الحرية:
والعربي مجبول على الحرية، وهو لا يطيق الخضوع لأحد غير قبيلته, على ألا يؤثر ذلك في حريته الشخصية. وقد أعجب "هيرودوتس" وغيره من كتبة اليونان والرومان بحب العرب للحرية ولمقاومتهم للاسترقاق، فذكروا أنهم كانوا الشعب الوحيد من بين الشعوب الآسيوية الذي لم يخضع لحكم الفرس، فلم يتمكن ملوك الفرس من استعبادهم، وإنما اضطروا إلى معاملتهم معاملة أصدقاء حلفاء، فقاموا لهم بخدمات جليلة سهلت لهم فتح مصر، ولو كان العرب حربًا على الفرس لما تمكنوا قط من حملتهم على مصر.
والعربي من هذه الناحية شديد التعلق بالحرية، والأعرابي يشعر, وهو في الحضر بين سكان القرى أو المدن، أنه في سجن لا يطاق؛ لكثرة القيود التي تقتضيها عادات المتحضرين، ويسعى للعودة إلى وطنه حيث ينطلق حرًّا كما يشاء. والقبائل تشعر هذا الشعور نفسه، فهي تعيش متمتعة بأعظم قسط من الحرية، لا تضحي بها، إلا لمقتضيات المحافظة على الحياة, حيث ترتبط بواجبات التحالف مع القبائل الأخرى للدفاع عن النفس وضمان ضروريات الحياة.
ولما كان لكل شيء حد ونهاية، غدت هذه الحرية أنانية شديدة، وفردية مطلقة حالت دون تعاون الأفراد, ومنعت من مساعدة القبائل بعضها بعضًا مع وجود خطر أجنبي داهم، وحالت دون تكون المجتمعات الكبرى وهي الحكومات، واقتصرت التنظيمات السياسية على القبائل، وأصبحت العصبية للقبيلة تعني القومية. وزاد في حدة هذه الأنانية القبلية اعتقادهم بالرابطة الدموية التي تربط الأسر بالعشائر، والعشائر بالقبائل، وإرجاع ذلك إلى الأنساب فلا تتعصب القبائل إلا لتلك القبائل التي تعتقد أنها وإياها من شجرة واحدة وأصل واحد.
وإن الحياة الصحراوية التي طبعت أصحابها بطابع الإفراط في حب الحرية الفردية، قد أثرت كثيرًا في الحياة السياسية والتفكير السياسي في بلاد العرب، فاقتصرت
стр. 2417
الأفعال السياسية على أفعال القبيلة، وتراجع الفرد بل الأهل والعشيرة تجاه القبيلة، وأثرت في أِشكال الحكومات التي تكونت في الأماكن الخصبة وبين المتحضرين، فجعلت منها اتحادًا مع قبائل جمعت بينها مصالح متشابهة ومنافع مشتركة. فإذا ما شعرت بزوال مصلحتها أو أن من مصلحتها الانفصال عن هذا الاتحاد, فلا تتوانى عن تنفيذ رغباتها وتحقيقها بالقوة؛ ولهذا نجد القبائل تهيج وتثور على الحكومات التي تخضع لها، وتدين بالولاء لها؛ لأسباب تافهة منبعها ومبعثها هذه الأنانية الضيقة التي تدفع سادات القبائل إلى الانفصال والخروج من عبودية الخضوع لحاكم، عليهم تقديم واجب الإخلاص والطاعة له. حاكم يرون أنه لا يمتاز عنهم بشيء، بل يرى كل واحد منهم لأنانيته أنه أولى منه بالحكم وبتسلم القيادة، وأن من حقه الخروج عن طاعته إن وجد ظروفًا ملائمة متهيئة للانفصال عنه. فلما وجدت القبائل التي خضعت لحكم "ملوك كندة" ضعفًا في الأسرة الكندية الحاكمة، ثارت عليها وقتلت منهم من قتلت، وطردت من طردت، وكوَّن سادات القبائل إمارات عديدة حلت محل مملكة كندة. ولما كان سادات القبائل يجدون ضعفًا في العلاقات بين ملوك الحيرة والفرس، وبين ملوك الغساسنة والروم, كان يسارعون إلى الاتصال بالفرس وبالروم لتنصيبهم مكان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة، لا يرون في هذا العمل أي شين أو بأس.
ويصعب في الحقيقة التوفيق بين الفكرة القبلية الضيقة والفكرة القومية التي تسمو فوق القبائل، فالفكرة القبلية لا تعترف بوجود قومية غير قومية القبيلة، ولا ترى وجود وطن غير الوطن الذي تنزل فيه القبيلة. فإذا ارتحلت عنه وحلت في أرض أخرى, أصبحت هذه الأرض وطن القبيلة الجديد، الذي يجب أن يدافع عنه, وأما الأوطان الأخرى ومنها وطن القبيلة السابق، فليست بأوطانها. ومن هنا كان بون شاسع بين هذه الفكرة الوطنية الضيقة، وبين الفكرة القومية التي تدين بعقيدة الإيمان بالقوم, أي: الجنس الذي هو فوق القبائل والأمكنة، وبالوطن العام الذي يشمل كل الأرضين التي يستوطنها ذلك الجنس.
وقد جابهت الحكومات العربية في الجاهلية ثم في الإسلام متاعب كثيرة من الروح القبلية العنيفة، ومن الفردية المتطرفة. فكانت هذه من أهم عوامل هد المجتمعات السياسية الكبرى في بلاد العرب، وكانت من أعنف أعداء القومية العربية, لا في الجاهلية فحسب, بل في الجاهلية وفي الإسلام كذلك.
стр. 2418
وأهم ما يعوز العرب في الجاهلية الشعور بفكرة "الأمة"، التي تسمو فوق القوميات القبلية وفوق الإقليميات الضيقة التي هي أيضًا صفحة من صفحات الأنانية، والشعور بلزوم الحد من الفردية الجامحة التي لا تعترف بحريات الآخرين، وبضرورة إطاعة المجتمع في سبيل المصلحة العامة، وإخضاع إرادة الحاكمين لمصلحة حكم الجماعة، والحد من أنانيتهم المفرطة ومن البت في أمور الرعية، وكأن الرعية سواد من ماشية، عليها إطاعة سوط الحاكم وأوامره، دون أن يكون لها حق في إبداء الرأي. فإن غلطة الاستبداد بالرأي تؤدي إلى أسوأ العواقب، غير أن الحرية المفرطة أو الأنانية الشديدة بتعبير أصح، التي كادت تجعل المجتمع فوضى -ضبطتها من ناحية أخرى قوة كبحت جماحها، وحدت من حريتها، وأجبرتها على التقيد بقيود، وعدم التحرك إلا بحد وحدود. هي سنة وجوب إطاعة أوامر المجتمع، والاستجابة لنداء الجماعة, ولأحكام رؤساء الأحياء والبطون والأفخاذ، والصيحات التي تصرخها القبيلة أو فروعها لتنادي بنداء "العصبية", وإلا عد الخارج على نداء الجماعة والمخالف لقرار رؤساء الأسرة أو الحي أو القبيلة خارجًا على القانون وعلى العصبية, فاستحق بذلك واجب خلعه من عصبية القبيلة له, وطرده من قومه. وهو أشد عقاب يفرض على مخالف ما, عقاب الخلع.
стр. 2419
الخلع:
ويبقى الفرد متمتعًا بعطف قبيلته عليه وبحمايتها له, ما دام قائمًا بواجباته المترتبة عليه، شاعرًا بعظم التبعة. فإذا أجرم، أو عمل عملًا ينافي شرفه أو شرف قبيلته، واستمر في غيه لا يسمع نصائح أهله وعشيرته، كاسرًا أعراف آله وقبيلته -فقد عصبية أهله وقبيلته له، وهام على وجهه طريدًا يلتمس مجاورة رجل من عشيرة أو قبيلة أخرى قريبة من موطنه أو بعيدة عنه. وتكون هذه الفترة من حياة الإنسان شرَّ فترة في حياته، ولا يهدأ للطريد بال إلا إذا وجد له حليفًا أو جارًا يتعهد له بحمايته وببذل "العصبية" له وبالدفاع عنه.
ويقال للرجل الذي تغضب عليه قبيلته وتحرمه عطفها وعصبيتها له: "الخليع", ويقال ذلك لمن يخلعه أهله أيضًا. وقد يقال له: "الرجل اللعين"، و"اللعين", واللعين هو المطرود؛ ولذلك يقال له: "الطريد", إلى غيرها من مصطلحات.
стр. 2420
وربما خلعوا الرجل من القبيلة ولو كان من صميمها، ويسقط عن أهله وقبيلته كل واجب يترتب عليهم أو عليها إذا عمل عملًا يستوجب خلعه، كما تسقط عن القبائل التي قد تتعرض للخليع بشر كل تبعة تقع عليها من الاعتداء عليه، لخلع أهله أو قبيلته له، وتبرئهم أو تبرئها منه، فلا يطالبون بثأر.
