فمن جملة خزاعة كعب ومليح وسعد، ومنهم بنو سلول بن عمرو، وبنو حليل بن حبشية سادن الكعبة، وبنو قمير، وبنو المصطلق الذين غزاهم الرسول١، وبطون أخرى عديدة يذكرها النَّسَّابون٢.
وكانت خزاعة محالفة للرسول في نزاعه مع قريش. ولما وقعت حرب بينها وبين بني بكر، وأعان مشركو قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد، نصر الرسول خزاعة، وأعلن الحرب على قريش، فكان ذلك سبب فتح مكة٣.
ويعد آل الجُلنْدي، وهم ملوك عمان، من الأزد كذلك. والجُلندي لقب لكل من ملك منهم عُمان. وآخر من ملك منهم جيفرٌ وعبد ابنا الجلندي، أسلما مع أهل عمان على يد عمرو بن العاص٤، وقد كان "الجُلندي بن المستكبر" يعشر من يقصد سوق "صحار"، ومن يقصد ميناء "دبا" من التجار القادمين من مختلف أنحاء الجزيرة أو من الهند والصين وإفريقية. ويفعل في ذلك فعل الملوك٥. ويرجع نسب "المستكبر" إلى "بني نصر بن زهران بن كعب". وهو في عرف النَّسَّابين "المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عبد الله بن مغولة بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران".
أما جيفر، فهو ابن الجُلندي بن كركر بن المستكبر وكان أخوه عبد الله، ملك عمان.
وقد جعل بعض علماء الأنساب الأزد ستًّا وعشرين قبيلة يجمعها جميعها الأزد،
стр. 2452
وهي: جفنة، وغسان والأوس والخزرج، وخزاعة، ومازن، وبارق، وألمع، والحجر، والعتيك "العتيق" وراسب، وغامد، ووالبة، وثمالة، ولهب، وزَهْران، ودهمان، والحُدان، وشكر، وعك، ودوس وفهم، والجهاضم، والأشاقر، والقسامل والفراهيد١. وهي أكثر من ذلك، أو أقل عددًا على حسب مذاهب أهل الأنساب في ضبط أسماء البطون٢.
ويصنف النَّسَّابون قبائل الأزد جميعها في أربعة أصناف من الأزد، هي: أزد عمان وأزد السراة وهم الذين أقاموا في سراة اليمن، وأزد شنوءة أبناء كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهم من سكنة السراة كذلك، وأزد غسان وهم من شرب من ماء غسان٣. ويلاحظ أن هذا التصنيف مبني على أسماء مواضع نزلت فيها قبائل الأزد.
ومواطن الأزد القديمة هي مثل مواطن بقية القحطانيين في اليمن، وقد تركتها على أثر حادث سيل العرم، فتفرقت مع من تفرق من القحطانيين إلى الأماكن المذكورة، وذكر أن أزد السراة حاربت قبيلة خثعم التي كانت نازلة في السراة، فتغلبت عليها وانتزعت الأرض منها، وأن "أردشير" الأول أسكن الأزد في عمان. فبقوا فيها تحت حكم الفرس٤.
وكان مناة وذو الخلصة من أصنام الأزد الرئيسية التي تعبدت لها، كما تعبدت لصنم اسمه العائم كان في السراة٥. ولصنم آخر اسمه باجر، كان للأزد ولمن جاورهم من طيء٦.
وأما القبائل المتفرعة من عمرو بن الغوث، فهي أنمار، وتنسب إلى أنمار بن
стр. 2453
"أراش"١ "إراش" "أراشة"٢، وأراش هو ابن عمرو، وقد نسب بعض النسابين أنمارًا إلى أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان، فجعلوها من العدنانيين٣، ويدل ذلك على اختلاط هذه القبيلة بالقبائل التي ترجع نسبها إلى مجموعة معدّ.
وولد أنمار أفتل٤، وهو خثعم، وأمه هند بنت مالك بن الغافق بن الشاهد بن عكّ، فهي ذات صلة بعكّ من ناحية الأم، وولد أنمار أيضًا خزيمة وقد دخلت في الأزد، ووادعة، وعبقرًا، والغوث، وصهيبة، وأشهل، وشهلًا، وطريفًا، وسنية، والحارث، وخذعة. وأمهم كلهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وكانوا كلهم متحالفين على ولد أخيهم خثعم٥. ولهذا يرجع كثير من النسابين قبائل أنمار إلى أصلين: خثعم وبجيلة٦.
стр. 2454
وولد خثعم ولدًا اسمه حلف أو خلف، ويعود هذا الاختلاف إلى غلط النسّاخ، ومن نسله عفرس، فولد عفرس ناهسًا١ وشهران٢ وناهبًا ونهشًا وكودًا وربيعة أبا أكلب٣. ومن بني "ناهش" ناهس حام بن "ناهس"٤ ناهش٥، وهم بطن، وبنو أجرم وهم بطن أيضًا. ويُسمّون ببني معاوية كذلك، وأوس مناة بن ناهس، وهو الحنيك، وهم بطن، وبنو عنة، وبنو قحافة٦.
وكانت منازل خثعم في الهضبة الممتدة من الطائف إلى نجران عند طريق القوافل الممتدة من اليمن إلى الحجاز.
ولا تزال بطون خثعم معروفة حتى الآن. ومنها بطون في تهامة وفي عسير. منها ما هي بادية، ومنها ما هي مستقرة تتكسب قوتها من الزرع٧.
وذهب "ليفي ديلافيدا" في "المعلمة الإسلامية" إلى أن خثعمًا ليست قبيلة في الأصل إنما هي حلف تألف من قبائل متعددة تحالفت بينها لمصالح مشتركة
стр. 2455
جمعت بينهما، كما يحدث في سائر الأحلاف١، والذي أداه إلى هذا الفهم اختلاط هذه القبيلة في القبائل العدنانية واختلاف النسابين في نسب خثعم وتفسيرهم معنى كلمة خثعم.
وقد ورد ذكر خثعم في روايات الأخباريين عن حملة أبرهة على مكة، إذْ هم يذكرون أنها عزمت على منعه من الوصول إلى مكة، وأن نفيل بن حبيب الخثعمي رئيس خثعم إذ ذاك، خرج بقبيلي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، وقاتله حينما بلغ أرض خثعم، غير أن أبرهة تغلب عليه، وأسره، وأبقاه حيًّا على أن يكون دليله في طريقه إلى مكة، وقد سار معه حتى أبلغه الطائف، وهناك قام بوظيفة إرشاد الحبش إلى مكة أبو رغال الثقفي، وذلك بأمر من مسعود بن متعب رئيس ثقيف٢. ويقول الأخباريون إن العرب صارت ترجم قبر أبي رغال بالمغمس، وصار سبّة للناس، ولست أدري لم خص الأخباريون قبر أبي رغال بالرجم، ولم يشركوا معه قبر مسعود بن معتب، وهو الذي كلف -على حد قولهم- أبا رغال أن يرشد أبرهة إلى مكة.
وقد اشترك خثعم في المعركة المعروفة عند الأخباريين باسم يوم فيف الريح، وهو يوم كان لِمَذْحِج على بني عامر بن صعصعة. اشتركت فيه عدة قبائل أخرى مع المتخاصمين٣. وقد كانت بطون من مذحج تسكن في جوار خثعم، وعند ظهور الإسلام كانت خثعم في حلف مع مراد، وقد اشتركت معها في حربها مع قيس٤.
وقد تعبدت خثعم مثل بجيلة ودوس وباهلة والأزد للصنم المسمى بذي الخلصة الذي هدم في الإسلام، هدمه عبد الله بن جرير البجلي٥. وكان لها بيت يدعى كعبة اليمامة به الخلصة. تعبدت إليه٦.
стр. 2456
أما بجيلة١، فهم بطون عديدة متفرقة، تفرقت في أحياء العرب منذ يوم حربها مع كلب بن وبرة بالفجار، وقد أعاد شملها وجمعها جرير بن عبد الله بن جابر البجلي، وهو الشليل بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم، صاحب رسول الله٢. ومن أشهر بطون بجيلة قسر، وعلقمة، وبنو أحمس٣. وقيس كبة، وبنو عرينة بن نذير، وبنو دهن بن معاوية. ومن قسر خالد بن عبد الله القسري٤.
وأعرف قبائل المجموعة الثانية من قبائل كهلان، وهي المجموعة التي ترفع
стр. 2457
نسبها إلى الخيار بن زيد بن كهلان، هي قبيلة همدان. وهي من القبائل المعروفة في الجاهلية والإسلام، وكان لها شأن خطير في كلا العهدين.
