← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ثم إن الأحرار على منازل ودرجات. وهم متفاوتون من حيث الشرف والمال. ويظهر التفاوت بين أهل المدر أكثر مما يظهر بين أهل الوبر، لأن الأعرابي فخور بنفسه، يرى أنه "شريف" مثل غيره نبيل وإن قل ماله وشح. ثم إن التفاوت بين الطبقات لا يمكن أن يظهر في البادية ظهوره بين الضواحي والقرى، لأن طبيعة البادية لا تساعد على ظهور ذلك التباين، حتى إن عبيد الأعراب لم يكونوا يكوّنون طبقة خاصة مضطهدة، ينظر إليها نظرة أهل القرى بازدراء، بل كانوا يعدون في البادية كأعضاء من أعضاء الأسرة١. والتباين الطبقي هو على أوضح ما يكون في اليمن، لأن الطبيعة قد حبت أرض اليمن خيرات وجوًّا لم تحب المناطق الأخرى من جزيرة العرب مثلها، فكانت نتيجة ذلك ظهور الإقطاع فيها، واشتدت الحاجة إلى شراء الرقيق واستجلابه لاستغلال التربة واستثمار خيرات الأرض وتشغيله في المهن الوضيعة، وظهر في اليمن أغنياء ومتوسطو حال وفقراء معدمون، أي طبقات اجتماعية كونت ذلك المجتمع بشكل واضح لا نراه في المجتمعات العربية الأخرى، أشير إليهم في الكتابات.

стр. 2557

رجال الدين: ورجال الدين طبقة في رأس طبقات المجتمع مكانة ومنزلة، ولها امتيازات خاصة، لأنها ألْسِنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض، والآمرة والناهية باسمها، وهي تقرب الناس إلى الآلهة، وتحرّم وتحلّل. وقد رأينا أن أوائل حكام العربية الجنوبية هم "مكربون"، أي رجال دين. ولرجال الدين أملاك وأموال، ولهم على الناس حقوق، يأخذونها منهم، كما تأخذ الحكومة حقها من الشعب. وهم طبقة كبيرة ذات قوة وسلطان مصالحها مع مصالح الحكّام بالرغم من الانفصام الذي وقع فيما بين الدولة والمعبد، وإبعاد "المكرب" عن الحكم، وحصر حق الحكم في الملك وحده، وحصر حق إدارة المعبد في رجال الدين وحدهم، وذلك لأن مصالح الملك ومصالح رجال الدين متشابهة، وكل جهة من

стр. 2558

الجهتين بها حاجة إلى مساعدة الجهة الأخرى. وكثيرًا ما نقرأ في كتابات معين: أن ال "شوع" أو ال"رشو" الفلاني قدم قربانًا إلى آلهة معين، أو بنى معبدًا، أو أقام بناء، أو عمل عملاً تقدمة لآلهة معين. ولفظتا "شوع" و "رشو" تعنيان الكاهن والسادن، أي منزلة دينية ذات مركز سام، وهي أعلى درجات الكهنوت في العربية الجنوبية.

стр. 2559

السادة والأشراف: ويعبر عن السادة والأشراف بتعابير التعظيم والتفخيم، ومنها "أبعل" "أبعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للآلهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل ... "و "عشتر بعل ... " وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة. ويقال للسادة "أسود" "أسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف١. وتقابل اللفظة لفظة "سادات" في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع. ويعد أعضاء الأسرة المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقدمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقيق يخدمهم. ويعبر عن وجيه القوم وذي المنزلة والمكانة بلفظة "كهثم" "كهث"٢ وعكسها الوضيع والخامل والصغير والحقير، فقد ورد: "كل إنسم كهثم وقطم"، ومعناها: "كل إنسان: كبير وصغير" أو "كل إنسان وجيه ووضيع". وتطلق لفظة "القطين" وهي "قطنم" و "قطن" في لغة المسند، على الخدم والأتباع والإماء في لغة القرآن الكريم٣. فهي إذنْ في نفس

стр. 2560

المعنى المراد من اللفظة في لغة المسند. وقد ذكر علماء اللغة أن القطين أتباع الملك ومماليكه١. ويقابل أهل الوجاهة والمنزلة في المجتمع، من يطلق عليهم "ص غ ر م" "صغرم"، أي صغير. ويراد بها سواد الناس، ممن لا وجاهة لهم ولا مركز لدى الحكومة والمجتمع، كما في هذه الجملة: "كبرم فاوصغرم"، ومعناها: "كبير أو صغير"٢. وفي الدرجات العليا من درجات المجتمع، الأقيال وهم إقطاعيون كبار، لهم أرضون واسعة وسلطان، وقد يجد "القول" القَيْلُ قوة في نفسه ومنعة، فينازع الملوك على الملك، ويأخذ الحكم بيده. وترد في الموارد الإسلامية درجة أخرى تذكر عادة مع الأقيال، هي درجة "ذو" وتجمع أذواء. ويظهر أنها من الدرجات الإقطاعية التي صار لها شأن في العهود المتأخرة القريبة من الإسلام. ويراد بها أصحاب الأرضين ورؤساء الإقطاعيات، كما تطلق على القبائل. وقد أخذت من "ذ" التي ترد في المسند، ومعناها "ذو" في عربيتنا وهي بمعنى "صاحب" في العربيات الجنوبية.

стр. 2561

الوجوه: وسادة القوم هم وجوه المجتمع وسادات القبائل وقادة الجيوش. من "مقتوين" ومن أمراء حرب، ومن المقربين إلى الملوك وكبار موظفي الدولة. وهم أنفسهم من الطبقات العالية في الغالب. وقد ورثوا منازلهم إرثًا، ولهم أرضون وثراء وقصور يقيمون فيها، وبيوت مشيدة، وخدم يخدمونهم، وقد حصلنا على أسماء عدد منهم من الكتابات. والتجارة من أشرف ما يشتغل به إنسان عند قريش وعند غيرهم من العرب.

стр. 2562

وقد اشتغل بها أكثر أشراف مكة، إذ كانوا تجارًا يتاجرون مع اليمن ومع بلاد الشأم والعراق. وقد كانت الحرفة الوحيدة المربحة في جزيرة العرب. فالزراعة لا تدر عليهم ربحًا كبيرًا، لعدم توفر الماء الكافي لزراعة أرضين واسعة تأتي لأصحابها بغلات واسعة وبأموال طائلة، والصناعة غير متيسرة، لذلك عافوها وعابوها، ولم تكن لديهم وسيلة مربحة أخرى غير التجارة. ومن الألفاظ الدالة على الوجاهة والمكانة عند العرب الجنوبيين، لفظة "قرمن"، أي "القرم"١. وهي في هذا المعنى في عربيتنا كذلك، فيقال للسيد قرم. والقرم من الرجال السيد المعظم و "المقرم"، هو أيضًا السيد المعظم٢..