ولا بد من إعلان خلع أهل "الخليع" أو خلع قبيلته له وتبرئها منه؛ ليكون ذلك معلومًا عند أفراد قبيلته أو القبائل الأخرى، فتسقط العصبية عندئذ عن "الخليع" عند إعلان قرار الخلع، وإلا بقيت في رقبة أولياء أمره وقبيلته، وذلك كأن يعلن الأب في المواضع العامة وفي المواسم أنه خلع ابنه، بأن يقول: ألا إني قد خلعت ابني هذا، فإن جَرَّ لم أضمن، وأن جُر عليه لم أطلب، أو يعلن قومه: إنما خلعنا فلانًا، فلا نأخذ أحدًا بجناية تجنى عليه، ولا نؤخذ بجناياته التي يجنيها.
وقد كان الحج من المواسم المناسبة لإعلان خلع الخلعاء، وكذلك كانت مواسم الأسواق كسوق عكاظ. فهي مواسم تجمُّع, ينادي فيها المنادي بخلع من يراد خلعه، وكان أهل مكة يكلفون مناديًا بالطواف بالأحياء، ينادي بأعلى صوته عن خلع الخليع. وقد يكتبون كتابًا يحفظونه عندهم أو يعلقونه في محل عام ليقف عليه الناس١.
وقد عاش الخلعاء عيشة صعبة، لا أحد يساعدهم أو يئويهم خشية أن ينزل بهم أذى، أو يترتب على قبول جوارهم تبعة تجاه من يقتص آثارهم طلبًا للثأر منهم؛ ولذلك تكتل الصعاليك أحيانًا وكونوا عصابات تغزو وتغير وتقطع الطريق. وكان الشاعر "عروة بن الورد" وهو منهم, يجمع حوله الصعاليك والفقراء في حظيرة ويغزو بهم ويرزقهم مما يغنمه؛ ولذلك سمي "عروة العصاليك"٢. ذكر أنه كان إذا شكا إليه فتى من فتيان قومه الفقر, أعطاه فرسًا ورمحًا، وقال له: إن لم تستغنِ بهما, فلا أغناك الله٣.
стр. 2421
والصعلوك: الفقير الذي لا مال له١. ومن الصعاليك "السليك بن سلكة" الشاعر العدَّاء, وهو من العدائين الذين ضرب بهم المثل في العدْو٢. وكان "حاجز بن عوف بن الحارث"، وهو شاعر جاهلي مقل، أحد الصعاليك العدائين, كان يعدو على رجليه عدوًا يسبق به الخيل، وكان يغير على قبائل العرب٣. وكان "قيس بن الحدادية" من الشعراء الصعاليك الفاتكين الشجعان, خلعته خزاعة بسوق عكاظ، وأشهدت على نفسها بخلعها إياه، فلا تحتمل جريرة له، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه٤.
ومن بقية الصعاليك "الشنفرى" و"تأبط شرًّا", غير أن أعرفهم وأشهرهم وحامل لواء الصعلكة فيهم، هو "عروة بن الورد" الذي نصب نفسه سيدًا على الصعاليك. فكان يجمعهم ويشركهم فيما يغنمه ويرزقهم من رزقه، ويبذل جهده لمواساتهم، فاجتمع حوله صعاليك "عبس"، وهو منهم واتخذ لهم حظائر آووا إليها؛ ولهذا نعت بـ"عروة الصعاليك". قال أهل الأخبار: إنما قيل له عروة الصعاليك مع أنه عروة بن الورد؛ لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرة, فيرزقهم مما يغنمه٥. فعروة لم يكن فقيرًا محتاجًا معدمًا، كما يفهم من لفظة "صعلوك", لقد كان في وسعه أن يجمع مالًا مما كان يغنمه من غاراته على العرب، فيكون حسن الحال غنيًّا, لكنه فضل الصعلكة على اكتناز المال، ورجَّح إشراك الفقراء فيما يغنمه على جمعه له واستئثاره له وحده؛ لأن له مروءة تأبى عليه أن ينام شبعان وجاره فقير جائع, فكان ينفق ما يغنمه على المحتاجين. فهو صاحب مذهب إنساني أحس بالألم، وأدرك ما أصابه يوم خلعه أهله من شدة وضنك، فأراد أن يخفف من آلام أمثاله ممن خلعهم مجتمعهم لعدم وقوفه على أسباب خروجهم عليه, فصار بذلك نصير الصعاليك. ولقد ذكره "عبد الملك بن مروان" فقال: "ما كنت أحب أن أحدًا ولدني من العرب إلا
стр. 2422
عروة بن الورد"١. فعروة صعلوك فلسف الصعلكة بأن جعلها مثلًا من مُثُل الحياة, بينما كانت تعني فقرًا مدقعًا وجوعًا قتالًا وهيامًا على وجه الأرض للاستجداء.
وقد كون الصعاليك عصابات تنقلت من مكان إلى مكان, تسلب المارة وتغير على أحياء العرب؛ لترزق نفسها ومن يأوي إليها٢, انضم إليها الصعاليك من مختلف القبائل. ولكن أكثر الصعاليك من الشبان الطائشين الخارجين على أعراف قومهم, ومن الذين لا يبالون ولا يخشون أحدًا، صاروا قوة خشي منها، وحسب لها حساب، خاصة وفيها شعراء فحول، يحسنون الهجاء ويتقنون فن ثلب الأعراض، وفيها مقاتلون شجعان لا يعبئون بالموت، يفتكون بمن يريدون الفتك به. وخافهم الناس وامتنعوا جهد إمكانهم من التحرش بهم ومعاداتهم، ومنهم من قبل جوار الصعاليك وردَّ عنهم وأحسن إليهم، فاستفاد منهم واستفادوا منه.
وقد كان العرب ينفون الخلعاء إلى أماكن معينة مثل "حَضَوْضى"، وهو جبل في الجزيرة العربية, كان الناس في الجاهلية ينفون إليه خلعاءها٣. وقيل: جبل في البحر أو جزيرة فيه, كانت العرب تنفي إليه خلعاءها٤.
стр. 2423
فهرس: الجزء السابع
الفصل الثاني والأربعون
مكة المكرمة ٥
الفصل الثالث والأربعون
يثرب والطائف ١٢٨
الفصل الرابع والأربعون
مجمل الحالة السياسية في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام ١٤٢
الفصل الخامس والأربعون
المجتمع العربي ٢٧١
الفهرست ٤١٥
стр. 2424
المجلد الثامن
الفصل السادس والأربعون: أنساب القبائل
...
الفَصْل السَّادِس والأربَعُون: أنساب القبائل
تحدثت في مواضع متعددة من هذا الكتاب عن تقسيم القبائل العربية المألوف عند الأخباريين. أما الحديث في هذا الفصل، فهو عن أثر القبائل العربية في الجاهلية المتصلة بالإسلام. وبعبارة أخرى القبائل العربية التي كانت في القرن السادس للميلاد. ويضيق بنا هذا الفصل لو أردنا الكلام على جميع القبائل وبطونها وأفخاذها وعمائرها، لذلك سأكتفي في هذا الفصل بذكر القبائل الكبرى وبالإشارة إلى بطونها إن كانت مهمة. وفي كتب الأخباريين والمؤلفات المدونة في الأنساب الكفاية لمن طلب المزيد.
والتصنيف المألوف للقبائل هو حاصل عرف جرى عليه النسَّابون، ولا نعرف تدوينًا لأهل الجاهلية للأنساب، إنما نعرف أن أول تدوين رسمي كان هو التدوين الذي تم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حيث ظهرت الحاجة إلى التسجيل، فسجلت. ولم تصل ويا للأسف سجلات ذلك الديوان إلينا، ولم يصرح أحد من النسابين أنه أخذ مادة أنسابه من تلك السجلات. وإنما الذي بين أيدينا هو خلاصة وجهة نظر النسابين في أنساب القبائل، وعلى هذا التقسيم اعتمد المعنيّون بهذا الموضوع.
وإذا غضضنا الطرف عن التصنيف المتبع في حصر أنساب العرب كلها في أصلين أساسيين قحطان وعدنان، فإننا نرى القبائل كما يفهم من روايات الأخباريين كتلًا، ترجع كل كتلة منها نسبها إلى جدّ قديم تزعم أن قبائلها انحدرت من صلبه. وقد تحدثت مرارًا عن طبيعة هؤلاء الأجداد.
стр. 2425
ومن هذه الكتل التي كانت عند ظهور الإسلام، كتلة حمير، وكتلة كهلان، وكتلة قضاعة، وكتلة مضر، وكتلة ربيعة. وكل كتلة مجموعة قبائل كبيرة، ترجع في عصبيتها إلى تلك الكتلة.
