ومن بطون أشْجَع١ بكر وسبيع، ومن سبيع حلاوة٢ "خلاوة"٣، وهفّان وفتيان، وقنفذ، وذبيان٤.
وتقع مواطن أشجع في الحجاز بضواحي يثرب، وكانوا حلفاء للخزرج من الأزد. وقد ساعدوهم في يوم بعاث٥. وقد كان بينهم وبين سُلَيم بن منصور يوم كان في موضع الجر٦.
ومن ولد بغيض٧: عبس، وذُبيان ويضاف إليهما أنمار في بعض الروايات. ومن نسل عبس قطيعة، ووردة، والحارث، وورقة٨. ومن نسل قطيعة٩ زهير بن جذيمة سيد بني عبس، وجميع غطفان، وقيس بن زهير بن جذيمة صاحب حرب داحس والغبراء، والربيع بن زياد وزير النعمان، والحارث بن زهير قتله كليب يوم عراعر، وشأس بن زهير قتله فَزَارة١٠، ومن عبس عنترة بن شدّاد البطل الجاهلي الشهير١١.
وهناك جملة قبائل وبطون عرفت بعبس، ففي أسد وحنيفة وهوازن وعمرو
стр. 2522
ابن قيس عيلان وعكّ بطون عرفت بعبس، وهي تسمية معروفة وردت في الكتابات الصفوية والتدمرية والنبطية١، فهي من الأسماء القديمة المعروفة عند العرب الشماليين.
وتعد عبس جمرة من جمرات العرب، وجمرات العرب هي: ضبّة بن أد، وعبس بن بغيض، والحارث بن كعب، ويربوع بن حنظلة، وبنو نمير بن عامر أو أقل من ذلك على حسب تعدد الروايات٢. ويقصدون بالجمرة القبيلة التي لا تنضم إلى أحد، ولا تحالف غيرها، وتصبر في قتال من يقاتلها من القبائل، أو القبيلة التي يكون فيها ثلاثمائة فارس أو ألف فارس٣. وهو تعريف لا يمكن أن ينطبق على قبيلة ما من القبائل، حتى على هذه القبائل التي قالوا عنها إنها الجمرات، فلا بد في القتال بين القبائل من حلف، ومن طلب مساعدة القبائل الأخرى. ولذلك نجد الأخباريين يذكرون أن بعض هذه القبائل طفئت لأنها حالفت القبيلة الفلانية. فذكروا أن ضبة طفئت لأنها حالفت الرباب، وأن الحارث طفئت لأنها حالفت مذحجًا، وأن عبْسًا طفئت أيضًا لانتقالها إلى بني عامر بن صعصعة يوم جبلة٤. وهكذا إذا استقصيت كلام الأخباريين الوارد في مناسبات أخرى عن هذه القبائل، تجد أنه يصادم ما قالوه من عدم تحالف القبائل المذكورة وانضمامها إلى القبائل الأخرى. وظنّي أن شهرة عبس في الشجاعة خاصة من دون القبائل الأخرى إنما وردت إليها من هذا القصص المروي عن عنترة بن شداد.
ومن ولد ذبيان٥ فزار وسعد٦، وفي روايات أخرى أن والد سعد هو ثعلبة
стр. 2523
ابن ذبيان١. وولد سعد عوفًا، وهو والد مُرّة وثعلبة٢. ومن بني مرّة بن عوف خزيمة، وغطفان، وسنان. ومن بني سنان هرم بن سنان، وبنو يربوع بن مرة بن عوف، ومنهم النابغة الذبياني، والحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ من الفتاك، ومن بني مرة بنو سهم بن مرة٣، ومن بني ثعلبة بن سعد، بنو بجالة بن ثعلبة بن سعد، وبنو عجب بن ثعلبة بن سعد، وبنو رزام بن ثعلبة بن سعد٤.
وقد وقعت بين بني عبس وذبيان حروب عديدة، سأتحدث عنها في الأيام، والظاهر أنه كانت بين القبيلتين منافسة شديدة.
أما فزارة٥، فولد عديًّا، وظالمًا، ومازنًا، وشمخًا٦ "سمخا"٧ "شمجا"٨، ومرّة. ومن بني عديّ: بغيض بن مالك بن سعد الذي اجتمعت عليه قيس في الجاهلية، وبنو بدر بن عمرو بن حوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، وهم بيت فزارة وعددهم، وبنوه حذيفة الذي يقال له ربّ معد، وحمل، المقتولان يوم الهبأة، ومالك، وعوف، المقتولان في حرب داحس والغبراء، والحارث، وربيعة، وقد سادوا كلهم٩. ومن بني ظالم،
стр. 2524
نعامة الذي يتمثل به في إدراك الثأر، وكان فيه هوج، ورويت له أمثال كثيرة١. ومن بني شمخ، ظويلم المعروف بمانع الحريم، "سُمّي بذلك لأنه خرج في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، ولذلك سُمّي الحريم. وكانوا يأخذون بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، فامتنع عليه ظويلم، وقال:
يا ربّ هل عندك من غفيره ... إن منى مانعة المغيره
ومانع بعد منى ثبيره ... ومانعي ربي أن أزوره
وظويلم الذي منع عمرو بن صرمة الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان"٢.
وتقع مواطن فزارة بنجد وبوادي القرى٣، وانتشروا بعد ذلك -وخاصة في الفتوحات الإسلامية- في مواطن أخرى، وذهبت بطون منهم إلى شمال إفريقية، وكان لحذيفة بن بدر رئيس فزارة أثر خطير في حرب داحس التي وقعت بين عبس وذبيان، ولهم حروب وأيام مع القبائل الأخرى مثل حربها مع عمرو بن تميم ومع التيم ومع هوازن ومع بني جشم بن بكر ومع بني عامر. يذكرها أهل الأخبار في حديثهم عن الأيام. وقد قاد حذيفة بن بدر فزارة، ومرّة يوم النسار، ويوم الجفار، وفي حرب داحس حتى قتل فيها يوم الهبأة٤. وقد عرف "حذيفة" هذا ب "رب معد"٥. وكان ابنه "حصن" من سادات فزارة.
ومن بني مازن بن فزارة: بنو العشراء٦، "وبنو سيار بن عمرو الذي
стр. 2525
رهن قوسه بألف بعير، وضمنها لملك من ملوك اليمن، وذلك أن بني حارث بن مرّة، قتلوا ابنا لعمرو بن هند، فرهن سيّار قوسه١. ومن ولد سيّار، زبّان، وقطبة. ومن ولد قطبة هرم بن قطبة، وهو من حكماء العرب، وإليه تحاكم عامر بن طفيل وعلقمة بن علاثة، وكان ممن أدركوا الإسلام٢.
وأما ولد أعصر بن سعد بن قيس عيلان٣، فهم: مالك، ومن نسله باهلة، وعمرو وهو غنيّ، وأمهما من هَمْدان، وثعلبة وعامر ومعاوية، وأمهم الطفاوة بنت جرم بن "زبان"٤.
ومن ولد مالك، سعد مناة، وأمه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، وبها عرف سعد مناة ونسله. معن بن مالك وهو الذي خلف أباه على باهلة، ومن نسله عمارة بن عبد العزى، قاتل عبد الدار بن قصي٥. ومن بطون باهلة بنو قتيبة، ومنهم سهم، وبنو أصمع، ووائل بن معن٦. وتقع منازل هذه القبيلة في اليمامة في الأصل٧، ويظن بعض المستشرقين أنها قبيلة bahilitae" "pachylitae"" التي ذكرها "بلينيوس"٨. وقبيلة "bliulaei" الوارد اسمها في جغرافية "بطلميوس"٩".
стр. 2526
وأما غنيّ، فقبيلة كانت ديارها في جوار طيء وعند حمى ضَرِيّة١. ومنها رباج بن الأشل، وابن أخيه ثعلبة قاتل شأس بن زهير بن خزيمة العبسي. وقيل: إن رباحًا هو قاتل شأس. وكانت لهم ظاعنة ضخمة بالشام٢. ومن بطون غنيّ عبد، وزبان، وصريم، وضبينة٣، وبنو عتريف٤، وكانت لهم حروب مع عبس ومع زيد الخيل. ومن أصنامهم التي عبدوها: اللات، ومناة، والعزى٥. ومن شعرائهم طفيل بن عمرو الغَنَوي٦، وكعب بن سعد الغَنَوي٧.
ومن ولد خصفة بن قيس عيلان: عكرمة، وأمه أخت كلب بن وبرة لأبيه٨، ومحارب٩. ومن محارب: عامر بن وهب بن مجاشع المعروف بذي الرمحين، وكان سيد قومه، وقد غزا باهلة وأوقع فيها، وأسر منها، وسبع الوارث، وهو مالك بن عمرو بن حارثة بن عبد بن سلول الكيدبان، واسمه عبد الله. القائل لرسول الله: "جملي أحب إليّ من ربّك"١٠، والعقب من
стр. 2527
محارب لصلبه في فخذين: طريف، وجسر١.