стр. 2563

المحاربون: ويكون المحاربون طبقة خاصة بهم، وهم أناس احترفوا الخدمة العسكرية وعاشوا عليها، وقد أشير إليهم في الكتابات وعرفوا ب"قسم" "قسد" "ق س د". وقد ذكروا بعد أصحاب الأرض في إحدى الكتابات١. وقبل "التجار" "مكر" و "الكيالين" "سلا" في كتابة أخرى٢. وقد أشار إليهم "سترابو" إذْ جعلهم في الطبقة الأولى من طبقات المجتمع في "العربية السعيدة". وكان قد قسم هذا المجتمع ثلاثَ طبقات: المحاربين، والمزارعين، وأصحاب الحرف اليدوية٣. ويظهر من دراسة بعض النصوص التي وردت فيها كلمة "قسدن"، أن

стр. 2564

"القسود"، كونوا طبقة كبيرة خاصة في دولة سبأ، كانت منزلتها دون منزلة الأشراف وأصحاب الإقطاع وفوق رقيق الأرض، المسمون ب "أدومت"، التابعين للأرض والذين يباعون معها عند بيع الأرض. وكانوا يستغلون الأرض التي تعطى لهم لاستغلالها في مقابل أداء الخدمة العسكرية والاشتراك في القتال عند وقوعه، فهم عساكر وفلاحون في آن واحد. ويشبه حالهم حال العساكر الذين منحهم الخلفاء الراشدون أرضين زراعية لاستغلالها في مقابل هرعهم إلى القتال مع المحاربين عند توجيه الدعوة لهم. وهو نظام كان عند الساسانيين والبيزنطيين. وقد كان الأشراف وأصحاب الإقطاع يستأجرون من لا أرض له، بإعطائه أرضًا لاستغلالها في مقابل الدفاع عنهم والقتال دونهم. ولذلك كان لكل إقطاعي "قسود" أستطيع تسميتهم بالفلاحين المحاربين. يحاربون معه ويدافعون عنه. وإذا مات سيدهم، صارت السيادة إلى من ينتقل الإرث إليه. ويعرف المحارب ب "أسدم" "أسد" في العربيات الجنوبية، أي جندي وعسكري في اصطلاحنا اليوم. وهم أحرار وعبيد. ووردت في بعض الكتابات جملة "أسد أملكن" "أسد أملكان"، أي "جنود الملك" و "جنود الملوك" وذلك تعبيرًا عن جماعة اختصت بالخدمة في جيش الملك. وقد أشير إليهم في كتابة بمناسبة إنشاء طريق١. ويلحق هذه الطبقة طبقة ال "أتمت" ويراد بها الجنود المرتزقة، أو ما يعبر عنه ب "العساكر" في الزمن الحاضر٢، وقد كَوّن "العساكر" أو "عساكر السلطان" كما عرفوا في بعض البلاد الإسلامية في أيام الخلافة طبقة خاصة، اعتمدت على سلطانها وقوتها، فلم تحفل بأحد وأخذت تعتدي على الأهلين. وقد كانوا خليطًا من الأحرار ومن الرقيق، واعتمد عليهم الحكّام في الدفاع عنهم وفي القضاء على خصومهم، فعاشوا على خدمة سادتهم، وقد صارت حرفتهم وراثية، فابن ال "أتمت"، ينتسب إلى الخدمة في المعسكر أيضًا حين بلوغه سن الخدمة ويعيش في خدمة سيده.

стр. 2565

التجار وتوابعهم: ويكوّن "التجار" طبقة خاصة من طبقات المجتمع العربي الجنوبي، ويقال لهم "مكر" في لغة المسند. وقد كانوا يتاجرون في البر والبحر، ولهم قوافل وطبقات دنيا من رقيق وخدم تؤدي الواجبات التي يريدها سادتهم منهم. وكان لهذه الطبقة شأن خطير في تاريخ العربية الجنوبية في القديم، وأثر بليغ في اقتصاد البلاد، وتزويد الحكومة بمصدر كبير من مصادر دخلها وهو الضرائب التي كانت تدفعها إليها. وقد تعرض علماء العربية للفظة "المكر"، فقالوا: إن من معانيها السوق، وفيها يقع المكر والخداع. وإن "الماكر" العير تحمل الزبيب، والتمكير احتكار الحبوب في البيوت١. ولهذه المعاني صلة مباشرة بالتجارة وبالإتجار في البرّ والبحر. وفي العربية طبقة عرفت ب "سلا"، تعاطت تجارة الملح، كانت تبيعه وتستورده وتصدره وتقوم بنقله من مواضعه إلى الأسواق. وقد شبه "رودوكناكس" هذه الطبقة ب "الكواليان" في الوقت الحاضر٢.

стр. 2566

الطبقات الدنيا: ومن الطبقات الدنيا عند العرب الجنوبية: ال "أدم" وال "صغرم" "الصغر" "الصغار"، والأجراء "أجرم"، والمتربون "غبر"، وال "ومي" "أمي".

стр. 2567

الأدم: وترد في كتابات المسند كلمة هي "أدم" و "أدومت". وتقابل لفظتي "أدم" و "أدومت" و "آدمي" و "أوادم" في العراق، بمعنى خادم وخدم١. ووردت في صورة: "أديمت" "أد ي م ت" و "أدوم" في الكتابات

стр. 2568

القتبانية المتأخرة١. وتؤدي معنى التبعية. وأعني بالتبعية الاعتراف بسيادة رئيس على مرءوس٢. فقد كان أصحاب الأرض يؤجرون الأرض لمن لا أرض لهم، ومن لا مال لهم، فيقيمون فيها يشتغلون لأصحابها، ويكونون تبعًا لهم. ويعبرون عن هذه التبعية بتلك اللفظة المعبرة عنها. فهم في هذه الحالة إذن مزارعون يعيشون من كراء الأرض٣. وقد وردت هذه اللفظة بهذا المعنى، خاصة في النصوص المتعلقة بقبيلة "سخيم"٤. وهي ذات أملاك واسعة وأرضين خصبة، وأجرتها لمن لا أرض له من الوافدين عليها من الأماكن الأخرى، لتستغل هذه الأرضين وتعيش عليها، معترفة بذلك أنها في حماية هذه القبيلة وفي خدمتها. وهي فضلًا عن ذلك تعبر عن التبعية بكل أشكالها، فتعبر عن الانتماء إلى شخص أو قبيلة كذلك، بمعنى أن "الأدم" تابع لذلك الشخص أو القبيلة، منتمٍ إليه. ولذلك يذكر ال "ادم" اسم سيده الذي ينتمي إليه ويحتمي به، كأن يذكر اسمه أو اسم القبيلة التي ينتمي إليها. وقد يعبر باللفظة عن معنى "تابع" و "خادم" بالمعنى المجازي أيضًا، في مثل مصطلح "أدم ملكن" أي "خادم الملك" و "عبد الملك" و "آدم الملك"٥. وذلك تعبيرًا عن الاحترام للملك وعن الإقرار بتبعية الشخص المذكور له، وبإخلاصه له إخلاص العبد لسيده، وإن كنا نجد أن للملك حاشية كبيرة هي حاشية "أدم" حقيقية، أي طبقة لا تملك أرضًا ولا ملكًا، ومعاشها من خدمة الملك، حيث يتولى القصر الإنفاق عليها، كما كانت للأسرة الكبيرة جماعات من ال "أدم" تخدمها وتؤدي لها مختلف الأعمال.