أما حمير، فقد تحدثت عنها سابقًا، وأشرت إلى ورود اسمها لدى بعض الكتبة الكلاسيكيين مثل "سترابون" والمؤرخ "بلينيوس" وذلك في أثناء كلامه على حملة "أوليوس غالوس" حيث عدها من أشهر القبائل العربية التي كانت في اليمن إذْ ذاك١، كما أشرت إلى ورود اسمها في نصوص المسند التي يعود تأريخها إلى ما بعد الميلاد٢، وهو اسم أرض معينة واسم شعب. أما الذي نفهمه من الأخباريين، فهو أن حمير اسم واسع يشمل قبائل قحطان عند ظهور الإسلام٣. وقد يكون مرد ذلك إلى ظهور هذه القبيلة في هذا الزمن وبروزها في هذا العهد في اليمن، فانتمى إليها كثير من القبائل على العادة الجارية في الانتماء إلى المشاهير.
ويرجع النسابون نسب حمير إلى حمير بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب، ويقولون إن اسمه "العرنج"٤ "العرنجج"٥، وهو في نظرهم والد جملة
стр. 2426
أولاد، جعلهم بعضهم تسعة، هم: الهميسع، ومالك، وزيد، وعريب، ووائل و "مشروح" مسروح١، ومعد يكرب، وأوس، ومرة٢. وجعلهم بعض آخر أقل من ذلك، أو أكثر عددًا٣
وهم أنفسهم أجداد قبائل حمير. ومن نسل هؤلاء: بنو مرة، وهم في حضرموت، والأملوك، وبنو خيران، وذو رعين، وبنو هوزن، والأوزاع٤، وبنو شعبان٥، وبنو عبد شمس، وبنو شرعب، وزيد الجمهور. وبنو الصوّار، وأكثر قبائل حمير منهم. وقد كان الملك فيهم وبقي إلى مبعث الرسول. ومنهم الحارث الرائش الذي غزا -على زعم الأخباريين- الأعاجم والروم، وعرف ب "ملك الأملاك"، وحملت إليه الهدايا من أرض الصين وبلاد الترك والهند، وملك الأرض بأسرها، وأدت إليه جميع الناس الخراج٦. وقد جعلوا مدة حكمه خمسًا وعشرين ومئة سنة، وهي مدة لا أدري كيف اكتفى بها أصحاب الأخبار الذين اعتادوا منح العمر الطويل لملوك هم أقل شأنًا ودرجة بكثير من هذا الملك المظفر السعيد.
ويظهر لنا من تدقيق منازل القبائل والبطون المنسوبة إلى حمير، أنها كانت في العربية الجنوبية، وأنها بقيت في مواضعها على الغالب في الإسلام. بينما نجد قبائل "كهلان" وبطونها، وهي فرع سبأ الثاني وقد سكنت في مواضع بعيدة عن اليمن. وهي قبائل ضخمة. أضخم من قبائل حمير. ثم إنها كانت تتكلم بلهجة قريبة من لهجة القرآن الكريم في الإسلام. أما بطون حمير، فقد كانت تتكلم بلغة ركيكة رديئة غير فصيحة بعيدة عن العربية على حدّ تعبير الأخباريين، ويظهر أن هذا التباين كان عاملًا مهما في تميز حمير عن غيرها وفي حشر البطون في جذم حمير. فمن حافظ على لهجته القديمة، وبقي يستعملها، عُدّ في هذا
стр. 2427
الجذم. ولم يحافظ على هذه اللهجات إلا الذين بقوا في أماكنهم وفي مواضعهم، ولم يختلطوا بالقبائل الأخرى التي تأثرت لهجتها بلهجة القرآن الكريم.
وحمير عند الأخباريين أبو الملوك التبابعة والأذواء والأقيال، وهو شقيق كهلان أبي الملوك من الأزد من بني جفنة ومن لخم١. ويلاحظ أنهم قد حصروا حكم اليمن والقبائل القحطانية المقيمة بها في حمير، على حين جعلوا الملك على عرب الشأم وعرب العراق ويثرب في أيدي المنتسبين إلى كهلان، أي أنهم خصوا الحكم في خارج اليمن بأيدي إخوة حمير، فوزعوا الملك في اليمن وفي خارجها بين الأخوين. وحمير في عرفهم هو الابن الأكبر لسبأ، فلعلَّ هذا الكبر هو الذي شفع له أن يكون الوارث لليمن، والحاكم على قبائل قحطان وعدنان فيها. وأخذ مكانة الأب بعد موته والجلوس على عرشه، ميزة لا ينالها إلا الابن البكر، وقد ملك حمير بعد أبيه على حدّ قولهم أكثر من مئة عام٢.
ويذكر قوم من الأخباريين أن حكم حمير كان للملوك منها، ثم للأقيال. والقيل هو الذي يخلف الملك في مجلسه، فيجلس في مكانه، ويحكم فلا يرد حكمه. ومن هؤلاء الأقيال على زعمهم المثامنة، "وهم ثمانية رجال كانوا من حمير، وكانوا ملوكًا على قومهم، وهم من تحت أيدي ملوك حمير، وأولادهم قبائل من حمير، ويسمون المثامنة. وكان من شأنهم لا يتملك ملك من حمير إلا بإرادتهم، وإن اجتمعوا على عزله عزلوه. وهم: يزن، وسحر، وثعلبان الأكبر، ومرة ذو عثكلان. هؤلاء من أولاد سبأ الأصغر. ومقار بن مالك من أولاد حمير الأصغر، وعلقمة ذو جدن، وذو صرواح"٣.
стр. 2428
ويلي الأقيال في الحكم الأذواء، وهم كثيرون منهم: ذو فيفان، وذو يهر، وذو يزن، وذو أصبح، وذو الشعبين، وذو حوال، وذو مناخ، وذو يحضب، وذو قينان١.
ولما أعاد "عمر بن يوسف بن رسول" مؤلف كتاب "طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب" المتوفى سنة ست وتسعين وستمائة، وهو نفسه ملك من ملوك اليمن، الحديث عن المثامنة، ذكر أنهم ثمانية أقيال استقاموا بعد سيف بن ذي يزن، وهم: آل ذي مناخ، وآل ذي يزن، وآل ذي خليل، وآل ذي مقار، وآل ذي عثكلان، وآل ذي ثعلبان، وآل ذي معافر، وآل ذي جدن. وأعظمهم آل ذي يزمن لخؤولة أسعد الكامل٢. وهكذا نجده يرجع تأريخ ظهورهم إلى ما بعد أيام سيف بن ذي يزن، ثم يرجعها إلى ما قبل ذلك، ويغير الأسماء ويبدل. ولكن علينا أن نعلم أن الأخباريين لا يعرفون التواريخ على وجه صحيح مضبوط، ثم إنهم يخلقون من الرجل جملة رجال، فخلقوا من أبرهة مثلا، وقد عرفنا زمانه، جملة أبرهات، وزَّعوا أيامها في أزمان تبدأ عندهم قبل أيام سليمان بن داود وتنتهي بأبرهة الحقيقي حاكم اليمن بعد الميلاد. فلا غرابة إن ذكروا أكثر من سيف بن ذي يزن ورجعوا بتاريخ أيامه إلى الوراء.
وكثيرا من أسماء البطون والقبائل التي يرجع النسابون نسبها إلى حمير، هي أسماء وردت في نصوص المسند، ومنها أسماء قبائل وبطون حقًّا، ولكنها ليست بالطبع على الشكل الذي يراه الأخباريون، ولا من حمير بالضرورة. هي أسماء أقوام ولكنها خالية من الآباء والأجداد. أما الآباء والأجداد، فهي من مولدات
стр. 2429
المتأخرين منهم، وأغلب ظني أنها من المستحدثات التي ظهرت في الجاهلية المتصلة بالإسلام وفي الإسلام. وقد ذكر الأخباريون أسماء عدد كبير من البطون والقبائل المنتسبة إلى حمير، كان لها شأن كبير في تأريخ اليمن في الإسلام. أما في خارجها، فقد أعطى الأخباريون الأدواء الكبرى لأبناء كهلان.
وأما "قضاعة" فللنسابين في أصلها آراء، منهم من أرجع نسبها إلى حمير، فجعل نسبها قضاعة بن مالك بن عمرو بن مُرّة بن زيد بن حمير١. ومنهم من نسبها إلى معدّ، فجعل قضاعة الابن البكر لمعدّ٢، ومنهم من صيرها جذمًا مستقلًّا مثل جذم قحطان عدنان. ومرد هذا الاختلاف إلى عوامل سياسية أثرت تأثيرًا كبيرًا في تصنيف الأنساب، ولا سيما في أيام معاوية وابنه يزيد اللذين بذلا أموالًا جسيمة لرؤساء قضاعة في سبيل حملهم على الانتفاء من اليمن والانتساب إلى معد، لكونها قوة كبيرة في بلاد الشأم في ذلك العهد، ولا سيما أن منهم بني كلب، فذكر أن زعماءها وافقوا تجاه هذه المغريات على الانتساب إلى معدّ، غير أن الأكثرية رفضت ذلك، وأبت إلا الانتساب إلى قحطان٣.