والفرع الثاني من فرعي خصفة، فرع ضخم كبير بالقياس إلى فرع محارب، فهو يشتمل على ولد منصور بن عكرمة، وهم: مازن، وهوازن، وسُليم، وسلامان، وأبو مالك٢. ومن بني هوازن، ومن ولد بكر: معاوية، ومنبه، وسعد، ويزيد. وقد قتل معاوية، فجعل عامر بن الظرب العدواني ديته مائة من الإبل. ويقول الأخباريون إن هذه أول دية قضى فيها بذلك، وأن لقمان كان قد جعلها قبل ذلك مائة جدي٣. وفي بني سعد بن بكر بن هوازن استرضع الرسول. ومن بطون بكر الأخرى: جشم بن معاوية بن بكر، ومنهم بنو جداعة، رهط دريد بن الصمة، وبنو سلول وهم بنو مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر، وعامر بن صعصعة٤.
وهوازن من القبائل العربية الضخمة، وقد تفرعت منها قبائل كبيرة معروفة كانت لها شهرة بين القبائل. سكنت في مواضع متعددة من نجد على حدود اليمن وفي الحجاز٥. ويظهر من انتساب هذه القبائل المعروفة الكبيرة إليها، ثم من اقتصار اسم هوازن على قبيلة واحدة فيما بعد، واختصاصها به، أنها كانت في الأصل حلفًا ضم جملة قبائل، ثم انفصل لعوامل سياسية واقتصادية مختلفة، فلم يبق من ذلك الحلف إلا الرابطة التأريخية التي بقيت في ذاكرة نسابي القبائل، وهي رابطة النسب. وقد وقعت بين القبائل التي ترجع نسبها إلى هوازن وبين قبيلة هوازن حروب عديدة.
وقد كانت هوازن في جملة القبائل الخاضعة للتبابعة، فلما استقلت قبائل معدّ عن اليمن، كانت هوازن في جملة من استقلت من تلك القبائل. ولكنها أخذت تدفع الإتاوة لزهير بن جذيمة سيد عبس من غطفان. فلما قتل زهير، استقلت من غطفان، ولم تدفع الإتاوة إليها. ولما انتهت حرب عبس وذبيان، وعقد الصلح بين القبيلتين المتنافستين، وقعت حروب وأيام بين بطون غطفان
стр. 2528
وهوازن، منها: يوم الرقم، ويوم النباع، ويوم اللوى، دارت الدائرة فيها على هوازن، كما وقعت بينها وبين قبائل كنانة وقريش وثقيف أيام عديدة١.
وكان هوازن في جملة القبائل التي قاومت الإسلام. وقد غزاها الرسول، بعد فتح مكة، فتمكن منها، ودخلت في الإسلام ثم ارتدت بعد وفاته، ثم عادت مع التوابين بعد أن غلبهم الخليفة أبو بكر الصديق.
وكان لهوازن صنم يعظمونه في عكاظ اسمه جهار، سدنته من آل عوف النصريين، تشاركهم في عبادته محارب، وكان في سفح أطْحَل٢.
ومن ولد منبه بن بكر بن هوازن بن منصور، قَسيّ وهو ثقيف٣. وولد قسي جشمًا وعوفًا ودارسًا٤. وقد دخل ولده في الأزد. ومن بني عوف بن ثقيف، الحجاج بن يوسف الثقفي. ومن بني غيرة بن عوف بن ثقيف، الشاعر أمية بن أبي الصلت. والأخنس بن شريق، والحارث بن كلدة وأبو عبيدة بن مسعود، والد المختار٥. ومن بطون ثقيف الأخرى بنو عقدة بن غيرة، وبنو معتب، وبنو حبيب، وبنو اليسار بن مالك بن حطيط٦. ومن بني مُعتب، غيلان بن مسلمة بن معتب، وكانت له وفادة على كسرى٧.
ولثقيف حروب يظهر أنها كانت في الغالب دفاعًا عن النفس، إذ نجد ثقيفًا تهاجم فيها في الطائف، فتضطر إلى الدفاع عنها. وقد كان من أصنامها اللات، وله بيت بالطائف على صخرة يضاهون به الكعبة بمكة. وكانوا يهدون
стр. 2529
إليه الثياب لستره به، ويطوفون حوله. وسدنته من آل أبي العاص بن أبي يسار بن مالك من ثقيف١.
وولد سليم بن منصور، بُهثة٢ "بُهتة". ومن ولد بهثة الحارث، وثعلبة، امرؤ القيس، وعوف، ومعاوية. ومن بطون امرئ القيس، بنو عصيّة، مالك ذو التاج، وكرز، وعمرو، وهند، وبنو خالد بن صخر بن الشريد. وقد توجت بنو سليم مالكًا ملكًا عليها، وقتل مالكًا وكرزًا عبد الله بن جذل الطعان الكناني. وقد اشتهرت بلاد بني سليم بالمعْدِن الذي فيها، ولذلك قيل لها معدن بني سليم٣. ومن بني الحارث بن بهثة بنو ذكوان٤. ومن بني عبس بن رفاعة بن الحارث، العباس بن مرداس٥، وهم من القبائل التي لعنها الرسول، لقتلها أهل بئر معونة. وقد لعن الرسول بني عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة كذلك للسبب نفسه٦. ومن بني ثعلبة بن بهثة بن سليم حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، وكان بمكة في الجاهلية محتسبًا بأمر بالمعروف وينهي عن المنكر٧.
وتعد قبيلة بني سليم من القبائل المهمة الساكنة في الحجاز في أرض اشتهرت بمعادنها وبخصبها، وبها حِرَار منها: حرة بني سليم، وحرة ليلى، وبها مياه
стр. 2530
استفادت منها القبيلة في الزرع. وتجاورها من القبائل غطفان وهوازن وهلال. وكانوا على صلات حسنة باليهود، كما كانوا على صلات وثيقة بقريش. وقد تحالف معهم أشراف مكة وكبارها لما لهم من علاقات اقتصادية بهذه القبيلة١.
ويروى أن النعمان بن المنذر كان قد نقم على بني سُليم لأمر أحدثوه، فأرسل عليهم جيشًا، ولكنه لم يتمكن منهم، وهُزم الجيش٢. ولبني سليم ككل القبائل الأخرى أيام. منها: يوم ذات الرَّمرم وهو لبني مازن على بني سُليم، ويوم تثليت وهو بين مراد وبني سليم٣.
وكان لهم صنم يقال له "ضمار" كان عند مرداس والد العباس بن مرداس. فلما توفي مرداس، وضعه العباس في بيت يتعبد له. فلما ظهر الإسلام، أسلم، وأحرق ذلك الصنم٤.
وولد معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور أولادًا، هم: نصر، وجشم، وصعصعة، وعوف. ويسمون بنية الوقَعَة٥. وقد دخلوا في بني عمرو بن كلاب بن الحارث٦. ومن بني نصر معاوية ربيعة بن عثمان، وهو أول عربي قتل عجميًا في يوم القادسية. ومن بني جشم بن معاوية، دُريد بن الصمة من
стр. 2531
الفرسان المعروفين. ولهم حروب مع أسد وغطفان وعبس، وكانت مواطنهم بالسروات١.
أما ولد صعصعة بن معاوية، فهم: عامر، ومرّة ويعرف أبناؤه ببني سلول نسبوا إلى أمهم٢، وغالب وأمه تماضر، وقد نسب ولده إلى أمهم. وربيعة وأمة عويصرة، وإليها نسب. وعبد الله، والحارث: وأمهما عادية ٣، وإليها نُسبا، وكبير، وعمرو، وزبير وأمهم وائلة، وإليها نسبوا. وقيس، وعوف، ومساور، وسيار، ومشجور أمهم عدبة، فنسبوا إليها٤. ويلاحظ أن النسابين قد جعلوا لصعصعة عدة نساء، ونسبوا إلى هؤلاء النسوة أولادهن، فعلوا ذلك للتمييز بين هؤلاء الأولاد ولا شك.
وذهب بعض المستشرقين إلى احتمال كون بني عامر هم: hamirei""، "hamirou"، "hamirinoei" المذكورين في تأريخ "بلينيسوس"٥. وتقع منازلهم بين منازل قبائل هوازن وسليم وثقيف، ولهم مع القبائل الأخرى مثل بني حنيفة وعبس وذبيان وفزارة وتميم وبني نهد وسعد والرباب حروب عديدة، ترد أخبارها في الأيام.