وقد تحدثت في الجزء الثاني من كتاب: تأريخ العرب قبل الإسلام عن همدان استنادًا إلى كتابات المسند، وأشرت إلى صنمها وهو "تألب ريام" وإلى نفر من ملوكها، وإلى منازل في الأرض التي عرفت ببلد همدان١. أما الأخباريون وأهل الأنساب، فيروون أن هذه القبيلة من نسل جدّ أعلى هو "همدان" وكان يسمى "تلاد الملك"٢، وهو في نظرهم والد نوف٣ "نوفل"٤، وعمرو، ورقاش زوج عديّ بن الحارث٥. ويختلف النسابون بعض الاختلاف في سرد أسماء آباء همدان٦، وهو اختلاف لا يهمنا نحن كثيرًا أو قليلًا بعد أن وقفنا على طبيعة هذه الأنساب.
وأولد نوف بن همدان "حُبران"٧ "خيوان"٨ "خيران"٩، ويعود اختلاف هذا الاسم إلى الخطأ الذي وقع فيه النُسَّاخ ولا شك. وولد حبران "خيوان" ولدًا اسمه "جُشم"، وهو والد حاشد وبكيل. وهما قبيلا همدان
стр. 2458
العظيمان، والحارث وقد غبر في قيس، وزيد وقد دخل في حاشد١.
وأولد حاشد جشمًا، وعوصًا وقد دخل في كلب.. وولد جشم بن حاشد مالكًا ومعد يكرب وعمرًا وأسعد وعريبًا وزيدًا ومرثدًا وضمامًا ويريم الأكبر وعامرًا وربيعة، وأولد يريم بن جشم حاشد الوحش، وهم بطن بالوحش من أرض الكلاع بين السحول وزبيد، وعمرًا، وأولد عمرو زيدًا وهو والد تباع جدّ التباعيين، وتقع منازلهم بالسحول من بلد الكلاع بعلقان ووادي النهى٢.
وإلى حاشد٣ تنسب مرثد، وهو مرثد بن جشم بن حاشد في عرف النسّابين، وقد سبق أن أشرتُ إلى مرثد، وهو والد ولد اسمه ربيعة، وهو ناعط، وهو بطن، وولد آخر اسمه الحارث وهم اسم بطن كذلك. وأولد ناعط مرثدًا وشراحيل وعامرًا وشرحبيل، فولد شرحبيل أفلح، وأولد أفلح عُمَيْرًا ذا مرّان وكان معاصرًا للنبي٤.
ومن هَمَدان بطون عديدة كان لها صيت في الجاهلية وفي الإسلام، مثل بني عليان، وبني حجور، وبني قدم، وبني فائش، وبني شاحذ، وبني جحدن، وبني ابزن، وبني شبام. وذي جعران وذي حدّان، وبني ناعط. وهم في الواقع عدة بطون٥، ومنهم آل ذي المشعار٦.
ومن بطون بكيل٧ بن جشم بن حبران آل ذي لعوة، وبنو جذلان وثعلان،
стр. 2459
وبنو دومان، ومنهم النشقيون، وبنو صعب بن دومان، وبنو مرهبة من الصعب، وبنو أرحب من الصعب كذلك، وبطون أخرى ذكرها الهمداني في الجزء العاشر من الإكليل١. وهو الجزء الخاص بقبائل همدان.
ويظهر من رويات الأخباريين أن الهمدانيين كانوا يتعبدون للصنمين: يغوث ويعوق عند ظهور الإسلام٢. ومعنى ذلك أن تطورًا خطيرًا كان قد طرأ على عبادة هذه القبيلة، فابتعدت عن صنمها الخاص بها وحاميها الذي كانت تلجأ إليه في الملمات، وهو "تألب" الذي كان معبده بمدينة "ريام"، ونسيته وتعبدت للصنمين المذكورين اللذين لم يرد اسمهما في كتابات المسند، وهما من الأصنام التي استوردت إلى الحجاز ونجد على ما يظن من الشمال.
وقد وقع بين مراد وهمدان والحارث بن كعب يوم عرف بيوم رزم "يوم الرزم"، وهو موضع في بلاد مراد٣، وقد أخذ فيه الصنم يغوث٤.
أما قبائل مجموعة عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، فأشهرها الأشعر، وطيء، ومذحج، وبنو مرّة.
أما الأشعر، فولد نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهم الأشعريون والأشعرون والأشاعرة، وتقع منازلهم في ناحية الشمال من زبيد٥.
стр. 2460
ومن بطون الأشعر: الجماهر، وجدّة والأنغم "الأنعم" "الأتعم"، والأرغم، ووائل، وكاهل. ومن بطونهم: غاسل، وناجية، والحنيك، والركب١.
وأما طيء، فإنها من ولد جلهمة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد كهلان، ويذكر الأخباريون أنها كانت باليمن، ثم خرجت على أثر الأزد إلى الحجاز، ونزلوا سميرًا وفيدًا في جوار بني أسد، ثم استولوا على أجأ وسلمى وهما جبلان من بلاد أسد، فأقاموا في الجبلين حتى عرفا بجبلي طيء٢.
وتفرقت طيء إلى بطون عديدة، يرجع أصولها النسابون كعادتهم إلى آباء وأجداد، ومن هؤلاء جديلة، وتيم الله "بنو تيم" وحيش والأسعد، وقد جلا هؤلاء عن الجبلين. وبحتر بن عتود، وبنو نبهان، وبنو هنيء، وبنو ثعل والثعالب. وهم بنو ثعلبة بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء، وهم في طيء نظير الربائع في بني تميم. ومن بني ثعلبة بن جدعاء تيم بن ثعلبة، وعليهم نزل امرؤ القيس بن حجر، وعمرو بن ثعلبة بن غياث، وكان على مقدمة عمرو بن هند يوم أوارة٣، وبنو لأم بن ثعلبة٤.
ويذكر الأخباريون أن طيئًا بعد أن بلغت جبلي أجأ وسلمى، شاهدت هناك شيخًا كان مع ابنته يمتلكان جبلي أجأ وسلمى، وقد ذكرا لطيء أنهما من بقايا
стр. 2461
صحار، وذكروا أن لغة طيء هي لغة هذا الشيخ الصحاري١. وقد أوجد الأخباريون هذه القصة تفسيرًا لبعض المميزات اللغوية التي امتازت بها لهجة طيء. وصحار اسم موضع واسم بطن من قضاعة أيضًا. وقد أخذت بطون قضاعة مواطن طيء في الشمال، واختلطت بعض بطون طيء بقضاعة. فهل عنى الأخباريون بصحار هذا البطن من قضاعة، ولا سيما إذا تذكرنا أن علماء اللغة يذكرون وجود التلتلة في لغة طيء، وقد نسبوا التلتلة إلى قضاعة كذلك؟ ولا يستبعد أن يكون لأسطورة الأخباريين عن الشيخ الصحاري، شيء من الواقع، كأن يشير ذلك إلى صلة صحار بطيء.
ويذكر الأخباريون أن الرئاسة في الجاهلية على طيء كانت لبني هنيء بن عمرو بن الغوث بن طيء، وهم رمليون وإخوتهم جبليون، ويعنون بذلك أنها كانت تنزل البوادي، لا جبلي طيء. ومن ولده إياس بن قبيصة بن أبي غفر بن النعمان بن حيّة بن سعنة بن الحارث بن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن سفر بن هنيء بن عمرو بن الغوث بن طيء٢ الذي ولي ملك الحيرة بأمر كسرى -كما سبق أن أشرت إلى ذلك في الفصل الخاص بتأريخ الحيرة- وكان له شأن يذكر عند الفرس.
وكان لطيء جد هذه القبيلة من الولد: فطرة، والغوث والحارث. فأما ولد الحارث فدخلوا في مهرة بن حيدان. وأما ولد فطرة٣، فمنهم: جديلة، وولد خارجة بن سعد بن فطرة، وتيم الله، وحيش، والأسعد. ومن نسل هؤلاء تفرعت سائر بطون طيء٤.
ومن بني الغوث بن طيء بنو ثعل٥، ومنهم سلامان وجرول٦. ومن بني
стр. 2462
سلامان بحتر، ومعن، وهما بطنان ضخمان، وجرول بن ثعل. ومن بني جرول بن ثعل ربيعة بن جرول. وهم بطن ضخم، ولوذان بن جرول بن ثعل. ومن بني ربيعة بن جرول أخزم والنجد. والأخزم بطون عديدة، ومنها عدي بن أخزم، ومن رجالها الطائي المعروف بجوده١. وعمرو بن الشيخ وكان أرمى الناس في زمانه٢.