стр. 2569

فال "أدم" إذن وفي الغالب، تعبير عن جماعات من الناس كانوا أحرارًا، إلا أنهم لم يكونوا من المتمكنين في حياتهم من حيازة أرض أو ملك، لذلك جعلوا أنفسهم في خدمة غيرهم، بأن كروا الأرضين من أصحابها، لاستغلالها في مقابل حق معلوم، أو اتفقوا مع ثري على أداء عمل له في مقابل أجر يقدمونه إليه، وهم طبقة واسعة العدد. وهي لذلك أرقى منزلة وأحسن حالًا من حال العبيد المملوكين، والرقيق المشترى من الأسواق. وقد فسّر بعض الباحثين كلمة "أدوم" "أدوام" و "أديمت"، و "أدومت"، بمعنى عمال الأرض، أو طبقة واطئة من المزارعين الذين لا يملكون أرضًا، أحوالهم ضعيفة، لأن ما ينتجونه لا يكفي لإعاشتهم. وذكروا أن كلمة "ضعيف" المستعملة في العربية الجنوبية تعبر عن ذلك المعنى المراد من تلك الكلمات١. وقد ورد في بعض النصوص لفظ "أج ر م" بمعنى "أجير" و "أجراء"٢ وهم الأشخاص الذين يشتغلون بأجور يدفعها لهم أصحاب الأرضين أو أصحاب المال أو أصحاب العمل. وقد كانوا طبقة من الطبقات الدنيا، بدليل ذكرهم في هذه الجملة: "كل معنم حرم وأجرم"٣، "كلّ معينيّ حرّ وأجير"، أي كل فرد من أبناء معين حر وأجير، بتعبير أوضح، والأجراء هم أكثر حرية من العبيد، لأنهم يشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها. فإذا انتهى العقد، أو حصل خلاف، جاز للأجير الانتقال إلى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك، لأنه ملك يمين. والأجراء أناس أحرار، يستطيعون التنقل والتصرف بحرية، ولكنهم فقراء معدمون لا يملكون شيئا، وعيشتهم من العمل الذي يقومون به لغيرهم مقابل الأجر الذي يقدمه رب العمل لهم. وقد يكون الأجر الذي يدفع عن عمل مقطوع، وقد يكون عن أمد يحدد كأن يكون أجر يوم واحد أو أيام، فإذا تم النهار دفع الآجر للأجير، وقد

стр. 2570

يكون الأجر لموسم كامل، كموسم زرع، وقد كان الأجراء يشتغلون في الزراعة خاصة كحرث الأرض وزرعها أو حصاد الزرع أو قطف الثمر. ولضعف هذه الطبقة، وعدم تمكنها من أخذ حقها بالقوة، كان بعض من يؤجرهم يأكل حقوقهم، ولا يدفع أجورهم، أو يأكل قسمًا منها. ونجد هذه الطبقة في العراق حيث أشير إليها في شريعة "حمورابي"، كما نجدها في أماكن أخرى من العالم، وما زال العامل يستخدم في مقابل أجور يومية للقيام بمختلف الأعمال١. وقد ورد في الكتابات القتبانية ذكر جماعتين: جماعة عرفت ب "غبر"، وجماعة عبر عنها ب "ومي"، أو "أمي"٢. و "الغبر" في عربية القرآن الكريم هم الفقراء والصعاليك، وفي العربية كلمة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "غبراء الناس"، أي فقرائهم، ومنه قيل للمحاويج بنو غبراء، كأنهم نسبوا إلى الأرض والتراب. وبنو غبراء الفقراء. وأما "الغرباء"، فهم الصعاليك٣. فالغبر، إذن هم طبقة من الطبقات البائسة الدنيا التي كانت في قتبان وفي غير قتبان، طبقة من الفقراء والصعاليك، لا تملك شيئًا، ليس لها في حياتها غير البؤس والتعاسة لأنها ولدت بائسة تاعسة فعاشت في تعاستها هذه في هذا العالم على صدقات الناس وعلى ما يحصلون عليه بالسرقة أو بالاستجداء وبالقيام بالخدمات والأعمال المتعبة في سبيل الحصول على ما يقوتهم إلى يوم خلاصهم من هذا العالم بالوفاة. وبمعنى المحاويج والصعاليك فُسّر بيت "طرفة بن العبد"، بقوله: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدّد٤ وعرف "بنو غبراء" ب "المدقعين" للصوقهم بالدقعاء، وهي الأرض. كأنهم لا حائل بينهم وبينها٥، و "الدوقعة الفقر والذل" و "جوع أدقع وديقوع شديد"٦.

стр. 2571

وأما "الومي" "أمي؟ "، فطبقة من الطبقات الدنيا كذلك، من هذه الطبقات العاملة البائسة التاعسة التي لا تحصل على عيشها إلا بشق الأنفس. ولعلّها الطبقة التي يقال لها "شفلوت" في العربية الجنوبية في هذه الأيام١. ويجوز أن تكون للكلمة صلة بلفظة "أمي" في عربيتنا التي تعني الجاهل والشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب. وفي العربية لفظة "الحشم"، قيل إنها تعني المماليك والأتباع، مماليك كانوا أو أحرارًا٢. وورد أن الحشم الأحرار، والقطين: المماليك٣.

стр. 2572

رؤوس وأذناب ... رءوس وأذناب: ونجد التفاوت الاجتماعي في ذروته عند العرب الجنوبية كما بينت ذلك من إيرادي للمصطلحات الاجتماعية المتقدمة. ويقع هذا التفاوت في الدولة وفي المجتمع عند الحضر وعند "أعربن" الأعراب. ويقع بين القبائل كما يقع في القبيلة الواحدة. فالقبائل أيضا منازل ودرجات. وعلى رأس القبائل التي ينتسب لها المكربون أو الملوك. مثل "معين" و "سبأ" و "قتبان" و "حضرموت"، و "أوسان". ولهذا ذكرت مع الآلهة والحكّام ونسبت إليها الحكومات. ثم ذكر بعدها القبائل الأخرى التي هي أقل أهمية منها. أما في القبيلة الواحدة، فنجد تفاوتًا بين أبنائها، وقد رتبوا وصنفوا في درجات ومنازل. أعلاها عند السبئيين مثلا أعضاء ال "مزود" و "حسود؟ "، أصحاب المشورة والرأي والذين يستشيرهم الملوك، وهم طبقة ممتازة كانت فوق القانون، ذات امتيازات خاصة. يليها أصحاب الأملاك والأرض والمال المسمّون ب "مسحنن" في السبئية، وب "طبنن" في القتبانية. ثم تليها طبقات أخرى تتدنى حتى تصل إلى أسفل، وهي طبقة "الأدومت" "أدم": "طبقة "الأوادم" أي الخدم. ويعد المقربون إلى الملوك من أشراف الناس ومن أصحاب الحظوة والجاه.

