزو وتغير وتقطع الطريق. وكان الشاعر "عروة بن الورد" وهو منهم, يجمع حوله الصعاليك والفقراء في حظيرة ويغزو بهم ويرزقهم مما يغنمه؛ ولذلك سمي "عروة العصاليك"٢. ذكر أنه كان إذا شكا إليه فتى من فتيان قومه الفقر, أعطاه فرسًا ورمحًا، وقال له: إن لم تستغنِ بهما, فلا أغناك الله٣.
следующие страницы →