وفي استطاعتنا أن نقول عن طيء -وإن كنا لا نعرف شيئًا يذكر من تاريخها في الجاهلية- إنها كانت ذات مكانة خطيرة في تلك الأيام، بدليل إطلاق اسمها عند بعض الكتبة الكلاسيكيين وعند الفرس والسريان وعند يهود بابل، على جميع العرب كما أشرت إلى ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب. ولا يعقل إطلاق اسم هذه القبيلة على جميع العرب لو لم تكن لها منزلة ومكانة في تلك الأيام، ولو لم تكن قوية كثيرة العدد ممعنة في الغزو ومهاجمة الحدود، حتى صار في روع السريان أنها أقوى العرب، فأطلقوا اسمها عليهم. وبدليل اختيار الفرس لإياس بن قبيصة، وهو من طيء لتولي الحكم في الحيرة مرتين، ولا بد أن يكون لمركز قبيلته سند قوي أسنده في الحكم. وليس بمستبعد أن تكون قبائل قضاعة قد حلت محل طيء في الشمال مما اضطر الأخيرة إلى التزحزح من أماكنها والدخول في غيرها والاكتفاء بمنطقتها في جنوب النفود. أي في جبلي طيء٣.
وبالرغم من انتزاع طيء لجزء من أرض بني أسد، وهم من مضر، وسكناهم فيها، فإن بني أسد وكذلك بني ضبة التي كانت قد تحولت عن بني تميم إلى طيء، انضموا إلى طيء وساعدوها في الحرب التي وقعت بينها وبين بني يربوع، وهم من تميم، تساعدهم بنو سعد. وانتهت بهزيمة بني يربوع في
стр. 2463
موضع "رجلة التيس"١. ولكن ذلك لا يعني أن العلاقات بين بطون طيء وأسد كانت حسنة دومًا، وثيقة لم يعكر صفوها ما يقع عادة بين القبائل من حروب. فقد وقعت بين القبيلتين حروب كذلك. منها: الحرب التي وقعت بالخص في العراق على مقربة من قادسية الكوفة. وقد انتهت هذه الحرب كما تنتهي الحروب الأخرى بتصفية حسابها بدفع الديات وبعقد صلح٢.
وقد وقعت بين عبس وطيء جملة غزوات. قضت إحداها على حياة "عنترة بن شداد"، البطل الأسود الشهير٣. أغار عنترة مع قومه على بني نبهان من طيء، وهو شيخ كبير، قد عبثت به يد الدهر، فجعل يرتجز، وهو يطرد طريدة لطيء. فانهزمت عبس. وأصيب عنترة بجرح قضى عليه٤. وهناك رواية أخرى في مقتل بطل عبس٥.
وفي رواية للأخباريين أن ابن هند ملك الحيرة أغار على إبل لطيء، فحرض زرارة بن عدس، عمرو بن هند على طيء، وقال له إنهم يتوعَّدونك، فغزاهم فوقعت بسبب ذلك جملة حوادث تسلسلت إلى يوم أوارة. وكان عمرو بن هند كما يقول الأخباريون قد عاقد الحيّ الذي غزاه على أن لا ينازعوا ولا يفاخروا ولا يغزوا، فلما غزا عمرو بن هند اليمامة، ورجع، مرّ بطيء، انتهز زرارة بن عدس -وكان كارهًا لطيء مبغضا لها- هذه الفرصة، وأخذ يحرضه على غزوها، ويشجعه عليه. وما زال به على ذلك، حتى غزاها، بعد أن بلغه هجاء الشعراء الطائيين له، لإصابته بعض النسوة من طيء. فتمكن منها وأخذ جملة أسرى، من بطن "أخزم"، وهم رهط حاتم الطائي٦.
وكانت صلة هذه القبيلة بالفرس حسنة، ولما أراد الملك النعمان الالتجاء إليهم والدخول فيهم ليمنعوه من الفرس، لمصاهرته لهم، وأخذه زوجتين هما فرعة
стр. 2464
بنت سعد بن حارثة بن لام بنت أوس بن حارثة بن لام منهم، لم تقبل طيء جواره ولا مساعدته، وقالت له: "لولا صهرك قاتلناك، فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى"١. وقد جعل كسرى إياس بن قبيصة على الرجال من الفرس والعرب في حرب بكر بن وائل في معركة ذي قار.
ويظهر من روايات الأخباريين أن رؤساء طيء كانوا يحكمونها، وكانوا يلقبون بملك. فقد ذكروا أن عدي بن حاتم الطائي كان رئيس طيء في أيام الرسول، وكان مالكًا عليهم يأخذ منها المرباع. فلما جاءت خيل الرسول إليه بقيادة علي بن أبي طالب، فرّ إلى الشأم، ثم ترك الشأم، وذهب إلى الرسول فأسلم٢.
أما صنم طيء، فكان "الفلس"، وكان بنجد، قريبًا من فيد. وسدنته من بني بولان٣. هدمه علي بن أبي طالب بأمر النبي، وكانت طيء قد قلدت الصنم سيفين يقال لأحدهما مخذم وللآخر رسوب، أهداهما إليه الحارث بن أبي شمر، فأخذهما عليّ بن أبي طالب. وتعبدت طيء لصنم آخر هو "رضى"٤. كما تعبدت لصنم ثالث هو سهيل٥.
ومَذْحِج من القبائل اليمانية الكبيرة، وقد تفرعت منها قبائل كبيرة كذلك. وتنتسب إلى جدّ أعلى لها، هو مذحج. وهو مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وأبو عدة أولاد، هم: جلد بن مذحج، ويحابر. وهو مراد: وزيد. وهو عنس، وسعد العشيرة٦، ولهيس بن مذحج.
стр. 2465
وأمهم كلهم سلمى بنت منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر١. ومن بني عَنْس بن مذحج: عمّار بن ياسر الصحابي المعروف، والأسود العنسي المتنبي٢.
ولمذحج مثل القبائل الأخرى أيام. منها يوم فيف الريح٣ ويوم السلان. وهو لربيعة على مذحج٤. وسأتحدث عن أيام مذحج في الفصل الخاص بأيام العرب قبل الإسلام.
ويشير هذا النسب الذي يذكره النسّابون إلى وجود صلات قديمة وثيقة بين مراد وخثعم، وبين مجموعة القبائل المعروفة بمذحج. وهم أبناء إخوة على رأي النسابين٥.
ويذكر الأخباريون أن مواطن مراد القديمة هي في الجوف، في منطقة رملية جرداء، ويظهر أنها كانت متبدية وكان معبودها الصنم يغوث٦، الصنم الذي تعبدت له مذحج كذلك٧. روي أن الصنم يغوث، كان لمذحج كلها. وكان في
стр. 2466
أنعم، فقاتلتهم عليه غطيف من مراد، حتى هربوا به إلى نجران، فأقروه عند بني النار من الضباب، من بني كعب، واجتمعوا عليه جميعًا١.
ويذكر الأخباريون أن المنذر بن ماء السماء حينما بغى على أخيه عمرو، هرب عمرو إلى مراد، فاحتفلت به، وعينته رئيسًا عليها، غير أنه اشتدّ عليها حينما تمكن وقويَ أمره، فغدرت به وقتلته. لذلك غزاها عمرو بن هند، وقتل قتلة عمرو٢.
وكانت بين مراد وهمدان حرب، وقعت في عهد لم يكن بعيدًا عن الإسلام. عرفت بيوم الرزم، انتصرت فيها همدان على مراد. وكان رئيس مراد أيام الرسول فروة بن مسيك المرادي. وقد استعمله الرسول على صدقات مراد وزبيد ومذحج، فاستاءت زبيد ومذحج من ذلك. وارتد عمرو بن معد يكرب في مرتدين من زبيد ومذحج. فاستجاش فروة النبيّ، فوجه إليهم جيشًا، هزم المرتدين٣.
وقبيل الإسلام كان هبيرة بن المكشوح بن عبد يغوث رئيسًا بارزًا على مراد، وقد عدّه الأخباريون من "الجرارين" في اليمن، ويقصد بالجرار من ترأس ألفًا في الجاهلية٤. وقد كان ابنه قيس من رؤساء مراد البارزين عند ظهور الإسلام٥. وهو الذي قتل الأسود العنسي٦. وكان هناك رئيس آخر على مراد عند ظهور الإسلام هو فروة بن مسيك المتقدم ذكره، كان كذلك من الجرارين٧.
وأشهر أولاد يحابر، وهو مراد، ناجية وزاهر٨. ومن ولد ناجية مفرج، وكنانة، وعبد الله، ومالك، ويشكر، وردمان. وقد انتسب ردمان إلى
стр. 2467
حمير. ومن ولد عبد الله غَطِيفٌ، وهم بطن١. ومن نسل ردمان٢ قرين ونابية، وهما بطنان. ومن بني زاهر قيس بن المكشوح، وبنو الحصين والربض والصنابح وهما بطنان٣.