ويرى بعض النسابين والمستشرقين أن انتساب قضاعة إلى يمن غير قديم٤. "قال أبو جعفر بن حبيب النّسَّابة: لم تزل قضاعة في الجاهلية والإسلام، تعرف بمعدّ حتى كانت الفتنة بالشأم بين كلب وقيس عيلان أيام مروان بن الحكم. فمالت كلب يومئذ إلى اليمن، فانتمت إلى حمير، استظهارًا منهم بهم على قيس. وذكر ابن الأثير في الأنساب هذا الاختلاف، ثم قال: ولهذا قال محمد بن سلام البصري النَّسَّابة لما سئل: أنزار أكثر أم اليمن؟ فقال: إن تمعددت قضاعة،
стр. 2430
فنزار أكثر، وإن تيمنت، فاليمن"١. والظاهر أن اختلاط قبائل قضاعة بقبائل قحطان وبقبائل عدنان هو الذي أحدث هذا الارتباك بين أهل الأنساب، فجعلهم ينسبونها تارة إلى قحطان، وأخرى إلى عدنان. تضاف إلى ذلك العوامل السياسية التي يغفل عن إدراكها أهل الأخبار.
ولا أستبعد كون قضاعة كتلة من القبائل كانت قائمة بنفسها قبل الإسلام. ربما كانت حلفًا كبيرًا في الأصل، ثم تجزأت وتشتّت، فالتحق قسم منها بمعد، وقسم منها باليمن.
وقد صرح بعض النَّسَّابين المعروفين أن العرب ثلاث جراثيم: نزار، واليمن وقضاعة٢. فجعل قضاعة جذمًا قائمًا بذاته مما يشير إلى أهميتها قبل الإسلام وفي الإسلام، خاصةً إذا ما تذكرنا مكانة القبائل المنتمية إليها وأثرها الكبير في السياسة في الجاهلية وبعدها. ولما للنسب من أثر خطير في الميزان السياسي لذلك العهد، خاصة في أيام معاوية وفي دور الفتن التي وقعت في صدر دولة الأمويين، ولثقل هذه الكتلة، كان من المهم لمعاوية اجتذابها إليه، وضمّها إلي معدّ وهو منها، لتقوية هذا الحزب.
وكان قضاعة جد القضاعيين الأكبر على رواية أهل الأخبار، مثل سائر أبناء سبأ، مقيمًا في اليمن أرض آبائه وأجداده. ولكنه تشاجر مع وائل بن حمير، وتخاصم معه وآثر الهجرة إلى الشَّحر، فذهب إليها، وأقام في هذه الأرض مع أبنائه، وصار ملكًا عليها إلى أن توفي بها، فقبر هناك. فصار الملك لابنه "الحاف" "الحافي"٣، وهو في زعم الأخباريين والد ثلاثة أولاد، هم: عمرو، وعمران، وأسلم. ومن نسل هؤلاء تفرعت قبائل قضاعة٤. وأما أمهم، فبنت غافق بن الشاهد بن عك٥. فكان من صلب عمرو: حيدان:
стр. 2431
وبليّ، وبهراء. وكان من عمران ابنه حلوان١، وأمه ضرية بنت ربيعة بن نزار بن معدّ. فولد حلوان: تغلب، وربان٢، ومزاحا وعمرا وهو سليح، وعابدًا وعائذًا وقد دخلا في غسان، وتزيد وقد دخل نسله في تنوخ٣. وكان من نسل أسلم: سعد هذيم، وجهينة٤، ونهد٥.
وجعل من رجّع نسب قضاعة إلى معد، الأرض التي أقام فيها قضاعة وأبناؤه
стр. 2432
جُدّة وما دونها إلى منتهى ذات عرق، إلى حيِّز الحرم، من السهل والجبل. وبجُدّة ولد جدّة بن جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وبها سُمِّي على قول أصحاب الأخبار١.
أما حيدان٢، فتنسب إلى حيدان بن عمرو بن الحاف، والد مهرة في نظر النسابين٣، فهو جدّ قبيلة عربية جنوبية على هذا الرأي٤، وما زال اسم مهرة معروفًا حتى الآن، ولمهرة لغة خاصة، عني بدراستها المستشرقون، وهم من القبائل العربية القديمة التي ورد ذكرها في مؤلفات "الكلاسيكيين"٥. وقد علل بعض العلماء القدماء بعد لغة مهرة عن العربية بقوله: "مهرة انقطعوا بالشَّحر، فبقيت لغتهم الأولى الحميرية لهم، يتكلمون بها إلى هذا اليوم"٦. وذكر ابن حزم لحيدان أولادًا آخرين، هم يزيد، وعُريب، وعربد، وجنادة٧.
ويظهر من روايات النسابين أن بطون حيدان لم تكن كثيرة، وأن مواطنها لم تتجاوز العربية الجنوبية، وأنها كانت تتكلم بلهجات العربية الجنوبية القديمة، وحافظت عليها في الإسلام. فهي مثل بطون حمير، تختلف في لهجتها عن القبائل الأخرى التي تكلمت بلهجة مقاربة من اللهجة العربية الفصحى. إذنْ فما الرابط الذي جعل النسابين يرجعون نسب قبائل حيدان إلى قضاعة مع هذا الاختلاف البين في اللهجات؟ ومع سكناها في محل قاص ناءٍ عند الساحل الجنوبي للجزيرة؟
стр. 2433
اللهم إلا أن تكون كل فروع قضاعة على هذا الطراز من اللهجات، وهذا أمر لم يتحدث عنه الأخباريون ولم يعرفوه.
وأما بليّ١، فقد كانت مواطنهم عند ظهور الإسلام على مقربة من تيماء بين مواطن جهينة وجُذام، أي في المنطقة التي كانت لثمود في جغرافية "بطلميوس". ومن بليّ، بنو فران٢ وهني٣.
ولم يذكر الأخباريون بطونًا ضخمة عديدة لبهراء٤، ويظهر أنها لم تكن من القبائل الكثيرة العدد. ومن بطونها: قاسط، وعبدة، وأهود "أهوذ"، ومبشر، وبنو هنب بن القين٥، وبنو فائش "بنو قاس"، وشبيب ابني دريم، ومطرود، وثمامة، وعكرمة، وثعلبة، ودهز، وسعد٦.
وأما عمران بن الحاف "الحافي". فولد حلوان، وقد ولد هذا جملة أولاد هم: تغلب، وربان وهو علاف، ومزاح، وعمرو، وهو سليح٧،
стр. 2434
وعابد، وعائذ، وهم أجداد قبائل، كما ذكرت ذلك آنفًا.
ومن بني سليح١: حماطة٢، وهم ضجعم بن سعد بن سليح، وهم الضجاعمة الذين ملكوا بالشأم قبل غسان. وبنو سليح هم أسلاف الغساسنة كذلك، وهم في نظر النسابين أبناء: سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف٣. ونسبت إلى سليح بطون أخرى منها: أشجع وعمرو والأبصر والعبيد٤.
ومن نسل "ربان" "زبان"٥، قبيلة "جرم"، ومن ولد جرم: قدامة، وملكان، وناجية، وجدّة٦. ومن جرم كان "عصام" حاجب النعمان٧. ومن بطون جرم الأخرى: بنو راسب، وبنو شمخ٨.
أما تغلب بن حلوان، فولد وبرة، وولد وبرة أسدًا، والنمر وكلبًا. وهي قبائل ضخمة، والبرك، والثعلب، وهما بطنان ضخمان٩. وولد أسد، تيم الله وشيع اللآت. فولد تيم الله بن أسد: فهم، وهم من تنوخ، وقسم، وهم بالجزيرة، حلفاء لبني تغلب، ومن فهم: مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة. وعليه تنخت تنوخ وعلى عمّ أبيه مالك بن فهم، فتنوخ على ثلاثة أبطن: بطن اسمه فهم، وهم هؤلاء. وبطن اسمه نزار، وهم
стр. 2435
لوث، ليس نزار لهم بوالد ولا أم. ولكنهم من بطون قضاعة كلها، من بني العجلان بن الثعلب، ومن بني تيم الله بن أسد بن وبرة، ومن غيرهم؛ وبطن ثالث يقال له الأحلاف، وهم من جميع القبائل كلها، ومن كندة ولخم وجذام وعبد القيس١.
ومن نسل شيع اللآت: بنو القين. وهو النعمان بن جسر بن شيع اللآت بن أسد بن وبرة٢. ومن بطون بني القين، جشم "جسم"٣، وزعيزعة، وأنس، وثعلبة، وفالج، وبنو مالك بن كعب بن القين. وكعب وكنانة، ومالك ومعاوية. وبطون أخرى ذكرها "وستنفلد"٤. وكان للقين جمع عظيم وثروة في أكناف الشأم، فكانوا يناهضون كلب بن وبرة، ثم ضعف أمرهم ووهن حتى ما يكاد أن يعرفوا٥.
ومن نسل النمر بن وبرة بن تغلب: التيم، وجعثمة، ووائل وهو خُشَيْن، وقتبة، وغاضرة، و "عاينة" عاتية، وبطون أخرى دخلت في قبائل عديدة، فعدت منها٦، مما يدل على أنها لم تكن ذات عدة وعدد، لذلك كان لا بد
стр. 2436
لها من الدخول في القبائل الأخرى والاندماج فيها، لحماية نفسها من تعديات القبائل والبطون القوية عليها.