стр. 2573

وهذا شيء طبيعي، بالنسبة لكل مكان وزمان، فالذي يصل إلى الملك أو الحاكم لا بد وأن يكون من ذوي الجاه والمنزلة والمكانة. وقد عرف من اختص بالملوك ب "أصفياء الملوك" وب "أحباء الملك" وب "ندماء الملوك"، وهم من الخاصة بالطبع. ويعبر عنهم ب "مودد ملكن" في العربيات الجنوبية. وأدنى الطبقات منزلةً في المجتمع، هي طبقة العبيد، هي طبقة تقوم بالخدمة وبسائر الأعمال التي يأنف الإنسان الحر من ممارستها. وقد يكون معظم أفرادها من الزنوج المستوردين من إفريقية. وأما الباقون فمن الرقيق الأبيض المستورد من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشأم. وقد كان العبيد ملكًا يباع ويشترى بيع الأموال المنقولة، ويتصرف صاحب العبد به تصرفه بملكه الخاص، ولم يخول القانون العبد حق إبداء رأيه في مستقبله في أي حال من الأحوال، لأنه ملك وبضاعة مملوكة، وكالماشية، وإن كان إنسانًا حيًّا له ما لكل إنسان من روح وإدراك وشعور. ويعرف العبد بلفظة "عبدم" في الكتابات العربية الجنوبية، أي "عبد" وبلفظة "عبدن"، أي "العبد"١. وتشمل كل العبيد، مهما اختلفت ألوان بشرتهم. وترد هذه اللفظة في عربية القرآن الكريم كذلك، وفي سائر اللهجات العربية الأخرى مثل اللهجة "اللحيانية"٢؛ كما ترد في لغة بني إدم "عبدو" وفي اللغة العبرانية٣. وتستعمل اللفظة للتعبير أيضًا عن العبودية المعنوية، مثل نسبة عبودية الإنسان إلى الآلهة أو للملوك أو الكبار وللأشراف والسادات. وتؤدي لفظة "قن" معنى عبد؛ أما "قنت" "قنيت" "قنية"، فتؤدي معنى عبدة. وردت بهذا المعنى في الكتابات الصفوية٤. وتعبر عن طبقة العبيد التي كانت منتشرة في كل أنحاء جزيرة العرب، وفي كل أنحاء العالم إذ ذاك. إذ كانت القوانين الحكومية والقوانين الدولية تعد الإتجار ببيع الرقيق تجارة

стр. 2574

مشروعة وتعدّ العبد ملك يمين لصاحبه، متى أبق جاز لصاحبه ومالكه قتله. وهو ملك مثل أي ملك، وحق الملكية حقّ مقدس مصون. و"القن" في عربية القرآن: العبد الذي مُلك هو وأبواه. وعرف أنه العبد الذي ولد عندك، ولا يستطيع أن يخرج عنك. وورد "لم نكن عبيد قن، إنما كُنّا عبيد مملكة". وقيل عبد قن الذي كان أبوه مملوكًا لمواليه، فإذا لم يكن كذلك فهو عبد مملكة١. فالقن إذن هو عبد بالولادة، وقد ورثه سيده: فهو عَبْد عبدٍ، أو عبد عبيدٍ. و"القني المملوك، فهو في ملك سيد. وقد اقتني وصار في مقتنيات مالكه، فهو من طبقة المملوكين. ومن هذه الطبقة المملوكة جماعة عرفت ب "رب ملكن" "ربب ملكن" "ربيب الملوك" "ربيب الملك"، بمعنى "عبد الملك" و "عبيد الملك"٢.

стр. 2575

أبناء الحبش والأبناء: وقد تولد من استيلاء الحبش على اليمن جيل جديد تعرب وكون طبقة خاصة من طبقات مجتمع اليمن. وقد تكون هذا الجيل من عنصرين: حبش ولدوا في اليمن من أبوين حبشيين، ثم بقوا في اليمن وعاش أبناؤهم فيها، وحبش تزوّجوا من اليمن، فنشأ لهم نسل فيه دماء الحبش ودماء أهل اليمن. وقد عاش الجيلان في اليمن وتعربا ونسيا أصلهما وصارا يتكلمان العربية واعتدّاها لغتهما، ولكن ملامحهما الإفريقية، أو الملامح المختلطة دساسة، لم تتمكن من الاختفاء عن الجيلين، بل بقيت تنطق بأصلهما وبصلتهما القديمة بالأرض السوداء. وعرف الجيل الذي ظهر في اليمن من تزوج الفرس في العرب ب "الأبناء"، وغلب عليهم الإسلام لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم١. وقد كتب إليهم النبي يدعوهم إلى الإسلام. وقد ساعدوا المسلمين ودافعوا عن الإسلام وقاوموا الردة،

стр. 2576

ومنهم وهب بن منبه بن سيج بن ذكبار، وطاووس، وذادوية، وفيروز الديلمي١. وقد قيل عنهم: الأبناء قوم من العجم سكنوا اليمن، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة فنصره وملكوا اليمن وتديروها وتزوّجوا في العرب؛ فقيل لأولادهم الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.. وذكر أنهم عرفوا ب "أبناوي" في لغة "بني سعد" و "بنوي" في لغة بعض العرب٢. ويظهر من بعض الأخبار أن العرب توسعت في مفهوم الأبناء فأطلقتها على كل الفرس الذين اجتذبتهم الحروب إلى جزيرة العرب٣. وعرف "الأبناء" بتسمية أخرى أيضا هي "بنو الأحرار". أما الذين ولدوا من آباء فرس وأمهات عربيات فقد عرفوا في الكوفة بالأحامرة، وفي البصرة بالأساورة، وفي جزيرة العرب بالخضارمة، وفي الشأم بالجراجمة٤. وقد ذهبت بعض كتب التواريخ التي ألفها أهل اليمن، "أن أبناء اليمن ينسبون إلى "هرمز" الفارسي الذي أرسله كسرى مع سيف بن ذي يزن. فاستوطن اليمن. وأولد ثلاثة، بهلوان ودادوان وبانيان؛ فأعقب بهلوان بهلول. والدادويون يسعوان، ومنهم بنو المتمير بصنعاء وصعدة وجراف الطاهر ونحر البون. والدادويون خوارج. ومنهم غزا كراذمار وهم خلق كثير"٥. وعرف العربيّ المولود من أمة ب "الهجين". وهو معيب. وقيل هو ابن الأمة الراعية ما لم تحصن، فإذا حصنت فليس الولد بهجين. أو "مَنْ أبوه خير من أمه". "قال المبرد: قيل لولد العربي من غير العربية هجين، لأن الغالب على أولاد العرب الأدمة. وكانت تسمى العجم الحمراء ورقاب المزاود، لغلبة البياض على ألوانهم"٦.