وأولاد سعد العشيرة كثيرون، تفرعت منهم قبائل وبطون، ويذكر الأخباريون أن سعد العشيرة كان رجلًا كثير الأولاد حتى إنه كان إذا ركب ركب معه ثلاثمائة فارس من صلبه. والظاهر أنها كانت من القبائل الكبيرة، وأظن أنها كانت تحتمي بصنم هو "سعد العشيرة"، ثم نسبته فتصور أبناؤها أنه إنسان، وأنهم من صلبه منحدرون، وليس هذا بأمر غريب، وقد ذكرت أمثلة من هذا القبيل، ومنه "تالب" صنم همدان المذكور في المسند، الذي صيره النسابون جدًّا من أجداد همدان.
ومن أولاد سعد العشيرة: الحكم٤، والصعب٥، ونمرة، وجعفي، وعائذ الله، وأوهن الله، وزيد الله، وأنس الله، والحرّ. ومن البطون المتفرعة من هؤلاء الدئل، وهم من نسل الحكم، وقد دخلوا في تغلب٦. وأسلم. ومن جعفي مرّان وحريم٧. أما بنو صعب فأشهرهم أود ومنبه٨، ويسمى أيضًا بزبيد. ومن نسل زبيد مازن، وهم بطن٩. ومن قبيلة أود الأفوهُ الأودي الشاعر المعروف١٠.
стр. 2468
وأبين بطون جلد بن مالك بن أدد، أي جلد بن مذحج، بنو عُلة بن جلد. ومن أولاد عُلة: عمرو، وعامر، وحرب تفرعت جملة قبائل أظهرها: النخع بن عمرو بن علة. وبنو الحارث بن كعب بن عمرو بن علة، ورهاء وهو ضبة بن الحارث بن علة١، وصداء وهم من نسل يزيد بن حرب بن علة٢.
وقد تحالفت منبّه والحارث والعلاء "العلى" وسيحان "سيحان" "سنجان" وهفان وشمران، وهم ولد يزيد بن حرب بن علة بن جلد على بني أخيهم صداء بن يزيد بن حرب، فسُمّوا جَنْبًا، لأنهم جانبوا عمهم صداء، وحالفوا بني عمهم بني سعد العشيرة. ومن جنب، معاوية الخير الجنبي، صاحب لواء مذحج في حرب بني وائل، وكان مع تغلب٣.
أما صداء، فحالفت بني الحارث بن كعب. ومن بني منبّه، كان معاوية بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن منبه بن يزيد الذي تزوّج بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي٤.
وتنتسب قبيلة النخع إلى النخع وهو جسر بن عمرو٥ بن علة بن جلد بن
стр. 2469
مالك، وهو مذحج١. ومن النخع الأشتر النخعي، واسمه مالك بن الحارث، صاحب رسول الله، ثم علي بن أبي طالب. وللنخع بطون عديدة٢ منها: صُهبان، ووهبيل، وجسر، وجذيمة، وقيس، وحارثة٣، وصلاءة، ورزام، والأرت، ومن الأرت بنو عبد المدان وعبد الحجر بن المدّان٤.
وولد مرّة بن أدد رُهْمًا، والحارث. ومن رهم كان الأفغى الذي كان يتحاكم إليه بنجران على رواية ابن حزم٥ أو من رهم، من طيء على رواية ابن دريد٦. أما الهمداني، فذهب إلى أنه من رهم بن مرة بن أدد، أي على نحو ما ذهب ابن حزم إليه٧.
وبنو مُرّة بن أدد، إخوة طيء ومذحج والأشعريين، بطون كثيرة تنتهي كلها إلى الحارث بن مُرّة، مثل خولان ومعافر ولخم وجذام وعاملة وكندة٨. أما خولان، فيرجع نسبها إلى خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرّة بن أدد. ويسمي النسابون خَوْلان فكلا "أفكلًا" كذلك٩، والخوليون هؤلاء هم خولان أدد، وعرفوا بخولان العالية أيضًا١٠، وهم غير خولان بن عمرو بن الحاف "الحافي" بن قضاعة، أي خولان القُضاعية، وهي قبيلة يمانية كذلك في نظر من جعل قضاعة من اليمانيين١١. وأظن أن هناك صلة بين "فكل"
стр. 2470
و "أفكل" و "يكلى" أو "ركلى" المذكور عند بعض الأخباريين، وقد زعم الهمداني أنه شقيق خَولان، وابن الابن الآخر لعمرو بن مالك. وقد نشأت هذه الصور للأمم من تحريف النُسّاخ، ومن التبلبل الذي يحدثه أمثاله للنسّابين والباحثين في الأنساب. وأما أن يكلى أو فكل هو شقيق خَوْلان، أو أنه خولان نفسه، فأمر لا قيمة له.
ورجح نشوان بن سعيد الحميري كون المراد ب "خولان العالية" خَولان قضاعة، وقد ذكر الرأيين وناقش كل واحد منهما، ثم رَجَّحَ أن خولان العالية هي خولان قضاعة١.
واسم خولان من الأسماء التي ورد ذكرها في كتابات المسند. ورد اسمًا لأرض، كما ورد اسمًا لقبيلة، هي قبيلة خولان٢ ويعود تأريخ هذه الكتابات إلى ما قبل الميلاد. وتقع أرض خولان في نفس المكان الذي عرف في الإسلام ب "عرّ خَوْلان" وبأرض خولان٣. وقد ذهب "شيرنكر" إلى أن خولان هي "حويلة" إحدى القبائل العربية المذكورة في التوراة٤.
وعند ظهور الإسلام، كانت خولان تتعبد للصنم، عم أنس "عميأنس" وللصنم يعوق٥. وفي السنة العاشرة للهجرة، وصل وفد منها إلى الرسول معلنًا له الدخول في الإسلام. وقد اشتركت خولان مع من اشترك من القبائل العربية في الفتوح، فلعبت دورًا هامًا فيها خاصة في فتوحات مصر٦.
وإلى جعفر بن مالك بن الحارث بن مُرّة يرجع نسب المعافر٧. جد المعافرين، ويسمى بالمعافر الأكبر تمييزًا له عن المعافر الأصغر، وهو ابن حضرموت٨.
стр. 2471
وقد اشتهرت المعافر بنوع من الثياب سميت باسمهم١.
ومن ولد عدي بن الحارث بن مرّة بن أدد بن يشجب، كان الحارث بن عديّ وهو عاملة، وعمرو بن عديّ وهو جذام، ومالك بن عديّ وهو لخم، وعفير بن عديّ وهو والد كندة٢. وكلها كما نرى قبائل معروفة شهيرة تنتسب إلى القحطانيين. وأما أمهم، فهي رقاش بنت همدان٣.
وذكر ابن خلدون أن الحارث بن عديّ والد عاملة، سمي عاملة باسم أمه عاملة، وهي من قضاعة. وذكر أنها كانت في بادية الشام٤.
وقد يستنتج من هذه الصلة بين القبائل الثلاث، أنها كانت حلفًا في الأصل جمع بينها لمصالح مشتركة ولظروف متشابهة ألفت بينها على نحو ما رأينا عند قبائل أخرى فصارت نسبًا بمرور الأيام٥. وقد كانت هذه الصلة قوية خاصة بين لحم وجذام، حيث اقترن اسمهما معًا في الغالب، ولا سيما في الإسلام، مما يدل على اشتراك المصالح بين القبيلتين.
وكانت عاملة حليفة لكلب، "وغزت معها إلى طيء، فأسر رجل من عاملة، اسمه قعيسيس، عديّ بن حاتم، فانتزعه منهم شعيب بن مسعود العُليمي من كلب، وقال له: ما أنت وأسر الاشراف؟ "، وأطلقه بغير فداء٦. ومن عاملة الشاعر عديّ بن الرقاع٧.
ويذكر الأخباريون أن بطونًا من عاملة كانت في الحيرة، كما أن بعضًا منها كانت خاضعة للزبّاء٨. وإذ صح زعم الأخباريون هذا، فإنه يدل على قدم
стр. 2472
وجود هذه القبيلة في بلاد الشام والعراق، ولكننا لا نجد لها ذكرًا مثل أكثر القبائل الأخرى في كتب "الكلاسيكيين".