ومن نسل عامر بن صعصعة: ربيعة، وهلال، ونمير، وسواءة. ومن بني ربيعة بن عامر صعصعة كلاب، وعامر، وكليب٦. ومن بني عامر
стр. 2532
ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة، معاوية ذو السهمين، لأنه كان يأخذ سهمه من غزوات بني عامر، أقام أو غزا١. وبنو عمرو بن عامر المعروف ب "فارس الضحياء"٢. ومن بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة٣. وهم خالد الأصبغ وربيعة الأحوص، ومالك الطيّان، أمهم بنت رياح بن الأشل الغنويّ. وعتبة، وعوف، أمهما فاطمة بنت عبد مناف بن قصيّ بن كلاب. فولد الأحوص عوفًا، وعمرًا، وشريحًا، قاتل لقيط بن زرارة يوم جبلة، وقد سادوا جميعًا. ومن عوف بن الأحوص علقمة بن علاثة الذي نافر عامر بن الطفيل٤.
ومن نسل خالد بن جعفر بن كلاب أرْبَد بن قيس بن جزء بن خالد، وهو الذي أراد مع عامر بن الطفيل قتل رسول الله. ومن نسل مالك بن جعفر بن كلاب، عامر، وهو أبو براء ربيعة ملاعب الأسنة، والطفيل، وهو والد عامر بن الطفيل، ولبيد الشاعر٦. ومن نسل عتبة بن جعفر بن كلاب عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر الذي أجار لطيمة الحيرة، فقتله البرّاض الكناني، ومن أجله كانت حرب الفجار، وابنته كبشة هي أم عامر بن الطفيل، ولدته يوم جبلة٧.
ومن نسل عمرو بن كلاب الصعق، وهو عمرو بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب. وكان سيدًا يطعم بعكاظ، ومن ولده الشاعر يزيد بن عمرو الصعق٨. ومن بني الضباب بن كلا بن ربيعة شَمِر بن ذي الجوشن قاتل
стр. 2533
الحسين بن علي١. ومن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة جَعدة، والحَرِيش، وعقيل، وقشير، وعبد الله، وحبيب. ومن ولد عبد الله نهم والعجلان٢، وهم قبيلة. ومن جعدة الشاعر النابغة الجعدي٣. ومن بني قُشير مالك ذو الرقيبة بن سلمة الخير الذي أسر حاجب بن زرارة يوم جبلة. ومن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، المنتفق بن عامر بن عقيل، وهم بطن، وربيعة بن عامر، ومنهم الحارث الأبرص قاتل زيد بن عمرو بن عدس يوم جبلة، وبنو خفاجة بن عمرو بن عقيل.
وتقع منازل الضباب في أرض كلاب، ومن بطونهم ضبّ وضبيب وحسل وحسيل، وقد وقعت بينهم وبين جعفر بن كلاب يوم عرف بيوم حرابيب٤، ويوم آخر عرف بيوم هراميت٥.
وأما منازل جعدة، فهي في الفلج من اليمامة٦. وأما الحريش، فكانت منازلهم باليمامة، واشتركت في يوم الرحرحان٧. وكانت مساكن عقيل بالبحرين، وهاجروا إلى العراق، وكان لهم أثر ملحوظ في تأريخ العراق في الإسلام.
والفرع الثاني من فروع مضر، هو من نسل إلياس٨، ويتكون هذا الفرع من ثلاث كتل: طابخة، وقمعة، ومدركة. ولكل من هذه الكتل قبائل وبطون.
стр. 2534
أما طابخة، واسمه عمرو "عامر"١، فهو والد ولد يسميه النسابون أُدا، وأُد والد عدة أولاد هم: مر، وضبة، وعمرو وهو مزينة، وعبد مناة، وحميس "خميس". وذكروا أن بني حميس، شهدوا يوم الفيل مع الحبشة، فقتلوا، فقل نسلهم٢.
أما ضبّة بن أُد، فولد سعد بن ضبّة، وسعيد ولا عقب له، قتله الحارث بن كعب، ثم قتل ضبّة الحارث بن كعب، وفي ذلك سارت الأمثال الثلاثة: "أسعد أم سعيد" و "الحديث ذو شجون" و "سبق السيف العذل" قالها كلها ضبة٣، وباسل بن ضبّة. ويذكر الأخباريون أن الديلم من نسله. وولد سعد بن ضبة بكر بن سعد، وثعلبة، وصريم ومن بكر بن سعد ضرار بن عمرو بن مالك، سيد بني ضبّة. وقد شهد يوم القرنتين، والمفضل بن يعلى صاحب المفضليات، وحبيش بن دلف بن العون، وكان ينازع ضرار بن عمرو الرياسة وحضر يوم القرنتين، وبني تيم بن ذهل٤.
وتعد ضبّة جمرة من جمرات العرب التي أشرت إليها، وتقع منازلها في اليمامة، وفي خلال الحرب التي وقعت بين عبس وذبيان دخلت عبس أرض ضبة، ولكنها اضطرت إلى مغادرتها بعد النزاع الذي حدث بين عبس وضبة. وجاورت بني عامر بن صعصعة. وفي يوم "جَبَلة"، وهو من الأيام المشهورة التي وقعت بعد يوم رحرحان بعام، ويصادف ذلك عام مولد النبي على رواية٥. أو قبل مولده بسبع عشرة سنة على رواية أخرى٦. كانت ضبة مع ذبيان وتميم
стр. 2535
وأسد والرباب وفزارة في مهاجمة بني عامر بن صعصعة١. وبالرغم من كثرة هذه القبائل، تمكنت بنو عامر من الظفر به ومن إلحاق الهزيمة بتميم وبمن ضامها. وإلى مشورة قيس بن زهير العبسي يعود الفضل في انتصار بني عامر. وفي رواية أن لقيطًا استنجد أيضًا بالنعمان بن المنذر، فأنجده بأخيه لأمه حسّان بن وبرة الكلبي، وبصاحب هجر وهو الجون الكندي، فأنجده بابنيه معاوية وعمرو وغزا بني عامر٢. وقد أصيب تميم ومن كان معها من القبائل بخسائر، وبوقوع عدد من الزعماء أسرى في أيدي بني عامر، فقتل في هذا اليوم لقيط بن زرارة، وأسر حاج بن زرارة، أسره ذو الرقيبة، وأسر سنان بن أبي حارثة المري وجزت ناصيته، وأطلق إمعانًا في امتهانه، وأسر عمرو بن عدس وجزت ناصيته كذلك ثم أخلي سبيله. وقتل معاوية بن الجون، ومنقذ بن طريف الأسدي، ومالك بن ربعي بن جندل٣. ويعد جزّ الناصية بعد الأسر خاصة من أشد درجات الامتهان، ولا سيما جزّ نواصي السادة والرؤساء.
وفي يوم النسّار، لحقت ضبّة وعديّ بأسد وطيء وغطفان في غزوهم لبني عامر، وقد ألحقوا خسائر فادحة ببني عامر، وهذا مما غاظ تميمًا، فجعلها تلحق طيئًا وغطفان وحلفاءهم من ضبة وعدي يوم الفجار، حتى قتلت من طيء أكثر مما قتلت طيء يوم النسار٤.
ومن ذرية عبد مناة بن أُد: تيم٥، وعدي، وعوف، وثور، وأشيب. وهؤلاء هم الرباب، لأنهم تحالفوا مع بني عمهم ضبّة علي بني عمهم تميم بن
стр. 2536
مرّ، فغمسوا أيديهم في رُب١. ومن بني عوف بن عبد مناة بنو عكل. ومن بني عمرو بن أد: مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة٢. وتقع ديار الرباب بالدهناء في جوار بني تميم٣.
ومن ولد أُد بن طابخة مر بن أُد٤ فولد مر تميمًا وثعلبة، وهو ظاعنة، وبكر بن مرّ، وهو الشعيراء، ومحارب بن مرّ، وهو صوفة. ومن النساء برة أم النضر، وملك وملكان بني كنانة. وهي أيضا أم أسد بن خزيمة، وهند ابنة مر وقد ولدت بكرًا وتغلب وعنز بني وائل بن قاسط، وتُكمة بنت مر وقد ولدت غطفان بن سعد، وسليما وسلامان بن منصور، وجديلة بنت مر وقد ولدت فهمًا وعدوان، وإليها ينسبون، وعاتكة بنت مر. وهي والدة عذرة بن سعد وإخوته٥.