стр. 2577

أما طبقات المجتمع الحضري بالنسبة إلى العرب الآخرين وأسماؤها، فلا ذكر لها في النصوص الجاهلية، وإنما ذكر في الموارد الإسلامية، وأكثره مما يخص عرب الحجاز؛ لأن أكثر ما ورد عن الجاهلية القريبة من الإسلام هو ما يخص موطن الإسلام. فكل اعتمادنا فيه على هذه الموارد الإسلامية. وفي العربية ألفاظ عديدة تعبر عن منازل الناس في الشرف والسيادة. هي في الواقع من النعوت التي أطلقها الناس على الأشراف مبالغة في مدحهم وتفخيمهم وأشراف القوم هم سادتهم من أرباب البيوت. ونجد في الموارد الإسلامية ذكر "أشراف قريش". وهم كبار قريش وسادتها وأصحاب البيوت فيها. كما نجد تعبيرًا يدل على الرئاسة والزعامة هو "رحى القوم"، يقال لسيد القوم الذي يصدرون عن رأيه وينتهون إلى أمره١. وقد عُيّر السودان في الجاهلية وفي الإسلام. عُيّروا بسوادهم وبملامح أجسامهم وبطريقة تكلمهم. هذا حسان يهجو أحدهم بقوله: وأمّك سوداء نوبيّة ... كأن أناملها الحنظب٢ و"الخلاسي" الولد٣ بين أبوين أبيض وأسود، أبيض وسوداء أو أسود وبيضاء. فهو المضرب. وقال بعض علماء اللغة: تقول العرب للغلام إذا كانت أمه سوداء وأبوه عربيًا آدم فجاءت بولد بين لونيهما غلام خلاسي والأنثى خلاسية قال الجاحظ: "ورأينا الخلاسيّ من الناس، وهو الذي يتخلق بين الحبشي والبيضاء، والعادة من هذا التركيب أنه يخرج أعظم من أبويه وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا البَيْسريّ من الناس، وهو الذي يخلق من بين البيض والهند، لا يخرج ذلك النتاج على مقدار ضخم الأبوين وقوتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح"٤. وقد شابت السنة هؤلاء "طُمطمانية"، أي عجمة. قال عنترة: تأوي له قلص النعام كما أوت خرق يمانية لأعجمَ طمطم٥

стр. 2578

السادات: وسادة القوم أشرافهم ورؤساؤهم، وذكر أن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر أن السيد: الحليم لا يغلبه غضبه١. والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدًا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيّدًا عليهم. وكانوا إذا سوّدوا شخصًا عصبوه، والتعصيب التسويد، ولهذا كانوا يسمّون السيّد المطاع معصبًا. وذكر أن العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر٢. وتعدّ الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحاكم أسرًا عريقة في الشرف، وينظر إليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أبًا بعد أب. وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم قبائلهم أبًا عن جد، فإنهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين. وقصد سادات القبائل وبعض الشعراء الكبار الملوك، ورحلوا إليهم من منازلهم، وتقربوا إليهم، وتوسطوا لديهم لبعض الناس. وقد عرف هؤلاء ب "الرحال". ولهذا نجد في الكتب، أنها إذا تعرضت لمثل هؤلاء قالت عنهم إنهم من "الرحال". فقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" ب "عروة الرحال"، "وإنما سمّي الرحال لرحلته إلى الملوك"٣. كما عرفوا ب "زوّار الملوك"، منهم "أبو زيد الطائي". وأشراف الناس، هم الذي نالوا الشرف والسؤدد بين قومهم، فسادوهم. والسيد هو الرئيس، ويطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم وعلى من ساد قومه، مثل سادات القبائل. وقد نعت رسول الله "سعد بن معاذ" ب "سيد الأنصار". وتقول العرب "هذا سيدنا" و "فلان سيدنا"،

стр. 2579

أي رئيسنا والذي نعظمه. وتقول "ساد قومه"، أي صار سيدهم ورئيسهم١. ونعت "قيس بن عديّ" ب "سيد قريش"٢. وكان يوم وفاة "سعد ب معاذ" بالمدينة يومًا مشهودًا. حتى حضر الرسول جنازته وكبر عليه تسعًا، كما كبر على حمزة، تعظيمًا لشأنه. وشهد دفنه٣: وكان من عادة أهل مكة في الجاهلية أنه إذا مات لهم سيد كبير أغلقوا أسواقهم إعظاما لموته، وتعبيرًا عن تقديرهم له٤. فغلق الأسواق عند الجاهليين عند وفاة رجل خطير من أمارات التقدير والتعظيم. ومن أمارات تكريم الميت الشريف، تجمع الناس عند بيته، احتفالًا به لنقله إلى موضع دفنه. وإذا كان الميت خطير الشأن كان الجمع أكبر. وهو يتناسب في كثرته مع مكانة ودرجة الميت في المجتمع. وقد ذكر أنهم كانوا يقولون للرجل الشريف يقتل: "العقيرة"٥. والسادات هم الرءوس، رءوس الناس. أما من دونهم فأذناب. وعرفوا ب "أذناب الناس وذنباتهم"، أي أتباعهم وسفلتهم، والأتباع دون الرؤساء. ويقال: جاء فلان بذنبه، أي أتباعه. قال الحطيئة يمدح قومًا: قوم هم الرأس والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا٦ والسادات "مصابيح الظلام" ومشاعله، بنورهم يهتدي الفقراء وأصحاب الحاجة والفاقة، فينالون منهم ما يخفف عن كربهم وفقرهم. يطعمون الناس في الحضر والسفر، فهم سادة الناس وملاذهم حين تغلق كل الأبواب بأوجه الأذناب التاعسين البائسين. ويقال لأشراف قوم وللبارزين منهم وجوه القوم ووجهاء القوم، فورد "وكان من وجوه القرشيين"، و "كان من وجوه قريش". وأما "سروات" مثل

стр. 2580

"سروات الأنصار" و "سروات قريش"، ففي هذا المعنى أيضا، وجوه الأنصار وأشرافهم ووجوه قريش وأشرافهم. و "السريّ"، هو الرئيس١. وتعني كلمة "النواصي" خيار العرب وأشرافهم. فيقال هو ناصية قومه، وهو من ناصيتهم ونواصيهم. و "النصية" من القوم الخيار الأشراف٢. ويعرف الأشراف المعرقون ب "النجوم"، وواحدهم "نجم". وقد أشار إليهم "حسان" في شعره، فذكر أن الذين يحملون "اللواء" أي "لواء الحرب"، هم النجوم٣. ويقال لسادة الناس "الجحاجح" كذلك٤. ويقال لهم: "العرى"، وهم سادات الناس الذين يعتصم بهم الضعفاء، ويعيشون بعُرفهم. شبهوا بعرى الشجر العاصمة الماشية في الجدب٥. وأما لفظة "رب" التي تعني بعلا أيضًا، وإلها، والتي تعبر عن معنى "إله" في الزمن الحاضر؛ فقد أطلقت في لغة المسند على السيد والشريف، لتعبر عن معاني التفخيم والاحترام، وأطلقت في معنى "إله" أيضا في النصوص المتأخرة في الغالب، وهي من الألفاظ السامية القديمة التي وردت في معظم لغات الساميين. وقد وردت في عربيتنا بمعنى المالك والسيد والمدبر، وأطلقت بمعنى الملك كذلك. وقد كان أهل الجاهلية يطلقونها على الملك، قال الحارث بن حلزة: وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء٦ هذا وللسنّ أهمية كبيرة عند العرب، لأن الإنسان إذا ما تقدم في السن ازدادت حكمته وتجاربه في الحياة ورجح عقله. لذلك يكون مرجعًا لمن هو دونه في العمر، وملاذًا في المشورات، ويعبر عنهم ب "ذوي الأسنان"٧. وهم الطبقة الذكية