وكلب من قبائل قضاعة الشهيرة. وتنسب إلى هذه المجموعة: تغلب بن حلوان فجدّها في عرف النسابين كلب بن وبرة بن تغلب١ بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكانوا ينزلون في الجاهلية دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام٢. وقد كانت لهم لهجة خاصة لم يستعملها أحد من الشعراء الجاهليين٣. ولعل ذلك بسبب اتصال هذه القبيلة بالنبط، أي ببقية بني إرم وبغيرهم ممن لم تكن لهم عربية نقية، فتأثرت لهجتها بهذا الاختلاط.
واشتهر من رجال هذه القبيلة زهير بن جناب، وهو ممن يدخله الأخباريون في المعمرين الجاهليين٤. وجعلوا عمره أربعمائة وعشرين سنة، ونسبوا إليه مئتي وقعة، وجعلوه سيد قومه وخطيبهم وشاعرهم ووافدهم إلى الملوك وطبيبهم وكاهنهم وفارسهم، ونسبوا إليه الأمثال والشعر، وذكروا أن من شعره قوله:
ونادمت الملوك من آل عمرو ... وبعدهم بني ماء السماء٥
وأنه قاله وقد بلغ من العمر مئتي عام، فجعلوه بذلك معاصرًا للمناذرة ملوك الحيرة، فيكون على قولهم هذا قد عاش طويلًا في الإسلام. وقد أدرك هشام بن الكلبي هذا التناقض في إحدى رواياته، فصحح عمر زهير واقتصر على مئتي عام٦. وهو عمر كاف ولا شك يشتاق أن يبلغه كل إنسان. ولكنه عمر استقله
стр. 2437
الأشياخ الكلبيون الذين لا يرضيهم هذا التنقيص في السن.
ولم يكن زهير رئيسًا لكلب خاصة، بل كان على رأي الرواة الكلبيين رئيسًا على كلِّ قضاعة. ويذكر الأخباريون أن قضاعة لم تجمع على إطاعة رئيس إلا زهيرًا وإلا رزاح بن ربيعة، وهو من عذرة. وكان رزاح هذا أخا قصي بن كلاب لأمه١. وقد جعل الأخباريون زهيرًا معاصرًا لكليب بن وائل. ويفهم من شعر منسوب إلى المسبب بن الرفل، وهو من ولد زهير بن جناب قاله مفتخرا بزهير متبجحًا به: أن أبرهة كان قد اصطفى آل زهير، وسوّدها على الناس، وأعطاه الإمرة عليهم، وجعله أميرًا على حيي معد وعلى ابني وائل حيث أهانهما وأذلهما٢. ومعنى ذلك أن زهيرًا كان في أيام أبرهة، أي في النصف الأول من القرن السادس للميلاد، وأنه على ذلك كان معاصرًا لقصي زعيم قريش.
ولم يقنع الرواة الكلبيون بكل ما ذكروه عن حياة زهير، بل أرادوا أن تكون خاتمة زهير خاتمة غريبة كذلك كغرابة حياته، فذكوا أنه كبر حتى خرف وحتى استخفت به نساؤه، وأنه لم يتمكن من الأكل بنفسه، فصارت معزبته تطعمه بنفسها، إلى أن ملّ الحياة على هذا النمط، فأخذ يشرب الخمر صرفًا أيامًا حتى مات. وذكروا أن أحدًا من العرب لم يفعل هذا الفعل غير زهير وغير أبي براء عامر بن مالك بن جعفر، والشاعر عمرو بن كلثوم٣.
ومن حروب زهير حربه مع بكر وتغلب ابني وائل، ويروي الأخباريون في ذلك أن أبرهة حين طلع على نجد أتاه زهير فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أقرّه على بكر وتغلب ابني وائل، فوليهم. وصار يجبي لهم الخراج، وحدث أن أصابتهم سنة شديدة لم يتمكنوا فيها من دفع ما عليهم إليه. فلما طالبهم بها، اعتذروا عن الدفع، فاشتدّ عليهم، ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم، فكادت مواشيهم تهلك. فلما رأى ذلك "ابن زيابة" أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وكان فاتكًا معروفًا، أتى زهيرًا وهو نائم، فأغمد السيف في بطنه، ثم فرَّ هاربًا ظانًّا أنه قد أهلكه. ولما أفاق زهير، أخذه من كان معه من قومه
стр. 2438
حتى وصلوا به إلى قبيلته، فجمع عندئذ جموعه ومن قدر عليه من أهل اليمن وغزا بهم بكرًا وتغلب، وقاتلهم قتالًا شديدًا انهزمت به بكر، وقاتلت تغلب بعدها، فانهزمت أيضًا، وأسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة، وأخذت الأموال، وكثرت القتلى في بني تغلب، وأسرت جماعة من فرسانهم ووجوههم، وانتصر زهير نصرًا عظيمًا١.
ونسبت إليه حرب أخرى مع غطفان، قالوا إن سببها أن بني ريث بن غطفان حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرض لهم صداء، وهي قبيلة من مذحج، فقاتلوهم، وبنو بغيض سائرون بأهليهم وأموالهم، فقاتلوهم عن حريمهم فظهروا على صداء وفتكوا فيهم، فعزت بغيض بذلك، وأثرت، وكَثُرَتْ أموالها، فلما رأت ذلك، قال: "والله لنتخذن حرمًا مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائذه"، فبنوا حرمًا، ووليه "بنو مرة بن عوف" فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن جناب، أبى ذلك، وقرر منع غطفان من اتخاذ هذا الحرم، فسار إليها بجموع كبيرة، فظفر بها، وأصاب حاجته منها، وأخذ فارسًا منهم في حرمهم فقتله، وعطل ذلك الحرم٢.
وروى الأخباريون أنه حارب بني القين بن جسر. وكانت له أخت متزوجة فيهم، فأرسلت من أخبره بعزم بني القين على محاربته، فاستعد لها، فقاتلها، وقتل رئيسها وانصرفت خائبة عنه"٣.
ويظهر من غربلة روايات الأخباريين عن زهير بن جناب، أن بطل كلب هذا كان من رجال القرن السادس للميلاد، وأنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام، وأنه كان معاصرًا لأبرهة، ولعلّه كان قد تحالف معه، فترك حلفه معه أثرا في ذاكرة الأخباريين. والظاهر أنه كان ذا شخصية قويّة، ومحاربًا، حارب جملة قبائل فأخضعها، وبذلك بسط نفوذه عليها، ورفع اسم قبيلته على القبائل الأخرى. ولعل اتصاله بأبرهة وباليمن هو الذي أوجد رابطة نسب قبائل قضاعة بحمير. وقد سبق أن قلت إن المحالفات كانت تؤدي في الغالب إلى الالتحام في الأنساب.
стр. 2439
أما ما أورده الأخباريون بشأن زمانه وعمره، فهو مما لا قيمة له. فمن عادة القصاص، رفع من كانوا يتحدثون عنهم من الشخصيات البارزة التي كانت لها شأن وخطر في القدم، وإضافة السنين الطويلة إلى أعمارهم، والمبالغات والإغراب إلى قصصهم ليكون ذلك أوقع في نفوس السامعين وفي مخيلة المعجبين بهذا النوع من الحكايات. ولهذا الإغراب جعل بعض المستشرقين زهيرًا شخصية خرافية، وبطلًا خياليًّا أوجدته على رأيهم مخيلة الأخباريين١، ولكن الإغراب في القصص مهما بولغ فيه لا يكون حُجَّة قاطعة في كون من قيل فيه شخصية خرافية لا وجود لها. فقد أغرب الأخباريون في أبرهة معاصر زهير، وبالغوا في الذي رووه عنه، ورفعوا أيامه إلى أيام داود وأيام سليمان، وجعلوا له أياما أخرى. ولكن أبرهة فند أقاصيصهم عنه وبيّن في كتاباته التي دونها على سد مأرب أنه من رجال القرن السادس للميلاد.
ومعظم من روى عنهم الأخباريون هذا النوع من القصص، هم رجال مثلنا، عاشوا وماتوا، وكانت أيامهم في الغالب في القرن السادس للميلاد، أي في عهد لم يكن بعيدًا جدًّا عن الإسلام لم تتمكن ذاكرة الرواة وحفظة الأخبار من حفظ شيء عنهم، إلا أن هذا النوع من القصص المحبوب، المطلوب من الناس، يقصه القصّاصون في الليالي المقمرة الجميلة ويقصه المعمرون من رجال القبيلة ليكون فخرًا لقبيلتهم. وهذا النوع من القصص هو نوع بدائي من أنواع حفظ التأريخ، وأكثر من حفظ وروى أخبارا زهير بن جناب الشرقي بن القطامي، وهشام بن الكلبي، وأبوه محمد، وجماعة آخرون من المشايخ الكلبيين.٢ كانوا يروون هذا النوع من القصص عن رجال كلب، حملهم على ذلك تعصبهم لقبيلتهم كلب.