وأما صوفة، فإنهم كانوا يجيزون بالحاج. وقد انقرضوا عن آخرهم في الجاهلية، فورث ذلك آل صفوان بن شجنة "سجنة" "شحمة"، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم٦. ومن هؤلاء على رواية كان عامر بن أحيمر السعدي
стр. 2537
الذي حصل على برديّ مُحوّق من النعمان بن المنذر في مجلس مفاخر حضرته وفود العرب عقد بحضرة النعمان بن المنذر في الحيرة. وقد بزّ عامر هذا الحاضرين في الفخر وفي الانتساب على الطريقة المألوفة. ولما سأله النعمان: بِمَ أنت أعز العرب؟ قال: العِزّ والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني؟ فلما لم ينافره أحد، ذهب بالبردين١.
وتميم من القبائل العربية الكبيرة المعروفة، وقد نعتهم ابن حزم بقوله: "وهم قاعدة من أكبر قواعد العرب"٢. وتعد في مقابل قيس وربيعة، وهي الممثلة لمجموعة مضر في بعض الأحيان. وهي أقرب جغرافيًّا وتأريخيًّا إلى قيس وربيعة منها إلى كنانة٣. ومعارفنا عن تأريخها مستمدة مثل معارفنا عن القبائل الأخرى المماثلة من الروايات المدونة في كتب الأخباريين٤.
ويزعم الأخباريون أن جد هذه القبيلة مدفون في موضع "مُرّان"٥، وهم يروون قصصًا عنه وعن ميلاد أولاده من هذا النوع الذي ألفنا وروده عن الأخباريين٦.
ولا نستطيع في الوقت الحاضر أن نرتقي بتأريخ تميم عن القرن السادس للميلاد، فليست لدينا موارد تأريخية يعتمد عليها ترفع تأريخ هذه القبيلة إلى
стр. 2538
ما قبل ذلك، ولا يعني هذا أننا ننكر أن يكون لها تأريخ قديم، إذ يجوز أن يكون لها عهد أقدم من هذا العهد الذي نتحدث عنه. ولكننا لا نملك الآن نصوصًا جاهلية أو موارد إسلامية يُطْمأن إليها، ترجع تأريخ تميم إلى ما قبل هذا القرن.
أما في القرن السادس، فقد كانت تميم قبيلة بارزة ظاهرة، بطونها منتشرة في العربية الشرقية، وفي نجد وفي العراق، وفي أنحاء مختلفة من جزيرة العرب، مجاورة لقبائل معروفة مثل أسد وغطفان وبني عبد القيس وتغلب، متصلة بها. ومن بني دارم من تميم كان المنذر بن ساوي حاكم البحرين والذي أسلم في أيام الرسول١.
وكانت لتميم صلات متينة بملوك الحيرة، وكان من عادتهم جعل الردافة في بطن من بطونهم، وهو بطن بني يربوع. وقد ثار هذا البطن وهاج، لما حولت الردافة إلى بطن آخر من بطون تميم، هو بطن بني دارم، ولم يقبلوا إلا برجوعها إليهم، لما كان للردافة من مكانة في ذلك الوقت٢.
ونجد في كتاب الأخباريين أسماء أيام عديدة وقعت بين تميم وغيرها من القبائل، خاصة قبائل بكر بن وائل. كما نجد إشارات إلى حروب وقعت بينهم وبين بعض ملوك الحيرة. وقد أشرت إلى القصص الذي يرويه أهل الاخبار عن غزو "سابور ذي الأكتاف" لجزيرة العرب وإلى ما زعموه من تنكيله بالقبائل وانتزاعه أكتافهم، ومن هذه القبائل قبيلة تميم٣. ويذكر الأخباريون أيضا أن "كسرى برويز" "كسرى أبرويز" "khusrawparwez"، كتب إلى عامله على هجر، وهو "المكعبر"، أن ينتقم من تميم، لتعرضها لقافلة كانت محملة بالتجارات وبالهدايا مرسلة إليه، فقتل المكعبر بالمشقر عددًا كبيرًا منهم٤.
ولتميم صلات متينة برجال مكة، وقد كان لرجالهم ذكر وخبر في سوق
стр. 2539
"عكاظ". فمنهم كان حكّام الموسم. كما تولوا القيام ببعض مناسك الحج وقد صاهرهم بعض رجال مكة.
ويظهر من بعض روايات الأخباريين أن تميمًا وبقية القبائل المنتمية إلى "أد" كانت تتعبد ل "شمس". وكان لشمس بيت "تعبده بنو أُد كلها: ضبة وتميم، وعدي، وعكل، وثور. وكان سدنته من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فكسره هند بن أبي هالة بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن"١. وعبدت طائفة من تميم "الدَّبَران" من النجوم، ولهم قصة عن هذه النجوم٢.
وكان بعض تميم على النصرانية، ومنهم عدي بن زيد العبادي، كما كان بعض منهم من دان بالمجوسية، ومن هؤلاء زرارة بن عدس التميمي وابنه حاج بن زرارة والأقرع بن حابس٣.
وفي شواهد كتب النحو والصرف أمثلة عديدة من لهجة تميم٤، وهي تشير إلى وجود فوارق ومميزات في تلك اللهجة تميزها عن اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم. وقد أخرجت هذه القبيلة عددًا من الشعراء في الجاهلية والإسلام. وللاستشهاد بلهجة تميم، ولوجود عدد من الشعراء الذين يعدون من كبار الشعراء عند علماء الشعر، أهمية كبيرة ولا شك في دراسة اللهجات العربية، وعلاقاتها بلهجة القرآن الكريم٥.
وقد أدى تعدد بطون تميم وانتشارها إلى نشوب حروب بينها، وإلى تكتّلها كتلًا وتكوين أحلاف بينها، كالحلف الذي كان بين بني يربوع وبني نهشل. وقد نسب لأبي اليقظان النسابة كتاب في أحلاف تميم اسمه: "كتاب حلف تميم بعضها بعضًا"٦.
стр. 2540
وبطون تميم عديدة، تفرعت على رأي النسابين من الحارث، وعمرو، وزيد مناة أولاد تميم١. ومن ولد عمرو: العنبر، والهجيم، وأسيد، ومالك، والحارث، وقليب٢. والحرماز، وكعب على رواية أخرى٣. ومن بطون بني كعب بنو فهد. وقد عرف نسل الحارث بالحَبِطات٤. ومن بطون بني مالك بن عمرو بن تميم: مازن، والحرماز، وغيلان، وغسان٥. ومن بني أسيد بن عمرو بن تميم بنو كاهل، ومنهم أوس بن حجر الشاعر الجاهلي المعروف. وكان شاعر مضر حتى أسقطه زهير٦، وبنو شريف ومنهم أكثم بن صيفي من حكماء العرب في الجاهلية، وحنظلة بن ربيعة، بن أخي أكثم. وقد كتب للنبي الوحي٧. ومن بني مالك بن زيد مناة بن تميم البراجم، وبنو دارم٨، ومن بني حنظلة بنو يربوع، ومن بني يربوع بنو ثعلبة٩، ومن بني الحارث بن يربوع بنو سليط، ومن نسل مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: بنو فُقَيْم، وبنو نهشل، وبنو مجاشع١٠، وفي بني رياح بن يربوع كانت ردافة قبل الإسلام١١، ومن بني العنبر بن يربوع كانت سجاح١٢.
стр. 2541
وذكر "البلاذري" أن "بكر بن وائل" أغارت على "بني عمرو بن تميم" يوم "الصليب"، ومعها ناس من الأساورة، فهزمتهم بنو عمرو وقتلت "طريفا" رأس الأساورة١. وذكر أن "بكرًا" كانت تحت يد كسرى وفارس، فكانوا يقوونهم ويجهزونهم، وكان يشرف عليهم عامل "عين التمر"٢. ويظهر أن "بني عمرو"، كانوا قد اعتدوا على "عِير كسرى"، فجهز "بكر بن وائل" عليهم.
أما بنو قمعة بن إلياس فهم من نسل عامر بن قمعة، واسم قمعة عمير٣. وقد ولد عامر أفصى وربيعة وهي لحيّ. فولد لحيّ عامر بن لحيّ، وولد عامر بن لحيّ عَمْرًا وهو عمرو بن لحي، نسب إلى جده، فعرف بعمرو بن لحي. وهو على قول الأخباريين أول من غير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان٤.
وأشهر بطون قمعة أسلم، وخزاعة في رأي بعض النسابين٥. ولم يشر إلى عقب يذكر لقمعة بعض آخر من علماء الأنساب٦. أما أسلم، فهم بنو أفصى بن عامر بن قمعة، وأما خزاعة، فهم بنو عمرو بن عامر بن لحيّ وهو ربيعة، وقد كانت مواطن خزاعة في أنحاء مكة في مرّ الظهران وما يليه. وكانوا حلفاء لقريش. ودخلوا في عام الحديبية في عهد رسول الله، وقد ذهب بعض النسابين كما أشرت سابقًا إلى ذلك إلى أن خزاعة من غسان، وأنها من نسل حارثة بن عمرو "عامر" مزيقياء، وأنها أقامت بمر الظهران حين سارت غسان إلى الشام، وتخزعوا عنهم، فَسُمّوا خزاعة. وإلى نسبة خزاعة إلى غسان ذهب نسابو خزاعة٧.