стр. 2581

الفطنة المجربة من ذوي المكانة في الناس بالطبع. ولهذا نجد القبائل تتمسك بأخذ الرأي والمشورة من ساداتها المسنين ومن حكمائها المعمّرين، لأنهم عركوا الحياة وخبروها وعرفوا ما فيها من مرّ وحلو. لذلك جعلوا في الطبقات العليا من الناس. و"الربّ" الرئيس والمرجع ومن تكون إليه الطاعة. والأرباب، هم السادات "قال المنذر يومًا لخالد، وهم على الشراب، يا خالد، من ربك؟ فقال خالد: عمرو بن مسعود ربي وربك. فأمسك عليهما"١. و "المنذر" هو المنذر الأكبر اللخمي، وخالد، هو خالد بن نضلة. ولهذا كان يقول العبد لسيده: ربّي. وتقول حاشية السيّد والملك لسيدها وملكها: ربّنا. قال الحارث بن حلزة: ربُّنا وابننا وأفضل من يمـ ... ـشي ومن دُون ما لديه الثناء وقال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: وأهلكن يومًا ربّ كندة وابنه ... وربّ معدّ بين خَبت وعرعر٢ و"الخُطر"٣ الأشراف من الرجال العظيمو القدر والمنزلة. والخطير الواحد. ويقال للرجال الشريف، هو عظيم الخطر. وقوم خطيرون: قوم أشراف٤. ويقال "العبقري" للكامل والسيد من الرجال. وهو سيد القوم وكبيرهم والذي ليس فوقه شيء والشديد القوي٥. وقد عرف سادة قريش ووجوهها ب "خضراء قريش". ولما صعد الرسول "الصفا"، عام الفتح، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا وجاء "أبو سفيان"، فقال: "يا رسول الله أبيدت خضراء قريش! لا قريش بعد اليوم"٦. يقصد

стр. 2582

نخبة قريش وخاصتها، في مقابل "أوباش قريش"، الذين قال عنهم الرسول للأنصار: يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش١. والأخضر عند العرب الأسود. وقد افتخر "الفضل بن عبّاس بن عتبة اللهبي" بلونه، إذ قال: وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب يقول: أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة، وأنه عربي محض لأن العرب تصف ألوانها بالسواد: وتصف ألوان العجم بالحمرة، والخضرة عند العرب السواد٢. وورد "خضر غسان"، و "خضر محارب". قال الشاعر: إن الخضارمة الخضر الذين غدوا ... أهل البريص ثمانٍ منهم الحكم والخضارمة جمع خضرم، وهو السيّد الحمول٣. ويقال لمن هم دون الأشراف وفوق الطبقات الدنيا، "أوساط الناس"، و "الأوساط"، و "اللهازم". يقال هو من لهازم القبيلة، أي من أوساطها لا أشرافها٤.

стр. 2583

المستضعفون من الناس: والمستضعفون من الناس، كثيرون، وقد نظر إليهم مجتمعهم نظرة ازدراء واستهجان، واعتدّهم من الطبقات الدنيا. إما لفقرهم وضيق ذات يدهم، ومنهم الفقراء والصعاليك والمحتاجون وأبناء السبيل، وإما لطيشهم وخروجهم من مجتمعهم، ومنه الطريد والضال والخليع، وإما لانشغالهم بحرف يدوية، وهي حرف لا تليق بالرجل الكريم، ولا سيما الحرف الدنيا مثل الحلاقة والحجامة والحمالة وأمثالها، وأما من ناحية أصلهم، مثل أن يكونوا عبيدًا أو عبيدًا مملوكين. ولاستصغارهم شأن، الحرف اليدوية، لم يقبل عليها الأحرار وأبناء البيوت. إلا

стр. 2584

من اضطرته الفاقة ووجد ألّا سبيل له إلى العيش إلا بالاشتغال بها، فانصرف إليها صاغرًا. ولهذا كان أكثر أصحاب الأعمال اليدوية من الرقيق والأعاجم واليهود. وإذا أخذنا بروايات أهل الأخبار نجد أن عدد أصحاب الحرف اليدوية كان قليلا جدًّا، فلم يكن في مكة مثلًا أحد من النجارين البارعين على ما يفهم من رواياتهم كروايتهم عن إعادة بناء الكعبة قبل النبوة بخمس سنين، أو كانوا قلة يعدون عدًّا. وكذلك يقال عن بقية الحرف، ويقال مثل ذلك عن يثرب. ولا أستبعد أن تكون في روايات أهل الأخبار مبالغات، ولكننا لا نستطيع نكران ازدراء العرب للحرف والصناعات. وكانوا يعيرون من يتزوج من ابنة صائغ أو حداد أو نجار، ويعيرون نسله، ولا سيما إذا كان من بيت رفيع. وقد وجد أعداء "النعمان بن المنذر" آخر ملوك الحيرة وحساده في أُمه "سلمى" التي قيل إنها ابنة قين أو صائغ يهودي، سببًا قويًّا من أسباب استهزائهم به والاستصغار لشأنه. أما الحرفي، أي الذي يشتغل بالحرف اليدوية، فلم يكن من السهل عليه التزوج من بنات الأحرار، لما قد تتعرض له أسر البنات من تعيير وسبّة وإهانة بين الناس، بتزويجهم ابنة حرة لشخص وضيع مستصغر. وأدنى المتعيشين بالحرف منزلة، الحلاقون والحجامون والحمالون، ثم أولئك الذي يعيشون على تلهية الناس، مثل سائس قرد، وهو الشخص الذي يربي القردة ويعلمها القيام ببعض الألعاب لتسلية المتفرجين وإضحاكهم في مقابل صدقة يقدمونها لقردته وله، ومثل أناس آخرين يربون حيوانات أخرى للغرض نفسه، أو يتخذون لهم مهنة إضحاك الناس عليهم لدر عطفهم والجود عليهم، ومثلهم المخنثون والمغنون المطربون. وقد عرف المعدمون المتربون، وهم الذين لا يملكون شيئًا ب "بني غبراء"، للزقهم بغبراء الأرض، ويقال لهم "الصعاليك" أيضا١، وقد ذكرت قبل قليل

стр. 2585

ورود لفظة "غبر" في الكتابات القتبانية، وأن لها صلة ب "غبراء الناس" وب "بني غبراء" في عربيتنا. وقد تكون لهذا المصطلح صلة بمصطلح اختلف علماء التوراة في المراد منه، هو مصطلح "عم هـ - أرز"، أي "ناس الأرض" "أهل الأرض"، فقد ذهب بعض العلماء إلى أنها تعني طبقة وضيعة من سواد الناس، أو "الفلاحين" الذين يعيشون على استغلال الأرض. ونعت الخادم الذي يخدم بطعام بطنه "بالعضروط"، وهو الصعلوك، والعضاريط الصعاليك. وتعهد إلى العضروط مختلف الخدمات، مثل العناية بالراحلة وأداء أي عمل آخر يقوم به في مقابل طعام بطنه١. ويقال للعضروط: اللعموظ، وهو الذي يخدم بطنه. و "العضارط" الأجراء٢. و"الخول" العبيد والخدم، ويقال: القوم خول فلان، أي أتباع، وهم حشم الرجل وأبتاعه. ويقع على العبد والأَمة٣ فهم إذن الأتباع المغلوبون على أمرهم الخاضعون لحكم المتحكمين في رقابهم من السادة. والمملوك خلاف الحر، والرقيق: المملوك واحد وجمع. والرقيق العبد٤. ورَقّ صار في عبودية٥ والعبد: المملوك خلاف الحر٦. ونجد لعلماء اللغة تفاسير كثيرة لمعنى "العبد"، والرقيق، وفي مدى حرية كل واحد منهما. وقد استعملت لفظة "العبد" للدلالة على معان مجازية، ومعان حقيقية. فقد قصد بها الخضوع والتذلل، ولهذا نهي عن استعمالها بهذا المعنى في الإسلام، فورد: "لا يقل أحدكم لمملوكه عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي"٧. وقصد بها أيضًا العبودية الحقيقية. ولفظة "عبد" و "العبد" لفظة عامة في الأصل، وقد وردت بهذا المعنى في أكثر اللغات السامية، فاستعملت في معانٍ مجازية وفي معان حقيقية، ولم تكن