وأكثر ما روي عن كلب، هو من إخراج تلك الأيدي الكلبية، نشرته وأذاعته بين الناس، ومن حسن حظ كلب أن شيوخ الأخباريين الذين ذكرتهم كانوا منها، فكان لقصصهم هذا صداه البعيد عند جمهرة الأخباريين.
стр. 2440
وكلب في حد ذاتها جملة قبائل وبطون ضخمة، منها: رفيدة، وعُرَيْنة، وصحب، وبنو كنانة، وهي قبيلة ضخمة من بطونها: بنو عدي، وبنو زهير، وبنو عليم، وبنو جناب١.
وذكر بعض الأخباريين أن كلبا كانت تحكم دومة الجندل، وأن أول من حكمها منهم هو دجانة بن قنافة بن عدي بن زهير بن جناب. وذكروا أيضًا أن الملك على دومة الجندل وتبوك، كان لهم إلى أن ظهر الإسلام، وأنهم كانوا يتداولونه مع السكون من كندة. فلما ظهر الإسلام، كان على دومة الجندل الأكيدر بن عبد الملك بن السكون٢.
وأظهر قبائل مجموعة أسلم، جهينة، وسعد هذيم، ونهد. أبناء زيد بن ليث بن الأسود بن أسلم بن الحاف قضاعة. أما جهينة، فقد كانت منازلها في نجد في الأصل، وعند ظهور الإسلام كانت تقيم في الحجاز على مقربة من المدينة بين ساحل البحر الأحمر ووادي القرى٣.
ومن جهينة: قيس ومودعة. فولد قيس: غطفان وغيّان. ويعرفون برشدان كذلك. عرفوا في أيام الرسول٤.
وأما نهد، فقد سكنت أكبر بطونها في منطقة نجران. وقد دخلت بطون منها في قبائل أخرى واندمجت فيها. وأما سعد هذيم٥، فأشهر قبائلها: بنو عذرة، وبنو ضنة٦.
стр. 2441
وتقع منازل بني عذرة في أعالي الحجاز عدد من القبائل المنتمية إلى مجموعة قضاعة، وهي: نهد، وجهينة، وكلب، وبلي. وتقع أرضها في جوار غطفان، ومن مواضعها: وادي القرى، وتبوك حتى أيلة، ويذكر الإخباريون أن بني عذرة حينما وفدوا إلى وادي القرى من مواطنهم الأصلية على أثر الحروب التي وقعت بين قبائل قضاعة وحمير، وجدوا اليهود في هذه الديار، فتحالفوا معهم، وعاشوا في هذا الوادي وفي المواضع المجاورة له١.
وقد ذهب شبرنكر إلى أن "عذرة" هي "أدريته adrithae" القبيلة التي ذكرها "بطلميوس"٢. أما تأريخ "عذرة" البعيدة عن الإسلام فلا نعرف عنه شيئًا يذكر. وما نعرفه منه يخص الأيام القريبة من الإسلام. وإلى صلاتها الوثيقة وحلفها مع قبائل سعد هذيم، خاصة بني ضنة وبنو سلامان، يعود نشوء هذا النسب الذي ربط فيما بين فروع هذه الكتلة، وكذلك كتلة بني أسلم ومنها جهينة التي كانت ذات صلات حسنة ببني عذرة، ولهذا السبب أطلق النسابون على هذه الجماعة "صحار"٣.
وكان لبني عذرة صلات بقبيلة قريش تتجلى في خبر الأخباريين عن مساعدة رزاح، وهو منهم لأخيه من أمه قصي زعيم قريش في نزاعه مع خزاعة كما أشرت إليه في أثناء كلامي على مكة. كذلك كان لهم صلت بالأوس والخزرج
стр. 2442
حيث يذكر الأخباريون أن والدة الأوس والخزرج كانت من تلك القبيلة، فهي -في عرفهم- قَيْلَة بنت كاهل "هالك" بن عذرة، وهكذا نجد لبني عذرة علاقات بأهل المدينتين المتنافستين: يثرب، ومكة١. والزواج بين القبائل من الأمور التي تقرب بينها وتصل أنسابها بعضها ببعض.
ومن بطون هذه القبيلة. بنو ضنة، وبنو جلهمة، وبنو زقزقة، وبنو الجلحاء، وبنو حردش، وبنو حُنّ، وبنو مدلج على رأي بعض النَّسَّابين٢، وبنو رفاعة، وبنو كثر، وبنو صرمة، وبنو حرام، وبنو نصر، وبطون أخرى يذكرها أهل الأنساب٣.
وتنتسب قبائل كثيرة من اليمن إلى كهلان بن سبأ، وكهلان هو شقيق حمير، فهناك إذنْ صلة بين قبائل حمير وقبائل كهلان. ويذكر النسابون أن بني كهلان وبني حمير كانوا يتداولون الملك في بادئ الأمر بينهم، ثم انفرد به بنو حمير، وبقيت بطون كهلان في حكمهم في اليمن. فلما تقلص ملك حمير، صارت الرياسة على العرب البادية لبني كهلان، لما كانوا بادين لم يأخذ ترف الحضارة منهم. وهكذا نجد النَّسَّابين يقسمون أبناء سبأ إلى قسمين: حضر، وهم في رأيهم أبناء حمير، وأهل وبر أو متزعمون لأهل الوبر وهم من نسل كهلان. والابن الذي ذكره الأخباريون لكهلان، هو زيد ومن ظهره تسلسلت قبائل كهلان٤.
وقد نََجَلَ زيد، على حد قول النسابين، ولدين، هما: مالك وعريب. وأضاف الهمداني إلى هذين الولدين ولدًا ثالثًا سماه غالبًا. ومن صلب هؤلاء الأبناء انحدرت قبائل كهلان٥.
стр. 2443
ونَجَلَ مالك بن الولد الخيار ونبتًا، فولد نبت الغوثَ وولد الغوث أددَ، وهو الأزد، وعَمْرًا. ومن ولد عمرو خثعم١ وبجيلة٢. ونَجَل عمرًا وقداز ومقطعان "مقطعا" على رواية للهمداني٣.
أما الخيار فقد ولد ربيعة، وولد ربيعة أوسلة، وولد أوسلة زيد بن أوسلة، وولد زيد بن أوسلة مالكًا وسبيعًا وساعًا الأكبر على رأي٤. ومالكا وتبع، وعبدًا، على رواية ابن حزم٥. وقد دخل تبع وعبد في همدان. وولد مالك بن زيد من الولد همدان٦ والهان. وقد ولد همدان نوفا "نوفل؟ " بن همدان٧ على رأي وجملة أولاد آخرين على روايات أخرى٨. ومن نسل نوف٩ تفرعت
стр. 2444
قبائل همدان: حاشد١، وبكيل٢ ابنا جشم بن خيران بن نوف.
أما عريب، فولد يشجب على رواية ابن حزم٣، وعمْرًا على رواية الهمداني٤، فولد يشجب أو عمرو زيد بن يشجب أو زيد بن عمرو على اختلاف الروايتين. والهميسع وهو ذو القرنين السيّار ويكنى بالصعب على رواية ذكرها الهمداني٥. ونَجَلَ زيد أدد بن زيد، فولد أدد مرة، ونبتًا، وهو الأشعر، وجلهمة وهو طيء، ومالكًا، وهو مذحج. وقد تفرعت من هؤلاء قبائل وبطون.
والأزد قبائل عديدة تنتمي كما قلت إلى الأزد، وهو الغوث. وينسب الأخباريون بيتًا من الشعر إلى حسان بن ثابت، يقولون: إنه قاله في نسب الأزد، هو:
ونحن بنو الغوث بن نبت بن مالكِ بْـ ... ـنَ زيد بن كهلانٍ وأهل المفاخر٦
يذكرون أنه قاله مفتخرًا بهذا النسب، وهو منهم. وهو شعر قد يكون وضعه النسابون وأهل الأخبار على لسانه، وهو ما أظنه، ليكون دليلًا لهم على صحة دعواهم في نسب الأزد، وهم يعلمون ما كان عليه الشاعر من تعصب لليمن. وقد ذكر الأخباريون أيضًا أن حمير تقول إن الأزد منهم، وأنه هو الأزد بن الغوث الأكبر بن الهميسع بن حمير الأكبر. ولم يكفهم ذلك، بل أرادوا أن يثبتوا هذا القول ويؤيدوه بشعر. والشعر في نظرهم سند قوي لإثبات رأي، ولا سيما إذا كان من شعر معمر أو ملك من الملوك القدماء. وقد قرأت في كتبهم ولا شك ما كتبوه من الأشعار على لسان آدم وهابيل وقابيل وعاد وثمود وأمثال ذلك من شعر زعموا أنهم نظموه بهذه العربية الجميلة التي نكتب اليوم بها، فكيف لا يأتون بشعر لإثبات رأيهم في هذا الباب ينسب إلى التبابعة،
стр. 2445
وهم من خلص العرب وملوكها المعروفين البارزين؟ فرووا شعرًا للتبع أسعد تبع، قالوا إنه ذكر فيه الأزد، وكانوا معه، فهم من حمير إذن وهو:
ومعي مَقاولُ حميرٍ وملوكُها ... والأزدُ أزد شنوءة وعمان١
وهكذا أضافوا إلى حمير الأزد بجملتها.