стр. 2542
ومن صلب عمرو بن لحيّ، أي خزاعة، بنو سلول بن كعب بن عمرو بن عامر بن لحيّ، ومنهم قمير "قمر"، ومطرود ومازن وسعد وحليل، وحُبْشيّة وهم بطن، وهو حاجب الكعبة١. ووالد حُبّي التي تزوجها قصيّ بن كلاب، ومن نسل حليل أبو غبشان، واسمه المحترش، باع الكعبة بزق خمر من قصيّ بن كلاب. ومن ولد حبشية بن كعب بن عمرو بن عامر بن لحي: حرام، وغاضرة٢. ومن نسل بني عوف بن عمرو بن عامر بن لحي: جفنة "بنو جهينة"، وهم عباد بالحيرة. ومن نسل سعد بن عمرو بن لحي بنو المصطلق. ومن بني أفصى بن عامر بن قمعة بن عامر بن قمعة: بنو أسلم، وسلامان وهوازن، وبنو ملكان بن أفصى بن عامر بن قمعة وبنو مالك بن أفصى٣.
وقد تحدثت سابقًا عن رأي نسابي اليمن في خزاعة، وعدها من جماعة قحطان. ونظرًا لعد بعض النسابين إياها من عدنان تحدثت عنها في هذا الباب. أما فرع مدركة، فيتكون من أصلين: خزيمة، وهذيل. وأمهما سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار٤. وأضاف بعض النسابين ولدًا آخر إليهما اسمه غالب بن مدركة، دخل نسله في بني الهون بن خزيمة بن مدركة٥.
أما ولد خزيمة، فهم كنانة وأمه عوانة بنت قيس بن عيلان، وأسد، وأسدة، والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة. أخت تميم بن مر٦. ويرى بعض النسابين أن جذامًا ولخمًا وعاملة هم نسل أسدة، ولكنهم انتسبوا في اليمن، فقالوا جُذام بن عدي بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن زيد بن يشجب بن عريب بن مالك بن زيد بن كهلان، وأن هذا الانتساب كان لعوامل سياسية كما حدث لقبائل أخرى، خاصة في أيام الأمويين٧.
стр. 2543
وكانت منازل كنانة عند ظهور الإسلام في أطراف مكة بين هذيل وأسد بن خزيمة، وكان لها أثر مهم في تأريخ مكة على ما يفهم من روايات الأخباريين. وقد ساعدت قريشًا، وقريش من كنانة في نزاعها على رئاسة مكة مع خزاعة، ولها مع خزاعة جملة وقائع، كما كان لها أثر خطير في حروب الفجار١.
وتتألف كنانة من بطون عديدة، هي: النضر، والنضير، ومالك، وملكان، وعامر، وعمرو، والحارث، وعروان "عزوان"، وسعد، وعوف، وغنم، ومخرمة، وجرول. وفي رواية لابن الكلبي أن جميع هؤلاء الأبناء هم من أم واحدة هي برّة بنت مرّ، أخت تميم بن مرّ٢، وهي أم أسد وأسدة والهون أبناء خزيمة في رواية أخرى. أما أم عبد مناة بن كنانة، وذلك في رواية من جعله ابنًا لكنانة، فهي بنت هنيء بن بَليّ من قضاعة. ولهذا السبب نسبت إلى قضاعة عند بعض النسابين٣.
ومن بطون عبد مناة بن كنانة: بكر، وعامر، ومرّة، وغفار. وهي بطون. ومن بكر: ليث، والدئل وأمهما أم خارجة البجلية، وضمرة، وعريج. ومن ليث بن بكر: عامر وجُندع، وسعد. ومن الدُّؤل أبو الأسود الدُّؤلي. ومن بني مرة بن عبد مناة: بنو مدلج، وقد اشتهروا بالقيافة٤. ومن بطون مالك بن كنانة: ربيعة بن مكدم، فارس بني كنانة، وبنو فراس بن تميم، وبنو فُقَيم، وهم الذين كانوا ينسئون الشهور في الجاهلية،
стр. 2544
ثم أبطل ذلك في الإسلام١.
ومن نسل الهون: عضل٢، وديش٣، والقارة٤. وبنو ييتع "يتتع"٥ "يثيع"٦، بن مليح بن الهون. وهم، وبطنان من خزاعة هما: الحيا والمصطلق، حلفاء لبني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ويقال لهم جميعًا الأحابيش، أحابيش قريش، لأن قريشًا حالفت بني الحارث بن عبد مناة على بكر بن عبد مناة، فهم وأحلافهم حلفاء قريش٧.
أما نسل أسد بن خزيمة، فهم: دودان٨، وكاهل٩، وعمرو، وصعب، وحملة١٠. ويقال لبني عمرو بنو نعامة١١. وجعل بعض النسابين بني النعامة من نسل عبد الله بن صعب بن أسد، وهم: بنو جعدة، وبنو البحيرة بن عبد الله
стр. 2545
ابن مرّة بن عبد الله بن صعب بن أسد١. وحصر بعض النسابين بطون أسد بن خزيمة في كاهل، وفقعس، والقعين، ودودان٢.
ومن نسل عمرو بن أسد بن خزيمة: القليب، ومعرض واسمه سعد، والهالك٣، ومن نسل كاهل بن أسد بن خزيمة مازن بن كاهل، ومنهم علياء بن حارثة بن هلال الشاعر قاتل حجر بن عمرو الكندي والد الشاعر امرئ القيس٤.
وولد دودان بن أسد: ثعلبة، وغنمًا٥. فولد غنم بن دودان كبيرًا، وعامرًا ومالكًا. ومن بني غنم بنو جحش٦. ومن بني ثعلبة٧ بن دودان الشاعر عبيد بن الأبرص، والكميت الشاعر. ومن بني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان عمرو بن مسعود الذي يقال إن النعمان بنى عليه الغَرِيّ. ومن بني الحارث بن ثعلبة بن دودان: قُعين، ووالبة، وسعد، ومن بني قعين عامر بن عبد الله بن طريف بن مالك بن نصر بن قعين، صاحب لواء بني أسد في الجاهلية. ومن بني عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان، طليحة بن خويلد بن نوفل الذي ادعى النبوة٨. وأشهر بطون بني ثعلبة: بنو غاضرة، وبنو مالك، وبنو والبة، وبنو نصر بن قعين، وبنو الصيداء، وبنو فقعس، وبنو دبير٩.
أما ولد هذيل بن مدركة، فهم: سعد، ولحيان. وولد لحيان طابخة، ودابغة. ومن طابخة أبو قلابة الحارث بن صعصعة الشاعر. ومن سعد بن هذيل:
стр. 2546
الشاعر أبو كبير الهذلي، وحوية. وقيل إن الحطيئة منهم. ومنهم خناعة وهم بطن، ورهم، وتميم، والحارث، ومعاوية، وعوف. ومن سعد هذيل: عبد الله بن مسعود، والمؤرخ المسعودي. وقد اشتهرت هذيل بكثرة من نبغ فيها من الشعراء، وحيث بلغ عددهم نيفًا وسبعين شاعرًا١. ومن بطون هذيل الأخرى: بنو دهمان، وبنو عادية، وبنو صاهلة، وبنو ظاعنة٢، وبنو مخزوم، وبنو قُريم، وبنو قرد بن معاوية٣.
وتعد هذيل من القبائل العربية الكبيرة التي كانت في القرن السادس للميلاد، أما منازلهم في هذا الوقت، ففي سراة هذيل بين مكة والمدينة وفي جوار بني سُليم وكنانة٤، وهي مثل أكثر القبائل الأخرى لا نعرف من تأريخها قبل الإسلام شيئًا يذكر. ويذكر الأخباريون أنها كانت في جملة القبائل التي أرادت الدفاع عن مكة حينما عزم أبرهة على احتلالها. وكانت تتعبد للصنم سواع بنعمان، وسدنته بنو صاهلة من هذيل، وتعبدت له بنو كنانة وبنو مزينة وبنو عمرو بن قيس عيلان كذلك٥. وله معبد آخر بموضع "رهاط"٦، كما تعبدت للصنم "مناة" ومعبد بقديد٧.