стр. 2586

تعني شخصًا مملوكًا بالمعنى الحقيقي من لفظة "مملوك" بالضرورة. وطالما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملًا، مثل: "ومن هو؟ عبد من عبيدي"، و "أنت عبد من عبيدي"، وذلك تعبيرًا عن ازدراء شخص لشخص آخر، واستصغار لشأنه، لأنه جعله في منزلة خدمه وعبيده. واستعملوا لفظة: "عبد" و "العبد" بالمعنى الحقيقي الخاص بالعبودية، وقصدوا بها "مملوكًا"، فقالوا: "كان عبدًا روميًّا"، وقالوا: "كان عبدًا حبشيًّا"، فقصدوا بها "مملوكًا" كائنا ما كان لونه، أو جنسه. والظاهر أن المتأخرين قد غلَّبوا استعمالها على العبيد والسود، فأطلقوا عليهم من غير ذكر صفتهم، وعنوا بها الرقيق الأسود فحسب. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن "العبد" إذا مُلك ولم يملك أبواه، أو الذي سبي، ولم يُملك أبواه. وقالوا: هم عبيد مملكة، وهو أن يغلب عليهم ويستعبدوا وهم أحرار. وفي الحديث: "أن الأشعث بن قيس خاصم أهل نجران إلى عمر في رقابهم، وكان قد استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا، أبوا عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا إنما كنا عبيد مملكة ولم نكن عبيد قن١. أي أن يغلب عليهم فيستعبدهم وهم في الأصل أحرار. وذكر علماء العربية أن القن: العبدُ الذي مُلك هو وأبوه، وأن العبد القن الذي ولد عندك ولا يستطيع أن يخرج عنك. وعبد قن خالص العبودة٢. فالقن إذنْ، هو العبد المملوك، الذي تنقل إليه العبودية عن أبيه. وقد أسلفت أن هذه اللفظة وردت في لغة المسند، وإنها كانت تعني هذا المعنى عندهم أيضا. ويشبه العبد القن، العبد الذي يقال له "CERF" عند الرومان. و "القين": العبد والجمع قيان٣. ويعبر عن العبد بلفظة "مولى" أيضا، ويراد بها المعتق كذلك. وتؤدي معاني اجتماعية أخرى ذكرها علماء اللغة منها: الحليف، والعقيد، والربّ

стр. 2587

والمالك، والسيد. ويتبين معناها من الاستعمال١. وقد كان بمكة وسائر الأمكنة الأخرى من جزيرة العرب عدد كبير من الموالي. والعبيد هم حاصل الحروب. فإذا وقع انسان أسيرًا في غزو أو حرب صار ملكًا لآسره، إن شاء مَنّ عليه ففك رقبته، وإن شاء ملكه فصار عبدًا له. يحتفظ به لنفسه إن أراد، أو أن يهديه لغيره فيصير في ملك من أهدي له، أو أن يبيعه، فيقبض ثمنه، فتنتقل ملكية العبد إلى شاريه، فالسباء هو مصدر مهم من مصادر الرقيق. ومورد آخر أمدَّ الجاهليين بالعبيد، وهو التجارة: تجارة العبيد. وقد اختص بها قوم عرفوا بالنخاسين. يأتون بالرقيق من مختلف الأماكن ويبيعونه. وكانت تجارة رابحة. ومن العبيد، قوم كانوا مدينون فلم يتمكنوا من سداد ديونهم فبيعوا رقيقًا. ومنهم من صار رقيقًا لعدم تمكنه من دفع مال يجب عليه تأديته. كالذي روي من تقامر أبي لهب والعاص بن هشام على أن من قمر صار عبدًا لصاحبه، فقمره أبو لهب فاسترقه واسترعاه إبله٢. ويكون عدد ما يملكه الإنسان من الرقيق أمارة على الغنى والمنزلة والجاه والقوة. هم قوة لأنهم عُدّة لسيدهم في القتال وفي الدفاع عنه حتى وإن كرهوه. وهم خدم له يؤدون له كل ما يطلبه منهم من أعمال، ولا يخلو منهم بيت. وذكر أن بعض السادات كان يملك المئات من العبيد فلما وفد "ذو الكلاع ملك حمير" على أبي بكر "ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته وعليه التاج، وما وصفنا من البرود والحلل"٣. وكان كثير من ملاك الرقيق ذوو قلوب غلاظ، لا يرحمون عبيدهم ولا يرفقون بهم. وإذا شهد العبد غزوًا أو حربًا وغنم فلا يعطي حقه له. ويؤخذ

стр. 2588

سهمه ويعطي إلى سيده. ولم يكونوا يثقون بأمانة رقيقهم١ لذلك حقد العبيد على سادتهم، وانضموا إلى أعدائهم إن وجدوا فرصة مواتية لهم أملًا منهم بإصلاح الحال. ولما حاصر الرسول الطائف نادى مناديه: أيما عبد نزل فهو حر وولاؤه لله ورسوله" فنزل جمع منهم وأسلموا وصاروا أحرارًا٢. ويذكر علماء اللغة طبقة سموها "القطين"، وهم في عرفهم تبّاع الملك ومماليكه، والخدم والأتباع. وقالوا أيضا: إن القطين تبع الرجل، ومماليكه، وخدمه٣. ويقال للرعية من الناس "السُّوقة" سموا بذلك لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم٤. وأما "سواد الناس"، فعامتهم. وكل من ذكرت من الطبقات الدنيا هم "سوقة". و "عوام"، و "سواد". ويقال للأخلاط والسفلة من الناس: الأوباش. وهم مثل الأوشاب٥. وأما الأشابة فأخلاط الناس تجتمع من كل أوب والتأشب التجمع. ويقال: أوباش من الناس وأوشاب. وهم الضروب المتفرقون٦. ويذكر علماء اللغة أن أهل اليمن يطلقون على المستضعفين من الناس "مستخمرون". و "المستخمرون" هم الجيران الضعفاء. ومن "أخمره الشيء"، بمعنى أعطاه إياه أو ملكه بلغة اليمن٧. ويقال لأوغاد الناس وأرذالهم "الطغام" و "الطغامة". وذكر أن "طغامة"

стр. 2589

و "دغامة" الأحمق. وورد "ياطاسة الأحلام"، بمعنى من لا عقل له ولا معرفة، وقيل: هم أوغاد الناس وأسافلهم١. وعرف أوغاد الناس ب "أولاد درزة". وذكر أن أولاد درزة: السفلة والسقاط والغوغاء من الناس، كذلك أولاد ترنى. و "أولاد درزة" أيضا الخيّاطون. ويقال: أولاد درزة هم الحاكة، وهم من أسافل الناس، كما صرح به المفسرون في قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ . وابن درزة الدعي، أو ابن أمة تُساعي، فجاءت به من المساعاة ولا يعرف له أب٢.