وكانت منازلها عند ظهور الإسلام في المنطقة الجنوبية الشرقية للبحر الميت. وقد اشتركت مع القبائل العربية الأخرى التي ساعدت الروم، وانضمت إلى جانب "هرقل" "heraclius"، ولكن اسمها لم يرد كثيرًا في أخبار فتوح المسلمين لبلاد الشام، وإنما كان من الأسماء المعروفة في أيام الأمويين. وتدل إقامتها في هذه البلاد منذ أيام الجاهلية على أن صلتها ببلاد الشام كانت أقوى وأمتن من صلتها بالعراق.
وصنم عاملة هو الأقيصر، وكان في مشارف الشام، يحجون إليه، ويحلقون رءوسهم عنده١.
وولد جذام: وهو عمرو بن عديّ بن الحارث بن مرّة٢ والد قبيلة جذام الشهيرة من الولد حراما، و "جُشَمَ"٣. ومن بني حرام غطفان وأفصى، وهما ابنا "سعد بن إياس بن أفصى بن حرام بن جذام". وذكر ابن حزم: أن روح بن زنباع، وهو من بني أفصى، أراد أن يرد نسب جذام إلى مضر، فيقال جذام بن أسدة أخو كنانة وأسد ابنا خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فعارضه في ذلك نائل بن قيس٤.
ومن بطون جذام: "بنو ضبيب، وبنو مخرمة، وبنو بعجة، وبنو نفاثة، وديارهم حوالي أيلة من أول أعمال الحجاز إلى ينبع من أطراف يثرب. وكانت لهم رياسة في معان وما حولها من أرض الشأم لبني النافرة من نفاثة، ثم لفروة بن عمرو بن النافرة. وكان عاملًا للروم على قومه وعلى من كان حوالي معان من العرب. وهو الذي بعث إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، وأهدى
стр. 2473
له بغلة بيضاء وسمع بذلك قيصر، فأغرى به الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان، فأخذه وصلبه بفلسطين"١.
أما لخم، الأخ الآخر لعاملة وجذام، فولد جزيلة ونمارة، وولد نمارة عديًّا، وهو عَمَم وحبيب وجذيمة، وهم العباد، وغيرهم. وولد حبيب، هانئًا، ومن نسله تميم الداري صاحب رسول الله، ومن نمارة عمرو بن رزين بن لخم، ومن ولده قصير الوارد اسمه في قصة الزبّاء، ومن نسل عَمَم بنو نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم، رهط آل المنذر ملوك الحيرة٢.
ويظهر أن اللخميين كانوا أقدم جماعة في هذا الحلف، وقد كانوا قبل الإسلام في بلاد الشأم والعراق وفي البادية الفاصلة بينهما وفي مواضع متعددة من فلسطين. ومنهم كما رأينا كان آل لخم ملوك الحيرة. ولا يستبعد أن يكون ظهور هذه القبيلة على أثر تصدع حكومة تدمر. حيث مكن هذا التصدع رؤساء القبائل الكبرى من الظهور. وقد كان اللخميون على النصرانية مثل الغساسنة في الشأم٣.
وبدل القصص المروي عن أصل لخم، وانحدارها من صلب إبراهيم، على قدم هذه القبيلة في نظر أهل الأخبار. ومما جاء في هذا القصص أن أحد بني لخم هو الذي أخرج يوسف من البئر٤. وقد لعب اللخميون دورًا هامًّا كما رأينا في سياسة البادية وفي مقدرات عرب الشأم والعراق.
وفي الإسلام صارت كلمة "لخم" تطلق على جذام. ويدل ذلك على الصلات الوثيقة التي ربطت بين القبيلتين. ثم قل استعمال كلمة "لخم" ولخمي، بالقياس إلى جذام. حتى صات لخم تعني في الغالب الأمراء اللخميين.
стр. 2474
وشقيق لخم هو عفير بن عدي والد ثور، وهو كندة جدّ قبيلة كندة الشهيرة. وولد كندة معاوية بن كندة، وأشرس، وأمهما هي رملة بنت أسد بن ربيعة بن نزار١. ويمثل هذا النسب صلة كندة بقبائل معد. وقد نسب بعض النسّابين كندة إلى كندة، وهو ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي بن عفير بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان٢، وقد ولد هذا النسب من نسب آخر جعل اسم ولد عفير "كندي"، ثم ساقوا النسب على هذا النحو إلى أن وصلوا إلى ثور بن مرتع، فقالوا: إنه هو كندة وأنه شقيق مالك وهو الصدف، وقيس٣.
ومن بطون كندة معاوية بن كندة، ومنه الملوك بنو الحارث معاوية الأصغر بن ثور بن مرتع بن معاوية٤ أسلاف الشاعر امرؤ القيس، وقد حكموا القبائل الأخرى من غير كندة، ومنها قبائل من عدنان.
ومن ولد أشرس: السكون والسكاسك٥، ومن السكون بنو عديّ وبنو سعد وأمهما من مذحج اسمها تجيب بنت ثوبان بن سُليم بن رها بن مذحج،
стр. 2475
ولذلك عرفوا ب "تجيب"١.
وكان أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل في أيام الرسول من السكون، وأخوه بشر بن عبد الملك. يذكرون أنه ذهب إلى الحيرة، وتعلم بها الخط، ثم رجع إلى مكة فتزوج الضهياء بنت حرب أخت أبي سفيان٢.
وأما الصدف، فهو عقب مالك بن أشرس على رواية. وقد نسب إلى كندة، كما نسب إلى حضرموت. ونسبه بعض النسابين إلى حمير. فمن نسبه إلى كندة، قال: الصدف هو: عمرو بن مالك بن أشرس بن شبيب بن السكون بن أشرس بن ثور وهو كندة٣، أو عمرو بن مالك بن أشرس أخو السكون بن أشرس. ومن نسبه حضرموت، قال: الصدف، هو الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر٤. وقد قال عنه بعض الأخباريين: إنه مالك بن الصباح، أخو أبرهة بن الصباح٥. وأبرهة بن الصباح هو عربي في نظر أكثر الأخباريين. ولم يعرفوا أنهم يقصدون به أبرهة الحبشي، صاحب حملة الفيل. ومن نسبه إلى حمير قال: الصدف هم من نسل: الصدف بن عمرو بن ديسع بن السبب بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن زيد بن سدد بن حمير الاصغر٦. أو: الصدف بن سهلة بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن
стр. 2476
عبد شمس بن وائل بن الغوث بن هميسع بن حمير١.
واختلاف أهل الأنساب، وأهل الأخبار في نسب الصدف، دليل على اختلاط هذه القبيلة ببطون كندة وحمير وحضرموت. ودخول بطونها فيها، وانتسابها إلى البطون التي دخلت فيها، ويؤدي ذلك في الغالب كما رأينا إلى اختلاط الأنساب.
стр. 2477
الفصل السابع والأربعون: القبائل العدنانية
مدخل
...
الفَصْلُ السَّابِعُ والأربَعُون: القبائل العدنانية
أوجزت الكلام في الفصل المتقدم على القبائل القحطانية، أي القبائل التي يرجع نسبها إلى اليمن، وفي هذا الفصل سأحاول الكلام على قبائل القسم الثاني من العرب، أي قبائل العدنانيين، مقتصرًا في الغالب على ذكر القبائل الكبرى، سالكًا ما سكلته في الفصل المتقدم من طريقة أهل الأنساب في ترتيب القبائل.
وجدّ قبائل هذا الفصل عدنان من سلسلة تنتهي بإسماعيل بن إبراهيم الخليل، جد الإسماعيليين. وهو مثل قحطان شخصية لا نعرف من أمرها شيئًا، ولا من خبرها غير هذا الذي يقصّه علينا الأخباريون. وهو على حد قولهم من معاصري الملك بختنصر ملك بابل "٦٠٤ - ٥٦١ ق. م" الذي أوحى الله إليه على لسان "برخيا بن أحنيا بن زربابل بن سلتيل" أن يغزو العرب في أيام ابنه معدّ بن عدنان على حد قول الأخباريين١.
ويزعم الأخباريون أنهم وجدوا في كتب "برخيا" هذا نسب عدنان، وأنه كان معروفًا عند أهل الكتاب وعلمائهم، مثبتًا في أسفارهم. واستشهدوا على نسبه بشعر لأمية بن أبي الصّلت٢. فمن ذرية عدنان إذن، تفرعت هذه القبائل التي سأتحدث عنها في هذا الفصل.
стр. 2478
وقد بخل الأخباريون على عدنان، فلم يمنحوه من الولد غير ولدين، هما: معد، والحارث وهو عكّ١. وأمهما: منهاد بنت لهم بن جليد بن طسم٢. وقد بخلوا عليه بأسماء نسائه أيضًا على ما يظهر، إذ لم يذكروا لنا اسم زوجة أخرى له. ولا ندري نحن، وقد عشنا بعدهم بقرون، سر هذا البخل الشنيع.