إن ما ذكرته في هذين الفصلين، هو خلاصة آراء علماء الأنساب في أنساب القبائل. وهي آراء لا نستطيع أن نذهب مذهبهم في أنها جاهلية قديمة، وأنها على هذه الصيغة كانت معروفة قبل الإسلام، وإن قالوا إنهم توارثوها عن الجاهليين، ونقلوها عن المشتغلين بالنسب في الإسلام والجاهلية كابرًا عن كابر، ولا نستطيع أيضا أن نزعم أنها تمثل أنساب القبائل على نحو ما دونت وصنفت في الديوان بأمر الخليفة عمر بن الخطاب. فلم نجد في أقدم ما انتهى إلينا من
стр. 2547
كتب النسب إشارة تفيد أن ما قصوه علينا وما ذكروه في النسب، منتزع من سجلات ديوان الخليفة. ثم إننا رأينا أمثلة عديدة، لتنقل نسب القبائل في أيام الأمويين بين قحطان وعدنان لأسباب سياسية وعوامل ترجع إلى هذا التعصب المزري الذي انتشر في ذلك العصر، حتى جزّأ العرب إلى قيس ويمن.
وهذه الخصومة السياسية العنيفة التي جزأت العرب ويا للأسف إلى جزأين، وأسالت الدماء بين الفرقين، صارت سببًا لتثبيت أنساب القبائل وضمها في مجموعتين: إما إلى قحطان، وإما إلى عدنان، ولا وسط بين الكتلتين. وقد صادف هذا التحزب عصر بدء التدوين، فكان النسب "لأهميته عند القبائل والناس وفي الحياة السياسية في ذلك العهد" في طليعة الأمور التي شملتها حركة التدوين، فبدلا من أن يعتمد النسابون على الذاكرة والرواية سطروا تلك الروايات في الأوراق، وضبطوا أنساب القبائل التي عاشت قبيل الإسلام وفي صدر الإسلام بهذا التدوين.
وقد أحدث عدم ضبط قواعد الخط في صدر الإسلام، وعدم استعمال النقط في أول العهد بالتدوين بعض المشكلات للمتأخرين في ضبط الأعلام. فاختلاف النقط يحدث كما هو معروف اختلافًا في ضبط الأسماء، وهذا ما حدث فعلا. وإنك لتجد في كتب الأنساب المطبوعة والمحفوظة أمثلة عديدة من هذا القبيل. كذلك أدى إهمال بعض النسابين ذكر الآباء أو الأجداد إلى حدوث شيء من الارتباك في ضبط الأنساب. يضاف إلى هذا تشابه أسماء بعض القبائل والبطون في قحطان وعدنان.
وقد أشار الهَمْداني إلى العصبية التي كان لها أثر خطير في وضع الأنساب في عهد معاوية وغيره في الشأم وفي العراق، ثم إلى تقصير نسابي العراق والشام في عدة آباء كهلان وحمير، ليضاهوا بذلك على حد تعبير الهمداني عدة الآباء من ولد إسماعيل، وذكر أنه كانت عند أهل اليمن مثل حمير وهمدان والمرانيين وغيرهم زُبُر مُدوّنة فيها أنسابهم، يتناقلها الناس، وهي تختلف عن الأنساب التي يتداولها أهل النسب في العراق والحجاز والشأم بعض الاختلاف، وأن بعضًا من أنساب عرب الحجاز دخل في أنساب الناس من أهل اليمن، وذلك على رأيه لأسباب، منها: فتك "بخت نصر" بأقيال اليمن في عهد أسعد تبع،
стр. 2548
وفي أيام حسان بن أسعد وتخريبه حصونهم، وقتل حسان لجديس التي أفنت طسمًا١. وفي هذا الحديث على علاته ما فيه من اعتراف صريح باضطراب النسابين في ضبط الأنساب.
ولا يخلو بعض هذه الأنساب من تحامل العصبية التي كانت في نفوس القبائل والبطون، إذْ خلقت هذه مثالب لصقتها بآباء القبائل المتباغضة وأجدادها حفظت على مرور الأيام، ولازمت من قيلت فيهم، ليس من الصعب الوقوف عليها ومعرفتها كما الحال في نسب ثقيف مثلا. وقد أوجدت قسوة الحجاج بن يوسف، وهو من ثقيف، ذلك القصص الذي قيل في جدّ ثقيف ولا شك.
وقد أشرت فيما سبق إلى أثر التوراة وأثر نفر من أهل الكتاب ممن ادعوا العلم بكتب الأولين في النسابين والأخباريين ووضعهم أسس النسب، وإرجاعها إلى قحطان وعدنان، وبناء نسب القبائل على هذين الأساسين. وقد وجدنا "يقطان" في التوارة أبًا لشبا وحضرموت وبقية إخوتهما، وهم من العرب الساكنين في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية. ويقطان هو قحطان. ثم وجدنا الإشماعيليين في التوارة كذلك، والإشماعيليون هم الإسماعيليون أبناء إسماعيل جد العرب العدنانيين. ووجدنا نابت وقدار في التوراة كذلك وعند النسابين أيضًا، ونابت هو "نبابوت".
أما الذي يتجلى لنا من استعراض كل هذه الأنساب ودراستها، سواء أكانت قحطانية أم عدنانية، فهو أن الحياة السياسية للقبائل كانت حياة كتل، وهي حياة اقتضتها ضرورات الحياة للدفاع عن النفس والمصالح، كما هو شأن الدول في كل زمان، حيث تعقد بينها المحالفات. فالحلف بين القبائل، هو كالحلف بين الدول بكل ما للحلف من معنى. وقد رأينا نماذج من تلك الكتل الضخمة أشرت إليها في أثناء كلامي على القبائل. ويخيل إليّ أن فكرة رجوع العرب إلى قحطان وعدنان، فكرة تثبتت في الإسلام، ساعد في ترسيخها وتثبيتها تلك العصبية التي أشرت إليها، وتلك النظرية التي انتزعها ابن الكلبي وأضرابه من التوراة ومن أهل الكتاب بخصوص يقطان وقيدار.
стр. 2549
وفي الذي يذهب إليه أهل الأخبار والأنساب من ادعاء وجود خلاف بين القحطانيين والعدنانيين، شيء من الصحة، لا سبيل إلى نكرانه، غير أنه ليس على النحو الذي ذهبوا إليه. والكتابات الجاهلية التي تحدثت عنها سابقًا، وأسماء الأشخاص والأصنام، شواهد على وجود هذا الاختلاف. ولكن ليس اختلافًا بالمعنى الذي ذهب إليه الأخباريون. فبين العرب الذين يطلق الأخباريون عليهم "القحطانيين" اختلاف في اللهجة وفي الأسماء لا يقلّ عن الاختلاف بين القحطانيين والعدنانيين. كذلك نجد مثل هذا الاختلاف بين العدنانيين أنفسهم. وقد وجدنا نص النمارة لامرئ القيس، وهو أصل قحطاني على حد تعبير الأخباريين وأهل الأنساب، بلهجة قريبة من لهجة القرآن الكريم بعيدة عن لهجات أهل اليمن. بلهجة نستطيع أن نقول إنها من الأم التي ولدت عربية القرآن الكريم. كذلك نجد النصوص الأخرى قريبة من هذه العربية، مع أنها لأناس يجب عدّهم من قحطان إن سرنا مع النسابين في مذهبهم في تقسيم العرب إلى قحطانيين وعدنانيين. ثم إن الأخباريين لم يشيروا إلى فروق في اللسان بين القحطانيين والعدنانيين، وإنما جعلوهم يتكلمون بعربية واحدة هي عربية القرآن الكريم، ونسبوا إليهم أصنامًا مشتركة. وشعراء الجاهلية هم في عرفهم من قحطان وعدنان.. ولهذا قالوا عن اللهجات العربية الجنوبية التي ظلت حية في اليمن وفي حضرموت إنها غير فصيحة وأنها ليست بعربية، وأن لسان حمير ليس بلساننا، إلى غير ذلك مما أشرت إليه في أجزاء الكتاب السابقة مأخوذة من أقوال العلماء.
وقد ذكرت في كتابي "تأريخ العرب قبل الإسلام"، في أثناء كلامي على النبط ما كان من وجود أداة "أل" المستعملة في عربية القرآن الكريم، في كتاباتهم، وأشرت إلى استعمالهم أسماء استعملتها قريش وغيرهم من العرب العدنانيين١. وهي أسماء لم نعثر عليها في الكتابات العربية الجنوبية حتى الآن، كما أشرت إلى مشاركتهم العرب الشماليين في أسماء الآلهة التي تعبدوا لها، وأوردت آراء بعض المستشرقين في أصلهم، وفي أنهم عرب مثل العرب الآخرين.
ولهذه الملاحظات أهمية كبيرة في الحديث عن العرب الشماليين، وفي النواحي التي يختلفون فيها عن العرب القحطانيين. كما أن لنص النمارة ولتأريخ "بروكوبيوس"
стр. 2550
أهمية خطيرة كذلك في هذا الموضوع لإشارتهما لأول مرة إلى "معدّ". فقد وردت كلمة "معدو" أي معدّ في السطر الثالث من النص، ووردت كلمة "نزرو" أي "نزار" في السطر الثاني منه. يضاف إلى ذلك ورود أسماء قبائل أخرى هي "الأسدين"، أي قبيلة أسد، ومذحج.