стр. 2590

أهل الوبر: ما ذكرته عن المجتمع يتناول الحضر، أما المجتمع البدوي، أي مجتمع الأعراب، فمجتمع ساذج ليس في تكوينه تعقيد ولا تعدد طبقات. صقلت البادية أهلها، وبسطت لهم أسلوب الحياة، وقلصت من الفروق الطبقية، فلا تجد فيها ما نجده عند الحضر من اختلاف كبير في منازل الناس. وكل ما هنالك من طبقات: سادات القبائل، وهم رؤساء القبيلة وأشرافها، وأحدهم "سيد القبيلة" أو رئيس القبيلة. ثم أشراف العشائر ومتفرعاتهم. ولهم أموال، ورقيق يخدمونهم. أما سواد القبيلة، فهم منتشرون في أرض القبيلة على هيأة مجتمعات صغيرة متفرقة مبعثرة، لضيق العيش الذي لا يساعد على تجمع أفراد القبيلة تجمعًا كبيرًا في محل واحد، تظهر فيه الحرف وتتنوع الأعمال التي تكون ضرورية لمجتمع الحضر. ولسادات القبائل المال، وهي: الإبل. ويشربون من ألبانها، ويأكلون لحومها، وهم الذين في استطاعتهم الذهاب إلى القرى والمدن ومواطن الحضارة للعيش فيها زمنا، ولشراء ما يجدون في أسواقها مما يحتاجون إليه من سلع.

стр. 2591

وللتمتع بمناظر الحضارة. ولزيارة الملوك والحكام. والسكان منهم على مقربة من الحضر، يخالطهم وقد يشتري له ملكًا يعيش فيه بينهم. فإذا جاء الربيع، وحمد وقت البادية عاد إلى وطنه، ليرعى ماله، ولينظر في شئون قبيلته. وقد استخدم الأعراب "العبيد" أيضًا، ولكنهم لم يكثروا من استخدامه استخدام أهل الحضر له، لعدم وجود حاجة كبيرة عندهم إليه. وقد كان عبيد الأعراب أكثر حرية وأحسن حالا من عبيد أهل الحضر، ذلك لأن البادية لا تعرف الأعمال المرهقة، ولا الحرف الكثيرة التي فرضتها الحضارة على أهل الحضارة، لذلك صارت الأعمال التي يقوم بها عبيد الأعراب أقل بكثير من الأعمال التي يقول بها عبيد أهل القرى، وصار العبد في البادية ألصق بصاحبه من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت الذي اشتراه أو ورثه.

стр. 2592

بيوت العرب: لقد تبين لنا مما تقدم أن العرب وإن بدوا وكأنهم سواسية كأسنان المشط، الكل متساوون في المعاملة لا فرق عندهم بين غني وفقير، كل معتز بنفسه فخور بفعاله، إلا أنهم مع ذلك وفي الواقع طبقيون، لكل طبقة عرف وتقاليد، فبيوتهم تتفاوت عندهم في الشرف والمكانة، هناك بيوت اشتهرت في القبيلة وحافظت على فعالها ومكانتها، وكانت تتفاخر وتتباهى على غيرها فلا تزوج أحدًا من أبنائها أو بناتها إلا لمن كان كفؤًا لها. وقد تحدث أهل الأخبار والأنساب عن بيوت برزت في القبائل وتفوقت على غيرها في ناحية من نواحي الفضل والفخر. فذكر ابن الكلبي: مثلا أن العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر، والبيت والفرسان في شيبان١. وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو،

стр. 2593

وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان١. وقد اشتهرت ثلاثة بيوت شهرة خاصة في الجاهلية القريبة من الإسلام، وهي: بيت بني زرارة، وهم من "بني عبد الله بن دارم" في تميم، وبيت "بني بندر"، وهم من "بني فزارة" من "بني قيس"، وبيت "ذي الجدّين"، وهم من "بني شيبان" من "بكر بن وائل"٢. وجعل "أبو عبيدة" بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة، ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن درام، ومركزه بنو زرارة٣. وذكر أنه قال: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعدّ ولا أكثر فرسانًا من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأغر والحصن. وبنوه: شيبان وذهل وقيس وتيم الله. وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المريّ؛ وشاعرها النابغة الذبياني. وفارس بني تميم عتيبة بن الحرث بن شهاب أحد بني يربوع. وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري. وفارس دارم عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصين الضبيّ، وفارس قيس عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس٤. وقال أبو عمرو بن العلاء: بيت بني سعد إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عديّ بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس٥. وزعم "ابن الكلبي" أن آل حصن الفزاريين، وآل الجدين الشيبانيين،

стр. 2594

وآل عبد المدان الحارثيين، هم أعلى بيوت العرب. ويقال: بيت تميم في بني حنظلة، أي شرفها١. فهذه البيوت هي البيوت البارزة المسلم لها بالسيادة والشرف عند الجاهليين على رأي "ابن الكلبي". وذكر "الجمحيّ": أن الفروسية في اليمن في بني زبيد بن عمرو بن معد يكرب. وأن شاعر اليمن امرؤ القيس، وأن بيتها في كندة: في الأشعث بن قيس. لا يختلف في هذا وإنما اختلف في نزار. وقال أخباري: كان بيت قيس في آل عمرو بن الظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع ثم تحول إلى بني بدر. فجاء الإسلام وهو فيهم. وقال الأخفش: فرعا قريش هاشم وعبد شمس. وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيّار بن عمرو بن جابر. وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع. وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وأبو بكر ابنا كلاب. وفرعا قضاعة عذرة والحرث بن سعد٢. وقد ذكر "الجاحظ" أن هناك قبائل في شطرها خير كثير، وفي االشطر الآخر شرف وضعة. "فمن القبائل المتقادمة التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرّة، وثعلبة، ومثل عبس، وعبد الله بن غطفان، ثم غنيّ وباهلة، واليعسوب والطفاوة. فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والملقى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغنيّ. ومن هذا الضرب تميم بن مرّ، وثور وعكل، وتميم ومزينة. ففي عكل وتيم ومزينة من الشرف والفضل ما ليس في ثور"٣. وذكر "الجاحظ" أن بعض الناس تكبّروا على غيرهم، لما وجدوا لأنفسهم من الجاه والثراء والمكانة، ومنهم: بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس. فلم يكونوا كبني هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم٤.

стр. 2595

الشرف: وللشرف مقام كبير عند العرب. وإذا دخل شريف قوم في مجتمع جلس في
следующие страницы →