ومن نسل هذين الولدين تفرعت قبائل عدنان، فأولد معد نزارًا٣، وأضاف بعض النسابين قضاعة إليه. وأمهما معانة بنت جوشم بن جهلمة بن عامر بن عوف بن عديّ بن دُب بن جرهم٤. وقد أشرت إلى اختلاف النسابين في نسب قضاعة وإرجاع بعضهم إياه إلى معدّ وبعضهم إلى قحطان، وإلى محاولة كل فريق جرهم إليه، لعوامل سياسية بحتة وإن اكتسبت صبغة نسب وأصل وحسب، فالموضوع هو تكتل وتحزب وتنافس. وقضاعة كتلة من القبائل كبيرة، لذلك كان لاجتذابها إلى أحد المعسكرين السياسيين المتطاحنين أهمية عظيمة في سياسة ذلك العهد، لذلك نجد نَسّابي كل فريق يحاولون جهدهم إثبات نسب قضاعة في فريقهم، حريصين على نفي نسبتها إلى الفريق المعارض، وإخراجها منها، وتفنيد حجج الخصوم. هذا أبو عبد الله الزبيري "١٥٦ - ٢٣٦هـ" وهو قرشي، ومعدود من مشاهير النسابين، يذكر نسب قضاعة فيقول: "وقد انتسبت قضاعة إلى حمير، فقالوا: قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ، وأمه عُكبرة، امرأة من سبأ، خلف عليها معد، فولدت قضاعة على فراش معدّ، وزَوّروا في ذلك شعرًا فقالوا:
يا أيها الداعي ادعنه وأبشر ... ولكن قضاعيًّا ولا تَنَزّرْ
قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكرْ
стр. 2479
قال: وأشعار قضاعة في الجاهلية، وبعد الجاهلية، تدل على أن نسبهم في معدّ"١.
وجعل ابن حزم لمعدّ خمسة أولاد، هم: نزار بن معدّ، وإياد بن معدّ، وقنص بن معدّ، وعبيد الرماح بن معدّ، والضحاك بن معدّ. وذكر أن من الأخباريين من يزعم أن ملوك الحيرة من المناذرة هم من ولد قنص، وأن عبيد الرماح دخلوا في بني مالك بن كنانة، وأن الضحاك بن معد هو الذي أغار على بني إسرائيل في أربعين من تهامة٢. ونسب ابن الكلبي لمعد جملة أولاد آخرين٣.
ويذكر بعض الأخباريين أن الإمارة بعد معدّ على العرب كانت إلى قنص بعد أبيه، فأراد إخراج أخيه نزار من الحرم، فأخرجه أهل مكة، وقَدّموا عليه نزارًا٤.
وقد ولد لنزار مضر وإياد، وأمهما، خبيّة بنت عك بن عدنان، وربيعة وأنمار، وأمهما حُدالة بنت وعلان بن جوشم بن جهلمة بن عامر بن عوف بن عديّ بن دُبّ بن جرهم، فهما ليسا صريحين في نظر النسابين كمضر وإياد، لأنهما ليسا مثلهما من أب عدناني وأم عدنانية. ومن النسابين من قال: إن "ربيعة ومضر الصريحان من ولد إسماعيل"٥، فلم يجعل إيادًا بذلك من العدنانيين الصريحين.
وفي رواية الأخباريين أن نزارًا حينما شعر بدنو أجله قسم ما عنده على أولاده، فجعل لربيعة الفرس، ولمضر القبة الحمراء، ولأنمار الحمار، ولإياد الحلمة والعصا. ثم تخاصموا بعد ذلك، واتفقوا على التحكيم، فحكم بينهما أفعى نجران٦.
стр. 2480
ولم يجزم ابن حزم في نسبة أنمار نزار، فبعد أن ذكر مضر وربيعة وإيادًا، وهم ولد نزار، قال: "وقيل: أنمار"، ثم قال: "وذكروا أن خثعمًا وبجيلة من ولد أنمار"١. أما أبو عبد الله المصعب بن عبد الله مصعب الزبيري، فأثبت نسب أنمار في نزار، وذكر أن من أنمار بجيلة "انتسبوا إلى اليمن، إلا من كان منهم بالشام والمغرب، فإنهم على نسبهم إلى أنمار بن نزار"٢.
ويظهر أن نسابي خثعم وبجيلة يأبون انتسابهم إلى أنمار، إذ ذكروا ذلك، ويرون أن أراش بن عمرو تزوّج ابنة أنمار، وهي سلامة، فولدت له ولدًا سمي أنمار بن أراش. ويذكر النسابون أنه لم يشتهر أحد من ولد أنمار٣. ومعنى هذا أن هذه القبيلة، كان قد ضعف حالها وذابت في غيرها، لذلك لم يذكر لها النسابون شيئًا من البطون.
وقد نسب "الزبيري" خثعمًا إلى أقبل "أفتل" بن أنمار بن نزار، وذكر أن خثعمًا هو اسم جبل تحالفوا عليه، "فنسبوا إليه، وهم بالسراة على نسبهم إلى أنمار بن نزار. وإذا كانت بين اليمن فيما هنالك وبين مضر حرب، كانت خثعم مع اليمن على مضر". كذلك نسب خزيمة، وهو يشكر إلى أنمار٤.
وكان إياد على رواية الأخباريين أكبر أولاد معد٥، وإليه يرجع نسب كل إيادي. وأولد إياد زهرًا ودعميًّا ونمارة، ومن نسلهم تفرعت سائر إياد٦.
وقد ارتحلت إياد عن منازلها الأصلية، بسبب الحروب، فذهب قسم كبير منها إلى العراق حيث نزلوا في الأنبار وفي عين أباغ وسنداد وتكريت وبطن إياد وباعجة وأماكن أخرى، وذهب قسم آخر منهم إلى البحرين حيث انضموا إلى قضاعة، كما سكن قسم منهم في بلاد الشام٧.
стр. 2481
ويروي الأخباريون أن إيادًا الذين كانوا اختاروا الإقامة في البحرين وهجر بعد تركهم مواطنهم القديمة في تهامة اضطروا إلى ترك مواطنهم الثانية والهجرة منها إلى العراق على أثر قدوم بني عبد القيس وشن بن أفصى ومن معهم مهاجرين من منازلهم إلى هجر والبحرين، فإن هؤلاء القادمين الجدد لما بلغوا هجر والبحرين ضاموا من وجدوهم بها من إياد والأزد، ثم أجلت عبد القيس إيادًا عن تلك البلاد، فساروا نحو العراق، وتبعتهم شن بن أفصى، فعطفت عليهم إياد واقتتلوا معهم حتى كاد القوم يتفانون، وقد بادت بسبب ذلك قبائل من شن١.
أما منازل إياد القديمة، فكانت تهامة مع أبناء أنمار ما بين حد أرض مضر إلى حد نجران وما والاها وصاقبها من البلاد٢. ثم فارقت أنمار إخوتها ربيعة ومضر وإيادًا، فكثرت إياد وزاد عددها وكثرت قبائلها، فأخذت تعتدي على أبناء ربيعة ومضر، فوقعت بينها وبينهم من جراء بغيها هذا حروب، واجتمعت مضر وربيعة عليها، ثم تحاربوا في موضع من ديارهم يسمى "خانقًا" وهو لكنانة، فغلبت إياد، وظعنت من منازلها، وافترقت عن إخوتها، وتفرقت على رأي بعض الأخباريين ثلاث فرق: "فرقة مع أسد بن خزيمة بذي طوى، وفرقة لحقت بعين أباغ. وأقبل الجمهور حتى نزلوا بناحية سنداد. ثم اتفقوا، فكانوا يعبدون ذا الكعبات: بيتا بسنداد -وعبدتها بكر بن وائل بعدهم- فانتشروا فيما بين سنداد وكاظمة، وإلى بارق والخورنق وما يليها، واستطالوا على الفرات، حتى خالطوا أرض الجزيرة، فكان لهم موضع دير الأغور ودير الجماجم ودير مرة، وكثر من بعين أباغ منهم، حتى صاروا كالليل كثرة، وبقيت هناك تغير على من يليها من أهل البوادي، وتغزوا مع ملوك آل نصر المغازي"٣، وحالها حسن معهم ومع الأكاسرة، حتى حدث حادث أفسد ما بينهم وبين الفرس، يرجعه الأخباريون إلى اعتداء نفر من إياد على نسوة من أشراف الأعاجم، وذلك في أيام "أنو شروان بن قباذ" أو "كسرى بن هرمز"، فسار إليهم الفرس، فانحازت إياد إلى الفرات، وجعلوا يعبرون إبلهم بالقراقير، ويجوزون الفرات. فتبعتهم الأعاجم، وكان على إياد يومئذ "بياضة
стр. 2482
ابن رباح بن طارق الإيادي". فلما التقى الناس، ارتجزت "هند بنت بياضة" شعرًا مشهورًا معروفًا، أوله:
نحن بنات طارق ... نمشي على المفارق١
ثم هجمت إياد على الفرس، وهزمتها آخر النهار، وقتلت الجيش الذي كان يتعقبها، فلم يفلت منه إلا الشريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمي ذلك الموضع دير الجماجم٢.