أما تأريخ "بروكوبيوس"، فقد وضع "Maddeni" أي معدا في الأقسام الشمالية من الحجاز. وقد ذكر هذا المؤرخ، القيصر "يوسطنيان" طلب من "السميفع أشوع" "Esimiphjius" أن يوافق على تعيين سيد قبيلة اسمه "قيس Caisus" "Kaisus"" رئيسًا على "معدّ"١. وقد ذكرت أن هذا يدلّ ضمنًا على خضوع معد لحمير، ولو كان خضوعًا بالاسم. ولوجود معدّ في هذا الزمن، أي في القرن السادس للميلاد، في أرض كانت مأهولة بالنبط أهمية كبيرة ولا شك.
كما أشرت إلى ورود كلمة "مضر" في نص يماني، وإلى اشتراكها في حرب خاضتها سبأ وحمير ورحبة وكدت ومضر وثعبة٢. وهي حرب يظهر أنها كانت واسعة من الحروب التي وقعت قبيل الإسلام. ومضر في هذا النص قبيلة من هذه القبائل التي اشتركت في الحرب، وليس اسمًا عامًّا لقبائل كثيرة، أي على نحو ما يذهب إليه الأخباريون.
فيتبين من هذه النصوص أن معدا ونزارًا ومضر كانت قبائل تقيم في الأقسام الشمالية من جزيرة العرب وفي العربية الغربية. وقد لاحظنا أن نص النمارة قد فرق بين معد ونزار، ولم يشر إلى وجود رابطة بين القبيلتين، بمعنى أن كُلًّا من نزار ومعد كان قبيلة مستقلة، في حين يضع النسابون نسبًا بينهما ويربطون بين القبيلتين. والظاهر أن هذا الارتباط الذي ذهب إليه الأخباريون وأهل الأنساب إنما حدث في صدر الإسلام، بعد تثبيت القبائل في الديوان.
وفي أثناء كلام الأخباريين على تأريخ الحيرة، ذكروا أن معدا كانت خاضعة لها، وأن ملوكها كانوا يحكمون معدا. ذكروهم في جملة من كان قد خضع
стр. 2551
لحكم أولئك الملوك. والذين يستنتج من كلامهم أن معدا كانوا بادين، أي أعرابًا، وأنهم كانوا يقطنون مناطق كانت في نفوذ ملوك الحيرة. فهل قصد الأخباريون معدا الذين كانوا يسكنون في أعالي الحجاز كما ذكر ذلك "بروكوبيوس" أم قصدوا جماعات منهم هاجرت إلى بادية الشام، وخضعوا لحكم أهل الحيرة؟ ويلاحظ أن الأخباريين يتوسعون أحيانًا في مُلك ملوك الحيرة فيبلغون به البحرين والحجاز.
أما كيف تطورت هذه الأنساب، وكيف توزعت، وكيف حصرت في جدّين ومن قام بذلك، وأمثال هذا. فليس من السهل إيجاد جواب لأمثال هذه الأسئلة ما دمنا لا نملك الأسباب التي تهيئ لنا العلم الكافي للإجابة عنها.
стр. 2552
الفصل الثامن والأربعون: الناس منازل ودرجات
مدخل
...
الفَصْلُ السَّابِعُ والأربَعُون: الناس منازل ودرجات
وأهل الجاهلية مثل غيرهم من شعوب ذلك الزمن: أحرار وعبيد، يستوي في ذلك الأعراب وأهل المدر. والحرّ نقيض العبد، والحرة نقيض الأمة١. والحر هو الذي يتصرف بأموره كما يشاء. وأما العبد فلا، فأمره بيد مالكه، فلا يجوز له أن يفعل شيئًا من غير رضا سيده ومالك رقبته. ويعبر عن الحر بلفظة "حرم" في المسند، فيقال "حرم"، أي "حر". والجمع "أحرر"، أي "أحرار"٢.
والجاهليون وإن بدوا "ديمقراطيين" شعبيين، لا فرق عندهم بين حر وعبد، كبير أو صغير. يخاطب الفقير ملكه أو سيد قبيلته بلهجة بسيطة تنم عن "ديمقراطية" عميقة أصيلة إلا أنهم في الواقع طبقيون يعاملون الناس حسب منازلهم ودرجاتهم، ويعملون بمبدأ عدم التكافؤ بين الناس. وآية ذلك عُرف جلوس الناس في مجالس الملوك والمجتمعات، وعرف تقديم الطعام أو الشراب مبتدئين بالملك ثم بمن يجلس على جانبه الأيمن باعتبار أنه أشرف القوم ثم بالجالس على الجانب الأيسر من الملك، على ترتيب الناس في درجات جلوسهم أو حسب إشارة الملك إلى الساقي أو مقدم الطعام. ثم في نظرتهم إلى "الحق" وإلى الأعراف الاجتماعية كالأخذ بالثأر والزواج. فلهم في الأخذ بالثأر مبدأ مقرر
стр. 2553
معروف. هو أن القتيل إذا كان شريفًا في قومه. وكان قاتله وضيعًا صعلوكًا، أو عبدًا فلا يقبل أهل القتيل ب "القود"، بل بعرف تكافؤ الدم. فعندهم أن دم القتيل الشريف، لا يغسل إلا بدم شريف مثله ومن أهل مكانته، ومعنى هذا أن قتل القاتل لا يكفي، بل لا بد لأهل القتيل في هذه الحالة من البحث عن شريف من قوم القاتل يكون مكافئًا للقتيل في المنزلة والمكانة حتى يقتل به، فيغسل عندئذ بقتله دمه. وينام الثأر. وقد يكون المقتول وهو ما يحدث في الغالب بريئًا ولا علاقة له بالقتيل ولا القاتل. ولكن العرف القائم على نظرية التكافؤ بين الطبقات، لا يفهم براءة بريء، وحتى قتل القاتل وحده، بل يدين بعقيدة أن الدم لا يغسل إلا بدم موازٍ له، فلا بد من قتل شريف بشريف إذن حتى ينام أهل القتيل.
وإلى ما تقدم من الإسراف في القتل البريء بدم مقتول، أشير في القرآن الكريم: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ١. "وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يفعلون ذلك، إذا قتل رجل رجلًا عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل فقتله بوليه، وترك القاتل، فنهى الله عن ذلك عباده، وقال لرسوله، ﵇، قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله. وإن قتلت القاتل بالمقتول، فلا تمثل به"٢.
وعلى هذه النظرية الطبيعية بنوا تقييم أثمان الديات، أي ثمن الدم. فدية الملوك في الجاهلية أغلى ما دفع ثمنًا عن دم. إذْ جعلت دية الملك ألفًا من الإبل، فعرفت لذلك بدية الملك. تليها في الثمن ديات الأشراف وسادات القوم حسب الشرف والمنزلة حتى نصل إلى ديات المغمورين المطمورين فتكون أقلها ثمنًا. إذْ تبلغ خمسًا من الإبل، وقد تنقص في ذلك. وعلى هذه النظرية القائمة على "الفوقية"، و "التحتية"، قدرت فدية الأسرى أيضًا. ففدية الملوك الذين يقعون في أسر آسر ألف من الإبل، وعرفت ب "فدية الملوك" وفدية من هم دونهم أقل حتى تصل إلى أبخس ثمن، وهي فدية سواد الناس. ولهذا حرص
стр. 2554
الأسير الشريف الذي لا يعرفه آسره على إخفاء شخصيته وعلى التظاهر بالإملاق وبأنه من المغمورين ليجنب نفسه دفع فدية عالية قد يفرضها آسره عليه، فتوجعه وتؤلمه.
ومن هذه النظرة أيضًا ولد اعتقاد أهل الجاهلية أن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب١. فإذا كُلب إنسان أتوا رجلُا شريفًا فيقطر لهم من دم أصبعه فيسقون المكلوب فيبرأ. أو يسقونه من دم ملك فيشفى. جاء في المثل: دماء الملوك شفاء الكلب. ودماء الملوك أشفي من الكلب. قال أهل الأخبار عن الكلب: "وأجمعت العرب أن دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه"، فيشفى بذلك من الكلب٢. ولو لم يكن للجاهليين رأي خاص في الملوك والأشراف، وفي وجود تفوق لهم على سواد الناس، لما اعتقدوا هذا الاعتقاد في إشفاء دماء الملوك والأشراف لمن يصاب بالكلب. وبعدم إشفاء دم غيرهم لهؤلاء المرضى.