وأسعد تبع من التبابعة الذين لهم حظ سعيد عند الأخباريين، فهو مؤمن في نظرهم، وهو ذو القرنين. وهو من أعظم التبابعة، وأفصح شعراء العرب. ولم يكتفوا بما أغدقوا عليه من نعوت، بل أرادوا أكثر من ذلك وأبعد، فقالوا إنه كان نبيًّا مرسلًا إلى نفسه، وأنه تنبأ بظهور الرسول، ﷺ ، قبل ظهوره بسبعمائة سنة، وأنه قال شعرًا في ذلك حفظه الناس هذه السنين الطويلة عنه، وأنه لذلك نهى النبي ﵊ عن سبه٢. فهو إذن من المؤمنين الصالحين ومن رجال الجنة ولا شك، وهو قصص روَّجه ولا شك الحميريون والقحطانيون المتعصبون في الإسلام، ليُسكتوا بذلك خصومهم السياسيين. وهم في نظرهم العدنانيون الذين شرفتهم النبوة ورفعت مقامهم في الإسلام، فافتخروا بها على القحطانيين، ولم يكن القحطانيون أقل باعًا في توليد القصص في الفخر من منافسيهم القحطانيين، فأوجدوا هذه الحكايات عن تبابعتهم، وأوجدوا لهم الفتوحات العظيمة، ثم لم يكفهم ذلك كله، فقالوا: إن النبوة إذا كانت في العدنانيين، فإنها كانت أيضًا في القحطانين، بل هي أقدم عهدًا فيهم منهم، فمنهم كان عدة أنبياء. وهكذا سدوا الثغرة التي كان يهاجم منها العدنانيون.
وقد ولد الأزد عدة أولاد، منهم: مازن، ونصر، وعمرو، وعبد الله، ووقدان، والأهبوب٣. ومن ولد مازن عمرو، وعدي، وكعب، وثعلبة. ومن ولد ثعلبة: عامر، وامرؤ القيس، وهو البطريق، وكرز. فولد امرؤ القيس حارثة، وهو الغطريف، وولد حارثة هذا عامرًا المعروف بماء
стр. 2446
السماء، والتوأم، وهو عامر، وعديًّا١.
وولد عامر ماء السماء عمرانَ الكاهن، وعمرًا مزيقياء "مزيقيا"، فولد عمرو مزيقياء ذُهل بن عمرو؛ وهو وائل، وقد سكن نسله بنجران، وعمران بن عمرو، وحارثة بن عمرو، وجفنة بن عمرو، وثعلبة العنقاء بن عمرو، وأبا حارثة بن عمرو، ومالك بن عمرو، وكعب بن عمرو، وقد نزل بعض هؤلاء الولد على موضع ماء اسمه غسان، فشربوا منه، فسُمّوا به. وهم بنو الحارث، وجفنة، ومالك، وكعب٢.
ويظهر من فحص روايات الأخباريون عن الأزد أنها كانت مجموعة ضخمة من القبائل، ودليل ذلك عدّ النسابين إياها جرثومة من جراثيم قحطان، وقد ذكروا أنها كانت سبعًا وعشرين قبيلة٣، منها الأوس والخزرج. وهم من نسل حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف٤، وأمهم قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء٥.
ومن ولد عدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء، سعد، وهو بارق جد القبيلة المسماة بهذا الاسم٦. أما من ولد عمران بن عمرو مزيقياء، فقد ولد الأزد والحجر٧، وولد الأزد العتيك وشهميلًا٨، ومن ولد الحجر زهران
стр. 2447
وزيد مناة، وسود ومرحوم وعمرو١.
وذكر ابن حزم أن الأزد تدعي أن عمرو بن حجر هذا كان نبيًّا٢، وبذلك يكون القحطانيون قد أضافوا إليهم نبيًّا آخر من الأنبياء الذين نسبوهم إلى قحطان.
وقد نزلت بارق في أرض تسمى بارقًا، فنسبت إليها. وقيل وجاء في نسبها أنها من نسل سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وهم إخوة الأوس والخزرج، وليسوا من غسان. ولابن الكلبي أخبار عن بارق وعن القبيلة التي نزلت بها٣. وقد نزل مع سعد بن عديّ ابنا أخيه عمرو بن عدي بن حارثة، وهما مالك وشبيب فسُمّوا بارقًا كذلك٤.
ومن نسل جفنة بن عمرو مزيقياء كان آل جفنة ملوك الشام٥، ويقال إن اسم جفنة هو علبة، ولذلك عرف آله بآل علبة كذلك٦. وعرف ولد عمرو بن مازن بن الأزد، وهم عديّ وزيد الله ولوذان، وامرؤ القيس، والحارث، وحارثة ومالك وثعلبة وسوادة وعوف والعاصي وخالد والوجيه بغسان كذلك، وكان منهم بنو شقران وهم بالشام، وبنو زمّان بن تيم الله بن حقال، وهو بالحيرة من العباد. وإليهم نسبت بيعة ربيعة بن زِمّان، ومنهم أيضا الحارث الأعرج بن أبي شمر الغساني على رأي بعض النسابين ممن أخرجه من آل جفنة وأدخله في نسل عمرو بن مازن، ومنهم عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة وهم من آل بقيلة، وكان نصرانيًّا، وهو الذي صالح خالد بن الوليد عن أهل الحيرة، ومنهم ثعلبة بن عمرو بن المجالد رئيس غسان أيام ساروا من بطن مرّ إلى الشام وشقيق جذع، وكذلك سطيح الكاهن على رأي ابن حزم. ومنهم
стр. 2448
بنو غافق، وبنو صوفة، وبنو تفلذ. وبطون أخرى أشار إليها النسابون١.
وولد عبد الله بن الأزد عدثانَ وقرنًا، وهما قبيلتان، والحارث، وعبد الله بنو عبد الله بن الأزد. وإلى عدثان يرجع بعض النسابين نسب عك، فيقولون: إنه عك بن عدثان بن عبد الله بن الأزد٢. وكان من ولد عمرو بن الأزد ماوية وعرمان، وهما بطنان بعمان، وألمع وجدجنة وهما أزديون بالحجاز، وسعد والضيق وقد دخلا في عبد القيس، وربيعة وامرؤ القيس وهما من غسان٣.
ومن ولد دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب، منهب وغنم، فولد غنم فهم بن غنم، وولد فهم مالك بن فهم وأكثرهم بعمان، وسليم بن فهم، وطريف بن فهم، وهم بالحجاز. فولد مالك بن فهم ثوابة وولده بعمان، وجذيمة الوضّاح ملك الحيرة، وعوفًا وجهضمًا وسلمة، ومعنا وهناءة وشبابة والحارث وعَمْرًا وثعلبة بن مالك بن فهم. وقد دخلت ثعلبة في تنوخ٤.
ومن قبائل الأزد المعروفة خزاعة٥. وتنسب إلى عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو مزيقياء٦، أو عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن
стр. 2449
عامر١، أو خزاعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن الغطريف٢، ويذكر الأخباريون عن عمرو والد خزاعة أنه من بحر البحيرة وسيب السايبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي٣. وأنها سميت بخزاعة لأنها تخزعت عن بقية قومها وهم الأزد، أي تخلفت عنهم فلم تذهب معهم، ثم أقامت بمكة٤.
ويروي الأخباريون بيتًا ينسبونه إلى الشاعر حسان بن ثابت هو:
ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة عنا في حلول كراكر٥
ويفهم من هذا البيت أن خزاعة إنما تخلفت عن الأزد بموضع "بطن مرّ"، وهو موضع من نواحي مكة، فأقامت به، ولم تلحق ببقية ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من مأرب يريدون الشام، وقد نسب "ياقوت الحموي" هذا البيت
стр. 2450
مع أبيات أخرى إلى عون بن أيوب الأنصاري الخزرجي١.
ولبعض النسابين والأخباريين رأي في نسب خزاعة، فهم يرون أنها من معدّ، أي من العدنانية، وأنها من نسل خزاعة بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر٢. ولكن الأكثرية من النسابين ترى أنها من الأزد، أي من قحطان.
وقد اختارت خزاعة بعد اعتزالها الأزد الذاهبين إلى الشام الإقامة بمكة، وكانت مكة بأيدي جرهم يومئذ أخذتها في أيام ملكها مضاض بن عمرو من العماليق أصحابها قبل جرهم، وساعده في ذلك "السميدع" ملك قطورا، وبقيت جرهم فيها إلى أن أجلتهم خزاعة عنها أجلاهم رئيسها يومئذٍ، وهو ثعلبة بن عمرو مزيقياء بعد حرب، فانتقل الحكم إلى الخزاعيين، وتولاها رجال منهم تلقبوا كسابقيهم بألقاب الملوك.