هذه رواية من عدة رويات وردت عن الحرب التي وقعت بين الفرس وإياد، وهي الرواية الوحيدة التي يرد فيها خبر انتصار إياد على الفرس. أما الرويات الأخرى، فتقول بانتصار الفرس على إياد. فرواية أبي علي القالي مثلًا عن رجاله تنص على غزو أنو شروان لإياد على أثر اعتداء نفر من إياد على نسوة الأعاجم، وتعقيبه لهم، وقتله خلقًا منهم، حتى اضطر بعضهم إلى النزول بتكريت، وبعضهم أرض الموصل والجزيرة، عندئذ بعث أنو شروان ناسًا من بكر بن وائل مع الفرس، فنفوهم عن تكريت والموصل إلى قرية يقال لها الحَرَجيّة، ثم التقوا بهم ثانية في هذا الموضع، فهزمهم الفرس، وقتلت منهم كثيرًا، ودفنت أجسادهم بها في مقبرة ذكر صاحب الرواية أنها كانت معروفة بها إلى يومه. وسارت البقية حتى نزلت بقرى من أرض الروم، وسار بعضهم إلى حمص وأطراف الشام. وكان الحارث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان فيمن سار إليهم من بكر بن وائل مع الأعاجم، فأجار ناسًا من إياد، كان فيهم: أبو دواد الإيادي٣.
وفي رواية أخرى أن إيادًا كانت مقربة عند الفرس، حتى إن كسرى بن هرمز كان قد اتخذ جماعة منهم امتازوا بحسن الرماية، فجعلهم رماة عنده، وجعلهم مراصد على الطريق فيما بينه وبين الفرات لئلّا يعبره أحد عليهم، إلى أن حدثت حادثة الاعتداء على النسوة، فغضب كسرى على إياد، وأرسل جيشًا
стр. 2483
عليهم، لحقهم وقد عبروا دجلة، فجثا الإياديون على الركب، ورموا الفرس رشقًا واحدًا. عندئذ أمر كسرى بإرسال الخيل عليهم، وأمر "لقيط بن يعمر بن خارجة بن عَوْبَثان الإيادي"، وكان كاتبه بالعربية وترجمانه، وكان محبوسًا عنده أن يكتب إلى من كان من شداد قومه، فيما بينهم وبين الجزيرة، أن يقبلوا إلى قومهم، فيجتمعوا، ليغير على إياد كلهم، فيقتلهم. فكتب لقيط إلى قومه ينذرهم كسرى، ويحذرهم إياه في جملة قصائد رواها الأخباريون١. فهربت إياد وأمر كسرى الخيل، فأحدقت بهم وبالذين بقوا من خلف الفرات. ثم وضعوا فيهم السيوف، ومن غرق منهم بالماء أكثر ممن قتل بالسيف. ولما بلغ كسرى شعر لقيط قتله٢.
أما من هرب من إياد إلى الشام، ومن كان قد هاجر إليها، فقد دان للغساسنة، وتنصر كأكثر عرب الروم، ولحق أكثرهم بلاد الروم فيمن دخلها مع جبلة بن الأيهم من غسان وقضاعة ولخم وجذام٣.
ولدينا رواية أخرى في أسباب تسمية موضع دير الجماجم بهذا الاسم، تشير إلى حدوث معركة بين الفرس وإياد، وقتل إياد لقوم من الفرس، ولكنها حادثة أخرى غير الحادثة المتقدمة على ما يظهر، يرويها ابن الكلبي، خلاصتها: أن رجلًا من إياد اسمه بلاد الرماح أو بلال الرماح، وهو أنبت بن محرز الإيادي، قتل قومًا من الفرس، ونصب رءوسهم عند الدير، فسمي دير الجماجم. ولم تذكر هذه الرواية زمن حدوث هذا القتل، وهل كان قبل إجلاء إياد عن العراق أو بعده كما جاء في الروايات السابقة؟ وهل كان هذا انتقامًا من الفرس بعد ما فعلوه بإياد؟ غير أن هناك رواية أخرى يرويها ابن الكلبي أيضا تشير بوضوح إلى أن فتك إياد بالفرس في موضع دير الجماجم إنما كان بعد نفي كسرى إياهم إلى الشام وفتكه بهم، أي أن هذا الفتك كان عملا انتقاميًّا من الفرس، لما فعلوه بإياد. يقول ابن الكلبي: "كان كسرى قد قتل إيادًا، ونفاهم إلى الشام، فأقبلت ألف فارس منهم حتى نزلوا السواد. فجاء رجل منهم وأخبر كسرى
стр. 2484
يخبرهم، فأنفذ إليهم مقدار ألف وأربعمائة فارس ليقتلوهم، فقال لهم ذلك الرجل الواشي: انزلوا قريبًا حتى أعلم لكم علمهم. فرجع إلى قومه وأخبرهم، فأقبلوا حتى وقعوا بالأساورة، فقتلوهم عن آخرهم، وجعلوا جماجمهم قبة. وبلغ كسرى خبرهم، فخرج في أهليهم يبكون. فلما رآهم، اغتم لهم، وأمر أن يبنى عليهم دير سمي دير الجماجم"١. وهذه الرواية عن فتك إياد بالفرس، وهي أقرب إلى المنطق من الرواية الأولى التي ذكرتها عن النزاع بين كسرى وإياد.
على أن هناك أخبارًا أخرى ذكرها الأخباريون في تعليل اسم موضع "دير الجماجم" لا تشير إشارة ما إلى هذا الاصطدام بين الفرس وإياد، إنما أشار بعضها إلى حرب وقعت بين إياد وبين بني نهد في هذا المكان، قتل فيها خلق من إياد وقضاعة، ودفنوا هناك، فسمي الموضع بهذا الاسم، كما نسبت الحرب إلى قبائل أخرى لم يرد بينها اسم إياد٢.
وفي رواية الأخباريون عن فتك كسرى بإياد، ونفيه إياهم إلى الشام، مبالغة كبيرة ولا شك. فإننا نجدهم أنفسهم يذكرون إيادًا مع الفرس تحارب في معركة "ذي قار"، ثم يذكرون أنها اتفقت سرًا مع بكر على أن تخذل الفرس يوم اللقاء. وقد خذلتهم بالفعل، إذ ولت منهزمة ساعة اشتداد القتال فانهزمت الفرس٣. ثم تراهم يذكرون إيادًا في أخبار الفتوح، فيروون أنها حاربت تحت إمرة "بهران بن بهران جوبين" المسلمين، أي أنها كانت تحارب مع الفرس في العراق٤. وأن صلاتهم كانت حسنة بهم. وهذا يناقض ما زعموه عن نفي الفرس لهم عن العراق. ولم تكن إياد من القبائل العربية النصرانية التي مالت إلى تأييد المسلمين، ففي الفتوحات الإسلامية للعراق كانوا مع الفرس على المسلمين وإن ساعدهم قسم منهم بالاتفاق معهم سرًّا، كما حدث في فتح تكريت. وفي الشام انضم قسم منهم إلى "هرقل" "heraclius" في محاولاته اليائسة التي قام بها للاحتفاظ ببلاد الشام ولاستخلاص ما استولى عليه المسلمون من تلك البقاع. ولما حلت الهزائم بالروم، فضل قسم منهم الهجرة إلى بلاد الروم والإقامة فيها. وقد كان ذلك عن عاطفة دينية ولا شك٥. غير أن هذا لا يعني أن جمهرة إياد كانت كلها مع الروم.
стр. 2485
ذكرت أن من المواضع التي كانت لإياد في العراق، موضع سنداد. ويفهم من روايات الأخباريين عنه، أنه قصر ونهر ومنازل نزلت بها إياد حين مجيئها إلى العراق، وأنه كان في الأصل اسم حاكم فارسي كان قد عين على هذه المنطقة، فأقام بها مدة طويلة، وبنى أبنية كثيرة من جملتها القصر الذي ذكر في شعر ينسب إلى الأسود بن يعفر النهشلي، جاء فيه:
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
وأنه أيضًا اسم قصر كان العرب تحج إليه١، وهو الذي قصده الهمداني بقوله: "وكانوا يعبدون بيتًا يسمى ذا الكعبات، والكعبات حروف الترابيع"٢. ويظهر من روايات الأخباريين عن هذا القصر أنه كان من القصور الضخمة المعروفة. يظهر أنه كان مربع الشكل، أو ذا مربعات ولذلك عرف ب "الكعبات"، وب "ذي الكعبات". وذكر أيضًا أنه كان لربيعة، وأنها كانت تطوف حوله حيث قالوا: "الكعبات، بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به"٣.