ومن هذه النظرة أيضا، تولد امتناعهم من تزويج بنات الأشراف والأسر من رجال هم دون البنت في المنزلة. وهو عرف يراعونه ويحافظون عليه إلى يومنا هذا. ويزدرون من شأن الخارج على "التكافؤ" بين البنت والولد في الزواج. وقد يرفضون تزويج رجل ثري مكتنز للمال، من امرأة فقيرة شريفة الأصل، إذا كان الرجل من أصل ذابل، كأن يكون أبوه أو جده "صانعًا" أو "خضارًا"، لأن الأصل في نظر العرب فوق المال. والشريفة يجب ألا تتزوج إلا من شريف مثلها، مراعاة منهم لمبدأ نقاوة الأصل وإنجاب الأولاد النجباء. ومن هذه النظرة امتنع العرب من تزويج بناتهم من الأعاجم حتى لو كان ذلك الأعجمي ملكًا. وقد رأينا كيف أن "النعمان بن المنذر"، رد طلب "كسرى" لمّا طلب منه تزويجه إحدى بناته من أحد أبنائه. وشق ذلك عليه حتى إنه لم يتمالك من ضبط نفسه، فقال للرسول: أما في عين السواد وفارس ما تبغون حاجتكم. ومراده من لفظة "عين" البقر. ومن اغتنام "زيد بن عديّ بن زيد العبادي" هذه الفرصة، وكان هو الذي اقترح على "كسرى" أن يزوج أحد ولده من بنات النعمان، فقال لكسرى: "قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم،
стр. 2555
وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى إنهم ليسمّونها السجن". ومن قوله له: "أيها الملك: إن شر شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرمون عن العجم"١. فكان ما كان من غضب "كسرى" على النعمان ومن القضاء عليه على النحو الذي تحدثت عنه٢.
وقد جعل بعض العلماء تخوف العرب من القهر عليهم ومن طمع غير الأكفاء في بناتهم، في جملة العوامل التي حملتهم على وأد البنات. "قال قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء، وأشدهم في هذا تميم. زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن"٣. ومن شروط الكفاءة في الزواج عند الجاهليين، التكافؤ في النسب والحسب والمكانة وفي الأصل.
وسبب امتناع العربي من تزويج ابنته إلى أعجمي، هو تكرم العرب عن الأعاجم واستعلاؤهم عليهم. ونظرتهم إلى الأعاجم على أنهم دونهم في المنزلة والكرامة. لذلك رأوا أن تزويج بنت عربية إلى علج أعجميّ، خسّة ما بعدها خسّة ودناءة ما وراءها دناءة. حتى وإن كان العربي فقيرًا لا يملك شيئًا. بل عابوا العربي الذي يتزوج أعجمية بسبب النسل، واستصغروا شأن المولود من أب عربي ومن أم أعجمية. فهو وإن كان عربيًّا في عرف العرب من أجل أن النسب إلى الأب، ولكنه أعجمي من ناحية الأم، فهو دون الأصيل في المرتبة.
وفي غنى العربية بالمصطلحات الكثيرة التي تطلق على السادة والأشراف وعلى الفقراء والمعدمين التربين وعلى الطبقات الأخرى، دلالة ليس فوقها دلالة على وجود هذه النظرة الطبقية عندهم، وعلى نظرتهم إلى أنفسهم على أنهم منازل ودرجات، وأنهم غير متكافئين. وأن القيادة في المجتمع يجب أن تكون للبيوت.
стр. 2556
ثم إن الأحرار على منازل ودرجات. وهم متفاوتون من حيث الشرف والمال. ويظهر التفاوت بين أهل المدر أكثر مما يظهر بين أهل الوبر، لأن الأعرابي فخور بنفسه، يرى أنه "شريف" مثل غيره نبيل وإن قل ماله وشح. ثم إن التفاوت بين الطبقات لا يمكن أن يظهر في البادية ظهوره بين الضواحي والقرى، لأن طبيعة البادية لا تساعد على ظهور ذلك التباين، حتى إن عبيد الأعراب لم يكونوا يكوّنون طبقة خاصة مضطهدة، ينظر إليها نظرة أهل القرى بازدراء، بل كانوا يعدون في البادية كأعضاء من أعضاء الأسرة١.
والتباين الطبقي هو على أوضح ما يكون في اليمن، لأن الطبيعة قد حبت أرض اليمن خيرات وجوًّا لم تحب المناطق الأخرى من جزيرة العرب مثلها، فكانت نتيجة ذلك ظهور الإقطاع فيها، واشتدت الحاجة إلى شراء الرقيق واستجلابه لاستغلال التربة واستثمار خيرات الأرض وتشغيله في المهن الوضيعة، وظهر في اليمن أغنياء ومتوسطو حال وفقراء معدمون، أي طبقات اجتماعية كونت ذلك المجتمع بشكل واضح لا نراه في المجتمعات العربية الأخرى، أشير إليهم في الكتابات.
стр. 2557
رجال الدين:
ورجال الدين طبقة في رأس طبقات المجتمع مكانة ومنزلة، ولها امتيازات خاصة، لأنها ألْسِنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض، والآمرة والناهية باسمها، وهي تقرب الناس إلى الآلهة، وتحرّم وتحلّل. وقد رأينا أن أوائل حكام العربية الجنوبية هم "مكربون"، أي رجال دين. ولرجال الدين أملاك وأموال، ولهم على الناس حقوق، يأخذونها منهم، كما تأخذ الحكومة حقها من الشعب. وهم طبقة كبيرة ذات قوة وسلطان مصالحها مع مصالح الحكّام بالرغم من الانفصام الذي وقع فيما بين الدولة والمعبد، وإبعاد "المكرب" عن الحكم، وحصر حق الحكم في الملك وحده، وحصر حق إدارة المعبد في رجال الدين وحدهم، وذلك لأن مصالح الملك ومصالح رجال الدين متشابهة، وكل جهة من
стр. 2558
الجهتين بها حاجة إلى مساعدة الجهة الأخرى.
وكثيرًا ما نقرأ في كتابات معين: أن ال "شوع" أو ال"رشو" الفلاني قدم قربانًا إلى آلهة معين، أو بنى معبدًا، أو أقام بناء، أو عمل عملاً تقدمة لآلهة معين. ولفظتا "شوع" و "رشو" تعنيان الكاهن والسادن، أي منزلة دينية ذات مركز سام، وهي أعلى درجات الكهنوت في العربية الجنوبية.
стр. 2559
السادة والأشراف:
ويعبر عن السادة والأشراف بتعابير التعظيم والتفخيم، ومنها "أبعل" "أبعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للآلهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل ... "و "عشتر بعل ... " وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة.
ويقال للسادة "أسود" "أسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف١. وتقابل اللفظة لفظة "سادات" في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع.
ويعد أعضاء الأسرة المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقدمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقيق يخدمهم.
ويعبر عن وجيه القوم وذي المنزلة والمكانة بلفظة "كهثم" "كهث"٢ وعكسها الوضيع والخامل والصغير والحقير، فقد ورد: "كل إنسم كهثم وقطم"، ومعناها: "كل إنسان: كبير وصغير" أو "كل إنسان وجيه ووضيع". وتطلق لفظة "القطين" وهي "قطنم" و "قطن" في لغة المسند، على الخدم والأتباع والإماء في لغة القرآن الكريم٣. فهي إذنْ في نفس
стр. 2560
المعنى المراد من اللفظة في لغة المسند. وقد ذكر علماء اللغة أن القطين أتباع الملك ومماليكه١.
ويقابل أهل الوجاهة والمنزلة في المجتمع، من يطلق عليهم "ص غ ر م" "صغرم"، أي صغير. ويراد بها سواد الناس، ممن لا وجاهة لهم ولا مركز لدى الحكومة والمجتمع، كما في هذه الجملة: "كبرم فاوصغرم"، ومعناها: "كبير أو صغير"٢.
وفي الدرجات العليا من درجات المجتمع، الأقيال وهم إقطاعيون كبار، لهم أرضون واسعة وسلطان، وقد يجد "القول" القَيْلُ قوة في نفسه ومنعة، فينازع الملوك على الملك، ويأخذ الحكم بيده.
وترد في الموارد الإسلامية درجة أخرى تذكر عادة مع الأقيال، هي درجة "ذو" وتجمع أذواء. ويظهر أنها من الدرجات الإقطاعية التي صار لها شأن في العهود المتأخرة القريبة من الإسلام. ويراد بها أصحاب الأرضين ورؤساء الإقطاعيات، كما تطلق على القبائل. وقد أخذت من "ذ" التي ترد في المسند، ومعناها "ذو" في عربيتنا وهي بمعنى "صاحب" في العربيات الجنوبية.