وانفرد زعيم خزاعة لحيّ بالحكم، وتزوّجَ فهيرة بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي ملك جرهم، فولدت له عَمْرًا، وهو عمرو بن لحيّ على نحو ما ذكرت. ثم انتقل الحكم من بعده إلى أولاده، فكان مجموع ما حكموا خمسمائة عام، وآخرهم حليل بن حبشية في أيام قصيّ٣.
وللأخباريين روايات في كيفية استيلاء خزاعة على مكة، وفي الذي استولى عليها من رؤساء خزاعة، وهم يبالغون كثيرا في الزمن الذي استولت خزاعة فيه على مكة، وربما لا يتجاوز ذلك القرن الخامس للميلاد٤. أما تأريخ انتهاء حكمها على مكة وانتقاله إلى قريش في أيام قصيّ، فقد كان في النصف الأول من القرن السادس للميلاد. ولكن انتقال السلطة منها إلى قريش لا يعني أنها أصيبت بما أصيبت جرهم أو غير جرهم به من ضعف واندثار، فقد بقيت خزاعة معروفة مشهورة ذات بطون عديدة في الإسلام.
стр. 2451
فمن جملة خزاعة كعب ومليح وسعد، ومنهم بنو سلول بن عمرو، وبنو حليل بن حبشية سادن الكعبة، وبنو قمير، وبنو المصطلق الذين غزاهم الرسول١، وبطون أخرى عديدة يذكرها النَّسَّابون٢.
وكانت خزاعة محالفة للرسول في نزاعه مع قريش. ولما وقعت حرب بينها وبين بني بكر، وأعان مشركو قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد، نصر الرسول خزاعة، وأعلن الحرب على قريش، فكان ذلك سبب فتح مكة٣.
ويعد آل الجُلنْدي، وهم ملوك عمان، من الأزد كذلك. والجُلندي لقب لكل من ملك منهم عُمان. وآخر من ملك منهم جيفرٌ وعبد ابنا الجلندي، أسلما مع أهل عمان على يد عمرو بن العاص٤، وقد كان "الجُلندي بن المستكبر" يعشر من يقصد سوق "صحار"، ومن يقصد ميناء "دبا" من التجار القادمين من مختلف أنحاء الجزيرة أو من الهند والصين وإفريقية. ويفعل في ذلك فعل الملوك٥. ويرجع نسب "المستكبر" إلى "بني نصر بن زهران بن كعب". وهو في عرف النَّسَّابين "المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عبد الله بن مغولة بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران".
أما جيفر، فهو ابن الجُلندي بن كركر بن المستكبر وكان أخوه عبد الله، ملك عمان.
وقد جعل بعض علماء الأنساب الأزد ستًّا وعشرين قبيلة يجمعها جميعها الأزد،
стр. 2452
وهي: جفنة، وغسان والأوس والخزرج، وخزاعة، ومازن، وبارق، وألمع، والحجر، والعتيك "العتيق" وراسب، وغامد، ووالبة، وثمالة، ولهب، وزَهْران، ودهمان، والحُدان، وشكر، وعك، ودوس وفهم، والجهاضم، والأشاقر، والقسامل والفراهيد١. وهي أكثر من ذلك، أو أقل عددًا على حسب مذاهب أهل الأنساب في ضبط أسماء البطون٢.
ويصنف النَّسَّابون قبائل الأزد جميعها في أربعة أصناف من الأزد، هي: أزد عمان وأزد السراة وهم الذين أقاموا في سراة اليمن، وأزد شنوءة أبناء كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهم من سكنة السراة كذلك، وأزد غسان وهم من شرب من ماء غسان٣. ويلاحظ أن هذا التصنيف مبني على أسماء مواضع نزلت فيها قبائل الأزد.
ومواطن الأزد القديمة هي مثل مواطن بقية القحطانيين في اليمن، وقد تركتها على أثر حادث سيل العرم، فتفرقت مع من تفرق من القحطانيين إلى الأماكن المذكورة، وذكر أن أزد السراة حاربت قبيلة خثعم التي كانت نازلة في السراة، فتغلبت عليها وانتزعت الأرض منها، وأن "أردشير" الأول أسكن الأزد في عمان. فبقوا فيها تحت حكم الفرس٤.
وكان مناة وذو الخلصة من أصنام الأزد الرئيسية التي تعبدت لها، كما تعبدت لصنم اسمه العائم كان في السراة٥. ولصنم آخر اسمه باجر، كان للأزد ولمن جاورهم من طيء٦.
وأما القبائل المتفرعة من عمرو بن الغوث، فهي أنمار، وتنسب إلى أنمار بن
стр. 2453
"أراش"١ "إراش" "أراشة"٢، وأراش هو ابن عمرو، وقد نسب بعض النسابين أنمارًا إلى أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان، فجعلوها من العدنانيين٣، ويدل ذلك على اختلاط هذه القبيلة بالقبائل التي ترجع نسبها إلى مجموعة معدّ.
وولد أنمار أفتل٤، وهو خثعم، وأمه هند بنت مالك بن الغافق بن الشاهد بن عكّ، فهي ذات صلة بعكّ من ناحية الأم، وولد أنمار أيضًا خزيمة وقد دخلت في الأزد، ووادعة، وعبقرًا، والغوث، وصهيبة، وأشهل، وشهلًا، وطريفًا، وسنية، والحارث، وخذعة. وأمهم كلهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وكانوا كلهم متحالفين على ولد أخيهم خثعم٥. ولهذا يرجع كثير من النسابين قبائل أنمار إلى أصلين: خثعم وبجيلة٦.
стр. 2454
وولد خثعم ولدًا اسمه حلف أو خلف، ويعود هذا الاختلاف إلى غلط النسّاخ، ومن نسله عفرس، فولد عفرس ناهسًا١ وشهران٢ وناهبًا ونهشًا وكودًا وربيعة أبا أكلب٣. ومن بني "ناهش" ناهس حام بن "ناهس"٤ ناهش٥، وهم بطن، وبنو أجرم وهم بطن أيضًا. ويُسمّون ببني معاوية كذلك، وأوس مناة بن ناهس، وهو الحنيك، وهم بطن، وبنو عنة، وبنو قحافة٦.
وكانت منازل خثعم في الهضبة الممتدة من الطائف إلى نجران عند طريق القوافل الممتدة من اليمن إلى الحجاز.
ولا تزال بطون خثعم معروفة حتى الآن. ومنها بطون في تهامة وفي عسير. منها ما هي بادية، ومنها ما هي مستقرة تتكسب قوتها من الزرع٧.
وذهب "ليفي ديلافيدا" في "المعلمة الإسلامية" إلى أن خثعمًا ليست قبيلة في الأصل إنما هي حلف تألف من قبائل متعددة تحالفت بينها لمصالح مشتركة
стр. 2455
جمعت بينهما، كما يحدث في سائر الأحلاف١، والذي أداه إلى هذا الفهم اختلاط هذه القبيلة في القبائل العدنانية واختلاف النسابين في نسب خثعم وتفسيرهم معنى كلمة خثعم.
وقد ورد ذكر خثعم في روايات الأخباريين عن حملة أبرهة على مكة، إذْ هم يذكرون أنها عزمت على منعه من الوصول إلى مكة، وأن نفيل بن حبيب الخثعمي رئيس خثعم إذ ذاك، خرج بقبيلي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، وقاتله حينما بلغ أرض خثعم، غير أن أبرهة تغلب عليه، وأسره، وأبقاه حيًّا على أن يكون دليله في طريقه إلى مكة، وقد سار معه حتى أبلغه الطائف، وهناك قام بوظيفة إرشاد الحبش إلى مكة أبو رغال الثقفي، وذلك بأمر من مسعود بن متعب رئيس ثقيف٢. ويقول الأخباريون إن العرب صارت ترجم قبر أبي رغال بالمغمس، وصار سبّة للناس، ولست أدري لم خص الأخباريون قبر أبي رغال بالرجم، ولم يشركوا معه قبر مسعود بن معتب، وهو الذي كلف -على حد قولهم- أبا رغال أن يرشد أبرهة إلى مكة.
وقد اشترك خثعم في المعركة المعروفة عند الأخباريين باسم يوم فيف الريح، وهو يوم كان لِمَذْحِج على بني عامر بن صعصعة. اشتركت فيه عدة قبائل أخرى مع المتخاصمين٣. وقد كانت بطون من مذحج تسكن في جوار خثعم، وعند ظهور الإسلام كانت خثعم في حلف مع مراد، وقد اشتركت معها في حربها مع قيس٤.
وقد تعبدت خثعم مثل بجيلة ودوس وباهلة والأزد للصنم المسمى بذي الخلصة الذي هدم في الإسلام، هدمه عبد الله بن جرير البجلي٥. وكان لها بيت يدعى كعبة اليمامة به الخلصة. تعبدت إليه٦.