ويظهر من أقوال الأخباريين وجود عدة بيوت كانت على هيأة كعبات في جزيرة العرب لعبادة الأصنام، تحج القبائل إليها وتطوف حولها، سأتحدث عنها في الجزء الخاص بالحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام، ومنها بيت كان ب "أحد" على رواية، أو على مقربة من شداد "سنداد" على رواية ابن دريد، أو على شاطئ الفرات على رواية تنسب إلى ابن الكلبي عرف ب "السعيدة" كانت ربيعة تحجه في الجاهلية٤، وأظنهم يقصدون هذا البيت بيت سنداد.
أما مضر٥، فولد إلياس والناس، ويعرف أيضا بعيلان، وأمهما الحنفاء
стр. 2486
ابنة إياد بن معدّ١، وسماها ابن حزم "أسمى بنت سود بن أسلم بن الحارث بن قضاعة"٢، فهي قضاعية على هذا الرأي. وجعل بعض النسابين أم إلياس امرأة دعوها الرباب بنت إياد المعدية٣، فهي إذن على هذه النسبة من معد.
ومضر هو شعب في نظر أهل الأنساب، والشعب في عرفهم أعظم من القبيلة٤، فهو أكبر وحدة اجتماعية سياسية في اصطلاح النسابين، وهو من أعظم شعوب مجموعة عدنان، ولم يعثر على هذا الاسم في الكتابات الجاهلية، ولا في مؤلفات الكلاسيكيين. أما اسم معدّ، فقد أشير إليه كما ذكرت سابقًا في بعض مؤلفات الكلاسيكيين. وأما اسم نزار فقد ورد في نص النمارة الذي يرجع عهده إلى سنة ٣٢٨ للميلاد. وقد عرف مضر ب "مضر الحمراء" عند النسابين، ويقولون إنه عرف بذلك "لأن أباه أوصى له من ماله بالذهب". ويظهر أنها كانت قبيلة عظيمة عند ظهور الإسلام، ثم اندمجت في غيرها من قبائل هذه المجموعة: مجموعة عدنان، حتى تغلبت على مضر تسمية قيس، أي تسمية أبناء قيس عيلان "قيس بن عيلان" "قيس عيلان" في الإسلام، فصارت "قيس" تؤدي معنى العدنانية، واستعملت في مقابل عرب اليمن قاطبة، فيقال: قيس ويمن٥.
وولد لإلياس مدركة واسمه عامر، وعمرو وهو طابخة، وقمعة واسمه عمير، وأمهم خندف، واسمها ليلى بنت حُلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقد نسبوا إلى أمهم فقيل لهم خندف٦. وقد حصر بعض النسابين نسل خندف في مدركة وطابخة، ولذلك حصروا قبائل مضر في أصلين خندف وقيس عيلان٧.
стр. 2487
أما مدركة١، فولد له خزيمة، وهذيل. وأمهما سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار٢، ونسب بعضهم له ولدًا هو غالب٣. وولد خزيمة كنانة. وأمه عوانة بنت قيس بن عيلان٤، وأسدًا، وأسدة، والههون، وأمهم برّة بنت مرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن مضر بن نزار، وهي أخت تميم بن مرّ٥. وهذيل قبيلة متسعة، لها بطون كثيرة٦.
وليس النسابون على اتفاق بينهم في تعيين أولاد أسدة، فجعلهم بعضهم جذامًا ولخمًا وعاملة، ونسب هؤلاء في اليمن كما أشرت إلى ذلك في أنساب قبائل قحطان على رأي أكثر النسابين٧.
وأما نسل الهون٨ فهم: عضل٩، وديش١٠، ويعرفون
стр. 2488
بالقارة١، وهم بنو بيشع بن مليح بن الهون٢. على حدّ قول بعض النسابين وبطنان من خزاعة هما الحيا والمصطلق، حلفاء لبني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ويعرفون على حد قولهم بالأحابيش: أحابيش قريش. لأن قريشًا حالفت بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة على بكر بن عبد مناة، فهم حلفاء قريش٣.
وأولاد كنانة، هم: النضر، وهو أكبر أولاده وبه يكنى، ومالك "مالكا"، وملكان، ومليك وغزوان، وعمرو، وعامر، وأمهم برّة بنت مرّ أخت تميم بن مرّ٤، وهي نفسها زوج خزيمة والد كنانة، تزوجها كنانة بعد وفاة أبيه. وكانت العادة في الجاهلية أن يتزوج الولد البكر زوجة أبيه بعد وفاته إذا لم تكن أمه، وأن يرث خيار ماله، وهو زواج منعه الإسلام. ويعرف هذا الزواج بزواج المقت٥.
وكانت لكنانة زوج أخرى، هي هالة بنت سويد بن الغطريف، ويقصدون بالغطريف حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن النبت، وقد ولدت له حُدال وسعدًا وعوفًا ومجربة. وقد ترك هؤلاء الأولاد ذرية، فكان من نسل حدّان جماعة أقامت بعدن أبين، وكان من نسل مجربة بنو ساعدة٦.
أما زوج كنانة الثالثة، فكانت الذفراء: واسمها فكيهة. وهي بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وقد ولدت له: عبد مناة٧.
стр. 2489
وولد النضر، وهو قريش على بعض الآراء١ مالكًا على رأي أكثر النسابين وأضاف بعضهم إليه ولدين آخرين، هما: يخلد الصلت، وأمهم عكرشة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان٢. ومن يخلد قريش بن بدر بن يخلد بن النضر، وكان دليل قريش في التجارة في الجاهلية، وبه سميت قريش على رأي بعض النسابين، وباسم بدر والده دعي بدر٣، وإلى الصلت بن النضر ينسب بنو مليح٤ "ملح"٥، على رأي، بينما يعدون من خزاعة في رأي آخر٦.
أما ولد مالك، فهو فهر، وهو قريش، وأمه جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعد بن الحارث بن عضاض بن جرهم٧، فهي جرهمية على هذا النسب. وبه سميت قريش قريشًا على رأي أكثرية أهل الأخبار. ولهذا يقال لهم بنو فهر٨. وللأخباريين روايات عديدة في معنى قريش٩.
وولد فهر غالبًا والحارث ومحاربًا وجندلة، وأمهم ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة١٠، وولد غالب بن فهر لؤيًّا وتميمًا وهو الأدرم، وأمهما عاتكة بنت يخلد بن النضرة بن كنانة١١، وقيس بن غالب وقد انقرض نسله١٢.
стр. 2490
ومن ولد لؤي كعب وعامر، وهما البطاح، وسامة ومن نسله بنو ناجية، وخزيمة وهم عائذة، وقد نزلوا في بني أبي ربيعة من شيبان، والحارث وهو جثم، وهم في همدان، وأمهم ماربة بنت كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وسعد بن لؤي وهم بنانة، وقد نزلوا في بني شيبان، وأمه يسرة بنت غالب بن الهون بن خزيمة١، وعوف بن لؤي وقد دخل نسله في بني ذببيان بن غطفان بن قيس عيلان، وهم بنو مرّة بن عوف بن ذببيان رهط الحارث بن ظالم المري. وقد دخل أكثر هؤلاء الأبناء في غيرهم، ولذلك أدخلهم النسّابون فيمن دخلوا فيهم، وعدوا نَسْلَ كعب وعامر الصرحاء من ولد لؤي وحده٢.
وولد كعب مرَّة٣، وهصيصًا٤، وأمهما وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وعدي وأمه حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر٥، وولد مرّة كلابًا، وأمه هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وسرير والد هند هو أول من نسأ الشهور، ثم نسأها القلمس ابن أخيه من بعده، واسمه عديّ بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة. ثم صار النسيء في ولده، وكان آخرهم جنادة بن عوف. وولد أيضا تيم بن مرة ويقظة بن مرة، وأمهما بنت سعد، وهو بارق بن حارثة بن عمرو بن عامر، جد قبيلة بارق٦. ومن عدي بن كعب عمر بن الخطاب وزيد٧.
أما كلاب، فكان له من الولد قصيّ وزهرة. ومن نسل قصي: عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى٨. وقد تحدثت سابقًا عن قصيّ منظم قريش.